أنيس المجتهدين في علم الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
500 /
589

دليل الجزء الثاني‏

المبحث الثالث: في مشتركات الكتاب و السنّة 591

الباب الأوّل في الأمر و النهي 593

الباب الثاني في العامّ و الخاصّ 699

الباب الثالث في المطلق و المقيّد 822

الباب الرابع في المجمل و المبيّن 829

الباب الخامس في الظاهر و المؤوّل 847

الباب السادس في المنطوق و المفهوم 851

الباب السابع في النسخ 872

المبحث الرابع: في الاجتهاد و التقليد 897

الباب الأوّل في الاجتهاد 899

الباب الثاني في التقليد 957

المبحث الخامس: في التعادل و الترجيح 973

الفهارس العامّة 991

590

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

591

المبحث الثالث في مشتركات الكتاب و السنّة

و فيه أبواب:

592

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

593

الباب الأوّل في الأمر و النهي‏

[في معنى مادّة الأمر و صيغته‏]

لفظ الأمر حقيقة- وفاقا- في القول المخصوص، أي الدالّ بالوضع على طلب الفعل استعلاء. و ما يصرف منه- ك «أمرته» و «أمرني» و «مر» و غيرها- حقيقة فيه مع النسبة المخصوصة.

و الحقّ أنّه حقيقة فيه فقط (1)، و ليس حقيقة في غيره وفاقا للأكثر.

و قيل: مشترك بينه و بين الفعل، و إليه ذهب المرتضى من أصحابنا (2).

و قيل: متواطئ فيهما، أي هو القدر المشترك بينهما (3)، أعني مفهوم أحدهما، أو مطلق الفعل، أعمّ من أن يكون باللسان أو بغيره.

و قال البصري: مشترك بينهما و بين الشي‏ء، و الصفة، و الشأن، و الطريقة (4).

لنا: تبادر القول المخصوص فقط منه عند إطلاقه، و لو كان مشتركا بينه و بين غيره لتبادر الغير أيضا على الاجتماع أو البدليّة، و ليس كذلك، فيبطل الاشتراك مطلقا.

و أيضا: هو خلاف الأصل؛ لأنّه يخلّ بالتفاهم، و لو كان متواطئا بينهما لكان أعمّ منهما، فلم يفهم القول المخصوص منه عند إطلاقه فضلا عن أن يتبادر منه؛ لأنّ الأخصّ لا يفهم من الأعمّ عند إطلاقه، كما لا يفهم الإنسان من الحيوان.

____________

(1). أي بدون النسبة المخصوصة.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 27.

(3). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 46، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 154.

(4). المعتمد 1: 39.

594

و قد استدلّ عليه بوجوه غير تامّة (1):

منها: عدم اطّراده في الفعل؛ لأنّه لا يسمّى بعض الأفعال- كالأكل و الشرب و أمثالهما- أمرا، فلا يكون حقيقة فيه؛ إذ الاطّراد لازمها.

و يرد عليه: منع عدم التسمية.

و منها: صحّة السلب؛ لأنّه يقال: ما أمر بل فعل.

و يرد عليه: منعه على الإطلاق.

و منها: عدم الاشتقاق من الأمر بمعنى الفعل، فلا يشتقّ منه اسم الفاعل و المفعول، و الأمر و النهي و غيرها، فلا يسمّى الأكل أمرا و المأكول مأمورا به، و هكذا، و هو دليل عدم الحقيقة؛ للزوم الاشتقاق فيها.

و يرد عليه: منع اللزوم، كمنع عدمه في المجاز، و لذا لا يدلّ جمع الأمر الفعلي على امور على كونه حقيقة. و بهذا يظهر فساد الاحتجاج به على كونه حقيقة فيه؛ لأنّه اشتقاق، و هو دليل الحقيقة.

و منها: أنّ الأمر يستلزم متعلّقا هو المأمور، و هو لم يتحقّق في الفعل، و انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم.

و يرد عليه: منع لزومه لمطلق الأمر.

و منها: انتفاء لوازم الأمر عن الفعل، ككونه قسما من الكلام، و ضدّا للنهي، و اتّصاف من تعلّق به بالمطيع و العاصي.

و يرد عليه: أنّها من لوازم القولي دون الفعلي.

احتجّ القائل باشتراكه بينه و بين الفعل بصحّة استعماله فيه، كما في قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ (2)، و المراد الأفعال العجيبة.

و قوله تعالى: أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏ (3) أي فعله، وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ (4)، وَ ما أَمْرُ

____________

(1). حكاها الفخر الرازي في المحصول 2: 9- 10، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 148- 149.

(2). هود (11): 40.

(3). هود (11): 73.

(4). القمر (54): 50.

595

فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (1)، لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ‏ (2). و كما يقال: «هذا أمر عظيم»، و الأصل في الاستعمال الحقيقة (3).

و قد بالغ المرتضى في مواضع من الذريعة (4) و سائر كتبه في أنّ الأصل في مطلق الاستعمال الحقيقة، و بنى عليه الحكم في جميع ما يتفرّع عليه من المسائل.

و قد بيّنّا فيما تقدّم‏ (5) أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، فيمكن أن يكون الاستعمال فيما ذكر مجازا، بل هو متعيّن؛ لأنّه أولى من الاشتراك. على أنّه لو سلّم دلالة الاستعمال على الحقيقة؛ فإنّما هو إذا تجرّد عن القرينة، و القرينة على إرادة الفعل فيما ذكر موجودة. و لو منعت، منع كون الفعل فيه مرادا، بل يدّعى إرادة غير الفعل من القول أو غيره.

و احتجّ القائل بالتواطؤ بأنّه يستعمل فيهما، فيجب جعله للقدر المشترك بينهما؛ دفعا للاشتراك و المجاز؛ فإنّ كليهما لإخلالهما بالتفاهم محذوران، مخالفان‏ (6) للأصل‏ (7).

و الجواب: أنّ ذلك لو لم يدلّ دليل على خلافه، و إلّا لزم رفع الاشتراك و المجاز رأسا، و هنا دلّ الدليل على خلافه، حيث بيّنّا أنّه يفهم القول المخصوص منه عند إطلاقه، و العامّ لا يدلّ على الخاصّ.

و اجيب عنه أيضا بأنّه قول حادث يرفع المجمع عليه، و هو كونه حقيقة في القول المخصوص بخصوصه، فيجب ردّه.

و الظاهر أنّ المجمع عليه هو كونه حقيقة في القول المخصوص، أعمّ من أن يكون بخصوصه، أو في ضمن القدر المشترك بينه و بين غيره‏ (8).

و احتجّ البصري بأنّه كما يطلق على القول و الفعل، يطلق على الشي‏ء و الصفة، و الطريقة

____________

(1). هود (11): 97.

(2). إبراهيم (14): 32.

(3). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 27، و الفخر الرازي في المحصول 2: 13.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 28 و 38 و 39، و لم نعثر عليه في سائر كتبه.

(5). راجع ص 593.

(6). كذا في النسختين. و الأولى بل الصحيح: محذور مخالف؛ فإنّ خبر «كلا» و «كلتا» في جميع الحالات مفرد.

(7). تقدّم ذكره في ص 593.

(8). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 149.

596

و الشأن، كما في قولهم: «رأيت أمرا هالني» و «لأمر ما جدع قصير أنفه» و «أمر فلان مستقيم» و «لأمر ما يسود من يسود». و قد عرفت جوابه‏ (1).

و بأنّه لو قيل: «أمر فلان» تردّدنا بين الأشياء المذكورة و القول و الفعل و هو آية الاشتراك‏ (2).

و الجواب: منع التردّد بل يتبادر القول. هذا.

و يظهر لك فائدة الخلاف في الأيمان، و النذور، و التعليقات. و كيفيّة التفريع ظاهرة.

و على ما اخترناه يمكن الاستدلال بالآيات الدالّة على وجوب اتّباع الأمر- كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ (3)- على وجوب اتّباع أفعاله (صلّى اللّه عليه و آله).

فصل [1] [: في حقيقة الأمر]

لمّا عرفت أنّ الأمر حقيقة في القول الدالّ وضعا على طلب الفعل استعلاء (4)، فاعلم أنّه حدّه، و القول جنس يخرج الإشارة و القرائن، فالطلب بهما لا يسمّى أمرا (5).

و قولنا: «الدالّ على الطلب» يخرج ما لا يدلّ عليه، كالخبر، و التهديد، و أمثالهما.

و احترز «بالوضع» عن الدالّ على الطلب لا بالوضع، كقولنا: «أوجبت عليك» أو «أنا أطلب منك كذا» أو «إن تركته عاقبتك»؛ فإنّه في الأصل خبر عن الطلب و ليس به، و إن دلّ عليه عرفا.

و إضافة «الطلب» إلى «الفعل» تخرج النهي. «و الاستعلاء» يخرج ما على جهة التسفّل، و هو الدعاء، و ما على سبيل التساوي و هو الالتماس.

و الحقّ اشتراط الاستعلاء كما هو رأي المحقّقين‏ (6)، و عدم اشتراط العلوّ، كما هو رأي‏

____________

(1 و 2). تقدّما في ص 593.

(3). النور (24): 63.

(4). في ص 593.

(5). حقّ العبارة أن تكون هكذا: «فالإشارة و القرائن الدالّة على الطلب ليست أمرا».

(6). منهم: البصري في المعتمد 1: 43، و الفخر الرازي في المحصول 2: 17، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 158، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 65، و العلّامة في تهذيب الوصول: 93، و المحقّق الحلّي في معارج الأصول: 62.

597

المعتزلة (1)، و الأمرين‏ (2) كما هو رأي جماعة (3)؛ لعدّ (4) العقلاء أمر الأدنى الأعلى سفها، فلو اشترط العلوّ لما كان هذا أمرا، و لو لا أنّ فيه الاستعلاء لما عدّ سفها. و يدلّ على عدم اشتراط العلوّ قوله تعالى حكاية عن فرعون: فَما ذا تَأْمُرُونَ‏ (5).

فإن قيل: هذا يدلّ على عدم اشتراط الاستعلاء أيضا.

قلنا: ممنوع؛ لأنّا نلتزم تحقّق الاستعلاء فيه؛ لأنّ افتقار فرعون إليهم في علمهم اضطرّه إلى التخضّع لهم، و ترخّصهم في التكلّم معه على جهة الاستعلاء تعظيما لعلمهم، و قس عليه أمثاله.

و لو قطع النظر عنه نقول: لمّا علم بالدلالة اعتبار الاستعلاء، يتعيّن إرادة المعنى المجازي من مثله.

و يدخل في إطلاق الطلب الإيجاب و الندب، و لا يلزم منه كون مطلقه أمرا؛ لأنّ الأمر هو القول الدالّ بالوضع على الطلب. و لو جعل نفس الطلب- كما هو رأي جماعة (6)، و إن لم يكن صحيحا عندنا، كما يأتي‏ (7)- فليس مطلق الطلب، بل الطلب بالقول الدالّ بالوضع عليه.

و على التقدير الأوّل‏ (8) ينحصر بصيغة «افعل» و ما بمعناها في لغة العرب كالمضارع المقرون باللام، و اسم الفعل، مثل «رويد» و «صه» أو غيرهما؛ لأنّ غيرهما (9)- ممّا يدلّ على الطلب مطلقا ك «أمرتك» أو مقيّدا في وجوب ك «أوجبت» و «حتّمت»، أو ندب مثل «ندبت» و «سننت»- لا يدلّ عليه وضعا.

____________

(1). حكاه البصري في المعتمد 1: 43، و الفخر الرازي عن المعتزلة في المحصول 2: 302.

(2). عطف على العلوّ، أي عدم اشتراط الأمرين و هما العلوّ و الاستعلاء.

(3). حكاه الأسنوي عن القاضي عبد الوهّاب في التمهيد: 265.

(4). هذا تعليل لكفاية الاستعلاء في تحقّق الأمر.

(5). الأعراف (7): 110.

(6). منهم: المحقّق الحلّي في معارج الاصول: 64، و العلّامة في تهذيب الوصول: 94، و الأسنوي في نهاية السؤل 2:

226، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 121، و الفاضل التوني في الوافية: 68.

(7). يأتي في ص 599.

(8). أي كون الأمر هو القول الدالّ بالوضع على الطلب.

(9). أي غير صيغة افعل و ما بمعناها.

598

و على التقدير الثاني‏ (1) بالطلب المستفاد منهما، فلو كانا حقيقتين في الوجوب- كما هو الحقّ- انحصر الأمر في الإيجاب أو ما يفيده، و المأمور به في الواجب، فلا يكون المندوب مأمورا به، كما تقدّم‏ (2) و إن كان مطلوبا، فبطل ما اورد على الحدّ، بأنّه يصدق على ما يفيد الندب مع عدم كون المندوب مأمورا به.

و بما ذكر يظهر أنّ التعبير عن الخلاف في أنّ الإيجاب هل له صيغة تخصّه أم لا؟- أي صيغة «افعل» و ما بمعناها حقيقة في الوجوب أم لا- بالخلاف في أنّ الأمر هل له صيغة تخصّه أم لا؟- كما ارتكبه جماعة (3)- صحيح، فتخطئة هذه الترجمة- نظرا إلى عدم الخلاف في إمكان التعبير عن مطلق الطلب بمثل «أمرتك» و «أنت مأمور» و مقيّده بمثل «أوجبت» و «ندبت»- خطأ؛ لأنّ مرادهم أنّ الطلب هل له صيغة تدلّ عليه وضعا بهيئتها، بحيث لا تدلّ على غيره؟ و مثل «أمرتك» ليس كذلك؛ لأنّ حقيقته الإخبار.

بقي الكلام في سبب التعبير عن الإيجاب بلفظ الأمر، و الظاهر أنّ سببه كون الإيجاب آكد من الندب في كونه أمرا. و المراد من الدلالة في الحدّ هو المطابقة لا الالتزاميّة، فلا ينتقض طردا بمثل «لا تستقرّ» و «لا تسكت»، و عكسا بمثل «اجتنب» و «اسكت».

اعلم أنّ الأمر لمّا كان من جنس الكلام- و هو على التحقيق ينحصر باللفظي المركّب من الحروف و الأصوات، و لا يصحّ النفسي الذي أثبته الأشاعرة (4) و هو المعنى القائم بالنفس، المغاير لجنس الحروف و الأصوات‏ (5)، كما ثبت في محلّه- فيجب أن يحدّ الأمر بما حقيقته الحروف و الأصوات، كالقول و اللفظ و الصيغة بشرائطه‏ (6)، كما حدّدناه به‏ (7)، لا بما حقيقته المعنى القائم بالنفس كالطلب و مثله؛ فإنّ المقصود بالذات إظهاره و إلقاؤه إلى المخاطب‏

____________

(1). أي كون الأمر هو نفس الطلب.

(2). تقدّم في ص 597.

