بحوث في علم الأصول - ج4

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
516 /
5

بيان حول هذا الجزء

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد الخلق و أعز المرسلين سيدنا و نبيّنا محمد (صلى اللّه عليه و آله) الطيبين الطاهرين.

و بعد، فهذا الجزء الثاني من «بحوث علم الأصول» التي كان قد ألقاها علينا سيدنا و أستاذنا الأعظم شهيد الإسلام آية اللّه العظمى، السيد محمد باقر الصدر ((قدّس سرّه)).

و هذا الجزء بتمامه لم يكف لاستيعاب جميع بحوث الأوامر، و إنما استوعب جلّها، ابتداء من دلالات مادة الأمر و انتهاء بالإجزاء حتى نهايته، ممّا اضطرني أن أكمل بحوث الأوامر و ما يتبعها من مبحث مقدمة الواجب، و الضد، و الترتب، و التزاحم، و حالات الأمر الخاصة، و تعلّق الأمر بالطبيعة أو الأفراد، و حقيقة الواجب التخييري، و الواجب الكفائي، و الواجب الموسّع و المضيّق، و تبعية القضاء للأداء، و هكذا حتى يكتمل جزءا خاما بعون اللّه تعالى وكّلني أمل أن يكون ثواب هذا الجهد المهدى ثوابه إلى روح سيدنا و أستاذنا الأعظم ((قدّس سرّه)) أن يكون لي صغرى لكبرى قول النبي الأعظم (صلى اللّه عليه و آله)، يموت المرء إلّا عن ثلاث، علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بحوث الأوامر دلالات مادة الأمر دلالات صيغة الأمر مبحث الإجزاء

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

دلالات مادة الأمر معاني مادة الأمر

توحيد معاني مادة الأمر

دلالاتها على العلو أو الاستعلاء

دلالتها على الوجوب‏

ملاك دلالتها على الوجوب‏

دلالتها على الطلب و الإرادة

الجبر و الاختيار

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بحوث الأوامر

و فيه فصول‏

الفصل الأول فيما يتعلق بمادة الأمر و الكلام في مادة الأمر، يقع في عدة جهات‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الجهة الأولى في معاني كلمة الأمر

ذكر لكلمة الأمر معان متعددة، منها (الطلب)، فإنّ الطلب في الجملة- على تفصيل يأتي- هو أحد معاني الأمر بلا إشكال، و في مقابله، معان أخرى، من قبيل (الشي‏ء، و الفعل، و الفعل العجيب، و الحادثة، و الغرض).

و من الواضح كما ذكر الأصوليّون كصاحب الكفاية (1) (قده)، أن جملة من هذه المعاني، ليست معاني لكلمة الأمر، و لا تستفاد (2) بالمباشرة من كلمة الأمر، من قبيل. الغرض في قولك «جئت لأمر كذا»، فإن الغرض إنّما يستفاد من اللّام، و أمر كذا يعني أمر هو كذا- لأمر التغذية أي لأمر هو التغذية، و أما كلمة الأمر، فتدل على مصداق الغرض و هو التغذية، و لذلك كان عدّ مفهوم الغرض من معاني الأمر من باب اشتباه المفهوم بالمصداق. و لا إشكال في أن بعض هذه المعاني معان لكلمة الأمر، و هنا وقعت محاولتان في البين:

المحاولة الأولى [إرجاع المعاني الأخرى غير الطلب إلى معنى واحد]

هي محاولة إرجاع المعاني الأخرى غير الطلب إلى معنى واحد بحيث يكون جامعا بين موارد استعمال كلمة «الأمر» في الحالات التي يراد منها غير الطلب.

____________

(1) المشكيني ج 1 ص 89.

(2) إحكام الأحكام- الآمدي ج 2.

14

و في هذا المجال، قد يقال، أنّ ذاك المعنى الواحد هو الشي‏ء، و لهذا ذكر صاحب الكفاية (1) أن كلمة الأمر حقيقة في الطلب و في الشي‏ء، فالمعاني الأخرى غير الطلب ترجع إلى الشي‏ء لأنّ الفعل شي‏ء و الحادثة شي‏ء و الغرض شي‏ء و هكذا، و بهذا تختصر معاني كلمة الأمر في معنيين، هما، الطلب و مفهوم الشي‏ء و قد لاحظ المحقق النائيني‏ (2) و الأصفهاني‏ (3)، أن مفهوم الشي‏ء بعرضه العريض لا يناسب أن يكون مدلولا لكلمة الأمر.

فقد قال الميرزا (قده) أن الشي‏ء يطلق على الجوامد أيضا، بينما الأمر لا يطلق على الجوامد فلا يقال، «زيد أمر» من الأمور، و لكن يقال، «زيد شي‏ء» من الأشياء، فمدلول كلمة الأمر، لا ينبغي أن يؤخذ بنحو سعة مفهوم الشي‏ء الشامل حتى للجوامد، و من هنا لا يبعد أن يكون هذا المعنى الجامع هو أضيق دائرة من مفهوم الشي‏ء و عبّر عنه، «بالواقعة»، و أحيانا بالواقعة المهمّة أو بالحادثة، إخراجا للجوامد، أمثال زيد فإن زيدا ليس حادثة، فإخراجا للجوامد ذكر «الميرزا» أن الجامع عنوان الواقعة المهمة أو الحادثة.

و نظير ذلك ذكر المحقق الأصفهاني، فهو يرى أن موارد استعمال كلمة الأمر في غير الطلب لا تناسب الشي‏ء بعرضه العريض، و إنّما تناسب ما يكون من قبيل مفهوم الفعل- فعل من الأفعال-، و الفعل مع الواقعة أو مع الحادثة للميرزا (قده) متقاربان في المقام. فيتلخص من كلماتهما، أن الجامع المتصوّر بلحاظ موارد استعمالات كلمة الأمر في غير الطلب، هو ليس الشي‏ء الشامل حتى للجوامد، بل هو عنوان أخص لا يشمل الجوامد، و هو عنوان الواقعة المهمة أو الحادثة المهمة.

و الصحيح في المقام، أن مدلول كلمة الأمر بحسب ما هو المستفاد من‏

____________

(1) المشكيني ج 1 ص 90.

(2) أجود التقريرات- الخوئي ج 1 ص 86.

(3) نهاية الدراية- الأصفهاني ج 1 ص 103- 104.

15

موارد استعمالاته في غير الطلب، و إن كان غير مساوق لمفهوم الشي‏ء الشامل حتى للجوامد، و لكنه ليس بالنحو الذي أفيد، فإن عنوان الواقعة المهمة أو الحادثة المهمة، ليس هو المعنى المدلول لكلمة الأمر، لوضوح استعمال كلمة الأمر في موارد ليس فيها أهمية، و لا أصل الحدوث و الوقوع، و ليس من باب الفعل، أمّا استعماله في موارد عدم الأهمية، كقولك «كلام زيد ليس بأمر مهم» فهذا صحيح، و ليس في ذلك تناقض، و أمّا أنه يصح استعمال كلمة الأمر في موارد عدم الحادثة و الواقعة، و ذلك كما هو الحال في موارد استعمال كلمة الأمر في الأمور المستحيلة و الأمور العدمية، كقولك اجتماع النقيضين أمر مستحيل، و شريك الباري أمر مستحيل، و عدم مجي‏ء زيد أمر غريب، ففي أمثال هذه الموارد يصح استعمال كلمة الأمر، مع أنّ شريك الباري ليس حادثة و لا واقعة و كذلك صفات اللّه تعالى، كقولك علم اللّه و صفاته و قدرته أمر لا يتصوره الإنسان، مع أن علمه و قدرته ليست من الوقائع و الحوادث و لا من الأفعال على حدّ تعبير المحقق الأصفهاني (قده). إذن فعنوان الحادثة و الواقعة و الفعل أضيق دائرة من موارد استعمال كلمة الأمر، بل نحن نرى أن كلمة الأمر تستعمل في الجوامد أيضا و ليس الأمر كما ذكر الميرزا، من أن كلمة الأمر لا تستعمل في الجوامد فإن الأسماء الجامدة في مقابل المصادر التي يمكن الاشتقاق منها هي على قسمين.

القسم الأول: أسماء الأعلام من قبيل زيد و عمرو.

و القسم الثاني أسماء الأجناس: فما كان من قبيل أسماء الأجناس أيضا يصح استعمال كلمة الأمر فيه، فمثلا تقول النار أمر ضروري للحياة، و أمّا ما كان من قبيل أسماء الأعلام بالذات، مثل «زيد»، أو بالعرض، كأن أصبح اسم علم بالإشارة فلا يصح أن يعبّر عنه بأمر، فلا يقال «زيد» أمر و أنما يقال علم زيد أمر من الأمور، و هذا كاشف عن أن مفهوم الأمر مساوق مع شي‏ء من قبيل مفهوم الخصوصية، بمعنى أنه مطعّم بالجانب الوصفي، و لهذا أسماء الأعلام حيث أنها منسلخة عن الجانب الوصفي نهائيا و متمحضة في الذاتية

16

و العلمية، لا يطلق عليها أنها أمر، و إن أطلق عليها شي‏ء، و لكن لا يطلق عليها أنها أمر و خصوصية، لأنها متمحضة في الجنبة العلمية و لهذا تكون اسميّتها أقوى من غيرها.

و أما أسماء الأجناس، فلا تخلو من جانب وصفي في الجملة، فهي مطعّمة بالجانب الوصفي كالخشب، فهو ذات لها صفة معينة بها تكون خشبا، لهذا يصدق عليها كلمة أمر فضلا عن المصادر التي هي أوصاف بحسب الحقيقة.

إذن بهذا نعرف أن المفهوم الجامع الذي يناسب موارد استعمالات كلمة الأمر في غير الطلب ليس هو مفهوم الشي‏ء بعرضه العريض، لئلا ينطبق على أسماء الأعلام التي هي منسلخة عن الجانب الوصفي و متمحضة في العلمية، و لا هو عبارة عن الفعل أو الحادثة أو الواقعة كما ذكر الميرزا و الأصفهاني (قده)، لئلا يلزم من ذلك عدم صدق عنوان الأمر على ما يكون فيه جنبة صفتية، و إن لم يكن فعلا و لا حادثة، من قبيل الأمور المستحيلة و العدميّة، و من قبيل أسماء الأجناس، فمن هذه الناحية يكون المفهوم وسطا بين الحدّين، من قبيل مفهوم الخصوصية مثلا، و لا ضير بأن يكون هذا المفهوم الوسط جامعا. و كون تلك المعاني مصاديق لهذا المفهوم الوسط.

و بهذا يتم الكلام في المحاولة الأولى بإرجاع المعاني المذكورة في مقابل الطلب، إلى معنى واحد و جامع وسط.

المحاولة الثانية: [إرجاع الطلب مع المعاني الأخرى للأمر إلى معنى واحد]

هي محاولة إرجاع الطلب مع تلك المعاني الأخرى إلى معنى واحد، بحيث إن كلمة الأمر، ليس لها معنيان، أحدهما الطلب، و الآخر الشي‏ء أو الحادثة أو الخصوصية، بل معنى واحد في جميع موارد استعمالاتها.

و هذا المطلب، و هو توحيد المعنى لكلمة الأمر، يتصور على ثلاثة أنحاء.

النحو الأول: أن يقال بإرجاع غير الطلب إلى الطلب.

17

و النحو الثاني: أن يقال بإرجاع الطلب إلى غير الطلب.

و النحو الثالث: أن يقال بتصور جامع أعلائي بين الطلب و بين ذاك المعنى الآخر الذي هو غير الطلب.

و هذه الأنحاء من التصور، لتوحيد المعنى للأمر، نحسبها حسابا تفصيليا و إجماليا.

