بحوث في علم الأصول - ج6

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
749 /
5

بحث التزاحم و الكلام فيه يقع في موضعين:

1- الموضع الأول: في تحقيق أنّ التزاحم هل هو حالة من حالات التعارض، بحيث يدخل تحت كبرى التعارض بين الدليلين، أو إنّه حالة متميزة عنه؟

2- الموضع الثاني: في بيان أحكام و طبيعة التزاحم التي تخرجه من تحت كبرى التعارض، و تميّزه عنه، و تنفي تطبيق أحكام التعارض عليه.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تميّز التعارض عن التزاحم‏

1- الموضع الأول: [تميّز التعارض عن التزاحم‏]

و فيه لا بدّ من تحقيق مفهوم التعارض، لنرى هل إنّه موجود في باب التزاحم أو غير موجود، كما يحدد لنا مفهوم التزاحم، و هل إنّه داخل في باب التعارض، أو غير داخل؟

إذن فهنا نقطتان لا بد من تحقيقهما أولا، لنفهم التعارض، و من ثمّ نفهم التزاحم:

[النقطة الاولى تحقيق مفهوم التعارض:]

أما النقطة الأولى التمهيدية، فهي: أنّه تقدم مرارا إنّ الأحكام لها مرتبتان:

أ- مرتبة الجعل و الإنشاء.

ب- مرتبة المجعول و الفعلية.

فمثلا وجوب الحج على المستطيع، إنّ المولى يفرض المستطيع في عالم الذهن موجودا، ثم ينشئ الحكم عليه.

و إن شئتم قلتم: إنّ الجعل يرجع إلى قضية مشروطة، شرطها وجود المستطيع، و مشروطها وجوب الحج، ثم بعد أن يوجد المستطيع، و يتحقق الشرط، يصبح الجزاء فعليا، و هذه مرتبة المجعول، و هي مرتبة خروج الحكم من القضية الشرطية إلى القضية التنجيزية.

و من الواضح أنّ الخطابات الشرعية مفادها المرتبة الأولى، و هي مرتبة الجعل، أي: القضية الشرطية، فإذا قال المولى: «يجب على المستطيع‏

8

الحج» دون أن يتعرض إلى فعليّة الوجوب و عدم فعليّته، حينئذ يقال: إنّ التعارض عبارة عن التنافي بين مفاد دليلين من الأدلّة، أي: بين الجعلين على نحو القضية الشرطيّة، فمتى ما امتنع اجتماع الجعلين أي: المرتبتين من الحكم، أي: مرتبتي الجعل، إذن فسوف يحصل التكاذب بينهما، و هو المسمّى بالتعارض.

و أمّا إذا فرض أنّه لا تناف بين الجعلين بما هما جعلان، و لكن التنافي بين فعليّة هذه المشروطة، و هذه المشروطة، حينئذ لا يحصل تناف بين الخاطبين بسبب التنافي بين المجعولين، لأنّ التنافي إنّما هو في مرحلة الجعل «المرحلة الأولى».

و الخلاصة هي: إنّ التعارض هو التكاذب بين الخطابين، و ميزانه هو التنافي بين الجعلين، أي: مرتبة القضية المشروطة، فمتى كان تناف بين القضيتين المشروطتين، بما هما مشروطتان، حينئذ يحصل التكاذب بين الخطابين، و متى لم يكن تناف بين الجعلين و المشروطتين، و إنما كان التنافي بين فعليّة هذه المشروطة، و فعليّة هذه المشروطة، حينئذ يقع التنافي بين الجعلين أيضا بناء على عدم الترتب، و مثاله ما لو قال المولى: «إذا أمطرت السماء يجب عليك القيام» ثم قال في خطاب آخر: «إذا أمطرت السماء يحرم القيام عليك»، فكلتا القضيتين موجودتان بنحو القضية الشرطية، ففي المرحلة الأولى يقع التنافي بين المشروطتين.

و مثال الثاني أن يقول المولى: «إذا أمطرت السماء يحرم القيام»، ثم يقول في خطاب آخر: «إذا لم تمطر يجب القيام»، فهنا قضيتان مشروطتان، لا تناف بينهما بما هما مشروطتان و إنما التنافي بينهما في المرحلة الفعليّة إذ يستحيل اجتماعهما فيها، و هذا ليس تعارضا بين الدليلين.

ب- النقطة الثانية التمهيدية [هل هو داخل فى باب التعارض او لا]

، هي: إنّ التزاحم هو التنافي بين الحكمين الإلزاميين اللّذين يمكن للمكلف امتثال كل منهما إذا ترك الآخر

9

على نحو الترتب، و لا يمكنه امتثال كل منهما إذا انضمّ أحدهما إلى الآخر في عالم الامتثال.

و حينئذ يقال: إنّه في كل مورد وجد دليلان على حكمين إلزاميين تكون القدرة على أحدهما بدلا عن امتثال الآخر، حينئذ قد يحصل التعارض بينهما، و قد لا يحصل.

فإن كان بين الجعلين، فيقع التعارض، و إن كان بين المجعولين، فلا تعارض.

و هنا يكون لبحث الترتب دور مهم، لأنّنا لو قلنا بامتناع الترتب، فمن الواضح أنّ التزاحم يدخل في باب التعارض، لأنّ امتناع الترتب معناه أنّ خطاب «صلّ و أزل» لا يمكن ثبوت كل منهما، و لو مشروطا بعدم الآخر، حيث لا يرضى بهما القائل بالترتب، يعني: إنّ التنافي بين المشروطين، بما هما مشروطان، أي: بين خطاب «يجب الإزالة، و خطاب «يجب الصلاة على القادر، بما هما مشروطان، و بقطع النظر عن فعليتهما، فإنّه يوجد بينهما تناف، و عليه، فيدخلان في باب التعارض، و عليه لا إشكال في امتناع الترتب بناء على التعارض بين الخطابين.

و أمّا بناء على إمكان الترتب، حينئذ ينفتح بحث في أنّه هل يمكن أن يبرهن على أنّ باب التزاحم أجنبيّ عن التعارض؟.

و إن شئت قلت: إنّه إذا تمت النقطتان المتقدمتان و هما الالتزام.

أولا: يكون كل خطاب شرعي مقيدا بعدم الاشتغال بضد واجب آخر كما في «الصلاة و الإزالة»، فإنّ موضوع كل منهما مقيّد بعدم الاشتغال بالآخر، و الالتزام.

ثانيا: بإمكان الترتب في الوجوبين المتزاحمين، حيث يكون الوجوب الآخر مجعولا على تقدير عصيان الوجوب الأول.

10

حينئذ إذا تمّت هاتان النقطتان يخرج التزاحم عن باب التعارض إذ لا يقع حينئذ أي تناف بين الجعلين.

و أمّا إذا أنكرنا النقطة الأولى، و قلنا: بأنّ خطاب «أزل» غير مقيّد لبيا بعدم الاشتغال بضد آخر، و إنّ إطلاقه بنفسه، دال على عدم وجود مكافئ له في الأهميّة، حينئذ يقع التعارض بين الخطابين، لأنّ كلا منهما يدل على وجوب متعلقه مطلقا، حتى مع الاشتغال بالآخر، و معنى هذا الإطلاق إلزام كل من الخطابين بصرف القدرة في متعلقه، بدلا عن متعلق الآخر.

و كذلك إذا قبلنا النقطة الأولى، و لكن أنكرنا النقطة الثانية، فقلنا باستحالة الترتب، فهنا أيضا سوف يحصل التنافي و التعارض بين الخطابين، لأنّ عدم الترتب يؤدي إلى فعلّية كلا الخطابين المجعولين في فرض عصيان أحدهما، و معنى هذا: سراية التعارض إلى عالم الجعل، و استحالة ثبوت الخطابين المشروطين بما هما مشروطان أيضا، و هذا معناه التعارض أيضا.

