بحوث في علم الأصول - ج5

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
533 /
3

خطبة الكتاب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه كما هو أهله، و الصلاة و السلام على خير خلق الله و رسوله الى الناس كافة، محمد و آله الطيبين، الطاهرين، المعصومين.

و بعد: فهذا هو المجلد الثالث من «بحوث علم الأصول» التي ألقاها علينا سيدنا و مولانا، سليل العترة الطاهرة، شهيد الإسلام، آية الله العظمى، السيد محمد باقر الصدر، (قدّس اللّه سرّه الشريف).

و قد قدر لهذا المجلد أنّ يستوعب فقط بحوث دلالات مادة الأمر، و دلالات صيغة الأمر، و مبحث الإجزاء إلى نهايته. و إنما كان ذلك لسببين:

و أولا: حرصي الشديد على ذكر كل تنظير و مثال ذكره السيد الشهيد أثناء البحث، حتى الخلاصات و الموجزات و التعبيرات الأخرى التي كان يصوغ بها المطلب، أو فقرة منه، رغم علمي بأنّ هذا يسبّب التطويل، و إن كان لا يسبّب الملل عند المشتغلين المحصّلين.

و عذري في ذلك: إيماني بأنّ هذا العقل المحض لم يذكر شيئا. أو ينظّر

4

له، أو يستبدل تعبيره، أو يوجزه، إلّا و قد أدركت فائدة علمية أخرى يضيفها إلى روح البحث.

ثانيا: انقداحات ذهنية تخطر بالبال ما كانت تخرج عن حدّ شرح اللفظ، أو الفكرة، أدخلتها عباب بحر هذا السيد المعظم، ممّا اقتضى أن لا يستوعب هذا المجلد إلّا ما ذكرت.

و من هنا سوف يستوعب هذا المجلد بحوث مقدمة الواجب و مقدمة المستحب و المكروه و مسألة الضد، و بحث الترتب، و الحالات الأخرى الخاصة بالأمر، و كيفيّات تعلق الأمر، على أن تستكمل بقية مباحث الألفاظ في مجلد رابع، و قد يكون خامسا، و هكذا يتسلسل ذكر بحوث أخرى تستوعب الإمارات و الحجج و مباحث البراءة، و التخيير، و الاحتياط، و الاستصحاب، حتى أقف على آخر ما تلقّيته و كتبته تقريرا لأبحاث سيدنا و أستاذنا الشهيد الصدر (قده).

و كلني أمل باللّه العظيم أن يجعل ثواب كل ما أكتبه هدية متواضعة واصلة الى روحه الطاهرة، طامعا أن ينفعني اللّه بهذا الجهد يوم ألقاه، فإنه وعد بأنّه لا يضيّع أجر عامل من ذكر، أو أنثى، و لو كان مثقال ذرة، و الحمد لله رب العالمين.

25 شعبان بيروت المعظم 1412 ه حسن عبد الساتر

5

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد الخلق و أعز المرسلين سيدنا و نبيّنا محمد (صلى اللّه عليه و آله) الطيبين الطاهرين.

و بعد، فهذا الجزء الثالث من «بحوث في علم الأصول» التي كان قد ألقاها علينا سيدنا و أستاذنا الأعظم شهيد الإسلام آية اللّه العظمى، السيد محمد باقر الصدر ((قدّس سرّه)).

و هذا الجزء بتمامه لم يكف لاستيعاب جميع بحوث الأوامر، و إنما استوعب جلّها، ابتداء من دلالات مادة الأمر و انتهاء بمقدمة الواجب حتى نهايتها، مقدمة المستحب و المكروه و الحرام، ممّا اضطرني أن أكمل بحوث الأوامر و ما يتبعها من مبحث الضد، و الترتب، و التزاحم، و حالات الأمر الخاصة، و تعلّق الأمر بالطبيعة أو الأفراد، و حقيقة الواجب التخييري، و الواجب الكفائي، و الواجب الموسّع و المضيّق، و تبعية القضاء للأداء، و هكذا حتى يكتمل جزءا ثالثا بعون اللّه تعالى وكلني أمل أن يكون ثواب هذا الجهد المهدى ثوابه إلى روح سيدنا و أستاذنا الأعظم ((قدّس سرّه)) أن يكون لي صغرى لكبرى قول النبي الأعظم (صلى اللّه عليه و آله)، يموت المرء إلّا عن ثلاث، علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدمة الواجب تحقيق عنوان المسألة

و الموضوع فيها هو المقدمة الوجودية، لا المقدمة الوجوبية و بتعبير آخر:

المراد بها مقدمات وجود الواجب أي: ما يتوقف إيجاد الواجب على إيجاده. إذ المقدمة على قسمين: أحدهما: المقدمة الوجودية، و ثانيهما: المقدمة الوجوبية، و هذان القسمان يختلفان بحسب عالم الجعل و عالم الملاك معا.

أمّا بحسب عالم الجعل: فالوجوبية تؤخذ مفروضة الوجود في مقام جعل الحكم، و يكون الوجوب منوطا بها.

و أمّا المقدمة الوجودية فهي ليست دخيلة في اتصاف الفعل بكونه ذا ملاك و مصلحة، فيكون الوجوب مطلقا من ناحيتها، و غير منوط بها، و لا هي مأخوذة مفروضة الوجود في مقام جعله.

و أمّا بحسب عالم الملاك: فالمقدمة الوجوبية يكون وجودها كفيلا باتصاف الفعل، كونه ذا مصلحة فيما إذا كانت اختيارية و مقدورة للمكلف، و من هنا أخذ وجودها قيدا و شرطا للوجوب، و من ثمّ لا يتوهم ترشح الوجوب عليها.

و الخلاصة: إنّ المقدمة الوجوبية دخيلة في احتياج الإنسان إلى هذا الفعل، بينما المقدمة الوجودية دخيلة في ترتّب المصلحة خارجا.

8

أو بتعبير آخر: هي دخيلة في إشباع حاجة الإنسان فعلا، فمثلا: برودة الهواء مقدمة وجوبية للرغبة في النار، بمعنى أن اتصاف النار بكونها ذات مصلحة، و احتياج الإنسان إليها، إنما يكون متى صار الشتاء، فبرودة الهواء مقدمة وجوبية بمعنى أنها دخيلة في اتصاف النار بكونها ذات مصلحة، و في احتياج الإنسان إليها، و أمّا بعد أن برد الهواء، و أصبحت النار ذات مصلحة، و أصبح الإنسان محتاجا إليها، فهنا عندنا مقدمة وجودية و هي سدّ شبابيك الغرفة، إذ لو لم تسدّ الشبابيك لم يحصل الدّف‏ء خارجا، و لم تشبع حاجة الإنسان خارجا، فسدّ الشبابيك مقدمة وجودية لأنها دخيلة في إشباع هذا الاحتياج و تحققه خارجا، و ليس في أصل احتياج الإنسان إلى النار. فمحل النزاع إنما هو المقدمة الوجودية لا الوجوبية، لوضوح أن الوجوبية بعد أخذها مفروضة الوجود في المرتبة السابقة على الحكم، يستحيل أن يترشح الوجوب عليها من ناحية ذاك الحكم، فموضوع النزاع هو المقدمة الوجودية، و في ترشح الوجوب عليها، هذا، من ناحية موضوع النزاع.

و أمّا من ناحية محمول النزاع: و هو الوجوب، بمعنى أن مقدمة الواجب، واجبة أولا؟: فليس المراد بوجوب مقدمة الواجب اللّابدية التكوينية، بمعنى الشي‏ء الذي لا يمكن أن يوجد الواجب بدونه، فإن هذا عبارة أخرى عن المقدّميّة، أو هو عينها، فلا معنى للنزاع في أنه لا بدّ من وجوده، أو ليس لا بدّ من وجوده، كما أنه ليس المراد أيضا اللّابدية العقلية، بمعنى حكم العقل بتنجيز الإتيان بالمقدمة عليه، و عدم صحة الاعتذار من قبل المكلف بأنه إنما ترك الواجب لكون مقدمته غير موجودة، كما لو أراد أن يعتذر للمولى عن ترك الصلاة لكونه غير متوضئ، فإن هذا العذر محجوج بحكم العقل، فهذا المعنى للّابدية ليس محل الكلام، و إن كان هذا المعنى شيئا أزيد من المقدميّة، لكنه ليس هو محل النزاع، لكونه محل اتفاق من الجميع، فإن العقل بعد إن يستقل بتنجّز التكليف، و وجوب امتثاله، فإنه لا محالة يرى أن ترك المقدمة ليس معذّرا، كما أنه ليس المراد من وجوب‏

9

المقدمة في المقام، الوجوب المولوي المجعول جعلا فعليا على عنوان المقدمة الإجمالي أو التفصيلي، لوضوح أن الجعل الفعلي لا محالة يتوقف على الالتفات التفصيلي من قبل الجاعل إلى المقدمة، مع أنه كثيرا ما يكون الجاعل غافلا عن المقدمة أصلا، إذن فلا معنى لدعوى الوجوب المولوي الفعلي.

و إنما المراد من وجوب المقدمة في المقام، هو الوجوب المولوي الفعلي المجعول على المقدمة، ارتكازا و شأنا، بحيث لو التفت إليه لطلبه، و هذا الوجوب الذي تصدق معه هذه القضية الشرطية، و هي أنه، «لو التفت لطلبه» فيكون الطلب موجودا بوجود ارتكازي شأني يخرج إلى عالم الفعليّة بمجرد الالتفات.

و أمّا النسبة بين هذا المحمول و الموضوع، فهي المدّعى، بأن ثبوت الوجوب للمقدمة باعتبار الملازمة العقلية، و دعوى أن مقدمية المقدمة تستلزم عقلا هذا الوجوب المولوي الشأني التقديري الارتكازي.

كما أن النزاع ليس في خصوص الدلالة اللفظية الالتزامية للأمر بشي‏ء على وجوب مقدماته، و التي هي أخص من مطلق الملازمة العقلية، لأن الدلالة اللفظية الالتزامية إنما تكون في اللازم البيّن، لا في مطلق اللازم، و لو كان خفيا، إذ لا مبرّر لقصر النزاع على خصوص ذلك بعد أن كانت النتائج و الآثار المطلوبة من إثبات الوجوب الغيري مترتبة على هذه الدلالة اللفظية الالتزامية إن ثبت الوجوب الغيري بالملازمة العقلية، سواء أ كانت هذه الملازمة بدرجة تستتبع الدلالة اللفظية، أو لم تكن كذلك، فخصوصية كون الملازمة بدرجة تستتبع الدلالة اللفظية ليس لها دخل في الغرض المقصود، كي يكون النزاع مقصورا على ذلك.

و الخلاصة: إنّ البحث ليس عن خصوص الدلالة اللفظية الالتزامية للأمر بشي‏ء على وجوب مقدماته، و إنما البحث في مطلق الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدماته، سواء أ كانت هذه الملازمة بيّنة بحيث تشكل دلالة لفظية

10

التزامية أو لم تكن كذلك، إذ لا مبرر لقصر البحث على ذلك بالخصوص بعد أن كانت النتائج و الآثار المطلوبة من هذا البحث غير مقصورة على ذلك.

هذا هو تحقيق عنوان المسألة، ثم نستأنف الكلام عن المقدمات، و قيود الواجب، في فصلين رئيسين:

11

الفصل الأول في تقسيمات المقدمة

قسّمت المقدمة إلى أقسام، منها: المقدمة الوجودية، و المقدمة الوجوبية، و قد أشرنا إليها في تحقيق عنوان النزاع.

و هنا تقسيمات أخرى لا موجب للتعرض لها، و لا أثر للحديث عنها من قبيل تقسيمها إلى مقدمة عقلية، و شرعية، و مقدمة وجود، و مقدمة صحة، و مقدمة داخلية و خارجية، كما قسّمت كما في (الكفاية) إلى الشرط المقارن و المتقدم و المتأخر، فإن هذه الأقسام كلها مستأنفة في المقام إذ إنّه متى ما تحققت المقدميّة الوجودية، جاء النزاع و جرى الكلام في وجوبها، و عدم وجوبها سواء أ كانت المقدميّة ذاتية و هي المسمّاة بالمقدمة العقلية من قبيل «نصب السلّم للكون على السطح»، أو كانت مقدمية شرعية عرضية نشأت من تقييد الواجب بفعل من الأفعال كمقدميّة الوضوء للصلاة الناشئة من أخذ الصلاة مقيدة بالوضوء، فإنّ ذات الصلاة غير متوقفة على الوضوء، لكن الصلاة المقيدة بالوضوء بما هي مقيّدة، متوقفة عليه، و هذا المسمّى ب ب (المقدمة الشرطية).

و على أي حال، فأيّ شي‏ء يكون مقدمة وجودية يكون موجبا للدخول في محل النزاع، و يبحث فيه عن وجوبه، و عدم وجوبه.

قلت: كل تلك التقسيمات لا موجب و لا أثر للتعرض لها، و إنما الذي‏

12

يستحق التعرض له هو آخر هذه التقسيمات، و هو تقسيم المقدمة إلى الشرط المقارن و المتقدم و المتأخر، تمهيدا للدخول في إشكالية تعقل الشرط المتأخر بل المتقدم. كما ألحقه المحقق الخراساني به حيث ادّعى سراية إشكال تعقل المتأخر إلى المتقدم. و صياغة إشكال عدم تعقّل الشرط المتأخر هو أن يقال:

إنّ الشرط المتأخر غير معقول في نفسه باعتبار أن هذا الشرط، إمّا أن يفرض أنه لا يؤثر في مشروطه شيئا، و إمّا أن يفرض أنه يؤثر شيئا.

