بحوث في علم الأصول - ج3

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
239 /
3

-

4

الصحيح و الأعم في العبادات‏

الكلام في هذه المسألة يقع في عدة جهات:

5

الجهة الأولى تصوير النزاع‏

وقع النزاع في أن أسماء العبادات، هل هي موضوعة للصحيح خاصة، أو للأعم من الصحيح و الفاسد؟. و هذا النزاع، هل يتطرق إلى جميع الاحتمالات المتقدمة في بحث الحقيقة الشرعية، أو يبتني على بعضها دون البعض؟.

و تفصيل الكلام في ذلك.

أنه بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية، فلا إشكال في تطرق هذا النزاع، إذ بعد الفراغ عن وضع الشارع الألفاظ المعينة للمعاني المخصوصة، يقع الكلام في أنه هل وضع اللفظ لخصوص الصحيح؟. أو للجامع بين الصحيح و الفاسد؟.

و كذلك الأمر بناء على إنكار الحقيقة الشرعية، و القول بوجود حقيقة قبل الشارع بأن كانت هذه الألفاظ حقائق في عرف لغوي قبل الشارع، حينئذ يقع الكلام بأن هذه الألفاظ هل وضعت قبل الإسلام لخصوص الصحيح أو للجامع؟.

و أما إذا أنكرنا الوضع رأسا و قلنا بأن لفظ الصلاة مثلا لم يوضع للمعنى الشرعي، لا على يد الشارع و لا على يد واضع قبل الشارع، فحينئذ كيف يمكن أن يتطرق النزاع؟.

قد يقال بأن تصوير النزاع ممكن بحيث يكون لكل من القائل بالصحيح و القائل بالأعم دعوى معقولة في نفسها.

6

و قد يقال أن هذا غير ممكن بناء على إنكار الوضع رأسا، لأن الصحيحي و الأعمي في أي شي‏ء يتنازعان؟. فهل يتنازعان في تحديد المعنى الموضوع له؟. كلاهما يعترفان بعدم الوضع. أم أنهما يتنازعان في تحديد المعنى المجازي؟. كلا المعنيين مجازي، فكما يصح الاستعمال مجازا في الصحيح باعتبار المشابهة و المشاكلة، كذلك يصح الاستعمال في الأعم.

فمن هنا اتجه البحث إلى تصوير صيغة معقولة للنزاع، بناء على إنكار الوضع رأسا، و الصيغ المتصورة في المقام عديدة.

الصيغة الأولى:

يمكن أن يتصور النزاع في تشخيص المجاز الأولي و المجاز الثانوي، بمعنى أن كلا من الصحيحي و الأعمي و إن كانا متفقين على أن اللفظ مستعمل مجازا في المعنى الشرعي، في الصحيح مجازا و في الأعم مجازا.

لكن يقع الكلام في أن القائل بالصحيح، يقول أن العلاقة لوحظت أولا بين المعنى اللغوي، و الصحيح من المعنى الشرعي، و استعمل اللفظ في الصحيح باعتبار المناسبة بينه و بين المعنى اللغوي، و أما بعد ذلك، لوحظت مناسبة ثانية طولية بين المعنى المجازي الصحيح، و بين الأعم، فاستعمل اللفظ في الأعم مجازا.

و القائل بالأعم يعكس المطلب، فيكون النزاع بينهما في تشخيص المجاز الذي لوحظت العلاقة بينه و بين المعنى اللغوي ابتداء، و ما هو المجاز الذي لوحظت العلاقة بينه و بين المجاز الأولي.

و قد اعترض صاحب الكفاية على هذه الصيغة (1) بأنها لا توصل المتنازعين إلى الثمرة المقصودة في المقام لأن الثمرة في المقام هي حمل اللفظ على الصحيح عند الصحيحي و حمله على الأعم عند الأعمي، و من‏

____________

(1) حقائق الأصول: الحكيم ج 1 ص 53.

7

الواضح بعد اعتراف كل منهما بأن اللفظ ليس حقيقة في الصحيح و لا في الأعم فحينئذ أن وجدت قرينة صارفة عن المعنى اللغوي و لم توجد قرينة خاصة تعين الصحيح أو الأعم يكون اللفظ مجملا. فلا تكون هذه الصيغة مؤدية إلى الثمرة المقصودة من هذا النزاع.

و الصحيح، أن كلا من الإشكال و أصل الصيغة غير تام.

أمّا أنّ هذا الإشكال غير تام، لأننا لو تعقلنا هذه الصيغة للنزاع لترتبت الثمرة، لأن القائل بالصحيح، يحمل اللفظ على الصحيح عند قيام القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي اللغوي من دون حاجة إلى قرينة معينة، و الأعمي يحمل على الأعم كذلك.

و نكتة المطلب أنه بناء على ما تصورناه، تكون نسبة المجاز الثاني إلى المجاز الأول، كنسبة المجاز الأول إلى الحقيقة، فنفس النكتة التي بيناها في بحث الوضع و أنه كيف ينعقد للفظ ظهور تصوري أولي في المعنى الحقيقي، و لا تصل النوبة إلى الدلالة على المعنى المجازي، إلّا بعد إفناء ذاك الظهور الأولي، و أن اللفظ بذاته مناسب للمعنى الحقيقي، و أما مع المعنى المجازي فهو مناسب في طول مناسبته للمعنى الحقيقي، تلك النكتة تجري هنا في المقام بين المجاز الأولي و المجازي الثانوي، فعلى هذا التصوير، يكون اللفظ مقترنا أولا بالمعنى اللغوي و بتوسطه اقترن بالصحيح عند الصحيحي و بتوسط ذلك اقترن بالأعم. إذن فاقترانه بالأعم نسبة إلى اقترانه بالصحيح كنسبة اقترانه بالصحيح إلى اقترانه بالمعنى اللغوي، فكما أنه إذا دار الأمر بين المعنى اللغوي و الصحيح يقدم المعنى اللغوي على الصحيح، كذلك إذا دار الأمر بين المجاز الأولي و المجاز الثانوي يقدم المجاز الأولي، فبهذا يمكن التوصل إلى الثمرة بهذه الصيغة.

و لكن أصل الصيغة غير صحيح،. إذ كيف يتعقل الأعمي أن المناسبة قائمة بين المعنى اللغوي و الأعم في المرتبة الأولى و لا يتعقل قيامها في هذه المرتبة بين المعنى اللغوي و الصحيح، فإن الصحيح فرد من أفراد الأعم، فإذا ادّعى الأعمي وجود المناسبة بين الأعم و المعنى اللغوي فهذه المناسبة بعينها

8

موجودة بين المعنى اللغوي و الصحيح، سواء كانت المناسبة هي المشاكلة و المشابهة أو علاقة الجزء و الكل، فأيّ مناسبة إذا كانت قائمة بين المعنى اللغوي و الأعم فهي في نفس المرتبة، لا بدّ من فرض قيامها أيضا بين المعنى اللغوي و الصحيح. و مسألة المجاز الأوّلي و المجاز الثانوي إنما تتصور في معنيين مجازيين متغايرين متباينين، عندئذ يقال، أن المناسبة أولا تقوم بين المعنى اللغوي و أحدهما ثم تقوم بين هذا المعنى المجازي و المعنى المجازي الآخر، أما إذا كان المعنيان المجازيان، من قبيل الصحيح و الأعم، إذن فكيف يمكن أن نتعقل المناسبة بين الأعم و ما بين المعنى اللغوي مباشرة، و لا نتعقل في نفس المرتبة المناسبة بين الصحيح و المعنى اللغوي.

فهذه الصيغة إذن غير متعقّلة للنزاع.

الصيغة الثانية:

الصيغة الثانية للنزاع، هي التي تصورها المحقق الأصفهاني‏ (1) (قده) و مضمونها هكذا:

أن الصحيحي يقول بأن اللفظ دائما يستعمل في الصحيح، و حينما يراد منه الأعم، لا يكون من باب استعمال اللفظ في الأعم، بل اللفظ مستعمل في الصحيح، لكن عندئذ، المتكلم يعمل عناية عقلية، فيوسع دائرة الصحيح، و ينزّل الفاسد منزلة الصحيح، فبالعناية و التنزيل يريد الأعم، و الأعمي يقول بأن اللفظ دائما يستعمل في الأعم، و حينما يراد منه الصحيح، يكون هذا من باب تعدد الدال و المدلول، فاللفظ مستعمل في الجامع‏ (2)، و خصوصية الصحة تستفاد من دال آخر.

____________

(1) نهاية الدراية/ الأصفهاني: ج 1 ص 48- 49- 50.

(2) هذا إذا كان الجامع صادقا على الواجد و الفاقد بحدهما لما يقال مثله في الماهيات التشكيكية من أن الماهية الواجدة تارة شديدة و أخرى ضعيفة، و أما إذا كان الجامع من الماهيات المهملة، فكونها لا بشرط يقتضي صدقها على الواجد و الفاقد فلا. المؤلف.

9

و بناء على هذا المدّعى، يتوصل المتنازعان إلى الثمرة المقصودة، لأنه بناء على مدّعى الصحيحي، فيما إذا ورد اللفظ، و علم عدم إرادة المعنى اللغوي به، حينئذ يحمل على المعنى الصحيح، لأن إرادة الأعم منه تتوقف على العناية الزائدة، و هي فرض تنزيل الفاسد منزلة الصحيح، و هذه العناية على خلاف الأصل، فالأصل عدم إعمال هذه العناية، فيحمل اللفظ دائما على المعنى الصحيح.

و بناء على مدّعى الأعمي، يحمل اللفظ في المقام على الأعم، لأن إرادة الصحيح يحتاج إلى عناية زائدة، و هي الإتيان بدال آخر على قيد الصحة، و حيث لا يوجد دال آخر، فبمقتضى جريان مقدمات الحكمة يحمل اللفظ على الجامع. و بهذا البيان يتوصل المتنازعان إلى الثمرة المقصودة.

لكن هذه الصيغة غير صحيحة، لأن الدعويين من البعيد أن يقول بهما الصحيحي و الأعمي.

و ذلك لأن افتراض الأعمي غير عقلائي في المقام و إن كان عقلائيا في أسماء الأجناس، تحفّظا على كون الاستعمال حقيقيا، يؤتى بدال آخر على الخصوصية، و لا يتأتى ذلك في المقام، لأن نسبة اللفظ إلى الأعمي و الصحيحي على حد واحد، إذ كلاهما مجاز، لا أنه حقيقة في أحدهما و مجاز في الآخر، و إذا كان الأمر كذلك، فما هو المبرر العقلائي لاستعمال اللفظ في الأعم، ليحتاج إلى دال آخر على الخصوصية، و على هذا كيف يتصور النزاع؟.

كما أن افتراض الصحيحي غير صحيح في المقام، لأن كثيرا ما يراد الفاسد بما هو فاسد بكلمة الصلاة، فمثلا، نقول، الصلاة الفاسدة، أو نقول الصلاة إمّا صحيحة و إمّا فاسدة، فلم نستعمل اللفظ في الصحيح و لم نعمل عناية التنزيل، فكثيرا ما يقع لفظ الصلاة في لسان الشارع و يراد به الفاسد بما هو فاسد فيقال «هذه الصلاة غير صحيحة». ففي هذا الاستعمال لم ينزل‏

10

الفاسد منزلة الصحيح، و إلّا لقيل «هذه صلاة صحيحة». فهذه الصيغة لتصوير النزاع أيضا غير تامة.

الصيغة الثالثة:

يمكن تصوير النزاع بين الصحيحي و الأعمي بغير ما ذكر، و ذلك بتقريبات أخرى.

منها أن يقال: بأن الصحيحي و الأعمي اللذين ينكران الحقيقة الشرعية و الوضع في أيام النبي (ص) إمّا أن يعترفا بثبوت الوضع في زمن متأخر عن زمن النبي (ص)- في زمن الأئمة (ع)- و إما أن ينكرا الوضع أصلا، و يقولا بأن استعمال اللفظ في المعنى الشرعي إنما كان مع القرينة، فعلى الأول يمكن تصوير النزاع، في أنه ما هو المعنى الموضوع له في هذا الزمن المتأخر، هل هو الصحيح أو الأعم؟. و على الثاني يمكن تصوير النزاع بما أشار إليه المحقق الخراساني في الكفاية (1)، بأن يقال، بأن كلا المتنازعين يعترفان بأن القرينة على المعنى الشرعي قرينة عامة لا قرينة خاصة بحيث في كل مورد مورد يوجد قرينة خاصة، و حينئذ، يختلفان في مدلول القرينة العامة، فالصحيحي‏ (2) يقول بأن الشارع استعمل اللفظ في المعنى الشرعي مجازا، و نصب قرينة عامة، و مدلولها عبارة عن مجموع الأجزاء و الشرائط، التي بها يكون العمل صحيحا، فمتى ما أطلق اللفظ و وجدت القرينة العامة الصارفة عن المعنى اللغوي يحمل على الصحيح، و الأعمي‏ (3) يقول عكس ذلك، بأن مدلول القرينة العامة عبارة عن المعنى الشرعي، لكن بمرتبة من مراتبه، كمرتبة الأركان الخمسة مثلا، فمتى ما وجدت القرينة العامة الصارفة عن المعنى‏

____________

(1) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 53.