و الصحيح في المقام هو: إنّ باب التزاحم أجنبيّ عن التعارض، و لتوضيح ذلك لا بدّ من استعراض كل الوجوه، بدءا بالوجه الذي أفاده المحقق النائيني (قده) حتى ننتهي إلى الوجه الصحيح، فنصوغ التزاحم على أساسه، صياغته الفنيّة بعد أن تكفّلت النقطة الثانية و هي «إمكان الترتب»، بحث الترتّب الملحق ببحث «اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده».

[تقريب خروج التزاحم عن التعارض‏]

إذن ينحصر بحث خروج التزاحم عن التعارض في النقطة الأولى، و قد ذكر في مقام تقريب ذلك عدة وجوه:

1- الوجه الأول، هو: ما أفاده الميرزا (قده) (1). لإثبات هذا المدّعى، و هو كون كل من الخطابين قد أخذ في موضوعه القدرة التكوينية، لكون العقل يحكم بقبح تكليف العاجز

، كما في الحكمين المجعولين على موضوعي‏

____________

(1) أجود التقريرات ج 1: ص 270- 271- 271.

11

«الصلاة و الإزالة»، فإنّه لا تناف هنا بين الجعلين، لعدم المحذور في جعل قضيتين مشروطتين بالقدرة، و إنما التنافي يكون بين المجعولين، فإنّهما لا يكونان فعليّين معا، لعدم قدرة المكلف على امتثالهما معا، فلو فرض أنّه اختار الصلاة تعيينا أو تخييرا، فلا يكون وجوب الإزالة فعليا في حقه، و كذلك لو أزال فإنه عاجز عن الصلاة، فيخرج عن موضوع «صلّ». ذلك لأنّ موضوعه القادر، و المشتغل بأحد المتزاحمين غير قادر، و إذا كان التنافي بين المجعولين، فلا يسري إلى مفاد الخطابين و الجعلين، إذ بناء على الترتّب، لا محذور في جعل قضيتين مشروطتين بالقدرة. نعم هنا المجعولان لا يكونان فعليين معا. لعدم قدرة المكلف على امتثالهما معا، و بامتثال أحدهما تعيينا أو تخييرا ينتفي الحكم الآخر بانتفاء موضوعه و عليه، فلا تعارض بينهما.

و هذا الوجه يعترض عليه، بأنّه إن أردتم من القدرة التكوينية المأخوذة في موضوعات التكاليف «لبّيا»، القدرة حدوثا و بقاء، بحيث يكون التكليف بالصلاة مشروطا بالقدرة عليها، و عدم صرف القدرة في ضدّ آخر، و هكذا الإزالة.

إن أردتم هذا، فهو و إن كان بناء على الترتب لا محذور فيه لأنه من قبيل الأمر بالضدين المتزاحمين، لكن لازم هذا ارتفاع التكليف، و عدم تحقق العصيان فيما لو اشتغل المكلّف بضد للواجب ليس واجبا عليه، و هذا ممّا لا يلتزم به صاحب الدعوى، لأنّه تعجيز بعد القدرة، و التعجيز بعد القدرة لا يرفع موضوع الخطاب، إذ بمقدور كل إنسان أن يعجز نفسه، و يكون بذلك عاصيا.

و إن أردتم من اشتراط القدرة التكوينية لبّيا في موضوعات التكاليف، اشتراطها بحدود القدرة الحدوثيّة فقط، على أساس أنّ العقل لا يحكم بأكثر من هذا الاشتراط، بمعنى أنّ التكليف يصبح فعليا بمجرد توفر القدرة عليه حدوثا في الآن الأول.

إن أردتم هذا، فإنّ القدرة بهذا المعنى موجودة في كلا الطرفين، لأنّ المكلف كان قادرا حدوثا أن يصلي أو يزيل، و إنما هو عجّز نفسه، و هذا التعجيز لا يرفع موضوع الخطاب كما عرفت.

12

و كون القدرة الحدوثية موجودة على كلا التكليفين، يلزم منه ثبوت فعليّة الخطابين معا في حق المكلف، و عدم ارتفاع أحدهما بامتثال الآخر، و هذا معناه ثبوت جعلين متنافيين.

و قد عرفت أنّ التنافي بين الجعلين هو ميزان التعارض.

و بهذا يحصل التعارض إذن بين الدليلين، و بهذا يدخل التزاحم في التعارض و لا يخرج عنه.

كما أنه بهذا يتضح أنّ الجعلين المشروطين بالقدرة التكوينية بهذا المعنى، هما أوسع من الجعلين الترتبيّين كما صوّرهما الميرزا (قده)، حيث يكون موضوعهما محفوظا حتى مع امتثال أحدهما، و قد عرفت استحالته.

2- الوجه الثاني، لإخراج التزاحم عن التعارض هو: أن يقال: بأنّ الشرط و إن كان هو القدرة التكوينية حدوثا، إلّا أنّ القدرة التكوينية حدوثا غير موجودة في مفاد أحد الدليلين في موارد التزاحم، و إنّما الموجود هو قدرة واحدة على الجامع بين الصلاة و الإزالة.

و تعيّنها في أحد الواجبين، هو فرع عدم تطبيقها على الآخر من قبل المكلّف، و بهذا لا يكون هنا في موارد التزاحم أكثر من تكليف فعلي واحد في حق المكلف. و أمّا التكليف الآخر فإنه يرتفع موضوعه بامتثال الأول.

و عليه، فلا يقع تعارض بين دليلي الجعلين.

و هذا الوجه إن اقتصرنا فيه على هذا المقدار، يمكن أن نشكل عليه فنقول: بأنّ الحاكم على اشتراط القدرة في موضوع التكليف هو العقل، و هو الذي يخصص، إذ لو لا هذا المخصص لشمل الخطاب حتى العاجز، و العقل إنّما يحكم باشتراط القدرة، بملاك قبح التكليف للعاجز.

و من الواضح أنّ القبيح يرتفع إذا انوجدت القدرة عند المكلف على الجامع.

فلو سلّمنا أنّ المكلّف حدوثا ليس له إلّا قدرة واحدة على الجامع،

13

لكن نقول: بأنّ العقل المخصص بالقدرة، يكتفي بالقدرة و لو على الجامع، إذن فلا يتبرهن أنّ القدرة على أحدهما المعيّن تعيينا، بل يكفي القدرة على أحدهما بدلا.

إذن فما هو الشرط اللّبي الثابت على القاعدة؛ إنما هو القدرة على المتعلق، و لو بنحو بدلي، لأنّ قبح تكليف العاجز يرتفع بهذا المقدار، فيكون الموضوع، هو: «أيها القادر على الصلاة و لو بدلا صلّ»، و هكذا، في الخطاب الآخر، يكون الموضوع: «أيّها القادر على الإزالة و لو بدلا أزل».

و من الواضح أنّ القدرة على أحدهما هكذا، لا ترجع إلى ترك الآخر، إذن فلم ترجع المشروطتان هنا إلى المشروطتين اللّتين فرغ القائلون بالترتب عن إمكانهما، لأنهما هناك كل منهما مشروطة بترك الأخرى، بينما هنا كل منهما مشروطة بالقدرة على الأخرى و لو لم يترك الأخرى.

إذن فيستحيل اجتماع هاتين القضيتين عند القائلين بالترتّب، فيقع التعارض و التنافي بينهما.