فإن فرض الأول: فهو خلف الشرطية إذ لا نتعقّل للشرطية معنى إلّا التأثير الضمني للمشروط، و أن الشرط جزءا من أجزاء العلة المولدة للمشروط، فسلخه عن المؤثرية هو سلخ عن الشرطية، و هو خلف.

و إن فرض الثاني و هو كونه مؤثرا: فحينئذ نسأل: هل أن تأثير هذا الشرط يكون في ظرف مشروطه المتقدم، أو في ظرف وجود نفس الشرط المتأخر، حيث أنه يوجد عندنا زمانان: زمان للمشروط، و زمان للشرط المتأخر، و في أي الزمانين فرض التأثير للشرط هو غير معقول.

أمّا كون التأثير في زمان المشروط- الزمان المتقدم- هو غير معقول، ذلك لأن الشرط المتأخر معدوم في الزمان المتقدم، فيلزم من تأثيره في الزمان المتقدم تأثير المعدوم، و هو باطل بالبداهة العقلية لأن المعدوم بما هو معدوم، لا يمكن أن يؤثر في عالم الوجود.

و إن فرض أن هذا الشرط المتأخر مؤثر في الزمان الثاني، و هو زمن وجوده، حينئذ لا يلزم تأثير المعدوم لأنه موجود في هذا الظرف، لكن يلزم حينئذ أن يكون مؤثرا في الماضي، مع أن الماضي قد وقع، و الواقع لا ينقلب عمّا وقع عليه، فيكون مستحيلا لاستحالة انقلاب الواقع عمّا وقع عليه.

هذا تقريب إشكال الشرط المتأخر، و لحل هذا الإشكال ينبغي البحث في مقامات ثلاثة:

13

1- المقام الأول: في تحقيق حال محذور الشرط المتأخر فيما إذا كان شرطا لنفس الحكم للوجوب.

2- المقام الثاني: في حال إشكال الشرط المتأخر فيما إذا كان شرطا متأخرا للواجب لا للوجوب.

3- المقام الثالث: فيما ألحقه المحقق الخراساني بالشرط المتأخر، و هو الشرط المتقدم، حيث ادّعى أن إشكالية المتأخر تسري إلى الشرط المتقدم أيضا.

[- المقام الأول: في تحقيق محذور الشرط المتأخر للوجوب‏]

أمّا المقام الأول:

و هو في محذور الشرط المتأخر لنفس الحكم، للوجوب، كما لو فرض أن المولى حكم بوجوب الصلاة في النهار على من لا يصلي صلاة الليل في الليلة القادمة، أو يصلي صلاة الليل في الليلة القادمة، فحينئذ، صلاة الليل وجودا أو عدما، تكون شرطا متأخرا في أصل وجوب الصلاة في النهار.

و قد ذكر المحقق‏ (1) الخراساني في مقام دفع إشكال الشرط المتأخر في باب الأحكام، أن ما هو الشرط بحسب الحقيقة إنما هو الوجود اللحاظي الذهني للشرط المتأخر لا الخارجي، و الوجود اللحاظي مقارن دائما.

و توضيحه: إنّ الحكم هو فعل من أفعال المولى، و قائم بالمولى قيام الجعل بالجاعل، و الإنشاء بالمنشئ، فهو قائم في نفس المولى لا في الخارج، و من الواضح أن الجاعل في مقام جعل وجوب الصلاة في النهار على من يصلي الليل في الليلة القادمة، هذا الجعل يتوقف على لحاظ الشرط- صلاة الليل في الليلة القادمة- لوضوح أنه لو لم يلحظ أصلا الشرط- «الصلاة في الليلة القادمة»، لما أمكنه أن يجعل مثل هذا الجعل. إذن فشرط هذا الجعل إنما هو الوجود اللحاظي لصلاة الليلة القادمة، لا الوجود الخارجي‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 145- 146.

14

لها- و الوجود اللحاظي هذا، مقارن مع الجعل و الحكم، فإن لحاظ المولى لصلاة الليلة القادمة موجود حين جعل المولى، فيكون مقارنا مع الحكم، و ما هو متأخر عن الحكم، و هو الوجود الخارجي لصلاة الليلة القادمة، ليس شرطا بحسب الحقيقة.

و قد اعترضت مدرسة المحقق النائيني‏ (1) على إجابة صاحب الكفاية حيث قالت: إنّ هذا الكلام خلط بين الجعل و المجعول، إذ إنّه يوجد في عالم إنشاء الحكم أمران: أحدهما الجعل، و ثانيهما المجعول. أمّا الجعل. فهو أمر لا يتوقف على وجود الشرط و الموضوع خارجا، و إنما يكفي في تحققه لحاظه من قبل المولى، و تقديره من قبل الجاعل، كأن يلحظ المولى موضوعا كليا، و يقدّر وجوده، و يفترض تحققه، ثم ينشئ وجوبا عليه فيقول: من يصلي الليل من الليلة القادمة، يجب عليه الصلاة في نهاره، و هذا جعل يتحقق من المولى حتى لو لم يوجد هناك مصلّ أصلا في الخارج، لأن هذا الجعل مرجعه إلى قضية شرطية و تقديرية، يكفي في شرطه لحاظه و تقديره من قبل الجاعل دون أن يتوقف على وجود الشرط و الموضوع خارجا.

إذن فهذه القضية الشرطية بما هي قضية شرطية حقيقية، هي الجعل.

و أمّا المجعول: و هو الحكم الفعلي، فإنه عبارة عن فعلية جزاء هذه القضية بفعلية شرطها، فهو متوقف على فعلية الشرط و تحققه خارجا، إذ إنّ المولى بعد أن أنشأ تلك القضية الشرطية المعلقة بين الأرض و السماء، وجد خارجا من يصلي صلاة الليل، و بهذا أصبح الشرط في القضية الشرطية فعليا، و عليه فلا محالة يصبح الجزاء، و هو الحكم، فعليا، و يخرج من عالم التقدير إلى عالم التحقيق، و تنشأ قضية تنجيزية بدلا عن القضية الشرطية، مفادها، أنّ فلانا يجب عليه الصلاة في النهار فعلا، و هذه قضية تنجيزية و فعلية، و هذا هو

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 311- 312 فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 156- 157.

15

المجعول. و حينئذ يقال: إنّ ما ذكره المحقق الخراساني من أن الشرط هو اللحاظ الملحوظ، إنما يناسب عالم الجعل عالم إنشاء القضية الشرطية، كما ينشئ المولى قضية شرطية، و يقول: إذا استطاع المكلف فليحجّ، فإنه هنا لا يحتاج إلّا إلى الافتراض و التقدير، و هذا هو اللحاظ الذي يحتاجه الجعل، لا الوجود الخارجي، و الوجود اللحاظي هذا يقارن الجعل دائما.

و أمّا عالم المجعول: أي عالم القضية الفعلية الذي يتحول فيه المجعول من التقديرية إلى التحقيقية تبعا لتحوّل الشرط من التقدير إلى التحقيق، فإنه في هذا العالم، فعلية المجعول تابعة لوجود الشرط خارجا، و يكون وجوب الحج بالفعل فرع وجود استطاعة بالفعل، لا فرع لحاظ الاستطاعة أو وجودها لحاظا. و عليه فإذا فرض كون هذا الشرط متأخرا، فيكون الوجوب و الحكم فرع أمر، و نتيجة أمر، بعد لم يولد، و حينئذ يلزم تأثير المعدوم، أو تأثير المتأخر في المتقدم، لأن الشرط هنا هو الوجود الخارجي، لا الوجود اللحاظي، إذن فلا يتم كلام المحقق الخراساني.

و تحقيق الكلام في المقام هو: إنّ إشكال استحالة الشرط المتأخر للوجوب يتصور في ثلاثة مواقع:

الموقع الأول: موقع عالم الجعل‏

، و المقصود به، عالم إنشاء الحكم على موضوعه المقدّر الوجود على نهج القضية الشرطية، و هذا العالم يمكن تصوير محذور الشرط المتأخر فيه بتقريبين:

أ- التقريب الأول: هو أن يصاغ المحذور بصيغة لزوم تأثير المتأخر في المتقدم، و تأثير المعدوم في الموجود.

و هذا التقريب يندفع بما ذكره المحقق الخراساني، من أن المؤثر في جعل المولى، إنما هو لحاظ المولى لا جعله، فإن الجعل عملية اختيارية للمولى، و هي مربوطة بلحاظاته و تصوراته، و هي متقدمة، و إنما المتأخر هو

16

الوجود الخارجي، فما هو مؤثر، و هو لحاظ المولى، هو متقدم، و ما هو متأخر، ليس مؤثرا في الجعل.

ب- التقريب الثاني: لمحذور الشرط المتأخر هو دعوى التهافت في اللحاظ، كما يستفاد من كلمات المحقق النائيني‏ (1)، و هو محذور آخر، حتى مع افتراض أن الشرط هو اللحاظ.

و حاصله: إنّ المولى عند ما يجعل حكمه بوجوب الحج منوطا بالاستطاعة، فهذا يعني أنه أخذ الاستطاعة مفروغا عنها، و ثابتة في نفسها، و حينئذ ينشئ الوجوب، و حينئذ يقال: إنّ الاستطاعة إذا كانت شرطا مقارنا أو متقدما يعقل لحاظها هكذا، و لكن إذا فرض أن الشرط كان متأخرا من قبيل صلاة ليلة الأحد المأخوذة شرطا في وجوب صلاة يوم السبت.

فهنا يقع التهافت، في عالم اللحاظ لدى الجاعل، فإن أخذ صلاة ليلة الأحد مفروغا عنها معناه، أن المولى بعد أن يفرغ عنها هكذا، فإنه لا يرى من الزمان بعد إلّا الزمان الذي يبتدئ من الأحد فصاعدا، و عليه فكيف يحكم بوجوب صلاة يوم السبت، مع أن زمان يوم السبت غير مرئي للمولى، و لا يمكنه إرجاع عجلة الزمن إلى الوراء، ليرى زمان يوم السبت، فيشرّع له، إذ معنى أخذ صلاة الأحد شرطا هو الفراغ عنها، و جعل الوجوب يوم السبت معناه عدم الفراغ عن صلاة الأحد، و هذا تهافت واضح في اللحاظ.

و الجواب على استشكال المحقق النائيني هو: إنّه لا تهافت في المقام و ذلك لأن أخذ الشرط مفروغ الوجود، يختلف باختلاف كيفية فرض تحققه، فإن فرض أخذ وجوده مفروضا سابقا، فهذا تهافت، و أمّا إذا أخذ مفروض الوجود في موطنه اللّاحق، بمعنى أن المولى نظر إليه و لاحظه في زمانه الموجود فيه، و هو ليلة الأحد مثلا، و قال بصيغة المضارع، إذا كان سوف‏

____________

(1) أجود التقريرات: الخوئي ج 1 ص 225- 226 فوائد الأصول: الكاظمي ج 1 ص 157- 159.

17

يصلي صلاة الليل من ليل الأحد، فالصلاة يوم السبت واجبة عليه. إذن فأخذ الشرط مفروض الوجود، مساوق مع موطنه، و هذا ليس رجوعا إلى الوراء حتى يلزم التهافت، بل إن المولى قفز بنظره إلى ما وراء حاجز الزمن الذي هو يوم السبت، قفز إلى ليلة الأحد، و لاحظ الصلاة التي سوف تكون في هذه الليلة، ثم عاد لكي يتصورها يوم السبت، و يشرّع على ضوئها.

و بعبارة أخرى: إنّ تقدير الغسل في ليلة الأحد، لا ينحصر في تقديرها ماضية، و في الزمان السابق، بل أمر التقدير و الفرض و اللحاظ بيد الملاحظ، فله أن يقدّر ذلك مستقبليا، أي: يقدر أن العبد سوف يصلي في الليلة القادمة، لأن تحديد ظرف المقدّر من حيث فرضه مستقبلا، أو ماضيا، يكون بيد المقدّر نفسه فلا يلزم أي تهافت في اللحاظ.

الموقع الثاني: إشكال أخذ الشرط المتأخر في عالم المجعول‏

، و في هذا الموقع يأتي نفس الإشكال السابق الصادر عن مدرسة المحقق النائيني، و الذي حاصله: إن الحكم بعد أن يجعل من قبل المولى بنحو القضية الشرطية، فتكون فعليّة الجزاء معلولا لفعلية الشرط خارجا، و إذا كان الشرط متأخرا، فيكون المتأخر علة للمتقدم، و هو محال.

و جوابه هو: إنّ عالم المجعول عالم خيالي، و حاصله أن المولى بعد أن يجعل وجوب الحج على المستطيع بنحو القضية الشرطية، و يقول: لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، ثم وجدت الاستطاعة بعد ذلك في زيد، لم يحدث شي‏ء جديد، فلو أنه حدث شي‏ء جديد، لجاء الإشكال، بأن هذا شي‏ء جديد قد حدث و شرطه متأخر، و به يلزم أن يكون المتأخر علة للمتقدم.

