بحوث في الأصول - ج1

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
155 /
5

[مقدمة]

من حياة المؤلّف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

نسبه‏

هو الشيخ (محمَّد حسين) الأصفهاني ابن الحاج محمَّد حسن بن علي أكبر بن آقا بابا بن آقا كوچك ابن الحاج محمَّد إسماعيل‏ (1) بن الحاج محمَّد حاتم النخجواني.

ولادته و نشأته و وفاته‏

ولد أستاذنا الشيخ (قدّس سرّه) في ثاني محرم الحرام من سنة 1296 ه بالنجف الأشرف‏ (2) من أبوين كريمين. و كان أبوه الحاج محمَّد حسن من مشاهير تجار الكاظمية الأتقياء الذين كان يشار إليهم بالبنان. و كان من المحبين للعلم و العلماء. فعاش شيخنا المترجم له في كنف أبيه عيشة ترف و نعمة، و خلّف له من التراث الشي‏ء الكثير الّذي أنفقه كله في سبيل طلب العلم. و لذا نشأ نشأة المعتز بنفسه المترفع عما في أيدي الناس. و هذا ما زاده عزاً و إباء.

و كان قد حدب والده على تربيته تربية علمية صالحة، و مهّد له السبيل إلى تحصيل العلم، فظهرت معالم النبوغ الفطري مبكّرة في طلولته الوادعة، حين تعلّم الخطّ فأظهر في جميع أصنافه براعة فائقة، و أصبح من مشاهير ذوي الخطوط الجميلة.

____________

(1) و هو الّذي هاجر من «نخجوان» إلى «أصفهان» و سكن فيها.

(2) ثم انتقل إلى الكاظمية في أوائل العقد الثاني من عمره و عاش فيها بضع سنين ثم انتقل إلى النجف.

6

و للخط قيمته الفنية- لا سيما في ذلك العهد- و لكل فنّ و علم موهبة خاصة يودعها اللَّه تعالى من يشاء من عباده.

كما انكب شيخنا على طلب العلم في سنّه المبكّرة، و انتقل إلى النجف الأشرف جامعة العلم و عاصمة الدين في أخريات العقد الثاني من عمره، بعد أن قضى حداثته و شطراً من شبابه في الكاظمية مشتغلا في مقدمات العلوم الدينية. و عند هجرته إلى النجف الأشرف حضر في الأصول و الفقه على مربي العلماء و المدرس الأول و المجاهد الأكبر الشيخ محمَّد كاظم الخراسانيّ المعروف (بالآخوند) (قدّس سرّه).

و اختص به إلى أن توفي سنة 1329 ه فكان من مشاهير تلامذته و كانت مدة حضوره عليه 13 عاماً كتب في خلالها جملة من حاشيته‏ (1) على (كفاية الأصول) لأستاذه.

و من غريب ما ينقل عنه انه لم يترك درس أستاذه في هذه المدة إلّا يومين يوم أُصيب فيه رمد شديد عاقه عن الحضور و يوم آخر هطلت فيه الأمطار بغزارة فظن أنّ ذلك سيعوق أستاذه و تلاميذه عن الحضور فظهر بعد ذلك أنّ أستاذه حضر و ألقى درسه على شرذمة قليلة منهم.

قال المرحوم الحجّة الأُردوبادي و هو أحد تلامذة المترجم له: انتماء شيخنا المترجم له إلى أستاذه هذا أكثر و أشهر لأنه طالت مدته فدأب على التلمذة عليه ثلاثة عشر عاماً فقهاً و أُصولًا حتّى قضى نحبه فاستقلّ شيخنا بالتدريس.

و حضر أستاذنا أيضا في الفقه و أُصوله قليلًا على العلّامة المحقق الشهير السيّد محمَّد الأصفهاني المتوفى سنة 1316 ه. و بعد وفاة أستاذه المحقق الآخوند استقل بالبحث و التدريس، و حضر عليه كثير من مشاهير علماء العصر الذين استقلوا بعده بالتدريس.

____________

(1) و بهذه المناسبة نسجّل أسفنا على ما فات الطابعين للجزء الأول من هذه الحاشية إذ حذفوا- حباً بالاقتصاد- كل كلمة «مد ظله» و كلمة «قده» في حين انهما يميزان بين ما كتب في عهد أستاذه و بين ما كتب بعده. و النسخة الخطية بقلم المؤلف تحتفظ بهذه المزية، و كذلك نسختي التي كتبتها لنفسي و طبع عليها الجزء الأول.

7

و أنهى عدة دورات في الأصول و فقه المكاسب، و آخر دورة كاملة له في الأصول شرع بها في شوال سنة 1344 و أنهاها سنة 1359. و هي أطول دورة له حقق فيها كثيراً من المباحث الغامضة، و كتب فيها جملة من التعليقات النافعة على حاشيته لا سيما على الجزء الأول المطبوع. و لا يستغنى بهذا المطبوع عن هذه التعليقات. كما كتب خلالها جملة من الرسائل الصغيرة في عدة مسائل منها (رسالة أخذ الأُجرة على الواجبات) التي لم يكتب مثلها في هذا الموضوع استيفاءً و تحقيقاً.

و قد توقفت بحمد اللَّه تعالى للحضور عليه في هذه الدورة ابتداء من سنة 1345 ه.

و بعد هذه الدورة شرع في دورة جديدة على أسلوب جديد اعتزم فيها تهذيب الأصول و اختصاره و تنظيم أبوابه تنظيماً فنياً لم يسبق إليه، فوضع في المبادئ ما كان يظن أنه من المسائل و وضع في المسائل ما كان يحرر في المبادئ كمسألة المشتق.

و قسّم الأصول إلى أربعة مباحث على غير المألوف فأماط اللثام عما كان يقع من الخلط بين المباحث. و المباحث الأربعة التي وضعها لأبواب الأصول هي: المباحث اللفظية، و مباحث الملازمات العقلية، و مباحث الحجّة، و مباحث الأصول العملية.

و قد شرع (رحمه اللَّه) في تأليف كتاب مختصر مهذّب على هذا الأسلوب في علم الأصول، فاستبشر أهل العلم بهذا العمل الجليل الّذي كان منتظراً من مثله و كان أمنية الجميع لو لا أن المرض لم يمهله أن يتم تأليفه هذا بعد سنة من شروعه حتى فاجأته المنيّة (فجر الخامس من شهر ذي الحجة عام 1361) مأسوفاً على تلك الشعلة الإلهية الوهّاجة أن تنطفئ في وقت الحاجة إليها، فأحبط ذلك المشروع الخطير الّذي كان ينويه في تأليفه الجديد الّذي لو قُدر له أن يتم لوفر على طلاب العلم كثيراً من وقتهم و لفتح لهم أبواباً ملذّة جديدة من البحث العالي و التفكير المستقيم.

و هذه إحدى أفكاره الإصلاحية التي كانت تجول في خاطره و كان يحرِّق الأُرَّم لأجلها حينما يجد أن الوقت لم يحن لتنفيذها أو لإبرازها على الأقل، و كثيراً ما كان يوحي إلينا في خلواته بخواطره في سبيل إصلاح الحركة العلمية و الوضع الديني‏

8

السائد. و لم يكن الزمن يؤاتيه يومئذ أن ينهض بواحدة منها، حتى خسره العلم و الدين عماداً لقبّة الإسلام و عميداً لخزّان الشريعة، و خازناً للفيض القدسي، و ترجماناً للكلام النفسيّ و إماماً للمسلمين، و هادياً للحق، و مصباحاً للمهتدين إلى عين اليقين.

نعم انه (قدّس سرّه) اتجه في حياته إلى كل مناحي المعارف، و كرّس أيامه لنيل كل مكرمة، فكان في الفلسفة الحكيم العارف، و في الأخلاق خزانة الأسرار الفائز باسمى رتب الشهود، و في الفقه و الأصول الإمام الحجة نسيج وحده و علّامة دهره، و في الأدبين الفارسي و العربي الفنان الماهر.

منزلته العلمية

كان (قدّس اللَّه تعالى نفسه الزكية) من زمرة النوابغ القائل الذين يضن بهم الزمان إلا في فترات متباعدة و من تلك الشخصيات اللامعة في تاريخ علمي الفقه و الأصول. و إذا صح أن يقال في أحد إنه جاء بما لم يجئ به الأوائل فهو هذا العمود لفجر الإسلام الصادق الّذي انطفأ قبل شروق شمس نهاره لتراه كل عين. ما سلك طريقاً في بحث مسألة إلا و تطاير فضول ما علق بها من الأوهام هباء، و ما حبرت يراعته بحثاً إلا و حيّرت العقول كيف تذهب آراء الباحثين جفاء.

لو قُدر لهذا النابغة- و للَّه في خلقه شئون- أن تثنى له الوسادة ليتربع على كرسي الرئاسة العامة و كانت منه قريبة، لقلب أُسلوب البحث في الفقه و الأصول رأساً على عقب، و لتغير مجرى تاريخها بما يعجز عن تصويره البيان، و لعلم الناس أن في الثريا منالًا تقربه النوابغ إليهم من حيث يحسون و يلمسون. و لذا كانت فاجعة العلم بموته فاجعة قطعت على البحث طريقه اللاحب إلى ساحة الحقائق الواسعة، و أخّرت عليه شوطاً بعيداً من السير كان يقطعه في زمن قريب لو قدر له طول عمره أكثر.

و اني أتفأّل للجيل العلمي الآتي أن يبلغ هذا الشوط حينا يقدّر لكنوز مؤلفات شيخنا المترجم له أن تُدرس و تحقق من جديد، ليعلم الناس أن في هذه الكنوز

9

الثمينة من الآراء الناضجة ما يعطي للعلم صبغته الجديدة التي يستحقها، و من التحقيقات النفيسة ما يسنخ أكثر ما نسج عليه السابقون.

و عسى أن يخال القارئ أن كلمتي هذه جرت على عادة الكتّاب في مبالغاتهم عمن يترجمون لهم، و لكني أسجّل كلمتي هذه على نفسي للجيل الآتي، ليشهد هو على صدق مقالتي، و هو الّذي سيفهم ما أقوله، و ما يدريني لعل الجيل الآتي سيراني مقصراً في تعريف شخصية هذا العظيم و وصفه بما يستحق. و لكن ليتذكر اني أنا الّذي تفألت له بعرفان هذه الشخصية، و بشّرته بأنه سيبني أبحاثه الآتية في الفقه و الأصول على أساس نظرياته المحكمة و سيتخذ طريقته منهاجاً لبحثه، فسبقت إلى فضيلة هذا التفاؤل العلمي. و ما يضيرني أن يظن البعض بي الظنون، فيرميني بالغلو كما يرمى به كل تلاميذ هذا الأستاذ الذين لهم مثل هذا الاعتقاد، إلا انه ليعلم ان أول فتح لهذا الفأل نشر هذا الكتاب (يعني الكاتب حاشية المكاسب)، إذ يصبح في متناول كل باحث مفكر. و هل يلذّ لمقتطف ثمار هذه الشجرة الطيبة أن يقتطف من غير هذه النبعة؟ و هل يطيب لمن عب من هذا الفرات السائغ أن يحتسي من غير وروده؟ اني أُباهلك- أيها القارئ- ان كنت من ذوي العلم و البصيرة.

قال صاحبه المرحوم الحجّة الشيخ محمَّد حرز الدين حول شخصية المترجم له:

كان عالماً محققاً فيلسوفاً ماهراً في علمي الكلام و الحكمة و له الباع الطويل في الأدب العربي و الفارسي و التاريخ و العرفان و أجاد في شاعريته و نظم عدّة قصائد و أراجيز ملؤها المعاني الجسيمة و الإبداع و الرقة و الانسجام و كان مدرّساً بارعاً في علمي الفقه و الأصول و آخر أيامه صار مرجعاً للتقليد رجع إليه بعض الخواصّ و التجار في بغداد و أفراد من بعض المدن العراقية و سمعت هكذا في طهران، و الشيخ من خلّص أصحابنا في النجف و كان مدرّساً قديراً أجاز كثيراً من أهل الفضل إجازة الاجتهاد (1).

____________

(1) معارف الرّجال، ج 2- ص 263.

10

قال شيخنا البحّاثة آغا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة: و لمّا توفّي شيخنا الخراسانيّ (الآخوند) برز بشكل خاص و حفّ به جمع من الطلاب و استقل بالتدريس في الفقه و الأصول و كان جامعاً متفنّناً شارك بالإضافة إلى ما ذكر في الكلام و التفسير و الحكمة و التاريخ و العرفان و الأدب إلى ما هنالك من العلوم و كان متضلّعاً فيها و له في الأدب العربي أشواطاً بعيدة و كان له القدح المعلّى في النظم و النثر امتاز ببراعة و سلاسة و دقّة و انسجام و أكثر نظمه أراجيز بالجملة فهو من نوابغ الدهر الذين امتازوا بالعبقرية و بالملكات و المؤهّلات و غرقوا في المواهب كان محترم الجانب موقّراً من قبل علماء عصره مرموقاً في الجامعة النجفيّة اشتغل بالتدريس في الفقه و الأصول و العلوم العقلية زمناً طويلًا و كان مدرسه مجمع أهل الفضل و الكمال و قد تخرّج عليه جمع من أفاضل الطلاب كانت له قدم راسخة في الفقه و باع طويل في الأصول و آثاره في ذلك تدل على أنظاره العميقة و آرائه الناضجة لكنّه غلبت عليه الشهرة في تدريس الفلسفة لإتقانه هذا الفن بل و تفوقه فيه على أهله من معاصريه استمرّ على نشر العلم و نهض بالأعباء الثقيلة فكان العلم الماثل و الموئل المقصود الّذي تتهافت عليه الطلاب زرافات و وحداناً، و قديماً قيل (و المنهل العذب كثير الزحام) (1).