(3). منهم: الغزالي في المستصفى: 204، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 158 و 159.

(4). راجع المحصول 2: 19.

(5). المستصفى: 202 و 203.

(6). أي بشرائط الحدّ.

(7). تقدّم في ص 596.

599

و إن كان هو الطلب و الصيغة المخصوصة وسيلة إليه، إلّا أنّ الأمر هو الوسيلة؛ لما ذكر، و المقصود مدلوله.

و الحقّ أنّه عين الإرادة؛ لعدم تعقّل الزائد عليها منه، و لا يعقل وضع اللفظ الظاهر لمعنى غير معقول‏ (1).

فما ذهب إليه الأشعري من أنّ الطلب مغاير للإرادة (2) باطل.

و احتجاجه عليه بأنّه تعالى أمر الكافر الذي علم منه عدم الطاعة بها و لم يردها منه؛ نظرا إلى استحالة صدورها عنه؛ لامتناع انقلاب علمه جهلا، و الطلب إمّا نفس الأمر، أو لازم له. و بأنّه قد يطلب ما لا يراد امتحانا (3).

مندفع بمنع عدم الإرادة في الأوّل. و تعليله عليل؛ لأنّ العلم ليس علّة. و منع الطلب في الثاني؛ فإنّ الصيغة الشخصيّة إذا تجرّدت عن الإرادة لا تدلّ على الطلب، و لا تكون حينئذ أمرا حقيقة، بل تكون مستعملة في غير ما وضعت له، كما إذا استعملت في الخبر أو غيره، بل يتوقّف كونها أمرا على إرادة المأمور به منها.

و يظهر من هذا أنّ ما قيل: إنّ إرادة المأمور به مؤثّرة في كون الصيغة أمرا (4) صحيح، و المراد به ما قلناه.

و التحقيق، أنّ وضع الصيغة للطلب يكفي في دلالتها عليه، كسائر الألفاظ الموضوعة لمعانيها، و لا يفتقر إلى إرادة اخرى كما قيل‏ (5)، و إلّا لزم الافتقار إليها فيها أيضا، و هو باطل.

و احتجّ الخصم بأنّها تدلّ على التهديد كما تدلّ على الطلب، فلا بدّ من مميّز، و لا مميّز غير الإرادة (6).

و الجواب: أنّه يستقيم لو كانت حقيقة في التهديد و ليس كذلك، بل دلالتها عليه‏

____________

(1). في «ب»: «الظاهر المعنى غير معقول».

(2). قاله الرازي في المحصول 2: 2.

(3). المصدر: 19.

(4). حكاه الرازي عن أبي علي و أبي هاشم في المحصول 2: 29.

(5). حكاه الرازي عن الكعبي في المحصول 2: 28.

(6). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 29.

600

مجازيّة، فتوجد معها القرينة، فبدونها تحمل على الطلب من غير افتقار إلى مميّز.

هذا. و للأمر حدود أخر في كتب المعتزلة (1) و الأشاعرة (2) كلّها رديّة مزيّفة، و المتمكّن من أخذ حدود الأشياء و حقائقها كما هي يعلم أنّ الصحيح من حدوده ما ذكرناه‏ (3)، أو ما في معناه، و غيره ظاهر الفساد، و لذا أعرضنا عن إيراده و ردّه.

فصل [2] [: في معاني صيغة الأمر و موارد استعماله‏]

إذ عرفت‏ (4) أنّ حقيقة الأمر صيغة «افعل» و ما بمعناها، فاعلم أنّها ترد لثمانية عشر معنى:

الإيجاب: أَقِيمُوا الصَّلاةَ (5).

الندب: فَكاتِبُوهُمْ‏ (6) و هو لتحصيل ثواب الآخرة.

التأديب: «كل ممّا يليك»، و هو لتحصيل تهذيب الأخلاق، و لإفادته ملكة يصدر عنها ما يوجب الثواب. عدّه بعضهم من الندب‏ (7).

الإرشاد: فَاسْتَشْهِدُوا (8)، و هو لجلب المنفعة الدنيويّة.

الإباحة: كُلُوا وَ اشْرَبُوا (9)، و هو يفيد جواز ما كان المخاطب توهّم عدم جوازه.

التسوية: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا (10)، و هو يفيد التسوية بين أمرين كان المخاطب توهّم رجحان أحدهما.

التهديد: قُلْ تَمَتَّعُوا (11)، و منه الإنذار.

____________

(1). راجع المعتمد 1: 49- 75.

(2). راجع المحصول 2: 18- 36.

(3). في ص 593.

(4). في ص 597.

(5). الأنعام (6): 72.

(6). النور (24): 33.

(7). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 160.

(8). النساء (4): 15.

(9). البقرة (2): 60.

(10). الطور (52): 16.

(11). إبراهيم (14): 30.

601

الدعاء: «اللهمّ اغفر لي».

التمنّي: «ألا أيّها الليل الطويل، ألا انجلي» (1).

العجز: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ» (2).

التكوين: كُنْ فَيَكُونُ‏ (3)، و فيه يقصد إيجاد المعدوم.

التسخير: كُونُوا قِرَدَةً (4)، و فيه يقصد انتقال الموجود من صورة أو صفة إلى اخرى.

الامتنان: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏ (5).

الإكرام: ادْخُلُوها بِسَلامٍ‏ (6).

الإذلال: ذُقْ‏ (7)، يقصد به ذلّة المخاطب و مسكنته.

الإهانة: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (8)، و يقصد فيه عدم الاعتناء بشأنه بفعل أو ترك، عزيزا كان أو ذليلا.

الاحتقار: بل‏ أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ‏ (9)، و يقصد فيه عدم الاعتناء به بفعل أو ترك، أو بمجرّد الاعتقاد، و منه عدم مبالاة الآمر بفعله، و استحقاره في مقابلة فعله.

الإخبار: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت».

و لا خلاف في ورودها بهذه المعاني، و لا في أنّها ليست حقيقة في جميعها، إنّما الخلاف في تعيين ما هي حقيقة فيه.

و قد اختلف فيه على أقوال تبلغ سبعة عشر، بعضها شاذّ ظاهر الفساد، غير ملتفت إليه في المصنّفات. و ما يصلح للضبط و الالتفات إليه عشرة:

الأوّل: أنّها حقيقة في الوجوب فقط، و إليه ذهب الأكثر.

____________

(1). الشعر لامرئ القيس في ديوانه: 48، و حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 41.

(2). البقرة (2): 23.

(3). البقرة (2): 117.

(4). البقرة (2): 65.

(5). الأنعام (6): 142.

(6). الحجر (49): 46.

(7). الدخان (44): 49.

(8). الإسراء (17): 50.

(9). يونس (10): 80.

602

الثاني: في الندب فقط (1).

الثالث: فيهما بالاشتراك‏ (2).

الرابع: في القدر المشترك بينهما، و هو الطلب‏ (3).

الخامس: فيهما و في الإباحة بالاشتراك‏ (4).

السادس: في القدر المشترك بينهما، و هو الإذن‏ (5).

السابع: فيها و في التهديد (6).

الثامن: في الطلب لغة، و في الوجوب فقط شرعا (7).

التاسع: فيهما بالاشتراك لغة، و في الوجوب فقط شرعا، و إليه ذهب المرتضى رضى اللّه عنه‏ (8).

العاشر: الوقف‏ (9).

[وجوه القول بكونها حقيقة في الوجوب‏]

و الحقّ، أنّها حقيقة في الوجوب فقط لغة و شرعا و عرفا.

لنا وجوه:

منها: ما شاع و ذاع من احتجاج الصحابة و التابعين و من تأخّر عنهم من العلماء الراشدين بمطلقها (10) على الوجوب من غير نكير، كالعمل بالأخبار من دون تفاوت‏ (11).

____________

(1). حكاه الآمدي عن أبي هاشم و كثير من متكلّمي المعتزلة، و جماعة من الفقهاء، و عن الشافعي في الإحكام 2: 162.

(2). القائل هو السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 27 و 51.

(3). حكاه الأنصاري عن الماتريدي و نسبه أيضا إلى مشايخ سمرقند في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1:

373، و قاله الفاضل التوني في الوافية: 68.

(4). حكاه الأنصاري عن الروافض في المصدر.

(5). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 161، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 123، القاعدة 31.

(6). حكاه الغزالي في المستصفى: 205، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 123، القاعدة 31.

(7). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 41، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 162 و 163، و المحقّق الحلّي في معارج الأصول: 64، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 123 و 124، القاعدة 31.

(8). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 27 و 51.

(9). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 41، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 162 و 163، و المحقّق الحلّي في معارج الأصول: 64، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 123 و 124، القاعدة 31، و الفاضل التوني في الوافية: 67.

(10). أي بمطلق الصيغة.

(11). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 51- 55، و الفخر الرازي في المحصول 2: 69، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 166.

603

فما اورد عليه في بحث العمل بالأخبار يمكن أن يورد عليه هنا أيضا. و الجواب الجواب، على أنّ المرتضى نقل إجماع الإماميّة على أنّها للوجوب شرعا (1).

و منها: ذمّ العقلاء العبد بترك الامتثال بعد قول سيّده: «افعل» مع فقد قرائن الوجوب.

و الأوّل و إن لم يثبت سوى الحقيقة الشرعيّة، و الثاني سوى العرفيّة، إلّا أنّ كلّا منهما إذا ضمّ إليه أصالة عدم النقل، ينتهض بإثبات الحقائق الثلاث‏ (2).

و ما قيل: إنّها لا تثبت الحقيقة اللغويّة؛ لجواز أن يكون الصيغة في اللغة حقيقة في الطلب أو الندب، و استعملت في الوجوب مجازا حتّى اشتهرت فيه عند الشرع و العرف، فصارت حقيقة شرعيّة و عرفيّة فيه، فأصالة عدم النقل باقية بحالها مع عدم الوضع‏ (3).

يرد عليه: أنّ هذا (4) أيضا نوع نقل، فالأصل عدمه، سواء كان المستعمل هو الواضع أو غيره من الشرع و العرف؛ لأنّ‏ (5) استعمال لفظ في معنى مجازا مع القرينة أو بدونها إلى أن يصير حقيقة فيه، يستلزم انتقاله من المعنى الحقيقي إليه و إن لم يصرّح بالنقل، فأصالة عدم النقل تدفعه أيضا.

و لا يفتقر (6) إلى التمسّك بأصالة عدم التجوّز، مع أنّه غير صحيح؛ لأنّه إنّما يصحّ في موضع اطلق لفظ له معنى حقيقي و مجازي، و لم يعلم أنّ المستعمل أيّهما أراد، فيحمل على الحقيقي لأصالة عدم التجوّز. و أمّا إذا استعمل لفظ في معنى لم يعلم كونه حقيقة فيه أو مجازا، بل احتملهما (7)، فلا يحكم بكونه حقيقة فيه لأصالة (8) الحقيقة و عدم التجوّز، بل يجب التوقّف حينئذ، كما تقدّم‏ (9) من أنّه الحقّ المشهور، و المخالف فيه السيّد (10).

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 55.

(2). هي اللغويّة و العرفيّة و الشرعيّة.

(3). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 52- 55 باختلاف. و المراد بعدم الوضع عدم الوضع الشرعي و العرفي.

(4). أي الاستعمال المجازي في الوجوب شرعا و عرفا.

(5). في «ب»: «فإنّ».

(6). أي إثبات الحقيقة اللغويّة.

(7). أي كلّ واحد منهما وحده.

(8). قيد للمنفيّ لا للنفي.

(9). في ص 593.

(10). الذريعة 1: 51.

604

و لا ريب أنّ ما نحن فيه ليس من الأوّل، بل من الثاني لو كان المستعمل هو اللغويّ، و استعمل الصيغة في الوجوب مطلقا، أو مع قرينة احتمل معها كونها حقيقة فيه. و لو استعملها فيه بقرينة المجاز بحيث لم يحتمل معها كونها حقيقة فيه، لم يكن من الثاني أيضا، بل لا يكون‏ (1) حينئذ حقيقة فيه قطعا، و استعماله عندنا مردّد بينهما. و كيف كان، لا يمكن الحمل على الحقيقة لأصالة عدم التجوّز.

و لو كان المستعمل هو الشرع أو العرف، فحكمه كاللغوي، مع أنّه لو سلّم هنا أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة لا يثبت منه الحقيقة اللغويّة، بل حقيقتهما؛ لأنّ استعمال كلّ شخص لو أثبت الحقيقة فإنّما يثبت حقيقته لا حقيقة غيره. فكيف كان، لا يصحّ التمسّك في إثبات الحقيقة اللغويّة بأصالة الحقيقة، بل يتوقّف على التمسّك بأصالة عدم النقل. هذا.

و أجاب بعضهم عن الدليل الثاني بمنع الذمّ. و مع التسليم فإنّما هو لترك المندوب، أو الأمر الدائر بين الواجب و المندوب؛ فإنّ تارك كلّ منهما يستحقّ الذمّ عقلا (2).

و لا يخفى أنّه مكابرة؛ فإنّ تعلّق ذمّ العقلاء بعبد ترك امتثال أمر مولاه و حكمهم بعصيانه بديهيّ، إنكاره سفسطة، و بديهة العقل حاكمة بأنّ مثل هذا الذمّ لا يتوجّه على ترك المندوب و ما يحتمل الوجوب؛ فإنّ الفرق ظاهر بين «اسقني» و «ندبتك إلى أن تسقيني» أو «طلبت منك السقي»، أمّا وجوبا أو ندبا من غير التعيين.

و منها (3): تبادر الوجوب عنها إذا اطلقت عند أهل الشرع و العرف و اللغة، و إنكاره مكابرة، و هو آية الحقائق الثلاث‏ (4).

و منها: أنّ الاشتراك خلاف الأصل، فيبطل الأقوال المبنيّة عليه، و تكون حقيقة لأحد المعاني المتقدّمة فقط مجازا في الباقي. و عدم كونها حقيقة لواحد منها فقط غير الوجوب و الندب و الإباحة ظاهر؛ لأنّه لم يقل به أحد، و لو قيل به لكان ظاهر البطلان، فبقي احتمال كونها حقيقة لأحد الثلاثة فقط.

____________

(1). لفظ الأمر.

(2). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 74 و 75.

(3). مرّ أوّل الوجوه في ص 602.

(4). أي الشرعيّة و العرفيّة و اللغويّة.

605

ثمّ إنّها ليست حقيقة في الإباحة فقط؛ لبداهة اقتضائها ترجيح الفعل، و ليست للندب فقط أيضا؛ لضرورة الفرق بينها و بين ما يفيد الندب كما ذكرنا (1)؛ و للزوم عدم كون الواجب حينئذ مأمورا به، و هو باطل ضرورة، مع أنّ القول بأنّها للندب فقط (2) بعيد؛ لضعف أدلّته، و ندور قائله، فإذا كانت الصيغة مردّدة بين كونها للوجوب فقط و الندب فقط، فلا يكاد أن يختار الثاني عاقل.