و الخلاصة هي: إنّه بناء على إمكان الترتب و معقوليّة جعل قضيتين مشروطتين، خطاب «صلّ» و خطاب «أزل»، عند ما نفحص كلتي القضيتين و كلا الخطابين، مع مخصصاتهما اللبيّة العامة، فإن استفدنا من هذين الخطابين أنّهما لا يثبتان في أنفسهما أزيد من القضية المشروطة، إذن فلا تعارض بينهما.

و إن استفدنا منهما أريد من القضيتين المشروطتين فيحصل التعارض في الأزيد، لأنّ كلا من القضيتين مقيدة به، و لتحقيق ذلك استعرضنا وجهين و الآن نستعرض وجها ثالثا:

3- الوجه الثالث، هو: أن يقال، بأنّ المخصّص اللّبي العقلي العام القاضي بتقييد كل من الخطابين بالقدرة، هذا المخصص يقتضي أيضا إدخال قيدين على كل خطاب من الخطابين.

14

أ- القيد الأول، هو: القدرة التكوينية و لو بالقدرة البدلية على الجامع في مقابل العجز التكويني، و هو الذي كان ملحوظا حتى الآن في الوجه الأول و الثاني، حيث أنّ الأول يقول: بأنّ هذا القيد يرجع إلى قيدية ترك الآخر، إذن فقد انطبق المقام على القضيتين المشروطتين المفروغ عن إمكانهما.

و قد اتضح في مناقشة الوجه الأول و الثاني أنّ هذا القيد لا يرجع إلى ترك الآخر، لأنه عبارة عن القدرة حدوثا، لا بقاء، و القدرة على متعلق الجامع و لو بدلا.

و قد تبين أنّ هذه القدرة محفوظة سواء فعل الآخر أو تركه، إذن فهذا القيد قيد من نمط أوسع، و عليه، فهذا القيد لا يفيد بإرجاع مفاد الخطاب إلى القضية الترتبية و إخراج التزاحم عن التعارض.

لكن هناك قيدا آخر، و لنسمّه القدرة الشرعية في مقابل العجز الشرعي.

و نريد بهذه القدرة عدم الاشتغال بواجب آخر لا يقل أهميّة عن هذا الواجب‏

و هذا أيضا هو قيد لبّي يقتضيه التخصيص العقلي اللبّي العام.

و برهان هذا القيد هو: إنّ الوجوب في أيّ خطاب، لو لم يكن مقيدا بعدم الاشتغال، بما لا يقل أهميّة عن هذا الواجب، لكان معناه: إنّ الوجوب يبتلي حتى في حال الاشتغال، بواجب لا يقل أهمية أو أهم، و حينئذ نسأل: إنّ هذا الوجوب الذي يقتضي الخطاب فعليّته، حتى في هذه الحالة:

15

إن أراد منّا المولى أن نشتغل بالاثنين معا، فهذا غير معقول للتضاد المفروض بينهما.

و إن أراد منّا أن ننصرف عنه إلى الأول فهذا خلف فرض كونه لا يقل أهمية عنه، فيكون الاشتغال بغيره ترجيحا بلا مرجح في نظر المولى. إذن فثبوت الوجوب في حال الاشتغال بالضد المساوي أو الأهم، غير معقول.

فإذا تمّ هذا البرهان، حينئذ، إن فرض أنّ «الصلاة و الإزالة» كانتا متساويتين من حيث الملاك، إذن فهذا القيد اللّبي الثاني مآله إلى عدم الاشتغال بالآخر في كل منهما، و هذا معناه أنّ القضيتين المشروطتين ترتّبيتين من الطّرفين، إذن فلما ذا يقع التعارض؟.

و إن فرض أنّ أحدهما كان أهمّ من الآخر، حينئذ سوف يكون هذا القيد اللّبي الثاني، و هو عدم الاشتغال بمساو أو أهمّ، يكون مفاده في طرف الصلاة، أنّ وجوبها مقيّد بعدم الاشتغال بالإزالة، و إن كان الأهمّ هو الإزالة يكون مفاد القيد في طرفها أنّ وجوب الإزالة مقيد بعدم الاشتغال بالصلاة.

و بهذا نصل إلى إمكان الترتب من أحد الطرفين، و قد فرغنا عنه.

أذن فعلى كلا الحالين سواء تساوى الملاكان في الأهميّة، أو كان أحدهما أهمّ من الآخر، فإنّه لا يحصل من الخطابين التعارض لإمكان الترتب بينهما على كل حال.

و هذا الكلام و إن كان صحيحا لنفي التعارض بين دليلي «صلّ و أزل»، لكن قد يناقش فيه فيقال: بأنّ إطلاق خطاب «صلّ و أزل» بنفسه، يثبت عدم مساواة أحدهما للآخر بالأهميّة. إذ تقييد كل منهما بعدم الاشتغال بالمساوي أو الأهم مطلقا، يعني: عدم أخذ ترك الآخر بعنوانه قيدا، و هذا يعني أنّ الآخر بعنوانه ليس أهمّ و لا مساو، فكأنّ أحدهما يقول: إنّ الآخر ليس بمساو و لا أهم، و كذلك يقول الآخر. إذن فهذا تكاذب، إذن فهذا تعارض.

16

و جواب هذا النقاش، هو: إنّ هذا تمسك بالعام، أو المطلق في الشبهة المصداقيّة.

و من الواضح أنّه لا يجوز التمسّك بالعام، أو المطلق في الشبهة المصداقيّة، لأنّ خطاب «صلّ» خرج منه بالتخصيص اللبّي العام صورة الاشتغال بالضد المساوي، و نحن لا ندري هل إنّ الإزالة» مصداق لما خرج، أو ليست مصداقا، فتكون الصلاة مصداقا لما بقي تحت العام من قبيل، «أكرم العالم و لا تكرم النحوي من العلماء»، فالتمسك بكون النحوي من العلماء الذين يجب إكرامهم، تمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، و هو غير جائز.

و هذا الجواب قد يناقش فيه على عدة مبان:

1- المبنى الأول هو: أن يقال: إنّه إنّما لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، فيما إذا كان المخصص لفظيا، لا فيما إذا كان لبيا، كما ذهب إليه الميرزا (قده) (1) و جماعة (2).

فإذا قيل: «لعن الله بني أمية قاطبة»، و كان يوجد مخصّص لبّي يخرج الإنسان المستقيم، و نشك في أموي مخصوص أنّه مؤمن، أو لا، فهنا نتمسك بالعام باعتبار أنّ هذا كغيره من بني أميّة.

و في المقام إذا جرينا على هذا، فهنا مخصّصنا لبّي، و حيث أنه كذلك، إذن فيجوز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

2- المبنى الثاني و هو: مختارنا في مباحث العام و الخاص و هو التفصيل بين كون الشبهة المصداقية سنخ شبهة مضبوطة بالأمور الخارجية،

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص 337 بمعنى أنه يتساوى اللفظي و اللّبي في عدم جواز التمسك عند الميرزا (قده).

(2) مطارح الإنظار- الأنصاري: ص 193.

17

حيث يكون المولى و العبد بالنسبة إليها سواء، من ناحية الاطلاع و نحوه، و بين الشبهة الحكمية التي يكون المولى أخبر من العبد بها.

ففي الأولى: لا يجوز التمسك بالعام فيها، و في الثانية: يجوز التمسك بكلام المولى العام لإدخال الفرد المشتبه تحت العام، إذ طبقا لهذا التفصيل نقول: بأنّ الشبهة، و إن كانت مصداقية إلّا أنّ المولى أخبر من العبد بها فهو المقرّر أن يوجد واجبا مساو، أولا لأنّها من وظيفته، إذن فنتمسك بالعام.