فلسفته‏

تلمّذ شيخنا المترجم له في الفلسفة على الفيلسوف الحكيم العارف المعروف في الأوساط العلمية ميرزا محمَّد باقر الإصطهباناتي، فاستبطن بفضل جده كل دقائقها، و دقيق كل مستبطناتها، له في كل مسألة رأي محكم و في كل بحث تحقيق فائق. و تظهر آراؤه و تحقيقاته الفلسفية على جميع آثاره و دروسه، حتى ليكاد المتلمذ عليه في الأصول خاصة يجد من نفسه انه ألمّ بأكثر الأبحاث الفلسفية من حيث‏

____________

(1) نقباء البشر: ج 1 ص 560- 561.

11

يدري و لا يدري. و من قرأ حاشيته على الكفاية بالخصوص يجد كيف تطغى المصطلحات الفلسفية على تعبيره حتى ليظن أحياناً انه يقرأ كتاباً في الفلسفة. و هذا ظاهرة عجيبة في مؤلفاته تستوقف النّظر و تدل على شدة تعلقه بهذا الفن و مبالغته في التمسك به.

و قد طغت روحه الفلسفية حتى على أراجيزه في مدح النبي المختار و آله الأطهار عليهم جميعاً الصلاة و السلام، بل أراجيزه هذه قطعة فلسفية رائعة أفرغها في ثوب من الأدب الرفيع. قد أوضحت رأي الفلاسفة المؤمنين في محمد و آل بيته نور الأنوار و علل الكائنات، على ما أشارت إليه الآيات القرآنية و صرحت به الأحاديث الصحيحة، و مما قال في النبي المختار (صلى اللَّه عليه و آله و سلم):

لقد تجلّى مبدأ المبادي‏* * * من مصدر الوجود و الإيجاد

من أمره الماضي على الأشياء* * * أو علمه الفعلي و القضائي‏

رقيقة المشيئة الفعلية* * * أو الحقيقة المحمّدية

أو هو نفس النّفس الرحماني‏* * * بصورة بديعة المعاني‏

أو فيضه المقدّس الإطلاقي‏* * * فاض على الأنفس و الآفاق‏

إذ أنّه حقيقة المثاني‏* * * و عند أهل الحقّ حقّ ثان‏

لا بل هو الحقّ فمن رآه‏* * * فقد رأى الحقّ فما أجلاه‏

إذ مقتضى الفناء في الشهود* * * عينية الشاهد و المشهود

إلى أن يقول:

أصل الأصول فهو علّة العلل‏* * * عقل العقول فهو أول الأُول‏

و قال في أمير المؤمنين (عليه السَّلام):

و قلبه في قالب الوجود* * * حياة كل ممكن موجود

و نسخة اللّاهوت وجهه الحسن‏* * * لو رام لقياه الكليم قيل: لن‏

غرّته الغرّاء في الضياء* * * جلّت عن التشبيه بالبيضاء

و كيف و هو فالق الإصباح‏* * * في أُفق الأرواح و الأشباح‏

12

و على هذا الأسلوب جرى في جميع أراجيزه البالغة 24 أرجوزة، فجاء أسلوباً فلسفياً علمياً مبتكراً لم يمدح على غرارها النبي و آله عليهم الصلاة و السلام. و ما أبدع ما مدح به إمامنا زين العابدين (عليه السَّلام) ذاكراً صحيفته السجادية (زبور آل محمَّد) فقال:

و نفسه اللطيفة الزكية* * * صحيفة المكارم السنية

بل هي أُمّ الصحف المكرمة* * * جوامع الحكمة منها محكمة

بل الحروف العاليات طراً* * * تحكي عن اسمه العلي قدراً

هو الكتاب الناطق الربوبي‏* * * و مخزن الأسرار و الغيوب‏

يفصح عن مقام سرّ الذات‏* * * يعرب عن حقائق الصفات‏

إلى أن يقول:

و حاله أبلغ من مقاله‏* * * جلّ عن الوصف لسان حاله‏

فإنه معلّم الضراعة* * * و الاعتراف منه بالإضاعة

مقامه الكريم في أقصى الفنا* * * تراثه من جدّه حين دنا

و أعلى آثاره الفلسفية و أغلاها أرجوزته في الحكمة و المعقول (تحفة الحكيم) التي هي آية من آيات الفن مع أسلوبها العالي السهل الممتنع، جمعت أصول هذا الفن و طرائف هذا العلم بتحقيق كشف النقاب عن أسراره و أزاح الستار عن شبهاته، و ان دلت على شي‏ء فانما تدل على أن ناظمها من أعاظم فلاسفة الإسلام الذين لا يسمح بمثلهم الزمن إلا في فترات متباعدة، لو لا أن شيخنا غلب عليه الفقه و الأصول و انقطع إليهما عن الظهور بالفلسفة.

و إليك بعض أبيات أرجوزته شاهدة على سلامة ذوقه، و قدرته على التصرف بالألفاظ السهلة الواضحة في أدق المعاني العلمية، فقد قال في «أصالة الوجود»:

يختصّ بالوجود طرد العدم‏* * * إذ ما سواه عدم أو عدمي‏

و ليست العلة للمعلول‏* * * مناط طرد العدم البديل‏

و هو مدار الوحدة المعتبرة* * * في الحمل بل كانت به المغايرة

13

و مركز التوحيد ذاتاً و صفة* * * و فعلًا أيضا عند أهل المعرفة

و قال في مبحث (تعريف الوجود):

الحدّ كالرسم على التحقيق‏* * * يوصف بالاسميّ و الحقيقي‏

و لا يقال في جواب الشارحة* * * إلّا حدود أو رسوم شارحة

و قد كشف في هذين البيتين عن حقيقة (ما الشارحة)، تنبيهاً على ما علق في أذهان طلاب العلم من مرادفة التعريف اللفظي لشرح الاسم و مطلب (ما الشارحة)، و إن كان قد يراد من شرح الاسم التعريف اللفظي أحياناً. و منشأ هذا الاشتباه ما ذكره الحكيم السبزواري في شرحه لمنظومته من ترادف التعريف اللفظي و مطلب ما الشارحة فأوقع الباحثين في هذا الاشتباه، و أوضحه شيخنا هنا و في شرحه للكفاية في مبحث المطلق و المقيد.

و قال في (الجعل و المجعول بالذات):

الجعل للشي‏ء بسيطاً يعرف‏* * * و جعلُ شي‏ء شيئاً المؤلَّف‏

و ليس جعل الذات ذاتاً يعقل‏* * * إذ ليست الذات لها التخلّل‏

كذاك لا يعقل جعل الذاتي‏* * * أو عرضيّ لازم للذات‏

و لا كذاك العرض المفارق‏* * * فإن إمكان الثبوت فارق‏

و الحقّ مجعولية الوجود* * * بالذات لا ماهية الموجود

فتأمل في هذا البيان الجزل، و الأسلوب السهل، و التعبير الرصين عن أدق معاني الفلسفة بغير تكلف و بلغة سليمة ناصعة. و من أين متحت دلوك في هذا القليب تغترف الماء الزلال بل الدر الثمين. و ما سقناه فانما هو غيض من فيض ذكرناه شاهداً على ما نقول.

أدبه‏

نشأ أستاذنا ميّالا لكل علم و فضيلة، و كانت عبقريته تساعده على إتقان ما تصبو إليه نفسه، فلم يفته أن يتجه إلى ناحية الأدب العربي، فيضرب فيه بسهم‏

14

وافر، و ساعدته نشأته العربية في محيطي الكاظمية و النجف الأشرف على أن يكون أديباً يقرض الشعر و يجيد النثر، و له في الشعر قصائد تدل على ذوق أدبي مستقيم، و لكنه لم يكن يحتفل بها فلذا لم يطلع عليها إلا القليل من خواصه. و عسى أن تكون أتلفتها يد الإهمال نتيجة عدم عنايته بها.

على أن له اليد الطولي في الأدب الفارسي، فله ديوان منه في مدائح آل البيت و مجموعة في الغزل العرفاني الرمزي أودع فيها من المعاني الفلسفية ما يبهر المتأدبين.

أوصافه‏

كان- (رحمه اللَّه تعالى)- مربوعاً يميل إلى القصر، نحيف الجسم متماسكاً، تعلو عليه في أواخر أيامه النحافة و الصفرة، صغير العمة على غير المألوف من عادة أمثاله، كثّ اللحية، ساهم الطرف أكثر نظره إلى الأرض، لا ينظر إلى محدثه إلا ملاحظة، يبدو للناظر مثقلا بالهموم و التفكير المتواصل، على انه حاضر النكتة المرحة حتى في أثناء درسه، أنيس المحضر رقيق الحاشية، يجلب السرور إلى جليسه مع حشمة الناسك و وقار العالم، متواضعاً حتى للصغير، خافض الصوت إلى حدّ الهمس أو أو يكاد، و هذا ما كان من أكبر المشكلات على تلاميذه في درسه، و كم طالبه البعيد على مجلسه أن يرفع من صوته. فإذا استجاب لهم في كلمات عاد إلى سجيته أو عادته فتكثر الشكوى، و لكنه لا يزال هو هو في همسه و هم هم في شكواهم، و يزيد المشكلة تعقيداً بعد أنظاره الشريفة و دقة أبحاثه و نكاته العلمية.

أما ما كان عليه من التهجد و العبادة فهذا ما يكشف عنه أنه كان عارفاً إلهياً متفانياً في مقام الشهود، منقطعاً إلى حظيرة القدس. لا يلتذّ إلا بالمناجاة الروحانية، و لا يأنس إلا بالوحدة و الانقطاع إلى مقام المقرّبين.

مؤلّفاته‏

كان لشيخنا أعلى اللَّه مقامه قلم سيّال و رغبة في التأليف و الإنتاج منقطعي‏

15

النّظر و كان من ميزاته أن يفرغ كل مؤلفاته لأول مرة في المبيضة التي يعدها للتأليف، لا على عادة أكثر المؤلفين في اتخاذ مسودة لها. فلم يكن يحتاج إلى إعادة النّظر فيما يكتب و تعديله و تصحيحه، و هذا دليل القريحة الوقادة التي لا تجاري، و قد أنتج طيلة حياته عدة مؤلفات قيمة هي مفخرة العلم و الأدب و إليك بعضها:

1- تعليقة على كفاية الأُصول، و قد طبع منها الجزء الأول في إيران و أضاف عليها بعد طبعها تعليقات نفيسة لا يستغنى عنها (و طبع الجزء الثاني بعد هذه الكلمة).

2- تعليقة ضافية على المكاسب (طبعت هذه الترجمة في مقدمتها).

3- تعليقة على رسالة القطع للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

4- رسالة في الإجارة مطولة.

5 و 6 و 7- رسالة في الاجتهاد و التقليد و العدالة و رسالة في الأصول على النهج الحديث و رسالة في الطلب و الإرادة (1).

8- رسالة في صلاة المسافر.

9- رسالة في الطهارة.

10- رسالة في صلاة الجمعة.

11- رسالة في تحقيق الحق و الحكم.

12- رسالة في أخذ الأجرة على الواجبات (طبعت في آخر حاشية المكاسب).

13 و 14- رسالتان في المشتق.

15- رسالة في قواعد التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة و اليد.

16- رسالة في الصحيح و الأعم.

17- رسالة في موضوع العلم.

18- رسالة في المعاد.

19- منظومة في الفلسفة العالية (تحفة الحكيم).

20- منظومة في 24 أُرجوزة في مدح النبي و الأئمة (عليهم السَّلام) و مراثيهم‏

____________

(1) و هو هذا المطبوع و قد سمّيناه «بحوث في الأصول».

16

21- منظومة في الصوم.

22- منظومة في الاعتكاف.

23- ديوان شعره الفارسي في الغزل العرفاني.

24- ديوان شعره الفارسي في مدائح آل البيت و مراثيهم.

25- رسائله العملية في الفقه عربية و فارسية.

26- رسالة في المشترك.

27- رسالة في الحروف.

علاقة تلاميذه به‏

من الظواهر العجيبة التي تسترعي الأنظار تفاني تلاميذه في حبه و شدة تعلقهم به و إعجابهم بشخصه الكريم إلى حدّ التقديس. و يعزى ذلك إلى أمرين: إلى ما يرونه فيه من المواهب النادرة التي لم يجدوها في غيره ممن رأوا و سمعوا، و إلى ما كانوا يشاهدونه فيه مثالًا للأب الرءوف و الأُستاذ العطوف يحنو على الصغير و الكبير و يحترم الجميع.

و لقد كنت أرجو أن أؤدي بعض ما كان علي من واجب شكر فضله بترجمة ضافية، و لكن الفرصة لم تكن مؤاتية و قد أعجلت على هذه الكلمة العابرة فمعذرة إليك- أيها الأُستاذ العظيم- إذ لم أستطع أن أُوفي بعض ما علي من حقوقك و عهدي بك تغض النّظر عن كل هفواتنا معك، فاجعل هذه من تلك. و أرجو منه تعالى أن يساعدني على استلهام بعض روحانيتك لأتمكن في فرصة أُخرى من التكفير عن هذه الخطيئة (1).

____________

(1) هذا ما ذكره المرحوم الشيخ محمَّد رضا المظفر في مقدمته على رسالة الإجارة مع تصرّف و إضافات منا.

17

[الأصول على النهج الحديث‏]

بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

أمّا بعد حمد اللّه و الصّلاة على نبيّه و آله الطاهرين.