[الحساب التفصيلي لتصورات توحيد معنى كلمة الأمر]

أما الحساب التفصيلي فهو:

إن النحو الأول‏ و هو إرجاع غير الطلب إلى الطلب، هو ما استقربه المحقق الأصفهاني (قده) حيث ذكر (1) بعد أن افترض أن غير الطلب عبارة عن الفعل، بأن استعمال كلمة الأمر في الفعل مرجعه إلى استعمال كلمة الأمر في الطلب بنحو من الأنحاء، و ذلك لأن الفعل في معرض أن يتعلق به الطلب، فكما يصح أن يعبّر عن الفعل بمطلب، و هذا أمر متعارف، فيقال الصلاة مطلب مهم، و الكتابة مطلب مهم، فكل فعل يعبّر عنه بمطلب بلحاظ شأنية تعلق الطلب به، فكذلك يصح أن يعبّر عنه بأمر، بلحاظ شأنية تعلق الأمر به، إذن فكلمة الأمر استعملت في معناها حتى في قولنا «الصلاة أمر عظيم و شرب الخمر أمر ذميم»، إذا استعملت كلمة الأمر في الطلب، و لكن إنما أطلق الطلب على الصلاة أو على شرب الخمر من باب أنه قابل ذاتا أن يتعلق به الطلب‏ (2).

و ما أفاده (قده): لا يمكن المساعدة عليه لما ذكرناه، من أن كلمة الأمر قد تستعمل فيما لا معنى لتعلق الأمر به أصلا، فنقول مثلا، شريك الباري أمر مستحيل، و اجتماع النقيضين أمر مستحيل، فإن قيل أن كلمة الأمر استعملت في الطلب، و أطلق الطلب على شريك الباري من باب أنه يمكن تعلق الأمر به، إذن فهذه عنايات لا معنى لها بناء على- ما- بينّاه، من أن إطلاق كلمة

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني ج 1 ص 103- 104.

(2) المصدر السابق.

18

الأمر لا يختص بباب الأفعال التي يصح تعلق الطلب بها، بل يأتي في غير الأفعال أيضا من الأمور المستحيلة و من أسماء الأجناس، و عليه فلا يمكن تصحيح إرجاع غير الطلب إلى الطلب بالعناية التي ذكرها المحقق الأصفهاني (قده)، فالنحو الأول لتصوير توحيد معنى لفظ الأمر لا يمكن المساعدة عليه.

و أما النحو الثاني‏ و هو إرجاع الطلب إلى غير الطلب، و هو ما استقربه المحقق النائيني‏ (1)، فبعد أن ذكر أن لفظة الأمر لها معنيان، أحدهما الطلب، و الآخر الحادثة المهمة أو الواقعة المهمة، قال، بأن الطلب أيضا يمكن أن يستعمل في كلمة الأمر، باعتبار كونه مصداقا من مصاديق الواقعة و الحادثة، فالطلب واقعة أيضا، فيقال زيد يطلب من عمرو، فمثل هذا إنما يكون باعتبار مصداقيته لعنوان الواقعة أو عنوان الحادثة، فيرجع الطلب إلى غير الطلب.

و ما أفاده (قده) ساقط لأمرين:

الأمر الأول: إن الطلب لو كان يطلق عليه الأمر، و كان الأمر يستعمل في موارد الطلب بلحاظ أن الطلب مصداق للواقعة، إذن لما كان هناك فرق بين الطلب التشريعي، و هو الطلب من الغير، من قبيل أن يطلب زيد من ابنه أن يصلي، و بين الطلب التكويني، من قبيل أن يطلب زيد المال أو العلم.

و من الواضح أن كلمة الأمر في موارد الطلب إنما تستعمل في الطلب التشريعي فإذا طلب الوالد من ولده أن يصلّي، فيقال أمره بالصلاة، أما حينما يطلب الإنسان العلم لا يستعمل فيه الأمر بالعلم، و هذا شاهد على أن إطلاق كلمة الأمر على الطلب ليس باعتباره واقعة من الوقائع، إذ لو كان بهذا الاعتبار لانعدم الفرق بين الطلب التشريعي و الطلب التكويني، فإن الطلب التكويني‏

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 الخوئي ص 86.

19

أيضا واقعة من الوقائع مع أنه لا يطلق عليه الأمر بنفس اللحاظ الذي يطلق به على الطلب التشريعي، فهذا كاشف على أن إطلاق كلمة الأمر في موارد الطلب لوحظ فيه الطلب بما هو طلب تشريعي، لا أن الاستعمال في الواقعة و أن الطلب ملحوظ بما هو مصداق للواقعة.

الأمر الثاني‏ إن الطلب تارة يلحظ بما هو طلب، و أخرى يلحظ بما هو واقعة، فإن لوحظ بما هو طلب، أمكن أن يتعدّى إلى متعلقه و لو بالباء، فيقال طلب الصلاة، من الطلب المتعلق بالصلاة، فالطلب يتعدى إلى المطلوب و أمّا إذا لوحظ بما هو واقعة، و بما هو فعل، فلا يتعدّى إلى الصلاة، فإنه لا يقال فعل بالصلاة، و من الواضح أن الأمر يتعدى إلى متعلقه فيقال الأمر بالصلاة، فكما أن الطلب ينسب إلى متعلقه فكذلك الأمر ينسب إلى متعلقه، فيقال أمر بالصلاة، و هذا كاشف عن أمر الأمر استعمل بمعنى الطلب لا بمعنى الواقعة و إلّا لكان معنى قولنا، الأمر بالصلاة الواقعة بالصلاة أو الحادثة بالصلاة، و هذا ممّا لا محصّل له، فنفس تعدّي الأمر في موارد الاستعمالات الطلبية إلى المتعلق بالباء، قرينة على أن الملحوظ هو مفهوم الطلب لا مفهوم الحادثة و الواقعة، إذن فهذا النحو الثاني ساقط أيضا.

و أما النحو الثالث‏ و هو دعوى تصور جامع بين الطلب و الواقعة، فكلمة الأمر لا هي موضوعة للطلب، و لا هي موضوعة للواقعة، و إنما هي موضوعة للجامع بين الطلب و الواقعة، و الطلب يراد باعتباره مصداقا لذلك الجامع.

و هذا النحو يرد عليه ما أوردناه على النحو السابق، مضافا إلى عدم تعقّل مثل هذا الجامع، فإن أريد جامع يكون أوسع انطباقا من كلا الأمرين من الطلب و الواقعة من قبيل مفهوم الشي‏ء، فمن الواضح أن كلمة الأمر ليست أوسع انطباقا من المعنيين، فكيف يدّعى وضعها للجامع الأوسع انطباقا من قبيل مفهوم‏

20

الشي‏ء!. و إن أريد الجامع المساوي انطباقا مع الواقعة و الطلب، فهذا الجامع عبارة عن نفس الواقعة، لأن الواقعة صادقة على نفسها و على الطلب أيضا، فيرجع الأمر إلى النحو الثاني و لا يكون النحو الثالث نحوا مستقلا برأسه.

[الحساب الاجمالى لتصورات وحدة معنى كلمة الامر]

و أمّا الحساب الإجمالي فهو:

استبعاد أن تكون كلمة الأمر لها معنى واحد سواء كان بالنحو الأول أو الثاني أو الثالث. و هذا الاستبعاد منشؤه أمران.

الأمر الأول: هو تعدد الجمع في كلمة الأمر، فإن كلمة الأمر حينما يراد منها الواقعة أو الخصوصية تجمع بصيغة أمور، و حينما يراد منها الطلب، تجمع بصيغة أوامر، و من المستبعد أن يكون للفظ الأمر معنى واحد، و مع هذا بلحاظ بعض مصاديقه يجمع على أوامر، و بلحاظ بعض مصاديقه الأخرى يجمع على أمور، فهذا غير معهود في اللغة، فيشكّل ذلك استبعادا لوحدة المعنى.

الأمر الثاني: إن لفظة الأمر بلحاظ الطلب ليست جامدة بل اشتقاقية فيقال «أمر، يأمر فهو مأمور» و بلحاظ الواقعة و الشي‏ء، جامدة، لا يشتق منها، و هذا شاهد على أن مادة الأمر، ليس لها معنى واحد، إذ لو كان لها معنى واحد، فهذا المعنى الواحد إن لوحظ فيه النسبة الناقصة بوجه من الوجوه، فيكون مصدرا و يقبل الاشتقاق منه، و إن جرّد عن النسبة نهائيا فيكون جامدا، و لا يقبل الاشتقاق منه، أمّا أنه بلحاظ بعض المصاديق تثبت قابليته للاشتقاق لغويا، و بلحاظ بعض المصاديق تثبت عدم القابلية، فهذا لغويا غير معهود فالمناسب مع هذا أن يكون لكلمة الأمر معنيان، أحدهما لوحظت في اللغة فيه، النسبة الناقصة بوجه من الوجوه، و لهذا أصبح حاله حال المصادر في أنه يشتق منه، و الآخر لم يلحظ فيه النسبة الناقصة فصار حاله حال الجوامد.

فهذان شاهدان على تعدّد المعنى لكلمة الأمر.

هذا هو الكلام في الجهة الأولى من جهات مادة الأمر.

21

الجهة الثانية اعتبار العلو في مفهوم الأمر

الجهة الثانية من جهات مادة الأمر، هي أن مفهوم الأمر هل يعتبر فيه العلو أو كلا الأمرين من العلو و الاستعلاء، أو أحد الأمرين الجامع بين العلو و الاستعلاء، أو لا يعتبر شي‏ء من ذلك؟. ففي المقام عدة احتمالات، و هذا البحث يساق على محورين.

المحور الأول: تبحث المسألة بلحاظ كون الأمر موضوعا لحكم العقل بوجوب الإطاعة.

فبهذا المعنى تحرّر المسألة، بأن يقال، إن موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة، هل هو الطلب الصادر مع العلو فقط، أو مع العلو و الاستعلاء، أو بدون علو أو استعلاء؟. فإن حرّرت المسألة بهذا النحو، فالمسألة مسألة عقلية، و ليست لغوية، و لا ربط لها بتشخيص معنى كلمة الأمر في اللغة، و إذا كانت المسألة عقلية فلا معنى لتحريرها بحيث أن العقل هو الحاكم بوجوب امتثال الطلب الصادر من العالي الحقيقي، أو العالي المستعلي، و لا معنى لهذا البحث، لوضوح أن حكم العقل بوجوب الإطاعة، موضوعه هو الطلب الصادر من المولى، و المولوية هي العلو الحقيقي في المقام، فالطلب إذا صدر من المولى و لو لم يكن بلغة الاستعلاء بل كان بلغة الاقتراض- و من يقرض اللّه قرضا حسنا- مع هذا يكون موضوعا لوجوب الإطاعة بحكم العقل، و إذا صدر من غير المولى فلا يكون موضوعا لوجوب الإطاعة بحكم العقل، و هذا لا نزاع فيه.

22

المحور الثاني: تبحث المسألة بلحاظ كون كلمة الأمر في لغة العرب، هل أخذ فيها العلو، أو العلو مع الاستعلاء، أو الجامع بين الأمرين، بحيث يكون لهذه المسألة فائدة فقهية و ليس لها فائدة أصولية، لأن فائدة هذا البحث حينئذ، يكون في مثل ما لو دلّ دليل على وجوب إطاعة أوامر الوالدين، و حينئذ يقال، بأنه هل يعتبر في صدق الأمر من الوالد الاستعلاء أو لا يعتبر، فمن قال باعتبار العلو و الاستعلاء معا قد يدّعي بأن الوالد إذا طلب من ولده شيئا في لسان الاسترحام فلا يشمله دليل وجوب إطاعة الوالدين و من قال بكفاية العلو من دون الاستعلاء يقول بأنه يشمله دليل وجوب إطاعة الوالدين، فتكون الثمرة ثمرة فقهية، و لكن هذه الثمرة محل إشكال، إذ لو فرض ورود دليل بلسان إطاعة الوالدين، و فرض أن الاستعلاء دخيل في عنوان الأمر لغة، و لكن العرف بمناسبات الحكم و الموضوع، يفهم من دليل وجوب إطاعة الوالدين، أن نكتة المطلب ليس هو استعلاء الوالد و تكبّره في مقام المخاطبة، بل نكتته علوّه الحقيقي و فضله على ولده، فبمناسبات الحكم و الموضوع يمكن إلغاء خصوصية الاستعلاء حتى لو قلنا بدخلها في مفهوم الأمر لغة، فلا تبقى هذه الثمرة الفقهية أيضا لمثل هذا البحث.