(2) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 54.

(3) محاضرات فياض/ ج 1 ص 135- 136.

11

اللغوي يحمل على الأعم. و بهذا يمكن تصوير النزاع بين الصحيحي و الأعمي.

و قد يتخيل في المقام بأن هذا النزاع غير عقلائي و بلا مدرك، إذ من أخبر الصحيحي و الأعمي بمفاد هذه القرينة العامة التي نصبها النبي (ص)، حيث أنه لم يرد في الروايات تحديد لهذه القرينة، فتكون دعوى كل منهما بلا موجب.

لكن هذا التوهم غير صحيح لأن هناك وسيلة لإثبات المدّعى في المقام، و هذه الوسيلة هي التبادر، فإنه حينما يؤتى بلفظ و تنصب القرينة على عدم إرادة المعنى اللغوي فما ذا يتبادر من معنى الصلاة؟. فإن كان يتبادر خصوص الصحيح، يستكشف أن مفاد القرينة العامة هو الشرعي، بمرتبة الصحيح، و إن كان المتبادر هو الأعم، يستكشف بأن المتبادر من القرينة العامة هو الأعم، و ذلك، لأنه كما أن التبادر مع عدم القرينة يكشف عن الوضع، كذلك التبادر مع عدم الوضع كما هو الحال في المقام، يكشف عن القرينة، فإنه سبق فيما مضى أن التبادر ينشأ من أحد سببين، إمّا من الوضع، و أما من القرينة، فالتبادر مع عدم القرينة يكشف عن الوضع، و هنا لا وضع كما هو المفروض. فالتبادر يكشف عن القرينة لا محالة، فالنزاع بهذا الترتيب معقول و قابل للإثبات و النفي.

12

الجهة الثانية

الكلام في هذه الجهة يقع في تحقيق حال الصحة التي أخذت في عنوان المسألة، فهل أن أسماء العبادات هي أسماء لخصوص الصحيح أو للأعم؟.

و الكلام في هذه الجهة يقع في عدة مقامات.

المقام الأول: في تفسير الصحة:

كأنه ذكر في تفسير الصحة عدة تعبيرات، فقيل بأن الصحة معناها، موافقة الأمر، و قيل بأن معناها، موافقة الغرض، و قيل بأن معناها إسقاط الإعادة و القضاء.

و قد ذكر السيد الأستاذ (1) تبعا للمحقق‏ (2) الخراساني في الكفاية. أن هذه التعبيرات تفسيرات باللوازم، و أن معنى الصحة الأصيل هو التماميّة، في مقابل النقصان، و الفساد، و لذلك لا تتعقّل الصحة إلّا في المركبات التي لها أجزاء و شرائط، دون الأمور البسيطة التي ليس لها أجزاء و شرائط، و المراد من التمامية و النقصان، التمامية و النقصان بلحاظ ذات الشي‏ء، بمعنى ما يستجمع من أجزاء و شرائط. و أما اسقاط الإعادة و القضاء أو موافقة الغرض أو موافقة

____________

(1) محاضرات فياض ج 1 ص 135- 136.

(2) حقائق الأصول ج 1 ص 55.

13

الأمر، فهذه شئون و لوازم للتمامية من حيث الأجزاء و الشرائط، فإن التمامية بهذا اللحاظ يترتب عليها موافقة الأمر و الغرض، و إسقاط الإعادة و القضاء، فهذه لوازم للتمامية. و يرد على هذا الكلام تعليقان.

التعليق الأول: إن الصحة و الفساد بحسب الحقيقة، ليست بمعنى التمامية و النقصان، بل بمعنى الواجدية للخصوصية الملحوظة المرغوبة، فالصحيح هو عبارة عمّا يكون واجدا للخصوصية المطلوبة، و الفاسد هو عبارة عمّا يكون فاقدا لهذه الخصوصية، من دون نظر إلى التمامية و النقصان في الأجزاء و الشرائط، و لهذا توصف البسائط عرفا، بالصحة و الفساد، كما توصف المركبات، فيقال مثلا، أن هذا التفكير صحيح، و هذا الاستدلال فاسد، فكيف يوصف التفكير بالصحة و الفساد؟. مع أن التفكير ليس مركبا من أجزاء و شرائط، بل قد تكون الفكرة بسيطة و مع هذا توصف بالصحة و الفساد، و يقال هذه فكرة صحيحة بلحاظ إيصالها إلى الواقع مثلا، و يقال هذه فكرة غير صحيحة بلحاظ عدم إيصالها إلى الواقع، و هكذا، فالصحة ليس معناها التمامية بل هو الوجدان للجهة المرغوبة، و الفساد عدم الوجدان للجهة المرغوبة، نعم الوجدان للجهة المرغوبة يكون بتمامية الأجزاء و الشرائط.

التعليق الثاني: إن الصحة سواء كانت بمعنى الواجدية أو التمامية، لا معنى لأن يقال، بأن الصحة معناها التمامية بلحاظ الشي‏ء ذاته- يعني بلحاظ تمامية أجزائه و شرائطه في نفسه- بل أن التمامية فضلا عن الواجدية، دائما تلحظ بالإضافة إلى شي‏ء آخر، ففي المقام يوجد شيئان: أحدهما يكون مقياسا للصحة و الفساد، و الآخر الموصوف بالصحة و الفساد، فيقال، هذا تام بالنسبة إلى المقياس، و ذاك غير تام، أمّا لو قطعنا النظر عن المقياس، فكل شي‏ء هو واجد لتمام أجزائه و شرائطه، إذ لا يعقل أن يكون الشي‏ء فاقدا لجزء ذاته أو لشرط ذاته بلحاظ ذاته، بل يعقل ذلك بلحاظ مقياسه.

فالاتصاف بالصحة و الفساد، لا يكون إلّا بالإضافة إلى المقياس، و على هذا، حينما تتصف الصلاة بالصحة و الفساد فلا بدّ من المقياس، و هو أحد

14

الأمور المذكورة- إمّا إسقاط الإعادة و القضاء، أو موافق للغرض، أو موافقة الأمر-، فقولنا الصلاة المشتملة على أجزائها و شرائطها صحيحة، ليس بلحاظ ذاتها، بل بلحاظ ما يتطلبه أحد العناوين المذكورة، فالصلاة صحيحة و تامة، بمعنى أنها مستجمعة لكل ما يحتاجه عنوان موافق للأمر مثلا، أو غيره من العناوين.

فالتمامية بحسب الحقيقة، يتحصل معناها بالإضافة إلى هذه المقاييس، و هذه المقاييس مقوّمة لهذه التمامية، لا أنها لوازم و آثار لهذه التمامية، و هذا معنى ما أفاده المحقق الأصفهاني‏ (1) من أن التمامية تتحصل بهذه العناوين، فلا وجه لما أورده السيد الأستاذ (2) من الإشكال عليه، بدعوى أن المقصود من التمامية، التمامية بلحاظ الأجزاء و الشرائط، فإن أردتم من التمامية، التمامية بلحاظ الأجزاء و الشرائط في نفسه، كان الجواب كل شي‏ء تام بلحاظ أجزاء نفسه، و إن كان مقصودكم شرائط ما كان موافقا للأمر أو غيره من العناوين، إذن فقد رجعنا مرة أخرى إلى عنوان موافق الأمر.

المقام الثاني:

إن العناوين المذكورة التي هي مقاييس للصحة، هي في الحقيقة عناوين منتزعة عن معنوناتها، فمثلا الصلاة الواجدة للأجزاء و الشرائط، ينتزع منها عنوان موافق الأمر و غيره من العناوين، فهذه عناوين منتزعة عن ذاك الفعل الكلي الواجد لتلك الخصوصيات، و في هذا المجال، القائل بالصحيح يتصور فيه احتمالان:

الأول: أن يكون مراده من الوضع للصحيح، وضع اسم الصلاة مثلا، لمنشا انتزاع هذه العناوين الذي هو الفعل الذي يكون مسقطا و موافقا و محصلا للغرض.

____________

(1) نهاية الدراية ج 1 ص 50.

(2) محاضرات فياض/ ج 1 ص 135.

15

الثاني: أن يكون مراده من الوضع للصحيح، الوضع لنفس هذه العناوين و لهذا الفعل بما هو معنون بهذا العنوان، بحيث أن عنوان موافق الأمر مثلا، دخيل في المسمّى، لا أنه معرّف و مشير إلى منشئه.

و الكلام حول الاحتمال الأول يأتي فيما بعد، أمّا الاحتمال الثاني ففيه تفصيل، و حاصله.

أن الدعوى المذكورة في هذا الاحتمال بلحاظ عالم التسمية و عالم الوضع دعوى معقولة، إذ ليس من المستحيل القول بأن لفظة الصلاة موضوعة لعنوان مسقط الإعادة مثلا، لكن بجب أن نتصور المسمّى بنحو يمكن تعلّق الأمر به، لأن الشارع حينما وضع لفظ الصلاة لمعناها، كان ذلك استطراقا للأمر بالصلاة، فلا بدّ و أن يكون المسمّى بالصلاة سنخ مسمّى يعقل تعلّق الأمر به بلا محذور بحسب عالم الأمر، و إلّا فلا يصح أن يكون مسمّى.

و من هنا يتضح أن اثنين من هذه العناوين و هما موافق الأمر، و مسقط الإعادة، لا يعقل تعلق الأمر بهما ابتداء، لأن كلا من هذين العنوانين يفترض وجود أمر في المرتبة السابقة، و لا ينتزع من الفعل إلّا في طول تعلق الأمر به، فكيف يعقل أن يكون موضوعا لذلك الأمر، فيلزم محذور الدور بلحاظ عالم الأمر.

و لهذا لا ينبغي أن يقال، بأن المسمّى بلفظ الصلاة، هو نفس عنوان المسقط، أو عنوان موافق الأمر.

نعم عنوان محصّل الغرض، حيث أنه ليس في طول الأمر، و إنما في طول الغرض، فيعقل تعلّق الأمر به، و يعقل أن يكون هو المسمّى.

و يتحصل من ذلك أن القائل بالصحيح مدعو إلى أن يصوّر سنخ مسمّى، يعقل تعلق الأمر به، و إمّا أن يختار الاحتمال الأول، و يقول، بأن اللفظ موضوع لمنشا انتزاع هذه العناوين، و هذه العناوين معرّفات و ليست دخيلة في التسمية فيكون أمرا معقولا، و إمّا أن يختار دخل نفس العنوان أيضا في‏

16

التسمية، و حينئذ ينحصر هذا العنوان الدخيل في محصّل الغرض، دون عنوان موافق الأمر و مسقط الإعادة، إذا لا يعقل أخذهما موضوعا للأمر.

المقام الثالث:

بعد أن اتضح معنى الصحة في المقام، نقول، بأن الصحة لها حيثيات متعددة، فإن الشي‏ء لا يكون صحيحا على الإطلاق، فمثلا الصلاة، لا تكون صحيحة على الإطلاق، إلّا إذا حفظ فيها تمام الأجزاء و الشرائط، و حفظ فيها قصد القربة و قصد امتثال الأمر، و حفظ فيها القيود اللبيّة، من قبيل قيد عدم النهي و عدم المزاحم، فيما إذا فرض عدم المزاحم شرطا في الصحة. و هنا نسأل الصحيحي، هل يشترط في المسمّى تمام هذه الحيثيات أو يشترط الصحة بلحاظ بعض الحيثيات دون البعض الآخر؟.

أمّا الأجزاء، فلا إشكال في كونها منظورة للقائل بالصحيح، لأن الصلاة ما لم تستجمع تمام الأجزاء لا يراها الصحيحي صلاة، و أما الشرائط فهل هي أيضا داخلة في منظوره بحيث يعتبرها مقوّمة كما اعتبر الأجزاء مقومة!؟.

الظاهر أن الأمر كذلك، لكن مقوّمية كل منهما بحسبه، فمقومية الجزء بنحو يكون القيد داخلا، و مقوّمية الشرط بنحو يكون التقيد داخلا مع خروج القيد.

و في هذا المجال نقل السيد الأستاذ (1) من تقريرات الشيخ (قده) إشكالا في المقام.