3- المبنى الثالث هو: أن يقال: إنّه لو بنينا على عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، إذا كان المخصّص لبّيا، و قطعنا النظر عن كل ما تقدم، فإنّه إنما نقول بذلك فيما إذا علمنا أنّ العام قد انثلم و شككنا بمقدار الانثلام، فلو كنا نعلم،- كما في المثال السابق في المبنى الثاني- أنّ أحد بني أمية وقف إلى جانب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و خطب مدافعا عنه- (عليه السلام)- إذن نعلم أنّ هذا المخصص ثلم العموم، لكن لا نعلم أنّ هذا المخصّص ينطبق على معاوية بن يزيد، أو لا فهنا لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة.

و أما إذا لم يعلم بالانثلام أصلا، كما لو احتملنا عدم الانثلام، فحينئذ لا بأس هنا بالتمسك بالإطلاق، أو العام الذاتي، لإثبات أنّ المولى لم يأخذ قيدا في موضوع خطابه، لأنّ العام هنا لم ينثلم كي يدور الأمر بين الدخول في الانثلام و في المنثلم و عدمه، إذن فلا محالة من التمسك بالعام.

و حينئذ إذا تمّت هذه المخارج الثلاثة يمكن إيقاع التعارض بين خطابي «صلّ و أزل» لعدم دلالة خطاب «أزل» على أنّه أهم.

و الصحيح في المقام هو عدم وقوع التعارض بين خطابي: «صلّ و أزل» حتى لو تمّت الأصول الموضوعية لهذه المباني المتقدمة و غيرها، لأنّ جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، إنما يتم فيما إذا كان المخصص منفصلا، ففي مثله ينعقد للعام ظهور في العموم، و كذلك‏

18

للمطلق ظهور في الإطلاق، بحيث يكون العموم شاملا للفرد المشكوك، و حينئذ يثبت حكمه على الفرد المشكوك، دون أن يزاحمه المخصص، لعدم العلم بشموله للفرد المشكوك.

و أما إذا كان المخصّص متصلا فلا ينعقد للعام ظهور في العموم، و معه لا يمكن التمسك بالعام بالنسبة إلى الفرد المشكوك.

و مقامنا من قبيل الثاني، و ذلك لأنّ المخصص في مقامنا هو حكم العقل و هو مخصص لبّي، و هو يشكّل قرينة متصلة، و معه لا يمكن التمسك بالعام لصيرورته مجملا في العام فلا يرجع إليه، بالنسبة إلى الفرد المشكوك.

و بهذا يتم المدّعى، و هو أنّ كلا من خطابي «صلّ و أزل» ليس له إطلاق ينافي إطلاق الآخر، إذن فلا تعارض بينهما، لكون كل منهما مقيّدا بعدم الاشتغال بالآخر، و بهذا يخرج التزاحم عن باب التعارض.

و أما فيما لو فرض تساويهما، فيرجع هذا إلى الترتّب من الجانبين، و يكون أحدهما واردا على الآخر، و رافعا لموضوعه و قد عرفت إمكانه، و هذا معنى دخول التزاحم في الورود.

و أمّا لو كان أحدهما فقط مقيدا بعدم الاشتغال بالآخر، فيما لو كان أحدهما أهم، فإنّ هذا يرجع إلى الترتّب من طرف واحد، و قد عرفت إمكانه، و عليه فلا تعارض بين الخطابين.

و بهذا يثبت أنّ باب التزاحم باب مستقل، و غير داخل تحت كبرى التعارض، و بهذا يتم الكلام عن الموضع الأول.

19

في أحكام التزاحم‏

الموضع الثاني: [أحكام التزاحم‏]

بعد أن فرغنا عن كون باب التزاحم بابا مستقلا غير داخل تحت كبرى التعارض، و لا تطبّق عليه أحكام التعارض، صار لزاما علينا أن نستعرض أحكام التزاحم.

و في مقام بيان مرجّحات باب التزاحم، يتبيّن أنّ ما يصح من هذه المرجحات، كلّها يرجع إلى باب الورود، و أنّ أحد الخطابين يكون واردا على الآخر إمّا بنفسه، أو بامتثاله كما ستعرف.

و يتضح هذا عند البحث عن المخصّص اللبّي العقلي الذي به أخرجنا خطاب «صلّ و أزل» عن المعارضة، إذ به تبيّن أنّ مرجحات هذا الباب ترجع إلى الورود.

إذن وظيفتنا هي تنقيح صغرى هذا الورود، و بحث هذا في جهتين:

الجهة الأولى:

المرجّح الأول هو: ترجيح الخطاب المشروط بالقدرة العقلية على الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية.

[كلام المحقق النائيني فى القدرة الشرعية و القدرة العقلية]

و قد ذكر المحقق النائيني (قده) (1) ما حاصله: إنّه إذا وجد خطابان،

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 272.

20

و كان أحدهما مشروطا بالقدرة العقلية، و الآخر مشروطا بالقدرة الشرعية، فمعنى ذلك، أنّ الخطاب المشروط بالقدرة العقليّة، تكون القدرة فيه دخيلة في موضوع خطابه، دون ملاكه، بمعنى أنّ ملاكه يكون ثابتا حتى حال العجز، غايته أنّ الخطاب لا يثبت حال العجز.

و أما المشروط بالقدرة الشرعية، فإنّ القدرة فيه تكون دخيلة في موضوع خطابه و ملاكه، بحيث لا ملاك حال العجز.

و كلما تزاحم خطابان، و كانت القدرة في أحدهما دخيلة في موضوعه دون ملاكه، و كانت في الآخر دخيلة في موضوعه و ملاكه، قدم الأول على الثاني.

و تحقيق ذلك، هو: إنّه لا بدّ من بيان معنى القدرة الشرعية التي تكون دخيلة في ملاك أحد الخطابين دون الآخر، فنقول:

[معانى القدرة الشرعية]

إنّ القدرة الشرعية المفروض دخلها في ملاك الوجوب لها ثلاثة معان:

* المعنى الأول للقدرة الشرعية هو: أن تكون هذه القدرة بمعنى القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني‏

، بحيث يكون الخطاب الذي لا تكون هذه القدرة دخيلة في ملاكه، شاملا للمشكوك، دون الخطاب الذي كانت هذه القدرة دخيلة في ملاكه، فإنّه فيه لا يشمل المشكوك، و ذلك لتماميّة ملاك الخطاب الأول دون الثاني، حيث أنّ القدرة التكوينية غير موجودة، و غير دخيلة في الأول، فيكون ملاكه تاما، بينما هي دخيلة في ملاك الثاني فلا يكون تاما.

و بناء على ذلك، لا موجب لترجيح الخطاب المشروط بالقدرة العقلية على الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية، لأنّ المشروط بالقدرة الشرعية قد تمّ ملاكه أيضا، لما عرفت من أنّ القدرة الدخيلة في ملاكه، إنما هي القدرة التكوينية، و هذه القدرة ثابتة في كلا الطرفين كما برهنّا عليه سابقا في مناقشة

21

الوجه الأول و الثاني اللّذين استدلّ بهما على أنّ باب التزاحم مستقلّ عن باب التعارض، و غير داخل تحته، حيث قلنا هناك: إنّ هذه القدرة التكوينية فعلّية و موجودة في كلا الخطابين، حيث أنّه قادر على كل منهما، و لو بدلا، كما عرفت تفصيله.

و عليه: فلو اشتغل بأحد الخطابين، يكون في اشتغاله هذا مفوتا للملاك الآخر، لأنّهما من هذه الناحية سواء.

و حينئذ لا موجب لترجيح المشروط بالقدرة العقلية على الآخر المشروط بالقدرة الشرعية.

* المعنى الثاني للقدرة الشرعية، هو: أن تكون هذه القدرة عبارة عن مجموع قيدين: أحدهما: القدرة التكوينية، و الثاني: عدم الاشتغال بضد مساو أو أهم.