و ما قيل: إنّه ينتهض حجّة على القائل بالاشتراك اللفظي دون المعنوي؛ لأنّه ليس خلاف الأصل‏ (3)، ضعيف؛ لأنّ مخالفة الاشتراك للأصل لإخلاله بالتفاهم و هو حاصل هنا (4)؛ فإنّ الصيغة لو كانت حقيقة في الطلب و أحد أفراده الوجوب، و الآخر الندب و هما متغايران- و لا يعلم المخاطب أنّ المراد الأوّل حتّى لو لم يمتثل كان عاصيا، أو الثاني حتّى لو لم يمتثل لم يكن عاصيا- فيحصل الإخلال بالتفاهم، و التكليف بما لا يعلم.

و لا يمكن أن يقال هنا (5) بجواز إرادة القدر المشترك، و هو مطلق الطلب في ضمن أيّ منهما كان؛ لأنّ تخيير المكلّف بين كون الشي‏ء واجبا عليه أو مندوبا عليه لا معنى له، فالاشتراك المعنوي الذي ليس خلاف الأصل هو ما ليس بهذه المثابة، بل ما كان بحيث أمكن إرادة القدر المشترك منه من غير لزوم فساد. و هذا (6) و إن لم يثبت سوى الحقيقة اللغويّة إلّا أنّ المطلوب‏ (7) يتمّ به بالضميمة المذكورة (8).

و منها: قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ (9)؛ إذ المراد به‏ اسْجُدُوا في قوله: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ... (10) الآية، دلّ- لكونه في معرض الإنكار و الاعتراض-

____________

(1). تقدّم في ص 597- 598.

(2). القول لأبي هاشم و كثير من متكلّمي المعتزلة و جماعة من الفقهاء و الشافعي كما تقدّم في ص 602، الهامش 1.

(3). أشار إليه الفخر الرازي في المحصول 2: 94.

(4 و 5). أي الاشتراك المعنوي.

(6). أي هذا الوجه.

(7). و هو كون الصيغة حقيقة في الوجوب شرعا و عرفا و لغة.

(8). و هي عبارة عن أصالة الحقيقة.

(9). الأعراف (7): 12.

(10). البقرة (2): 34.

606

على الذمّ، و لو لا أنّ صيغة «اسْجُدُوا» للوجوب لما كان متوجّها، و كان له أن يقول:

«لم تذمّني على ترك ما لم توجبه عليّ؟»، و سوق الآية و أصالة العدم يفيدان ترتّب الذمّ على مجرّد مخالفة الأمر من غير مدخليّة خصوصيّة المادّة و الامور الخارجيّة، فلا يرد جواز إفادة صيغة الأمر للوجوب في هذه المادّة دون غيرها، أو في تلك اللغة دون لغتنا، و لا منع دلالته على العموم؛ نظرا إلى أنّه حكاية حال و هي لا تفيد العموم. على أنّه لو ثبت كون هذه الصيغة حقيقة في الوجوب، ثبت كون جميع صيغ الأمر كذلك؛ لعدم القول بالفصل. و لا جواز (1) ترتّب الذمّ على المخالفة مع الاستكبار.

و منها: قوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (2) أمر مخالف الأمر بالحذر، و هذا الأمر للوجوب قطعا؛ إذ لا معنى لندب الحذر أو إباحته. على أنّ سوق الآية- لورودها في معرض الوعيد- دلّ على وجوب الحذر، و إيجاب الحذر عليه تهديد على مخالفة الأمر، و هو يدلّ على أنّ الأمر للوجوب؛ إذ لا تهديد على غير الواجب. و مع التنزّل فلا أقلّ من دلالته على حسن الحذر، و هو دليل قيام المقتضي للعذاب؛ إذ بدونه لا يحسن الحذر، و لذا يلام من يحذر عن سقوط جدار محكم لا يريد أن ينقضّ، و معه يثبت أنّ الأمر للوجوب؛ إذ المقتضي للعذاب هو ترك الواجب لا المندوب.

و على التقادير يندفع ما يقال: لا نسلّم دلالة الصيغة على وجوب الحذر إلّا إذا ثبت أنّ الأمر للوجوب، و هو عين المتنازع فيه‏ (3).

ثمّ المتبادر من مخالفة الأمر هو ترك المأمور به، سواء اعتبرت متضمّنة معنى الإعراض أو غيره ممّا يناسب التعدية ب «عن»، فلا يرد أنّ المراد بها حمله‏ (4) على ما يخالفه- بأن يكون للوجوب أو الندب، فيحمل على غيره- أو اعتقاد (5) فساده؛ لأنّها

____________

(1). عطف على «جواز إفادة» و المراد أنّه قيل: يجوز أن يكون الذمّ على المخالفة الصادرة عن الاستكبار و كلامنا في المخالفة المحضة. أجاب بأنّه لا يجوز أن يقال هكذا.

(2). النور (24): 63.

(3). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 169.

(4). أي حمل المكلّف الأمر على معنى يخالف الأمر، أو اعتقد فساد الأمر و عدم كونه حقّا.

(5). عطف على الموصول المجرور.

607

ضدّ الموافقة و هي اعتقاد حقّيّته، فلا يتمّ الاحتجاج‏ (1).

فإن قيل: يمكن أن يكون الفاعل ضميرا مرجعه‏ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ‏ (2) فلا يثبت به المطلوب.

قلت: هم المخالفون، فكيف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم. و لو سلّم بقي قوله: أَنْ تُصِيبَهُمْ ... الآية، ضائعا. هذا، مع أنّ الإضمار خلاف الأصل.

فإن قيل: قوله: عَنْ أَمْرِهِ‏ مطلق لا يعمّ، و المطلوب إفادته الوجوب في جميع الأوامر.

قلنا: المصدر المضاف عامّ عند عدم العهد؛ لجواز الاستثناء عنه؛ مع أنّ الإطلاق كاف في المقصود؛ إذ التهديد على مخالفة مطلق الأمر ينافي كون بعض أفراده حقيقة في غير الوجوب؛ على أنّ كون صيغة ما منه‏ (3) للوجوب يكفي لإثبات المطلوب؛ لعدم القائل بالفصل.

و منها: قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ‏ (4)، ذمّهم على مخالفتهم الأمر، و لو لا أنّه للوجوب لما توجّه.

و اعترض عليه بوجهين‏ (5):

أحدهما: أنّ الذمّ على التكذيب لا على الترك، بدليل قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ‏ (6).

و الجواب: الظاهر من السوق أنّه للترك، و الويل للتكذيب، سواء اتّحد أهل الترك و التكذيب، أم تغايرا.

و ثانيهما: أنّ القرينة هنا دلّت على إفادته الوجوب، و هي علم المخاطبين من الخارج بوجوب الصلاة على كلّ أحد.

و جوابه: أنّه تعالى رتّب الذمّ على مجرّد ترك الركوع، فالاعتبار به لا بالقرينة.

____________

(1). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 169.

(2). النور (24): 63.

(3). أي من المطلق.

(4). المرسلات (77): 48.

(5). حكاهما الفخر الرازي في المحصول 2: 47 باختلاف يسير.

(6). المرسلات (77): 49.

608

و منها: قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏ (1) نفى عنهم التخيير بعد توجّه الأمر عليهم، فيبقى إمّا الوجوب أو الحظر.

و الثاني باطل إجماعا، فتعيّن الأوّل‏ (2).

و أنت خبير بأنّ قضاء الأمر إلزامه، لا مجرّد توجّهه، فلا يثبت منه المطلوب.

و منها: أنّ تارك المأمور به عاص؛ لقوله تعالى: أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي‏ (3)، و قوله:

لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ‏ (4)، و كلّ عاص يستحقّ النار؛ لقوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (5)، (6).

و اعترض عليه بوجهين‏ (7):

أحدهما: أنّه لو كان العصيان ترك الأمر، لتكرّر قوله تعالى: وَ يَفْعَلُونَ‏ (8).

و ثانيهما: أنّ المراد من‏ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ‏ الكفّار دون تارك الأمر بقرينة الخلود.

و الجواب عن الأوّل: أنّ الأوّل للنفي في الماضي أو الحال، و الثاني للإثبات في المستقبل.

و عن الثاني: أنّ الخلود، المكث الطويل. هذا.

و تعليل الصغرى بأنّ امتثال الأمر طاعة؛ إذ الطاعة الانقياد- كما صرّح به أهل اللغة (9)- و ترك الطاعة عصيان؛ لتصريحهم بأنّ العصيان خلاف الطاعة (10) يرد عليه أنّ كلّ عصيان خلاف الطاعة، و لا ينعكس كلّيّا؛ لأنّ امتثال المندوب طاعة و ليس تركه عصيانا، فترك الطاعة الواجبة عصيان دون المندوبة.

____________

(1). الأحزاب (33): 36.

(2). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 58 و 59.

(3). طه (20): 93.

(4). التحريم (66): 6.

(5). الجنّ (72): 23.

(6). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 58 و 59.

(7). المصدر.

(8). أي و يفعلون ما يؤمرون. و وجه التكرار أنّ عدم عصيان الأمر و فعل المأمور به أمر واحد.

(9). راجع المصباح المنير: 380، «ط و ع».

(10). المصدر: 414، «ع ص ى».

609

و منها: قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (1) مع ما دلّ على ذمّ ترك الطاعة، كقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (2) حيث دلّ الأوّل على أنّ امتثال مطلق الأمر طاعة، و الثاني على أنّ ترك الطاعة مذموم، فثبت منهما وجوب امتثال الأمر، و التولّي يتناول مجرّد الترك أيضا، فيدلّ على الذمّ عليه و إن لم يكن استخفافا و جحودا.

فلا يرد أنّ الذمّ لأجل التولّي، و هو الترك جحودا و استكبارا.

نعم، يرد عليه أنّ ترك مطلق الطاعة ليس مذموما كما تقدّم‏ (3)، فالذمّ هنا على ترك الطاعة المفترضة.

و منها: قوله (عليه السلام): «لو لا أن أشقّ على امّتي، لأمرتهم بالسواك» (4) نفى الأمر؛ لاقتضائه المشقّة مع ثبوت الندبيّة، فيدلّ بوجهين‏ (5) على أنّ الأمر للوجوب.

و منها: قوله (عليه السلام) لبريرة- و قد عتقت و زوجها عبد ففارقته-: «راجعيه» فقالت: أ تأمرني بذلك؟ فقال: «لا، إنّما أنا شافع» (6) نفى الأمر و أثبت الندب بإثبات الشفاعة؛ فإنّه لا ريب في استحباب قبول شفاعة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا يكون المندوب مأمورا به‏ (7).

و منها: احتجاجه (عليه السلام) لذمّ أبي سعيد الخدري على ترك استجابته حين دعاه و هو يصلّي بقوله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ‏ (8) فلو لم يكن الأمر للوجوب، لما توجّه الذمّ‏ (9).

و قد اعترض على الروايات بوجوه ظاهرة الدفع، بيّنة الوهن، فلم نر جدوى في التعرّض لنقلها و ردّها (10).

____________

(1). النساء (4): 59.

(2). النساء (4): 80.

(3). تقدّم آنفا.

(4). راجع: الكافي 3: 22، باب السواك، ح 1، و فيض القدير 5: 338 و 339، ح 7505 و 7508.

(5). و هما نفي الأمر و ثبوت الندب.

(6). كنز العمّال 16: 547، ح 45838.

(7). ينتج أنّ المأمور به هو الواجب أو الواجب هو المأمور به.

(8). الأنفال (8): 24.

(9). ذكره الفخر الرازي في المحصول 2: 63. و الحديث في كنز العمّال 2: 6، ح 2900، و نسب الذمّ إلى ابيّ.

(10). راجع الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2: 164- 173.

610

و اعلم أنّ ما يثبت من الآيات و الأخبار هو الحقيقة الشرعيّة فقط، فإثبات تمام المطلوب‏ (1) بها يتوقّف على الضميمة المذكورة (2). هذا.

و قد تعلّق بعض من وافقنا بوجوه‏ (3) اعتباريّة غير تامّة ضعيفة، لم يكن في ذكرها فائدة.

احتجّ القائل بأنّها للندب بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا أمرتكم بشي‏ء، فأتوا منه ما استطعتم» (4) حيث ردّ الإتيان بالمأمور به إلى مشيّتنا، و هو معنى الندب‏ (5).

و جوابه: أنّه ردّه إلى استطاعتنا، و هو معنى الوجوب.

و بأنّ أهل اللغة صرّحوا بأنّه لا فرق بين الأمر و السؤال‏ (6) إلّا بالرتبة، و السؤال إنّما (7) يدلّ على الندب، فيلزم أن يكون الأمر أيضا كذلك، و إلّا لكان بينهما فرق آخر (8).

و الجواب: منع وقوع التصريح المذكور عنهم، بل صرّح بعضهم بخلافه‏ (9). و لا يمكن أن يقال: الفرق بالوجوب و الندب متفرّع على الفرق الأوّل؛ إذ دلالة قول أحد على الإيجاب لا تتوقّف على تفوّقه على المأمور علوّا أو استعلاء، و لذا أجاب بعضهم بأنّ السؤال للإيجاب من طرف السائل و إن لم يتحقّق من طرف المسئول‏ (10).

و احتجّ القائل بالاشتراك بينهما بأنّ الصيغة اطلقت عليهما، و الأصل في الإطلاق الحقيقة (11).

و جوابه: منع أصالة الحقيقة في الإطلاق، كما عرفت‏ (12) مرارا، و أولويّة المجاز على الاشتراك إذا تعارضا.

____________

(1). و هو كون الأمر للوجوب في العرف و اللغة أيضا.

(2). و المراد بها هنا أصالة عدم النقل.

(3). راجع الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2: 164- 173.

(4). مسند أحمد 2: 488، ح 7320، و صحيح مسلم 2: 975، ح 412/ 1337، و عوالي اللآلئ 4: 58، ح 208.

(5). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 173.

(6). و المراد بالسؤال هو الأمر من ناحية الداني.

(7). في «ب»: «ممّا».

(8). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 95، و الأسنوي عن أبي هاشم في نهاية السؤل 2: 262.

(9). قاله الرازي في المحصول 2: 96.

(10). قاله الأسنوي في نهاية السؤل 2: 266، و المطيعي في سلّم الوصول، المطبوع مع نهاية السؤل 2: 266.

(11). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 52.

(12). تقدّم في ص 595.

611

و احتجّ القائل بأنّها لمطلق الطلب بأربعة وجوه:

[الوجه‏] الأوّل: أنّ المفهوم المتبادر منها (1) لغة عند الإطلاق ليس إلّا مطلق الطلب من دون أن يخطر بالبال فصل الوجوب أو الندب، فتكون حقيقة فيه‏ (2).