و حاصله أنه لا يعقل أن يدّعى دخل الشرائط في المسمى في عرض دخل الأجزاء فيه، لأن مرتبة الأجزاء و مرتبة الشرائط طوليتان، باعتبار أن مرتبة الأجزاء هي مرتبة المقتضي، و مرتبة الطهارة و الاستقبال هي مرتبة الشرائط،

____________

(1) محاضرات فياض/ ج 1 ص 136.

17

و هذه مرتبة متأخرة عن المرتبة الأولى، فكيف يعقل أخذهما معا في عالم التسمية في عرض واحد؟.

و أجاب السيد الأستاذ عنه، بأنهما و أن كانا طوليين، لكن لا مانع بأن يوضع اللفظ الواحد للأمرين الطوليين كما نسمي الأب و الابن معا بلفظ واحد، فكون الشرط في طول المقتضي بحسب عالم الخارج، لا ينافي كونه في عرضه في عالم التسمية، و في مقام الوضع نضع اللفظ لهما معا، و إن كان أحدهما في طول الآخر في عالم الخارج.

و هذا الكلام غريب منهما، فكأنهما تخيلا أن الشرط و المقتضي بينهما طولية، فوقع الكلام بينهم، في أنه هل يعقل الجمع بين الطوليين، أو لا يعقل الجمع بين الطوليين؟. و هذا خلط بين ذات المقتضي و ذات الشرط و بين تأثير المقتضي و تأثير الشرط، فإن ذات المقتضي و ذات الشرط لا طولية بينهما بل هما عرضيان، و قد يتفق أحيانا أن يكون الشرط أسبق زمانا من المقتضي، أ لا ترى، أن هذا الدواء مقتضي للأثر الفلاني في المزاج، لكن شرط ذلك، حرارة المناخ، فهل هناك ترتب طولي بين الحرارة و ما بين استعمال الدواء!. ليس هناك ترتب طولي بينهما، و إنما الترتب الطولي بين تأثير المقتضي و تأثير الشرط، كالقابلة بالنسبة إلى الحامل، فوظيفة الشرط تتميم فاعلية الفاعل أو قابلية القابل، فدور الشرط دور المساعد في إخراج المقتضى من مقتضيه، فالطولية بين التأثيرين لا بين ذات المقتضي و ذات الشرط. إذن فذات فاتحة الكتاب مع ذات الطهارة ليس بينهما طولية حتى يقع الكلام في مسألة الوضع لأمرين طوليين، فلا ينبغي الاستشكال في أن الشرائط أيضا داخلة في منظور القائل بالصحيح.

و أما قصد القربة، و قصد الأمر، فإن قيل بأنه لا يعقل أخذه في متعلق الأمر، حينئذ لا ينبغي أن يقال بدخل قصد القربة في المسمّى، لما بيناه في المقام السابق، من أن الصحيحي مدعو إلى أن يصوّر سنخ مسمّى يعقل تعلق الأمر به، لأن التسمية إنما كانت استطراقا إلى الأمر بالشي‏ء، فإذا لم يكن‏

18

معقولا تعلق الأمر بقصد الأمر، فلا يعقل أخذ قصد الأمر في المسمّى، و أمّا إذا قلنا بأنه يعقل أخذ قصد الأمر أو قصد القربة في متعلق الأمر، فلا بأس بأن يكون هذا أيضا محلا لنظر الصحيحي.

و أمّا الشروط اللّبية، من قبيل عدم النهي و عدم المزاحم، على فرض كون عدم المزاحم دخيلا في الصحة، هنا عدم المزاحم و عدم النهي، تارة يضاف إلى المسمّى، فيقال عدم المزاحم عن الصلاة و عدم النهي عن الصلاة، ففي هذه الحالة لا يعقل أخذه في المسمّى، لأن هذا فرضه فرض تمامية المسمّى في المرتبة السابقة، و تارة أخرى لا يضاف إلى المسمّى بما هو مسمّى، بل يضاف إلى ذوات الأجزاء، حينئذ يعقل دخله في منظور الصحيحي، فكما يعقل أن يقول الصحيحي، أن اسم الصلاة، موضوع لفاتحة الكتاب و الركوع و السجود المقرون بالطهارة و الاستقبال، يقول أيضا، و المقرونة بعدم المزاحم للركوع و السجود، و بعدم النهي عن الركوع و السجود، فلو كان هناك نهي عن السجود لا يكون هذا صلاة

هذا أيضا يكون أمرا معقولا و يعقل أخذه في دائرة التسمية. هذا هو الكلام في المقام الثالث و بهذا تم البحث في الجهة الثانية.

19

الجهة الثالثة في تصوير الجامع‏

و الكلام في ذلك يقع في مقامين:

المقام الأول: في تصوير الجامع على الصحيحي.

و المقام الثاني: في تصوير الجامع على الأعمي.

المقام الأول:

قد يستشكل في تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة، فيقال بأن تصوير هذا الجامع لا يخلو من إحدى احتمالات أربعة و كلها غير معقولة.

الاحتمال الأول: أن يكون الجامع المتصور على الصحيحي، جامعا تركيبيا، بحيث يكون الجامع عبارة عن مجموعة من الأجزاء و الخصوصيات، فنقول مثلا، الفعل الذي يكون مشتملا على فاتحة الكتاب و الركوع و السجود و التشهد يكون جامعا، و هذا الجامع غير معقول، لأن أي مركب نفرضه، فهو قد يتصف بالصحة و قد يتصف بالفساد، و لا يتعقل فرضه متمحضا بالصحة دائما و في جميع الحالات، فلو أخذنا أتم المركبات فإنها تتصف بالفساد فيما إذا صدرت في غير موقعها، كالصلاة التامة لو صدرت من المسافر تكون فاسدة، إذن فأي مركب نفرضه قد يتصف بالصحة، و قد يتصف بالفساد، فكيف يعقل فرض الجامع التركيبي الذي يكون جامعا صحيحيا على الإطلاق؟. فهذا الاحتمال ساقط.

20

الاحتمال الثاني: أن يكون الجامع عنوانا بسيطا منطبقا على الصلوات الخارجية انطباق الذات على فرده بحيث يكون كل فرد من أفراد الصلاة الصحيحة، مصداقا لذلك الجامع الذاتي، على حدّ مصداقية «زيد و عمر» بالذات لجامع الإنسان. و هذا أيضا أمر غير معقول، لأن هذا الفرد من الصلاة الصحيحة، هل يكون مصداقا لذلك الجامع الذاتي بعد طرو نحو وحدة عليه، بحيث توحّد أجزاءه و تكسبه لون الوحدة؟. أو أن هذا الفرد بما هو متكثر من ركوع و سجود و غير ذلك يكون مصداقا لذلك الجامع الذاتي البسيط؟. فإن قيل بالأول فهو خلف، لأن معنى ذلك، أنه ليس مصداقا بالذات لذلك الجامع، بل مصداقا بالعرض لأنه ينتظر به أن يكسب نحو وحدة من الخارج ليكون مصداقا لذلك الجامع، فيكون الجامع جامعا عرضيا، فهذا خلف فرض الجامع جامعا ذاتيا. و إن قيل بالثاني فهو مستحيل، لأن الفرد الكثير بما هو كثير و قبل أن يكسب نحو وحدة اعتبارية، لا يكون مصداقا للبسيط بما هو بسيط. فالاحتمال الثاني أيضا ساقط.

الاحتمال الثالث: أن يكون الجامع جامعا بسيطا. كالثاني و لكنه ليس ذاتيا بالمعنى المصطلح في كتاب الكلّيات، بل هو أمر انتزاعي و من لوازم الماهية، و هو المسمّى عندهم بالذات في كتاب البرهان بحيث يكون هذا الجامع نسبته إلى الأفراد الخارجية للصلاة، نسبة عنوان الزوج إلى الأربعات.

فهذا الاحتمال يفترض أن يكون الجامع الصحيحي جامعا انتزاعيا بسيطا، و يكون من لوازم الماهية على حد الإمكان الذي هو من لوازم الإنسان.

و هذا المطلب أيضا يبرهن على استحالته فإنّ لازم الماهية معلول لتلك الماهية لأن كل لازم معلول لملزومه، و في المقام، الصلاة مركبة من ماهيات متعددة و متغايرة، كماهية السجود و الركوع و غيرها، فلو كان هناك أمر بسيط يكون جامعا و لازما ذاتيا لهذه الصلاة، إذن يلزم من ذلك أن يكون هذا الأمر البسيط معلولا لمجموع هذه الماهيات لأنه لازم لها، و على هذا يلزم معلولية

21

البسيط للمركب، و معلولية البسيط للمركب مبرهن على استحالتها، فهذا الاحتمال أيضا ساقط.

الاحتمال الرابع: أن يكون هذا الجامع الصحيحي، جامعا انتزاعيا بسيطا، و لا يكون من لوازم الماهية، بل يكون منتزعا عن الصلاة لا بلحاظ ذاتها، بل بلحاظ جهة عرضية قائمة بها، من قبيل عنوان الأبيض، الذي هو منتزع عن الجسم بلحاظ جهة عرضية و هي البياض.

و هذا الاحتمال ساقط في المقام، و ذلك لأن لازمه أن هذا الفرد من الصلاة الذي بدئ به بالتكبير و ختم بالتسليم لا يستحق اسم الصلاة إلّا في مرتبة متأخرة عن مرتبة ذاته، و هي مرتبة عروض تلك الجهة الخارجية عليه، بحيث لو انضم ذلك النفس الملائكي إلى هذا الفرد لاستحق عنوان الصلاة، مع أنه من المعلوم حسب ارتكاز المتشرعة أن هذا الفرد الذي ترتبت أموره حسب المقرّرات الشرعية، هو صلاة بما هو هو من دون حاجة إلى أن يلحظ انضمام أمر عرضي خارجي إليه، فهذا الاحتمال أيضا ساقط.

و بهذه الصيغة، يبرهن على الجامع الصحيحي، لأنه لا يخلو من واحدة من الاحتمالات الأربعة المتقدمة فإذا بطل الكل بطل تصوير الجامع. هذه هي الصيغة الفنية في تقرير ابطال الجامع و هذه الصيغة لها أجوبة و تخلصات أهمها تخلصان، و أحد هذين التخليصين هو المختار، و الثاني للمحقق الخراساني (قده) (1).

____________

(1) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 58.

22

التخلص المختار

و هو أن نقول، بأن هذا الجامع نفرضه جامعا تركيبيا و ليس عنوانا بسيطا، و عويصة الإشكال على تصوير هذا الجامع التركيبي، نشأت من نقطة، و هي: أن كل جزء من الأجزاء هل هو مأخوذ في هذا الجامع التركيبي أو ليس مأخوذا؟. فإذا أخذنا فاتحة الكتاب في هذا الجامع إذن أخرجنا صلاة الأخرس مع أنها صحيحة، و إذا لم نأخذ فاتحة الكتاب أخرجنا صلاة غير الأخرس الذي أسقط الفاتحة، مع أنها باطلة، و إذا لم نأخذ الصلاة الوضوئية بالخصوص، بل الجامع بين الصلاة الوضوئية و الصلاة الترابية، فحينئذ، ندخل المتيمم و الماء أمامه مع أن صلاته باطلة.

و هذه النقطة نشأت من الالتفات إلى جانب الوجود، و أخذه بنحو لا يقبل التجزئة و التحليل، فكأنه يوجد أمران، إمّا أن نأخذ الفاتحة، أو لا نأخذ الفاتحة، و حيث أن ارتفاع النقيضين مستحيل، إذن فكل من الشقين يلزم عليه إشكال، بينما يمكن في المقام، التجزئة و التحليل، بحيث يندفع هذا الإشكال.

و حاصل الدفع، أن الجزء- الفاتحة- من طرف الوجود، و إن كان وجوده أمرا واحدا، و لكن هذا الوجود الواحد، له أنحاء من العدم، فتارة تنعدم الفاتحة انعداما نسيانيا، و أخرى تنعدم انعداما اضطراريا، و ثالثة تنعدم انعداما

23

اختياريا، و هكذا أيّ جزء آخر أو شرط يمكن تحليله إلى حصص متعددة باعتبار حالات الترك و دواعيه.