و لكن نقول بعد أن يتم الجعل، و بعد أن تتحقق الاستطاعة خارجا، لا يحدث شي‏ء جديد لم يكن حادثا، لأن هذا الشي‏ء الذي يفترض حدوثه‏

18

بحدوث الاستطاعة، و فعليّة وجوده بفعلية وجود الاستطاعة خارجا، إمّا أن يكون نسبته إلى ذلك الجعل من قبل المولى نسبة المجعول إلى الجعل، و إمّا نسبة المسبّب إلى السبب، يعني أن هذا هو مجعول ذاك الجعل، أو مسبّب ذاك السبب، فإن كانت النسبة بين الشي‏ء الحادث عند الاستطاعة و بين جعل‏ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، إن كانت النسبة هي نسبة المجعول إلى الجعل، فهذا مستحيل، لأن نسبة المجعول مع الجعل نسبتهما نسبة الوجود و الإيجاد، فإن الجعل إيجاد و المجعول وجود، و الإيجاد و الوجود متحدان حقيقة، و متغايران اعتبارا، فلو كان هذا هو مجعول ذاك، إذن لكان عينه، و استحال أن يتخلّف عنه، لوحدة الإيجاد مع الوجود، إذن فلا يمكن أن تكون نسبة هذا الشي‏ء الحادث إلى ذلك الجعل، نسبة المجعول إلى الجعل، لأنه خلف تعددهما و تغايرهما و تعدد الفترة بينهما، مع أن الوجود و الإيجاد متحدان حقيقة.

و إن كان نسبة هذا الشي‏ء الحادث إلى ذلك الجعل، نسبة المسبب إلى السبب. و نسبة المقتضي لمقتضيه- و لا عجب، إذ كثيرا ما يوجد المقتضي بدون مقتضى لمدة من الزمان، ريثما تستكمل شرائطه فيحدث- فإن قيل إنّ النسبة هي هكذا، نسبة المقتضى إلى المقتضي، و المسبّب إلى السبب، فيكون أقل محذورا من الأول، لكنه باطل في نفسه أيضا، لأن هذا المسبب، و هذا المقتضى الذي يحدث حين وجود الاستطاعة، إمّا أن يحدث في عالم الخارج، خارج نفس المولى و الجاعل، أو في عالم نفس الجاعل، و كلاهما باطل. أمّا كونه باطلا إذا حدث في عالم خارج نفس الجاعل، فلوضوح أن الوجوب ليس من الحقائق الخارجية كالبياض، و الصفرة، و الحرارة، و البرودة، بحيث يوجد شي‏ء في الخارج اسمه «الوجوب». و أمّا كونه باطلا إذا حدث في عالم نفس المولى و الجاعل كشي‏ء جديد، بمعنى أن المولى عند ما يستطيع شخص، يحدث في نفسه شي‏ء جديد، فهذا غير صحيح، لأن فعلية الحكم تابعة لواقع وجود الاستطاعة خارجا، سواء التفت المولى إلى ذلك، أو لم يلتفت، اعتقد بوجود الاستطاعة أو لم يعتقد، إذن فكيف يتصوّر أن يكون‏

19

واقع الاستطاعة بوجوده الخارجي محدثا شيئا في نفس المولى؟

و بهذا البيان يتضح: إنّ المجعول ليس له ثبوت حقيقة وراء عالم الجعل، و إنما هذا مجرد نظر تصوري للجاعل، فإن الجاعل حينما فرض مستطيعا، و حكم عليه بالوجوب، فكأنه خيّل له بنظره التصوري كأن هذا الوجوب قذفه و رماه على المستطيع الذي لم يوجد بعد، فكأنه رمى الوجوب على عالم آخر غير عالم نفسه، لأن الاستطاعة غير موجودة حقيقة، إلا أن هذا مجرد خيال، فإن كل ما وجد هو هذا الجعل القائم في عالم نفسه.

من هنا أنكرنا ما اصطلح عليه بالوجوب الفعلي، أو بفعلية الوجوب، إذ كل وجوب فعلي حين فعلية جعله، و إن كان قد تحصل هناك فاعلية و محركية عقلا لهذا الجعل عند ما يتحقق موضوعه في الخارج، و ينطبق على المكلف.

فباب المجعول ليس أكثر من باب الانطباق و الانتزاع، دون ربط بالتأثير و التأثر، و باب الانطباق و الانتزاع ثابت، بقطع النظر عن الحكم و الوجوب من قبل المولى، فلو قيل: إنّ فلانا سيغتسل في الليلة القادمة، لا يعني ذلك تأثير شي‏ء متأخر في زمان متقدم. إذن فإشكال عدم معقولية الشرط المتأخر، لا موضوع له في الموقع الثاني، موقع عالم المجعول.

الموقع الثالث: محذور أخذ الشرط المتأخر، في عالم الملاك‏

، و تقريره أن يقال: إنّه تقدّم أن شرط الوجوب يكون له مؤثرية تكوينية في احتياج العبد إلى الفعل، فيكون الاحتياج صفة تكوينية معلولة، و شرط الوجوب مؤثر في هذه الصفة، و هذا يختلف عن شرط الواجب، الذي له مؤثرية في إشباع هذه الحاجة و تحققها، إذن فشرط الوجوب يختلف عن شرط الواجب خطابا و ملاكا، و حينئذ إن كان شرط الوجوب مقارنا معه، من قبيل الزوال مع وجوب صلاة الظهر، فلا بأس به، لأن الزوال حين صيرورته أحدث احتياجا

20

فعليا عند المكلّف ليصلي أربع ركعات، فيكون هذا من باب تأثير الموجود في الموجود.

و أمّا إذا كان شرط الوجوب متأخرا، من قبيل صلاة يوم الأحد تكون شرطا في وجوب «صوم يوم السبت»، فمعنى هذا: إنّ الشرط المتأخر للوجوب هنا، قد أحدث احتياجا عند العبد لصوم يوم السبت. و هذا الاحتياج صفة تكوينية واقعية ثابتة، بقطع النظر عن جعل المولى، بناء على اعتقادنا من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و عدم كونها جزافا و عبثا، و معنى هذا أن صلاة يوم الأحد مؤثرة في ملاك وجوب صوم يوم السبت، أي مؤثرة في اتصاف الفعل بأنه ذو ملاك و مصلحة، إذن فالاحتياج الذي هو صفة تكوينية معلولة لشرط الوجوب، قد حدثت يوم السبت، بسبب شرط الوجوب، الذي هو صلاة ليلة الأحد، و هذا تأثير للمعدوم في الموجود.

و قد يقرّر هذا المحذور بتعبير آخر، فيقال: إن المكلف في آن طلوع الفجر عليه يوم السبت، هو في واحدة من حالتين:

فإمّا أن يكون محتاجا إلى الصوم بحسب المصالح و المفاسد المولوية، و أمّا أن لا يكون محتاجا إليه كذلك، فإن فرض كونه غير محتاج إليه، إذن فلا يجب عليه الصوم، لأن الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد. و إن فرض كونه محتاجا إلى الصوم، فهذا الاحتياج إن لم يكن مربوطا و معلولا لصلاة ليلة الأحد، إذن فمعنى هذا، أن وجوب صوم يوم السبت ثابت في حق جميع المكلفين من صلّى منهم ليلة الأحد، و من لم يصلّ، لأن الكل يكون حينئذ محتاجا، و هذا خلف كون الاحتياج صفة تكوينية معلولة.

و إن فرض كون هذا الاحتياج فجر يوم السبت مربوطا و معلولا لصلاة ليلة الأحد، إذن فهذا تأثير للمعدوم في الموجود، و المفروض أن الموجود هنا، و هو الاحتياج، هو صفة واقعية تكوينية، و هي أسبق رتبة من عالم الجعل و المجعول.

21

و الجواب على هذا هو إننا نختار أن الشرط المتأخر، «صلاة ليلة الأحد»، لا تحدث الاحتياج في الزمن المتقدّم- أي حين طلوع فجر يوم السبت- حتى يلزم تأثير المعدوم في الموجود، بل إن الشرط المتأخر هذا، صلاة «ليلة الأحد»، إنما يحدث الاحتياج في زمنه، و حين جعله شرطا بحيث أن صلاة ليلة الأحد، «الشرط»، توجد حالة عند المكلف يكون معها بحاجة إلى صوم يوم السبت قد تفوته هذه الحاجة لو لم يفعلها في اليوم المتقدم، و حينئذ فهنا ثلاث صور:

أ- الصورة الأولى: هي أن تحدث صلاة ليلة الأحد حاجة إلى صوم بعدي كصوم نهار الأحد، فيكون الشرط هنا متقدما، أو مقارنا.

ب- الصورة الثانية: هي أن تحدث صلاة ليلة الأحد احتياجا إلى صوم يوم السبت، بحيث أن صوم يوم السبت في يومه، لم يكن له أهمية، لكن في ليلة الأحد يكون له أهمية، غايته أن من لم يصم يوم السبت، سيشعر بالحاجة إلى هذا الصوم ليلة الأحد، و فيها سوف لن يستطع أن يصوم إلا إذا رجع الزمان إلى الوراء.

و مثاله الأوضح هو: كما أنّ فصل الشتاء يحدث حاجة إلى الفحم في الشتاء، و لكن لأن المولى يعرف عجز عبده عن شراء الفحم في الشتاء، فيأمره بشرائه في الصيف، إن كان سيبقى حيّا إلى الشتاء، إذن فوجوب شراء الفحم في الصيف، مشروط بشرط متأخر، و هو بقاؤه حيّا إلى الشتاء، إذن فحياته في الشتاء تحدث احتياجه في الشتاء إلى الفحم، و لا تحدث احتياجه في الصيف، لكن حيث أن الفحم عند احتياجه في الشتاء، غير موجود، فالمولى يحكم بوجوب شرائه من الآن في الصيف، لكن مشروطا بما إذا كان سيعيش إلى الشتاء، و هذا شرط متأخر معقول، و لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود، لأن الشرط هذا أثّر في الاحتياج في حينه، لكن الاحتياج إلى فعل سابق.

3- الصورة الثالثة: هي أن يحدث الشرط المتأخر احتياجا إلى الجامع‏

22

بين صوم يوم السبت و صوم يوم الأحد، لا إلى خصوص المتأخر، و لا إلى خصوص المتقدم، هنا أيضا يمكن للمولى في ذلك أن يحكم من أول الأمر في وجوب صوم يوم يقول: يجب أن تصوم يوما إذا صلّيت ليلة الأحد.

و في حياتنا الاجتماعية أمثلة كثيرة: فالطبيب يصف الدواء و يكون لشربه فائدة كبيرة، و لكن يشترط على المريض، إذا أراد أن يحصل على فائدة، أن يحجم عن أكل اللحم البقري مثلا، و إلّا كان دواؤه مضرا، فهنا قد اشترط الطبيب لتحصيل الفائدة من شرب دوائه في الزمن المتقدم، إحجام المريض عن تناول لحم البقر في الزمن المتأخر، و هذا شرط متأخر معقول.

ففذلكة الجواب هنا هو: إنّ الشرط المتأخر لا يولّد احتياجا قبله، بل يولّد احتياجا حين اشتراطه، و المولى باعتبار تحفظه على شئون عبده، يجعل عليه وجوبا من أول الأمر، منوطا بهذا الشرط المتأخر، و هنا لا يلزم من ذلك تأثير المعدوم في الموجود، بل هو تأثير موجود في موجود.

المقام الثاني: في محذور الشرط المتأخر

فيما إذا كان شرطا للواجب، من قبيل غسل المستحاضة في ليلة الأحد الذي هو شرط في صحة صوم يوم السبت.

و محذور الشرط المتأخر في الواجب يتصوّر في موقعين.

أ- الموقع الأول: هو كون الشرط- كما في المثال- واقعا قبل مشروطه‏

الذي هو صوم يوم السبت، و كون المشروط واقعا قبل شرطه، مع أن الشرط من أجزاء العلة للمشروط، و يستحيل تأخره عنه استحالة تأخر العلة عن معلولها.

و جوابه: هو إنّ غسل المستحاضة ليلة الأحد، و إن كنّا نسميه شرطا كما نسمي صوم نهار السبت مشروطا، و لكن هذا الشرط و المشروط ليسا من باب العلة و المعلول، بل إن غسل ليلة الأحد ليس له دخل في وجود صوم يوم السبت، لبداهة أن المستحاضة يمكنها أن تصوم يوم السبت من دون أن تغتسل‏

23

في ليلة الأحد، إذ ليس صوم يوم السبت منوطا أو ناتجا عن الغسل ليلة الأحد، و إنما نسمي الغسل بالشرط للصوم بمعنى آخر من الشرطية، غير الشرطية التي ترجع إلى التأثير و العلّيّة. و توضيح ذلك هو: إنّ الشرطية لها معنيان.

أ- المعنى الأول: هو الشرطية بمعنى المؤثريّة، و كون شي‏ء دخيلا في علة وجود شي‏ء آخر، كما يقال: إنّ ملاقاة النار مع الورقة، شرط في إحراق النار للورقة، و هذه الشرطية بمعنى المؤثرية، و كون الملاقاة دخيلة في علة وقوع الاحتراق خارجا.

ب- المعنى الثاني: هو الشرطية بمعنى التخصيص و التقييد للمفهوم المأخوذ في متعلق الأمر، فإنه يقيّد و يحصّص في عالم اللحاظ و التصور، بشرط، كما نتصور مفهوم الإنسان، ثم نتصور إنسانا عالما، فالعالم هنا صار شرطا في موضوع الإنسان، و العلم أصبح قيدا و محصّصا و مضيقا و حينئذ يقال: إنّ المفهوم كما يمكن تحصيصه و تقييده بقيد متقدم أو مقارن، فكذلك يمكن تحصيصه و تقييده بقيد متأخر، فهذه القيود كلها معقولة، و إن سمّي القيد هنا بالشرط، و المقيّد بالمشروط، فإنه لا يلزم منه تأثير المتأخر في المتقدّم.