و الجواب: منع التبادر، بل المتبادر منها الوجوب، كما تقدّم‏ (3).

[الوجه‏] الثاني: ثبت من اللغة مطلق الرجحان و لم يصرّح أحد من أهل اللغة بأنّها للوجوب أو الندب، فجعلها لأحدهما تقييد بلا دليل، فلا يصار إليه‏ (4).

و الجواب: أنّ جعلها للوجوب ليس تقييدا بلا دليل، بل ثبت وجوبه من الأدلّة، كما عرفتها (5).

و أيضا أنّه إثبات اللغة بلوازم الماهيّات؛ لأنّ الرجحان لازم للوجوب و الندب اللذين كلّ منهما من أفراده‏ (6)، و الصيغة موضوعة له، و جعلتموها باعتباره لهما، و هو باطل؛ لاحتمال أن يكون الصيغة لهما و لغيرهما أيضا؛ لجواز أن يكون اللازم أعمّ منهما. و أن يكون للمقيّد بأحدهما. و أن يكون مشتركا لفظيّا بينهما. و أصالة عدم التقييد و الغير لا تنتهض حجّة لإثبات مدلولات الألفاظ، و لم يعتبروا الظنّ الحاصل من مثله، و لذا صرّحوا بأنّ طريق إثبات الوضع إنّما هو النقل بطريق التنصيص، أو تتبّع موارد الاستعمال‏ (7).

[الوجه‏] الثالث: قد كثر ورود أوامر مطلقة بامور واجبة، و آخر بالمندوبة من دون نصب قرينة، و كذا كثر ورود أمر واحد بامور بعضها واجب و بعضها مندوب من دون قرينة، و لا يجوز ذلك لو كان حقيقة في أحدهما فقط، فيكون للقدر المشترك‏ (8).

____________

(1). في «ب»: «منه». أي من الأمر.

(2). ذهب إليه الجبائي كما في المنخول: 104، و هو رأي أبي منصور الماتريدي كما في الإبهاج 2: 23، و حكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 123، القاعدة 31، و الفاضل التوني في الوافية: 68.

(3). تقدّم في ص 604.

(4). قاله الفاضل التوني في الوافية: 69.

(5). راجع ص 605.

(6). أي أفراد الطلب.

(7). راجع نهاية السؤل 2: 28 و 29.

(8). قاله الفاضل التوني في الوافية: 69.

612

و جوابه: أنّ هذا يرد عليكم أيضا؛ لأنّ الصيغة إذا كانت حقيقة للقدر المشترك، فلا يجوز استعمالها في الوجوب، أو الندب بدون القرينة.

فإن أجبتم بأنّ الصيغة مستعملة في معناها الحقيقي- و هو مطلق الطلب- و يعلم كونها للوجوب أو الندب من مواضع أخر، أجبنا بأنّها مستعملة في معناها الحقيقي- و هو الوجوب- و يعلم كونها للندب من مواضع أخر.

و إن أجبتم بأنّ القرائن الخارجيّة دلّت على أنّ المراد منها الطلب الخاصّ، أجبنا بأنّها دلّت على أنّ المراد منها الندب.

[الوجه‏] الرابع: أنّ الصيغة استعملت في كلّ من الوجوب و الندب، و الاشتراك و المجاز خلاف الأصل، فتكون حقيقة في القدر المشترك؛ دفعا لهما.

و جوابه: أنّ المجاز قد يصار إليه- و إن كان خلاف الأصل- إذا ثبت الدلالة عليه، و قد تثبت‏ (1) بأدلّتنا على الوجوب؛ على أنّا بيّنّا أنّ كونها للقدر المشترك أيضا خلاف الأصل‏ (2).

و أيضا المجاز لازم إذا كانت له‏ (3) أيضا؛ لأنّ كلّا من الوجوب و الندب يشتمل على خصوصيّة زائدة عليه، فاستعمالها فيهما استعمال في غير ما وضعت له، فعدم لزوم المجاز ينحصر بصورة الاشتراك. على أنّ التجوّز اللازم في صورة وضعها له أكثر منه في صورة الحقيقة و المجاز؛ لأنّه يلزم على الأوّل فيهما، و على الثاني في أحدهما فقط؛ لعدم وقوع الاستعمال في القدر المشترك، أو ندوره.

و احتجّ القائل بأنّها مشتركة بين الثلاثة كما احتجّ به القائل باشتراكها بينهما (4).

و الجواب الجواب.

و القائل‏ (5) بأنّها للقدر المشترك بينها كالقائل بأنّها للقدر المشترك بينهما (6).

____________

(1). أي الدلالة.

(2). تقدّم في ص 593.

(3). أي كانت الصيغة للقدر المشترك.

(4). حكاه الشيخ حسن في معالم الدين: 52.

(5). عطف على فاعل «احتجّ».

(6). تقدّم آنفا.

613

و جوابه كجوابه.

و القائل‏ (1) باشتراكها بين الأربعة، كالقائل باشتراكها بين الاثنين أو الثلاثة (2).

و جوابه مثل جوابه.

و القائل‏ (3) بأنّها حقيقة في الطلب لغة، و في الوجوب شرعا، على‏ (4) الجزء الأوّل كالقائل بأنّها حقيقة فيه مطلقا، و على الثاني بما دلّ على أنّها حقيقة في الوجوب من الآيات و إجماع السلف، و المرتضى‏ (5) على الجزء الأوّل كالقائل بأنّها للقدر المشترك مطلقا (6)، و على الثاني بحمل السلف كلّ أمر ورد على الوجوب‏ (7).

و لا يخفى أنّ الجزء الثاني من مذهبهما حقّ، نحن نقول به، و احتجاجهما عليه صحيح كما بيّنّاه‏ (8). و أمّا احتجاجهما على الجزء الأوّل، فقد عرفت جوابه‏ (9).

و احتجّ المتوقّف بأنّ تعرّف مفهومها إمّا بالعقل و لا مدخل له. أو بالنقل، و متواتره لم يوجد و إلّا لم يختلف فيه، و آحاده لا تفيد القطع‏ (10).

و الجواب أمّا أوّلا: فمنع الحصر لوجود قسم آخر و هو تعرّفه بالأدلّة الاستقرائيّة التي تقدّمت‏ (11)، و مرجعها تتبّع مظانّ استعمال اللفظ، و الأمارات الدالّة على المراد منه عند إطلاقه. أو بتركيب عقلي من مقدّمات نقليّة.

و أمّا ثانيا: فتسليم كفاية الظنّ في المسألة؛ لأنّها وسيلة إلى العمل بالشرعيّات و يكفيها الظنّ.

____________

(1). عطف على فاعل «احتجّ».

(2). تقدّمت في ص 612.

(3). عطف على فاعل «احتجّ».

(4). متعلّق ب «احتجّ».

(5). عطف على فاعل «احتجّ».

(6). راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 51- 55.

(7). تقدّمت في ص 612.

(8). تقدّم في ص 602- 603.

(9). تقدّم في ص 603.

(10). قاله الغزالي في المستصفى: 230، و الفخر الرازي في المحصول 1: 203، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 163.

(11). في ص 602- 608.

614

ثمّ لا يخفى عليك أنّ الصيغة في كلام أئمّتنا ليست مستعملة إلّا فيما استعملت فيه في كلام اللّه و رسوله، و لا يخالف عرفهم عرف الشرع. و كيف يتصوّر عنهم‏ (1) نقل اللفظ عن معناه الحقيقي لغة و شرعا من دون بيان و إعلام؟!

فما قيل: «المستفاد من تضاعيف أحاديث الأئمّة شيوع استعمالها في عرفهم في الندب بحيث صار من المجازات الراجحة، المساوية للحقيقة عند فقد المرجّح؛ فيشكل التعلّق‏ (2) في إثبات وجوب حكم‏ (3) بمجرّد ورود الأمر به منهم (عليهم السلام)» (4)، في غاية الضعف. و كيف يسمع منه دعوى هذه الاستفادة من غير بيّنة و برهان؟! و أنّى له إثبات ذلك بمجرّد استعمالهم الصيغة في الندب في مواضع أكثرها مع القرينة؟!

إذا تقرّر ذلك فاعلم أنّ فروع هذه المسألة أكثر من أن تحصى. و كيفيّة التفريع ظاهرة.

و ممّا يتفرّع على كونها حقيقة في الوجوب عرفا أنّه لو قال رجل لمن يجب عليه إطاعته- كالمولى لعبده-: افعل كذا، يجب عليه الامتثال.

فصل [3] [: في تشابه الأمر و الخبر و النهي و النفي‏]

لمّا كان الأمر ما دلّ على طلب الفعل، و الخبر ما دلّ على وجوده‏ (5)، فتشابها من وجه‏ (6)، و المشابهة مصحّحة للتجوّز، فجاز أن يتجوّز لكلّ منهما عن الآخر، كقوله (عليه السلام): «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (7)، و قوله تعالى: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ‏ (8)، وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ‏ (9).

____________

(1). في «ب»: «منهم».

(2). في «ب»: «التعليق».

(3). في «ب»: «حكمه».

(4). قاله الشيخ حسن في معالم الدين: 53.

(5). أي وجود الفعل دون الطلب.

(6). و هو عبارة عن أخذ مفهوم الفعل في تعريفهما.

(7). كنز العمّال 3: 122، ح 5780. فيه: «إذا لم تستح»، و مستدرك الوسائل 8: 466، أبواب أحكام العشرة، الباب 93، ح 20.

(8). البقرة (2): 233.

(9). البقرة (2): 228.

615

و كذا الحال في النهي و النفي، كما يقال: «من لا جناح له فلا يطير»، و كقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ‏ (1).

و إذا ورد الخبر بمعنى الأمر أو النفي بمعنى النهي، فثبت لهما ما ثبت لهما من دلالتهما على الوجوب و الحرمة لو لم يقم قرينة دالّة على خلافهما على ما اخترناه، و غيرها (2) من أحكامهما، و إلّا ضاع فائدة إرادتهما منهما. و كونهما مجازين فيهما لا يقدح في ذلك بعد كونهما مرادين.

و قس عليهما عكسهما. و كيفيّة التفريع ظاهرة.

و يتفرّع عليه حرمة مسّ المصحف للآية المذكورة و عدم الالتفات إلى منع دلالة النفي المراد منه النهي على الحرمة.

فصل [4] [: في معنى الأمر بعد الحظر أو الكراهة]

لا خلاف في أنّ صيغة الأمر بعد الحظر أو الكراهة، أو في مقام مظنّتهما أو تجويزهما- كقول السيّد لعبده: «افعل» بعد أن يقول له: «هل أخرج، أو أنام؟» أو نحوهما- تستلزم رفع ذلك المنع المحقّق أو المحتمل، لزوما عقليّا. إنّما الخلاف فيما هي حقيقة فيه عند فقد القرينة، فجماعة من المحقّقين على أنّها للوجوب‏ (3). و قيل: للإباحة (4). و قيل: للندب‏ (5).

احتجّ الأوّلون بأنّ المقتضي موجود و المانع معدوم. أمّا الأوّل، فلأنّها تفيد الوجوب للأدلّة المتقدّمة. و أمّا الثاني، فلأنّ ورودها بعد الحظر أو الكراهة لا يدفعه‏ (6)؛ لأنّ رفعه‏ (7) أعمّ من الوجوب، و العامّ لا ينافي الخاصّ.

____________

(1). الواقعة (56): 79.

(2). كذا في النسختين. و الصحيح: «غيرهما» أي الوجوب و الحرمة.

(3). منهم: الفخر الرازي في المحصول 2: 96، و العلّامة في تهذيب الوصول: 97، و البيضاوي في منهاج الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 272، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 124.

(4). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 198، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 98.

(5). حكاه الأسنوي عن القاضي حسين في التمهيد: 271.

(6). أي لا يدفع الوجوب و لا ينافيه.

(7). أي رفع المنع.

616

فما قيل: «إنّ إجراء أدلّة الوجوب فيها إذا وردت بعد الحظر غير ممكن؛ لأنّه فرع فهم الطلب منها و فرديّتها لمفهوم الأمر و ليس كذلك» (1)، فاسد؛ لعدم ما يخرجها عن الدلالة على الطلب، و الفرديّة لمفهوم الأمر. و أيضا أنّها بعد الحظر العقلي للوجوب فكذا بعد الحظر الشرعي؛ لعدم الفرق، بل العقلي آكد.

احتجّ القائل بأنّها للإباحة بغلبتها في الإباحة في عرف الشارع بحيث تتبادر منها عند الإطلاق، فتكون حقيقة فيها في عرفه، فتتقدّم على الوجوب الذي هي حقيقة لغويّة فيه؛ لتقدّم عرفه على اللغة في الشرعيّات، بل مجازيّتها في عرفه‏ (2).

و الجواب: منع الغلبة؛ فإنّ المسلّم أنّ الشرع استعملها في مواضع في الإباحة، كقوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا (3) و فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا (4)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ ... ألا فادّخروها» (5)، و هي- مع استفادة الإباحة منها بالقرائن- معارضة بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (6)، و قوله:

وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ‏ (7)، فإنّ حلق الرأس بعد بلوغ الهدي محلّه واجب، مع أنّه مأمور به بعد النهي عنه، و بأمر الحائض و النفساء بالعبادة بعد تحريمها عليهما.

و احتجّ القائل بأنّها للندب باستعمالها فيه في كلام الشارع، كقوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏ (8). و جوابه ظاهر.

و اعلم أنّه قيل: «إنّها بعد الحظر أو الكراهة لا تدلّ إلّا على رفع المنع و هو كالإذن في الفعل مشترك بين الوجوب و الندب و الإباحة للتبادر» (9).

____________

(1). قاله الفاضل التوني في الوافية: 75.

(2). أي مجازيّة الحقيقة اللغويّة و هي الوجوب في عرف الشرع.

(3). المائدة (5): 2.

(4). الجمعة (62): 10.

(5). كنز العمّال 5: 91 و 92، ح 12198 و 12201 و 12202 باختلاف يسير.

(6). التوبة (9): 5.

(7). البقرة (2): 196 و 222.

(8). البقرة (2): 222.

(9). القائل هو الفاضل التوني في الوافية: 74 و 75. و قوله: «للتبادر» تعليل للدلالة على رفع المنع.

617

و الظاهر أنّها مجاز فيه، و التبادر للقرينة، و هي مسبوقيّتها بالمنع.

و ما ذكره أخيرا دلّ على أنّ رفع المنع ليس مدلولها ليكون للقدر المشترك بين الثلاثة، بل لازمها العقليّ. و قد عرفت‏ (1) أنّه لا كلام فيه، إنّما الكلام في مدلوله الحقيقي، و هذا القائل سكت‏ (2) عنه. هذا.