و حينئذ، بناء على هذا، يقال بأن الجامع الصحيحي، هو عبارة عن الفعل المركب، الذي لا يصدق عليه انعدامات معينة، و الذي نضيّقه بلحاظ حصص العدم، لا بلحاظ الوجود، فنقول مثلا المركب الذي لا يصدق عليه الفقدان الاختياري لفاتحة الكتاب، و حينئذ إذا فرض أن الإنسان ترك الفاتحة و هو أخرس، أو و هو ناس، يصدق على صلاته أنها مركب ليس فاقدا فقدا اختياريا للفاتحة، و الإنسان المختار الذي يأتي بالفاتحة، أيضا يصدق على فعله أنه مركب، ليس فاقدا فقدا اختياريا للفاتحة، و بهذا يمكن جمع الأفراد الصحيحة كلها، و إخراج الفرد الباطل، عن طريق تضييق هذا الجامع التركيبي، بلحاظ حصص العدم، لا بلحاظ الوجود، فبدلا من النظر إلى طرف الوجود، ننظر إلى طرف العدم، فتكون هناك حصص عديدة للعدم، فأيّ حصة من العدم حكم معها في الرسالة العملية بالبطلان، نقول بأن الجامع التركيبي ضيّق، بأن لا يكون واجدا لتلك الحصة من العدم، و أيّ حصة من العدم لا تضر بصحة الصلاة، لا يضيّق هذا الجامع التركيبي من ناحيتها، فهذا جامع تركيبي معقول لا إشكال عليه، و هذا هو الجامع الصحيحي، و هذا هو الصحيح في تصحيح الجامع، و دفع هذه العويصة.

24

تطبيقات‏

بيّنا سابقا، النكتة التي أمكن بها تصوير الجامع التركيبي على الصحيحي، بحيث يشمل الأفراد الصحيحة، و لا يشمل شيئا من الأفراد الفاسدة، و لتوضيح جامعية هذا الجامع، لا بد من تطبيقه على كل جزء جزء من أجزاء الصلاة، و بهذا الصدد يمكن تقسيم أجزاء الصلاة و شرائطها إلى خمسة أقسام:

القسم الأول:

أن يكون الجزء أو الشرط، دخيلا بنحو الركنية على الإطلاق، بحيث لا يتصور مع فقده صحة العمل العبادي أصلا، من قبيل، قصد القربة و إسلام المصلي، و في هذا القسم لا تتأتى عويصة الإشكال في الجامع، لأنه لا محذور في أخذ هذا الجزء أو الشرط في المركب جزءا أو شرطا، لفرض أن كل فعل فاقد له ليس بصحيح و لا يلزم من أخذه محذور إخراج بعض الأفراد الصحيحة.

القسم الثاني:

أن يكون للجزء أو للشرط بدل عرضي تخييري، بحيث أن المكلف، إن شاء فعل هذا، و إن شاء فعل ذاك، من قبيل فاتحة الكتاب و التسبيحات، أو من قبيل الغسل و الوضوء، بناء على أن كل غسل يغني عن الوضوء، و في هذا

25

القسم لا تتأتى عويصة الإشكال، لأنه بالإمكان أخذ الجامع بين البدل و المبدل جزءا في المركب التركيبي، و لا محذور في ذلك، لأن واجد الجامع صحيح دائما، و فاقده بعد فرض الركنية فاسد دائما.

القسم الثالث:

أن يكون للجزء أو للشرط بدل عرضي معيّن و ليس تخييريا، بمعنى أن المكلف له إن شاء أتى بهذا، و إن شاء أتى بذاك، بل هذا في حالة، و ذاك في حالة أخرى، من قبيل الغسل و الوضوء، بناء على أن الغسل وظيفة المحدث بالأكبر، و الوضوء وظيفة المحدث بالأصغر، فلو كان محدثا بالأصغر، تعيّن عليه الوضوء، فإذا صلّى مع الغسل كانت صلاته باطلة، و إن كان محدثا بالأكبر، تعيّن عليه الغسل فلو صلّى مع الوضوء كانت صلاته باطلة، و كذلك من قبيل عدد الركعات في الصلوات الرباعية، فإذا صلى المسافر أربعا، بطلت صلاته، لأن وظيفته التقصير، و إذا صلّى الحاصر مقصّرا، بطلت صلاته، لأن وظيفته التمام.

و من هذا القسم يبدأ الإشكال، لأن عويصة الإشكال، تتصور بما يلي:

هل نأخذ في الجامع التركيبي الغسل خاصة دون الوضوء، أو الوضوء خاصة دون الغسل؟. إذن فقد خرجت الصلاة الأخرى الصحيحة، لأنه إذا أخذ الغسل خاصة، فصلاة المحدث بالأصغر مع الوضوء قد خرجت عن الجامع التركيبي، و إذا أخذ الوضوء خاصة، إذن صلاة المحدث بالأكبر مع الغسل قد خرجت أيضا، و إن أخذنا الجامع بين الغسل و الوضوء كما فعلنا في القسم الثاني، فهذا لا يصح، لأن الجامع ينطبق على وضوء المجنب المحدث بالأكبر مع أن صلاته باطلة، و كذلك الحال بالنسبة للمحدث بالأصغر، لو أوجد الجامع في ضمن الغسل، إذن إن أخذ هذا البدل بالخصوص، أو هذا البدل بالخصوص، فلا ينطبق الجامع التركيبي على الفرد الآخر الصحيح، و إن أخذ الجامع ما بين البدلين العرضيين التعينيين، إذن يلزم انطباق الجامع التركيبي على الفاسد أحيانا، هذه هي عويصة الإشكال في هذا القسم.

26

و الجواب على ذلك: أن نأخذ الجامع كما فعلنا في القسم الثاني، و نقول، أن المأخوذ في الجامع التركيبي، هو الجامع بين الغسل و الوضوء، و لكنه ليس بين كل غسل و كل وضوء، بل الجامع بين الغسل المسبوق بالحدث الأكبر، و الوضوء المسبوق بالحدث الأصغر، فالجامع المأخوذ في الجامع التركيبي، هو الجامع بين هاتين الحصتين من الغسل و الوضوء، و هذا الجامع ينطبق على الصحيح دائما، و لا ينطبق على الفاسد أصلا، فإن المحدث بالأصغر الذي صلّى مع الوضوء صلاته صحيحة، و ينطبق عليه الجامع، و إن صلى المحدث بالأكبر مع الغسل، كذلك صلاته صحيحة، و ينطبق عليه الجامع، و لو عكس أحدهما، فصلّى المحدث الأكبر مع الوضوء، أو صلّى المحدث بالأصغر مع الغسل، لم ينطبق عليه الجامع، لأن هذا الجامع ليس جامعا بين الغسل على الإطلاق و الوضوء على الإطلاق، بل هو جامع بين حصتين من الغسل و الوضوء، و هذا المحدث بالأصغر إذا اغتسل و صلّى إذن فهو لم يأت بالجامع، لا في ضمن الغسل الخاص، لأنه غسل غير مسبوق بالجنابة و لا في ضمن الوضوء الخاص، لأنه لم يتوضأ، إذن فتكون صلاته باطلة.

و كذلك الحال في مسألة العدد، نقول أن الدخيل في الجامع التركيبي هو الجامع بين اثنين و أربعة، لكن ليس كل اثنين و كل أربعة، حتى يقال، إذن لو صلّى المسافر أربعة و الحاضر اثنتين ينطبق عليه الجامع مع أن صلاته باطلة!، بل اثنتين مقرونة بالسفر و أربعة مقرونة بالحضر، إذن فالجامع يصير صحيحا على الإطلاق، و بهذا تنحل عويصة الإشكال في القسم الثالث.

القسم الرابع:

أن يكون للجزء بدل، لكنه ليس عرضيا، بل هو بدل طولي، كما إذا فرض في المقام، أن هذا الجزء على تقدير تعذره ينتقل إلى بدل منه، من قبيل التيمم مع الوضوء، و قراءة فاتحة الكتاب مع إشارة الأخرس، أو الركوع القيامي مع الركوع الجلوسي، و مع الركوع الإيمائي، ففي مثل ذلك أيضا

27

يمكن حل العويصة، بما حلّت به في القسم الثالث، بأن نقول، أن الجزء الدخيل في الجامع التركيبي هو عبارة عن الجامع ما بين الركوع القيامي و الركوع الجلوسي، فإن قيل بأن هذا الجامع قد ينطبق على الفاسد، كما لو ركع المختار ركوعا جلوسيا، نقول بأن الجامع نقيّده في مقام الانتزاع، فيكون جامعا بين الركوع القيامي المقرون بالقدرة، و الركوع الجلوسي المقرون بالعجز، فالمريض إذا صلّى من جلوس و الصحيح إذا صلى من قيام، كلاهما مصداق للجامع، لكن الصحيح إذا صلّى من جلوس فهذا ليس مصداقا للجامع، لأن الجامع لم يوجد لا في ضمن الركوع القيامي، حيث لم يؤت بالركوع القيامي، و لا في ضمن الركوع الجلوسي المقرون بالمرض.

فروح هذا القسم الرابع، هي روح القسم الثالث، حيث يرجعان بحسب الحقيقة، إلى القسم الثاني الذي لا إشكال فيه في أخذ الجامع بين البدلين العرضيين جزءا للواجب، كذلك هنا، يؤخذ الجامع بين البدل و بدله الاضطراري جزءا للواجب، غاية الأمر، أنه جامع بينهما، بعد تخصيصهما لا على وجودهما الإطلاقي، إذن لا إشكال في هذا القسم.

القسم الخامس:

ما إذا فرض أن هذا الجزء أو الشرط، تصح الصلاة بدونه أحيانا بلا بدل أصلا، كما هو الحال في الجزء الذي يسقط بسبب التقية، فمثلا لو أسقط بسملة الفاتحة بسبب التقية، فصلاته صحيحة، و ليس هنا بدل عرضي و لا بدل طولي.

و التخلص هنا من العويصة، أشكل منه في الأقسام السابقة، فهل الدخيل في المركب هو البسملة بالخصوص؟. إذن الذي أسقط البسملة بسبب التقية، صلاته صحيحة، مع أنّ الجامع لا ينطبق عليه، أو أن الدخيل في المركب هو الجامع!. إذ ليس هناك من بدل للبسملة حتى يتأتى الجامع.

فإن قيل الجامع بين البسملة و التقية، يقال بأن هذا ليس صحيحا، لأن‏

28

التقية ليست جزءا من أجزاء الصلاة، و لا شرطا من شروطها، إذ أن التقية حالة خارجية، و ليست جزءا، أو فعلا من أفعال المكلف، حتى يؤخذ الجامع ما بين البسملة و التقية، من هنا أصبح هذا القسم أكثر عويصة من سابقيه، و في هذا المجال يمكن التخلص من الإشكال بإحدى صيغتين.

أ- الصيغة الأولى: أن يقال، بأن الجامع التركيبي الملحوظ في المقام، لا يؤخذ فيه البسملة بعنوانها، حتى يقال إذن لا ينطبق على صلاة التقية، و لا يؤخذ فيه الجامع بين البسملة و شي‏ء آخر، إذ لا شي‏ء آخر مثلا، و لكن يقال أن هذا الجامع التركيبي أخذ فيه هذا الوصف، و هو: أن لا يكون هذا الجامع التركيبي فاقدا فقدا اختياريا للبسملة، و بهذا أصبح مركبا جامعا مانعا، لأنّ من يصلي بلا تقية، و يسقط البسملة، فهذا مركب فاقد فقدا اختياريا للبسملة، فلا ينطبق عليه الجامع، و من يصلي التقية و يسقط البسملة، فهذا مركب يصدق عليه أنه ليس فاقدا فقدا اختياريا للبسملة. إذن فهذا جامع، يشمل الصلاة الصحيحة بكلا شكليها، في حال الاختيار، و في حال الاضطرار، و لا ينطبق على المختار لو أسقط البسملة عصيانا، و بهذه الصيغة يندفع الإشكال في هذا القسم.

ب- الصيغة الثانية: أن يقال، بأن المأخوذ في الجامع التركيبي، الجامع ما بين البسملة و تقيّد الصلاة بالتقية، و التقيد فعل من أفعال المكلف، و يقع تحت الأمر في باب الشروط، و هذا الجامع يعقل جزئيته بنحو التخيير، بمعنى أنه جامع بين وجود البسملة، و بين فقدها المقرون بالتقيّد مع التقية، و أما الذي لا يعقل جزئيته، هو الجامع ما بين البسملة، و نفس التقية، لأنها ليست فعلا من أفعال المكلف، و لكن التقيد بالتقية يعقل أن يكون جزءا في الصلاة، كما كان التقيد بالطهارة جزءا فيها.

و بهذه الصيغة يندفع الإشكال في هذا القسم. و بذلك يكون الجامع التركيبي على الصحيحي معقولا في تمام الأقسام الخمسة، و يعقل للصحيحي أن يقول بأن الواضع وضع اللفظ للصحيح.