و محذور الشرط المتأخر إنما يرد و يلزم إذا كان بالمعنى الأول دون الثاني كما هو واضح، و حينئذ يقال: إنّ غسل المستحاضة في ليلة الأحد شرط في صوم يوم السبت، إنما هو شرط بالمعنى الثاني دون الأول، لإمكان أن يحدث الصوم نهار السبت دون غسل ليلة الأحد، و عليه فيكون غسل ليلة الأحد قيدا محصّصا- «الصوم»- بخصوص الحصة المقيّدة، لا إنّه شرط دخيل في إيجاد الصوم.

الموقع الثاني: محذور الشرط المتأخر بلحاظ الملاك‏

، حيث يكون غسل ليلة الأحد شرطا، باعتباره كفيلا في ترتب و إيجاد المصلحة التي هي ملاك وجوب‏

24

الصوم، إذ قد تقدّم أن مقدمة الواجب و شرطه، يختلف عن شرط الوجوب، بحسب عالم الملاك، و أن شرط الوجوب يكون مؤثرا في الاحتياج، و في اتصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، من قبيل «مجي‏ء الشتاء» الذي يوجب اتصاف النار بكونها ذا مصلحة، و هذا بخلاف شرط الواجب الذي هو دخيل في وقوع المصلحة خارجا، و ترتبها على مقتضيها، من قبيل «سدّ منافذ البيت» الذي هو دخيل في ترتب مصلحة الدف‏ء على النار خارجا، فإذا لاحظنا غسل ليلة الأحد بالنسبة إلى مصلحة صوم يوم السبت، و الأثر الذي يترتب على هذا الصوم، يكون نسبته إليه نسبة الشرط بالمعنى الأول إلى مشروطه، فيكون من قبيل سدّ المنافذ بالنسبة إلى الدف‏ء، فكما أن الدف‏ء معلول إجمالا لسد المنافذ، فكذلك في المقام، فإن شرطية الغسل، إذا أضيفت إلى المصلحة، تكون شرطية بالمعنى الأول، و يكون الغسل دخيلا و مؤثرا في إيجاد تلك المصلحة، و ترتبها على ذيها.

غاية الأمر أنّ دخل الشرط هنا يكون بنحو الشرطية، لا بنحو الاقتضاء، كما لو فرضنا إن المقتضي للمصلحة هو الصوم، و الشرط في إيجادها و ترتبها على مقتضيها، هو الغسل، و هنا نشبه المصلحة بالإحراق، و الصوم نشبّهه بالنار، أي بمقتضى الإحراق، و الغسل نشبهه بالملاقاة أو جفاف الورق الذي هو شرط في ترتب الإحراق على النار، إذن فنسبة الغسل إلى المصلحة، نسبة الجفاف و الملاقاة إلى الإحراق، فلو كان الغسل متأخرا عن ترتب المصلحة كما في غسل ليلة الأحد المتأخر عن صوم نهار السبت، حينئذ نقول:

إن كانت المصلحة قد ترتبت في نهار السبت، إذن يلزم تأثير المتأخر في المتقدم، لأن المصلحة المترتبة في نهار السبت، متأثرة و متولدة من غسل ليلة الأحد. و عليه فقد أثّر المتأخر في المتقدم، و هذا من قبيل أن يقال: إنّ احتراق الورقة في نهار السبت، كان بتأثير الملاقاة في ليلة الأحد، و إن كانت المصلحة لم تترتب في نهار السبت، و أنما ترتبت ليلة الأحد، و عند الغسل، فحينئذ لا يكون الغسل مؤثرا قبل وجوده، بل يكون مؤثرا حين وجوده. و هنا

25

نسأل: إنّه كيف وجدت المصلحة بعد انعدام المقتضي لها، إذ سبق و فرضنا أن المقتضي لها إنما هو الصوم، و الشرط لها إنما هو الغسل؟ فإن فرضنا أنها لم توجد في زمان الصوم، و إنما وجدت في الليل، مع أن الصوم هو المقتضي، إذن فيلزم أن يكون المقتضى قد وجد بعد انعدام المقتضي، من قبيل ما إذا كانت النار يوم السبت، و جفاف الورقة حصل في ليلة الأحد، و المفروض أن النار كانت قد انطفأت ليلة الأحد، و حينئذ يحصل الاحتراق ليلة الأحد، قبل انطفاء النار من ناحية جفاف الورقة، و هذا غير معقول. هذه هي صياغة محذور الشرط المتأخر في الموقع الثاني.

و قد تصدّى المحقق الخراساني‏ (1) للإجابة على ذلك و توضيح جوابه يتوقف على بيان أمرين:

الأمر الأول: هو أن الأشياء على ثلاثة أقسام:

أ- القسم الأول: أشياء واقعية موجودة في الخارج من قبيل وجود الماء، و الهواء، و البياض، و الحلاوة.

ب- القسم الثاني: أشياء اعتبارية صرفة، يخلقها العقل متى يشاء، و يتحكّم فيها من قبيل أن يعتبر وجود بحر من زئبق، أو جبل من ذهب، و هذه أشياء اعتبارية صرفة، و نسبة العقل إليها نسبة الفاعلية و الخلق، أي متى ما أراد العقل ينشئ بحرا من زئبق.

ج- القسم الثالث: قسم وسط بين الأمرين، فلا هي أمور موجودة في الخارج، و لا هي اعتباريات محضة، و يسميها الحكماء بالاعتباريات الواقعية، يعني أنها اعتباريات في مقابل القسم الأول، أي إنها لا وجود لها في الخارج، و لكنها في الوقت نفسه، ليست اعتبارية محضة، بل فيها جنبة واقعية، من قبيل‏

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 147- 148- 149.

26

الإضافات التي تحصل بين الأشياء، فكون فلان متقدما على فلان، لا يعني أن هذا التقدم أمر اعتباري محض مثل بحر الزئبق، إذن فلا يدخل في القسم الثاني لوضوح أن العقل ليس مسلطا عليه كتسلطه على اعتبار بحر من زئبق، فلو أراد مئات المرات أن يسلخ التقدم عن نبوة عيسى «ع» على نبوة خاتم الأنبياء «ص» فلا يستطيع، لأن التقدم أمر واقعي، فالعقل هنا دوره دور الانفعال و القبول، لا دور الإنشاء و الفاعلية، كما أن هذا القسم ليس من القسم الأول لوضوح أنه لو كان لتقدم هذه الحادثة، على تلك الحادثة وجود واقعي في الخارج، إذن لكانت هي حادثة من الحوادث، فيكون أيضا لها تقدم، و هكذا حتى يلزم التسلسل في العلل و المعلولات الخارجية، و هو مستحيل.

إذن فالإضافة لا هي من الأول، و لا هي من الثاني، بل هي قسم برأسه يسمونها بالاعتباريات الواقعية التي لها جنبة واقعية، بمعنى أن العقل متى ما قاس شيئا إلى شي‏ء آخر، انتزع منه و نشأ في وعاء العقل مفهوم هو التقدم، و قد سمّينا هذه الأشياء في بحث المعنى الحرفي بأشياء لوح الواقع، تمييزا لها عن القسم الأول، الذي هو لوح الاعتبار.

الأمر الثاني: هو أن الملاك، كما يكون المصلحة و المفسدة، أيضا يكون الملاك هو الحسن و القبح، و أحدهما يختلف عن الآخر، فالمصلحة و المفسدة عبارة عن أمور موجودة في الخارج، فهي داخلة في القسم الأول من قبيل صحة المزاج، قدرة النفس، شدة الصبر، كمال الإيمان، كل هذه أمور حقيقية موجودة في الخارج، و أمّا الحسن و القبح العقليان فبابهما ليس باب المصالح و المفاسد، فقد يحكم العقل بحسن شي‏ء و فيه أعظم المفاسد، و قد يحكم بقبح شي‏ء و فيه أعظم المصالح، و ذلك كما لو تخيّل إنسان أن النبي عدوّ لنبي يغرق فأنقذه من باب أنه عدو النبي، فهذا العمل قبيح لأنه جرأة على النبي، لكن فيه مصلحة عظيمة لأنه حفظ به الدين، فهنا الحسن و القبح منحاز بحسب توصلات العقل إليه في جملة من الأحيان، و الحسن و القبح يرجعان إلى القسم الثالث أي:

27

إلى أمور اعتبارية، و أحكام عقلية، لكن ليس من قبيل بحر من زئبق، بل من قبيل التقدم و التأخر، فإن العقل يعتبر حسن العدل و قبح الظلم رغم أنفه أحيانا، فلو أراد أن يشعر نفسه بحسن الظلم، لما استطاع، و هذا معناه أن الحسن و القبح من القسم الثالث.

و بعد هذا يأتي جواب المحقق الخراساني‏ (1) على محذور الشرط المتأخر في الموقع الثاني، فهو يرى أن المحذور إنما يرد لو كان الملاك عبارة عن المصالح و المفاسد: فلو كان الملاك في وجوب صوم المستحاضة هو المصلحة أو شدة الإيمان، حينئذ يرد المحذور، لأن المصلحة من القسم الأول، أي: من الأمور الواقعية و الوجودات التكوينية في الخارج، فيستحيل أن يؤثر فيها الشرط المتأخر عنها، و إلّا استحكم الإشكال، و لزم تأثير المتأخر في المتقدم، و لكن إذا فرض أن الملاك في وجوب صوم المستحاضة إنما هو الحسن و القبح، بناء على الحسن و القبح العقليين، كما لو كان المولى قد أدرك حسنا في هذا الصوم و عليه أوجبه، حينئذ يقال: إنّ الحسن و القبح حيث أنهما من القسم الثالث، أي: من المقولات الاعتبارية العقلية التي لها جنبة واقع، فبالإمكان أن يكون معلولا لأمر اعتباري مثله، لأن الأمر الاعتباري من القسم الثالث يمكن أن يستند إلى أمر من سنخه اعتباري، و هذا الأمر هو إضافة التقدم و التأخر، و العنوان الذي ينتزعه العقل إنما هو عنوان تعقّب غسل المستحاضة لصومها، إذن فالحسن ناشئ من عنوان انتزاعي هو عنوان القبلية الذي هو ناشئ من مقايسة العقل بين الصوم و الغسل، و هذه القبلية حاضرة لدى العقل دائما، فلم يلزم في المقام محذور أصلا، لأن الحسن أمر اعتباري، و قد نشأ من أمر اعتباري مقارن له و هو عنوان القبلية. و هذا العنوان نشأ من مقايسة العقل، إذن فدور غسل المستحاضة الليلي هو أنه أحد طرفي مقايسة العقل.

____________

(1) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 147- 148.

28

و الخلاصة: إنّ الحسن ناشئ من عنوان انتزاعي، و هو عنوان القبلية، و عنوان القبلية نشأ من مقايسة العقل بين الصوم و الغسل، و حيث أن القبلية أمر اعتباري حاضر لدى العقل، فيكون الشرط مقارنا، و بهذا ينتفي المحذور.

و بتعبير آخر، إذا كان الملاك هو الحسن و القبح العقليين المنتزعين من عناوين اعتبارية ناشئة من مقايسة العقل بين الصوم و الغسل، فبالإمكان استناد هذا الملاك إلى شرط من سنخه اعتباري كعنوان تعقيب الصوم بالغسل، فهنا عنوان تعقيب الشرط، الغسل، أو مسبوقية الواجب، الصوم به و تقدمه عليه يمكن أن ينتزع منه العقل الحسن، أو من عكسه القبح، و هذه القبلية أو البعدية تنشأ من مقايسة العقل بين الصوم و الغسل، و هي حاضرة لدى العقل دائما، فيكون الشرط مقارنا، و لا محذور.

و الجواب على ما تخلّص به المحقق الخراساني من إشكال الشرط المتأخر هو أن يقال:

إن ما قاله المحقق الخراساني لا يصلح تفسيرا للواقع المحسوس من موارد الشرط المتأخر كظاهرة واقعية موجودة في تكاليف الناس التي تكون بملاك المصالح و المفاسد، و إن كان كلامه يكفي لتفسير الشرط المتأخر المأخوذ في أحكام المولى المبنية على ملاك الحسن و القبح العقليين.

إذن فالشرط المتأخر معقول أيضا في أحكام المولى بملاك المصالح و المفاسد، و لا يختص بأحكام المولى بملاك الحسن و القبح، إذ كثيرا ما يأمر الطبيب المريض بشرب الدواء مشروطا بشرط متأخر كالمشي بعد استعمال الدواء، أو النوم، أو غير ذلك.

و من الواضح أن هذه القيود إنما تكون شروطا بلحاظ المصلحة و المفسدة، لأن الطبيب لا يهمه كثيرا أن يفكر بالمقولات الاعتبارية لينتزع منها بالمقايسة حسنا و قبحا، و إنما هو يفكر في مصلحة المزاج، إذن فالشرط المتأخر كظاهرة واقعية موجودة في تكاليف المولى بملاك المصالح و المفاسد،

29

لا يمكن تفسيرها بمسألة الحسن و القبح العقليين.

إذن فلا بدّ من استئناف جواب عام لسائر موارد الشرط المتأخر، ما كان منه شرطا لتكليف مولوي بملاك المصلحة و المفسدة، أو شرطا لتكليف بملاك الحسن و القبح العقليين.