فنقول: لكل علم مسائل و مبادئ و موضوع.

أمّا مسائله فهي قضاياه المتشتتة المشتركة في غرض خاص.

و أمّا مبادئه فهي تصورية و تصديقيّة، فمبادئه التصورية راجعة إلى حدودات تلك القضايا بأطرافها، و مبادئه التصديقيّة هي ما يتوقف عليه التصديق بثبوت محمولات تلك القضايا لموضوعاتها.

و تعارف في علم الأصول تدوين المبادئ اللغوية و المبادئ الأحكامية.

فربما يتخيل انهما قسمان آخران من المبادئ يختص بهما علم الأصول. و ليس كذلك، بل المبادئ التصورية تارة لغوية و أخرى أحكاميّة، و كذا المبادئ التصديقيّة.

فالبحث- عن المعاني الحرفية، و الخبر و الإنشاء، و الحقيقة و المجاز، و أشباهها- من المبادئ التصورية اللغوية، يعرف بها مفاد الهيئات النسبية الإنشائيّة و معنى حقيقيتها و مجازيتها.

و البحث- عن ثبوت الحقيقة الشرعية، و الصحيح و الأعم، و جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى- من المبادئ التصديقية اللغوية، بها يصح حمل الصلاة مثلًا على معناها المتداول شرعاً، و بها يحكم بإجمال اللفظ على الصحيح، فلا موقع للإطلاق أو بالبيان الّذي معه مجال له على الأعم، و بها يحكم على‏

18

استعمال اللفظ في الجامع بناء على الامتناع، و في الإيجاب و الاستحباب- مثلًا- بناء على الإمكان.

كما ان البحث- عن حقيقة الحكم بما هو لا بما هو مدلول اللفظ، و البحث عن التكليفي و الوضعي، و المطلق و المشروط، و النفسيّ و الغيري، إلى آخر تقسيمات الحكم- من المبادئ التصورية الأحكامية.

و البحث- عن إمكان اجتماع الحكمين و امتناعه- من المبادئ التصديقيّة الأحكامية، فيحكم بناء على الإمكان بعدم التعارض بين الدليلين المتكفلين للحكمين و على الامتناع بالتعارض.

و مما ذكرنا تعرف انه لا ينبغي التعرض في المبادئ اللغوية إلّا لما يرتبط تصوراً أو تصديقاً بقضايا العلم، فمثل البحث عن كون دلالة اللفظ تصورية أو تصديقية ليس له المبدئية بوجه. إذ الاستعمال متقوّم بالإرادة، و مثله مورد ابتلاء الفقيه، سواء كانت هذه الإرادة مأخوذة في الموضوع له أم لا.

كما ان البحث- عن إمكان إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه أو فرد مثله أو شخص نفسه- و إن كان بحثاً علمياً لكنه ليس مورداً لابتلاء الفقيه حتى يصح البحث عنه في الأصول، فان مسائل أصول الفقه لا بدّ من أن تكون مبادئ تصديقية لعلم الفقه. و منه تعرف لزوم إلغاء جملة مما تعارف تدوينه في الأصول.

كما ان إخراج بعض المسائل و إدراجه في المبادئ اللغوية بلا وجه، كمسألة المشتق، فانها ليست من المبادئ التصورية و لا التصديقية لمسألة أصولية، بل الوضع للأعم نتيجته بقاء الحكم المترتب على المشتق، و الوضع للمتلبس نتيجته ارتفاع الحكم مع انقضاء المبدأ، و هذا شأن المسألة الأصولية، فهي من المسائل الأصولية اللفظية هذا في المبادئ بأقسامها.

و أمّا موضوع العلم فصريح أعلام الفن لزومه للعلم.

19

فان كان بملاحظة ان كلّ علم مركب اعتباري من قضايا متشتتة، و لا بدّ في كلّ مركب من جهة وحدة، امّا حقيقية كما في المركب الحقيقي كالمركب من مادة و صورة، و امّا اعتبارية كما نحن فيه، فمن الواضح ان جهة الوحدة كما تنحفظ بالموضوع الجامع، كذلك بالمحمول الجامع و بالغرض الجامع، فلا تعين للموضوع.

و ان كان بملاحظة ان إفراد كلّ مركّب اعتباري عن مركب اعتباري آخر، و تسمية كلّ منهما علماً و فناً متوقف على الموضوع الجامع، و لذا اشتهر ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و لو بالحيثيات، فمن البيّن ان الموضوع الجامع لا يمكن أن يكون ما به امتياز فن عن فن، و إلّا لكان بابان من فن واحد فنين، و كذلك المحمول الجامع، فتنحصر جهة الامتياز من حيث الفنيّة و العلميّة في الغرض الجامع.

و إن كان بملاحظة ان تأثير القضايا المتشتتة في غرض واحد يقتضي وحدة القضايا، و لا تكون واحدة إلّا برجوع موضوعاتها إلى موضوع جامع و محمولاتها إلى محمول جامع، ففيه ان الغرض الجامع واحد بالعنوان لا بالحقيقة ليجري فيه البرهان و هو استحالة تأثير الأمور المتباينة أثراً واحداً.

و من جميع ما ذكرنا تبين عدم لزوم الجامع لموضوعات المسائل فضلًا عن كونه بحيث تكون محمولات المسائل أعراضاً ذاتية له، إذ لا مقتضي له بل له مانع. اما عدم المقتضي، فلأن البحث في العلم ليس عن الموضوع الجامع حتى يلزم كون محموله عرضاً ذاتياً له، و لو فرض البحث عن ثبوت شي‏ء للموضوع الجامع فهو بما هو موضوع المسألة لا بما هو موضوع العلم. و اما وجود المانع، فلأن الموضوع الجامع ما لم يتخصص بخصوصيّة أو خصوصيات لا تعرضه محمولات المسائل، فكيف يعقل أن تكون تلك المحمولات مع دخل تلك الخصوصيات أعراضاً ذاتية لموضوع العلم؟ و بقية الكلام تطلب من النهاية (1)، فانّها في هذا

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 4.

20

الموضوع قد بلغت الغاية.

و أمّا ما تعارف تدوينه في أوائل كلّ علم من تعريفه و بيان موضوعه و الغرض منه و أشباه ذلك، فهي من مقدمات الشروع لمزيد بصيرة الطالب، لا انّها من المبادئ للمقاصد و المطالب، فلا بأس بالإشارة إلى المهم من مقدّمات الشروع.

فمنها تعريف علم الأصول.

و حيث ان مسائله مبادئ تصديقيّة لمسائل الفقه، و ليس الفقه خصوص العلم الوجداني بالأحكام الشرعية، و إلّا لانحصر في الإجماعيات و نصّ الكتاب و نصّ السنّة المتواترة و هكذا، فلا بدَّ من ان يراد الحجة على حكم العمل، و حينئذٍ فعلم أصول الفقه فن يعرف به ما يفيد في إقامة الحجة على حكم العمل.

و الفقيه من له الحجة، و المجتهد هو المستفرغ و سعة في تحصيل الحجة على حكم العمل، من دون اختصاص بذوات الأدلة أو بما هي أدلة حتى يرد عليه بعض الإيرادات.

و ما ذكرناه أولى من تعريفه «بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي» (1)، إذ القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية هي الأدلة عليها لا انها واسطة في استنباطها من أدلّتها.

و امّا بعض الأصول العملية التي مفادها بنفسها حكم شرعي، كحلّية مشكوك الحلّية و الحرمة، أو رفع الحرمة و الوجوب في البراءة الشرعية، فلا بدَّ من جعلها استطراديّة كما لا يخفى.

و منها بيان موضوع هذا العلم.

و من البيّن انه لا جامع لموضوعات مسائله، كيف! و الموضوع في باب‏

____________

(1) كفاية الأصول: ج 1، ص 9.

21

الأوامر ذات الصيغة و محموله الظهور في الوجوب أو في الوجوب التعييني، إلى آخر المباحث، و الموضوع في باب حجيّة الظاهر نفس الظهور و في باب الخبر حكاية السنة، و في باب الإجماع نقله، و في باب الاستصحاب كون اليقين السابق و في باب مقدمة الواجب الملازمة بين الوجوبين، و في باب الاجزاء إتيان المأمور به، فكيف يكون لهذه الموضوعات المتشتتة جامع؟.

لكن الّذي يهوّن الخطب ان القائلين بلزوم الموضوع الجامع يكتفون بكل جامع ذاتياً كان أو عرضياً، و لو من ناحية الغرض و الغاية المترتبة على المسائل.

قال المحقق الطوسي (قدّه) في شرح الإشارات: «و الأشياء الكثيرة قد تكون موضوعات لعلم واحد بشرط أن تكون متناسبة، و وجه التناسب أن يتشارك ما هو ذاتي كالخط و السطح و الجسم إذا جعلت موضوعات للهندسة، فانها تتشارك في الجنس أعني الكم المتّصل القارّ الذات، و اما في عرضي كبدن الإنسان و أجزائه و أحواله و الأغذية و الأدوية و ما يشاكلها إذا جعلت جميعاً موضوعات علم الطب، فانها تتشارك في كونها منسوبة إلى الصحة التي هي الغاية في ذلك العلم» (1) انتهى كلامه (رفع مقامه).

و بنظيره يمكن أن يقال: ان جميع موضوعات المسائل مشتركة في انها منسوبة إلى الغاية المطلوبة من تلك المسائل، و هي إقامة الحجة على حكم العمل.

و منها بيان الغرض و الغاية.

و حيث ان مسائل الأصول مبادئ تصديقيّة للمسائل الفقهية، و علم الفقه- بناءً على تعميم العلم و شموله لمطلق الحجة- مقتضاه إقامة الحجة على حكم العمل، فما لا يكون مبدأً تصديقياً للحجة على حكم العمل ليس من الأصول، فليس الغرض من هذه المبادئ التصديقية إلّا التمكن من إقامة الحجة، و حاجة

____________

(1) شرح الإشارات و التنبيهات: ج 1، ص 298.

22

المجتهد- بعد عدم الحجة إلى شي‏ء في مقام العمل- لا تجعله من المسائل الأصوليّة، و لا توجب كون الغاية أعم من الاستنباط و من الانتهاء إليه في مقام العمل.

و منها بيان القسمة. و حيث ان مقاصد الفن تارة من المسائل اللفظيّة، و أخرى من المسائل العقلية، و ثالثة فيما يتعلّق بالحجج الشرعية، و رابعة في تعارضها دلالة و سنداً، فقد جعلنا الكتاب مرتباً على مقدّمة و أبواب أربعة و خاتمة.

فالمقدّمة في المبادئ التصورية و التصديقيّة بقسميها من اللغوية و الأحكامية.

و الأبواب أربعة:

الباب الأوّل في المسائل العقلية النظرية و العملية، و إنّما قدمناها على اللفظية لشرافتها و قلّة مواردها.

الباب الثاني في المسائل اللفظيّة، و فيه مقاصد:

الأوّل في المجعولات التشريعيّة من حيث نفسها من الأوامر و النواهي.

الثاني في المجعولات المزبورة من حيث تعليقها على شرط أو وصف و نحوهما.

الثالث في موضوعات المجعولات التشريعيّة و متعلقاتها من حيث العموم و الخصوص، و الإطلاق و التقييد، و الإجمال و البيان.

الباب الثالث في ما يتعلّق بالحجج الشرعية من حجّية الظاهر مطلقاً و خصوص ظاهر الكتاب، و حجّية حكاية السنة، و حجّية نقل الإجماع، و حجيّة الاستصحاب. يذكر كلّ منها في ضمن مطلب.

الباب الرابع في تعارض الحجتين دلالة أو سنداً.

و الخاتمة في البراءة و الاشتغال، و الاجتهاد و التقليد، فان مسائلها اما بنفسها حكم شرعي مستنبط، أو لا ينتهي إليه أصلًا، فلذا جعلناها خارجة عن مقاصد الفن و مندرجة في خاتمتها، حيث لم يبحث عنها في علم آخر مع حاجة الفقيه إليه.

23

[الأصول على نهج الحديث‏]

مقدّمة في المبادئ بأقسامها الأربعة

فهنا مقامات أربعة:

المقام الأوّل في المبادئ التصوريّة اللغوية

و فيها فصول:

الفصل الأوّل في الوضع‏

و هو- كما ذكرنا في محله- اعتبار وضع اللفظ على المعنى فيختص به، و تتحقق الملازمة بين حضور اللفظ و حضور المعنى عند الملتفت إلى الاعتبار المزبور، و إنّما نقول باعتباريته لأن الموضوع و الموضوع له طبيعي اللفظ و طبيعي المعنى دون الموجود الذهني منهما أو الخارجي منهما، لأن الوضع للانتقال. و هو نحو وجود إدراكي، و المماثل لا يقبل المماثل، و المقابل لا يقبل المقابل، و عليه فلا يعقل أن تكون العلقة الوضعيّة من الأعراض المقولية، لاحتياجها إلى‏

24

موضوع محقق في الخارج، و لا من العوارض الذهنيّة، لاحتياجها إلى موضوع ثابت في الذهن، و بقيّة الكلام في المبادئ الأحكامية إن شاء اللّه تعالى.