29

تخلّص المحقق الخراساني:

صار واضحا أن تصوير الجامع على الصحيح بمكان من الإمكان، إلّا أن المحقق الخرساني‏ (1). سلك مسلكا آخر في دفع عويصة الإشكال، فاختار تصوير الجامع على الصحيح، إلّا أن الجامع الذي تصوّره جامع بسيط، منتزع عن الأفراد الصحيحة المختلفة في أجزائها و شرائطها، و بيّن في توضيح إثبات جامعه، ما يرجع حاصله إلى مقدمتين:

المقدمة الأولى:

إن المستفاد من الأدلة الشرعية، أن الصلوات الصحيحة على اختلاف أجزائها و خصوصياتها، تشترك جميعها في أثر واحد نوعي، من قبيل الانتهاء عن الفحشاء و المنكر، و هذا الأثر نثبته بالدليل الشرعي، بما ورد في الكتاب و السنة من أن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر.

المقدمة الثانية:

بعد أن ثبت اشتراك تمام الصلوات الصحيحة في أثر واحد نوعي، نثبت بالبرهان العقلي أنه لا بدّ من فرض جامع بين هذه الصلوات، و أن هذا الجامع هو المؤثر في ذلك الأثر، ببرهان أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد. و حيث أن الأثر واحد، فيلزم أن يكون المؤثر واحدا، إذ لو كان المؤثر متعددا، بحيث أن كل صلاة صحيحة، مؤثرة بخصوصيتها في ذلك الأثر، للزم تأثير الكثير في الواحد، و صدور الواحد من الكثير، و هو مستحيل.

إذن لا بدّ من فرض أن مؤثرية هذه الأفراد الصحيحة، إنما هو باعتبار اشتراكها في جامع واحد نوعي، و هذا الجامع لا بدّ و أن يكون بسيطا، لما بيّن من استحالة الجامع التركيبي. و بهذا ينتهي صاحب الكفاية، إلى جامع بسيط بين الأفراد الصحيحة، و من الواضح أن مقصوده بهذا الجامع البسيط ليس‏

____________

(1) حقائق الأصول/ ج 1 ص 58.

30

العنوان البسيط الانتزاعي، بلحاظ جهة عرضية خارجية، كما هو الحال في الاحتمال الرابع من الاحتمالات المتقدمة عند تصوير عويصة الإشكال، إذ لو كان مقصوده هذا لأمكن الاكتفاء بالمقدمة الأولى فقط، إذ بمجرد كون الصلوات تشترك في أثر واحد نوعي، حينئذ، يمكن انتزاع هذا الجامع عن الصلوات، بلحاظ ترتب هذا الأثر عليها، بلا حاجة إلى ضم قانون أنّ الواحد لا يصدر إلّا من واحد، فمن هنا يعرف أن مراده من الجامع جامع بسيط ذاتي، ينطبق على الصلوات، لا في طول ترتب الأثر بل في مرتبة سابقة على ترتب الأثر، بحيث أن هذا الجامع هو علة الأثر و المؤثر للأثر.

فمقصوده عنوان بسيط ذاتي، إمّا ذاتي في كتاب الكليّات، أو الذاتي في كتاب البرهان، فمراده هو الاحتمال الثاني، أو الثالث، من الاحتمالات الأربعة التي تقدمت في عويصة الإشكال. و قد اعترضوا على هذا الكلام باعتراضات نذكر أهمها.

الاعتراض الأول:

إن الواحد على ثلاثة أقسام: واحد بالشخص، و واحد بالنوع، و واحد بالعنوان.

و المقصود من الواحد بالشخص، الواحد بالعدد، بمعنى شخص واحد من قبيل زيد، و المقصود من الواحد بالنوع النوع الواحد أي ماهية نوعية واحدة، مشتركة في ذاتياتها، و هذه الذاتيات محفوظة في تمام أفرادها من قبيل ماهية الحرارة، فإن ماهيتها ليست واحدا بالشخص، لأنها كثيرة بالعدد، و لكنها واحدة بالنوع، و المقصود من الواحد بالعنوان، وحدة العنوان الانتزاعي المنطبق على أفراد متعددة، و إن كانت هذه الأفراد متعددة عددا و ماهية، من قبيل عنوان الطويل، فقد يصدق على النخيل، و قد يصدق على الحيوان، و قد يصدق على الإنسان، فهذا واحد بالعنوان، يجمع أفراد مختلفة و متكثرة عددا و نوعا.

31

و حينئذ قالوا، بأن قاعدة أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد، هي إمّا مختصة بالواحد بالشخص و لا تجري في الواحد بالنوع فضلا عن الواحد بالعنوان، و إمّا أن يبنى على جريانها في الواحد بالشخص، و الواحد بالنوع، فيقال، أن الواحد بالشخص لا يصدر إلّا من واحد بالشخص، باعتبار لزوم السنخية بين العلة و المعلول، و الواحد بالنوع لا يصدر إلّا من واحد بالنوع لذات السبب، و أمّا الواحد بالعنوان، لا تجري فيه القاعدة، لأن الواحد بالعنوان لا يلزم أن يكون صادرا من الواحد، لا بالشخص، و لا بالنوع، و لا بالعنوان، فإن مرجع كونه واحدا بالعنوان، إلى قيام عنوان انتزاعي في تمام هذه الأفراد.

و من الواضح، أن العنوان الانتزاعي، قد ينتزع من الحقائق المتباينة و الوجودات المتخالفة بحسب الخارج، و ليس نسبة العنوان الانتزاعي إلى منشأ انتزاعه، نسبة المعلول إلى العلة، حتى تطبق عليه القاعدة، فإن هذا العنوان ليس له وجود آخر منحاز عن منشأ انتزاعه، بل منتزع عن حقائق متخالفة، قد يكون لها علل متخالفة أيضا في تمام ذواتها.

نعم لو أرجعنا باب الانتزاع، إلى باب العليّة، و قلنا أن نسبة العنوان الانتزاعي إلى منشأ الانتزاع دائما، هي نسبة المعلول إلى العلة، لأمكن تطبيق القاعدة على الواحد بالعنوان، فيقال بأن هذه المعلولات، إذا كانت واحدة بالعنوان، فهذا معناه، أنها جميعا لها معلول واحد، و هو العنوان الانتزاعي، و هذا يكشف عن وحدة ذاتية نوعية فيها، فيلزم وجود وحدة ذاتية نوعية في العلل، لكن بعد التمييز بين باب الانتزاع، و باب العلية، لا ينبغي تطبيق القاعدة على الواحد بالعنوان.

و بالتطبيق نقول، إن الأثر الواحد المترتب على الصلوات الصحيحة، ليس واحدا بالشخص، و لا واحدا بالنوع، بل هو واحد بالعنوان، لأن النهي عن الفحشاء و المنكر، عنوان انتزاعي من أنحاء من الكمالات، و الاستمساكات، بعروة الشريعة في المجالات المختلفة، و حينئذ لا يوجد أثر

32

واحد بالشخص، و لا بالنوع، و إنما أثر واحد بالعنوان، و المفروض أن القاعدة لا تطبق على الواحد بالعنوان، و عليه فلا محذور في فرض عدم الجامع، و فرض تباين الصلوات الصحيحة تباينا ذاتيا، لأنه لا يلزم من ذلك صدور الواحد بالنوع، أو بالشخص، من الكثير بالنوع أو بالشخص.

الاعتراض الثاني:

و هذا الاعتراض أورده السيد الأستاذ (1)، و حاصله أنه لا يمكن في المقام فرض أن المؤثر في هذا، الأثر الوحداني هو الجامع، لأنّ معنى فرضه كذلك، هو أن خصوصية كل فرد من الأفراد الصحيحة، غير دخيل في الأثر، كما هو الحال في سائر الموارد، فحينما يقال، أن الإحراق مستند إلى جامع النار، فمعنى هذا، أن خصوصية هذه النار و كونها على الطين، لا دخل لها في الإحراق، و إنما منشأ الإحراق هو جامع النار و طبيعتها المحفوظة في ضمن الحصص، و هذا غير صحيح في باب الصلاة فإن في باب الصلاة، لا معنى لأن يقال، بأن المؤثر في النهي عن الفحشاء و المنكر، هو الجامع بين صلاة الحاضر و صلاة المسافر، إذ معنى هذا، أن خصوصية صلاة المسافر من جعل التسليم عقيب الركعة الثانية، و خصوصية صلاة الحاضر من ضم الركعة الثالثة و الرابعة، لا دخل لها في التأثير في الأثر، مع أنه لا إشكال في أن لها تمام الدخل في صحة الصلاة و صيرورتها ناهية عن الفحشاء و المنكر.

فصاحب الكفاية إن أراد تصوير جامع بحيث يكون هو علة التأثير، مع سلخ الخصوصيات عن هذا التأثير، فهو غير صحيح، للقطع بأن للخصوصيات دخلا في التأثير، و أن أراد تصوير جامع من دون أن يكون هو المؤثر، إذن كيف يبرهن عليه بقانون أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد؟.

و هذا الاعتراض ليس بشي‏ء، لأن صاحب الكفاية، يقول، بأن المؤثر ليس هو المركب بما هو مركب، بل هو العنوان البسيط الانتزاعي الثابت في‏

____________

(1) محاضرات فياض/ ج 1 ص 144- 145.

33

المرتبة السابقة على ترتب الأثر، و المستكشف بقانون أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد، و المؤثر ليس هذا المركب بالخصوص، و لا هذا المركب بالخصوص، نعم العنوان البسيط المؤثر هم منتزع عن صلاة المسافر بخصوصياتها، و عن صلاة الحاضر بخصوصياتها المقوّمة لانتزاع ذلك العنوان البسيط.

فإن أردتم بدعوى دخل الخصوصيات، أن هذه الخصوصيات التركيبية لصلاة المسافر و لصلاة الحاضر دخيلة في الأثر، فهذا ينكره صاحب الكفاية، لأنه يقول بأن المؤثر هو الجامع البسيط لا الجامع التركيبي، و إن أردتم بهذه الدعوى أن تمام الخصوصيات دخيلة باعتبار مقوّميتها لانتزاع ذاك العنوان البسيط، فهذا صحيح، لكنه لا ينافي مؤثرية العنوان البسيط، إذ يوجد مركبات مختلفة في خصوصياتها، و كل واحدة من هذه المركبات بخصوصيتها، لها دخل في انتزاع ذلك العنوان، ثم ذلك العنوان البسيط هو المؤثر في الأثر الوحداني، و هو النهي عن الفحشاء و المنكر، فلا يلزم في المقام محذور.

المقام الثاني: في تصوير الجامع على الأعمي:

بعد الفراغ من تصوير الجامع على الصحيحي يقع الكلام في تصوير الجامع على الأعمي، و قد أفاد صاحب الكفاية (1)، أن تصوير الجامع على الأعمي في غاية الإشكال، و وجه هذا الإشكال، هو أن هذا الجامع، إمّا أن يكون جامعا بسيطا، أو جامعا مركبا، فهنا احتمالان:

الاحتمال الأول:

أن يكون جامعا بسيطا، على حدّ الجامع البسيط الذي ادعاه المحقق الخراساني في الصحيحي‏ (2)، و لكن لا يوجد هنا أثر مشترك بين الصلوات‏

____________

(1) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 60.

(2) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 58.

34

الصحيحة و الفاسدة حتى يستكشف من وحدة الأثر وحدة المؤثر، فإن الصلاة الفاسدة لا دليل على أنها موضوع للتأثير، و لو اقتضاء، فضلا عن كونها موضوعة للتأثير بنحو العلية التامة.

و على هذا لا يمكن استكشاف الجامع البسيط، ببرهان أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد، فمن هنا استشكل في الجامع البسيط على الأعمي، مع أنه تصوره على الصحيحي.

الاحتمال الثاني:

أن يكون الجامع الأعمي مركبا، بحيث تؤخذ. و يقال أنها متى ما حفظت، فالجامع محفوظ في ضمنها.

و هذا الاحتمال الثاني يتصور على نحوين، فإنه تارة تؤخذ أجزاء معينة بذواتها، من قبيل الأركان الخمسة، و يقال بأنها هي القدر الجامع، فمتى ما وجدت، فالصلاة موجودة، و متى ما فقد شي‏ء منها، فالصلاة معدومة، و تارة أخرى يؤخذ مقدار من الأجزاء معين عددا لا ذاتا، بأن يؤخذ سبعة من عشرة أجزاء، لكن لا بعينها، و يقال، بأن الجامع هو سبعة فمتى ما كان الفعل مشتملا على سبعة أجزاء، فالجامع محفوظ، و إذا نقص عن سبعة، فالجامع غير محفوظ.

و يرد على الجامع التركيبي بكلا احتماليه من قبل صاحب الكفاية، بأن هذا لازمه أن إطلاق لفظ الصلاة على الصحيحة التامة الأجزاء و الشرائط، يكون إطلاقا عنائيا مجازيا من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل، لأن لفظة الصلاة موضوعة للجامع التركيبي بحسب الفرض، و الجامع التركيبي هو الأركان الخمسة، و حينئذ هذا الجامع قد أخذ لا بشرط و مطلقا من ناحية انضمام سائر الأجزاء إليه، ففي حالة الانضمام تكون سائر الأجزاء أجنبية و زائدة على الجامع و على المسمّى، فيكون إطلاق لفظ الصلاة على المجموع المركب من الأركان الخمسة و غيرها، إطلاقا مجازيا.