و تحقيق الحال في تفسير الشرط المتأخر بلحاظ موقع الملاك هو: إنّ الإشكال و التحيّر نشأ من افتراض أن الواجب «صوم نهار السبت»، يشكّل المقتضي من أجزاء العلة، و الغسل يشكّل الشرط من أجزائها، كما في صوم المستحاضة، و كلا الجزءين يشكلان العلة لشي‏ء واحد هو المصلحة الملحوظة للمولى في فعل الواجب، و حيث أن هذين الجزءين مختلفين في وقوعهما من حيث الزمان، لأن أحدهما يقع نهار السبت، و الثاني في ليلة الأحد، و حينئذ يقع الإشكال فيقال: إن فرض تحقق المصلحة حين وجود المقتضي «الصوم» إذن يلزم تأثير الشرط المتأخر «الغسل» قبل وجوده، و معناه تأثير المعدوم، و إن فرض تحققها حين الشرط «الغسل» بعد انقضاء المقتضي «الصوم» إذن كيف وجد المقتضى «المصلحة» بعد انعدام المقتضي، فإن معناه تأثير المقتضي بعد انقضائه، و هو تأثير للمعدوم في الموجود، و كلا الفرضين محال.

و لكن هذا الافتراض بلا ضرورة، إذ يمكن اقتراح افتراض آخر ينحل به الإشكال، و هو أن يكون المقتضي «الصوم» علة لشي‏ء هو الحلقة المفقودة بين الواجب و المصلحة المطلوبة- بلا شركة مع الشرط- «الغسل» ثم إن ذاك الشي‏ء الذي يبقى إلى زمان الشرط المتأخر «الغسل» مع الشرط المتأخر، يشكلان بمجموعهما علة تامة للمصلحة، و بهذا تكتمل أجزاء العلة فتحصل المصلحة، و مثال ذلك: شرب الدواء و شرطه، فإن الدواء هنا بمثابة صوم المستحاضة، و الشرط المتأخر و هو التمشي بعد استعمال الدواء، هو بمثابة غسل المستحاضة، فهنا شرب الدواء يكون مقتضيا لأثر في البدن هو عبارة عن درجة حرارة معينة، إذن فهذه الدرجة الحرارية تكون معلولة لشرب الدواء،

30

و تنشأ معه، و لكن تبقى حتى بعد زوال هذا المقتضي، و فرض بقاء الحرارة «الأثر» بعد زوال المقتضي «شرب الدواء» أمر مفروغ عنه، و لم يستشكل فيه أحد، كالبنّاء الذي يبني، ثم يموت، و يبقى البناء محفوظا بقانون جاذبية الأرض، و تماسك أجزاء البناء، فكذلك الدرجة الحرارية «الأثر» فإنه حدوث ينشأ مقارنا مع شرب الدواء، بينما بقاء الحرارة يحفظ بقانون جاذبية البدن.

ثم إن هذه «الأثر» تبقى إلى زمان الشرط، «التمشّي» فتؤثر في صحة البدن، التي هي ملاك الواجب، و بهذا يكون المقتضي لصحة البدن هو الأثر «الحرارة» مع الشرط «التمشّي»، فتكون الصحة معلولة لأمرين مجتمعين في وقت واحد، فلا يلزم نشوء متقدّم من متأخر، و لا تأثير متقدم في متأخر، و بهذا يعرف أن منشأ إشكال الشرط المتأخر هو إسقاط الحلقة المفقودة في الوسط، أي افتراض أن مقتضي الملاك هو شرب الدواء، و هذا بخلاف ما لو فرض أن شرب الدواء «المقتضي» يشكل علة للحرارة، ثم إن الحرارة مع التمشّي «الشرط» يشكلان جزءين متعاصرين من علة واحدة.

و هذا شي‏ء يكاد يكون مطردا في كل مقتضي يظهر أثره، رغم كون ذلك المقتضي مشروطا بشرط متأخر.

و بهذا ندرك وجود حلقة مفقودة تكون هي مع الشرط المتأخر المقتضي للمصلحة المطلوبة، و ليس ما سمّي بالمقتضي الذي هو شرب الدواء، و إنما هذا المقتضي مجرد موجد للأثر الذي شكّل مع معاصرته للشرط المتأخر، تمام العلة في وجود الملاك. إذن فمتى وجدنا شيئين أحدهما ينتج عن الآخر، رغم كونهما غير متعاصرين، نستكشف لا، محالة، الحلقة، المفقودة، و بذلك لا يبقى بحسب الحقيقة شرط متأخر، و إنما يوجد عند ما نسقط حلقة في الوسط من حلقات التسلسل السببي.

فإذا بنينا على هذا في الأمور التكوينية، فليكن الأمر التعبدي المولوي بالصوم المشروط بغسل متأخر عنه من هذا الباب، إذ يمكن للمولى في مقام الجعل أن يجعل وجوبه متعلقا بالدواء مع التمشي، و إن كان المحصّل الحقيقي‏

31

للملاك «المصلحة» هو الحرارة مع التمشي، إلّا أن الطبيب لا يطلب من المريض إيجاد الحرارة في جسمه، لأن التكاليف لا بدّ و أن تتعلق بعناوين مفهومة، و إنما يطلب منه استعمال هذا الدواء، فيكون بذلك قد علّق وجوبه على جزءين ليسا بدرجة واحدة، و إنما هما بدرجتين غير متعاصرتين، أحدهما يؤثر في علة الملاك، و الآخر جزء من علة الملاك. و هذا المثال نتعقله في صوم المستحاضة، لأن صومها نهار السبت مشروط بغسل ليلة الأحد، و هما جزءان غير متعاصرين زمانا، و بالتالي منهما لا يمكن أن يشكلا مجموع العلة التامة لشي‏ء واحد، بحيث يكون أحدهما المقتضي، و الآخر الشرط، لكن على ضوء ما تقدّم نستكشف في عالم الملاك: أن أحد هذين الجزءين و هو الصوم، ليس هو المقتضي للمصلحة «الملاك» ابتداء، بل هو مقتضي لحالة نفسانية، و هذه الحالة النفسانية ببقائها و استمرارها حينما تقترن مع الغسل، تؤثر في المصلحة «الملاك» فالمصلحة توجد عند الغسل في ليلة الأحد، و ليس في نهار السبت، و لا يستشكل حينئذ، بأنه كيف وجدت المصلحة «الملاك» في ليلة الأحد، مع أن المقتضي و هو الصوم، قد وجد نهار السبت و قد انقضى، لأننا نقول: إنّ صوم نهار السبت، ليس هو المقتضي المباشر لهذه المصلحة «الملاك و إنما هو مقتضي المقتضي من قبيل شرب الدواء المقتضي لانبعاث الحرارة، و الحرارة مع التمشّي «الشرط المتأخر» هي المقتضية للصحة «الملاك». و هنا كذلك، فإن الصوم حين وجوده أثّر في مقتضاه، و مقتضاه ببقائه مع الغسل أثّر في الملاك «المصلحة».

و بهذا يتبيّن أن الشرط المتأخر لا أساس له في الواجبات و التكاليف، و إن ما يبدو فيها أنه شرط متأخر ليس متأخرا.

[المقام الثالث: ورود محذور تأثير المتأخر في المتقدم فى الشرط المتقدّم‏]

المقام الثالث من المقامات التي أشرنا إليها في بداية البحث هي: إنّ محذور تأثير المتأخر في المتقدم، كما يرد في الشرط المتأخر، يرد أيضا في الشرط

32

المتقدّم. كما قرره المحقق‏ (1) الخراساني بأن العلة يجب أن تكون بتمام أجزائها مقارنة للمعلول، فلا يجوز أن تكون متقدمة عليه بلحظة، و لا متأخرة عنه كذلك، و بعد قيام البرهان على لزوم التقارن بينهما، يقع الإشكال في الشرط المتقدم حيث يقال: إنّه لو كان مؤثرا في وجود المعلول رغم كونه جزء العلة، إذن للزم تأثير المعدوم في الموجود، إذ إنّ الشرط المتقدم معدوم حين وجود مشروطه.

و الجواب هو إنّ هذه المشكلة قد انحلّت على ضوء ما تقدّم في المقام الثاني، حيث عرفنا أن منشأ هذه المشكلة كان بسبب حذف حلقة من حلقات التسلسل السببي في الوسط، عند ما نتكلم بلحاظ الملاك، فإن الشرط المتقدم يؤثر دائما في أمر مقارن له، و هذا الأمر المقارن يؤثر مع الشرط في المشروط المقارن له، إذن فلا شرط متقدم، فلا إشكال.

و أمّا إذا تكلّمنا بلحاظ الواجب، فقد عرفت فيما سبق أيضا بأن الشرط فيه يكون بمعنى التحصيص و التضييق، لا بمعنى المؤثريّة. و لكن الأصحاب لأنهم لا يرون مشكلة في الشرط المتقدم بحسب وجدانه العرفي و الخارجي، بل حتى من قبل منهم الاستحالة في الشرط المتأخر، لم يقبلها في الشرط المتقدم، لكن حيث أن المحقق الخراساني طرح إشكال تأثير المعدوم في الموجود، بصيغة فلسفية معقولة، دون ما أي فرق بين الشرط المتأخر و المتقدم، لذلك تصدّى المحقق‏ (2) الأصفهاني، و المحقق‏ (3) الخوئي، للجمع بين ذلك الوجدان و هذا البرهان، بدعوى أن الشرط المتقدم معقول لكن بحيث يكون فاقدا لمعنى المؤثرية، و عليه يقول المحقق الأصفهاني بأن الشرط على قسمين:

____________

(1) كفاية الأصول: المشكيني ج 1 ص 145.

(2) نهاية الدراية: ج 1 ص 276.

(3) محاضرات فياض: ج 2 ص 205- 206 مطبعة الآداب النجف الأشرف.

33

أ- القسم الأول: الشرط الذي يساهم في تكميل فاعلية المقتضي للإعطاء، أو قابلية المقتضي للأخذ، و هذا معنى المؤثرية.

ب- القسم الثاني: الشرط الذي لا يكون خلّاقا لأمر حقيقي، لا بنحو تتميم فاعلية المقتضي، و لا بنحو تتميم قابلية المحل المقتضى، فهو ليس من قبيل تتميم فاعلية النار للإحراق، و لا من قبيل جفاف الورقة و يبوستها الذي يتمم قابلية الورقة لأخذ هذا الاحتراق، و إنما وظيفة هذا الشرط هي أن يقرّب المعلول إلى مكان إمكان حصوله من ناحية علته، فأثره إعطاء صفة الإمكان للمعلول، و سلب صفة الامتناع عنه، من دون أن يخلق شيئا لا في النار التي تخلق، و لا في الورقة التي تحترق، و قد سمّى هذا بالمقدمات الإعدادية، فالخطوات التي يخطوها الإنسان نحو الكرسي، هي شروط للوصول إلى الكرسي لا إلى الجلوس عليه. إذن هذه الخطوات لم تتمم فاعلية الفاعل، لأن فاعليته و قدرته على الجلوس تامة في نفسه إذا لم يكن إنسانا مشلولا، و هي لم تتمم قابلية الكرسي لأن الكرسي، قد رتّبه النجّار و هيّأ قابليته، و إنما كانت هذه الخطوات دخيلة في تقريب إمكان الجلوس من الفاعل، أو تقريب الجلوس نحو الإمكان. و على ضوء هذا، فالشرط المتقدّم معقول في هذا القسم الثاني دون الأول.

و هذا الكلام رغم اشتهاره لم نتعقله، لأنه إمّا أن يرجع إلى ما قرّرناه، و إمّا أن لا يكون له معنى، لأن قوله: «إن هذا الشرط يقرّب الشي‏ء نحو الإمكان.» يعني نحو اللّاامتناع.

فهنا نقول: إنّه إن أريد بهذا اللّاامتناع، اللّاامتناع الذاتي من قبيل اجتماع النقيضين فهو مستحيل، لأن الماهية الممتنعة ذاتا، يستحيل أن تقترب نحو الإمكان، و الماهية الممكنة ذاتا، لا معنى لتقريبها نحو الإمكان، إذ يستحيل تبدل ذاتيّات الماهية من الامتناع إلى الإمكان، فإنه خلف، كونه ذاتيا. و إن أريد بالتقريب نحو الإمكان و اللّاامتناع، التقريب نحو اللّاامتناع بالغير، و هو امتناع الشي‏ء بسبب عدم وجود علته، كالشخص لا يحرث‏

34

الأرض، و لا يبذرها، و لا يسقيها، فيمتنع عن جني ثمر منها، لأن العلة غير موجودة، إن أريد بالشرط الإعدادي أنه هكذا يقرّب نحو الإمكان المقابل للامتناع بالغير، فهذا معناه أنه يقرب نحو وجود العلة و وجود المؤثّر، إذن فلا بد في المرتبة السابقة على هذا التقريب، أن نفترض أنه مؤثر لكي يكون مقربا نحو وجود العلة، لأن الامتناع بالغير يزال بوجود العلة، إذا المقرّب نحو الإمكان، و المبعّد عن الامتناع بالغير يعني ما يكون محققا لبعض أجزاء العلة.

و عليه فلا بدّ في المرتبة السابقة على وظيفته، و هي كونه مزيلا للامتناع بالغير، أن يفرض أنه جزء العلة و له دور «ما» في إيجاد المعلول، لكي يكون وجوده مقربا نحو اللّاامتناع بالغير.