و كيف كان، فهو بحث في نفسه، من أنه هل يعتبر العلو أو العلو و الاستعلاء أو الجامع ما بينهما، و الظاهر بمراجعة الاستعمالات العرفية أنه يعتبر العلو بلا إشكال، لأن الطلب إذا صدر من غير العالي إلى مساويه أو إلى من هو أعلى منه لا يسمّى أمرا، حتى لو كان مستعليا، فلا إشكال في كفاية العلو في نفسه، و إن كان لسان الأمر لسان استرحام.

و أما الاستعلاء فالظاهر عدم اعتباره في المقام، بحسب الاستعمالات العرفية، فإذا كان مستعليا يعني مدّعيا للعلو، فهو مدع لقابلية الطلب بإدعائه للعلو، فكأنه يدّعى صدور الأمر منه، لأن الأمر متقوم بالعلو، فإذا ادعى أنه عال فهو يدعي إن هذا أمر، لا أنه يكون أمرا حقيقة.

و منه يظهر أن دعوى الجامع بين العلو و الاستعلاء، أيضا ساقطة، فإن‏

23

الظاهر أن الاستعلاء لا يغني عن العلو.

فالمناط إذن، هو العلو وحده، سواء اقترن بالاستعلاء أو تجرد عن الاستعلاء، و لكن لا أثر لهذا الكلام لا أصوليا كما هو واضح، و لا فقهيا بالنحو الذي أشرنا إليه، هذا هو الكلام من الجهة الثانية.

24

الجهة الثالثة لمادة الأمر

بعد أن ثبت أن الأمر بمعنى الطلب، يقع الكلام في أن كلمة الأمر، هل تدل على جامع الطلب، أو على خصوص الطلب الوجوبي، فلو قال المولى لعبده، أمرتك بالسعي، فهل يكون هذا الكلام دالا على الحصة الوجوبية من الطلب، أو يدل على أصل الطلب الملائم للوجوب و الاستحباب؟؟ فالكلام يقع في مقامين، أول المقامين، هو أصل دلالة كلمة الأمر على الوجوب، و بعد الفراغ عن هذه الدلالة، يقع الكلام في المقام الثاني، في أنه ما هو ملاك و نكتة هذه الدلالة.

أ- المقام الأول‏

و هو البحث عن أصل دلالة كلمة الأمر على الوجوب، فقد حاول بعض الأصوليين‏ (1) أن يستدل على ذلك بجملة من الآيات و الروايات من قبيل‏ «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ»، و غير ذلك ممّا كان من هذا القبيل من الروايات بتقريب، أن في مثل هذه الآية الكريمة، أخذ عنوان الأمر موضوعا للحذر و التحذّر، و من الواضح أن الطلب الاستحبابي ليس موضوعا للحذر، و إنما الذي يكون موضوعا للحذر هو الطلب الوجوبي، فيستكشف من ذلك أن‏

____________

(1) إحكام الأحكام ج 2- معالم الدين- أبو منصور الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني ص 40.

25

الأمر مختص بالطلب الوجوبي، و ليس أعم من الطلب الوجوبي و الاستحبابي، إذ لو كان أعم لما وقع على إطلاقه موضوعا لوجوب التحذّر، و الحال أنه قد وقع كذلك.

و التحقيق أنه لا يمكن التعويل على مثل هذا التقريب في مقام الاستدلال بهذه الآية و ما شابهها من روايات، و ذلك: لأنه هنا يوجد موضوع و حكم، فالموضوع هو عنوان الأمر، و الحكم هو التحذّر، و نعلم من الخارج أن الاستحباب لا حذر فيه و لا محذور في مخالفته، فالاستحباب قطعا خارج عن موضوع هذه القضية بهذا الدليل الخارج، إلّا أن الأمر يدور بين أن يكون خروج الاستحباب عن موضوع هذه القضية خروجا تخصيصيا، أو خروجا تخصصيا، فإن كانت كلمة الأمر مختصة بالطلب الوجوبي كما هو المدّعى، إذن فالاستحباب خارج تخصصا، بمعنى أنه ليس أمرا أصلا، و إن كانت كلمة الأمر، دالة على الجامع ما بين الطلب الوجوبي و الاستحبابي، إذن فالاستحباب خارج تخصيصا لا تخصصا، بمعنى أنه أمر، لكن لا حذر فيه.

إذن فالأمر يدور بين أن يكون خروج الاستحباب عن موضوع الآية الكريمة خروجا تخصيصيا أو خروجا تخصّصيا، و المستدل بالآية على أن الأمر يختص بالوجوب، مراده إثبات أن الاستحباب خارج خروجا تخصّصيا عن موضوع الآية، لا أنه خارج تخصيصا، فلا بد للمستدل بالآية أن يعيّن الاحتمال الأول مقابل الاحتمال الثاني.

و حينئذ ففي مسألة دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص، التي هي مسألة معنونة في بحث العام و الخاص، و هو في أنه إذا علم بخروج فرد من العام و دار الأمر بين أن يكون خروجه تخصيصا أو تخصّصا، ففي تلك المسألة، إن قيل بأن أصالة عدم التخصيص لا تجري و لا يثبت بأصالة عدم التخصيص، التخصص لأن أصالة عدم التخصيص إنما تجري فيما إذا احتمل شمول حكم العام للفرد، و أمّا إذا علم بأن الفرد ليس مشمولا لحكم العام، و دار الأمر بين أن يكون عدم شموله من باب التخصيص أو من باب‏

26

التخصّص، فلا تجري اصالة عدم التخصيص، فإن قيل كما بنى صاحب الكفاية (1) و المشهور بين المحققين على أن اصالة عدم التخصيص لا تجري في موارد دوران الأمر بين التخصيص و التخصص، إذن فلا يمكن للمستدل في المقام أن يجري اصالة عدم التخصيص لكي يثبت التخصص، فإن إثبات التخصّص الذي هو مرامه فرع إجراء اصالة عدم التخصيص، فإذا لم يقل بجريان اصالة عدم التخصيص لا يمكن للمستدل أن يثبت التخصص في المقام، فلعلّه تخصيصا، و إن قيل هناك في تلك المسألة، أنه في مثل دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص تجري اصالة عدم التخصيص، لأن التخصيص على خلاف القاعدة ففيه مئونة و على خلاف الأصل، فتجري اصالة عدم التخصيص، و بأصالة عدم التخصيص يتعيّن التخصّص، فأيضا هذا لا ينطبق على محل الكلام، ففي المقام، لا يمكن للمستدل أن يجري اصالة عدم التخصيص، و النكتة في ذلك هي، أن من يقول بجريان اصالة عدم التخصيص إنما يقول بذلك فيما إذا كان على فرض التخصيص لا يوجد قرينة متصلة صالحة للتخصيص، بحيث أنه على فرض التخصيص، يكون تخصيصا بلا قرينة متصلة، ففي مثل ذلك يدور الأمر بين التخصيص، بلا قرينة متصلة، و بين التخصص، فيقال بأن التخصيص بلا قرينة متصلة على خلاف الأصل، فيجري أصالة عدم التخصيص، و يتعين التخصّص، و أما لو فرض أنه على فرض التخصيص يوجد قرينة متصلة على هذا التخصيص، إذن فهذا التخصيص ليس على خلاف الأصل لأنه تخصيص بقرينة متصلة، فلا معنى لإجراء أصالة عدم التخصيص، فالأصل هو عدم التخصيص بلا قرينة متصلة لا أن الأصل هو عدم التخصيص مع نصب قرينة متصلة.

و مقامنا من هذا القبيل، فلو فرض أن مدلول كلمة الأمر أعم من الوجوب و الاستحباب، فهنا يوجد قرينة متصلة على خروج الاستحباب، فنفس التحذير مع مركوزيته، يكون مستتبعا للعقاب، بينما الاستحباب ليس‏

____________

(1) المشكيني ج 1 ص 350- 352.

27

منشأ للعقاب، فهذا بنفسه قرينة متصلة على التخصيص، فالأمر دائر، بين التخصّص و بين التخصيص مع القرينة المتصلة، فلو بني على أصالة عدم التخصيص في موارد الدوران بين التخصيص و التخصّص، لا ينطبق هذا المبنى على محل الكلام.

و على هذا، فالاستدلال بمثل هذه الآية في غير محله و بحسب الحقيقة، لم يتحقق إشكال معتد به في أصل دلالة الأمر على الوجوب، و لم يستشكل أيّ فقيه عادة في الفقه في أنه لو ورد في لسان آية أو رواية لفظ الأمر فإنه يفتي بالوجوب طبقا للتبادر العرفي، فإن المتبادر عرفا و المتفاهم عقلائيا من كلمة الأمر، هو الوجوب، و لهذا لو أمر المولى المفروغ عن مولويته، و تخلّف العبد عن الامتثال، فيستحق العقاب و العتاب، و ليس ذلك إلّا لمفروغية العرف عن انفهام الوجوب، و الإلزام في مثل هذا الخطاب، فأصل دلالة لفظ الأمر على الوجوب ليس محلا للإشكال أصلا، و ليس بحاجة إلى الاستدلال، و إنما يثبت بالتبادر و الوجدان العرفي، أضف إلى ذلك أن أصل دلالة صيغة الأمر على الوجوب أيضا أمر مفروغ عنه فقهيا و عرفيا و يكفيه التبادر و الوجدان العرفي.

المقام الثاني [ملاك دلالة الأمر على الوجوب مادة و صيغة]

بعد الفراغ عن أصل دلالة كلمة الأمر و صيغة الأمر على الوجوب، يقع الكلام في أنه ما هو ملاك دلالة الأمر على الوجوب مادة و صيغة، و في هذا المقام يوجد ثلاثة مسالك.

المسلك الأول: [دلالة الامر على الوجوب بالوضع‏]

الوضع، بمعنى أن الأمر موضوع للدلالة على حصة خاصة من الطلب، و هو الطلب الوجوبي، و هذا المسلك موقوف على إبطال المسلكين الأخيرين، لأن الدليل على الوضع، إنما هو الوجدان العرفي، لأن العقلاء و العرف يرون أن المولى إذا أمر عبده و عصى، صحّت معاقبته و إدانته، و هذا يكشف عن الوضع إذا بطل المسلكان الأخيران، و أما إذا ثبت أحد هذين المسلكين،

28

و اقتضى الحمل على الوجوب فحينئذ لا ينحصر وجه هذه السيرة العقلائية و التفاهم العرفي في الوضع، و هذا المسلك ذهب إليه مشهور الأصوليين.

المسلك الثاني: [الدلالة بحكم العقل‏]

و هو مسلك المحقق النائيني‏ (1) القائل بأن دلالة الأمر على الوجوب إنما هي بحكم العقل و تبعه بذلك السيد الأستاذ (2).

المسلك الثالث: [الدلالة بالإطلاق و مقدمات الحكمة]

هو مسلك المحقق الخراساني‏ (3) و ذهب إليه المحقق العراقي‏ (4) القائلان بأن دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

____________

(1) فوائد الأصول الكاظمي ج 1 ص 70.

(2) محاضرات فياض ج 2 ص 14.

(3) كفاية الأصول مشكيني ج 1 ص 92.

(4) بدائع الأفكار ج 1 ص 197 الآملي.

29

محاولة إبطال المسلك الثاني‏

و حاصل ما ذكره الميرزا في توضيح مسلكه، هو أن المدلول اللفظي للأمر، صيغة و مادة، إنما هو الطلب بمعنى تصدّي المولي لتحصيل الفعل، فعند ما يقول المولى آمرك، أو صلّ، فمفاد كلامه، إنما هو طلب فعل الصلاة من المكلف، و هذا الطلب، و هو تصدي المولى لتحصيل الفعل من قبل العبد، له حالتان.