و الإشكال الوارد من صاحب الكفاية، في الاحتمال الأول على كون‏

35

الجامع بسيطا على الأعمي، هو غير صحيح، بمعنى أننا لو قبلنا جامعه البسيط على الصحيحي لأمكن تصويره هنا أيضا، لكن بتغيير صيغة هذا الجامع من القضية التنجيزية إلى القضية الإجمالية و الإبهامية، و ذلك لأن كل صلاة من الصلوات الفاسدة، تكون صحيحة في زمان ما، و من فاعل ما، إلّا تلك الصلاة التي فقدت أركانها، و إلّا الصلاة بدون قراءة، صحيحة من الأخرس، و الصلاة بدون تشهد، صحيحة من ناسيه، و هكذا، فالصلوات الفاسدة كلها، بمقدار ما يكون تحت النظر للقائل بالأعم، تكون صحيحة في زمان ما، و معنى ذلك أن الجامع البسيط الذي استكشفه صاحب الكفاية بين الأفراد الصحيحة، بقانون أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد، ينطبق على كل صلاة من هذه الصلوات، لكن على تقدير، و في حالة، لا مطلقا، و بالفعل، و حينئذ، يمكن القول بأن لفظ الصلاة إذا وضعها الشارع لما يكون لاهوتا بالفعل، فهذا معناه، الوضع للصحيح، و إذا وضعها لما هو لاهوت في زمان ما و لو من فاعل ما، فهذا معناه الوضع للأعم، لأنّ كل صلاة فاسدة، ينطبق عليها هذا العنوان الانتزاعي، و هو أنه لاهوت في زمان ما، فيكون هذا جامعا بين الصلوات الصحيحة و الفاسدة، و هو سنخ جامع انتزاعي، لا يتوقف على ضم جهة عرضية خارجية فمن المعقول تصوير المسمّى بلفظ الصلاة بهذه اللغة، و من المعقول تصوير الجامع البسيط على الأعمي، إذا قبلناه على الصحيحي.

و أمّا الإشكال الوارد من «الآخوند» في الاحتمال الثاني على كون الجامع مركبا على الأعمي، فقد حاول السيد الأستاذ التخلص منه فقال، بأن اللّابشرطية لها معنيان:

المعنى الأول:

أنه يلحظ (1) الشي‏ء لا بشرط من ناحية شي‏ء آخر، بحيث أن الشي‏ء الآخر، على فرض وجوده، يكون أجنبيا عنه، و على فرض عدمه لا يضر عدمه‏

____________

(1) محاضرات فياض/ ج 1 ص 158- 159- 160.

36

به، من قبيل ملاحظة الماء لا بشرط من ناحية الكأس، فإن معنى هذا، إنه لو وجد الماء في الكأس، فالكأس أجنبي عن الماء، و لو لم يوجد الكأس و وجد الماء على الأرض فلا يضر هذا بمائية الماء.

المعنى الثاني:

أنه يلحظ الشي‏ء لا بشرط، بالإضافة إلى شي‏ء آخر، بحيث يكون عدمه غير مضر، كما هو الحال في المعنى الأول، و لكن وجوده يكون دخيلا و ليس أجنبيا، من قبيل اسم الكلمة، فإنه موضوع لحرفين، لكن لا بشرط من حيث انضمام الحرف الثالث و الرابع، فقد تكون الكلمة ثمان حروف مثلا، و لكنها هي موضوعة لحرفين لا بشرط من حيث الثالث، فمحصّل هذه اللّابشرطية، هو أنه لو لم يوجد الحرف الثالث مثل (قم)، لا يضر بكونها كلمة، عدم وجود الحرف الثالث، لأن الجامع الملحوظ هو الحرفان، و هما محفوظان في المقام، و أمّا إذا وجد الحرف الثالث كما في (زيد)، فإن الدال لا يكون أجنبيا عن الكلمة بل هو داخل.

و بعد هذا قال السيد الأستاذ، بأن الجامع الأعمي التركيبي، ملحوظ في المقام، بنحو اللّابشرطية الثانية، بمعنى أن الأركان الخمسة، أو الأجزاء السبعة، هي بمثابة الحرفين الأولين في الكلمة بالنسبة لباقي الأجزاء و الشرائط، فقد لوحظ الجامع لا بشرط، من حيث باقي الأجزاء و الشرائط، بحيث لو لم يوجد الباقي، لا يضر به، و لو وجد الباقي، يكون جزءا من الجامع.

و هذا البيان بمقدار جنبته العرفية صحيح و واقع، و لكن صياغته الفنية غير معقولة، لأن اللّابشرطية، لا يعقل أن تكون إلّا بالنحو الأول.

و البرهان على ذلك هو: إن أخذ شي‏ء لا بشرط، من ناحية شي‏ء آخر، معناه الإطلاق في مقابل التقييد، فإن اللّابشرط في مقابل بشرط شي‏ء و بشرط لا، فأخذ الماء لا بشرط من حيث الكأس، أو أخذ الأركان الخمسة لا بشرط

37

من حيث التشهد و التسليم، هذا معناه الإطلاق، و الإطلاق كما بيّناه سابقا، ليس مرجعه إلى الجمع بين القيود بل مرجعه إلى رفض القيود، فإن الإطلاق حينما نقول، بأن الماء أخذ مطلقا من ناحية الكأس، ليس معناه الجمع بين القيود، بحيث أننا أخذنا الماء مقيدا بالكأس تارة، و مقيدا بالغدير أخرى، بل هو رفض القيود، بحيث أننا لاحظنا ذات الماء، و لم ندخل في الاعتبار وجود الكأس و عدمه و وجود الغدير و عدمه.

و إذا طبقنا هذا الكلام في المقام، نقول: أن الأركان الخمسة، إذا لاحظناها بالإضافة إلى التشهد و التسليم مطلقة، فعلى القول بالجمع بين القيود، يكون معنى ذلك، أنه لاحظنا الأركان تارة مع التشهد و التسليم، و أخرى بلا تشهد و تسليم، و بهذا يتم مرام الأستاذ، لأن التشهد و التسليم مع وجوده، فقد لاحظنا الأركان مقيدة به، و مع عدمه لاحظناها مقيدة بعدمه.

و أمّا على القول، بأن الإطلاق هو رفض القيود كما هو الصحيح، فمعنى هذا، أن الأركان لم نلحظها تارة مقيدة بوجود التشهد، و أخرى مقيدة بعدمه، بل لاحظناها من دون أن نأخذ معها وجود التشهد و لا عدم وجوده، فكما أن عدم التشهد ليس دخيلا، كذلك وجوده ليس دخيلا، فوجوده وجود زائد و عدمه أيضا أمر زائد لا يضر و لا يكون دخيلا.

فالذي ذكره الأستاذ من معنى اللّابشرطية بنحو لو وجد لكان دخيلا، و لو فقد لا يضر، يكون ذلك، متعقلا، إذا قلنا بأن الإطلاق معناه الجمع بين القيود، و أمّا إذا قلنا بأن الاطلاق معناه رفض القيود و عدم ملاحظتها في الجامع وجودا و عدما، إذن فكما أن العدم لا يكون دخيلا، كذلك الوجود لا يكون دخيلا، بل يكون أجنبيا.

فالصياغة الفنية لدعوى أن اللّابشرطية لها نحوان هذا أمر غير معقول، و لكن المدّعى معقول و صحيح، و هو أن بعض المركبات هذا حالها، من أن الشي‏ء الزائد لو عدم لا يكون مضرا و لو وجد لكان جزءا، و هذا مطلب عرفي و واقع، لكن صياغته الفنية ليست باللابشرطية بل بأمر آخر يأتي توضيحه.

38

التحقيق في المقام‏

ذكرنا بأنه تفصّي عن اللّابشرطية، بأن لها معنيين، و قلنا أن ذلك غير معقول، فمتى ما أخذنا الجامع من الأركان الخمسة، و لاحظناه لا بشرط من حيث باقي الأجزاء و الشرائط، فمعنى ذلك، أن الباقي لا وجوده دخيل و لا عدمه، و كذلك الحال في الكلمة، فإذا تصورنا الحرفين لا بشرط بالنسبة إلى الحرف الثالث، فهذا معناه الإطلاق، و معنى الإطلاق رفض خصوصية ضم الحرف الثالث أو عدم ضمه، فلا وجوده يكون دخيلا، و لا عدمه كذلك، بل يكون كلا الأمرين من الوجود و العدم أجنبيا عن الجامع، فلا يمكن انطباق الجامع على الثلاثة أحرف في كلمة زيد، هذا هو الإشكال الثبوتي للصياغة الفنية للابشرطية.

و لذلك لا بدّ من تبديلها بأن يقال، في الكلمة و أمثالها، إن الواضع حينما تصور جامعا، و وضع اللفظ له، هذا الجامع ليس معناه، هو عنوان حرفين مأخوذا لا بشرط و مطلقا من حيث الحرف الثالث، بل الجامع سنخ عنوان انتزاعي قابل للانطباق على الحرفين و الثلاثة، فالملحوظ ذاك العنوان الانتزاعي، من قبيل ما زاد على حرف واحد من الحروف الثمانية و العشرين المتصلة، و هذا الجامع ينطبق على الحرفين في (قم)، و ينطبق على الثلاثة في (زيد)، لأن عنوان ما زاد على حرف واحد ينطبق عليهما، فإن وجد الحرف الثالث، كان جزءا من الجامع، لأن الجامع ما زاد على الحرف الواحد، و إذا

39

انعدم الحرف الثالث كما في (قم)، لا يضر ذلك بانحفاظ الجامع، لأن (قم) ينطبق عليه ما زاد على حرف واحد.

و نفس هذا الكلام، ننقله إلى باب الصلاة، و نقول بأن الجامع ليس هو الأركان الخمسة مأخوذة لا بشرط، و مطلقة من ناحية باقي الأجزاء و الشرائط، بل الجامع هو عنوان المركب من بعض أجزاء الصلاة، فلو فرضنا أن أجزاء الصلاة ثمان و عشرون جزءا، و الأركان فيها خمسة، فنقول بأن لفظة الصلاة موضوعة للعمل المركب من مجموع هذه الأجزاء الثمانية و العشرين، بحيث تكون مشتملة على الركوع و السجود و الطهور و التكبير و نحو ذلك، ففي مثل ذلك لو فرض أنّ الأجزاء الأخرى كانت موجودة فينطبق عنوان الجامع على الجميع، لأن المجموع يصدق عليه أنه مجموعة من هذه الأجزاء المشتملة على الأركان، و إن فرض أنه لم يوجد إلّا الأركان الخمسة، أيضا يصدق عليه هذا العنوان، فهنا عندنا عنوان انتزاعي مركب مشتمل على مجموعة، لا تخرج عن هذه الأجزاء الثمانية و العشرين، و تكون مشتملة على الأركان الخمسة.

و أمّا لو كان المناط هو العدد و هو السبعة، فنقول، بأن لفظ الصلاة موضوع لعنوان ما زاد على الستة من هذه الأجزاء، و حينئذ، إن وجدت سبعة أجزاء، يصدق عليها أنها صلاة، لأنها مصداق لما زاد على الستة، و لو وجدت ثمانية أجزاء أيضا يصدق عليها بأنها صلاة لأن الثمانية مصداق لما زاد على الستة، و هذا جامع انتزاعي و لكن ليس عرضيا بلحاظ جهة طارئة، و إنما هو عنوان انتزاعي بقطع النظر عن الجهات الطارئة.

و بذلك يتضح معقولية الجامع التركيبي على الأعم بعنوان ما زاد عن الستة من الأجزاء، و هذا العنوان ينطبق على تمام مراتب الصلاة، و لكن بقي كلام واحد، و هو أن هذه الأركان الخمسة، أو أن هذه الأجزاء الستة، هي في أنفسها لها مراتب طولية فإن الركوع مثلا، تارة يكون ركوعا قياميا، و أخرى إيمائيا، فحينما نقول ما زاد على الستة من هذه الأجزاء فبأي ركوع نأخذ؟.

و من الواضح على ضوء ما تقدم، أن كل جزء له مراتب طولية، يكون المأخوذ

40

هو الجامع ما بين تلك المراتب و لو الجامع الانتزاعي، بمعنى أحدها على سبيل البدل، فحينما نقول أجزاء الصلاة ثمانية و عشرين، نحسب كل جزء عبارة عن نفس الجزء أو بدله الطولي، فنأخذ أحد الأمور من الركوع القيامي، أو الركوع الجلوسي، أو الركوع الإيمائي.