و كلامنا في هذا الدور حيث يقال: إنّه كيف يكون دخيلا و له دور في إيجاد المعلول و الحال أنه متقدم أو متأخر عنه في الوجود؟ و إن أريد بالشرط المعدّ، أنه مقرّب للأثر نحو الإمكان بمعنى ثالث و هو الإمكان الاستعدادي في المادة، كما في البيضة، فإنه يمكن ذاتا أن تتحول إلى دجاجة، لكن تحتاج إلى إمكان استعدادي كدرجة معينة من الحرارة، و وضع معين لها، و حينئذ ينشأ فيها بالتدريج إمكان استعدادي كدرجة معينة من الحرارة، و وضع معين لها، و حينئذ ينشأ فيها بالتدريج إمكان استعدادي لكي تتقبّل صورة الفرخ. فإن كان المراد بالإمكان الاستعدادي هذا، بأن نفترض أن الشرط المتقدم يعطي للشي‏ء الإمكان الاستعدادي لإيجاد المصلحة خارجا، حينئذ نقول: إن هذا الاستعداد و التهيؤ، إن فرض كونه مجرد أمر اعتباري انتزاعي ينتزعه العقل، فمن غير المعقول أن يكون الأمر الاعتباري مؤثرا و دخيلا حقيقة في إيجاد شي‏ء في الخارج و هو المصلحة. و إن فرض كونه أمرا حقيقيا و حالة معينة في البيضة تنشأ من ناحية هذه المقدمات الإعدادية، و تبقى إلى أن تكتمل سائر أجزاء العلة، و يصبح البيض دجاجا، فمعنى هذا إذن أن هذا شرط مقارن و ليس متقدما، لأنه أصبح مؤثرا في إيجاد الدجاجة، بعد أن بقي محفوظا بالمادة حتى قارن مع وجود الدجاجة و هذا يرجع إلى ما ذكرنا سابقا من أن الشرط

35

المتقدم كالشرط المتأخر، يفتقد حلقة في الوسط تسمّى عندهم بالإمكان الاستعدادي.

و عندنا كما عرفت، فالنزاع ليس في التسمية، و إنما في واقع المطلب، إذن فالشرط هذا ليس بدعا من الشروط، بل هو شرط مؤثر في الإمكان الاستعدادي بنحو مقارن للدجاجة في المثال، و للمصلحة في حقيقة المطلب و بهذا يندفع إشكال الشرط المتأخر و المتقدم، و بذلك ننهي الكلام في تقسيمات المقدمة.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الفصل الثاني في تقسيمات الواجب‏

قسّم الواجب إلى أقسام:

[الواجب المشروط، و الواجب المطلق‏]

منها تقسيمه إلى الواجب المشروط، و الواجب المطلق، فالواجب المشروط مثل الحج، فإنه واجب مشروط بما هو واجب، أي: إنّ وجوبه مشروط بالاستطاعة، و مطلق من ناحية الزوال، و وجوب الظهر مشروط بالزوال، و مطلق من ناحية الاستطاعة، فكل منهما مطلق من ناحية شرط الآخر و لهذا قسّموه هكذا.

و قد وقع الإشكال في مقامين، في تعقّل الواجب المشروط، حيث يكون الوجوب مشروطا:

المقام الأول: في إمكان الوجوب المشروط عقلا و في مقام الثبوت، أي: في معقوليته في نفسه، بقطع النظر عن ألسنة الأدلة الكاشفة في الآيات و الروايات- عالم الإثبات و الإبراز- حيث يقال بعدم معقولية الوجوب المشروط، بل الوجوب دائما مطلق، و إنما الاشتراط دائما يكون في الواجب.

المقام الثاني: الإشكال بحسب مقام الإثبات، و إبراز الإيجاب بصيغة الأمر، حيث يقال: إنّ الشرط هنا يرجع إلى مدلول المادة الذي هو الواجب، دون مدلول الهيئة الذي هو الوجوب، إذن فكلا الإشكالين عقلي و ثبوتي، لكن‏

38

أحد الإشكالين يتجه نحو مقام الثبوت للوجوب، و الأخر يتجه نحو مقام الإثبات للوجوب.

[المرحلة الاولى فى تعقل الوجوب المشروط فى مرحلة الثبوت‏]

فالكلام يقع أولا في الإشكال الثبوتي، بقطع النظر عن عالم الإثبات، بمعنى أننا نتتبع الوجوب و هو لا يزال في نفس المولى، لنرى هل يمكن تقسيمه إلى مشروط و مطلق.

و في مقام الثبوت للوجوب يوجد عندنا ثلاث مراحل:

1- المرحلة الأولى: مرحلة الملاك.

2- المرحلة الثانية: مرحلة الإرادة و الشوق.

3- المرحلة الثالثة: مرحلة الجعل و الاعتبار على طبق هذا الشوق.

و نحن إذ نتتبع الوجوب بقسميه في هذه المراحل الثلاثة، لنتعرف على معنى المشروط و المطلق في كل واحدة من هذه المراحل، و لنبدأ بالواجب المشروط على ضوء هذه المراحل فنقول:

أمّا الواجب المشروط بلحاظ- مرحلة الملاك- المرحلة الأولى: فلا إشكال في انقسام الملاك إلى مشروط و مطلق، و تعقل ذلك، و ذلك لأن الملاك معناه «الاحتياج» فالاحتياج عبارة أخرى عنه، كاحتياج الإنسان إلى النار، و من الواضح أن الاحتياجات على قسمين:

أ- القسم الأول: احتياجات موجودة دائما، و غير منوطة بشي‏ء، دون شي‏ء. كالاحتياج إلى الهواء سواء أ كان باردا أو حارا.

ب- القسم الثاني: احتياجات منوطة بشي‏ء، كالاحتياج إلى النار، فإنه احتياج منوط ببرودة الهواء، و الاحتياج المشروط- الملاك- ليس له وجود قبل الشرط أصلا، حيث قبل أن يبرد الهواء لا حاجة إلى النار، إذ الحاجة أمر تكويني خارجي ينشأ من برودة الهواء، و إلّا فقبل برودته لا يوجد مصداق للملاك أصلا، فالحاجة المطلقة هي الحاجة الموجودة بالفعل، و على كل‏

39

تقدير. إذن فمعنى المطلق بلحاظ الملاك، هو الحاجة الفعلية الثابتة على كل تقدير، و معنى المشروط بلحاظ الملاك هو الحاجة غير الموجودة إلّا بوجود شي‏ء، كالبرودة، فيسمّى ذاك الشي‏ء شرطا في الملاك دون أن ينازع أحد في هذا.

و أمّا الواجب المشروط بلحاظ مرحلة الإرادة و الشوق، المرحلة الثانية، فإنه لا إشكال في وجود إرادة مشروطة و إرادة مطلقة، كإرادة شرب الدواء مشروطة بظهور المرض، و إرادة الطعام مطلقة غير مشروطة بالمرض.

و لكن وقع النزاع في كيفية تخريج و تفسير هذه الإرادة المشروطة، و بأي نحو يكون وجودها، فهنا نظريات في تفسيرها و تمييزها عن الإرادة المطلقة.

النظرية الأولى:

و هي المنسوبة إلى تقريرات الشيخ الأعظم‏ (1) (قده) و حاصلها:

و إنّ الإرادة المشروطة من حيث هي إرادة غير مشروطة، بل هي إرادة كاملة الفعلية من دون فرق بينها و بين ما يسمّى بالإرادة المطلقة من حيث الفعلية و التحقق، فكلتاهما إرادة فعلية موجودة في أفق نفس المريد بالفعل، فإرادة شرب الماء، أو الطعام، هي كإرادة شرب الدواء المسمّاة بالإرادة المشروطة، كلتاهما إرادة، و لا فرق بينهما من ناحية الفعلية و التحقق و نحو الوجود، و إنما الفرق بينهما من ناحية المتعلق، فالإرادة المطلقة: إرادة فعلية متعلقة بوجوب شي‏ء غير مقيد بتقدير من التقديرات، بينما الإرادة المشروطة هي أيضا إرادة فعلية، لكنها تعلقت بوجود شي‏ء مقيّد بتقدير من التقديرات، كشرب الدواء عند وجود المرض، فهذه «العندية» أخذت قيدا في المراد، لا في الإرادة.

فإن قيل: إن هذه «العندية» إذا كانت مأخوذة قيدا في المراد، إذن فيلزم‏

____________

(1) مطارح الأنظار: الأنصاري ج 1 ص 44.

40

التحريك نحوها حينئذ، لأن شروط المراد هي شروط الواجب، فإن كانت الإرادة تكوينية، كما في مثال شرب الدواء، فإنه إن أراد شر به فيلزم أن يتحرك نحو تمريض نفسه حتى يتحقق قيد مراده، و إن كانت الإرادة تشريعية كما لو أراد من الغير أن يشرب الدواء عند المرض أو الوضوء عند الصلاة- و في كلا المثالين القيد للمراد- فيلزم إلزام العبد و تكليفه من قبل المولى.

فالجواب إنّ هذا الشرط المنوطة به الإرادة، و إن كان مأخوذا في المراد، لكنه مأخوذ فيه على نحو لا يترشح الإلزام من الإرادة إليه، بحيث لا يعقل الإلزام به، بخلاف سائر القيود الأخرى، فإنه يعقل الإلزام بها من قبل تلك الإرادة، كما لو أراد المولى من عبده أن يشرب الدواء عند المرض في كأس نظيفة، فهنا قيدان: أحدهما، أن تكون الكأس نظيفة، و هذا القيد يترشّح الإلزام عليه من قبل هذه الإرادة.

و القيد الثاني: هو أن يكون عند المرض.

و لكن هذا القيد الثاني، لا يترشح عليه الإلزام من قبل هذه الإرادة و إن كان قيدا في المراد، و وجه عدم الترشح هذا هو: أن هذا القيد أخذ بوجوده الاتفاقي قيدا في الواجب لا بوجوده المطلق، أي: أخذ المرض قيدا بشرط أن لا يكون ناشئا من محركية هذه الإرادة، و مثل هذا القيد يستحيل الإلزام به من قبل هذه الإرادة، لأنه بمجرد الإلزام به من قبل هذه الإرادة يخرج عن كونه مصداقا للقيد المفروض. إذن فالقيود هي قيود للمراد دون أن يكون للإرادة قيد أصلا، و إنما الإرادة فعلية التحقق و الوجود دائما، و إن ما يسمّى قيدا للإرادة، إنما هو قيد للمراد، لكنه أخذ قيدا بوجوده الاتفاقي الغير ناشئ من هذه الإرادة. و لذا يستحيل الإلزام به من قبل هذه الإرادة، و هذه النظرية قد تبدو غريبة، حيث أنها أرجعت كل القيود إلى المراد، و أعفت حتى الإرادة المشروطة من شرطها و أرجعتها إلى كونها شرطا للمراد.

و بهذا لم يبق فرق بين إرادة المولى شرب الماء من عبده، و بين إرادته منه شرب الدواء عند المرض، فكلتا الإرادتين فعلية، و إنما الفرق بينهما في‏

41

طرف المراد، حيث أن المراد في الأول لم يبتل بقيد أخذ بوجوده الاتفاقي، و المراد في الثاني قيّد بقيد أخذ بوجوده الاتفاقي، فلذلك استحال الإلزام به من قبل هذه الإرادة، و رغم أنه بحسب النظر الفطري كون القيد راجعا إلى الإرادة دون المراد، و دون هذه العنايات الزائدة، فقد استند (1) من تابع الشيخ الأعظم في هذه النظرية إلى وجدان و برهان.

أمّا الوجدان: فكما أشار إليه المحقق‏ (2) الخراساني من أن المولى إذا التفت إلى شي‏ء، فإمّا أن يريده، و إمّا أن لا يريده، و لا كلام في الثاني، لأنه غير مراد، فهو خارج عن محل البحث. و إنما الكلام فيما أراده، و معنى هذا أننا افترضنا منذ البدء فعلية الإرادة. و أنها قد وجدت، إذن من الخلف أن نقول بعد فعليتها و وجودها إنّها مشروطة و معلّقة على وجود شي‏ء آخر بدونه لا تكون موجودة، لأننا فرضنا فعليتها منذ البدء.

نعم بعد فعليتها و وجودها قد تتعلق بشي‏ء على الإطلاق، و قد تتعلق بشي‏ء على تقدير، بحيث يؤخذ ذلك التقدير بوجوده الاتفاقي قيدا في المراد، و الأول هو المطلق، و الثاني هو المشروط.

و هذا البيان مغالطة واضحة لأن معناه، عدم وجود الواجب المشروط في شق «إن أراده»، لأنه إن كان المقصود بالإرادة في هذا الشق، مطلق الإرادة الأعم من المشروطة و غير المشروطة، فمعناه أنه «يريد» و لو مشروطا، و ليس معناه فرض فعلية الإرادة، و إنما فرضه فرض أصل الإرادة الأعم من كونها مشروطه، أو غير مشروطة. إذن يجب أن نبحث من جديد في معنى المشروطة و غير المشروطة، و من الواضح أنه لا كلام لنا فيما لو لم «يرد» أصلا.

و إن كان المقصود «بالإرادة» في الشق الأول «إن اراده» إرادة بالفعل و على الإطلاق، أو «عدم إرادة»، فهنا نرفض قولكم، و الكلام لنا في الثاني،

____________

(1) محاضرات فياض: ج 2 ص 325.

(2) كفاية الأصول: مشكيني ج 1 ص 152- 153.

42

«إن لم يرد» لأن كلامنا كله صار في الثاني، لأن الإرادة المشروطة تدخل في الثاني.

و بهذا يتضح أن هذا الوجدان غير مستقيم، و إلّا فالوجدان قاض بأن الإرادة المشروطة بالمرض تختلف عن الإرادة المطلقة في ارتباط ذاتي بنفس الإرادة، فأصل إرادة شرب الدواء مرتبطة ارتباطا ذاتيا مع المرض، و مثل هذا الارتباط غير موجود في الإرادة الأخرى.