و بناء عليه، حينئذ يتم المرجح المذكور، و يتعين تقديم الخطاب المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية، لأنّ ملاك الأول تام، حيث أنّه غير مشروط بالقدرة، و الاشتغال به لا يكون مفوّتا لملاك الآخر بل رافعا لموضوعه.

و هذا بخلاف ما لو اشتغل بالخطاب الثاني، فإنّه بذلك يفوّت على المولى ملاك المشروط بالقدرة العقلية، رغم كون ملاكه فعليا، أمّا عدم تفويت ملاك الأول فلأنّه اشتغل به، و أما عدم تفويت ملاك الثاني فباعتبار أنّه لا موضوع له، فلا يكون ثابتا، لأنّ ملاك الثاني متوقف على مجموع قيدين كما عرفت، و أحد هذين القيدين هو عدم الاشتغال بواجب آخر، و المفروض أنّه اشتغل بواجب آخر فينتفي موضوعه، و معه لا يكون هذا الملاك ثابتا، فهنا يدور الأمر بين تفويت ملاك، و عدم تفويت أيّ ملاك، و في مثله، يحكم العقل بلزوم عدم تفويت الملاك، و ذلك بأن يختار الاشتغال بالخطاب الأول، و هو المشروط بالقدرة العقلية دون الخطاب الثاني المشروط بالقدرة الشرعية، و ذلك لتماميّة ملاك الخطاب الأول على‏

22

كل تقدير، و عدم تماميّة الثاني إلّا على تقدير عدم الاشتغال بالخطاب الأول كما عرفت.

و عليه، فلا بدّ من أخذ عدم الاشتغال بالخطاب الأول في موضوع الخطاب الثاني دون العكس، فلو فرض أنّ الخطاب الأول هو خطاب الإزالة، فهنا يكون الأمر بالإزالة مطلقا، إلّا أنّ الأمر بالصلاة يكون مشروطا بعدم الاشتغال بالإزالة، و يكون قصد المولى من هذا الاشتراط صرف المكلف من الصلاة إلى الإزالة، لئلّا يخسر المولى شيئا، لأنّ الصلاة، و إن فاتت بفعل الإزالة، إلّا أنّ ملاك الصلاة غير ثابت، كما عرفت، لعدم تحقق موضوعه، و هو عدم الاشتغال بواجب آخر، و هو الإزالة، و المفروض أنّه اشتغل بالإزالة.

و بناء على هذا، فيكون خطاب «أزل» بامتثاله رافعا لموضوع خطاب «صلّ» حيث أخذ فيه عدم الاشتغال بالإزالة، فإذا اشتغل بالإزالة يرتفع موضوع خطاب الصلاة.

و هذا معناه: أنّ خطاب «أزل» يكون واردا على خطاب «صلّ»، و الورود هو المرجّح الرئيس في باب التزاحم، كما عرفت، فيكون مقامنا هذا أحد موارد و مصاديق مرجّحات باب التزاحم.

* المعنى الثالث للقدرة الشرعية، هو: أن يكون ملاك الخطاب الثاني متقوما، ليس بالقدرة التكوينية فقط، و لا بمجموع القيدين، بل يكون ملاك الثاني موقوفا على عدم وجود مانع شرعي من قبل المولى‏

، أي: عدم وجود أمر بالخلاف يضادّه، بحيث يكون الأمر بالخلاف و الضدّ يغني الملاك الثاني، بخلاف الملاك الآخر.

و فرق هذا عن المعنى السابق، أنّه في السابق كان ملاك الثاني يغني بامتثال الخطاب الأول، لا بوصوله بنفسه، بينما هنا يغني بنفس وصول الخطاب الأول و تنجّزه، إذن فهذا معنى ثالث للقدرة الشرعية.

23

و في مثل ذلك يتقدم الأول على الثاني، و يتم الترجيح للمشروط بالقدرة العقلية، على المشروط بالقدرة الشرعية، و ذلك لأنّ المشروط بالقدرة العقلية يكون بنفس فعليّته و تنجزه رافعا لموضوع الخطاب الآخر، لتحقق المانع المولوي الشرعي بذلك دون العكس، إذ إطلاق الخطاب الأول محفوظ بالفعل، بينما الخطاب الثاني موضوعه منفي بالفعل، إذن فيجب العمل على طبق الأول.

و الترجيح في هذا الفرض ليس بحاجة إلى القول بإمكان الترتّب كما كان كذلك بناء على المعنى السابق. لأنّ المفروض أنّ القضيتين إحداهما مترتبة على عدم الأخرى، و إنما كان القائل بامتناع جعلهما يمنع ذلك لاستلزامه فعلية الأمر بالضدّين في حال عدم الاشتغال بالأهم، بينما هنا في المقام يكون المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث للقدرة، معلّقا على عدم فعليّة الخطاب الآخر.

إذن فما دام الخطاب الآخر فعليا، فمقتضى القاعدة أنّه يستحيل فعلّية المشروط بالقدرة الشرعية، حيث لا يجتمع الحكمان في الفعلية.

و عليه، فيقدم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية.

و بهذا يتضح أنّ هذه القاعدة- و هي ترجيح المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية- غير صحيحة بلحاظ المعنى الأول للقدرة الشرعية، و إن كانت صحيحة بلحاظ المعنيين الآخرين الثاني و الثالث.

و بقي الكلام في نقطتين:

1- النقطة الأولى: هي إنّه قد يفترض أنّ كلا الخطابين كان مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث، أي: عدم المانع المولوي.

فهنا يقدم الأول على الآخر، لأنّ القدرة الشرعية لها معان إذ قد يكون أحد المعنيين يوجب التقديم لأحدهما على المعنى الآخر، كما لو كان‏

24

أحدهما مشروطا بعدم الوجود الفعلي للمانع، و كان الآخر مشروطا بعدم الوجود اللولائي للمانع، أي: عدم وجود أمر بالخلاف، أي: لو لا هذا الأمر، و بقطع النظر عنه، حينئذ يتقدم الأول على الثاني، و ذلك لأنّ العدم اللولائي غير صادق مع وجود الآخر، فيكون موضوع الخطاب المشروط به مرتفعا، و موضوع الخطاب الآخر فعليا، كما في الورود من الجانبين.

و كذلك لو كان أحد الخطابين مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، و كان الآخر مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث، فإنّه حينئذ يتقدم الأول على الثاني، كما برهن على ذلك بالورود من الجانبين.

2- النقطة الثانية: هي في كيفية استظهار كون القدرة المأخوذة في موضوع التكليف، إنّها عقلية أو شرعية من لسان الدليل، فيما إذا لم يكن هناك قرينة خاصة في المقام.

و بتعبير آخر، ما هو مقتضى القاعدة عند الشك في كون القدرة شرعية أو عقلية، عند عدم إحراز كونها في أحد الخطابين المتزاحمين عقلية، و في الآخر شرعية، لعدم دليل من الخارج، و عدم قرينة من لسان دليل الحكمين يقتضي ذلك، إذ حينئذ يشك في كون القدرة دخيلة في الملاك، أي إنّها شرعية أم لا.

أما النقطة الأولى: فهناك صورتان يمكن افتراضهما فيها:

الصورة الأولى هي: أن يكون كل من الخطابين، مشروطا بالقدرة الشرعية.

الصورة الثانية هي: أن يكون الخطاب الأول مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، و يكون الخطاب الثاني مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث، فيكون متوقفا على عدم الأمر بالخلاف، فيكون ملاك الثاني أشدّ قصورا من ملاك الأول‏

25

و حينئذ يقال: إنّ البرهان يحتّم تقديم الأول على الثاني، و ذلك لأنّ دليل الخطاب الثاني في نفسه قاصر عن إثبات معنى معقول بينما دليل الخطاب الأول غير قاصر.