و بهذا يتضح أن الجامع التركيبي معقول على الصحيح، و على الأعم، بلا إشكال، و هذا تمام الكلام في الجهة الثالثة من جهات البحث.

41

الجهة الرابعة تصوير ثمرة النزاع‏

ذكر في المقام عدة ثمرات للنزاع بين الصحيحي و الأعمي، و سوف نذكرها مع مناقشتها.

الثمرة الأولى:

ذكر في هذه الثمرة إجراء البراءة على القول بالأعم، فيما إذا شك في جزئية شي‏ء، من قبيل السورة، و لم يقم دليل اجتهادي على الجزئية، و لا على عدمها، و أمّا على القول بالصحيح، فتجري أصالة الاشتغال.

و تصوير هذه الثمرة يتم ببيان مقدمتين.

المقدمة الأولى:

أن يدّعى بأن القول بالوضع للأعم، يستلزم كون الجامع جامعا تركيبا بناء على ما ادعاه‏ (1) صاحب الكفاية، من عدم تعقل الجامع البسيط على الأعم، و أن القول بالوضع للصحيح، يستلزم كون الجامع جامعا بسيطا، بناء على ما ادعاه صاحب الكفاية أيضا، من استحالة الجامع التركيبي على الصحيح، فكأن القول بالوضع للأعم، ملازم للقول بكون الجامع تركيبيا، و القول بالوضع للصحيح، ملازم لكون الجامع عنوانا بسيطا.

____________

(1) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 62- 63.

42

المقدمة الثانية:

أنه فيما إذا شك‏ (1) في وجوب السورة مثلا و عدم وجوبها، فإن كان الواجب جامعا تركيبيا، بمعنى أن المركب بنفس أجزائه، كان معروضا على الوجوب، و الوجوب جعل على الأجزاء بنفسها، إذن فيكون المقام، من موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، لأن انبساط الوجوب على الأجزاء الأخرى، غير السورة، و لنفرضها- تسعة-، هذا معلوم، و انبساط الوجوب على العاشر و هو السورة، مشكوك، فتجري البراءة عن وجوب العاشر، بناء على الانحلال في موارد الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و أمّا إذا كان الواجب جامعا بسيطا، من قبيل عنوان اللاهوت، الذي استكشف ببرهان أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد، إذن معروض الوجوب إنما هو هذا العنوان البسيط، و لا شك فيما هو معروض الوجوب، و إنما الشك في أن هذا العنوان البسيط المعلوم وجوبه، ما هو محصله في الخارج؟. فهل يحصل خارجا بتسعة أجزاء، أو يحصل بعشرة، فتجري أصالة الاشتغال.

و بمجموع هاتين المقدمتين، عندئذ، يدّعى، بأن الثمرة هي جريان البراءة على القول بالأعم، لأن الجامع تركيبي فيكون الشك شكا في أصل الوجوب، و جريان الاشتغال على القول بالصحيح، لأن الجامع بسيط، فيكون الشك شكا في المحصّل لا في أصل الوجوب.

و كلتا المقدمتين محل إشكال، أمّا المقدمة الأولى، و هي أن القول بالوضع للأعم، يساوق كون الجامع تركيبيا، و الوضع للصحيح، يساوق كون الجامع بسيطا، الأمر ليس كذلك، لما بينّاه سابقا، من أن الجامع التركيبي معقول على كلا القولين، كما بيّنا، أيضا أنه، لو تعقلنا الجامع البسيط، على‏

____________

(1) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 66- 67.

43

القول للصحيح، يمكن أن نتعقله أيضا على القول بالأعم، لكن بتبديله من القضية التنجيزية، إلى القضية المهملة، إذن فالجامع التركيبي، و الجامع البسيط، كلاهما معقول على الأعمي و الصحيحي، فلا ملازمة في المقام، و بهذا يتبين بطلان المقدمة الأولى.

و أما المقدمة الثانية، فقد استشكل فيها المحقق الخراساني‏ (1) قائلا، بأن البراءة تجري على كلا التقديرين، سواء كان الجامع تركيبيا، أو بسيطا، فإذا كان تركيبيا تجري البراءة كما هو واضح، و إذا كان بسيطا، فأيضا تجري البراءة بتوضيح، أن الجامع البسيط على نحوين، فتارة يكون الجامع البسيط موجودا بوجود طولي مغاير لوجود الأجزاء، من قبيل وجود القتل و الموت المغاير لوجود الضرب، و تارة أخرى يكون الجامع البسيط موجودا بنفس وجود الأجزاء، بحيث يحمل عليها بالحمل الشائع، لكونه منتزعا عنها، و العنوان الانتزاعي موجود بوجود منشأ انتزاعه. و حينئذ يقال بأن الجامع البسيط إن كان من قبيل الأول فالشك يكون شكا في المحصّل، فتجري أصالة الاشتغال، و إن كان الجامع من قبيل الثاني، فبحسب الحقيقة، ينبسط الوجوب على الأجزاء، باعتبار أن هذا الجامع، وجوده هو عين وجود الأجزاء، فيكون الشك شكا في سعة دائرة هذا الوجوب المنبسط و ضيقه، و حيث أن الأجزاء مرددة بين الأقل و الأكثر، فيكون وجود هذا الواجب، مرددا بين الوسيع و الضيق، فيكون الشك في أصل الواجب، لا في المحصّل، فتجري أصالة البراءة، و بهذا تبيّن أنه يمكن جريان البراءة حتى إذا كان الجامع بسيطا فيما إذا كان بالنحو الثاني.

و أمّا التحقيق في المقدمة الثانية، هو أن يقال بأن الجامع، إذا كان تركيبيا فلا إشكال في أن الشك في جزئية شي‏ء يكون مجرى للبراءة، لدوران الأمر الواجب بين الأقل و الأكثر كما ذكر، و أمّا إذا كان الجامع بسيطا فحينئذ

____________

(1) حقائق الأصول/ الحكيم: ج 1 ص 68.

44

يختلف الحال باختلاف سنخ هذا الجامع البسيط، فإن الجامع البسيط يكون على خمسة أنحاء:

النحو الأول:

أن يكون الجامع البسيط مشككا، بنحو يكون له مراتب من الشدة و الضعف، فإذا علمنا بأن المراتب الضعيفة تتحقق بتسعة أجزاء، و أن المراتب الشديدة لا تتحقق إلّا بعشرة أجزاء، و شكّ بأن الغرض هل تعلّق بمطلق هذا الجامع البسيط، أو بمرتبته الشديدة، ففي مثل ذلك، يدخل المقام في الأقل و الأكثر الارتباطيين، لأن تعلّق التكليف بأصل الجامع معلوم، و أمّا تعلقه بالمرتبة الشديدة التي لا توجد إلّا بضم الجزء العاشر فغير معلوم، فيكون الشك شكا في أصل الواجب، فتجري البراءة عن وجوب المرتبة الشديدة، من دون فرق بين أن يكون هذا الجامع المشكك مسبّبا عن الأجزاء في طولها، أو منطبقا عليها أو موجودا بوجودها، فإنه لا يفرّق في ذلك، في جريان البراءة، كما فرّق صاحب الكفاية (قده).

النحو الثاني:

أن يكون الجامع البسيط غير مشكك، و يكون مسبّبا عن الأجزاء، بمعنى أنه موجود بوجود مغاير لوجود الأجزاء، ففي هذا النحو، لا إشكال في حريان أصالة الاشتغال، لأن الوجوب تعلق بالمسبّب لا بالسبب، و دوران الأمر بين الأقل و الأكثر إنما هو في جانب السبب لا المسبب، فيكون الشك في المحصّل، فتجري أصالة الاشتغال.

النحو الثالث:

أن يكون الجامع البسيط غير مشكّك، و موجودا بعين وجود الأجزاء و يحمل عليها بالحمل الشائع، لا أنه موجود بوجود طولي مغاير لها، بل ينتزع منها، بلحاظ حيثية خارجية عرضية، كعنوان المؤلم، فإنه عنوان بسيط منتزع عن نفس الضربات و يصح حمله عليها بالحمل الشائع، فيقال، «هذا الضرب‏

45

مؤلم»، و هذا العنوان منتزع بلحاظ جهة وجودية خارجية، و هي حيثية قيام الألم في نفس المضروب، فحينئذ، إذا أوجب الشارع إيلام زيد، و تردّد أمر إيلامه بين تسعة ضربات، أو عشرة ضربات، ففي مثل ذلك، تجري أصالة الاشتغال، و إن كان الجامع موجودا بعين وجود الضرب، لكن مع هذا يمكن القول بأن التسعة معلومة الوجوب، و الضربة العاشرة مشكوكة، فتجري أصالة البراءة عن وجوبها، لأن هذا العنوان البسيط، لمّا كان منتزعا عن الضرب بلحاظ حيثية وجودية خارجية، فتكون هذه الحيثية تحت العهدة، و المكلف لا يخرج عن العهدة إلّا إذا أحرز وجود هذه الحيثية، و من المعلوم أنه بالتسعة لا يحرز وجود تلك الحيثية الخارجية، و منه يعرف، أن ما ذكره صاحب الكفاية، من أن الجامع البسيط إذا كان منتزعا عن نفس الأجزاء، و موجودا بوجودها، يكون الشك في الجزء الزائد مجرى لأصالة البراءة، غير تام في مثل هذا الجامع البسيط، لأن تلك الحيثية الخارجية تحت العهدة بحكم العقل كما عرفت، فما لم يحرز العقل وجودها، لا يمكن الاكتفاء بالمأتي، و هو تسع ضربات كما في المثال.

النحو الرابع:

أن يكون الجامع البسيط غير مشكك، و موجودا بعين وجود الأجزاء، و لكنه ليس منتزعا عنها بلحاظ جهة عرضية، بل هو منتزع عن مرتبة ذات الأجزاء، بحيث أنه ذاتي لهذه الأجزاء، و تكون نسبته إليها كنسبة الإنسان إلى زيد، ففي مثل ذلك، يتم ما أفاده صاحب الكفاية (1)، من أنه يكون مجرى للبراءة، و ذلك لأن هذه الماهية البسيطة التي تعلّق بها الوجوب، و إن كان الشك فيها بين الأقل و الأكثر غير متصور لأن البسيط لا يعقل فيه الأقل و الأكثر، إلّا أنه من المعلوم أن تمام الماهيّات إنما تؤخذ محطا للوجوب بما هي فانية في معنوناتها الذاتية و في وجوداتها الخارجية، و المفروض أن هذا

____________

(1) حقائق الأصول- الحكيم ج 1 ص 58.

46

العنوان هو عنوان ذاتي لهذه الوجودات المتكثرة، و عندئذ، إذا كانت هذه الوجودات مرددة بين الأقل و الأكثر، فيرجع الأمر إلى تردد أمر الواجب و هو الماهية بين الأقل و الأكثر فينفى الزائد بالبراءة.

النحو الخامس:

أن يكون الجامع البسيط عنوانا بسيطا اعتباريا و من المجعولات، من قبيل عنوان الطهور الذي هو عنوان اعتباري يجعله الشارع و يطبقه على الغسلات الثلاث و المسحات الثلاث، فيقال لا صلاة إلّا بطهور، ففي مثل ذلك، لو تردّد أمر الطهور بين الأقل و الأكثر تجري أصالة البراءة، و السرّ في ذلك، أن هذا الجامع البسيط لمّا كان أمرا اعتباريا، فيكون مجرد مشير إلى الواقع، ففي لسان الدليل، و إن وقع نفس العنوان البسيط، و هو طهور، موضوعا للوجوب، لكن بحسب التحليل، ليس عنوان الطهور هو مصب الوجوب، لأنه اعتباري صرف، بل مصب الوجوب، هو الغسلات و المسحات، فيكون من باب دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، فتجري أصالة البراءة عن الزائد.

و حاصل الكلام في الثمرة الأولى، أنه بناء على الجامع التركيبي، تجري البراءة دائما، و أما بناء على الجامع البسيط ففيه تفصيل، فتجري البراءة في النحو الأول و الرابع و الخامس، و أمّا في النحو الثاني و الثالث فتجري أصالة الاشتغال.

الثمرة الثانية:

و هذه الثمرة، ثمرة فقهية، و هي أن كلا من الصحيحي و الأعمي، يشتركان في جواز التمسك بالإطلاق المقامي لنفي ما يشك في جزئيته و شرطيته، و أمّا الإطلاق اللفظي، فالأعمي، يقول بجواز التمسك به لنفي الجزئية و الشرطية، و الصحيحي، يقول بعدم الجواز في ذلك.