و لا فرق بين أن يكون الواضع إنسانا أو اللّه تعالى، فانه على الثاني كاعتباره للملكيّة و الزوجيّة. نعم تارة يلهم النبيّ بالاعتبار الوضعي كما هو أحد التفاسير في قوله تعالى: «و علّمَ آدمَ الأسماءَ كُلها ...» (1)، و أخرى يلهمه بأن يعتبر الوضع، فهو اعتبار من النبيّ، و ثالثة يلهم النبيّ أو الناس بالتعبير عن المعنى الخاصّ باللفظ المخصوص بنحو إعطاء القوّة و الاستعداد و إيداعها في نفوسهم، كما في قوله تعالى: «و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ...» (2) فيوجب استعماله مكرراً ثبوت الملازمة بين اللفظ و المعنى، فهذه الملازمة تارة لمكان الاعتبار، و أخرى لكثرة الاستعمال، و لا منافاة بين كون الملازمة واقعية و الوضع بعين الاعتبار، لواقعيتها بواقعيّة الاعتبار، بخلاف الوضع، فانه لا شي‏ء قبل الاعتبار، و لا يتحقق به إلّا الوضع على المعنى بوجوده الاعتباري، فتدبّر جيّداً.

الفصل الثاني‏

في تحقيق المعاني الحرفيّة و المفاهيم الأدَوِيَة حتى يعلم بها حال النسب الإنشائيّة التي هي مفاد الهيئات.

فعن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه): ان المعنى الاسمي و الحرفي واحد بالذات و اختلافهما باللحاظ الاستقلالي و الآلي، و لذا جعل الوضع و الموضوع له فيهما عامّاً و ان الفرق بينهما بحسب اللحاظ و الوجود الذهني، كالفرق بين الجوهر و العرض في الوجود العيني، حيث ان الأوّل وجوده خارجاً لنفسه، و الثاني وجوده‏

____________

(1) البقرة: 31.

(2) النحل: 68.

25

في نفسه وجوده لغيره‏ (1).

إلّا ان الحق المصرح به في كلمات أهل التحقيق انهما متفاوتان في ذاتهما، و ان الفرق بينهما كالفرق بين الوجود في نفسه و الوجود لا في نفسه أعني الوجود الرابط في قبال الوجود المحمولي، فكما ان الوجود الرابط ثبوت شي‏ء لشي‏ء، و هو الثبوت المتوسط و ليس ثبوت شي‏ء بحيث يضاف إليه و يحمل عليه، كذلك نسبة الشي‏ء ليست شيئاً من الأشياء و إلّا لم تكن نسبة، فعدم قبولها إلّا اللحاظ الآلي لنقصان ذاتها عن قبول اللحاظ الاستقلالي، و حيث ان حقيقة النسبة في ذاتها متقوّمة بالمنتسبين ذهناً و عيناً، فلا تقرر لها مع قطع النّظر عن الوجودين، بخلاف الماهيات، فانها متقررة في ذواتها، و مفهوم النسبة بالنسبة إلى حقيقة النسبة ليس كالطبيعي بالإضافة إلى فرده بل كالعنوان إلى المعنون نظير مفهوم الوجود و حقيقة الوجود، و حيث ان حقيقة النسبة متقوّمة في ذاتها بالمنتسبين فلا جامع ذاتي بين حقائق النسب، فان إلغاء الطرفين إعدام لذاتها، فهي مع قطع النّظر عنهما لا شي‏ء أصلًا حتى تقرراً، فلا يعقل أن يكون الموضوع له فيها عامّا، بل كلمة (في) مثلًا- بمرآتية عنوان نسبة الظرف إلى المظروف- موضوعة لحقيقة نسبة الظرف إلى المظروف، لا للظرفيّة المضايفة للمظروفية، فانّها من مقولة الإضافة، و لذا قالوا بأن النسبة لا مقولة و لا جنس للمقولات النسبيّة لأنّ المقولة لا بدّ من أن تكون طبيعة محمولة، فليس للنسبة الحقيقية وجود نفسي محمولي لا عيناً و لا ذهناً، بل وجودها بعين وجود طرفيها ذهناً و عيناً، فهي كالموجود بالقوّة بالإضافة إلى الموجود بالفعل، و كالموجود بالعرض بالإضافة إلى الموجود بالذات. و حيث ان فعليتها بالعرض بتبع فعلية الطرفين بالذات، فلذا تكون كالآلة لوقوع طرفيها موقع الظرفية و المظروفية، فإن هذين العنوانين‏

____________

(1) كفاية الأصول: ج 1، ص 13.

26

الاسميّين لا ثبوت فعلي لهما إلّا بإضافة أحدهما إلى الآخر، فتلك الإضافة هي آلة وجودهما بالفعل، و بهذا الاعتبار يقال: الحرف ما أوجد معنى في غيره.

فكون معناه في غيره- أي لا نفسية له- شرح حقيقة معناه و كونه موجداً لمعنى في غيره لازم حقيقته كما عرفت، لا أنّه تمام حقيقته إيجاد النسبة الكلاميّة، بل هو مع قطع النّظر عن الكلام له مقام كالاسم، و ليس له مع قطع النّظر عن الطرفين مقام، فهو يشبه العرض من حيث انه في مقام ذاته متقوّم بطرفيه، و العرض في مقام وجوده متقوّم بموضوعه. و بوجه آخر يشبه الموجودات الإمكانية بالإضافة إلى مبدئها، فانها في مقام وجودها و هويّتها عين التعلق و الربط بمبدئها دون ماهياتها، و المعنى الحرفي في مقام ذاته عين الربط و التعلّق بطرفيه. و ما كان كذلك يستحيل ان يكون له وجود مضاف إلى نفسه لا عيناً و لا ذهناً، فتدبّره جيّداً.

و لا يخفى عليك ان ما ذكرنا في حقيقة المعنى الحرفي لا ينافي ما قدّمناه في الوضع من ان طرفي العلقة الوضعيّة طبيعي اللفظ و طبيعي المعني، فان المراد هناك عدم دخل الوجود العيني و الوجود الذهني في الموضوع و الموضوع له، و إن كان الموضوع له ماهية شخصية كما في الاعلام. فالنسبة الحقيقية و إن كانت المتقوّمة بطرفيها الموجودين عيناً أو ذهناً، إلا ان الموضوع له ذات تلك النسبة المتقوّمة بهما من دون دخل لوجود طرفيها في كونها طرف العلقة الوضعيّة، و إن كان لهما دخل في ثبوتها في حدّ ذاتها، فلا ينتقل إليها إلا بالانتقال إلى طرفيها، فتدبّر جيّداً.

الفصل الثالث في تحقيق الإنشاء و الاخبار

و المعروف في تحديدهما ان الإنشاء إثبات المعنى باللفظ في نفس الأمر.

27

و الاخبار الحكاية عن ثبوت شي‏ء لشي‏ء ذهناً أو عيناً مثلًا. و المراد بنفس الأمر حد ذات الشي‏ء أي في نفسه بجعل الظاهر موضع المضمر، و الكلام الإنشائي حينئذٍ قول قصد به ثبوت المعنى في حد ذاته. و قد صرح شيخنا الأستاذ (قدّه) بأن الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها في نفس الأمر و نصّ في فوائده على «انه سنخ من الوجود الاعتباري الّذي يترتب عليه بعض الآثار عرفاً أو شرعاً أحياناً» (1).

و التحقيق ان الوجود الحقيقي اما عيني أو ذهني، و الوجود العرضي اما كتبي أو لفظي. فالمراد بثبوت المعنى باللفظ، اما بثبوت عرضي، حيث ان اللفظ وجوده منسوب إليه بالذات و إلى معناه بالعرض، فوجود اللفظ الإنشائي وجود معناه لا موجد لمعناه، و اما بثبوت تحقيقي عيني أو ذهني، فيكون اللفظ واسطة لإثباته و ثبوته لا واسطة في عروضه، و آلية اللفظ و عليّته لوجود المعنى عيناً أو ذهناً غير معقولة، لأن وجود الشي‏ء عيناً يتبع مبادئ وجوده لا اللفظ، و وجوده ذهناً يتبع وجود مبادئ الانتقال لا اللفظ، و حضور المعنى ذهناً بتبع حضوره ليس من باب عليّة اللفظ بوجوده الخارجي أو بوجوده الذهني لحضور المعنى، بل للتلازم بين الحضورين لمكان التلازم بين الحاضرين جعلًا و بالمواضعة، و لذا ربما ينتقل من تخيّل المعنى إلى وجود اللفظ أو وجوده الكتبي.

فتبين مما ذكرنا ان المعقول من وجود المعنى باللفظ هو وجوده بعين وجوده لا وجوده بنحو وساطته للثبوت له. فمفاد الجملة الخبرية و الإنشائيّة في حيثيّة وجود المعنى بعين وجود اللفظ مشترك، إلا ان الإنشائيّة بتمحّض الكلام الإنشائي في إثبات النسبة التامة بعين ثبوت اللفظ، و الخبرية بزيادة على الجملة بعنوان الحكاية عن النسبة التامة، و تقابلهما تارة بنحو تقابل العدم و الملكة،

____________

(1) فوائد الأصول: ص 17.

28

و أخرى بتقابل السلب و الإيجاب.

بيانه: ان مدلول ذات الجملة- في قولنا: بعت و ملّكت- هي النسبة الإيجادية المتعلّقة بالمتكلم و المادة، فإذا تمحّضت الجملة في إثباتها بثبوت تنزيلي عرضي كانت إنشائيّة و إذا زيد عليها عنوان الحكاية عن تحقق النسبة المزبورة كانت خبرية، فعدم الحكاية فيما يقبل الحكاية عدم ملكة. و مدلول الجملة في قولنا: (اضرب) و في (أبعثك نحو الضرب) اخباراً مختلفان، فان البعث النسبي غير نسبة البعث، فعدم الحكاية في مثل البعث النسبي مع عدم قبوله للحكاية سلب مقابل للإيجاب كما أوضحناه في التعليقة، (1) فتدبّر.

الفصل الرابع في علائم الحقيقة و المجاز، و العمدة منها التبادر و الحمل‏

امّا التبادر فالوجه في كونه علامة الحقيقة: ان انسباق المعنى من اللفظ عند المخاطب العارف من أهل اللسان، اما مستند إلى اللفظ بواسطة حيثية مكتسبة من القرينة أو بواسطة حيثية مكتسبة من الوضع، و لا ثالث. و حيث ان المفروض تجرد اللفظ من القرينة، فلا بدَّ من كونه من اللفظ بما له من الحيثية المكتسبة من الوضع، فانسباق المعنى إلى ذهن العارف علامة قطعية للجاهل بأن المعنى المنسبق إليه هو الموضوع له.

و امّا الحمل: فهو بما هو لا يقتضي إلا الاتحاد في الذات أو في الوجود، و الاستعمال بما هو أعم من الحقيقة، لكن الحمل باللفظ المجرد عن القرينة هو المفيد للحقيقة أحياناً.

اما إذا كان بنحو الحمل الأوّلي الذاتي فمفاده اتحاد الإنسان بما له من المعنى‏

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 20.

29

مع الحيوان الناطق ذاتاً، فيعلم ان معنى لفظ الإنسان المجرد عن القرينة على الفرض هو عين الحيوان الناطق، غاية الأمران هذه الذات الواحدة لوحظت بنحو الجمع و الإجمال في طرف المحدود و هو الإنسان، و لوحظت بنحو الفرق و التفصيل في طرف الحد و هو الحيوان الناطق، فالحد و المحدود متحدان بالذات و مختلفان بالاعتبار، فالاتحاد الذاتي مصحح الحمل، و التغاير الاعتباري مصحح الاثنينية محمولًا و موضوعاً.

و لعله لعدم الالتفات إلى هذا النحو من التغاير أنكر بعض الاعلام (ره) (1) كون الحمل الذاتي علامة للحقيقة، بل لعله أنكر أصل الحمل الذاتي و جعل الحمل في أمثال المقام من حمل العام على الخاصّ، كما فصلنا القول فيه و في دفعه في التعليقة فراجع‏ (2). و مما ذكرنا تعرف ان السلب الذاتي علامة المجازية، فتدبّر.

و امّا إذا كان بنحو الحمل الشائع، فالحمل المفيد هو حمل الكلي على فرده و ما يشبهه دون غيره.

توضيحه: ان مقتضى الحمل الشائع التغاير بين الموضوع و المحمول مفهوماً و اتحادهما وجوداً. و حيث ان المطلوب في باب استعلام الحقيقة هو المفهوم فلا يجدي الاتحاد في الوجود، بل اللازم الاتحاد في المفهوم. و عليه فإذا كان الحمل بين كليين متساويين في الوجود كالمتعجب و الضاحك فلا يثبت به اتحاد مفهومي أصلًا.

و اما إذا كان بنحو حمل الكلي على الفرد، فحيث ان الفرد باعتبار تقرر حصة من الكلي في مرتبة ذاته يصدق عليه الكلي، فإذا علمنا حقيقة زيد و جهلنا معنى الإنسان، فوجدنا حمل الإنسان عليه باعتبار تقرر تلك الحصة في‏

____________

(1) هو المحقق الرشتي في بدائع الأفكار: ص 83.

(2) نهاية الدراية: ج 1، ص 28.

30

مرتبة ذاته في قبال الصدق باعتبار عرض من أعراضه، فلا محالة نحكم بأن معنى الإنسان هو طبيعي الحيوان الخاصّ الّذي زيد فرده باعتبار حصة من حصصه، و إلا فالحصة و الفرد بما هو متباينان مفهوماً مع مفهوم الإنسان.

و بذلك يتضح انه ليس مرجع الحمل- مع قطع النّظر عن الخصوصيّة في مرحلة استعلام الحقيقيّة و المجازية لا مرحلة الحمل بما هو- إلى الحمل الذاتي.