نعم ماهية هذا الارتباط مجمل سوف يتضح فيما يأتي، و أمّا أصل وجود ارتباط ذاتي بين الإرادة في موارد الإرادة المشروطة، و بين هذا الشرط، فهذا هو الوجدان، لا إنّ الوجدان على خلافه. و عليه فلا إشكال في انقسام الإرادة إلى قسمين: مشروطة و مطلقة، و أن ما ذهب إليه الشيخ الأعظم، و تبعه المحقق الخراساني، و المحقق‏ (1) الخوئي، على خلاف التصور الأولي للمسألة.

و أمّا البرهان، على إثبات نظرية الشيخ الأعظم فهو دعوى، أن كون الإرادة المشروطة في موردها، مقدمة نحو بعض مقدمات المراد، يعني كونها موجودة بالفعل، إذ لو لم تكن موجودة و تامة الفعلية، يستحيل أن يترشح منها إرادة غيرية لبعض مقدمات المراد، مع أنه يترشح منها.

و توضيحه هو: إنّ المراد بالإرادة المشروطة كالحج، و وقوعه عند الاستطاعة يتوقف على مقدمات، منها: الاستطاعة، و الزاد، و الراحلة، و غير ذلك. و هذه المقدمات مربوطة بالمكلف نفسه، و هناك مقدمة مربوطة بالمولى نفسه و هي الخطاب و الطلب، فإنّ طلب المولى من العبد أن يحج على تقدير الاستطاعة، هو أحد مقدمات وجود الحج خارجا، إذ لو لا خطابه و طلبه لما حج المكلف خارجا، إذن فخطاب المولى أحد مقدمات المراد، و حينئذ قالوا، بأننا نرى بالوجدان أنه يترشح من إرادة المولى المشروطة بالاستطاعة

____________

(1) نفس المرجع في الكفاية- المحاضرات.

43

للحج- و قبل وجود الاستطاعة- يترشح منها إرادة غيرية للخطاب، فيكون الخطاب مرادا بالإرادة الغيرية المقدّميّة، فيصدر منه الخطاب تمهيدا لحصول المراد، و صدور هذا الخطاب من المولى، قبل تحقق الاستطاعة في الخارج، إنما كان بملاك الإرادة الغيرية، و حينئذ يقال: إنّ فعلية الإرادة الغيرية فرع فعلية الإرادة النفسية. إذن فيستكشف من فعلية الإرادة الغيرية المتعلقة بالخطاب، إنّ الإرادة النفسية المتعلقة بالحج هي فعلية أيضا، إذ لو لم تكن إرادة الحج فعلية بل كانت مشروطة بالاستطاعة، إذن لما أمكن أن يترشح منها بالفعل و قبل الاستطاعة، إرادة غيرية التي هي خطاب المولى.

و جواب هذا البرهان يكون بأحد افتراضين:

الافتراض الأول: هو أن يكون صدور الخطاب، من قبل المريد باعتبار ملاك نفسي في نفس الخطاب لا باعتباره مقدمة لحصول المراد، إذ الخطاب فيه حيثيتان:

إحداهما حيثية كونه ذا ملاك في نفسه.

و الثانية حيثية كونه مقدمة من مقدمات وقوع الحج خارجا

و حينئذ يقال: إذا كانت إرادة المولى للخطاب التي أثّرت في صدور الخطاب منه، إذا كانت إرادة غيرية مقدميّة، إذن يصح البرهان، و أمّا إذا كانت إرادة نفسيّة باعتبار مصلحة قائمة في الخطاب من أجل إشباع حالة مولوية، أو لرعاية شئون اجتماعية أخرى، حينئذ لا يكون صدور هذا الخطاب كاشفا عن فعلية إرادة الحج، بل تكون لدى المولى إرادتان نفسيتان، إحداهما: تكوينية مطلقة و هي إرادة نفس الخطاب، و الأخرى: إرادة نفسية تشريعية مشروطة، و هي إرادة الحج، و إحداهما لم تنشأ من الأخرى.

الافتراض الثاني: هو أنه لو سلّمنا أن الخطاب، بما هو خطاب، يكون خلوا من الملاك النفسي و ليس هناك ملاك نفسي في تعلق إرادة استقلالية نفسية به، و إنما كان صدور الخطاب من المولى المحض الاستطراق إلى مطلوبه‏

44

و مراده الأصلي الذي هو الحج، فلو سلمنا ذلك نقول: لعلّ إرادة الخطاب هنا و صدوره، يكون من قبيل المقدمات المفوتة، و حينئذ لا يكون كاشفا عن فعلية الإرادة.

و توضيح ذلك هو: إنّه لو فرضنا أن إرادة المولى للحج كانت مشروطة و لم تكن فعلية، لكن المولى يعلم بأن هذا الشرط سوف يتحقق في حينه، و أنه سوف يعجز في حين تحقق هذا الشرط عن تكليف المستطيع بالحج، لأنه سيضطر إلى لقاء كلّ مستطيع، و تكليفه بالحج آنذاك. و عليه إذا كان المولى كذلك، فهو من أجل ذلك من الآن يصدر هذا الخطاب ليكون مقدمة لمطلوب لم ينجز طلبه بعد، و هذا ما يسميه الأصوليون بالمقدمات المفوتة، إذن فتعلق غرض المولى بهذا الخطاب ليس من باب إن إرادته للحج فعلية، بل من باب أنه يعلم بأن إرادته للحج سوف تصبح في ظرفها فعلية، و هو في هذا الظرف يكون عاجزا عن إصدار خطابات، إذن فهو من الآن يصدر هذا الخطاب، إذن فإرادة هذا الخطاب ليست إرادة غيرية محضة، بل هي إرادة من أجل حفظ ما سوف يأتي من مراده، إذ لا محذور بأن لا تكون للآمر إرادة بالفعل، لكنه يأمل بأنه سوف تكون له إرادة، و لأنه يعلم بأنه في ذلك الوقت سوف يكون عاجزا عن الإتيان بمقدمات هذا المراد، إذن فهو من الآن يأتي بهذه المقدمات، و لا يكون ذلك كاشفا عن فعلية الإرادة.

و بهذا يتضح أنه لا الوجدان تام، و لا البرهان تام أيضا، على دعوى كون الإرادة المشروطة فعليّة على الإطلاق، و غير مرتبطة بالشرط، و أن شرط الاستطاعة يكون مأخوذا في المراد، لا في الإرادة، و لا في الطلب، بل البرهان قائم على بطلان هذه النظرية.

و منشأ هذا البرهان على البطلان هو المشكلة المتقدمة، و معالجتهم لها، حيث التفتوا هناك إلى أن الاستطاعة إذا جعلوها قيدا في المراد و المطلوب، فيلزم ترشح الإلزام عليها من قبل المولى، و تصير الاستطاعة للحج كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فكما يترشح الإلزام على الوضوء من قبل الأمر بالصلاة،

45

يلزم أن يترشح الإلزام على الاستطاعة من قبل الأمر بالحج و هكذا، فعالجوا هذه المشكلة بالشكل الذي تقدّم، بأن جعلوا الاستطاعة قيدا في الحج، لكن بوجودها الاتفاقي، و حينئذ قالوا: إن القيد بوجوده الاتفاقي غير الناشئ من الإرادة، يستحيل سريان الإلزام إليه، لأنه بمجرد الإلزام به يخرج عن كونه اتفاقيا.

إلّا أن هذا الجواب لا يكفي، و ذلك لأنه يفسر لنا كيفية عدم سريان الإلزام و التحريك المولوي إلى القيد، باعتبار عجز المولى عن الإلزام به، إذ بمجرد الإلزام به يخرج عن كونه اتفاقي الوجود.

و حاصل البرهان على خلاف هذه النظرية هو: إنّ فعلية الإرادة نحو المقيّد، تقتضي فعلية الشوق نحو القيد، أو قل: إن الشوق النفسي للحصة المقيّدة بالاستطاعة، يقتضي أن يترشح منه شوق غيري للقيد لا محالة، حتى لو فرض عجز المولى عن الإلزام بهذا القيد، للزوم محذور خروجه عن كونه قيدا اتفاقيا، و لكن هذا إنما يصحح و يبرر عجز المولى، و عدم إلزامه لعبده بالقيد، و لا يمكنه أن يحبس أنفاس المولى و مشاعره و أشواقه نحو القيد، لأن من أحب المقيّد أحب قيده، و هذه ملازمة نقبلها كما قبلنا بكون مقدمة الواجب واجبة، إذن لا محالة من ترشّح حب فعلي غيري للقيد من الحب الفعلي للمقيّد.

هذا مع العلم أن المولى لا يحب القيد الثابت في كثير من موارد الواجب المشروط، بسبب كون هذه القيود أفعالا محرّمة كما في إيجاب الكفارة المشروطة بإفطار شهر رمضان عمدا، فهنا إفطار شهر رمضان عمدا يبغضه المولى و لا يحبه، لأنه على خلاف محبوبه، و حينئذ فلو قبلنا بأن القيود و الشروط في الواجب المشروط ترجع إلى المراد لا للإرادة، فهذا معناه أن إرادة المولى للكفارة، إرادة فعلية، و حبّه لها حبّ فعلي، إذن ينبغي أن يأمرنا المولى بقيد محبوبه الذي هو إفطار شهر رمضان حتى يتحقق محبوبه، و كون القيد- الإفطار- قد أخذ بوجوده الاتفاقي، لا يمنع من ترشح الحب الفعلي‏

46

الغيري عليه من محبوبه الفعلي الذي هو المقيّد- الكفارة- مع أنه لا يحب هذا القيد- الإفطار عمدا- بل يكرهه أشدّ الكرة. إذن فإرجاع القيود و الشروط للمراد مع الالتزام بفعلية الإرادة، يتولد منه محذور ترشح من الشوق الفعلي النفسي المتعلق بالمقيّد إلى قيده، و لا يعالج هذا المحذور بكون القيد قد أخذ بوجوده الاتفاقي، لأن أخذه بوجوده الاتفاقي يمنع عن الإلزام به من قبل المولى، و لكن لا يمنع عن اشتياق المولى، و حبّه تكوينا لمحبوبه، و قيد محبوبه، لأن من أحبّ المقيد اشتاق إلى قيده و أحبّه، و بهذا يتضح بطلان هذه النظرية.

النظرية الثانية:

و هي للمحقق العراقي‏ (1) (قده) فقد ذهب إلى أن الإرادة المشروطة كالمطلقة، كلتاهما موجودة بوجود فعلي قبل وجود الشرط خارجا، فهي كما هو الحال في النظرية الأولى من الوجود الفعلي قبل تحقق الشرط خارجا، و لكنها تختلف عن الأولى في أن الإرادة المشروطة فيها تكون موجودة بوجود فعلي، و قبل وجود الشرط خارجا، لا لأنها مطلقة و القيد فيها راجع إلى المراد كما في الأولى، و إنما وجودها الفعلي لأنها مشروطة و منوطة بلحاظ القيد- الاستطاعة- و وجوده الذهني في أفق نفس المولى- لا وجود القيد- الاستطاعة- خارجا؛ و لحاظ القيد- الاستطاعة- موجود بالفعل حين فعلية الإرادة أيضا (2). إذن، فكلتا النظريتين توافق الأخرى على الوجود الفعلي للإرادة قبل تحقق الشرط، غايته أن وجودها الفعلي مطلق، و غير منوط بشي‏ء في الأولى، و وجودها الفعلي في الثانية منوط بشي‏ء متحقق حين فعلية الإرادة، و هو لحاظ الشرط و القيد و هو متحقق و فعلي قبل تحقق الشرط

____________

(1) بدائع الأفكار: الآملي ج 1 ص 340- 341- 342.

مقالات الأصول: العراقي ج 1 ص 105- 106- 108.

(2) و عليه فمن الواضح أن فاعلية الإرادة الفعلية تكون مشروطة عقلا بتحقق الشرط خارجا في كلتا النظريتين، و لعلّ هذا هو منشأ الخلط بين الفعليتين.

47

خارجا. و كأن المحقق العراقي (قده) أراد أن يشبع الوجدان الفطري الذي أشرنا إليه في التعليقة على النظرية الأولى، حيث أن الوجدان الفطري لهذه المسألة يدرك بأنّ هناك ارتباطا بين نفس الإرادة و بين العطش، لا أن العطش لا علاقة له بالإرادة أصلا، فهو حيث أنه يعطش فيريد، إذن فالارتباط ذاتي بينهما، و من هنا كانت النظرية الأولى على خلاف الفهم الفطري للمسألة إذا سلخت الإرادة عن أي شرط، و صارت لا علاقة لها بشي‏ء، و جعلتها مطلقة، حيث صار لا فرق بين إرادتنا لشرب الماء عند العطش، و إرادتنا للتنفس فعلا، و جعلتها فعلية مطلقة، و لأجل هذا الارتباط الفطري و الذاتي، اعترف به، لكن جعله بين الإرادة و الوجود اللحاظي للعطش، لا الخارجي له.

و قد برهن على ذلك: بأن الوجود الخارجي للعطش أو للاستطاعة، لا يعقل أن يكون مؤثرا في نفس المولى، إذ إنّ الوجود الخارجي إنما يكون مؤثرا باعتبار تصور المولى له، و لحاظه له، فلا يعقل أن تناط الإرادة التي هي من موجودات عالم النفس، بأمر خارجي مباشرة، بل لا بد من إناطتها بأمر نفسي و ذهني من سنخها و عالمها و هو لحاظ الاستطاعة.