فتارة يقترن بنصب بيان من قبل المولى متصل أو منفصل على الترخيص فيقول آمرك بالصلاة و مع هذا يبين متصلا أو منفصلا أنه لا بأس بالترك.

و تارة أخرى، التصدي المولوي لتحصيل الفعل من قبل العبد، لا يقترن ببيان على الترخيص لا متصل و لا منفصل، ففي الحالة الأولى، حيث اقترن الطلب بالرخصة المتصلة أو المنفصلة، فإن مثل هذا الطلب و التصدي ليس موضوعا لحكم العقل بوجوب التحرك و الامتثال، لإمكان أخذ العبد بالرخصة في المقام و لا ضير عليه، و أمّا في الحالة الثانية حيث أن الطلب لم يقترن بترخيص متصل أو منفصل، فإن مثل هذا التصدي هو تمام الموضوع لحكم‏ (1) العقل بلزوم التحرك على طبقه، لأن المولى حرّك العبد و لم يرخصه في عدم التحرك. إذن فبمقتضى مولوية المولى و عبودية العبد يكون الطلب موضوعا

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ج 1 ص 70.

30

للزوم التحرك بحكم العقل، و في هذه المرحلة يتصف الطلب بعنوان الوجوب، فالوجوب صفة تتحقق للطلب بلحاظ وقوعه موضوعا لحكم العقل بلزوم التحرك، و هذا الوجوب مرجعه إلى أمر عقلي متأخر عن الطلب و في طول الأمر، و ليس أمرا شرعيا سابقا على الأمر. إذن فكلّما صدر من المولى شي‏ء يسمّى طلب سواء كان هذا الطلب بمادة الأمر أو بصيغة الأمر أو بلسان آخر، و لم يقترن ببيان للترخيص لا متصل و لا منفصل، فمثل هذا الطلب طلب وجوبي يعني يقع موضوعا لحكم العقل بلزوم التحرك على طبقه من باب قانون المولوية و العبودية، إذن فالوجوب لا يحتاج إثباته إلى دلالة لفظية، فإن اللفظ لا يدل على الوجوب، و إنما الوجوب شأن من شئون حكم العقل مترتب على صدور الطلب من قبل المولى.

و ما أفاده الميرزا (قده) لا يمكن المساعدة عليه حلا و نقضا.

أما الحل: فإننا نمنع أن يكون موضوع حكم العقل بلزوم الإطاعة، هو صدور الطلب من المولى مع عدم بيان الترخيص، لوضوح أنه لو صدر طلب من قبل المولى و لم يصدر ترخيص بالترك، و لكن علم واقعا بعلم غير مستند إلى بيان المولى، بأن هذا الطلب الصادر منه نشأ من ملاك غير شديد، و أن المولى تطيب نفسه بتفويت هذا الملاك و حينئذ، العقل لا يحكم في مثل ذلك بلزوم الامتثال، و لا يرى المخالفة منافية مع العبودية، فلا يكون العبد حينئذ عاصيا أو مستحقا للعقاب في هذا الغرض، فليس ميزان حكم العقلاء بلزوم الامتثال، هو مطلق صدور الطلب من المولى مع عدم بيان الترخيص بالمخالفة، بل الميزان هو صدور الطلب من المولى بملاك أكيد شديد بحيث لا تطيب نفسه بالمخالفة

و هذا المطلب يحتاج إلى كاشف، فإذ صدر طلب من المولى، و لم يعرف أنه صدر بملاك شديد أم لا، إذن كيف يبنى على الوجوب في المقام و كيف يحكم العقل بلزوم الإطاعة!. فلا بد أن يدّعى أنّ لفظة الأمر تدل على أن الطلب صدر بملاك شديد، و هذا رجوع إلى الدلالة اللفظية، فلا يمكن في‏

31

المقام دعوى أن لا يحتاج إثباته إلى الدلالة اللفظية و أن الوجوب يثبت بحكم العقل بلزوم الإطاعة، لأن هذه الدعوى إنما تتم إذا قلنا بمسلك الميرزا، لكن بعد الالتفات إلى أن حكم العقل بلزوم الإطاعة لا يكفي في موضوعه مجرد صدور طلب و عدم بيان الترخيص، بل موضوعه صدور الطلب و أن يكون واقع نفس المولى غير راضية بالمخالفة، و حينئذ، كيف يعرف أن واقع نفسه راضيه بالمخالفة أو غير راضية بالمخالفة، هذا لا يمكن للعقل أن يثبته أو ينفيه، و إنما المرجع فيه هو بيان المولى، فلو قيل بأن لفظ الأمر يدل على ذلك، إذن فقد ثبت دلالة الأمر اللفظية على الوجوب، و أن لفظ الأمر يدل على الوجوب بالوضع أو بالإطلاق، و هذا خلاف ما يقوله الميرزا، و إن قيل بأن لفظ الأمر لغة و عرفا و إطلاقا لا يدل إلّا على أصل الطلب، إذن فلا يتسجل الوجوب في المقام بحكم العقل، لأن الوجوب بحكم العقل فرع أن تكون نفس المولى غير راضية بالمخالفة، و هذا المطلب لم يثبت في المقام من المولى، فكيف يقال بالوجوب!.

هذا البيان بحسب الحقيقة هو حل المطلب، و تمام النكتة في حل المطلب هو تشخيص أن موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال، ليس هو الطلب مع عدم بيان الترخيص، بل هو الطلب و أن يكون واقع نفس المولى آبية عن المخالفة، يعني أن يكون الطلب مقرونا بالملاك الشديد القوي في نفس المولى، و هذا الموضوع بحكم العقل ينحصر إثباته بلفظ المولى، فإذا لم نقل بأن لفظ الأمر يدل على الطلب الأكيد الشديد الذي هو الوجوب، إذن فكيف يتم حكم العقل بالوجوب و لزوم الامتثال!.

و أما النقض فهو أن مسلك الميرزا، في تصوير دلالة الأمر على الوجوب، له لوازم في الاستنباط في الفقه لا يلتزم بها أصحاب هذا المسلك، و من جملة هذه اللوازم:

أولا: أنه يلزم بناء على مسلك الميرزا، رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب فيما إذا دلّ عموم عام على الترخيص، مع أنه لا يلتزم أحد بذلك،

32

و توضيحه: لو قال المولى «آمرك باكرام الفقيه أو أكرم الفقيه» و ورد على لسان المولى أيضا «لا يجب إكرام العالم»، الأعم من الفقيه و غير الفقيه. فإن هذين الدليلين بينهما تعارض بدوي، لأن قوله «أكرم الفقيه» ظاهر في وجوب إكرام الفقيه، و قوله «لا يجب إكرام العالم» دال بعمومه و إطلاقه على عدم وجوب إكرام الفقيه لأن الفقيه هو أيضا أحد العلماء، فلا بأس بترك إكرامه. و مقتضى الجمع العرفي بين هذين الدليلين، هو جعل الخاص قرينة على العام، و يخصّص العام بالخاص، لأن الخاص بحسب الفهم العرفي يصلح أن يكون قرينة على العام فيخصصه، و أمّا العام فلا يصلح بحسب هذا الفهم أن يكون قرينة على الخاص، إذن فترفع اليد عن عموم العام و يلتزم بالتخصيص و نتيجة ذلك، أن الفقيه يجب إكرامه، و غير الفقيه من العلماء لا بأس بترك إكرامه، هذه نتيجة الجمع الدلالي بين هذين الدليلين.

و هذا الجمع إنما يتم بناء على أن يكون الوجوب مدلولا لفظيا للخطاب إمّا بالوضع أو بمقدمات الحكمة و أمّا بناء على أن يكون الوجوب ليس مدلولا للفظ، و أن الأمر مادة و صيغة لا يدل على الوجوب أصلا، و إنما يدل على جامع الطلب، فعلى هذا، إذن لا تعارض بين الدلالتين فإن دلالة «أكرم الفقيه» هي جامع طلب الإكرام المناسب للوجوب و الاستحباب، و دلالة «لا يجب إكرام العالم» هي نفي الوجوب فقط، إذن فلا تعارض بين الدلالتين حتى يصل الأمر إلى الجمع الدلالي، و تقديم القرينة على ذي القرينة. بل يوجد في المقام حكم العقل بلزوم الامتثال، و من الواضح أن حكم العقل هذا معلّق على عدم صدور الترخيص من قبل المولى، و العام ترخيص من قبله، فيكون عموم العام واردا على حكم العقل و رافعا لموضوعه، فلم يبق للعقل حكم بوجوب الإطاعة، و يبقى عموم الترخيص من قبل المولى بلا معارض، لأن المفروض أن «أكرم الفقيه» لا يدل على الوجوب فيكون مقتضى القاعدة حينئذ، هو تقديم عموم الدال على الترخيص على دلالة الأمر على الوجوب، مع أن هذا لا يلتزم به عادة في الفقه، و ليس ذلك إلّا للارتكاز العرفي و الفقهي بأن دلالة الأمر على الوجوب ليس من باب حكم العقل، بل هي دلالة لفظية، و لهذا

33

يطبّق عليه قواعد الجمع العرفي و قواعد القرينة و ذي القرينة فيقدم الخاص على العام.

ثانيا: إن الذي أفاده الميرزا من موضوع حكم العقل بلزوم الإطاعة، هو الطلب مع عدم بيان الترخيص، و حينئذ نسأل، أنه ما المراد بعدم بيان الترخيص!. هل المراد عدم بيان الترخيص المتصل أو عدم بيان الترخيص و لو المنفصل؟.

فإن كان المراد هو عدم البيان المتّصل، فمعناه أنه لو صدر من المولى طلب و لم يتصل به قرينة على الترخيص فالعقل يحكم بلزوم الامتثال و الإطاعة، فإذا ورد بعد ذلك بيان منفصل على الترخيص، يلزم أن يكون هذا البيان الترخيصي المنفصل معارضا و منافيا لحكم العقل بالامتثال، لأن المفروض أن الحكم العقلي مقيّد بعدم البيان الترخيصي المتصل، و قد تمّ عدم البيان المتصل، إذن فيكون البيان المنفصل منافيا لحكم العقل، و المنافاة مع حكم العقل مستحيلة.

و إن كان المراد بعدم بيان الترخيص هو عدم صدور بيان مولوي بالترخيص لا متصل و لا منفصل، كما هو ظاهر عبارة الميرزا، و لعلّه صريحها، إذن فلو صدر من المولى طلب و لم يقترن بالترخيص لكن احتمل صدور ترخيص منفصل، ففي مثل ذلك لا يمكن للعقل أن يستقل بالوجوب، لغرض أن حكم العقل معلّق على عدم صدور بيان بالترخيص لا متصل و لا منفصل فمع احتمال البيان الترخيصي المنفصل، لا يمكن للعقل أن يحكم بالوجوب، بل يكون الوجوب مشكوكا حينئذ، و لا دليل عليه، لأن خطاب «أكرم العالم»، لا يدل على الوجوب بل على جامع الطلب، و حينئذ يمكن الرجوع إلى مثل حديث الرفع و بعض الأصول المؤمّنة لرفع مثل هذا الخطاب و هو «أكرم العالم»، هذا بناء على مسلك الميرزا، و أمّا بناء على أن دلالة الأمر على الوجوب دلالة لفظية، نقول بأن دلالة الأمر و ظهوره في الوجوب موقوف على عدم القرينة المتصلة على الترخيص، فبمجرد عدم القرينة المتصلة على‏

34

الترخيص ينعقد ظهور فعلي للخطاب في الوجوب، فلو وجد بعد هذا قرينة متصلة على الترخيص يقع التعارض بين الظهورين، و لا مشاحة في التعارض بين الدلالتين و الظهورين، و حينئذ يعمل معهما معاملة الدليلين المتعارضين.