و توضيحه هو: إنّ دليل الخطاب الثاني فيه أحد افتراضين، أوّلهما:

هو أن نلحظ حالة عدم امتثاله، و ثانيهما: هو أن نلحظ حالة امتثاله، يعني:

انّ دليل الخطاب الثاني مفاده: أنّ وجوب الفعل الثاني منوط بعدم وجود أمر بالخلاف، أي: بالفعل الأول، و عدم أمر بالخلاف لا يحصل إلّا بالاشتغال بالخلاف، إذن فنفي الأمر الأول يكون بالاشتغال بالخلاف، و معنى هذا أنّ الأمر الثاني منوط بعدم نفسه، و هو غير معقول.

و من هنا نقول: إنّ دليل الخطاب الثاني، إن أردتم أن تثبتوا به أمرا للثاني، فلا يساعد عليه الدليل، لأنّ دليل الثاني أخذ في موضوعه عدم الأمر الأول، و هو يتوقف على عدم الاشتغال بالثاني، و إن أردتم أن تثبتوا به أمرا بالثاني منوطا بالأمر الأول، فهو غير معقول، لأنّ معناه، إناطة الأمر بالشي‏ء بامتثال نفسه، إذن فالدليل الثاني متعيّن السقوط، إذ ما يكون معقولا بنفسه، الدليل قاصر عنه، و غير واف بإثباته، و ما يفي به الدليل، و لا يكون قاصرا عنه، غير معقول بنفسه إذ ينتج أنّ الأمر بالثاني هو الأمر بالثاني المنوط بالاشتغال بالثاني، و هو غير معقول، إذن الدليل المتكفل للخطاب الثاني ساقط، فيتعيّن المصير إلى الخطاب الأول.

إذن ففيما إذا كان الخطاب الأول مشروطا بالقدرة بالمعنى الثاني، و كان الخطاب الثاني مشروطا بالقدرة بالمعنى الثالث، فإنّه يتعين تقديم الخطاب الأول.

الصورة الثانية، التي يمكن أن نفترض فيها تقديم الخطاب الأول على الثاني مع أن كلا الخطابين يكون مشروطا بالقدرة الشرعية هي: أن نفرض أنّ كلا منهما شرط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث، و هو عدم الأمر بالخلاف، إلّا أنّ عدم الأمر بالخلاف يكون له نحوان:

26

فتارة يكون الخطاب مشروطا بعدم الأمر بالخلاف، بمعنى أنّه لا يكون هناك أمر بالخلاف لو لا هذا، فيكون الأمر هنا منوطا بالعدم اللولائي يعني بعدم الأمر بالخلاف المحفوظ لو لا هذا.

و أخرى يكون مشروطا بعدم الأمر بالخلاف فعلا.

فإن فرض أنّ كلا منهما كان مشروطا بالعدم اللولائي، أو العدم الفعلي، فمعنى هذا أنّه لا مزيّة لأحدهما على الآخر، لكن إذا فرضنا أنّ الأول كان مشروطا بالعدم الفعلي، و كان الثاني مشروطا بالعدم اللولائي، إذن سوف يتقدم بالبرهان، الخطاب الأول على الثاني، لأنّ الثاني مشروط بالعدم اللولائي، للأوّل، أي: إنّه لا يكون للأول وجود حتى لو لا الثاني.

و من الواضح أنّ الأوّل له وجود لو قطع النظر عن الثاني، فالثاني إذن مشروط بشرط باطل، و غير موجود.

إذن فمفاد الثاني له شرط منتف حقيقة، فلا يكون مفاده فعليا، و اذا صار مفاده معدوما، فقد تحقق شرط الخطاب الأول، لأنّه لا يحتاج إلّا إلى العدم الفعلي.

إذن فما هو مفاد الأول يكون فعليا في حقنا، و ما هو مفاد الثاني لا يكون فعليا في حقنا.

و بهذا البرهان يقدّم الأول على الثاني، و به يتضح أنّ غير المشروط بالقدرة الشرعية، يقدّم إطلاقه على المشروط بالقدرة الشرعية، و أنّ المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول للقدرة الشرعية، يقدّم على المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني للقدرة الشرعية، و أنّ المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث للقدرة الشرعية، يقدّم على المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني للقدرة الشرعية.

و من هذا القبيل ما إذا نذر أن يزور أحد الأئمة في أشهر الحج بحيث‏

27

لا يتمكن من تدارك الحج أبدا في وقته، فهناك ثلاث ترجيحات لإفساد الحج:

المرجح الأول هو: أن يكون أحدهما مشروطا بالقدرة الشرعية، و الآخر غير مشروط بها.

المرجح الثاني: أن يكون كلّ منهما مشروطا بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، لكن وجوب الوفاء بالنذر مشروط بها بالمعنى الثالث، إذ كل جعل شرط فيه أن لا يكون منافيا لشرط اللّه تعالى‏ (1)، و هو تحليل الحرام أو العكس. إذن فوجوب الوفاء بالنذر مشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث، و وجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني، فيتقدم وجوب وفاء النذر لما تقدّم.

المرجح الثالث هو: أن يقال: إنّ الاستطاعة المأخوذة في دليل الحج هي ما يعمّ الخلاف، فنحمله على المعنى الثالث للقدرة، لكن مع هذا نستظهر أنّ دليل الوفاء بالنذر أخذت فيه القدرة بالمعنى اللولائي، بمعنى أنّه. قبل أن تنظروا إلى شرطكم، انظروا إلى ما إذا كان يوجد شروط للّه تعالى في المقام.

و إلى هنا يتم الكلام في الميزان الكبروي، و هو ترجيح المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية.

و كذلك فقد برهنّا على ترجيح بعض المشروط بالقدرة الشرعية على البعض الآخر المشروط بالقدرة الشرعية، كترجيح المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث على المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول و الثاني للقدرة الشرعية.

____________

(1) إشارة الى ما ورد في الوسائل الجزء السابع عشر صفحة 409 باب 22 من أبواب موانع الإرث نقلا عن (قرب الإسناد).

28

و بهذا ننهي الكلام في مرحلة الثبوت.

و الآن نتكلم في صغرى المرجح، أي: في مرحلة الإثبات، حيث يقال هنا: كيف نثبت أنّ أحد الخطابين مشروط بالقدرة العقلية، و الآخر مشروط بالقدرة الشرعية؟.

فنقول: إنّه إذا قامت قرينة خاصة على أحدهما، فلا إشكال في اتّباعها، و إلّا فقد يدّعى أنّ الأصل فيهما أن تكون القدرة عقلية، و أن يكون ملاك الخطاب غير مشروط بالعقلية، و هذا الأصل نخرج عنه بواسطة قرينة خاصة، أو عامة، كما لو تصدّى المولى بنفسه لأخذ القدرة في موضوع خطابه، كأن يقول، لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فإنّ خطاب الحج يختلف عن خطاب‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ*.

إذن لو تصدّى المولى بنفسه لأخذ القدرة في موضوع خطابه، فيتنقح بذلك أنّ الأصل إن لم تؤخذ القدرة شرطا في موضوعه من قبل المولى، يتنقح بذلك أنّ الأصل فيه أن تكون القدرة عقلية.