و لا يبعد عندي أن يقال: إنّ صيغة الأمر بعد الحظر تدلّ شرعا و عرفا على ما كان ثابتا قبل ورود النهي، سواء علّقت بزوال علّة عروض النهي، كقوله تعالى: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا، أو لا، كقوله (عليه السلام): «كنت نهيتكم ...». و الحكم الثابت قبل النهي إمّا الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فتكون مشتركة بينها، و لا ينفكّ‏ (3) في كلّ موضع عن القرينة الدالّة على الحكم الذي يدلّ عليه، و هي سبقه على النهي، فهي حقيقة شرعيّة و عرفيّة فيه، و إن لم تكن موضوعة له.

و السرّ فيه أنّ الشرع و العرف استعملاها فيه مع القرينة حتّى حصل التبادر و سبقه منها إلى الفهم عند الإطلاق، فكأنّهما نقلاها عن معناها الأصلي إليه. أمّا الاستعمال فيه، فظاهر من الأمثلة الشرعيّة و العرفيّة؛ فإنّ جميع الأوامر الشرعيّة الواردة بعد الحظر يفهم منها ثبوت الحكم كما كان قبل النهي و استعملت فيه كذلك، و كذا الحال في الأوامر العرفيّة. و المتتبّع لما ورد في ذلك من الشرعيّات و العرفيّات يجزم بذلك.

و أمّا التبادر و كونه سابقا منها إلى الفهم، فبيّن بحيث لا يمكن إنكاره.

و على هذا، فيخرج هذا القسم‏ (4) عن مطلق الأمر بدليل من خارج، فلا يجري فيه أدلّة الوجوب.

ثمّ لمّا كان كلّ ما اتّفق عليه من الأوامر الواردة بعد الحظر بأنّها مستعملة في الوجوب أو الندب أو الإباحة- كالأوامر المتقدّمة- ينطبق على ذلك، فينبغي أن يكون ما شكّ فيه أيضا

____________

(1). في ص 615.

(2). في «ب»: «يسكت».

(3). التذكير باعتبار الأمر و التأنيث باعتبار الصيغة.

(4). و المراد به ما كان المراد من الصيغة بعد الحظر معلوما.

618

كذلك، كما هو التحقيق، إلّا فيما ثبت فيه الدلالة الخارجيّة على خلافه، و هو نادر، كقوله (عليه السلام): «انظر إليهنّ» أي إلى النساء التي تعزم على نكاحهنّ‏ (1) فإنّه وارد بعد الحظر، و لا ريب أنّ الوجوب منتف، فيبقى إمّا الإباحة أو الاستحباب، و المتبادر هو الأوّل، فينطبق على ما ذكرناه؛ لأنّ النظر قبل النهي كان مباحا.

و قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (2)، و هو وارد بعد الحظر- على ما ذكره بعضهم- من حيث إنّ الكتابة بيع مال الشخص بماله، و هو منهيّ عنه‏ (3). و حمل الأمر على الوجوب باطل قطعا، فينبغي حمله على الإباحة الثابتة قبل النهي لو لم يقم دليل خارجي على الاستحباب.

و كالأمر بقتل الحيّة و العقرب في الصلاة (4)، و هو وارد بعد النهي التحريمي عن الأفعال الكثيرة، و النهي التنزيهي عن القليلة فيها، و هو- كيف كان‏ (5)- يكون لما كان قبل النهي.

و كالأمر برجوع المأموم إذا سبق الإمام بركن‏ (6)، و هو محمول عند الأصحاب على الوجوب بدليل من خارج، و إن انتفى الوجوب قبل النهي‏ (7).

و ممّا ذكر ظهر كيفيّة التفريع.

فصل [5] [: في أنّ الأمر المطلق لطلب الماهيّة لا للمرّة و التكرار]

الأمر المطلق لطلب الماهيّة لا للمرّة و التكرار؛ وفاقا للمحقّقين‏ (8). و قيل: لها (9). و قيل: له‏ (10).

____________

(1). كنز العمّال 16: 511، ح 45676 باختلاف.

(2). النور (24): 33.

(3). قاله الزمخشري في الكشّاف 3: 238، ذيل الآية 33 من النور (24).

(4). الفقيه 1: 257، ح 790.

(5). أي سواء كان الحكم الذي قبل الأمر حراما أو كراهة.

(6). تهذيب الأحكام 3: 47، ح 163، و الاستبصار 1: 438، ح 1688.

(7). راجع رياض المسائل 4: 229 و 230.

(8). منهم: العلّامة في تهذيب الوصول: 98، و الفاضل التوني في الوافية: 75، و الفخر الرازي في المحصول 2: 98.

(9). قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 200، و الغزالي في المستصفى: 212، و البصري في المعتمد 1: 98 و 99.

(10). حكاه الأسنوي عن الشافعي في نهاية السؤل 2: 275، و الآمدي عن أبي إسحاق الأسفرائيني و جماعة من الفقهاء و المتكلّمين في الإحكام في أصول الأحكام 2: 173.

619

و قيل بالتوقّف؛ لاشتراكه بينهما، أو عدم العلم بالوضع‏ (1).

لنا: أنّ مدلوله طلب حقيقة الفعل؛ لتبادره منه، و هما خارجان عن حقيقته، كالزمان و المكان و غيرهما من المتعلّقات، فيكون للقدر المشترك بينهما، و هو ماهيّة الفعل الحاصلة في ضمن كلّ منهما، و يحصل الامتثال بحصولها مع أيّهما كان، و لا يتقيّد (2) بأحدهما دون الآخر.

نعم، لمّا كان المرّة أقلّ ما يحصل به الحقيقة و يمتثل به الأمر، دلّ عليها لذلك، لا من حيث الخصوصيّة و الوضع.

و لنا أيضا: أنّه يتقيّد (3) بهما من غير تكرير و نقض، فهما من صفات الفعل، كالقليل و الكثير، و لا دلالة للموصوف على خصوصيّة شي‏ء من صفاته المتقابلة، فيكون المفهوم من «اضرب»- مثلا- طلب ضرب ما من غير أن يفهم منه صفة الضرب من تكرار، أو مرّة، أو غيرهما.

و ما قيل: إنّ الدليلين يفيدان عدم دلالته عليهما بالمادّة- أي لا يدلّ عليهما المصدر الذي هو من أجزائه المادّيّة- فلم لا يدلّ عليهما بالصيغة (4)، بأن يكون الظاهر منها أحدهما و إن احتملت الآخر؟ فيقيّد بالظاهر لدفع الاحتمال، فلا تكرار، و بالمحتمل للدلالة على صرفها عن الظاهر، فلا تناقض.

ففيه: أنّ مدلول الصيغة إذا كان بحكم التبادر مطلق الطلب المتحقّق في ضمن أيّهما كان، فكيف يكون الظاهر منها أحدهما؟! و أيضا التقييد لدفع الاحتمال تأكيد و التأسيس أظهر منه. و التقييد بالمحتمل للدلالة على صرفها عن الظاهر يقتضي حمل اللفظ على خلاف الظاهر، و الأصل عدمه، فلا يكون علّة التقييدين هذين التعليلين بل خروجهما عن مدلول الصيغة.

____________

(1). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 100، و حكاه الآمدي عن إمام الحرمين و الواقفيّة في الإحكام في أصول الأحكام 2: 174، و الفخر الرازي في المحصول 2: 99.

(2). أي المدلول أو الامتثال.

(3). أي الفعل، فيقال: اضرب مرّة أو مرّات.

(4). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 112.

620

فإن قيل: دلالة الأمر بالمادّة على الطبيعة المطلقة مخالفة لما ذهب إليه بعض الادباء من أنّ اسم الجنس موضوع للطبيعة المقيّدة بالوحدة المطلقة (1).

قلت: الخلاف الذي وقع في كون اسم الجنس موضوعا للطبيعة من حيث هي، أو من حيث تقيّدها بالوحدة المطلقة، إنّما هو اسم الجنس الذي كان مصدرا منوّنا، و أمّا المصدر غير المنوّن في ضمن المشتقّات، فلا خلاف في كونه للطبيعة من حيث هي، كما صرّح به بعض المحقّقين منهم‏ (2).

و لنا أيضا: استعماله فيهما شرعا و عرفا، كالأمر بالحجّ، و الأمر بالصوم و الصلاة، و أمر السيّد عبده باشتراء اللحم، و أمره بحفظ الدابّة. و الاشتراك و المجاز خلاف الأصل، فيكون للقدر المشترك. و كونه له هاهنا لا يخالف الأصل، كما يخالفه كونه للقدر المشترك بين الوجوب و الندب، و قد ظهر وجهه ممّا تقدّم‏ (3).

و أيضا لو كان للتكرار لعمّ الأوقات؛ لعدم الأولويّة، و هو باطل؛ للإجماع، و لزوم التكليف بما لا يطاق، و كون كلّ تكليف يرد بعده و لا يجتمع معه ناسخا له.

و أيضا نصّ أهل اللغة على عدم الفرق بين «تفعل» و «افعل» إلّا في كون الأوّل خبرا و الثاني طلبا (4)، و مقتضى الأوّل ليس إلّا ماهيّة الفعل مع أيّهما حصلت، فكذا مقتضى الثاني، و إلّا كان بينهما فرق آخر.

احتجّ القائل بالمرّة بأنّ المولى إذا أمر عبده بدخول الدار فدخل مرّة عدّ ممتثلا عرفا، و لو كان للتكرار لما عدّ (5).

و الجواب: أمّا أوّلا: فبالمعارضة بأمره إيّاه بحفظ الدابّة، فإنّه لو حفظها مرّة لا يعدّ ممتثلا.

و أمّا ثانيا: فبأنّ حصول الامتثال لحصول الماهيّة في ضمن المرّة لا لأنّ الأمر ظاهر فيها.

____________

(1). حكاه الأسنوي في نهاية السؤل 2: 47.

(2). راجع: التعريفات: 40، و النحو الوافي 1: 23 و 24.

(3). آنفا.

(4). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 100.

(5). المصدر: 99 و 100.

621

و احتجّ القائل بالتكرار بأنّ النهي يقتضيه، فكذا الأمر قياسا عليه بجامع دلالتهما على الطلب.

و بأنّه لو لم يكن له لما تكرّر الصوم و الصلاة و غيرهما و قد تكرّرت.

و بأنّه لو لم يتكرّر لم يرد عليه النسخ؛ لأنّ وروده على المرّة يوهم الندامة، و هو محال على الشارع.

و بأنّ الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه، و النهي يقتضي دوام المنع عن المنهيّ عنه، فيلزم التكرار في المأمور به؛ لأنّ تكرار اللازم يوجب تكرار الملزوم. و إن منع لجواز ارتفاع الضدّين يفرض الكلام في ضدّين لا ثالث لهما، كالحركة و السكون؛ أو يقال: المراد من ضدّ المأمور ضدّه العامّ الذي هو الكفّ عنه، كما هو الظاهر، و ترك الكفّ عن شي‏ء إنّما يكون بفعله عند التذكّر؛ أو يقال: المراد منه جميع أضداده، و ترك الجميع لا يمكن إلّا بفعل المأمور (1).

و الجواب عن الأوّل: أنّه قياس في اللغة و هو باطل، مع أنّ الفارق قائم من وجهين:

أحدهما: أنّ الأمر يقتضي إيجاد الحقيقة، و هو يحصل بالمرّة، و النهي يقتضي انتفاءها، و هو يحصل بانتفائها في جميع الأوقات، و لو لا ذلك، لما صحّ التكاذب عرفا بين المطلقتين مع أنّه صحيح.

و ثانيهما: أنّ ترك كلّ فعل أبدا ممكن؛ إذ التروك تجتمع و تجامع كلّ فعل، بخلاف امتثاله؛ إذ هو يمنع من فعل باقي المأمورات.

و عن الثاني: أنّ فهم التكرار من خارج كسنّة أو إجماع، أو تعليقه على موجب متكرّر، كالوقت و السنة.

و أيضا: لا يمكن أن يكون التكرار الموجود في الصوم و الصلاة مدلول صيغة الأمر بمجرّدها، و هو ظاهر.

و أيضا: ينتقض بما لا يتكرّر، كالحجّ و غيره. و قد أشرنا (2) إلى أنّ استعماله تارة في‏

____________

(1). راجع: المحصول 2: 102 و 103، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 174 و 175، و نهاية السؤل 2: 278 و 279، و سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 279.

(2). ص 620.

622

التكرار و اخرى في المرّة آية كونه للقدر المشترك؛ دفعا للاشتراك و المجاز.

و عن الثالث بأنّ ورود النسخ قرينة التكرار.

و عن الرابع بأنّه لو سلّم كون الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضدّه، فالنهي بحسب الأمر في التكرار و عدمه؛ لترتّبه عليه، فإن أفاده أفاده، و إلّا فلا.

و حجّة القائل بالاشتراك: حسن الاستفسار، و هو دليل الاشتراك‏ (1).

و جوابه: أنّه قد يستفسر عن أفراد المتواطئ.

و ظاهر (2) الاستعمال، و هو آية الحقيقة.

و قد عرفت‏ (3) أنّه يدلّ على وضعه للقدر المشترك.

و حجّة الجاهل بالوضع و جوابها كما مرّ سابقا.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ كيفيّة اختلاف الفروع باختلاف الأقوال هنا تتوقّف على كشف الحجاب عن حقيقة كلّ من الأقوال الثلاثة الاول، و مقصود قائله منه.

فنقول: القائل بالتكرار يقول: يتوقّف الامتثال على الإتيان بجميع الأفراد الممكنة عقلا و شرعا، و يرى الإثم في تركه و الاكتفاء بالمرّة، فمدلول الأمر عنده هو الطلب المتعلّق بجميع هذه الأفراد (4).

و القائل بالمرّة، قيل: يمنع من الزيادة و يرى الإثم فيها، فمدلوله الطلب المتعلّق بأوّل فرد يوجد بشرط عدم الزيادة (5).

و قيل: لا يمنع عنها و لا يرى عليها إثما و لا ثوابا، لأنّ الامتثال عنده بالمرّة الاولى خاصّة، و الزيادة ليست امتثالا و لا مخالفة، فمدلوله عنده الطلب المذكور بإلغاء شرطه.

و القائل بأنّه لطلب الماهيّة، قيل: يقول بالسكوت عن الزيادة نفيا و إثباتا، فالإتيان بها لا يكون امتثالا و لا مخالفة، فمدلوله عنده الطلب المتعلّق بالماهيّة الحاصلة

____________

(1). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 103.

(2). عطف على «حسن».

(3). في ص 620.

(4). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 100، و الفخر الرازي في المحصول 2: 102 و 103.

(5). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 174.

623

أوّلا، سواء حصلت في ضمن فرد أو أفراد (1).

و قيل: يقول بتحقّق الامتثال و حصول الثواب بها و إن لم يكن في تركها إثم‏ (2).