و هذا النقض الثاني يبرهن أيضا على أن النكتة المركوزة في الأذهان الفقهية و العرفية لدلالة الأمر على الوجوب ليست هي عبارة عن حكم العقل بوجوب الإطاعة، بل هي الدلالة اللفظية للأمر و لكن هل أن هذه الدلالة هي بالإطلاق و مقدمات الحكمة أو بالوضع، فهذا سوف يأتي إن شاء تعالى.

35

محاولة إبطال المسلك الثالث‏

و حاصل هذا المسلك هو، أن دلالة الأمر على الوجوب دلالة لفظية و لكنها ليست بالوضع و إنما هي بالإطلاق و مقدمات الحكمة من قبيل دلالة أسماء الأجناس على الإطلاق الثابتة بمقدمات الحكمة (1).

و قد قرّب ذلك المحقق العراقي، بما يرجع حاصله، إلى أنّ الأمر مادة و صيغة يكون دالا بلحاظ مدلول تصديقي على الإرادة المولوية القائمة في نفس المولى، فكأن لفظ الأمر مادة و صيغة قالب لإبراز إرادة المولى و طلبه. ثم إن هذه الإرادة أمرها مردّد بين أن تكون شديدة و هي الوجوب، و بين أن تكون ضعيفة و هي الاستحباب.

و المراد بمقدمات الحكمة و بالإطلاق، إثبات أن هذه الإرادة المدلول عليها بالأمر هي إرادة قوية و ليست ضعيفة.

و يتم إثبات ذلك ببيان و هو: أن الإرادة الشديدة، تختلف عن الإرادة الضعيفة في تأكد الإرادة، بمعنى أن الإرادة الشديدة تشترك مع الإرادة الضعيفة في أصل الإرادة، و تختلف الشديدة عن الضعيفة بتأكد هذه الإرادة و شدّتها، إذن فما به امتياز الإرادة الشديد عن الإرادة الضعيفة هو الإرادة أيضا و قوة هذه‏

____________

(1) بدائع الأفكار- الآملي ج 1 ص 197.

36

هذه الإرادة، و هذا معناه أن الإرادة الشديدة لا تزيد عن الإرادة بشي‏ء، لا بما له الاشتراك و لا بما به الامتياز، لأن ما به الاشتراك و هو الإرادة، و ما به الامتياز هو قوة الإرادة و تأكدها، الذي هو عبارة عن الإرادة، إذن فالإرادة الشديدة و ما به اشتراكها و ما به امتيازها كلاهما إرادة، و أما الإرادة الضعيفة فما به اشتراكها هو الإرادة أيضا، لكن ما به امتيازها هو فقدان الإرادة، و بناء على ذلك فإنّ لفظ الأمر مادة و هيئة، الصادر من المولى، يدل على الإرادة، و عندئذ، إن كان الثابت في نفس المولى هو الإرادة القوية، إذن فالخطاب المولوي يبين تمام حقيقة هذه الإرادة بلحاظ ما به اشتراكها و بلحاظ ما به امتيازها، لأنها بتمامها إرادة، و لا تزيد عن الإرادة بشي‏ء، فما به الاشتراك فيها هو الإرادة، و ما به امتيازها عن غيرها هو الإرادة، و الخطاب الصادر من المولى يفي بالتعبير عن الإرادة، فالتعبير به مناسب للتعبير عن تمام هوية هذه الإرادة، فتمام هوية هذه الإرادة لا يزيد عن الإرادة بشي‏ء، و أمّا إذا كان ما في نفس المولى هو الإرادة الضعيفة، إذن خطاب المولى يعبّر عمّا به الاشتراك في هذه الإرادة عن أصل الإرادة، و أمّا ما به امتياز هذه الإرادة عن الإرادة القوية فلا يعبّر عنه خطاب المولى، لأن ما به الامتياز هو فقدان المرتبة العالية من الإرادة و هذا الفقدان ليس مدلولا لخطاب المولى بالأمر مادة و صيغة.

إذن فالأمر يدور بين أن يكون ما في نفس المولى هو الإرادة القوية، إذن فما هو في نفس المولى بتمامه مبيّن بالخطاب، و بين أن يكون ما في نفس المولى هو الإرادة الضعيفة، إذن فخطاب المولى لا يفي ببيان تمام ما في نفسه، لأن ضعف الإرادة عبارة عن فقدانها، و الفقدان لا يدل عليه الخطاب كما هو واضح، و حينئذ، تجري مقدمات الحكمة، و يقال أن الأصل هو كون المولى في مقام بيان تمام ما في نفسه، فإذا كان تمام مرامه هو الإرادة القوية، إذن فقد بيّنها بتمامها، فقد بيّن ما به الاشتراك و ما به الامتياز، و إن كان تمام مرامه هو الإرادة الضعيفة فهو لم يبيّن تمام مرامه، لأن الإرادة الضعيفة ما به اشتراكها قد بيّن، و ما به امتيازها عن الإرادة القوية فلم يتبيّن، فبمقتضى أصالة كون المولى في مقام البيان، و أنه لو كان يريد تلك المئونة الزائدة لنصب قرينة

37

عليها، و حيث أنه لم ينصب قرينة فمقتضى هذا الإطلاق و هذه المقدمات حمل الإرادة على الإرادة القوية.

و هذا البيان بحسب الحقيقة، مرجعه إلى هذه النكتة، و هي أن الإرادة القوية بلحاظ حيثية ما به الامتياز و حيثية ما به الاشتراك لا تزيد عن الإرادة بشي‏ء، و أمّا الإرادة الضعيفة فبلحاظ ما به الاشتراك، هي إرادة، و لكن بلحاظ حيثية ما به الامتياز فهي عدم إرادة، و مقتضى كون المولى في مقام بيان تمام مرامه بشخص خطابه هو أن يكون في مقام إبراز الإرادة القوية، لأنه لو كان في مقام إبراز الإرادة الضعيفة لما كان هناك كاشف عن ضعف الإرادة، لأن الخطاب يكشف عن نفس الإرادة فقط، و أما ضعفها و فقدها، فلا كاشف عنه، و هذا خلاف حالة كون المولى في مقام البيان.

و هذا البيان و إن كان صناعيا في نفسه، لا يرد عليه جملة من الإشكالات التي أوردت عليه، لكن الذي يرد على هذا البيان هو: إن الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة ليس دلالة عقلية برهانية مبنية على التعمل الفلسفي العقلي، و إنما الإطلاق سنخ من الدلالة العرفية و مرجعه إلى الظهور الحالي للمتكلم في أنه في مقام بيان تمام مرامه بشخص كلامه، فحينئذ متى ما دار الأمر بين أن يكون مرام المتكلم سنخ مرام يفي به كلامه أو سنخ مرام يزيد على كلامه و لا يفي مرامه بتمامه، يحمل حينئذ على المرام الذي يفي به كلامه باعتبار انعقاد ظهور عرفي حالي في تعيين هذا المرام الذي يفي به كلامه، و بعد الالتفات إلى أن الإطلاق من الظهورات العرفية الحالية يتبيّن أنه يحتاج إجراء الإطلاق و مقدمات الحكمة إلى أن يكون الدوران بين فردين، أحدهما في نظر العرف فيه مئونة زائدة على كلامه، و الآخر في نظر العرف ليس فيه مئونة زائدة على كلامه، و لا يكفي أن يكون بحكم العقل و التحليل الفلسفي أحدهما فيه مئونة زائدة و الآخر ليس فيه مئونة زائدة، فلا بدّ و أن يكون كذلك بالنظر العرفي، و من الواضح أن هذا المطلب الذي قيل، و هو أن الإرادة القوية ليس فيها مئونة زائدة على أصل الإرادة، لأن ما به الاشتراك. و ما به الامتياز هو

38

الإرادة، و أمّا الإرادة الضعيفة فما به الاشتراك و إن كان هو الإرادة، و لكن ما به الامتياز ليس هو الإرادة، بل مئونة زائدة على الإرادة و هي الفقدان، فإن هذا المطلب إنما هو بالتعمّل الفلسفي و التحليل العقلي، و أمّا النظر العرفي فهو لا يرى أن أحد هذين الفردين فيه مئونة زائدة أزيد من مئونة الفرد الآخر، و ما دامت المئونة غير زائدة، إذن فلا ينعقد في المقام إطلاق عرفي يقتضي تعيين غير ذي المئونة في مقابل ذي المئونة:

و بهذا ظهر، أن المقصود في المقام، ليس دعوى أن العرف ليس ملتفتا تفصيلا إلى الكلام الذي أفاده المحقق العراقي، حتى يقال كما ذكر (قده) من أن العرف و إن لم يكن ملتفتا تفصيلا، إلّا أن هذا المطلب مركوز في ذهنه إجمالا، بل المقصود أن العرف و لو شرح له هذا المطلب فهو لا يرى أصلا مئونة و لا يصدّق أن الفرد الشديد فرد بلا مئونة، و الفرد الضعيف فرد بالمئونة، و هذا معناه أن هذه العناية غير موجودة في ذهن العرف ارتكازا، إذن فلا يمكن أن تكون هذه المئونة ملاكا للإطلاق في المقام.

نعم هناك بيان آخر لتقريب الإطلاق أمتن من هذا البيان، و هذا البيان يتوقف على بيان مقدمة.

و حاصل هذه المقدمة هو أنه من المعروف بين جملة من المتقدمين، أن كلا من الوجوب و الاستحباب مركب من جزءين‏ (1)، فالوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع أو النهي‏ (2) عن الترك، و الاستحباب مركب من طلب الفعل مع الترخيص في الترك، فهناك قدر مشترك بين الوجوب و الاستحباب و هو طلب الفعل و يمتاز الوجوب بالمنع أو بالنهي عن الترك و يمتاز الاستحباب بالترخيص في الترك، و تارة يبنى على الكراهة في النهي، و أخرى على الإلزام، و هو النهي الإلزامي، فإذا ما بني على الكراهة في النهي، فلا

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام- الآمدي ج 2 ص 137.

(2) معالم الدين- بحث الضد- أبو منصور الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني ص 65.

39

يكون هناك وجوب بعد فرض كلا الجزءين طلب الفعل و النهي عن الترك، و هذا كاشف عن أن حقيقة الوجوب ليست بهذين الأمرين الوجوديين، لإمكان انحفاظ هذين الأمرين الوجوديين، و مع هذا لا وجوب، و إنما حقيقة الوجوب هي الطلب مع عدم الترخيص في الترك لا مع النهي عن الترك، الذي هو أمر وجودي، بل مع عدم الترخيص بالترك الذي هو أمر عدمي، فإذا ثبت أن الوجوب و الاستحباب بينهما قدر مشترك، و هو الطلب، و الاستحباب يمتاز بأمر وجودي و هو الترخيص في المخالفة، و الوجوب يمتاز بأمر عدمي و هو عدم الترخيص بالترك، فحينئذ، يمكن أن يقال، بأن مرام المولى دائر بين أن يكون مقيدا بخصوصية وجودية أو بخصوصية عدمية، فإن نصب المولى قرينة على الخصوصية الوجودية أخذ بها، و إذا لم ينصب قرينة على ذلك، فنفس عدم نصب قرينة على الخصوصية الوجودية، هو بنفسه قرينة على الخصوصية العدمية، كما هو الحال في باب المطلق و المقيّد، ففي هذا الباب يمتاز المقيد عن المطلق بخصوصية وجودية و هي التقييد، و يمتاز المطلق على المقيد بخصوصية عدمية و هي عدم التقييد، و لهذا حينما يدور الأمر بين الخصوصية الوجودية و الخصوصية العدمية، يرى العرف أن المحتاج إلى البيان إنما هو الخصوصية الوجودية، فعدم البيان لهذه الخصوصية هو بيان للعدم، و هذا هو معنى الإطلاق و مقدمات الحكمة، فإذا دار الأمر بين الخصوصية الوجودية و الخصوصية العدمية، يرى العرف أن الخصوصية العدمية أخف مئونة، و مقتضى الإطلاق هو إثبات الخصوصية الأخف مئونة و يتعيّن الوجوب.