و مما ذكرنا في وجه استعلام الحقيقيّة من حمل الكلي على فرده تعرف ان حمل الجنس على نوعه- باعتبار تقرر حصة من طبيعي الحيوان في مرتبة ذات الإنسان، و كذا حمل الفصل على نوعه باعتبار المعنى المميز له من سائر الأنواع- كحمل الكلي على فرده مرحلة استعلام الحقيقيّة بالتقريب المزبور.

و امّا كون السلب الشائع علامة المجازية ففيه تفصيل، فان كان السلب في قبال الحمل الشائع بمعنى اتحاد الموضوع و المحمول وجوداً، فلا محالة يكون السلب دليلًا، حيث يعلم انه لا عينه و لا حصة متقررة في ذاته، و إلا لزم سلب الشي‏ء عن نفسه و عن فرده، و إن كان السلب في قبال الحمل الشائع بمعنى اندراج الموضوع تحت المحمول، فلا يكون السلب دليلًا على عدم الاتحاد مفهوماً، و بهذا الاعتبار يقال: الجزئيّ ليس بجزئي بل كليّ، مع ان مفهوم المحمول و الموضوع واحد، و بقيّة الكلام في التعليقة (1).

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 28.

31

المقام الثاني في المبادئ التصديقيّة اللغوية

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في الحقيقة الشرعيّة

و ثمرة إثباتها التمكن من الحمل على معانيها المتداولة، و إلا لزم حملها على معانيها اللغوية. و بهذا الاعتبار يكون البحث مبدأً تصديقياً للمسألة الأصولية، فان الحمل على المعنى المعهود شرعاً ليس من النتائج الفقهيّة. نعم الظاهر ان البحث قليل الجدوى.

و حيث ان دعوى الوضع التعييني بإنشاء الشارع بعيدة جدّاً، فلذا أفاد شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) «بأن دعواه- بنحو إنشاء حصوله بنفس استعماله في معناه قاصداً به اختصاصه به- قريبة جدّاً» (1)، فلا حاجة إلى إنشاء الوضع ابتداءً حتى يستبعد بل بقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (2)

____________

(1) كفاية الأصول: ج 1، ص 32.

(2) عوالي اللئالي: ج 1، ص 198، ح 9. و سنن البيهقي: ج 2، ص 124.

32

قصد اختصاص لفظ الصلاة بمعناها.

و قد أشكلنا عليه في التعليقة (1) بالجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي، حيث ان اللفظ في مرحلة الاستعمال ملحوظ آلي، و في مرحلة الوضع- حيث انه أحد طرفي العلقة الوضعيّة- ملحوظ استقلالي، و المفروض حصول الوضع بنفس الاستعمال.

و دفعناه هناك بأنه من قبيل جعل الملزوم بجعل لازمه، فهناك جعلان كلّ منهما ملحوظ بما يناسبه من اللحاظ، نظير جعل الملكية بجعل لازمها بقوله:

سلّطتك عليه- مثلًا- قاصداً به استقلالًا حصول الملك له.

و امّا على مسلكنا من كون الوضع من الاعتبارات فسبق الاستعمال بالاعتبار لا محذور فيه، و قرينة المقام- في مثل قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (2) على اعتبار اختصاصه به- كافية في الدلالة على سبقه.

و عليه فالاستعمال حقيقي لسبقه عندنا بالوضع، و كذا عنده (قدّه) لعينية الوضع و الاستعمال. و لا موجب لسبق الوضع زماناً، و كذلك بناءً على جعل الملزوم بجعل لازمه، فان المقارنة الزمانية لا تنافي التقدّم الذاتي.

ثمَّ ان الوضع التعييني و إن كان بعيداً، إلا أن الوضع التعيّني- في الصدر الأوّل بكثرة استعمال الشارع للصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و أشباهها من الألفاظ المتداولة في لسان الشارع و ألسنة تابعيه- لا بعد فيه، بل حصول الوضع به في أيام قلائل قريب جدّاً، و إنكاره مكابرة، و لذا قلنا بأن البحث قليل الجدوى.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 44.

(2) عوالي اللئالي: ج 1، ص 198، ح 9، و سنن البيهقي: ج 2، ص 124.

33

الفصل الثاني في الصحيح و الأعم‏

و المراد من الصحيح هو الجامع لجميع الاجزاء و الشرائط و لا حاجة إلى بيان مفهوم الصحة لغة، و لا إلى تعداد مصاديق الصحيح بسائر مصطلحاته فانه غير محتاج إليه هنا بعد معلومية المراد من العنوان هنا.

و عمدة البحث هنا في تصور الجامع بين مراتب الصحيح على القول بالصحيح، و الجامع بين مراتب الصحيح و الفاسد على الأعم، حتى يمكن تصديق مقام إثبات أحد الأمرين.

و ما ذكر جامعاً للصحيحي اما جامع ذاتي أو عنواني أو اعتباري أو تركيبي.

اما الجامع الذاتي فهو مقتضى كلام شيخنا الأستاذ (قدّه) (1) حيث صار بصدد استكشاف الجامع من طريق وحدة الأثر، نظراً إلى ان الأشياء المتباينة بما هي متباينة لا تؤثّر أثراً واحداً، فلا بدّ من جهة وحدة ذاتية بين مراتب الصحيحة المؤثرة في الانتهاء عن الفحشاء.

و أنت خبير بأن الصلاة- و لو كانت مرتبة واحدة- مؤلّفة من مقولات متباينة، و لا تندرج تحت مقولة واحدة، فلا جامع مقولي لمرتبة منها فضلًا عن مراتبها، و لو فرض دليل على وحدة الأثر و بساطته لزم صرفه عن ظاهره. مع ان بساطة الأثر تكشف عن بساطة المؤثر، و اتحاد البسيط مع المركب محذور آخر و إن كانت الصلاة من أفراد مقولة واحدة. مع أنه إذا فرض جامع ذاتي بين مراتب الصحيحة فلا محالة تجدي الأعمّي أيضا، لأن مراتب الصحيحة

____________

(1) كفاية الأصول: ج 1، ص 36.

34

و الفاسدة متداخلة، و إنّما تختلف بالصحّة باعتبار صدورها من صنف، و بالفساد من صنف آخر، و حيثيات الصدور ليست من الأجزاء، و المقولة لا تختلف بالاعتبار كما لا يخفى.

و أمّا الجامع العنواني- كعنوان الناهي عن الفحشاء و ما يشبهه مما لا يتوقف على الأمر بالصلاة- فلازمه مرادفة لفظ الصلاة مع مفهوم الناهي عن الفحشاء، كما ان لازمه عدم جريان البراءة إذا تعلّق الأمر بالمسمّى و لو بنحو فناء العنوان في المعنون، فان المعنون ذو عنوان مبين، فلا انحلال إلى معلوم و مشكوك حتى تجري البراءة، مع ان الصحيحي يقول بالبراءة كالأعمّي.

و أمّا الوضع بمرآتية العنوان للمعنون فهو خلفٌ، لأن الكلام في الوضع للجامع لا للمعنونات المتفاوتة كمّاً و كيفاً.

كما ان الوضع لعنوان المطلوب و نحوه يرد عليه المحذور المتقدم. مضافاً إلى ان الأمر بالمطلوب بالحمل الأوّلي لا معنى له، و بالمطلوب بالحمل الشائع يستلزم الدور أو الخلف أو تحصيل الحاصل، فلا معنى للوضع لما يلزمه عدم إمكان الأمر به اما بنفسه أو بفنائه في معنونه.

و أمّا الجامع الاعتباري- و هو ملاحظة المراتب واحدة باعتبار تعلّق غرض واحد بها، و جهة الوحدة الاعتبارية كافية في مثل الصلاة التي هي من المركبات الاعتبارية- ففيه ان كلّ مرتبة من مراتب الصلاة لها جهة الوحدة الاعتبارية، و لمجموعها من حيث انتزاع الجامع عن جهة الوحدة أيضاً جهة وحدة اعتبارية، فكما ان اجزاء مرتبة واحدة لها جهة وحدة الغرض، كذلك كلّها واحدة باعتبار الجامع الغرضي الموحد لها، فان وضع اللفظ للآحاد بالاعتبار، فهو كالوضع لذوات المراتب فيكون لفظ الصلاة مشتركاً لفظياً لا معنوياً، و هو ينافي غرض الصحيحي كما ينافي غرض الأعمّي، و ان وضع اللفظ لمجموع الآحاد بالاعتبار لكون المجموع أيضاً واحداً بالاعتبار، فالمراتب‏

35

مقوّمة للمسمّى لا انها مصاديق المسمّى. و اما الوضع لنفس الجهة الموحدة الاعتبارية فهو خلفٌ، لأن الفرض وضع الصلاة لما يترتب عليه الغرض الموحد لها لا للغرض الواحد، فانه يرجع إلى الوضع المبدإ العنوان المنطبق على المراتب أو لنفس العنوان، و فيه المحاذير المتقدّمة. هذا:

و أمّا الوضع للجامع التركيبي فانما يعقل إذا لم يكن للصلاة مراتب مختلفة كمّاً أو كيفاً، و إلا لكان الوضع لنفس تلك المراتب. و لا يمكن إصلاحه بجعل الجامع التركيبي جامعاً تشكيكياً يصدق على الزائد و الناقص، لأن التشكيك صدق الطبيعة على أفرادها بالشدة و الضعف، أو الزيادة و النقص، أو غيرهما من أنحاء التفاوت. و كلّ مرتبة من مراتب الصلاة مشتملة على أفراد من مقولات، لا أفراد من مقولة واحدة، فضلًا عن كون كلّ مرتبة فرداً من مقولة واحدة، و مورد التشكيك هو الأخير دون الأولين. و لا يمكن أن يجعل الجامع كالكم المنفصل المتقوم بالآحاد، سواء كانت من مقولة واحدة أم مقولات، فان هذا شأن الكم المنفصل دون غيره من الطبائع، و لا معنى لأن يكون لفظ الصلاة موضوعاً لنفس الكم المنفصل، فان الصلاة متكمّمة بكم منفصل لا عينه، فتدبّره جيّداً.

إذا عرفت ما ذكرناه من أقسام الجامع، فاعلم ان الأوجه منها هو الجامع التركيبي مع القصر على مراتب صلاة المختار بملاحظة طبائع الأجزاء، و إن كان المأمور به في كلّ مرتبة ثلاثة ركوعات أو أقل أو أكثر، أو كان المأمور به أربع سجدات أو أكثر فاختلاف المراتب بالزيادة و النقيصة من حيث أفراد الأجزاء لا ينافي اتحادها من حيث طبائع الاجزاء. و حيث ان المجموع من أوّل الأمر ركعتان من الصلاة كما هو مضمون الأخبار (1)، فلا ينافي خروج طبيعة

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 30، ص 38، ح 22 علل الشرائع: ص 261. عيون أخبار الرضا: ص 107.

36

التسبيحة من الصلاة أو جعلها بدلًا عن القراءة، كما ان لازمه كون ما عدا هذه المرتبة المختصة بالمختار أبدالًا للصلاة، اما لتنزيل الفاقد منزلة الواجد، أو تنزيل ما لا يشاكله في الصورة منزلته من حيث الاشتراك في الأثر.

نعم من يتصدى للوضع للمراتب جميعاً لا بدّ له- في ملاحظة هذه الطبيعة المركبة من مقولات متباينة، و من مراتب مختلفة كمّاً و كيفاً- أن يلاحظها مبهمة في غاية الإبهام حتى من حيث ذاتيات الطبيعة.

و نظيره ما عن بعض الأكابر (1) في تصور الجامع التشكيكي بين مراتب نوع واحد مع بنائه على ان المراتب مراتب نوع واحد، و ان ذاتي نوع واحد تارة شديد و أخرى ضعيف، لا ان النوع الواحد و هو البياض بالنسبة إلى مراتبه كالجنس بالإضافة إلى أنواعه، و لا ان التشكيك بالشدة و الضعف في وجود البياض، مثلًا، بل حقيقة البياض- بما هي متقومة بذاتيين و هما جنسها و فصلها- شديدة تارة و ضعيفة أخرى، فذكر- في مقام تصور الجامع بين المراتب و هو ذلك النوع الواحد الّذي هو بذاته شديد تارة و ضعيف أخرى- ان ذلك النوع لوحظ بنحو الإبهام من حيث تمام الحقيقة و نقصها، فليس هذا الإبهام كإبهام الجنس بالنسبة إلى أنواعه، و لا كإبهام النوع بالنسبة إلى الخصوصيات المفردة الخارجة عن الحقيقة، فهذا قسم آخر من الإبهام في قبال سائر الأقسام. و هنا أيضا يمكن للواضع ان يلاحظ هذا المركب الاعتباري من مقولات متباينة مبهماً من حيث ذاتيات تلك المقولات مع حفظ المقولة بالحمل الشائع كحفظ النوع في مراتب التشكيك، فينظر إلى مصداق عمل هو عين المركب من المقولات خارجاً مع عدم النّظر إلى ذاتيات تلك المقولات، لا لمفهوم العمل حتى يكون الوضع لجامع عنواني. و كما يلاحظ مهملًا من حيث ذاتيات تلك المقولات، كذلك يلاحظ

____________

(1) صدر المتألّهين في الأسفار: ج 1، ص 431.

37

مبهماً من حيث الوحدة و التعدد و الزيادة و النقص، و كلما زاد إبهام الملحوظ اتسعت دائرته فافهم أو ذره لأهله.

ثمَّ انك بالتأمل في جميع ما ذكرنا تعرف ان جملة من هذه الجوامع تنفع الأعمّي أيضا، و استدلالات الطرفين بعد تصور الجامع مخدوشة، كما فصلنا القول فيها في النهاية (1) فراجعها. و اخبار الخواصّ و الآثار غير مختصة بالصحيحي، لظهورها في الاقتضاء و حيث ان مراتب الصحيحة و الفاسدة متداخلة فكلها ذوات اقتضاء لها.