و أنت خبير بأنّ هذا التقرير يضعّف القول بأنّه لطلب الماهيّة؛ لأنّ مدلوله حينئذ إن كان طلب الماهيّة- سواء حصلت في ضمن فرد أو أفراد- على أن يكون التعميم مطلوبا (3)، فيرجع إلى الوجوب التخييريّ، أي طلب أحد الأمرين تخييرا، لا طلب الماهيّة من حيث هي، كالتخيير بين التسبيحة الواحدة و الثلاث، فإنّ المطلوب ماهيّة التسبيح، سواء حصلت في ضمن الواحدة أو الثلاث، و كما يتعلّق الوجوب و يحصل الامتثال بكلّ من الواحدة و الثلاث تخييرا- أي لو ذكر الواحدة فقط، كانت هي متعلّقة الوجوب و ما حصل به الامتثال، و لو زاد عليهما الاثنتين، كانت الثلاث ما تعلّق به الوجوب، و حصل به الامتثال، فإنّ هذا هو معنى التخيير بين الأقلّ و الأكثر- فكذلك الحال في تعلّق الوجوب و حصول الامتثال بكلّ من المرّة و التكرار. و هذا (4) و إن كان في نفسه صحيحا، إلّا أنّ صيغة الأمر لا تدلّ عليه، و القائل بالماهيّة يأبى عنه.

و إن كان طلب الماهيّة الحاصلة أوّلا و ثانيا و ثالثا و هكذا، بمعنى أنّها مطلوبة في ضمن أيّ فرد كان، لا من حيث التخيير، بل من حيث إنّ المطلوب إذا كان طبيعة صادقة على أشياء، لا يدلّ الدالّ عليه على اختصاص الطلب ببعضها أو جميعها، بل يتعلّق بكلّ منهما، و يحصل الامتثال بهما. فيرد عليه أنّه إذا حصل الامتثال بفرد واحد و برئ الذمّة به، فلا يترتّب أثر على غيره، و لا معنى للامتثال بعد الامتثال‏ (5).

و لو قطع النظر عنه نقول: إذا تحقّق الماهيّة بالفرد الأوّل و حصل الامتثال به، فإمّا أن يبقى الطلب بالنسبة إلى تحقّق ثان للماهيّة- و هو الموجود في ضمن فرد آخر- أو لا، فعلى الثاني لا يعقل حصول الامتثال بالفرد الثاني. و على الأوّل إمّا أن يبقى الطلب بالنسبة إليه‏

____________

(1). أي إذا كانت الأفراد متحقّقة دفعة لا على التعاقب.

(2). حكاه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 100.

(3). أي سواء تحقّق الأفراد دفعة أو تدريجا و على التعاقب.

(4). أي التخيير بين الأقلّ و الأكثر. و هذا عند بعضهم مستحيل.

(5). هذا الإشكال بعينه وارد على التخيير بين الأقلّ و الأكثر و هو (رحمه اللّه) قال بصحّته.

624

بالوجوب، فلا يحصل الامتثال بالفرد الأوّل، فيكون قولا بالتكرار، أو بالاستحباب، فيكون قولا بدلالة صيغة واحدة على الوجوب و الاستحباب، و مذهبا جديدا لم يقل به أحد.

فالصواب على القول بأنّه لطلب الماهيّة هو التقدير الأوّل، أي السكوت عن الزائد نفيا و إثباتا؛ لأنّه بعد ما علم بالأدلّة أنّ المطلوب بالأمر هو الماهيّة الكلّيّة يعلم أنّ الواجب الإتيان بما يتحقّق به و يحصل به الامتثال، و يشهد العقل و العرف بتحقّق الماهيّة و حصول الامتثال بالمرّة، و عدم مدخليّة الامتثال للزائد (1). و لو حصل به لزم أن يحصل به إذا كانت الصيغة للمرّة؛ إذ المراد بالمرّة الطبيعة المقيّدة بالوحدة المطلقة، و لا ريب في كون المرّة الثانية مثلا فردا لها، كما أنّها فرد للطبيعة من حيث هي، و في تساويهما في التحقّق في ضمنها، و كفاية المرّة الاولى لتحقّقهما، فلو حصل الامتثال بالمرّة الثانية إذا كانت للطبيعة المطلقة، حصل بها إذا كانت للمقيّدة، فالفرق بحصوله على الأوّل دون الثاني تحكّم، مع أنّه لم يقل به على الثاني أحد، فالزائد مسكوت عنه، كسائر ما سكت الشارع عنه، فلو فعل باعتقاد الشرعيّة، كان تشريعا و إدخالا لما ليس من الشرع فيه.

و حينئذ فالفرق و فائدة الخلاف بينه و بين القول بالتكرار ظاهر.

و بينه و بين القول بالمرّة- مع ثبوت الإثم على الزائد- أنّ الزائد على هذا القول مسكوت عنه نفيا و إثباتا، و ليس أحد الطرفين مدلول الأمر ليترتّب على خلافه الإثم مطلقا، بل الترتّب لو كان فإنّما يكون في صورة اعتقاد الشرعيّة، كما في سائر ما سكت عنه نفيا و إثباتا. و على القول بالمرّة منفي بالأمر؛ لكونه جزء مدلوله، فيترتّب الإثم على فعله مطلقا، أي باعتقاد الشرعيّة و غيره.

و بينه و بين القول بالمرّة- مع السكوت عن الزائد- أنّ المطلوب في الأوّل هو الماهيّة من حيث هي، فكما أنّ المتعدّد على هذا القول مسكوت عنه، فكذلك الواحد من حيث هو واحد، فلو فرضنا إمكان إيجادها من حيث هي من غير أن تكون في ضمن الواحد و الكثير و اوجدت كذلك، لحصل الامتثال و الإتيان بالمأمور به، و في الثاني هو الطبيعة المقيّدة بالوحدة.

____________

(1). كذا في النسختين. و حقّ العبارة أن تكون هكذا: «و عدم مدخليّة للزائد في الامتثال».

625

و على هذا، فلو أتى بأفراد متعدّدة دفعة، يحصل الامتثال بالجميع من غير تخصيص لفرد منها على الأوّل؛ لأنّ أوّل تحقّق للماهيّة حصل به، و لا يحصل بالجميع على الثاني؛ إذ المطلوب عليه‏ (1) لمّا كان فردا واحدا، فتحقّق الامتثال به لا بالجميع.

ثمّ لا يخفى أنّه على القول بالمرّة على التقديرين‏ (2) يكون المطلوب في هذه الصورة (3) مشتبها، فلا بدّ للقائل به إمّا أن يقول بكونه معيّنا في الواقع مشتبها عندنا، فيستخرج بالقرعة إن جوّز اجتماع الأمر و النهي باعتبارين مختلفين، أو بالبطلان إن لم يجوّز ذلك.

و لو أتى بفرد واحد أو أفراد على التعاقب، فلا يكاد أن يتحقّق فائدة الخلاف؛ إذ على القولين يحصل الامتثال بأوّل فرد يوجد، و لا معنى للامتثال بعده. و الفرق بمجرّد أنّ المطلوب في أحدهما الماهيّة من حيث هي، و في الثاني الماهيّة المقيّدة بالوحدة ليس ممّا يختلف به الأحكام و يتفاوت به تفريع الفروع بعد تسليم أنّ امتثال طلب الماهيّة من حيث هي، و المقيّدة بالوحدة يحصل بالمرّة فقط، إلّا أنّ عدم فائدة الخلاف في صورة واحدة- مع ثبوتها في صورة اخرى، و وجود الفرق بينهما من حيث الذات، و ثبوت الدلالة على حقّيّة أحدهما، و بطلان الآخر- لا يصير منشأ لاتّحادهما، أو لبطلان الحقّ و صحّة الباطل.

و إذا ظهر ذلك، فاعلم أنّ ما يتفرّع عليه كثير. و ممّا فرّع عليه أنّه إذا سمع مؤذّنا بعد مؤذّن، فهل يستحبّ إجابة الثاني لقوله (عليه السلام): «إذا سمعتم المؤذّن، فقولوا كما يقول» (4)، أم يسقط الاستحباب بالأوّل؟ و على ما اخترناه و إن لزم سقوطه به إلّا أنّ الأقوى بقاء الاستحباب هنا؛ نظرا إلى تعليق الحكم على الوصف المناسب الدالّ على التعليل، فيتكرّر بتكرّره، كما تقدّم‏ (5).

و لا يخفى كيفيّة التفريع و حقيقة الحال لو سمع مؤذّنين دفعة.

و ممّا فرّع عليه ما لو قال لوكيله: «بع هذا العبد» فباعه، فردّ عليه بعيب أو خيار، أو قال‏

____________

(1). في «ب»: «المقصود فيه».

(2). أي ترتّب الإثم على الزائد و عدمه راجع ص 622 و 624.

(3). أي في صورة وقوع الأفراد دفعة.

(4). مسند أحمد بن حنبل 3: 515، ح 11450، و كنز العمّال 7: 700، ح 20998.

(5). تقدّم في ج 1، ص 480.

626

لوصيّه: «استأجر عنّي الحجّ» فاستأجر، ثمّ فسخ الأجير لأمر مجوّز للفسخ، فهل يجوز لهما البيع و الاستيجار ثانيا؟ و يتأتّى على ما اخترناه عدم الجواز، و لا ريب فيه في الأوّل.

و أمّا الثاني، فالظاهر دلالة القرائن على إرادة التكرار، و قس عليهما غيرهما.

فصل [6] [: في أنّ الأمر المعلّق على شرط أو صفة هل يتكرّر بتكرّرهما أم لا؟]

لا خلاف في أنّ الأمر المعلّق على شرط أو صفة يثبت‏ (1) علّيّتهما أو كلّيّتهما- مثل‏ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (2)، و وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (3)، و «كلّما جاءك زيد فأكرمه» و «كلّ وارد عليه ألزمه»- يتكرّر بتكرّرهما؛ لوجوب وجود المعلول كلّما وجدت العلّة، فالعلّيّة تفيد العموم، و العامّ يتناول جميع أفراده، و التكرار لذلك، لا لكونه مستفادا من الأمر.

و أمّا المعلّق عليهما بدون القيدين‏ (4)- مثل «إذا دخل الشهر، فأعتق عبدا من عبيدي» و «أعتق السخيّ من عبيدي»- فقد اختلف في تكرّره بتكرّرهما على أقوال: أصحّها عدم التكرّر من جهة اللفظ (5)- أي لم يوضع اللفظ له، و حاصله أنّهما لا يدلّان عليه لغة- و التكرّر من جهة العقل و القياس؛ نظرا إلى أنّ ترتّب الحكم على الشرط و الوصف يشعر بالعلّيّة، و إذا ثبت العلّيّة ثبت العموم؛ لعدم تخلّف المعلول عن العلّة.

و قيل: يفيد التكرّر بلفظه‏ (6).

و قيل: لا يفيد التكرّر مطلقا (7).

لنا على الجزء الأوّل‏ (8): أنّه مع قطع النظر عن العلّيّة و الكلّيّة تصير القضيّة مهملة، و في‏

____________

(1). أي يثبت التعليق.

(2). المائدة (5): 6.

(3). المائدة (5): 38.

(4). و المراد بهما ثبوت العلّيّة أو الكلّيّة.

(5). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 107، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 131، القاعدة 38.

(6). حكاه الفخر الرازي في المحصول 2: 107، و الأسنوي في نهاية السؤل 2: 283، و هو مختار التفتازاني في شرح التلويح على التوضيح 1: 301.

(7). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 109، و البصري في المعتمد 1: 106، و الغزالي في المستصفى: 214، و ابن الحاجب في منتهى الوصول: 68.

(8). المراد به عدم التكرّر من جهة اللفظ.

627

الشرطيّة المصاحبة اتّفاقيّة، و الشرط قيد للجزاء، فيصير المثال الأوّل في قوّة «أعتق عبدا وقت دخول الشهر»، و الثاني في قوّة «أعتق سخيّا من عبيدي»، فلا يفهم منهما التكرار، إلّا إذا جعل الأمر دالّا عليه.

و أيضا ثبوت الحكم مع الشرط أو الصفة ليس إلّا التعليق المطلق، و هو أعمّ من المقيّد بالوحدة أو التكرار، و لا يدلّ العامّ على الخاصّ.

و أيضا ليس في أدوات الشرط إشعار بالتكرار عرفا، و لذا لو قال السيّد لعبده: «إن دخلت السوق فاشتر اللحم» عدّ ممتثلا بالمرّة، و لا يذمّ بترك الشراء في المعاودة. و لو قال الزوج لوكيله: «طلّق زوجتي إن دخلت الدار» لم يتكرّر. و كذا لو قال الناذر: «إن ردّ عليّ مالي، فله عليّ أن أفعل كذا»، و إذا لم يدلّ عليه عرفا لم يدلّ عليه لغة؛ لأصالة عدم النقل.

و للمانع أن يقول: عدم فهم التكرار هنا بالقرينة، و لا يمكن أن يستدلّ عليه بأنّ الشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط، و لا يلزم من وجوده وجوده، فلا يدلّ على التكرار؛ لأنّ هذا هو الشرط الشرعي دون اللغوي، و هو ما يدخل عليه أداة الشرط، و إلّا لزم عدم دلالته على المرّة أيضا.

و [لنا] على الجزء الثاني‏ (1): أمّا على إفادة التعليق الشرطي للعلّيّة، فما تقدّم‏ (2) من أنّ بعض الحروف ظاهر في التعليل منها حروف الشرط ك «إن» و مثلها، فالشرط يفيد العلّيّة بنفسه و إن لم تعلم من طريق آخر (3). و أمّا على إفادة التعليق الوصفي لها، فشهادة العرف، و لزوم كون ذكر الوصف عبثا لو لم يفدها.

فإن قيل: لو كان الشرط و الوصف مناسبين للحكم، لكانا ممّا يثبت علّيّته، و هو غير المبحث. و إن لم يكونا مناسبين، لزم أن لا يكون علّة الشي‏ء مناسبة له، و هو باطل.

قلنا: العلّة إمّا معرّفة أو باعثة، و الاولى لا يشترط مناسبتها للمعلول، و لا فساد فيه؛ لأنّها مجرّد أمارة نصبها الشارع لتعريف الحكم، و تحقّق المناسبة في مثلها غير لازم.

____________

(1). أي التكرّر من جهة العقل.

(2). تقدّم آنفا.

(3). راجع تمهيد القواعد: 482، القاعدة 170.

628

و أمّا الثانية، فلا ريب في لزوم مناسبتها للمعلول في الواقع. و أمّا ظهورها عندنا، فليس بلازم. فلمّا علمنا بالدلالة إفادتهما للعلّيّة بنفسهما، فإن كانا من العلل المعرّفة، فلا حاجة إلى مناسبة أصلا، و إن كانا من العلل الباعثة، فيحكم بمناسبتهما للحكم و إن لم يكن المناسبة معلومة لنا، و ثبوت المناسبة الواقعيّة بدون ظهورها لنا لا يدخلهما فيما يثبت علّيّته؛ لأنّ العلّة الثابتة ما يثبت علّيّته لنا.