هذان هما البيانان اللذان يمكن بهما إثبات دلالة الأمر على الوجوب، من باب الإطلاق و مقدمات الحكمة، و البيان الأول، هو ما استقربه المحقق العراقي‏ (1)، و البيان الثاني هو ما استقربناه، و لكن هل يمكن الاكتفاء بهذين البيانين لدلالة الأمر على الوجوب بلا الالتزام بالدلالة الوضعية و بالوضع؟.

____________

(1) بدائع الأفكار- الآملي ج 1 ص 197.

40

[اشكالان على الاكتفاء بالاطلاق بدون حاجة الى دلالة الوضع‏]

و في مقام إمكان الاكتفاء بما ذكر من بيان للإطلاق بلا حاجة إلى الدلالة الوضعية يوجد إشكالان:

الإشكال الأول‏

و هو أن الإطلاق و إن فرض تماميته و عرفيته و لو بالبيان الذي قرّبناه، فهو لا يجري في سائر الموارد، بل في بعضها، بينما نحتاج إلى وجه للدلالة على الوجوب في سائر الموارد، فإن البناء فقهيا و عرفيا على أنه متى صدر أمر من المولى يبنى على الوجوب، بينما هذا الإطلاق يحتاج إلى عناية زائدة، و هذه العناية أحيانا تكون موجودة، و أحيانا معدومة، فلا ينفع مثل هذا الإطلاق في المقام.

و توضيح ذلك يتوقف على بيان كبرى الإطلاق- مقدمات الحكمة- و بيان صغريات هذه الكبرى، و بيان ذلك تفصيلا يرجع إلى بحث المطلق و المقيّد، و لكن نشير بنحو الإجمال إلى الكبرى و صغرياتها حتى يتضح أن الإطلاق المدعى في المقام سواء كان بتقريب المحقق العراقي أو بتقريبنا على أي حال لا يفيد في المقام في جميع الموارد.

أمّا كبرى الإطلاق التي هي أساس مقدمات الحكمة هي أصل عقلائي و ظهور حالي، و هي أصالة كون مرام المولى لا يزيد على كلامه، فإن الأصل في كل متكلم أنه في مقام بيان تمام مرامه بكلامه، بحيث أن مرامه لا يزيد على مقدار مدلول كلامه، إذ لو زاد على مدلول كلامه، إذن لما كان في مقام بيان الزيادة، و لما كان في مقام البيان، مع أنه في مقام البيان، و حينئذ بناء على هذا الأصل إذا دار أمر مرام المولى بين احتمالين، بحيث، على أحد الاحتمالين كان مرامه لا يزيد على مدلول كلامه، و على الاحتمال الآخر كان مرامه يزيد على مدلول كلامه، فيتعيّن الاحتمال الأول و هو أن مرامه لا يزيد على مدلول كلامه و هذا هو المسمّى بالإطلاق.

و أمّا الصغرى، فمثالها هو الإطلاق و مقدمات الحكمة بناء على مبنانا في‏

41

المطلق و المقيد، حيث ذكرنا أنه يوجد تقييد لحاظي و في مقابله يوجد إطلاق لحاظي، و التقييد اللحاظي يعني لحاظ القيد في الطبيعة، في طبيعة البيع مثلا، التي وقعت موضوعا لأحل اللّه البيع، و الإطلاق اللحاظي يعني لحاظ عدم دخل القيد في الطبيعة، و هذان الأمران التقييد اللحاظي و الإطلاق اللحاظي، كلاهما خصوصيتان وجوديتان زائدتان على الطبيعة و اسم الجنس و هو لفظ البيع، لم يوضع لا للطبيعة مع الإطلاق اللحاظي و لا للطبيعة مع التقييد اللحاظي، بل وضع للجامع المحفوظ في ضمن المقيّد اللحاظي و في ضمن المطلق اللحاظي المسمى بطبيعة اللابشرط المقسمي، و حينئذ، إذا قال المولى‏ «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»، فلفظ البيع بحسب مدلوله الوضعي لا يدل إلّا على ذات الطبيعة، الجامع بين المطلق و المقيّد، لا على الإطلاق اللحاظي و لا على التقييد اللحاظي، و إذا دار الأمر بين احتمالين، أحدهما، أن تكون الحليّة حكما موضوعه هو المقيّد اللحاظي- «البيع المقيد بالعقد» مثلا-، و الاحتمال الآخر يكون موضوع الحليّة هو، الجامع بين المطلق و المقيد، و هذا الجامع بذاته له إطلاق ذاتي باعتبار جامعيته بين المطلق و المقيد، بلا حاجة إلى اللحاظ، في مقابل المطلق اللحاظي الذي يكون إطلاقه باللحاظ، و لهذا يعقل وقوع هذا الجامع موضوعا للحكم الشرعي، فتسري الحليّة إلى كل أفراد «البيع»، و حينئذ إذا دار الأمر بين هذين الاحتمالين فيكون هذا مصداقا للكبرى، لأنه إن كان موضوع الحليّة هو الجامع بين المطلق و المقيد إذن فموضوع الحلية الذي هو مرام المولى لا يزيد على مدلول كلامه، لأن مدلول كلامه هو اسم الجنس الموضوع للجامع بين المطلق و المقيد، و موضوع الحلية الذي هو مرام المولى هو الجامع بين المطلق و المقيد، إذن فتمام مرامه هو تمام مدلول كلامه و لا يزيد على كلامه بشي‏ء.

و لكن إذا كان موضوع الحليّة في مرام المولى هو «البيع» المقيد بأن يكون بالعقد، إذن فقد زاد مرامه على كلامه، لأن كلامه يدل فقط على صرف الطبيعة الجامع بين المطلق و المقيد، و لا يدل على قيدية العقد، فيكون مرامه أزيد من كلامه، إذن فإذا دار الأمر بين أن يكون موضوع الحلية في واقع نفس‏

42

المولى، هو الجامع بين المطلق و المقيد- «طبيعة اللابشرط المقسمي»-، أو أن يكون هو المقيّد بالعقد مثلا، فيتعين الأول بمقدمات الحكمة، إذ على الأول لا يكون مرامه أزيد من كلامه، بينما هو على الثاني أزيد من كلامه، فيتعين بناء على الكبرى، الأولى، فهذا تطبيق صغرى واقعيّة لتلك الكبرى.

إلّا أن هذا المطلب الذي ذكرناه مبني على مختارنا في بحث المطلق و المقيّد، من إمكان أن يكون موضوع الحليّة هو الجامع المحفوظ في المطلق و المقيد- طبيعة اللابشرط المقسمي-، و لكن هناك جماعة، ذهبوا في بحث المطلق و المقيد إلى امتناع وقوع الطبيعة الجامعة بين المطلق و المقيد بلا إضافة شي‏ء إليها، موضوعا للحكم الشرعي، فقالوا بأن موضوع الحكم الشرعي، إمّا المطلق اللحاظي، و إمّا المقيد اللحاظي، فعلى هذا يكون مرام المولى على كل حال زائدا على مدلول كلامه، لأن مرامه، إمّا الطبيعة المطلقة بالاطلاق اللحاظي، و إمّا الطبيعة المقيدة بالتقييد اللحاظي، و كلامه و هو (أحلّ اللّه البيع) لا يدل على الإطلاق اللحاظي، و لا على التقييد اللحاظي، و إنما يدل على الجامع بين الأمرين، إذن فهناك خصوصية زائدة على ذات الطبيعة، أخذت في مرامه دون كلامه، فعلى هذا، الكبرى لا تنطبق في المقام، و هي أنه على أحد احتمالين يكون مرامه على مقدار كلامه، و على الاحتمالين الآخر يكون مرامه أزيد من مدلول كلامه، بل على كلا الاحتمالين مرامه أزيد من مدلول كلامه، و لكن على هذا المبنى، لا تتعطل مقدمات الحكمة، بل نقول، إن الأمر و إن كان بحسب الدقة دائرا بين هذه الزيادة، و هذه الزيادة، فلا بدّ من التزام زيادة في المرام على مدلول الكلام، و هذه الزيادة مردّدة بين المتباينين، و هما الإطلاق اللحاظي و التقييد اللحاظي، لكن بحسب النظر العرفي، يرى العرف، إن الإطلاق ليس زيادة على أصل الطبيعة، بينما التقييد يراه زيادة، فبالنظر العرفي تنطبق الكبرى، فالعرف يقول أن المولى لو كان مرامه المطلق، إذن فمرامه لا يزيد على مدلول كلامه، لأن الإطلاق ليس مئونة زائدة في نظر العرف، و إن كان مرامه المقيّد، فالتقييد مئونة في نظر العرف، فيزيد على‏

43

مدلول كلامه، و هنا تجري مقدمات الحكمة، باعتبار انطباق الكبرى، لكن بالنظر العرفي لا بالنظر الدقّي.

و تارة أخرى يفرض أن الأمر دائر بين مئونتين، بحيث أن مرام المولى يزيد على مدلول كلامه على كلا التقديرين، و هذه الزيادة ملحوظة دقة و عرفا، فالعرف يرى أن هناك زيادة و مئونة كما هو الحال في محل الكلام، ففي محل الكلام حينما يقول المولى «آمرك بالصلاة»، و الأمر يدل على جامع الإرادة، من دون أخذ الشدّة و لا الضعف، و من دون أخذ قيد الترخيص و لا عدم الترخيص، و نحن نعلم أن هذا الجامع ليس هو تمام مرام المولى، بل قد انضم إليه شي‏ء، و هذا الشي‏ء، إمّا الشدة أو الضعف على تقريب المحقق العراقي‏ (1)، أو إمّا عدم الترخيص أو الترخيص على تقريبنا، إذن فهناك زيادة يعترف بها العرف، و يقول بأن الوجوب فيه شي‏ء أزيد من أصل الطلب، و كذلك الاستحباب فيه شي‏ء أزيد من أصل الطلب، إذن فالمولى مرامه يزيد على مدلول كلامه بإحدى هاتين الزيادتين المتباينتين، ففي مثل ذلك لا يمكن تعيين إحدى الزيادتين في مقابل الزيادة الأخرى، بحيث أن الأصل في كل متكلم أن لا يزيد مرامه على مدلول كلامه، لأن هذا المولى زاد مرامه على مدلول كلامه بإحدى الزيادتين المتباينتين، و إذا كانت هاتان الزيادتان بهذا النحو، فلا يمكن تعيين إحداهما في مقابل الأخرى إلّا إذا وجد شرطان.

الشرط الأول، هو أن يحرز في مورد، أن المولى في مقام بيان تمام مرامه حتى الزيادة، بقرينة من القرائن.

و الشرط الثاني، هو أن تكون إحدى الزيادتين أخف و أقل مئونة بنظر العرف من الزيادة الأخرى، و إن كان في هذه الأخرى مئونة، و حينئذ، إذا أحرز هذان الشرطان، نقول بأن المولى ما دام هو في مقام بيان الزيادة إذن هو لم يبيّن الزيادة باللفظ، فلا بدّ و أن يكون قد اعتمد في المقام على بيان الزيادة

____________

(1) بدائع الأفكار- الآملي ج 1 ص 197.

44

على السكوت، و هنا يقال، بأن جعل عدم بيان المئونة الأشد، بيان لمئونة أضعف، هو أقرب عرفا من جعل عدم بيان المئونة الأضعف، بيانا للمئونة الأشد، يعني يدور أمر هذا المولى، بين أن يكون قد جعل عدم بيان الأشد بيانا للأضعف، أو عدم بيان الأضعف بيانا للأشد، و الأقرب إلى العرف، أن يجعل عدم بيان الأشد بيانا للأضعف، فيثبت بذلك الأضعف، و مقامنا من هذا القبيل.