و امّا ثمرة البحث فالمهم منها أمران:

أحدهما: الاشتغال على القول بالصحيح، و البراءة على القول بالأعم.

إلا أنه ليس على إطلاقه، بل الظاهر انه كذلك إذا قلنا بأن الجامع عنوان بسيط ينطبق على مراتب الصحيح، فان المأمور به بالحمل الشائع معلوم و الشكّ في محصله. و امّا إذا قلنا بالجامع الذاتي المتحد مع الزائد و الناقص أو الجامع التركيبي التشكيكي أو الجامع التركيبي في خصوص مرتبة المختار، فالمأمور به بالحمل الشائع مردد بين الأقل و الأكثر.

و توهم- ان الجامع الذاتي المستكشف من طريق الأثر مقيد به، فلا بدّ من الاشتغال- غير صحيح، لأن مدعيه لا يرى للأثر شأناً إلا الكاشفيّة عن مؤثر واحد، و المفروض عنده اتحاد الجامع المؤثر الوحدانيّ مع الزائد و الناقص، فالجامع بمرتبة منه معلوم الحال و بمرتبة منه مشكوك. و أوضح من ذلك الجامع التركيبي سواء كان تشكيكياً أم لا. و بقية الكلام في التعليقة (2).

ثانيهما: إجمال المسمى من حيث الصدق على الصحيح و عدمه على الأعم،

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 40.

(2) نهاية الدراية: ج 1، ص 49.

38

فيمكن التمسك بالإطلاق على الثاني دون الأوّل، و لا يضر عدم ورود المطلقات في مقام البيان، أو ورود الأخبار البيانية في الصلاة فلا حاجة إلى الإطلاق.

و ذلك لأن إمكان التمسك الّذي هو ثمرة البحث محفوظ مع الامتناع بالغير و مع الوجوب بالغير، فلا يسقط عن كونه ثمرة. نعم إن كانت جميع المطلقات عند الجمع واردة في غير مقام البيان، أو كان لجميع العبادات اخبار بيانية، كان النزاع في الإمكان و الامتناع لغواً لكنه ليس كذلك جزماً. هذا كلّه في العبادات.

و أمّا المعاملات فحيث انها أمور متداولة عند العرف و لا تصرف للشارع فيها إلا من حيث الإمضاء، فلا إجمال لها من حيث الصدق، فيبقى مجال للتمسّك بالإطلاق.

و تفصيل القول في ذلك: ان ألفاظ المعاملات كالبيع إما تكون موضوعة للأسباب أو للمسببات. و المراد بالأُولى ما هو تمليك إنشائي قولي أو فعلي، و المراد بالثانية ما هو تمليك بالحمل الشائع. و حيث ان التمليك و الملكية من الإيجاد و الوجود و هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فلذا صحّ ان يعبر عنه بالمسبب، و إلا فالمسبب الحاصل بالتمليك الإنشائي القولي- مثلًا- هي الملكية، و لا شبهة في ان البيع لم يوضع للملكية بل للتمليك.

فان كانت ألفاظ المعاملات موضوعة للمسببات، فهي لا توصف بالصحّة و الفساد، لأنّهما متقابلان بتقابل العدم و الملكة، و التمليك بالحمل الشائع متحد مع الملكية، لا أن الثاني أثر الأوّل حتى يتوهّم اتصافه بالصحّة، و الشي‏ء لا يكون أثراً لنفسه، و ترتب الآثار الشرعية على التمليك و الملكية من باب ترتب الحكم على موضوعه، لا من ترتب المسبب على سببه. و عليه فعدم اتصافه بالفساد لكونه عدم ترتب الأثر على ما من شأنه ترتب الأثر عليه، لا لأن الصحة و الفساد متضايفان، و لا بدّ من قبول المحل لتواردهما عليه، إذ ليس ذلك‏

39

شأن المتضايفين، لأن العلّية و المعلولية من أوضح مصاديق المتضايفين، و ليس كلّ ما صح أن يكون علّة صح أن يكون معلولًا كالمبدإ (تعالى) بالإضافة إلى معاليله، مع ان المتضايفين متكافئان في القوة و الفعلية، و ليس كلّما وقع عقد صحيح يقع عقد فاسد مضايف له.

و بالجملة التمليك و الملكية لا يوصفان بالصحّة و الفساد بل بالوجود و العدم، و حينئذٍ فمعنى إمضاء المسببات تقريرها و عدم إلغائها لا إنفاذها، فالبيع الربوي بحكم العدم عند الشارع دون غيره، و حيث لا يوصف بالصحّة و الفساد، فلا معنى للنزاع في الوضع للصحيح أو للأعم. و أمّا التمسك بالإطلاق حتى على هذا الوجه فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا إن كانت الألفاظ موضوعة للأسباب، فحيث انها قابلة للاتصاف بالصحّة و الفساد، فهي قابلة للنزاع، و حينئذ فان قلنا بأنها موضوعة للسبب المستجمع للشرائط العرفية الملزومة للتأثير في الملكية عرفاً، فلا محالة لا يمكن التمسك بإطلاقها مع الشكّ في ما هو شرط لتأثيره عرفاً، و إن قلنا بأنها موضوعة لذوات الأسباب، فيمكن التمسك بإطلاقها حتى مع الشك فيما هو شرط له عرفاً، كما يتمكن من كان من أهل العرف في مقام ترتيب الملكية عرفاً. و هذا هو الّذي ينبغي أن يكون ثمرة للبحث في المعاملات، و إلا فبالنظر إلى ما يشكّ في اعتباره في السبب العرفي شرعاً فالتمسك بالإطلاق صحيح، سواء قلنا بالوضع للصحيح أم للأعمّ.

و المراد من الإطلاق في مقام إمضاء السبب العرفي انه كما أنه مؤثر في اعتبار الملكية عرفاً، كذلك مؤثر في اعتبارها شرعاً. و حيث لا واقع للملكية المعاملية إلا الاعتبارية المنحصرة في العرفية و الشرعية، فلا وجه لتقريب الإطلاق بإرجاعه إلى تعيين المحقق و المصداق و جعل النهي عن بعض الأسباب‏

40

تخطئة في نظر العرف، كما فصلنا القول فيه في التعليقة (1).

نعم ربما يناقش في أدلّة إمضاء المعاملات بأنّها في مقام تقرير المسببات دون إمضاء الأسباب، نظراً إلى ان لفظ البيع ظاهر فيما هو تمليك بالحمل الشائع لا التمليك الإنشائي، و تقرير المسببات لا يرفع الشكّ عن اعتبار شي‏ء شرعاً في الأسباب. و إصلاحه بأن المسمّى بالسبب ليس سبباً حقيقة لأمر مباين له وجوداً، بل نسبة السبب إلى المسبب نسبة الآلة إلى ذي الآلة، و ذو الآلة يتنوع بأنواع آلته، فالبيع المنشأ باللفظ العربي قسم، و المنشأ باللفظ غير العربي قسم آخر، فإمضاء كلّ منهما إمضاء الآخر، فهو عند التأمّل يرجع إلى اتحاد الوجود الحقيقي و الوجود الإنشائي، مع ان الملكية الإنشائية متحققة بالتمليك الإنشائي، سواء ترتبت عليها ملكية اعتبارية شرعاً أو عرفاً أم لا، و سنوضّحه إن شاء اللّه تعالى.

و يمكن استفادة إمضاء الأسباب من تقرير المسببات بتقريب ان التمليك الّذي يتسبب إليه باللفظ العربي حصة من طبيعي التمليك بالحمل الشائع، و ما يتسبب إليه باللفظ غير العربي أو بالفعل حصة أخرى، فتقرير- طبيعي التمليك بجميع حصصه بالإطلاق و عدم تقييده بحصة خاصة- ملازم لنفوذ السبب، إذ ليس مرجع تقرير المسبب إلى إبقائه على ما عليه عرفاً، و اعتباره شرعاً على طبق اعتباره عرفاً، و لا يلزم منه اندراج المسبب تحت السبب اندراج النوع تحت الجنس أو اندراج الصنف تحت النوع، حتى يقال باستحالته، بل الأسباب مع مباينتها للمسببات ماهية و وجوداً محصّصة لها و موجبة لصيرورتها حصصاً.

و بقية الكلام في محلّه.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 58.

41

الفصل الثالث‏

لا ريب في إمكان الاشتراك، لعدم موجب لامتناعه ذاتاً أو وقوعياً، إلا ما ربما يتخيل من أن- جعل ما يستلزم ملازمتين ذهنيّتين استقلاليتين- يقتضي حصول انتقالين دفعة واحدة في آن واحد، إذ المفروض استقلال كلّ منهما بالجعل و عدم ترتب بين المجعولين. و يندفع بأن الوضع ليس علّة تامة للانتقال بل مقتض له و حيث ان فرض الاشتراك فرض اقتضاءات متساوية الأقدام، فلا يكون المقتضي فعلياً إلا بالقرينة المعينة. و اما مع تعدد القرينة أو ملاحظة الانتقال التصوري، فنمنع استحالة انتقالين دفعة في آن واحد، لبساطة النّفس و تجردها كما يشهد له حضور الموضوع و المحمول معاً عند الحكم بثبوته له.

و بالجملة فالنقل المتواتر دالّ على وقوعه في الجملة، و هو أخصّ من الإمكان و المعروف ان القرء للحيض و الطهر، و الجون للبياض و السواد.

و قد التزم بعض‏ (1) من أنكر وقوعه في اللغة بإرجاع المشتركات إلى الجامع، حتى في المثالين، نظراً إلى استحالة التقابل بين معنيين لا جامع بينهما، مستشهداً بعدم التقابل بين الظلمة و الحمار، و لا بين العلم و الحجر. و قد بيّنا ما فيه في التعليقة (2)، و ان من أنحاء التقابل السلب و الإيجاب، و عدم الجامع بينهما بديهي. و لا جامع بين السواد و البياض إلا اللون، و لازمه إطلاق الجون على كلّ لون، فان الفصول بما هي لا جامع لها، و إلا لزم الخُلف.

الفصل الرابع‏

في إمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى و امتناعه حتى يتمكّن من‏

____________

(1) هو صاحب المحجّة كما يبدو من النهاية و حاشيته.

(2) نهاية الدراية: ج 1، ص 61.

42

تصديقه على الإمكان و إرجاعه إلى الجامع مع الامتناع.

و مجمل القول فيه ان الاستعمال إن كان جعل اللفظ علامة على المعنى فلا مانع من كون شي‏ء علامة بالمواضعة على عدة أمور وجداناً. و دعوى- ان ذكر اللفظ لتفهيم المعنى و العلم به إعلام و تفهيم تحصّلًا و تحقّقاً، كما في سائر الأمور التوليدية و التسبيبيّة و الوجود الواحد يمتنع أن يكون إيجادين، لاتحاد الوجود و الإيجاد ذاتاً و اختلافهما اعتباراً- مدفوعة كليّة بأن الأفعال التوليدية مباينة ماهية و وجوداً مع المتولد منها بالبرهان، فان الملاقاة غير الحرقة وجوداً و ماهية، فيستحيل أن يكون الإلقاء عين الإحراق، لاتحاد الإيجاد و الوجود ذاتاً و اختلافهما اعتباراً. و عليه فوجود اللفظ ليس عين التفهيم و الاعلام وجوداً، و بقية الكلام في التعليقة (1). و إن كان الاستعمال إيجاد المعنى باللفظ و إفناء اللفظ فيه، ففرض- وحدة اللفظ و تعدد الاستعمال المتقوّم باللحاظ- فرض اجتماع اللحاظين على لفظ واحد في إيجاد واحد، فهو من قبيل اجتماع المثلين في واحد، لا انه حقيقة كذلك، إذ اللحاظ هو الوجود الذهني، و عدم قبول- ماهية واحدة شخصية لوجودين كعدم قبول وجود واحد لماهيتين- أجنبي عن اجتماع المثلين، كما هو غير خفي على الخبير. بل كما ذكرنا في التعليقة (2) الأمر في الاستحالة لا يدور مدار تقوم الواحد بلحاظين. و ذلك، لأن اللفظ بسبب العلقة الوضعيّة يكون وجوده خارجاً بالذات وجوداً لمعناه بالعرض، و هو معنى كونه وجوداً تنزيلياً للمعنى، لا ان التنزيلية جاءت من قبل اللحاظ، و حيث ان الاستعمال إيجاد المعنى بالعرض، و المفروض تعدد الإيجادين بالعرض، فلازمه تعدد الإيجادين بالذات، و فرض تعدد الإيجادين بالذات فرض تعدد

____________

(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 63.

(2) نهاية الدراية: ج 1، ص 64.

43

وجودين بالذات، مع ان المفروض وجود واحد بالذات، فتدبّر و لا تشتبه.

و أمّا عن بعض أجلّة العصر (1) (ره) من النقض بالعامّ الاستغراقي الملحوظ بنحو الكل الأفرادي، فان أريد النقض بلحاظ تعلق حكم واحد بالمتعدد بما هو متعدد ففيه ان الحكم لا يكون فانياً في موضوعه كي يلزم محذور اثنينية الواحد أو وحدة الاثنين، و ان أريد النقض بلحاظ فناء مفهوم واحد في مطابقات متعددة، فمدفوع بأن العالم‏ (2) لوحظ فانياً في مطابقه و هو العالم‏ (3) بالحمل الشائع، و التوسعة في ذات المطابق تستفاد من أداة العموم، فلم يلزم فناء الواحد في المتعدد.