و الحاصل: أنّا ندّعي أنّهما يفيدان العلّيّة بنفسهما من غير أن يعلم علّيّتهما من طريق آخر من مناسبة أو نصّ أو عقل أو غيرها، و لا ينكر اتّصافهما بما يشترط في العلّة، فلم يخرج عن المبحث. هذا، مع أنّ ثبوت العلّيّة بمجرّد المناسبة غير مسلّم، فالمناسبة لا تستلزم العلّيّة و إن كانت العلّيّة تستلزمها، فلو قطع النظر عن إفادتهما للعلّيّة بالترتّب لم تكن علّيّتهما ثابتة و إن كانا مناسبين.

و ممّا يدلّ على علّيّتهما- و إن لم يعلم المناسبة- أنّه لو قيل: «إن كان عالما، فأهنه، و إن كان جاهلا، فأكرمه» أو «أهن العالم» و «أكرم الجاهل» قبح، و ليس ذلك لمنافاة مطلق العلم للإهانة، و مطلق الجهل للإكرام؛ لأنّه قد تقدّم المنافاة لأسباب أخر، فهو لسبق فهم التعليل، و دلالتهما على العلّيّة في هذه الصورة تستلزم دلالتهما عليها في سائر الصور؛ دفعا للاشتراك و المجاز، و إذا ثبت علّيّتهما يثبت‏ (1) دلالتهما على التكرار؛ لعدم انفكاك المعلول عن العلّة- و إن كانت العلّة أمارة محضة- لأنّها علامة منصوبة من الشرع لتعريف الحكم، فيجب كلّيّتها، و إلّا لزم الإغراء بالجهل، فلا فرق بين العلل الباعثة و المعرّفة في وجوب وجود الحكم معهما كلّما وجدتا و إن كان بينهما فرق من جهات أخر، فما لا يدلّ على التكرار كما في الأمثلة المتقدّمة، فالسبب فيه عدم اعتبار تعليله بالقرينة.

و بما ذكر ظهر أنّه يصحّ أن يقال: إنّهما يفيدان العموم عرفا و شرعا، أي من حيث إنّ الشرع و العرف يفهمان منهما العلّيّة. و هذا هو السرّ في تكرّر حلّ الأوامر الشرعيّة المعلّقة عليهما بتكرّرهما.

____________

(1). في «ب»: «ثبت».

629

هذا. و لا يبعد أن يقال: إنّهما يفيدان العموم شرعا و إن قطع النظر عن إفادتهما للعلّيّة، و إلّا لزم الإبهام المنافي للحكمة.

احتجّ القائل بالتكرّر بلفظه بوجهين:

أحدهما: أنّه قد ثبت تكرّر الأوامر الشرعيّة المعلّقة بتكرّر ما علّقت عليه، كقوله تعالى:

الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا (1)، و إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا (2)، و كالآيتين المتقدّمتين‏ (3)، و الاستقراء يدلّ على أنّه فهم التكرار من نفس التعليق دون العلّيّة (4).

و الجواب: أنّه لو فهم من مجرّد التعليق، لفهم من جميع التعليقات مع أنّه لا يفهم من أكثرها، كما في الأمثلة المذكورة و آية الحجّ‏ (5). و الإيراد بأنّ عدم فهم التكرار فيها بالقرينة مشترك، فما فهم فيه التكرار إنّما فهم من العلّيّة لا من التعليق، و ما لم يفهم فيه التكرار فلقيام القرينة على عدم اعتبار التعليل، و الاستقراء يدلّ عليه.

نعم، يمكن ادّعاء فهم التكرار في التعاليق الشرعيّة في غير العلّة؛ لما ذكرناه‏ (6).

و ثانيهما: أنّ الحكم لو تكرّر بتكرّر العلّة، فيتكرّر بتكرّر الشرط بالطريق الأولى؛ إذ الشرط أقوى من العلّة، لانتفاء الحكم بانتفائه، بخلاف العلّة؛ لجواز أن يخلفها علّة اخرى‏ (7).

و الجواب: أنّ تكرّر شي‏ء بتكرّر آخر لا يترتّب على اقتضاء عدمه لعدمه، كما في الشرط، بل على اقتضاء وجوده لوجوده، كما في العلّة.

و احتجّ القائل بعدم التكرّر مطلقا بما لا يفهم منه التكرار من الأمثلة المحقّقة في العرفيّات‏ (8).

____________

(1). النور (24): 2.

(2). المائدة (5): 6.

(3). تقدّمنا في ص 626.

(4). حكاه المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 285.

(5). آل عمران (3): 97.

(6). تقدّم في ص 627.

(7). حكاه الغزالي في المستصفى: 214، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 182، و الأسنوي في نهاية السؤال 2: 283 و 284.

(8). حكاه الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 206، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 181، و المؤلّف (رحمه اللّه) أخذ بمفاهيم الأدلّة.

630

و قد عرفت‏ (1) أنّ السبب فيه قيام القرينة في بعض التعاليق العرفيّة على عدم اعتبار التعليل.

إذا تقرّر ذلك، فكيفيّة التفريع أنّه قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بعد من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» (2)، و هو في قوّة الأمر بالصلاة عند ذكره (صلّى اللّه عليه و آله)، فيتأتّى وجوب تكرّر الصلاة عليه (صلّى اللّه عليه و آله) بتكرير ذكره و لو ذكر مرّات متتالية؛ من جهة استفادة علّيّة ذكره (صلّى اللّه عليه و آله) لوجوب الصلاة عليه منه على ما اخترناه، و من جهة دلالة اللفظ على العموم على القول بفهم التكرار من جهة اللفظ، و الاكتفاء بالمرّة الواحدة على القول بعدم التكرّر مطلقا. هذا إذا حملنا الأوامر الدالّة على الصلاة عليه عند ذكره على الوجوب، كما ذهب إليه الصدوق‏ (3) من أصحابنا و الزمخشري‏ (4) من العامّة. و لو حملناها على الاستحباب، كما ذهب إليه أكثر الفريقين، يسقط الوجوب بالمرّة. و يظهر فائدة الخلاف في استحباب التكرير كلّما ذكر، و سقوطه بالمرّة.

فائدة [: في أنّ تعليق الإنشاء و الخبر لا يفيد التكرار]

قد صرّح جماعة بأنّ محلّ الخلاف إنّما هو تعليق الأمر (5)، فتعليق غيره من الإنشاء- كقول الرجل لزوجته: «إن خرجت من الدار، فأنت عليّ كظهر امّي»- أو الخبر- كقولنا:

«إن جاء زيد، جاء عمرو»- لا يفيد التكرار وفاقا، و ما (6) إذا وقع الفعل الثاني في محلّ الأوّل.

و أمّا إذا وقع في غير محلّه، فتكراره يقتضي تكراره اتّفاقا، كقوله: «إن دخل زيد داري،

____________

(1). آنفا.

(2). الكافي 2: 495، باب الصلاة على النبيّ، ح 19 باختلاف، و فتح الباري 11: 144، و كنز العمّال 16: 43، ح 43853.

(3). قاله في عقاب الأعمال (ثواب الأعمال و عقاب الأعمال): 246، باب عقاب من صلّى و ترك الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و من ذكر عنده النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يصلّ عليه، ح 1، و كنز العرفان 1: 133.

(4). الكشّاف 3: 557، ذيل الآية 56 من الأحزاب (33).

(5). قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 181 و 182، و حكاه الأسنوي في نهاية السؤل 2: 284، و المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 285 و 286.

(6). في محلّ الرفع عطفا على «تعليق الأمر». و المراد تكرار الشرط بجميع خصوصيّاته كما إذا قال: إذا دخل زيد الدار الفلانيّة، فله كذا فدخل تلك الدار بعينها مرّات.

631

فله درهم» فدخل دارا له ثمّ دارا اخرى له، فإنّه يستحقّ درهمين.

و وجه الأوّل‏ (1): قيام القرينة في الأكثر على عدم اعتبار التعليل و التكرير في الأخبار و غير الأمر من الإنشاءات المعلّقة، و استمرار ذلك إلى أن صار عدم فهم التكرار منها متبادرا عند العرف.

و وجه الثاني: تعدّد الفعل بحيث لا يحتمل الاتّحاد.

فصل [7] [: في عدم دلالة الأمر على الفور أو التراخي‏]

الحقّ أنّ الأمر لطلب مطلق الفعل من غير دلالة على فور أو تراخ؛ وفاقا للأكثر.

و قيل: يفيد الفور (2). و إليه ذهب كلّ من قال بالتكرار، و بعض من لم يقل به.

و قيل: مشترك بينهما (3).

و قيل: إنّه لطلب مطلق الفعل إلّا أنّه يدلّ على الفور، لا لأنّه حقيقة فيه شرعا أو عرفا، بل لقيام الأدلّة الخارجيّة على وجوب التعجيل بعد الأمر المجرّد (4).

و قيل باشتراكه بينهما لغة، و إفادته الفور شرعا، و إليه ذهب المرتضى‏ (5).

و قيل بالوقف‏ (6). و نقل فيه مذاهب آخر فاسدة المأخذ، تركناها لظهور فسادها (7).

لنا: جميع ما تقدّم في التكرار (8)، و لا فرق إلّا أنّ الغالب في الأوامر قيام القرائن العرفيّة أو العاديّة على إرادة الفور، و هو غير قادح في المطلوب؛ لأنّ الكلام في الأمر المجرّد عن جميع القرائن، فما يفهم منه الفور لا ينفكّ عن القرائن، و يكون الدالّ عليه هي القرائن دون‏

____________

(1). المراد به تعليق الخبر و غير الأمر، و المراد بالثاني وقوع الفعل في غير محلّه.

(2). قاله الشيخ و نسبه أيضا إلى أبي الحسن الكرخي في العدّة في أصول الفقه 1: 225 و 226، و حكاه الآمدي عن الحنابلة و الحنفيّة في الإحكام في أصول الأحكام 2: 184.

(3). قاله الفخر الرازي في المحصول 2: 113.

(4). قاله الفاضل التوني في الوافية: 78.

(5). الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 131.

(6). حكاه الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 226، و الفخر الرازي عن الواقفيّة في المحصول 2: 113، و الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 184، و الأسنوي في نهاية السؤل 2: 288، و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد:

133، القاعدة 31.

(7). راجع العدّة في أصول الفقه 1: 225 و 226.

(8). ص 618.

632

الأمر، و المجرّد عنها لا يفهم منه الفور. و الدليل عليه اختلاف الفوريّة باختلاف الآمر و المأمور و المأمور به و غير ذلك من القرائن؛ فإنّ الفور الذي يقتضيه الأمر بالسقي غير الفور الذي يقتضيه الأمر بالمسافرة إلى البلاد النائية، و لو كان الدالّ عليه مجرّد الأمر، لما اختلف باختلاف القرائن، بل كان مقتضاه واحدا؛ لأنّ الموضوع له يجب أن يكون مضبوطا معيّنا.

احتجّ القائل بالفور بوجوه‏ (1):

منها: أنّ السيّد لو قال لعبده: «اسقني ماء» فأخّر، عدّ عاصيا.

و الجواب: أنّ ذلك إنّما فهم بالقرينة، و هو ظاهر.

و منها: [أنّه‏] (2) لو قال له: «قم»، ثمّ قال له قبل القيام: «اضطجع إلى المساء» سبق إلى الفهم تغيير الأمر الأوّل إلى الثاني دون إرادة الجمع مع التراخي.

و الجواب كما تقدّم‏ (3).

و منها: أنّ النهي يفيد الفور فكذا الأمر، و أنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن تركه، و هو يفيد الفور، فكذا الأمر.

و قد تقدّم‏ (4) تقريرهما مع الجواب عنهما، فلا حاجة إلى الإعادة.

و منها: أنّ كلّ خبر و إنشاء، مثل «زيد قائم» و «أنت طالق» يقصد منه الزمان الحاضر، فكذلك الأمر؛ إلحاقا له بالأعمّ الأغلب.

و الجواب أوّلا: أنّ طريق إثبات اللغة إمّا النقل أو الاستقراء، و الإلحاق بالأعمّ ليس من النقل و هو ظاهر، و لا من الاستقراء؛ لأنّه استدلال من حال جميع الجزئيّات على حال الكلّي، و هنا حال بعضها محلّ النزاع، فلا يتمّ الاستقراء.

و ثانيا: منع دلالة كلّ خبر و إنشاء على الزمان الحاضر وضعا، فقد صرّح بعض الادباء بأنّ قولنا «زيد منطلق» لا يدلّ على أكثر من ثبوت الانطلاق فعلا له، و قال: العدول عن‏

____________

(1). راجع: المعتمد 1: 112- 123، و الإحكام في أصول الأحكام 2: 186.

(2). اضيف للضرورة.

(3). تقدّم في ص 621 في ردّ من استدلّ بالنهي على دلالة الأمر على التكرار.

(4). أي آنفا.

633

الجملة الفعليّة إلى الاسميّة للدلالة على الدوام؛ لأنّ الاسميّة لا تدلّ على زمان معيّن، و الفعليّة تدلّ عليه.

و ثالثا بالفرق بين الأمر و ما قيس عليه، بأنّ الأمر فيه دلالة على الاستقبال؛ نظرا إلى دلالته على الطلب، و هو مردّد بين مطلق الاستقبال و أقرب زمان إلى الحال و هو الأجزاء المتعاقبة من أواخر الماضي و أوائل المستقبل. و الزمان الحاضر الذي يدلّ عليه المقيس عليه مردّد بين الآن الحاضر الذي لا ينقسم و الأجزاء المذكورة. فإن اريد بالزمان الحاضر المعنى الأوّل، فلا يمكن توجّه الأمر إليه؛ لأنّ الحاصل لا يطلب. و إن اريد به المعنى الثاني، فلا يخلو إمّا أن يراد بالاستقبال مطلقة، فلا يتعيّن توجّهه إليه؛ أو مقيّده فنطالب الحجّة على تعيّن إرادته؛ لأنّ المطلق محتمل أيضا، و لا يصار إلى أحد المحتملين إلّا لدليل.

و منها: أنّ التأخير لو جاز، لم يكن له غاية مبهمة؛ للزوم التكليف بالمحال، و لا معيّنة؛ لعدم إشعار به في الأمر، و لو استفيدت من الخارج خرج عن محلّ النزاع، فيلزم جوازه دائما، فيخرج الواجب عن كونه واجبا.

و الجواب: النقض بالنذر المطلق و قضاء الواجب، و بما لو صرّح بجواز التأخير.