47

و لتوضيح هذه الثمرة، لا بدّ من التمييز بين الإطلاق اللفظي الإطلاق المقامي فنقول:

إن المولى، تارة يكون في مقام يحرز منه أنه قد تصدّى فيه لبيان تمام الأجزاء و الشرائط المطلوبة، فحينئذ، إذا بيّن خمسة أجزاء مثلا و سكت عن السادس، فهنا يستدل على عدم وجوب الجزء السادس بمثل هذا السكوت، و يسمّى الاستدلال بهذا، استدلالا بالإطلاقات المقامية، فمصب هذا الإطلاق هو مقام المولى لا لفظه، و هذا المقام يحرز بدليل خاص.

و تارة أخرى يأمر المولى بشي‏ء له حالات، فعند الشك في إرادة خصوص حالة منها، يتمسّك بالإطلاق اللفظي الذي يرجع إلى مقدمات الحكمة، و يثبت بذلك أنه أراد الشي‏ء على الإطلاق، لا في حالة من حالاته، و مركز هذا الإطلاق هو اللفظ لا المقام، و هذا الإطلاق اللفظي، و إن كان يحتاج إلى كون المولى في مقام البيان على مقتضى الأصل العقلائي، لكنه لا يحتاج إلى دليل خاص كما كان الإطلاق المقامي يحتاجه.

و إذا اتضح التمايز، نقول، إن الصحيحي و الأعمي يتفقان على جواز التمسك بالإطلاق المقامي إن وجد، و أمّا الإطلاق اللفظي فيجوز التمسك به، بناء على الأعم، كما إذا شك بأن السورة هي جزء من الصلاة أم ليست بجزء؟. فبناء على الأعمي، يجوز التمسك بإطلاق لفظ الصلاة، لأن الصلاة بناء على الأعمي لم يؤخذ في مسمّاها السورة، بل الأركان الخمسة أو الأجزاء السبعة، و السورة ليست منها، فالصلاة تصدق بلا سورة، و بناء على الصحيحي لا يجوز التمسك بالإطلاق، لأنّ السورة على تقدير دخلها في الواجب، تكون داخلة في مسمّى الواجب، فبدونها لا يكون هناك صلاة. و هذه الثمرة ثمرة صحيحة، و لكنها فقهية، و ليست أصولية كما هو واضح. هذا تمام الكلام في الجهة الرابعة.

48

تحقيق الحال في أن ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح أو للأعم؟

اختار السيد الأستاذ (1). كون الفاظ العبادات، موضوعة للأعم، فالصلاة موضوعة للأركان بنحو الجامع اللّابشرط، و قال في مقام تقريب ذلك، أن أسماء العبادات موضوعة على يد الشارع، فهو المرجع في تشخيص المسمّى، و يرجع في هذه المسألة إلى الروايات الواردة في هذا المقام، و المتحصّل من هذه الروايات الواردة في أجزاء الصلاة و شرائطها، هو أن المعنى الموضوع له هو الأركان، لأن جملة من الروايات قد دلت على دخل جملة من الأجزاء، و قد أحصي ذلك في أربعة أركان، التكبير، و الركوع، و السجود، و الطهارة، أمّا التكبير، فبلحاظ أنه افتتاح الصلاة كما ورد، و من هنا، لو أخل المكلف بالتكبير و لو نسيانا، تكون صلاته باطلة، و إن لم يصرح بذلك في حديث «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس» لأن فرض معنى هذا الحديث، وجود الصلاة، فيقال حينئذ لا تعدها، و أمّا من لم يكبّر، فهو لم يدخل في صلاة أصلا، فلذلك لم يذكر التكبير في الحديث، و أمّا مقوّمية الركوع و السجود و الطهور فيما ورد، من أن الصلاة ثلثها الركوع، و ثلثها السجود، و ثلثها الطهور، ثم أنه و إن كان للشي‏ء ثلاثة أثلاث فقط، لكن لا بدّ

____________

(1) محاضرات فياض ج 1 ص 163- 168- 169.

49

من إدخال تكبيرة الإحرام أيضا في الصلاة، للروايات، فالمتحصّل أن الصلاة عبارة عن هذه الأركان الأربعة، فلفظة الصلاة موضوعة للأعم، و هي هذه الأركان الأربعة، فمتى ما حفظت و إن اختلفت بقية الأجزاء، تكون صلاة، و متى ما اختل واحد من هذه الأربعة، و إن وجدت بقية الأجزاء فلا تكون صلاة. و هذا الذي ذكره السيد الأستاذ ينحل إلى جهتين:

الجهة الأولى: سلبية، و هي أن غير هذه الأمور الأربعة ليس دخيلا في مفهوم الصلاة و مسمّاها.

الجهة الثانية: إيجابية، و هي أن هذه الأمور الأربعة دخيلة في مفهوم الصلاة و مسمّاها.

[الجهة الأولى‏] الجهة السلبية

أما الجهة السلبية، فهي موضع الخلاف بينه و بين القائلين بالصحيح، لأنه في الجهة الإيجابية يتفق معهم حيث أنهم يقولون بدخول هذه الأمور الأربعة في مسمّى الصلاة، و زيادة على ذلك يقولون بدخول غير هذه الأربعة في مسمّى الصلاة. فما إدّعاه من كون لفظ الصلاة و أمثالها من الفاظ العبادات موضوعا للأعم، مرهون بإثبات الجهة السلبية من كلامه، مع أنه ليس في كلامه ما يدل على أن غير هذه الأربعة غير دخيل في مسمى الصلاة، و غاية ما يمكن أن يتوهم الاستدلال به لذلك، أحد وجوه ثلاثة:

الوجه الأول:

أن يقال بأن غير هذه الأمور الأربعة ليس ركنا، بمعنى أن الإخلال بها سهوا لا يبطل الصلاة، فهو ليس دخيلا في المسمّى، بحيث أنه لا صلاة بدونه، و إلّا لما كانت الصلاة بدونه سهوا، صلاة، مع أنها صلاة، فيعرف من ذلك أنه غير دخيل في المسمّى.

و لكن هذا الوجه غير تام لما بيّناه في تصوير الجامع على الصحيحي،

50

من أن الصحيحي، يدّعي جامعا صحيحيا، بحيث يكون كل جزء دخيلا في المسمّى في حال التذكر و غير دخيل في حال النسيان، فكون بعض الأجزاء تصح الصلاة بدونها من الناسي، لا يدل على عدم مدخليته في حال التذكر، فهنا مسألتان:

مسألة فقهية:

و هي أن الصلاة بلا تشهد مثلا من ناسيه صحيحة، و القائل بالصحيح لا يستشكل في كونها صلاة.

و مسألة أصولية:

و هي أن الجزء، بمقدار ما يكون دخيلا في الصحة حال التذكر، هل يكون دخيلا في المسمّى، أو لا يكون دخيلا في المسمى!، و هذه المسألة، لا معنى لإثباتها في المسألة الأولى.

الوجه الثاني:

أنه باستقراء الروايات، يرى أن هناك نصا على دخل هذه الأمور الأربعة في المسمّى، و لا نص على دخل غيرها، فبذلك يستكشف عدم دخول غيرها، و هذا الوجه غير صحيح أيضا، لأنه موقوف على أمور، أقلها أنه يمكن كون غرض الشارع قد تعلق ببيان تمام ما له دخل في المسمّى، و هذا غير محرز، و إنما المحرز كون غرضه قد تعلق ببيان تمام ما له دخل في الواجب، و هذا قد بيّنه في صحيحة حمّاد بن عيسى، و لعل التسليم و التشهد و أمثالهما من الأجزاء الغير ركنية دخيل في المسمّى، لكن لم يبيّنه الشارع لعدم تعلق الغرض به.

الوجه الثالث:

الاستدلال برواية الصلاة، ثلثها الركوع، و ثلثها السجود، و ثلثها الطّهور، فإن هذه الرواية تنفي دخول غير هذه الثلاثة، لأن الشي‏ء الواحد لا يكون له أكثر من ثلاثة أثلاث، و لو جمدنا على هذه الرواية لقلنا بعدم دخول تكبيرة الإحرام أيضا، إلّا أن روايات التكبير تقيّد هذه الرواية، فإطلاق هذه الرواية

51

بالنسبة لبقية الأجزاء ما عدا التكبير، ينتج أن الأربعة دخيلة و غيرها غير دخيل.

و هذا الوجه غير صحيح أيضا، و ذلك لأنه بالدليل الخارجي الذي دلّ على دخول التكبير، ينثلم هذا الحصر، لأن هذا الحصر ليس كالمطلقات، بحيث لو ثبت خروج فرد من تحت الإطلاق، يتمسك به بالنسبة للباقي، لأن الحصر هنا ثبت بعنوان الثلثية، و من المعلوم أن هذا العنوان ينثلم بمجرد فرض رابع، سواء فرض خامس أو لم يفرض، و حينئذ في مقام الجمع بين هذه الرواية و بين ما دل على دخول التكبير، لا بدّ من حمل الرواية على أن المراد من الثلث، الثلث بلحاظ المعنى، يعني أنه في قوة الثلث من حيث شدة اهتمام المولى به، كما يقال أن سورة التوحيد ثلث القرآن، و سورة الفاتحة ثلث القرآن.

و على هذا لا تبقى دلالة على الحصر أصلا، لأنه لا منافاة بين كون كل واحد من الثلاثة بمثابة الثلث، و بين وجود أجزاء أخرى، كما كان ذلك بالنسبة لسورة الفاتحة و التوحيد، فالجهة السلبية في كلام السيد الأستاذ لا دليل عليها.

[الجهة الثانية] الجهة الإيجابية

و أما الجهة الإيجابية و هي أن الركوع و السجود و الطهور و تكبيرة الإحرام، مقومات للمسمّى فإننا نقول: أمّا مقومية الثلاثة الأولى، فقد استفادها من الرواية المتقدمة، و يرد على هذه الاستفادة، أن كلمة الصلاة في هذه الرواية إمّا أن يراد منها المسمّى، و إمّا المعنى الموضوع له لفظ الصلاة، فإن استظهر الأول فالرواية تكون دليلا على مدخلية الركوع و السجود و الطهارة في المأمور به، و لا تدل على مقوّمية هذه الأمور للمسمّى الذي هو محل الكلام، و إن استظهر الثاني، فحينئذ تكون الرواية دالة على مدخلية هذه الأمور في المسمّى.

لكن ننقض على السيد الخوئي، بما ورد «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» فإنه كما تحمل الصلاة في الرواية المثلثة على المسمّى، فلا بدّ أن تحمل الصلاة في قوله «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» على ذلك أيضا.

52

و عليه فتكون فاتحة الكتاب داخلة في مسمّى الصلاة، و كونها لا تدخل في الصلاة أحيانا، كما في الأخرس و الناسي لا يوجب تقييدا في قوله: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» فبعد تقييد هذا الإطلاق، يثبت أن الصلاة من غير الأخرس و الناسي متقومة بفاتحة الكتاب، و قد بينّا سابقا أن الجامع على الصحيحي، يمكن أن يكون الجزء دخيلا فيه بلحاظ حال، و لا يكون دخيلا بلحاظ حال أخرى، و حينئذ لا بدّ من الالتزام، بكون فاتحة الكتاب دخيلة في مسمّى الصلاة، بلحاظ الشخص المختار لا الناسي و الأخرس، مع أن السيد الخوئي لا يلتزم بذلك.

[مناقشة الروايات الدالة على دخالة تكبيرة الإحرام في المسمّى‏]

و أما تكبيرة الإحرام، فقد استدل على أنها دخيلة في المسمّى، بما دلّ على أن افتتاح الصلاة التكبير، و هذا يدل على مدخلية تكبيرة الإحرام في المسمّى، و لكن الروايات الواردة في تكبيرة الإحرام، لا تصلح للدلالة على ذلك، و يمكن تقسيم هذه الروايات إلى عدة طوائف.

الطائفة الأولى:

ما كان من قبيل رواية زرارة، حيث قال: «أدنى ما يجزي من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة» و من المعلوم أن المقصود من الإجزاء هنا، الإجزاء بلحاظ امتثال الأمر لا بلحاظ المسمّى، فلا تدل الرواية على كون التكبير مقوما للمسمّى، و إنما تدل على أنه لو أتى من غير تكبير، لا يجزي ذلك في مقام امتثال الأمر.

الطائفة الثانية:

ما دل على أن التكبير أنف الصلاة، من قبيل رواية السكوني عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه عن رسول اللّه (ص) في حديث قال:

«و لكل شي‏ء أنف و أنف الصلاة التكبير» و هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لإثبات مدخلية التكبير في المسمّى، لا سندا و لا دلالة، أمّا سندا، فلأن السكوني يروي عن النوفلي و محمد بن سعيد، و كلاهما لم يثبت توثيقه، و أمّا