ثم انه لا فرق في الإمكان و الامتناع بين استعمال اللفظ في معنيين حقيقيين، أو معنى حقيقي و مجازي، نظراً إلى ان لازم الثاني اجتماع النقيضين في الواحد. و يندفع بأن اجتماع المثلين كاجتماع الضدّين و النقيضين، مع ان الحقيقيّة و المجازية ليست من الأعراض المتأصلة التي لا يسوغ اجتماعها في الواحد تعدد الجهات، بل من الأوصاف الاعتبارية، و اللفظ بما هو موضوع للمعنى المستعمل فيه غيره بما هو غير موضوع له و غيرية المعنى المجازي للمعنى الحقيقي بملاحظة البناء على تعدد الاستعمالين محفوظة، فلم يلزم كونه مستعملًا في معناه و غير مستعمل في معناه، بل مستعمل في معناه و مستعمل في غير معناه. فافهم و تدبّر.

____________

(1) في درر الفوائد: ج 1، ص 27.

(2) الظاهر أن لفظ «عام» صحيح لا «عالم».

(3) الظاهر أن لفظ «عام» صحيح لا «عالم».

44

المقام الثالث في المبادئ التصورية الأحكامية

و هو متكفل لمعرفة المجعولات الشرعية بما لها من التقسيمات، و فيه فصول:

الفصل الأوّل‏

ان المجعول التشريعي المعبر عنه بالحكم ينقسم إلى تكليفي و وضعي، ففيه أمران:

(أحدهما)- أن المعبّر عنه بالحكم التكليفي ينقسم إلى الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة.

و الجامع بين الإيجاب و الاستحباب هو الإنشاء بداعي جعل الداعي.

و ذلك، لأن الشخص إذا تصور الفعل و صدق بما فيه من الفائدة يشتاقه قهراً، فإذا كان المشتاق إليه من أفعال نفسه و بلغ شوقه إليه حدّ النصاب، حدث هيجان في الطبيعة فيحرك عضلاته نحوه فيوجده، و إذا كان من أفعال الغير، فحيث ان فعل الغير تحت اختياره و إرادته و تنبعث إرادته عن الداعي، فلا محالة يتسبب إلى جعل الداعي له ليريد و يفعل، فإذا كانت إرادته لفعل الغير منبعثة عن مصلحة لزوميّة، كان البعث المنبعث منها إيجاباً، و إلا كان استحباباً، كما يمكن ان يفرق بينهما باعتبار البعث الأكيد و غيره لمن لا يعتقد انبعاث الحكم‏

45

عن مصلحة، أو لا إرادة تشريعية في المبدأ تعالى، أو لا شدة و لا ضعف في الإرادة في مقام استيفاء الغرض الّذي لا بدّ له منه و غير ما لا بدّ له منه، فانه في جميع هذه الصور يكفى- اعتبار البعث الأكيد و غيره على طبق التحريك الخارجي- فارقاً بين الإيجاب و الاستحباب.

و أمّا التحريم و الكراهة، فالإنسان إذا توجه إلى ما فيه مفسدة و ما لا يلائمه، فلا محالة تحدث في نفسه كراهة موجبة لانقباضه عنه فلا يفعله، و إذا كان ما يكرهه نفساً فعل الغير، فلا محالة يزجره عنه لتحدث في نفسه كراهة موجبة لانقباضه عنه و بقائه على عدمه. و كما ان جعل الداعي جعل ما يمكن أن يكون داعياً، بحيث لو لم يكن له داع من قبل نفسه أو كان له داع إلى خلافه يصح حدوث الداعي بسببه و زوال الداعي إلى خلافه، كذلك جعل الزاجر جعل ما يمكن أن يكون زاجراً، بحيث لا يحدث بسببه داع إلى الفعل أو يزول الداعي الموجود، فلا يلزم مساوقته لطلب الكف و عليه فطلب الترك لازم الزجر عن الفعل المقابل للبعث بنحو الفعل. و كما ان الثاني يتضمّن الإيجاد التسبيبي بالبعث، كذلك الأوّل إعدام تسبيبي بالزجر، و مع عدم البعث و الزجر لا معنى للإيجاد و الاعدام تسبيباً، حيث لا سبب يتسبب به إلى أحدهما. و مما ذكرنا في الوجوب و الاستحباب يعلم الفرق بين التحريم و الكراهة.

و أمّا الإباحة و الترخيص، فمجمل القول فيها: ان المباح و إن كان لا اقتضاء، لعدم المصلحة و المفسدة فيه مطلقاً، إلا ان عدم المقتضي لازمه عدم الأحكام الأربعة لا ثبوت حكم خامس، فالإباحة عن مصلحة في نفسها، إذ كما ان الحكمة الإلهية تقتضي إيصال المصلحة بالبعث و الصدّ عن الوقوع في المفسدة بالزجر، كذلك تقتضي إرخاء العنان و الترخيص لئلا يكون العبد في الضيق صدوراً و وروداً، حيث ان رسم العبودية و زي الرقّية يقتضي صدور العبد و وروده عن رأي مولاه.

46

(ثانيهما)- في ما يعبّر عنه بالحكم الوضعي. و قبل الخوض في مجعوليّته ينبغي تقديم مقدمة هي ان الموجودات الخارجية على قسمين: موجود بوجود ما بحذائه، و موجود بوجود منشأ انتزاعه، أي الموجود تارة له صورة و مطابق في الأعيان كالبياض و ما يشبهه من الاعراض، و أخرى لا صورة له بل لمنشئه و انما هو من حيثيّات ما له صورة في الأعيان، كمقولة الإضافة، فان الفوقية- مثلًا- لا صورة لها بل للسقف الّذي هو منشأ انتزاعها، و حيث ان الوجود الواحد لا يعقل ان يكون وجوداً بالذات لمقولتين، فلا محالة يكون وجوداً بالذات لمقولة و وجوداً بالعرض لمقولة أخرى، و مقولة الإضافة دائماً من هذا القبيل، فهي مقولة من حيث وجودها بوجود منشأ انتزاعها خارجاً مع قطع النّظر عن اعتبار أي معتبر، و اعتبارية من حيث تقوّم فعليتها بالقياس إلى مضايفها، لا انّها من الاعتبارات الذهنيّة كالجنسية و النوعيّة فانها من عوارض الأمور الذهنية بنحو القضية الحينيّة.

إذا عرفت ذلك تعرف ان مجعوليّة الأمور الانتزاعيّة بالعرض لا بالتبع، و الموجود بالعرض لا جعل له غير جعل الموجود بالذات، لأن الإيجاد و الوجود متحدان بالذات، و الموجود بالعرض غير الموجود بالتبع، فان الموجود بالتبع في التكوينيات كالأعراض المتأصّلة التابعة لموضوعاتها جعلًا، فهناك جعلان و مجعولان، و في التشريعيّات كوجوب المقدّمة التابع لوجوب ذيها، فانّهما وجوبان مستقلّان إلا أن أحدهما من لوازم وجود الآخر. و منه تبيّن أن جعل الانتزاعيّة- في قبال المجعوليّة في كلمات الباحثين في هذه المسألة- وجيه، و ان جعل الانتزاعيّة- من أنحاء الجعل بالتبع و القول به قولًا بالمجعوليّة كما عن شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)- مسامحة كما لا يخفى على الخبير النبيه.

____________

(1) كفاية الأصول: ج 2، ص 302.

47

و بعد التمهيد المزبور نقول: الوضع، كما أفاد شيخنا الأستاذ (قدّه) (1)- على أقسام ثلاثة: (الأوّل)- السببيّة أو الشرطيّة للتكليف. و (الثاني)- الجزئيّة و الشرطيّة للمكلّف به. و (الثالث)- الوضعيات العرفيّة و الشرعيّة من الملكية و الحجيّة و أشباههما. فالأوّل مما لا يقبل الجعل استقلالًا و لا تبعاً، و الثاني مما يقبل الجعل تبعاً فقط، و الثالث مما يقبل الجعل استقلالًا و تبعاً. و نحن نقفو اثره (قدّس اللَّه سره) في التقسيم.

فنقول: أمّا القسم الأوّل فقد برهن- على عدم قبوله للجعل التبعي الانتزاعي- بأنه لا يعقل انتزاع هذه المعاني من التكليف المتأخّر عنها ذاتاً.

و تقريبه أن فرض- مسبّبية التكليف أو مشروطيته عن الدلوك- فرض تأخّره عنه بالذات، و فرض- منشئية التكليف لانتزاع السببيّة للدلوك- فرض تقدمه بالذات، لتبعية الأمر الانتزاعي لمنشئه، فيلزم تقدم المتأخّر بالذات و تأخّر المتقدم بالذات.

و قد برهن (قدّه)- على عدم قبول الجعل الاستقلالي- بأن الشي‏ء إذا كان ذا ربط به يؤثر في شي‏ء، فهو علّة قبل جعله علة، و إن لم يكن فيه ذاك الربط فلا يصلح للعليّة، فلا معنى لجعل ما ليس بعلة علّة (2).

قلت: أمّا البرهان الأوّل فلا يصلح للمنع، لأن التقدم و التأخّر يلاحظان بالإضافة إلى ذات العلة و المعلول، فلا منافاة بين تأخّر التكليف بذاته عن ذات الدلوك، و تقدمه بذاته على وصف يعرض الدلوك، و هو عنوان السببيّة المتأخّر عن الدلوك تأخّر كل وصف عن موصوفه و عارض عن معروضه. و سيجي‏ء ان شاء اللَّه تعالى قريباً أن التأخّر في أية مرحلة و التقدم في أية مرحلة.

و أمّا البرهان الثاني فتوضيح الجواب عنه يتوقف على مقدّمة، و هي ان‏

____________

(1) كفاية الأصول: ج 2، ص 302.

(2) كفاية الأصول: ج 2، ص 303.

48

السبب الفاعلي لكل حكم أو اعتبار هو الحاكم و المعتبر، فلا شأن للدلوك و شبهه إلا الشرطيّة، و الشرطيّة تارة ماهويّة واقعية، و هي دون الجعل تكويناً و تشريعاً، و أخرى مجعولة تكويناً أو تشريعاً.

(فالأولى) كشرطيّة الوضع و المحاذاة لتأثير النار في الإحراق، و لو لم يكن في العالم نار و لا إحراق و لا ذوات شرائط التأثير و التأثر، بل ذات النار مستعدة باستعداد ماهوي للتأثير في الإحراق إذا كانت مقرونة بكذا و كذا، و نظيرها الصلاة، فانها في حدّ ذاتها بحيث تؤثر الانتهاء عن الفحشاء إذا كانت مقرونة بالطهارة، و إن لم تكن في الخارج صلاة و لا طهارة، و كذلك وجوب الصلاة عند الدلوك ذو مصلحة في ذاته و إن لم يكن إيجاب و لا دلوك. و هذه الشرائط كلّها شرائط واقعيّة ما هويّة و هي دون الجعل.

و (الثانية) كما إذا وجدت النار و صادفت محلًا قابلًا باليبوسة و الوضع و المحاذاة فقد وجدت خارجاً مجعولات تكوينيّة موصوفة بالمؤثرية و المتمّمية للقابليّة أو المصحّحيّة للفاعليّة. و في التشريعيّات كما إذا علّق المولى إيجاب الصلاة على الدلوك، فان هذه الإناطة الإنشائيّة جعليّة لا موقع لها إلا موقع التكليف، و هذا التعليق و الإناطة الإنشائيّة عنوان لتعليق حقيقة الحكم الفعلي على وجود الدلوك خارجاً. و منه تعرف ان ما هو واقعي غير مجعول هي الشرطيّة الواقعيّة و الدخالة في المصلحة و الأثر، و ما هو جعلي هي الشرطيّة و الإناطة في مرحلة الإنشاء و الجعل، لا بلحاظ نفس الإنشاء، فانه محقّق، بل بلحاظ فعليّة مضمونه و هو الحكم بفعليّة ما علق عليه، فالتكليف بوجوده الإنشائي المحقق مصحح انتزاع الشرطيّة من الدلوك و متقدّم عليها ذاتاً، و الدلوك بوجوده الفعلي شرط لفعليّة الحكم و صيرورته بالحمل الشائع بعثاً، فلا يلزم تأخّر المتقدّم بالذات و لا جعل ما ليس بعلّة علّة.

و أمّا القسم الثاني و هي الجزئيّة و الشرطيّة للمأمور به، فنقول: الجزئيّة

49

و الشرطيّة لهما مراتب:

(إحداها)- مرتبة الوفاء بالغرض، فالجزء بعض ما يفي بالغرض، و الشرط مصحح لفاعلية ما يفي بالغرض أو متمم لقابلية ما يحل فيه الغرض، و هذا الوفاء و هذه الدخالة واقعي ماهوي لا جعلي مطلقاً.

(ثانيتها)- مرتبة لحاظ المولى لمجموع أمور بلحاظ واحد، فكل واحد من تلك الأمور بعض الملحوظ، و قيدها المتقيدة به خصوصية في الملحوظ، و هذا جعلها التكويني الذهني.

(ثالثتها)- مرتبة تعلق البعث الواحد بمجموع أمور مقترنة بشي‏ء، فكلّ واحد من تلك الأمور بعض المطلوب، و قيدها شرط المطلوب أي ما لم تلحظ تلك الأمور مقترنة به لا ينتزع منها المطلوبية.