و الحلّ كما قيل- مع تتميم و تنقيح- أنّ جواز التأخير إلى غاية مبهمة و هي آخر أزمنة الإمكان في الواقع على أن ينقطع في أوّل جزء منه، و يقع الفعل فيه، لا على أن يكون طرفا للتأخير و يقع الفعل مؤخّرا عنه؛ للزوم جواز التأخير حينئذ عن جميع أزمنة الإمكان، و هو يوجب السفه و المنافاة للغرض و خروج الواجب عن كونه واجبا، و التأخير إليها يقتضي التكليف بالمحال إذا كان متعيّنا؛ إذ يلزم حينئذ تعريف وقته الذي يؤخّر إليه؛ لئلّا يلزم التكليف بما لا يعلم، و أمّا إذا لم يتعيّن، بل جاز عن أوّل زمان التكليف و التمكّن إلى ثانيه، و هكذا بحيث لو أتى به في أيّ جزء من مجموع الأزمنة الواقعة بينهما كان ممتثلا، فلا يقتضي التكليف بالمحال؛ لتمكّنه من الامتثال بالمبادرة (1).

و فيه نظر؛ لأنّه لو قيل حينئذ بوجوب البدار، كان التزاما، لإفادة الصيغة الفور، و لو لم‏

____________

(1). قاله الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1: 227 و 228، و الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1:

388، و الشيخ حسن في معالم الدين: 56.

634

يقل به فأخّر المكلّف الفعل إلى انقضاء أزمنة الإمكان، فإمّا أن يكون آثما، أو لا، فعلى الأوّل يلزم التكليف بالمحال؛ إذ يجب عليه حينئذ عدم تأخيره عن آخر أزمنة الإمكان، مع أنّه لا يعرفه.

و على الثاني يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا.

فالحلّ الصحيح أنّ جواز التأخير إلى غاية معيّنة، و هو آخر أزمنة الإمكان بظنّ المكلّف بل بشكّه أيضا على التحقيق، فكلّ زمان لم يظهر فيه عدم الإمكان بعد ذلك يجوز له التأخير، و كلّ وقت ظنّ فيه ذلك يتضيّق عليه، و هذا الوقت غير مجهول؛ لأنّ المكلّف يتمكّن في كلّ وقت أن يتميّز (1) بأنّه هل حصل له الظنّ بأنّه لا يعيش بعد ذلك أم لا؟ ثمّ الوقت الذي يتضيّق عليه يختلف باختلاف الفعل المأمور به كثرة و قلّة، و صعوبة و سهولة، فربّما كان كثيرا يقتضي أمدا بعيدا، و ربّما كان قليلا لا يقتضي إلّا زمانا قصيرا، و ربّما كان صعبا لم يمكن، أو أنّه عند الهرم و سقوط القوّة، و ربّما كان سهلا أمكن إيقاعه عندهما، فكلّ زمان ظنّ المكلّف أنّه لم يبق من عمره أو قوّته إلّا بقدر ما أدّى فيه ما يجب عليه يتضيّق عليه، و ما لم يظنّ ذلك يجوز له التأخير.

و الدليل عليه: قد تقدّم فيما ذكر أنّ من ظنّ الموت في جزء من وقت الواجب الموسّع- سواء كان ممّا وقته العمر أو لا- يعصي بتركه قبله إن مات فجأة، و من ظنّ السلامة فيه لا يعصي بتركه قبله لو مات كذلك.

بقي الكلام في الجواب عمّا ذكر في الدليل من أنّه لا إشعار في الأمر بالتأخير إلى غاية معيّنة.

و الجواب عنه: أنّ فيه إشعارا بجواز التأخير إلى الغاية المعيّنة التي ذكرناها، و عدم جواز التأخير عنها؛ لأنّه لمّا فهم منه وجوب الفعل من غير دلالة على زمان معيّن، فهم منه عدم لزوم إيقاعه فيما قبل آخر أزمنة الإمكان، و عدم جواز تأخيره عنه.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما قيل: إنّه قلّما يحصل هذا الظنّ؛ لأنّه لا بدّ له من أمارة، و ليست إلّا كبر السنّ أو مرضا شديدا و هما لا يفيدان شيئا؛ إذ كم من شابّ صحيح يموت فجأة، و كم‏

____________

(1). كذا في النسختين، و الأولى «يميّز».

635

من شيخ سقيم يعيش مدّة. و على تقدير حصوله لا دليل على اعتباره شرعا حتّى يحكم به بتضيّق عبادة ثبتت من الشرع توسعتها. و لو سلّم، فحصوله لمّا كان عند الهرم و المرض الشديد، فبعده لا يمكن إيقاع شي‏ء من التكاليف‏ (1)، في غاية الفساد.

أمّا الأوّل‏ (2)، فلأنّ الغالب إفادة الأمارتين ظنّا للمكلّف بآخر أزمنة الإمكان و إن لم تفدا القطع به، فتدلّان على آخر أزمنة الإمكان بظنّه و إن لم تدلّا على آخر أزمنة الإمكان في الواقع. و لو سلّم عدم إفادتهما له كلّيا، فلا ريب في إفادة بعض أفرادهما أو أمارة ما- و إن كانت غيرهما- له و هو يكفي لإثبات المطلوب؛ لأنّا نقول: الغاية زمان حصول هذا الظنّ بأيّ أمارة كانت، و بأيّ نحو اتّفق، أي اتّفق غالبا أو نادرا.

و أمّا الثاني‏ (3)، فلما بيّنّا فيما تقدّم اعتباره‏ (4).

و أمّا الثالث‏ (5)، فلما عرفت‏ (6) من أنّ الوقت المضيّق بظنّ المكلّف يختلف باختلاف ما يجب عليه، فالظنّ بتضيّق الوقت لو حصل في المرض، فإنّما يحصل لو كان ما يجب عليه ممّا أمكن إيقاعه فيه، و إلّا فيحصل قبله.

و إذا أحطت خبرا بما ذكر، تعرف أنّه لو عرضناه على قواعد الميزان يصير الدليل هكذا:

هذا الواجب لا يتعيّن آخره، و كلّ ما لا يتعيّن آخره يجوز الإخلال به، فهذا الواجب يجوز الإخلال به. و إذا جعلت النتيجة صغرى لقياس آخر، ينتج أنّ هذا الواجب ليس بواجب، و هو خلف.

و الجواب على الحلّ الأوّل: منع الصغرى إن اريد عدم التعيّن عند الشارع؛ لأنّ آخره- و هو آخر أزمنة التمكّن في الواقع- متعيّن عنده، و منع الكبرى إن اريد عدم التعيّن عند المكلّف؛ لأنّ عدم التعيّن عنده لا يقتضي الترخّص له في الإخلال به في جميع الأزمنة.

____________

(1). حكاه الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 389.

(2). و المراد به قوله: «قلّما يحصل هذا الظنّ».

(3). و المراد به قوله: «و على تقدير حصوله».

(4). في ص 634.

(5). و المراد به قوله: «و لو سلّم فحصوله».

(6). في ص 634.

636

و على الحلّ الذي ذكرناه: منع الصغرى، سواء اريد عدم التعيّن عند الشارع، أو المكلّف؛ لأنّ آخره- و هو آخر أزمنة التمكّن بظنّ المكلّف- متعيّن عندهما.

و منها: قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ (1) ذمّ إبليس على ترك البدار، و لو لم يقتض الفور، لما استحقّ الذمّ و كان له أن يقول: ما أمرتني بالبدار (2).

و الجواب: أنّ هذا الأمر كان مقيّدا بوقت معيّن، و هو وقت التسوية و النفخ بدليل قوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ‏ (3)، فلمّا لم يأت بالفعل فيه استحقّ الذمّ.

و منها: قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ‏ (4)، و فعل‏ (5) المأمور به منها، فيجب الاستباق إليه. و قوله: وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‏ (6)، و المراد سببها بالاتّفاق، و ليس المراد منه سببا خاصّا كالتوبة؛ للزوم الترجيح بلا مرجّح، فالمراد منه فعل المأمور به مطلقا، فيجب المسارعة إليه، و لا يتحقّق الاستباق و المسارعة إلّا بإيقاعه فورا (7).

و اجيب عنه بأنّ الأمر بالاستباق و المسارعة محمول على الأفضليّة دون الوجوب؛ لأنّهما إنّما يتصوّران في الموسّع دون المضيّق، و لا يجبان فيه.

أمّا الثاني؛ فللإجماع. و أمّا الأوّل؛ فلأنّ الإتيان بالمأمور به في الوقت الذي لا يجوز التأخير عنه لا يسمّى استباقا و مسارعة عرفا، فلو حمل على الوجوب، يلزم أن يكون ما يقتضيه الصورة (8) فيهما منافيا لما يقتضيه المادّة؛ لأنّ الصورة تقتضي المنع عن التأخير، و المادّة- و هي المصدر- تقتضي جوازه‏ (9).

____________

(1) .. الأعراف (7): 12.

(2). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 186، و الفخر الرازي في المحصول 2: 115، و الشيخ حسن في معالم الدين: 56.

(3). الحجر (15): 29.

(4). البقرة (2): 148.

(5). أي إتيانه.

(6). آل عمران (3): 133.

(7). حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2: 188.

(8). في النسختين: «الصفة». و ما يأتي يقتضي كون الكلمة: «الصورة» أو «الصيغة».

(9). حكاه الأنصاري عن الشافعي في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1: 389، و الشيخ حسن في معالم الدين: 57.

637

و اورد عليه بأنّ الأمر إمّا موقّت مضيّق، كالأمر بالصوم في يوم معيّن. أو موقّت موسّع، كالأمر بصلاة الظهر مثلا. أو مطلق، كالأمر بإزالة النجاسة عن المسجد، و قضاء الصلوات اليوميّة على المشهور، و الحجّ.

و الأوّل يفيد الفور، بمعنى وجوب الشروع في الفعل في أوّل وقته بحيث لو اخّر حتّى خرج بعض وقته ترتّب عليه الإثم و صار قضاء.

و الثاني يفيد جواز التأخير عن أوّل وقته، و لكن لو أخّره عن مجموع الوقت يترتّب عليه الإثم و يصير قضاء.

و الثالث- و هو ما نحن بصدده- يفيد الفور، بمعنى أنّه لو لم يبادر ترتّب عليه الإثم، إلّا أنّه لا يصير قضاء، بل إذا أتى به في أيّ وقت كان، يكون أداء و صحيحا. و هذا و إن كان مضيّقا إلّا أنّه ليس موقّتا، فيتصوّر فيه الاستباق و المسارعة؛ لأنّهما إنّما لا يتصوّران في الموقّت المضيّق. فمفاد الآيتين أنّه يجب الاستباق و المسارعة فيما يصحّ فعله في الزمان المتراخي، و يعصي المكلّف بترك البدار إليه‏ (1).

فما ذكره المجيب مبنيّ على اشتباه الموقّت بغيره، و لا يلزم حينئذ المنافاة المذكورة؛ إذ المادّة لا تقتضي إلّا كون الفعل أداء و صحيحا على تقدير التأخير، و لا تقتضي مشروعيّة التأخير و عدم ترتّب الإثم، و الصيغة أيضا تقتضي ذلك.

أقول: ما ذكره المورد مبنيّ على أنّ المراد باقتضاء الأمر للفور ترتّب الإثم على التأخير، لا عدم صحّة الفعل في الزمان المتراخي.

و قد قيل: إنّه المراد لأكثر القائلين بالفور منه‏ (2)، بل يظهر من كلام جماعة أنّه لا خلاف في كون الفعل أداء و صحيحا في الزمان المتراخي‏ (3)؛ لأنّ أكثر أدلّتهم المذكورة على فرض تمامها إنّما يدلّ على العصيان بالتأخير لا عدم الصحّة، و قد يأتي أنّ الظاهر من أكثر الأدلّة، و من كلام معظم القائلين بالفور؛ أنّه مدلول الأمر و هو بنفسه يدلّ عليه، و حينئذ يتعيّن‏

____________

(1). قاله الفاضل التوني في الوافية: 83.

(2). حكاه المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 2: 286 و 287.

(3). المصدر و كذا ذكره ملّا ميرزا في هامش معالم الدين: 57 و 58.

638

الحكم بسقوط وجوب المأمور به، و عدم صحّته حيث يمضي أوّل أوقات الإمكان.

و على هذا يندفع هذا الإيراد؛ لأنّه لو دلّ وضعا أو شرعا على الفور لدلّ على عدم صحّة الفعل بترك الفوريّة؛ لأنّ مدلوله حينئذ هو الإتيان بالفعل في أوّل أوقات الإمكان، و لا يتصوّر فرق بينه و بين ما إذا قيل: يجب عليك فعل كذا في هذه الساعة. و لو سلّم التزامهم صحّة الفعل في الزمان المتراخي، اندفع الجواب المذكور بهذا الإيراد.

فنقول في الجواب: إنّه لا ريب في كون المندوب و الواجب الموسّع من الخيرات و أسباب المغفرة، فتخصيصهما (1) بالأفعال الواجبة ترجيح بلا مرجّح، فتعيّن إرادة جميع الخيرات و أسباب المغفرة. و حينئذ لا يمكن أن يدلّ الصيغتان‏ (2) على وجوب جميعهما، فإمّا أن تدلّا على استحباب الجميع، أو وجوب البعض و استحباب البعض، و الثاني باطل؛ إذ هو يوجب استعمال لفظ واحد في معناه الحقيقي و المجازي، و قد تقدّم‏ (3) فساده.

احتجّ القائل بالاشتراك كما احتجّ به القائل باشتراكه بين الوحدة و التكرار (4).

و الجواب الجواب.

و احتجّ القائل بأنّه للقدر المشترك- إلّا أنّه يفهم منه الفور بالدلالة الخارجيّة- على الجزء الأوّل ببعض أدلّة القائلين بأنّه للقدر المشترك من دون تقييد (5). و هو حقّ نحن نقول بمقتضاه. و على [الجزء] (6) الثاني ببعض حجج أصحاب الفور.

و قد عرفت‏ (7) جوابها. على أنّ الدالّ على الفوريّة إن كان هو النقل لثبت به الحقيقة؛ لأنّ تحقّق الوضع الشرعي إمّا بتصريح الشارع، أو بنصبه قرينة متّصلة أو منفصلة على أنّ مراده عند الإطلاق هو المعنى الموضوع له، و التخصيص بالمتّصلة ترجيح بلا مرجّح، و النقل إن لم يكن تصريحا بالوضع الشرعي فلا أقلّ من أن يكون قرينة منفصلة دالّة عليه.

____________

(1). أي المسارعة و الاستباق.

(2). أي‏ «سارِعُوا» و «فَاسْتَبِقُوا».

(3). تقدّم في ج 1، ص 71.

(4). المحتجّ هو السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 132.

(5). قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 131، و العلّامة في مبادئ الوصول: 97.

(6). اضيف للضرورة.

(7). راجع ص 631 و ما بعدها.