و قد يدّعى هنا، أنّه إن كان المولى قد تصدّى لأخذ القدرة في موضوع خطابه، فيتنقح بذلك، أنّ الخطاب إذا لم تؤخذ القدرة في موضوعه، فالأصل فيه أن تكون القدرة شرعية، إلّا أن تقوم قرينة على الخلاف، إذن فهنا دعويان:

1- الدعوى الأولى و هي: كون الأصل في الخطاب الذي لم تؤخذ القدرة فيه من قبل المولى، الأصل، أن تكون القدرة عقلية، هذه الدعوى، موقوفة على أحد تقريبين تقدّم الكلام عنهما.

و توضيح موجز التقريب الأول هو: أنّ الخطاب بحسب دلالته المطابقيّة على الحكم، لا إطلاق له لحالة عدم القدرة، لأنّ القدرة حتى لو لم يأخذها المولى في موضوع خطابه، فهي قيد بحكم العقل، إذن فلا إطلاق للمدلول المطابقي للخطاب لحالة عدم القدرة، و عليه، فيكون إطلاق‏

29

المدلول المطابقي ساقطا في مقام العجز، و انعدام القدرة.

و لكن يمكن أن يدّعى أنّ الملاك أوسع دائرة من آن الحكم، إذ هو فعليّ حتى في حال عدم القدرة، و حينئذ يمكن التمسك بالدلالة الالتزامية لإثبات ذلك، بعد سقوط الدلالة المطابقية، و يمكن التمسك تارة أخرى بإطلاق المادة. كما سمّاه الميرزا (قده) إذ إنّ خطاب «أقيموا الصلاة» له مدلول مطابقي، و هو الوجوب، و له مدلول التزامي، و هو الملاك، و الأول قد سقط لما عرفت، و يبقى الثاني لم يسقط، لأنّه يعقل إطلاقه لحالة العاجز. إذن فنتمسك بإطلاق المادة لإطلاق الدلالة الالتزامية، و معناه أنّ القدرة عقلية.

و توضيح موجز التقريب الثاني هو: أن نتمسك بإطلاق المادة في المرتبة السابقة على عروض الحكم عليها، بمعنى أنّ مادة الصلاة قد صبّ عليها محمولان: محمول بارز و هو الوجوب، و محمول مستتر و هو الملاك. و المادة بلحاظ الأول مطلقة، و لكنها بلحاظ الثاني مقيدة، فنتمسك بالإطلاق.

و قد تقدم مناقشة هذين التقريبين و عدم ارتضائهما.

و عليه، فمقتضى القاعدة إنّه لا دليل على أنّ القدرة عقلية، لأنّ مفاد الخطاب المطابقي أنّ إطلاقه ساقط، و مع السقوط لا يبقى كاشف عنه حتى نعلم أنّه مشروط بالقدرة العقلية.

2- الدعوى الثانية هي: أن يقال: إنّه حتى لو سلّمنا بالدعوى الأولى إلّا أنّه يقال هنا في الثانية: بأنّه عندنا في المقام قرينة عامة تدل، متى ما وجدت، على أنّ القدرة شرعية، و هذه القرينة هي: تصدي المولى بنفسه لأخذ القدرة في موضوع خطابه، و هذا بنفسه قرينة على أنّ القدرة دخيلة في الملاك، و تقريب هذا يكون بأحد وجوه:

1- الوجه الأول: هو: أن يقال: بأن المولى إذا تصدّى بنفسه لأخذ

30

القيد، إذن سوف ينثلم الإطلاق في كلا التقريبين السابقين اللّذين أريد بهما إثبات إطلاق الخطاب للتمسك بالدلالة الالتزامية، لأنّ المطابقية لا وجود لإطلاقها، لا انّ إطلاقها موجود و سقط عن الحجية، حتى يبحث أنّ الالتزامية هل هي تابعة في الحجية للمطابقية، أو غير تابعة، فإنّ هذا البحث إنما يكون إذا كان أصل الدلالة المطابقية مستقرا، و انهدمت حجيته بمخصص منفصل، حينئذ يقع الكلام في أنها تتبع، أو لا.

و أمّا إذا أخذ فيه قيد متصل من المولى، فلا إطلاق أصلا حينئذ للدلالة المطابقية.

و هكذا يقال في التقريب الثاني: بأنّ إطلاق المادة يسقط، لأنّ إطلاق التقييد يقتضي كونه تقييدا للمادة بلحاظ كلا محموليها. إذن فلم يبق إطلاق في المادة.

و عليه، فأخذ هذا القيد، بحسب الحقيقة، ينتج فقداننا للتقريبين اللّذين نثبت بهما الدعوى الأولى.

و عليه فمتى ما أخذ هذا القيد سوف لا يحرز أنّه مشروط بالقدرة العقلية، و إن كنّا لا نحرز أنّه غير مشروط بالقدرة الشرعية.

2- الوجه الثاني هو: أن نترقّى و نقول: بأنّ أخذ القدرة من قبل المولى، ظاهر في إثبات كون القدرة شرعية، و ليس فقط يعطل الإطلاقين، و ذلك لأنّ هذا التقييد، إن فرض كون القدرة شرعية، أي: دخيلة في ملاك المولى و غرضه، إذن فالتقييد مولوي منشؤه أغراض المولى.

و إن فرض أنّ القدرة غير دخيلة في الملاك فالتقييد عقلي إذن فأمر التقييد يدور بين كونه مولويا، أو عقليا و إرشاديا. فظهور التقييد في المولوية يكون حجة في إثبات أنّ القدرة دخيلة في ملاك المولى، و بهذا يكون التقييد مولويا، لا عقليا.

و يرد على هذا، إنّه: إن كان المراد بالتقييد المولوي، هو حصول‏

31

التقييد في مقام جعل الحكم من قبل المولى، فهذا أمر محفوظ، حتى في موارد عدم دخل القدرة في الملاك، إذ تقييد الخطاب إنّما هو من فعل المولى، و شأن من شئونه. إذن فالتقييد تقييد مولوي على أيّ حال. فلو سمّيت القدرة عقلية حينئذ، لا يكون معناها إنّها إنّما سمّيت بذلك، بسبب كون العقلي هو المقيّد، بل سمّيت بذلك، بمعنى كون العقل هو الكاشف عن التقييد.

و إن كان المراد بالتقييد المولوي التقييد الذي يكون عملا اختياريا للمولى، و تحت سلطانه، بحيث يكون للمولى رفعه، أو تبديله إلى الإطلاق مثلا، و هذا يتناسب مع كونه تقييدا للملاك بالقدرة، لا تقييد الحكم، إن كان هذا هو المراد بالتقييد المولوي، فإنّ المولوية بهذا المعنى لا يقتضيها ظهور الخطاب الصادر من المولى، لأنّها مئونة زائدة على كون التقييد عملا صادرا من المولى مع أنّ الكلام إنما هو في نكتة كون هذا التقييد و أنّه صدر من المولى و لما ذا أخذه المولى، حيث يقال مثلا: إنّ المولى إنما أخذه باعتبار نكتة أنّه فاقد القيد الآن، و ليس فيه مصلحة، أو يقال تارة أخرى: إنه إنما أخذه باعتبار أنه فاقد القيد، فيقبح عند العقل التكليف به، فهاتان نكتتان.

إذن فهذا الوجه غير صحيح.

3- الوجه الثالث هو: أنّنا سلّمنا أنّ التقييد مولوي على كل حال. إلّا أنّه يدور أمره بين كونه تأسيسيا أو تأكيديا. بمعنى أنّه إن كان المقصود من التقييد. التقييد من باب ضيق الخناق، إذن فبيان القيد تأكيديّ لأنّ هذا المطلب بيّن بحكم العقل. و أمّا إذا كان الغرض من التقييد بيان أنّ القيد دخيل في الملاك، إذن فمثل هذا لم يبيّن ببيان آخر، إذن فيكون تأسيسيّا.