و الجزئيّة و الشرطيّة بهذه المرتبة لا واقعية لهما إلا في مرحلة الطلب و البعث، فالبعث مصحح لانتزاع البعضيّة من كلّ واحد من تلك الأمور، و يصحح انتزاع الشرطيّة من قيدها المنوطة به في مرحلة البعث، فلا محالة تكون مجعولة بجعل الطلب، و لا يعقل جعل الجزئيّة و الشرطيّة بهذا المعنى استقلالًا، فان معنى تعلّق الجعل الاستقلالي بشي‏ء كونه بنفسه متعلّق الجعل، و هو مناف لكونه بعضاً أو قيداً.

و ما ذكره (قدّه) في هذا القسم من الجعل الانتزاعي و ان كان صحيحاً، لكن قد عرفت أن الأمر الانتزاعي مجعول بالعرض لا بالتبع، مع ان هذه الجزئيّة و الشرطيّة كالكليّة و المشروطيّة، و الطالبيّة و المطلوبيّة، و المحموليّة و الموضوعيّة، كلّها من اللوازم التكوينيّة للمجعول التشريعي، فان المجعول التشريعي له حيثيتان: حيثية التكوينية، و حيثيّة التشريعية، و كل تلك العناوين الانتزاعية من لوازمه التكوينية، لوضوح ان هذه الأمور الانتزاعية لم تنبعث عن غرض تشريعي حتى تكون الأمور مجعولات تشريعيّة مع أنه بعد

50

الإغماض عنه ليس بين المجعول بالذات و المجعول بالعرض تخلل و اثنينية، حتى إذا لم يمكن رفع المجعول بالذات لابتلائه بالمعارض يمكن رفع المجعول بالعرض، بل كما ان جعله و وضعه بعين وضع ما بالذات و جعله، كذلك رفعه بعين رفعه، فلا يجدي الالتزام بجعله للرفع في باب البراءة.

و أمّا القسم الثالث، و هي الوضعيات العرفية و الشرعية كالملكية و الزوجية و الحجيّة و أشباهها، فهي ليست من المقولات الحقيقية حتى الانتزاعيّة، و لا من الاعتبارات الذهنية الموسومة في علم الميزان بالمعقولات الثانوية كالكليّة و الجزئيّة و الجنسية و النوعيّة.

أما عدم كون الملكية الشرعية و العرفية من العوارض الذهنية فواضح، لأن معروضاتها أمور ذهنية و الموصوف بالمالكيّة و المملوكيّة هو زيد الخارجي و الدار الخارجية.

و أمّا عدم كونها من المقولات الحقيقيّة مطلقاً فله وجوه:

(منها)- ان المقولات لا تختلف باختلاف الأنظار و لا تتفاوت بالاعتبار، مع ان الملكية الشرعيّة و العرفيّة ليست كذلك، و لذا ترى ان المعاطاة تفيد الملك عرفاً لا شرعاً مثلًا. و لو كانت مقولة لكانت إما موجودة مطلقاً أو معدومة كذلك، و ليست المقولة إلا ما يقال و يصدق على شي‏ء في الخارج مع قطع النّظر عن اعتبار أي معتبر.

و (منها)- ان المقولات التسع العرضية تحتاج إلى موضوع محقق في الخارج و الملكية الشرعية و العرفية تتعلق بالكلي مالكاً و مملوكاً، كمملوكية الكلي في الذمّة و مالكية طبيعي الفقير و السيد في الزكاة و الخمس، و لا يعقل أن تكون الملكية بأحد المعنيين بالقوّة و تكون فعليّة بالتطبيق، لأن المالكية و المملوكيّة متضايفان، و المتضايفان متكافئان في القوّة و الفعليّة، فلا يعقل فعلية أحدهما و كون الآخر بالقوّة.

51

و (منها)- ان المعنى المقولي لا بدّ من أن يكون له اما مطابق في الأعيان و امّا منشأ الانتزاع فيها، و عدم المطابق في العين لمعنى الملكية واضح، إذ ليس حال ذات المالك و ذات المملوك قبل الملكية و بعدها مختلفاً، بل هما على ما هما عليه من الجواهر و الاعراض، فلا يحتمل إلا كونها مقولة ذات منشأ الانتزاع، و ما يحتمل كونه منشأ لانتزاعها أمور: كالحكم التكليفي على ما ادعاه غير واحد، أو العقد كما في بعض كلمات شيخنا الأستاذ (قدّه) (1)، أو موت المورث في باب الإرث، أو الحيازة في باب التملك بها. و الكل غير صحيح، لما مرّ في مقدّمة البحث‏ (2) من أن وجود الأمر الانتزاعي بعين وجود منشأ انتزاعه، فالوجود الواحد ينسب إلى المنشأ بالذات و إلى الأمر الانتزاعي بالعرض، و قيام الأمر الانتزاعي بشي‏ء يوجب صدق المشتق منه على منشئه، كما ان السقف بملاحظة قيام الأمر الانتزاعي به و هي حيثيّة الفوقيّة يصح صدق عنوان الفوق عليه.

و من الواضح ان عنوان المالك و المملوك لا يصدق على الحكم التكليفي، فيعلم منه انه ليس منشأ لانتزاع مبدئهما عنه، مع أنه لا شبهة في تحقق الأمر الوضعي أحياناً من دون تكليف، كما في ملكية الصبي و ضمانه، فانه المالك و الضامن، و التكليف على الولي و للولي، و لا يعقل قيام الأمر الانتزاعي بشي‏ء و كون منشئه شيئاً آخر. و منه تعرف أن العقد ليس منشأ لانتزاع الملكيّة، لعدم صدق العنوان عليه، و كذا غيره من الموت و الحيازة، بل مقتضى سببيّة هذه الأمور مغايرتها لمسبباتها وجوداً، فكيف تكون منشأ لانتزاعها المبني على اتحادهما في الوجود؟

و التحقيق ان الملكيّة الشرعيّة و العرفية ليست موجودة بوجودها الحقيقي المقولي الّذي هو عبارة عن مقولة الإضافة لتضايف المالكيّة و المملوكيّة، بل هذا المعنى المقولي موجود بوجوده الاعتباري، بمعنى ان الشارع أو العرف يعتبرون هذا

____________

(1) كفاية الأصول: ج 2، ص 306.

(2) راجع ص 46.

52

المعنى لزيد بالنسبة إلى الدار تحقيقاً للآثار، لمصالح دعتهم إلى هذا الاعتبار، فكما ان الأسد- مثلًا- له وجود تحقيقي و هو الحيوان المفترس، و وجود اعتباري و هو الشجاع، و البياض له وجود تحقيقي يوصف به الجسم و وجود اعتباري يوصف به القلب، كذلك الملك، له وجود تحقيقي، كما في إحاطة جسم بجسم الموجبة لانتزاع المحيطيّة و المحاطيّة تحقيقياً كذلك له وجود اعتباري عند تحقق العقد أو الموت أو الحيازة. و لا عجب في كون معنى واحد له أنحاء من الوجود تحقيقاً و اعتباراً، إذ ربما يكون لمعنى واحد مطابقات متفاوتة بحسب النشئات كما في العلم، فانه بمعنى الحضور، و مطابقة تارة وجود واجبي كعلمه بذاته، و أخرى وجود عقلائي كعلم العقل بذاته، و ثالثة وجود نفسي كعلم النّفس بذاته، و رابعة وجود مقولي كعلم الشخص بغيره بناء على انه من مقولة الكيف.

و مما ذكرنا تعرف ان صدق- حد الإضافة على الملكية لمكان تكرر النسبة- لا يدرجها تحت المقولة، بل المعنى معنى إضافي، فتارة يكون مطابقه إضافة إشراقيّة و إحاطة وجودية، كمالكيته التي هي إحاطته الوجودية في مقام الفعل، و فعله الإطلاقي عين الوجود الانبساطي على هياكل الممكنات، و الوجود ليس بجوهر و لا عرض، و أخرى يكون إضافة مقولية، كالإضافة الحاصلة عند تحقق مقولة الجدة خارجاً، و ثالثة إضافة عنوانية اعتبارية، كما في الملكية الشرعية و العرفية، فتدبّر جيّداً. هذا كلّه حال الملكية و ما أشبهها من مضامين العقود.

و أمّا الحجيّة و هي الوساطة في إثبات شي‏ء، سواء كانت بعنوان الوساطة في إثبات الواقع عنواناً أم في إثباته تنجزاً فهي مجعولة، اما الوساطة على الوجه الأوّل فهي مجعولة بجعل الحكم المماثل على طبق مؤدّى الخبر بعنوان انه الواقع، فالخبر واسطة في إثبات الواقع عنواناً لا حقيقة، و إنّما المجعول حقيقة نفس الحكم المماثل، فثبوته بالذات ثبوت الواقع بالعرض، و فعليته حقيقة فعلية الواقع عنواناً و عرضاً. و منه تعرف أن جعل الحجيّة بهذا المعنى استقلالًا غير

53

معقول، إذ نفس جعل الحكم المماثل و ان كان بالاستقلال إلا أنه ليس معنى الحجيّة و الوساطة. و الحكم الواقعي لا جعل له إلا الجعل الواقعي، و الخبر ليس من مبادئ ثبوته و لا إثباته حقيقة، فلا وساطة للخبر إلا لا ثبات الواقع عنواناً و عرضاً. و أمّا الوساطة على الوجه الثاني فهي باعتبار الخبر وصولًا و باعتبار الظّن علماً، فان هذا الاعتبار لتحقيق الموضوع المرتب عليه تنجز الواقع جعلًا، و استحقاق العقوبة على مخالفته أمر معقول. و مثل هذا المعنى قابل للجعل بالاستقلال بلسان: انه حجة، «و انه لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا» (1)، و أشباه ذلك، كما يمكن جعله بالعرض و التبع بقوله: «اسمع له و أطعه و صدقه» [1]. فتدبّر.

و أمّا الولاية و الحكومة و القضاوة، فالمراد هي الكليّة من تلك الأوصاف لكلّي خاص، كما في قوله (عليه السَّلام): «و من روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فقد جعلته حاكماً ... الخبر» [2] فهذه حكومة مجعولة من قبله تعالى على لسان الصادق (عليه السَّلام) بما هو مبلّغ لأحكامه تعالى أو بما هو مفوّض إليه أمر التشريع فجعله (عليه السَّلام) جعله تعالى، فحاله (عليه السَّلام) في مرحلة التشريع كحاله (عليه السَّلام) في مرحلة التكوين، فهو من مجاري فيضه تعالى تكويناً و تشريعاً، و لعله إليه يشير قوله (عليه السَّلام): «مجاري الأمور بيد العلماء باللَّه» [3] بل قد ذكرنا في محلّه‏ (2) ان الولاية العامة للإمام (عليه السَّلام) على‏

____________

[1] وسائل الشيعة: ج 18، ص 100، ح 4 إلا أنّ الحديث هكذا: «فاسمع له و أطع فإنه الثقة».

[2] وسائل الشيعة: ج 18، ص 98، ح 1 و الحديث هكذا: «... ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً».

[3] تحف العقول: ص 238 و فيه: مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 108، ح 40.

(2) تعليقة المؤلّف على المكاسب: ج 1، ص 212.

54

وجهين، فتارة ولاية باطنيّة معنوية لازمة لذاته القدسية، و بها له السلطان على التصرّف في العالم. و هذه غير مجعولة تشريعاً، بل مجعولة تكويناً بجعل وجوده (عليه السَّلام)، و أخرى ولاية عامّة مجعولة تشريعاً و هو منصب إلهي قائم به ما دام حيّاً و له مبدأ و منتهى. و أمّا الولاية و القضاوة الجزئيّة الصادرة من الإمام (عليه السَّلام) لشخص خاص في مورد مخصوص، فهي خارجة عن محل البحث، و هو الحكم الوضعي الكلي الإلهي و ان كان مجعولًا منه (عليه السَّلام)، لكن هذا الجعل منه كاتخاذه وكيلًا لنفسه.

و أمّا الصحّة و الفساد المعدودان من الوضعيات في بعض الكلمات، ففي العبادات بلا وجه، لأنّ الصحّة سواء كانت بمعنى موافقة المأتي به للمأمور به أم كونه موجباً لاستحقاق الثواب أم موجباً لسقوط الإعادة و القضاء، فهي من شئون المأتي به لا من شئون المأمور به حتى تكون مجعولة بجعله. و منه تعرف ان الصحة الموصوف بها المأتي به خارجاً دائماً مجعولة بجعل الفعل تكويناً، و يستحيل أن تكون هذه الصفة مجعولة تشريعاً من دون فرق بين الأوامر الواقعيّة و الظاهرية، فان كون المأتي به خارجاً المأمور به ظاهراً مسقطاً للإعادة و القضاء واقعاً على حد كونه مسقطاً للإعادة و القضاء بالنسبة إلى المأمور به الظاهري.

نعم فرق بين الظاهري و الواقعي في ان الحكم بصحة المأتي به الظاهري تارة بلسان عدم إيجاب الإعادة و القضاء، فهو من باب جعل الحكم التكليفي نفياً أو إثباتاً، و أخرى بلسان البناء على موافقة المأتي به للمأمور به الواقعي، فالمحكوم بالموافقة جعلًا و تشريعاً هو المأتي به الكليّ الواقع في حيز هذا الجعل لا المأتي به الخارجي المطابق له، فتدبّر جيّداً.

و أمّا المعاملات، فلا ريب في ان العقد الواجد للشرائط يوصف بالصحّة و إن لم يوجد في الخارج، فاعتبار الملك عقيبه و صلوحه لذلك هو كونه ممضى شرعاً. و اما العقد الخارجي المطابق لذلك الكلي الممضى فصحته مجعولة بتبع‏