و من هنا يعرف، أن تمامية الإطلاق في المقام، سواء بتقريب المحقق العراقي‏ (1) أو بالتقريب الذي استحسنّاه، يتوقف على مجموع الشرطين، و هو أن نحرز أن المولى في مقام البيان حتى من جهة الزيادة، و حينئذ، بمقتضى العرف هو أن يكون عدم بيان أشد المئونتين، و هي مئونة الاستحباب، بيانا لأخف المئونتين، و هي مئونة الوجوب، فيثبت بذلك الوجوب: فثبوت الوجوب بالإطلاق، يتوقف على مئونة زائدة على كبرى مقدمات الحكمة، و هي إحراز أنّ المولى في مقام بيان الزيادة و إيصالها إلى المكلف، إذن فلا ينفع هذان التقريبان للإطلاق في تخريج الدلالة في سائر الموارد.

الإشكال الثاني‏

و هذا الإشكال، يمكن أن يقع على دعوى، أن دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق، بإجراء مناقشة مقاربة للمناقشة التي أوردناها على المحقق النائيني، القائل بأن الوجوب حكم عقلي‏ (2) و ليس بالوضع، و ذلك بأن يقال، لو ورد «أكرم الفقيه» و «لا يجب إكرام العالم»، فهنا، بناء على مسلك المحقق العراقي «أي مسلك الإطلاق» و إن كان يقع التعارض بين الدليلين اللفظيين، لأن الدلالة على الوجوب دلالة لفظية بالإطلاق لا بالوضع و حكم العقل، و لكن هذا التعارض بين الدليلين، يكون تعارضا بين الإطلاقين، بنحو العموم من‏

____________

(1) نفس المصدر السابق.

(2) فرائد الأصول الكاظمي ج 1 ص 70.

45

وجه، و لا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، و ذلك لأنّ الوجوب مستفاد من إطلاق الطلب الشديد في قوله «أكرم الفقيه»، فيقع إطلاق الطلب طرفا للمعارضة مع إطلاق العالم في قوله لا يجب إكرام العالم فالأمر يدور، بين أن نقيّد إطلاق العالم بغير الفقيه، تحفظا على إطلاق أكرم الفقيه الظاهر في الوجوب، و بين أن نقيّد إطلاق الطلب، في أكرم الفقيه، فنحمله على الطلب غير الشديد، تحفظا على إطلاق العالم في خطاب «لا يجب إكرام العالم».

إذن بناء على مسلك الإطلاق، يقع التعارض، بين إطلاقين متعارضين في عالم الدليل اللفظي، بحيث أن النسبة بين هذين الإطلاقين، من قبيل النسبة بين العامين من وجه، بمعنى أنه يمكن رفع اليد عن كل منهما، تحفظا على الآخر، إذن فرفع اليد عن أحدهما بعينه دون الآخر، ترجيح بلا مرجح، فيتساقط الإطلاقان معا في المقام.

و أمّا بناء على مسلك الوضع، فلا تعارض بين الإطلاقين، بل يكون دليل «أكرم الفقيه»، مخصّصا لدليل «لا يجب إكرام العالم»، لأن النسبة بينهما تكون نسبة الخاص إلى العام، و لا إشكال عند العرف و الفقه، أن البناء هو التخصيص، حتى عند أصحاب مسلك الإطلاق، و حينئذ، بما أن التخصيص لا يصح إلّا بناء على الوضع، فلا يكفي مسلك الإطلاق لتفسير ما عليه البناء فقهيا و عرفيا من التخصيص، لأنه بناء على مسلك الإطلاق، يقع التعارض بين الإطلاقين، و لا ترجيح لأحدهما دون الآخر، فيتساقطان، مع أن أصحاب الإطلاق، يقولون في الفقه بالتخصيص، فيما إذا ورد دليلان، كالخطابين المذكورين، فهذا يكشف بالإن على أن ملاك الدلالة هو الوضع لا الإطلاق و مقدمات الحكمة بالخصوص.

و هذا الإشكال، يمكن دفعه بأحد وجهين من قبل أصحاب مسلك الإطلاق، بحيث يمكن توجيه التخصيص، حتى على مسلك الإطلاق.

46

الوجه الأول‏

هو أن يقال، بأنه بناء على مسلك الإطلاق، و إن كان هناك تعارض بين إطلاق «أكرم الفقيه»، الذي يقتضي حمل الطلب على الوجوب، و إطلاق العالم، في «لا يجب إكرام العالم»، الذي يقتضي الشمول حتى للفقيه، لكن مع هذا، يلتزم بأن دليل «أكرم الفقيه»، مخصّص لدليل «لا يجب إكرام العالم»، و ذلك لأن الأخصية هي قرينة عرفية، و مناط هذه القرينة العرفية هو الأخصيّة بلحاظ الموضوع لا بلحاظ المحمول، يعني إذا تعارض دليلان، فلا بدّ من ملاحظة موضوع كل منهما منسوبا إلى موضوع الآخر، لا موضوع أحدهما مع محمول الآخر، ففي المقام في هذين الدليلين، تارة ننظر إلى موضوع كل منهما، فنرى أن النسبة بينهما العموم و الخصوص المطلق، لأن موضوع أحدهما هو الفقيه، و موضوع الآخر هو العالم، و الفقيه أخص من العالم، لأنه أحد أقسام العالم، و تارة أخرى ننظر إلى مجموع الجهات في الدليلين، يعني إلى الموضوع مع المحمول الذي هو الحكم، نرى أن كلّا من الدليلين فيه جهة إطلاق وجهة أخصّية، فيكون عندنا إطلاقان، إطلاق «أكرم» الذي هو الحكم، و إطلاق عالم الذي هو الموضوع، و هذان إطلاقان متساويان من حيث كونهما إطلاقا، فهما عامان و ليس أحدهما أخصّ من الآخر حتى يخصص أحدهما الآخر، و حينئذ، إن كان الميزان في النظر العرفي في مقام الجمع الدلالي، هو الأخصّية المتحصلة بلحاظ الموضوعين فقط، إذن فالإشكال غير وارد في المقام، لأن في المقام موضوع أحد الدليلين أخص من الآخر، فيخصّص أحد الدليلين الدليل الآخر، و إن كان ميزان الأخصّية هو الأخصية المتحصلة بعد ملاحظة الموضوع و المحمول معا و سائر الجهات في كلا الدليلين فحينئذ، الأخصّية في المقام غير موجودة بل يقع التعارض بين الدليلين.

فالمسألة مبنية على تحقيق مطلب في بحث الجمع العرفي، و هو أن الأخصّية التي هي ميزان تقديم أحد الدليلين على الآخر، هل هي الأخصية

47

المتحصلة بلحاظ الموضوعين فقط، أو الأخصية المتحصلة بلحاظ سائر الجهات، و هذا مطلب له أمثلة في الفقه، من قبيل ما ورد، «أن البول يصيب الجسد، فقال صبّ الماء عليه مرتين. و أخرى، سألته عن بول الصبي يصيب الجسد، فقال «صب عليه الماء» و مقتضى الرواية الأولى أنّ البول يجب فيه تعدد الصب بلا فرق بين بول الصبي و غير الصبي للإطلاق و مقتضى الرواية الأولى أن البول يجب فيه تعدد الصب بلا فرق بين بول الصبي و غير الصبي للاطلاق و مقتضى الرواية الثانية، أنه يكفي الصب مرة واحدة، فلا موجب للتعدد، لإطلاق «صب عليه الماء»، و في مقام الجمع بين هذين الدليلين.

إذا قيل، بأن الميزان في الأخصّية، الأخصّية المتحصّلة بعد ملاحظة الموضوعين فقط، إذن فالرواية الثانية أخصّ من الأولى، لأن موضوع الرواية الأولى هو «البول أصاب الجسد»، و موضوع الرواية الثانية، هو «بول الصبي» بالخصوص، و هو أخص من طبيعي البول، فلا بدّ من تخصيص الرواية الأولى بالثانية، و نفي وجود التعدّد في بول الصبي.

و أمّا إذا قيل بأن الميزان في الأخصية، الأخصية المتحصّلة بعد ملاحظة مجموع جهات الدليل، فحينئذ لا أخصية في المقام، بل تعارض بين إطلاقين، حيث إطلاق موضوع الرواية الأولى، و هو «البول يصيب الجسد» الشامل لبول الصبي، يعارض إطلاق الحكم في الرواية الثانية و هو «صب عليه الماء»، حيث لم يقيّد بمرتين.

الوجه الثاني‏

لو سلّم بأن الأخصية لا بدّ و أن تتحصّل بلحاظ مجموع جهات الدليل، و أن هناك تعارضا بين إطلاق العالم، في قولنا «لا يجب إكرام العالم»، و إطلاق «أكرم الفقيه»، في الحمل على الوجوب، من قبيل التعارض بين إطلاق «البول» و إطلاق «صبّ عليه الماء»، و لكن فرق بين محل الكلام و بين هذا المثال، و ذلك لأن الإطلاق على نحوين.

فهناك إطلاق نتيجته عرفا، السعة و الشمول للأفراد الكثيرة، من قبيل‏

48

إطلاق «العالم»، في قولك «لا يجب إكرام العالم»، فإن إطلاق كلمة العالم مرجعه إلى السعة، بحيث أن هذا العالم لا يفرق فيه بين أن يكون فقهيا أو نحويا أو غير ذلك.

و هناك نحو آخر من الإطلاق، و هو الإطلاق الذي يقتضي الحمل على الفرد المعيّن، لا السعة، بل تعيين فرد بعينه من قبيل أن تقول، «أعط هذا الكتاب للسيد»، فينصرف إلى سيد البلد، المعروف بالسيادة، فهذا الإطلاق ليس إطلاقا في مقام التوسعة، بل هو إطلاق يقتضي تعيين الفرد بعينه.

و حينئذ إن كان التعارض بين إطلاقين، بحيث أن كلّا منهما يقتضي التوسعة، و بينهما مادة اجتماع و مادة افتراق، إذن هما عموم من وجه، و لا مرجّح لأحدهما على الآخر، من قبيل ما إذا ورد، «أكرم العالم»، و ورد «لا تكرم الفاسق»، و أمّا إذا كان أحد الإطلاقين يقتضي التوسعة، و الإطلاق الآخر يقتضي الحمل على فرد بعينه، من قبيل ما إذا ورد، «أكرم العالم»، و ورد «لا تكرم زيدا»، و زيد متعدد، فيوجد زيد العالم و زيد الجاهل، لكن إطلاق زيد ينصرف إلى زيد العالم، و حينئذ، في مثله يعامل معاملة الخاص و العام، لأن النتيجة العرفية المتحصلة من دليل، «لا تكرم زيدا، هي عبارة عن أن بعض أفراد العلماء لا يجب إكرامهم، و هذا أخصّ من دليل «أكرم العالم».

و مقامنا من هذا القبيل، فإن الإطلاق في قولك، «أكرم الفقيه»، ليس إطلاقا يقتضي التوسعة، بحيث يثبت الوجوب و الاستحباب معا، بل يقتضي تعيين الوجوب في مقابل الاستحباب، و حينئذ يرى العرف، أن النتيجة المتحصّلة من هذا الإطلاق، أخص من النتيجة المتحصّلة من دليل «لا يجب إكرام العالم».

إذن فليس كل إطلاقين هما متساويان، بل إذا كانا من باب التوسعة فهما متساويان، فيصيران عامين من وجه، و أمّا إذا كان أحد الإطلاقين بابه باب التوسعة من قبيل «لا يجب إكرام العالم»، و الإطلاق الآخر بابه باب تعيين الفرد المراد نفيه من الإطلاق الأول، ففي مثل ذلك يرى العرف أن إحدى‏

49

النتيجتين المتحصّلتين من كلا الإطلاقين أخص من النتيجة الأخرى، إذن فيقيدها، و إن كان ملاك النتيجتين معا هو الإطلاق و مقدمات الحكمة، لكن حيث أن النتيجة المتحصّلة من دليل «أكرم الفقيه» هي الحمل على الوجوب، و الوجوب أخص مطلقا من النفي المستفاد من دليل «لا يجب إكرام العالم»، إذن فيتم التخصيص.