و الخلاصة: هي أن النظرية الثانية ترى أن إرادة شرب الماء المنوطة بالعطش، موجودة بوجود فعلي، و هي إلى هنا متفقة مع النظرية الأولى، لكن تختلف عنها في أمرين مترتبين يتفرع ثانيهما عن أولهما:

أ- الأمر الأول: هو أن النظرية الأولى ترى: أن إرادة شرب الماء موجودة قبل العطش بوجود فعلي، لأنها مطلقة، و غير مشروطة. و أمّا النظرية الثانية فإنها ترى: بأن إرادة شرب الماء موجودة بوجود فعلي، لأنها مشروطة بشرط موجود و هو هو اللحاظ، فيكون المشروط فعليا بفعلية شرطه، فكلما لاحظ المولى إنسانا مستطيعا، انقدح في نفسه شوق إلى الحج.

ب- الأمر الثاني: و هو الأمر المترتب على الأول، و هو إنّ أصحاب النظرية الأولى القائلين بأن إرادة الحج فعلية قبل الاستطاعة، كانوا يواجهون مشكلة و هي: إنّه إذا كانت هذه الإرادة فعلية قبل الاستطاعة، إذن فلما ذا لا

48

تحرك نحو العطش؟. و كانوا يجيبون: بأن الشرط فيها مأخوذ بوجوده الاتفاقي. و أمّا لو سئل أصحاب النظرية الثانية بأنه: لما ذا لا تكون هذه الإرادة محركة نحو العطش؟ فإنهم يجيبون: بأنّ الإرادة هذه منوطة بلحاظ العطش و هذا اللحاظ موجود، لكن النتائج التكوينية لهذا هو أن تكون فعلية الإرادة منوطة بفعلية العطش، أي: بفعلية الملحوظ.

و هذه النظرية الثانية كأنها تريد أن تجاري الفهم العرفي، و تشبع مولوية المولى، و قد برهن أصحابها على ذلك حيث يقولون: إنّ الإرادة لا يمكن أن تكون منوطة بوجود الاستطاعة خارجا، ذلك لأن الاستطاعة بوجودها الخارجي، لا تكون مؤثرة في عالم النفس و الذهن ابتداء، و إنما المؤثر في عالم النفس هو الوجود الذهني و اللحاظي.

و بعبارة أخرى: إن الإرادة من موجودات عالم النفس، فلا بدّ أن يكون شرطها المؤثر فيها من عالمها، لا من العالم الخارجي.

و التحقيق هو عدم صحة البرهان، و النظرية نفسها.

أمّا عدم صحة البرهان: فلأن هذا البرهان قائم على افتراض أن الإرادة إمّا أن تكون منوطة بالاستطاعة بوجودها الخارجي، و إمّا أن تكون منوطة بالاستطاعة بوجودها اللحاظي، و إذا امتنع الأول ثبت الثاني.

و هذا البرهان غير صحيح، إذ يوجد شق ثالث، و هو: أن يكون المؤثر في الإرادة، لا وجود الاستطاعة خارجا، و لا وجودها تصورا، بل المؤثر في الإرادة إنما هو التصديق‏ (1). بوقوع الاستطاعة خارجا، و التصديق أمر نفساني ذهني، فيعقل أن تكون الإرادة منوطة به، و عليه، فلا يصح ما قيل في البرهان.

____________

(1) و قد يقال بأن التصديق أعم من الوقوع الخارجي و الذهني. و عليه، فيعود الكلام من جديد فيما هو المؤثر الحقيقي في الإرادة، مع ملاحظة كونها فعلية قبل الشرط (المقرّر).

49

و أمّا عدم صحة النظرية، فهو: لأنها على خلاف الوجدان، و ذلك لأن الوجدان قاض بأن لحاظ العطش في نفس المرتوي لا يكفي لأن ينقدح في نفسه شوق إلى الماء، لأن الشوق إنما ينشأ بحسب تركيب الإنسان من قوى تلائمه، فالشوق هو ميل إلى ما يكمّله، و المرتوي بالفعل لا يوجد عنده أيّ قوة تلائم مع حاله و قواه فعلا، و إذا لم يكن مناسبة بين حاله و قواه، فلا ينقدح لأنه لا شوق في حال عدم الملاءمة، لأن الشوق فرع الملاءمة حقيقة، لا تصور الملائم، إذن فالإرادة غير منوطة بالوجود اللحاظي.

3- النظرية الثالثة:

و هي للمحقق النائيني (قده) حيث يقول: إن الإرادة المشروطة، هي فعلية الوجود من أول الأمر كالمطلقة، إذن فهو متفق مع كلتا النظريتين السابقتين من هذه الناحية، فالوجود في كلتا الإرادتين فعلي، لكن الموجود في إحداهما يختلف عن الآخر، فالموجود فعلا في الإرادة المشروطة معلّق، و الموجود فعلا في الإرادة المطلقة هو فعلي غير معلق، فهو يفرق بين الوجود و الموجود، فالإرادة المطلقة موجودة بوجود فعلي، بينما الموجود فعلا في المشروطة هو الإرادة المعلّقة.

و من الواضح أن هذا التفكيك بين الوجود و الموجود غير معقول، لكون الوجود عين الموجود بهذا الوجود، فيستحيل أن يكون أحدهما معلقا و الآخر فعليا، كما أن هذا خلط بين الموجودات الفعلية و الموجودات الاعتبارية، فإذا صحّ هذا التفكيك في الوجودات الاعتبارية العنوانية التي لا يكون الموجود فيها حقيقيا، و إنما يكون مسامحيا و اعتباريا، كباب الجعل و المجعول، لكنه لا يصح في باب الإرادة و الشوق- محل الكلام الذي هو من مبادئ الجعل، و وجوده وجود حقيقي-. و عليه فيستحيل كون وجوده فعليا، و الموجود فيه استقباليا.

و توضيح ذلك: إنّ الوجود للشي‏ء تارة يكون وجودا حقيقيا، و أخرى‏

50

يكون وجودا مسامحيا و بالعناية، من قبيل وجود المطر في الذهن، و يمكن أن يكون وجود واحد حقيقيا لشي‏ء، و مسامحيا لشي‏ء آخر، كتصورنا للمطر، فإنه وجود حقيقي للمتصوّر الذهني، و لكنه وجود مسامحي بالنسبة للأمر الخارجي، و كل وجود بالنسبة إلى ما هو موجود به بالحقيقة، يستحيل أن يكون بينهما فرق، لأن وجود كل شي‏ء هو عين ذلك الشي‏ء، و عليه فيستحيل أن يكون الوجود فعليا لكن الموجود تعليقي، و لكن هذا يمكن تعقّله في الوجود النفساني للشي‏ء من قبيل أن نتصور في الذهن مطر الشتاء الآتي، فهنا الوجود للمتصوّر فعلي، و لكن الموجود تعليقي، إذ لو لم يكن الموجود تعليقيا، بل كان هو عين وجوده في الذهن، إذن فمعنى هذا أن المطر يهطل في ذهننا عند تصوره للمطر. و على هذا الأساس نقول: إن الإرادة حيث أنها من الموجودات الحقيقية- لأننا نتكلم عن واقع انقداح الشوق في النفس- فيستحيل إذن أن يكون وجود الإرادة فعليا و الموجود معلّقا.

و لا يقاس هذا على الوجودات الاعتبارية، إذ يمكن فيها تصور وجود المطر القادم في الذهن، لأنه وجود اعتباري مسامحي و هو غير الموجود، و لكن هنا في الموجودات الحقيقية، الوجود الحقيقي هو عين الموجود، و الصحيح في تفسير حقيقة الإرادة المشروطة هو أن يقال: إنّه في جميع موارد الإرادة يوجد إرادتان:

1- الإرادة الأولى: هي إرادة الفعل- شرب الماء- و هي ليست موجودة بوجود فعلي- و إنما وجودها الفعلي يكون بعد وجود شرطها، أو التصديق بوجوده خارجا، كما لو تحقق وجود العطش، أو التصديق بوجوده خارجا، فإن كان الشرط عطشه هو نفسه، إذن فهو يحسّه و يشعر به، و إن كان الشرط عطش ابنه، فهو فرع إحساسه بعطش ابنه و إحرازه و اعتقاده، و إلّا فقبل اعتقاده و إحرازه لعطش ابنه، ليس في نفسه شوق إلى تحصيل الماء. إذن فلا وجود فعلي للإرادة قبل تحقق الشرط بنحو من الأنحاء المذكورة في النظريات الثلاثة، و ذلك لما ذكرنا من أن الشوق الحقيقي إلى شي‏ء هو فرع ملاءمة قوى‏

51

النفس في الإنسان لما يشتاق إليه، و الإحساس به، و هذه ملاءمة لا تكون إلّا عند تحقق الشرط خارجا، و إلّا فقبل حدوث الشرط «العطش» لا يوجد أي ملاءمة بين قواه و بين شرب الماء، إذن لا ينقدح في نفسه شوق فعلي نحو الفعل- شرب الماء- بأي معنى للفعلية.

2- الإرادة الثانية: و هي إرادة مطلقة و فعلية قبل وجود الشرط، أو التصديق به خارجا، و لكن ليست هذه الإرادة هي إرادة شرب الماء، بل هي إرادة أخرى، مطلقة و فعلية، و غير مشروطة، توجد دائما إلى جنب الإرادة المشروطة، و هذه الإرادة هي ذلك الإحساس المبهم الذي كان ينتاب العلماء بأن هناك شيئا «ما» إرادته فعلية و مطلقة.

و هذا الإحساس، و إن كان صحيحا و مطابقا للواقع، إلّا أن متعلّق هذه الإرادة ليس شرب الماء- الفعل- بل متعلقها هو الجامع بين شرب الماء و عدم العطش- الارتواء- فهي متعلقة بعدم تحقق المجموع من شرط الوجوب، و عدم الواجب.

و توضيح ذلك، هو: إنّ من يريد شرب الماء على تقدير العطش، يريد شيئا آخر أيضا، و هو أن لا يتحقق المجموع المركب من العطش و عدم شرب الماء- أي شرط الوجوب و عدم الواجب- فإن هذا الاجتماع مبغوض له من أول الأمر مبغوضية فعلية لمنافرته مع قواه، فينقدح في نفسه شوق فعلي نحو أن لا يتحقق هذا المجموع المركب، لأن عدمه مراد له من أول الأمر بإرادة فعلية، فهذا الشخص حتى في حال ارتوائه من الماء فعلا و عدم احتياجه إليه يكره هذه الحصة من العطش، و هي حدوث عطش لا ماء معه، و ذلك لمنافرة ذلك مع قواه الفعلية، و بهذا ينقدح في نفسه شوق فعلي نحو أن لا يقع عطش لا رافع له، و هذه الإرادة الفعلية المطلقة هي غير إرادة الفعل- شرب الماء- فإن هذه الإرادة لا تبعث نحو شرب الماء، بل تبعث نحو أن لا يتحقق هذا العطش الذي لا ماء معه، و لهذا لو فرض أن هذا الإنسان يعلم بأنه إذا صعد إلى السطح سيعطش، و لا يجد ماء معه، فيكون هذا داعيا له أن لا يصعد،

52

فهذه الإرادة الفعلية تمنعه أن يصعد إلى السطح، بينما إرادة شرب الماء لا دور لها في عدم الصعود الى السطح، بل هي تبقى تدعو إلى شرب الماء لو وجد العطش، و أمّا قبل العطش، فالذي يمنعه أن يقدم على عطش لا ماء معه، هو تلك الإرادة الثانية المتعلقة بالجامع المتقدم بيانه.

و لعلّ إحساس العلماء بوجدانهم، بأن هناك شيئا «ما» فعليا قبل وجود الشرط، و عدم التفاتهم إلى إمكان تعدد الإرادة، حيث تكون واحدة منها متعلقة بالجامع المذكور، هذا مع حصر النظر على إرادة شرب الماء، كل هذا جعلهم يتخيّلون إن إرادة شرب الماء فعلية قبل العطش، أي إنّ هذه الإرادة المشروطة فعلية من أول الأمر، إذن فهنا إرادتان: إرادة تعيينية لشرب الماء، و هي مشروطة بالعطش، و هي لا وجود لها قبله، و إرادة أخرى لعدم الحصة الخاصة. و هي المتعلقة بالجامع- أي العطش الذي لا ماء معه- و هذه الحصة من العطش يريد عدمها بالإرادة الفعلية المطلقة من أول الأمر، و هذه الإرادة موجودة قبل وجود العطش خارجا.

و بنظر أكثر تحليلية يقال: إنّ إرادة شرب الماء التي هي إرادة تعيينية و تحصل بعد العطش، هي تطور للإرادة الثانية المتعلقة بالجامع، بين اللّاعطش و الماء، أي: ارادة أن لا يعطش عطشا لا ماء معه، و مثل هذه الإرادة يشبّع مطلوبها بواحد من اثنين: فإمّا أن لا يعطش، و إمّا أن يعطش عطشا معه ماء. و هذه الإرادة ذات اقتضاء تحليلي في بداية الأمر، و لكن بعد أن يحدث العطش، يتعين اقتضاؤها و إشباعها في شرب الماء، و تتحول من إرادة تخييرية إلى إرادة تعيينية.

إذن فالإرادة المشروطة بمثابة تطور للإرادة المطلقة، كما في إرادة شرب الماء على تقدير العطش، فإنها تطور لإرادة الارتواء الذي يتحقق بالجامع بين طرفيه اللاعطش و الماء على تقدير العطش في أول الأمر، و يتعين بشرب الماء في آخره.

و الخلاصة: إنّه في موارد الإرادة يوجد إرادة واحدة تخييرية قائمة