و على هذا يتبين أن الإشكال الثاني على الإطلاق في غير محله، نعم الإشكال الأول المذكور، هو في محله، و بذلك يظهر أن لا محيص عن الالتزام بالدلالة الوضعية، لأن المسالك الأخرى لا تفي بتخريج و تفسير المطلب، فينحصر تفسير ما عليه الوجدان فقهيا و عرفيا، بالالتزام بالدلالة الوضعية.

50

ثمرات فقهية [على المسالك المذكورة]

بعد أن تمّ الكلام في المسالك الثلاثة في تخريج دلالة الأمر على الوجوب، لا بد من الإشارة إلى الثمرات الفقهية المترتبة على هذه المسالك، فإن هذه المسالك تختلف في جملة نتائجها، و بعض هذه الثمرات تقدّم توضيحه في أثناء مناقشة هذه المسالك، و بعضها مستأنف.

الثمرة الأولى‏

تطرّق الجمع الدلالي و العرفي، بناء على مسلك الوضع، و على مسلك الإطلاق، دونه على مسلك الميرزا، و توضيح ذلك: أنه بناء على أن الوجوب مدلول عرفي لفظي للدليل، سواء كان مدلولا عرفيا لفظيا بالوضع، أو مدلولا عرفيا لفظيا بالإطلاق و مقدمات الحكمة، حينئذ يقع بين الدليل الدال على الوجوب، و الدليل النافي للوجوب، قواعد الجمع العرفي، باعتبار أن الوجوب و اللّاوجوب، من شئون مداليل اللفظ، فلا بدّ من الجمع بينهما، بتقديم القرينة على ذي القرينة، بالنحو المقرر في قواعد الجمع العرفي و الدلالي، و أمّا بناء على مسلك الميرزا القائل بأن الوجوب ليس مدلولا للفظ و لا محكيا عنه بخطاب المولى، و أنما هو ثابت بحكم العقل، إذن فلا معنى للرجوع إلى قواعد الجمع العرفي و الدلالي عند قيام دليل على نفي الوجوب مع تمامية دليل آخر على الوجوب، لأن الوجوب ليس مدلولا للفظ ليطبق عليه قواعد الجمع العرفي.

51

الثمرة الثانية

أنه بناء على مسلك الوضع، و مسلك الإطلاق، تثبت لوازم الوجوب أيضا، دونه على مسلك الميرزا، و توضيح ذلك:

أن الفقيه لو علم صدفة بالتلازم بين وجوبين، بين وجوب الدعاء عند أول الشهر، و وجوب الدعاء عند آخر الشهر، بمعنى أنه إن كان الأول واجبا فالثاني أيضا واجب، و إن كان الأول مستحبا فالثاني أيضا مستحب، فإمّا أن يكون كلاهما واجب و إما كلاهما مستحب، فبعد العلم بهذه الملازمة و لو صدفة، حينئذ بناء على مسلك الوضع أو مسلك الإطلاق يثبت بدليل «ادع عند رؤية الهلال»، بالمطابقة، وجوب الدعاء عند أول الشهر، و بالدلالة الالتزامية وجوب الدعاء عند آخر الشهر، للعلم بأنه لو وجب الأول لوجب الثاني، فيكون للدليل مدلول مطابقي و هو وجوب الدعاء عند أول الشهر و مدلول التزامي و هو وجوب الدعاء عند آخر الشهر، و الدليل حجة فيهما معا، لوضوح أن الظهور اللفظي سواء كان ظهورا لفظيا أو ظهورا إطلاقيا هو حجة في المدلول المطابقي و في المدلول الالتزامي، و أمّا بناء على مسلك الميرزا القائل بأن خطاب المولى، «ادع عند رؤية الهلال» ليس مفاده الوجوب و عدم الترخيص في الترك، بل الوجوب بحكم العقل، و مفاد خطاب المولى هو الطلب فقط من دون أن يكون دالا على الوجوب و عدم الترخيص، فعلى هذا لا يمكن إثبات اللوازم، لأن حكم العقل مرجعه فقط إلى لزوم الطاعة و الامتثال، و ليس له كشف و نظر إلى اللوازم، فلا تكون اللوازم في المقام حجة.

الثمرة الثالثة

هي ثبوت دلالة السياق بناء على مسلك الوضع، و سقوط دلالته بناء على مسلك الإطلاق و على مسلك الميرزا.

و توضيح ذلك: إن الفقهاء يعيّنون في الفقه، فيما إذا ورد في رواية

52

أوامر متعددة، بأشياء متعددة، و ثبت من الخارج، أن أكثر هذه الأشياء ليس واجبة، و بعضها لا يرى أنه واجب أو ليس بواجب، فهنا يقولون إن دلالة السياق تقتضي أيضا حمل هذا البعض على الاستحباب، فمثلا إذا ورد أنه إذا أردت أن تصلي فأذّن، و أقم، و استعذ من الشيطان، مع العلم أن هذه الأمور ليست واجبة، إلّا الإقامة، لا يعلم أنها واجبة أو غير واجبة، فحينئذ، بمقتضى وحدة السياق، و كون عنوان «أقم»، ورد مع أوامر متعددة، و كلها استحبابية، إذن يكون هذا العنوان دالا على استحباب الإقامة أيضا.

و دلالة السياق هذه بناء على مسلك الوضع هي تامة، فإن دلالة السياق مرجعها إلى أن المدلول العرفي اللفظي لهذه الكلمات الواردة في سياق واحد هو واحد أيضا، و بناء على مسلك الوضع، يكون الوجوب و الاستحباب بنفسه مدلولا للفظ.

و على هذا، فإمّا أن يكون مدلولها بأجمعها هو الوجوب، و إمّا أن يكون هو الاستحباب، باعتبار ظهور حال السياق الواحد في أنّ ما تشابه من الألفاظ في هذا السياق ذات مدلول لفظي واحد أيضا، و قد علم من الخارج أن مدلول أكثر الكلمات الواردة ليس هو الوجوب يقينا، إذن بقرينة وحدة السياق، ينثلم مدلول «أقم» في الوجوب أيضا، و يحمل على الاستحباب.

و أما بناء على مسلك الميرزا، القائل بأن المدلول اللفظي ليس هو الوجوب أو الاستحباب، بل هو أصل الطلب، و الوجوب و الاستحباب، هما من شئون حكم العقل، فعلى هذا، لا يمكن إثبات استحبابية الإقامة، أو القدح في دلالة «أقم» على الوجوب، ببركة وحدة السياق، و ذلك لأن غاية ما تقتضيه وحدة السياق هو وحدة المدلول اللفظي لهذه الكلمات، و المدلول اللفظي واحد، و هو الطلب، فلا مانع من الالتزام بوجوب الإقامة، مع كون غير الإقامة مما ورد مستحبا، و لا تنثلم بذلك وحدة السياق، لأنها محفوظة، باعتبار أن المدلول اللفظي واحد و هو الطلب، إذن فوحدة السياق محفوظة، فلا يمكن ببركة هذه الوحدة نفي دلالة «أقم» على الوجوب.

53

و كذلك الحال بناء على الإطلاق الذي قرّبناه، فإن دلالة الأمر على الوجوب إنما كان باعتبار الإطلاق، و الإطلاق يقتضي نفي الترخيص في الترك، فعلى هذا، لا يمكن إعمال وحدة السياق في المقام، إذ غاية الأمر أنه يوجد كلمات متعددة تدل على الطلب، و بإطلاقاتها تدل على كون الطلب غير مرخص في تركه، فلو ثبت من الخارج، أن بعض هذه المطلقات مقيّدة، فلا يلزم من ذلك أن تكون كل هذه المطلقات مقيدة، لأن أصل المعنى على أي حال محفوظ فيها جميعا، و هو الطلب، و أمّا كون الطلب غير مرخص في تركه، فهذا من شئون إطلاق المعنى، لا من شئون أصل المعنى، فلا يضر بوحدة السياق، الالتزام بكون بعضها مقيدا، و بعضها غير مقيد، كما لو ورد «أكرم العالم و أكرم الهاشمي و أكرم الكريم»، و علم من الخارج أن العالم و الهاشمي مقيّد بالعدالة، و لا يدرى أن الكريم مقيّد بالعدالة أو غير مقيد، فحينئذ يتمسك بإطلاق «أكرم الكريم»، لأن الكريم يستحب إكرامه لأجل كرمه، و لو لم يكن عادلا، و لا يلزم من هذا تغير في السياق، لأن أصل المعنى واحد في الجميع.

إذن فدلالة وحدة السياق تامة في الجميع على مذهب الوضع، و غير تامة على مذهب الميرزا و مسلك الإطلاق الذي بيّناه.

الثمرة الرابعة

و هي فيما لو فرض أن وجد أمر واحد بشيئين، لا أوامر متعددة بأشياء متعددة، بل أمر واحد تعلق بشيئين، من قبيل «اغتسل للجمعة و للجنابة»، و علم من الخارج أن غسل الجمعة ليس واجبا، فحينئذ، هل يمكن إثبات وجوب غسل الجنابة بمثل هذا الأمر، أو لا يمكن ذلك؟.

فبناء على مسلك الوضع لا يمكن أن نثبت وجوب غسل الجنابة، لأن الوجوب و الاستحباب مدلول لفظي، «فاغتسل»، إمّا أن تكون مستعملة في الوجوب، أو في الاستحباب، أو في الجامع بين الوجوب و الاستحباب.

54

أمّا أن تكون مستعملة في الوجوب، فهذا غير محتمل في المقام، لأن غسل الجمعة ليس واجبا، فكيف تكون الصيغة منصبة على ما ليس بواجب.

و أمّا أن تكون مستعملة في الاستحباب أو في الجامع، إذن فلا يبقى دلالة على وجوب غسل الجنابة، و لا يقال أنها تستعمل في الوجوب بلحاظ غسل الجنابة، و في الاستحباب بلحاظ غسل الجمعة، لأن الوجوب و الاستحباب بحسب الغرض هو مدلول لفظي للكلام، فيكون ذلك من باب استعمال اللفظ في معنيين، و هو غير صحيح عرفا، إذن فاستعمال الصيغة في الوجوب و الاستحباب غير صحيح، و استعمالها في الوجوب على الإطلاق غير محتمل، فتسقط دلالتها على الوجوب، و يتعين أن تكون مستعملة إما في الاستحباب فقط، و إمّا في الجامع، و على كلا التقديرين، لا يبقى للأمر دلالة على وجوب غسل الجنابة.

و أمّا بناء على مسلك الميرزا، فإن الصيغة موضوعة لأصل الطلب و مستعملة في الطلب على نحو واحد في غسل الجمعة و في غسل الجنابة، و على هذا يمكن الالتزام بعدم وجوب غسل الجمعة، فالعقل لا يحكم بوجوبه لورود الترخيص في تركه من قبل المولى، و أمّا غسل الجنابة، فحيث لم يرد ترخيص في تركه، فالعقل يحكم بوجوبه، فيمكن الجمع بين الوجوب و الاستحباب، و ليس هذا من باب الجمع بينهما في استعمال واحد، لأن الوجوب و الاستحباب على مسلك الميرزا ليسا من مداليل اللفظ بل هما من شئون حكم العقل.

و كذلك الحال بناء على مسلك الإطلاق الذي قرّبناه، فإن خطاب «اغتسل للجمعة و للجنابة» ينحل بحسب معناه إلى أمرين. اغتسل للجمعة، و اغتسل للجنابة، و كل من هذين الأمرين بحسب الإطلاق، هو طلب لا رخصة في مخالفته، و لكن أحدهما ثبت تقيده من الخارج دون الآخر، إذن فنتمسك بالإطلاق و نثبت أن طلب غسل الجمعة، طلب مقيّد، بقرينة منفصلة، و أمّا طلب غسل الجنابة، فهو طلب مطلق و ليس هذا من الجمع بين المعنيين‏