و بتعبير آخر: إنّ اشتراط القدرة في الخطاب- سواء أ كان من جهة حكم العقل بقبح خطاب العاجز، أو من جهة اقتضاء الخطاب تقييد متعلقه بالمقدور- بعد أن كان أمرا مركوزا عند العرف، و بمثابة المقيّد اللبّي المتصل بالخطاب، حينئذ يكون تصدّي المولى للتصريح به، و إبرازه ظاهرا،

32

معناه: إنّه بصدد إفادة معنى زائد على ما هو منكشف في نفسه، و هذا المعنى الزائد هو كون قيد القدرة دخيلا في الملاك، و أنه من دون هذه القدرة، لا مقتض للحكم.

و هذا الكلام إنّما يصحّ إذا لم يكن في المقام نكتة أخرى، لإبراز هذا القيد اللبّي.

و لكن من الواضح أنّ هذا الوجه، لا يمكن أن ينسجم مبنى مع الدعوى الأولى لإثبات كون القدرة عقلية، فيما إذا لم يكن لسان الخطاب مقيدا بالقدرة، و هو التمسك بالدلالة الالتزامية، لإثبات الملاك في حال العجز، و هذا معناه افتراض كون المقيّد اللبي بمثابة القرينة المتصلة باعتبار وضوحه و ضرورته.

و إذا كان هكذا، إذن سوف ينهدم التقريب المذكور في الدعوى الأولى، لأنّه مع فرض كون المخصّص اللبّي متصلا هنا، لا يمكن التمسك بالدلالة الالتزامية، لإثبات الملاك في حال العجز، بينما في تقريب الدعوى الأولى فرض كون المقيّد منفصلا، كي ينعقد الإطلاق في الدلالة ذاتا.

فالصحيح في المقام هو: ان غاية ما يثبت بهذا الوجه أو بغيره من هذه الوجوه، لو تمّ شي‏ء منها هو دخل القدرة المأخوذة في لسان الدليل في الملاك، كما فيما لو كان المأخوذ فيه عنوان القدرة و الاستطاعة الظاهر في القدرة المقابلة للعجز التكويني، فإنّه حينئذ، لا يثبت إلّا دخل هذه القدرة في الملاك، و هذا ينتج كون القدرة شرعية بالمعنى الأول.

و قد قلنا آنفا: إنّ هذه القدرة الشرعية بهذا المعنى، لا تجدي في الترجيح، و إنما الذي يجدي في الترجيح، هو دخل القدرة المقابل للعجز التكويني، أو المولوي الناجم عن الاشتغال بالضد الواجب، و مثل هذا لا يمكن استظهاره من مجرد ورود عنوان الاستطاعة في لسان دليل الحكم.

نعم لو أنّ المولى أبرز المقيّد اللّبي بكل تفصيلاته، في ظاهر الدليل، كما لو قال: إذا استطعت، و لم تكن مشتغلا بضد واجب لا يقل عنه في‏

33

الأهمية، فإنه حينئذ يمكن إثبات كون القدرة شرعية بالمعنى الثالث، بأحد الوجوه المتقدمة، لو فرض تمامية هذه الوجوه.

و الخلاصة هي: إنّه إذا كان قيد القدرة واردا في لسان أحد الدليلين دون الآخر، فإن كان الوارد عنوان القدرة و الاستطاعة فقط- كما هو التعبير المفهوم عرفا- فإنّه حينئذ لا يمكن إثبات كون القدرة شرعية بالمعنى المفيد في مقام الترجيح، بل يبقى الشك في مقتضيه على حاله، فيرجع إلى الأصول العمليّة.

و إن كان الوارد في لسان الدليل، هو نفس المقيّد اللّبي المستتر، بمعنى عدم الاشتغال بضد واجب لا يقل عنه في الأهمية، فإن قبلنا كلا الاستظهارين السابقين، تمّ الترجيح على أساسهما لا محالة، و إلّا فإن أنكرنا الاستظهار الأول، فلم نقبل إمكان إثبات القدرة العقلية بإطلاق الخطاب، و قبلنا الاستظهار الثاني، و هو كون مجي‏ء قيد القدرة في لسان الدليل يقتضي دخله في الملاك بمقتضى كون الخطابات الشرعية تأسيسية، حينئذ تندرج هذه الحالة في الصورة الثانية من الصور الثلاث الآنفة، و هي ما إذا أحرز كون القدرة في أحد الخطابين المتزاحمين شرعية، و شكّ في كونها شرعية، أو عقليّة في الآخر.

و إن قبلنا الاستظهار الأول، و أنكرنا الثاني، فإنّه حينئذ يندرج المقام في الصورة الثالثة من تلك الصور، و هي ما إذا أحرز كون القدرة في أحدهما عقلية، و شكّ في شرعية القدرة للآخر، أو عقليتها.

و لكن من الواضح أنّ كلّ هذا مجرد افتراض محض، لما تقدم آنفا من أنّ التعبير العرفي لإبراز قيد القدرة، لا يكون مطابقا مع المقيّد اللّبي عادة، إذن فلا يقيّد بعدم الاشتغال بضد واجب لا يقل أهمية، إذ حينئذ كيف يمكن للإنسان العرفي تشخيص ما لا يقل أهمية، أو يقل أهمية، و إنما التعبير العرفي المعقول هو، أن يرد التقييد بعنوان «عدم الاشتغال بواجب آخر» كما لو قال: «صلّ إن لم يكن لك شغل واجب آخر»، و حينئذ يقال: إنّه إذا ورد

34

خطاب، لسان دليله مقيّد بعدم الاشتغال بواجب آخر، تقدّم عليه في مقام التزاحم، كلّ خطاب لم يكن مقيّدا بمثل هذا القيد، و ذلك بأحد بيانات نستعرضها تباعا:

1- البيان الأول هو: أن يستظهر من إطلاق القيد، أنّ كل واجب آخر ينبغي أن يتقدم على هذا الواجب في مقام المزاحمة، بل يكاد لا يزاحمه أصلا، و هذا ظهور عرفي واضح، فيما إذا افترض اتصال الخطابين أحدهما بالآخر، و قيّد أحدهما بعدم الاشتغال بالآخر.

2- البيان الثاني، و هو مؤلّف من مقدمتين:

أ- المقدمة الأولى هي: إنّ المستظهر- من إطلاق التقييد بعدم الاشتغال بواجب آخر- هو إنّ أيّ واجب آخر يفترض بنحو القضية الحقيقية، فلا يزاحمه هذا التكليف، و هذا لا يمكن إلّا إذا كانت القدرة على هذا التكليف شرعية، أي: أن تكون دخيلة في ملاكه، و إلّا لو كانت هذه القدرة عقلية، فلعلّ ملاك هذا التكليف يكون أهم من بعض الواجبات المستلزم لعدم صحة التقييد، إلّا إذا فرضت القضية خارجيّة، و أنّ المولى بنفسه لاحظ ملاك هذا الواجب مع كل واحد من أحكامه، فوجده مساويا، أو مرجوحا منها جميعا.

و هذا خلاف ظهور التقييد في كونه على نهج القضية الحقيقية، كما عرفت آنفا، و بهذا يتبرهن على كون القدرة فيه شرعية.

ب- المقدمة الثانية هي: أن يقال: بأنّ مقتضى إطلاق دليل الخطاب المطلق أن تكون القدرة فيه عقلية، و لكن لا مطلقا، و إنّما بالقياس إلى خصوص الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية، و ذلك لأنّ مقتضى التمسك بإطلاقه لحال الاشتغال بالخطاب المشروط بالقدرة الشرعية، هو كونه فعليا خطابا و ملاكا، و لا يشكّل هذا تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية لمخصّصه اللّبي، بدعوى أنّ الخطاب مقيد في نفسه بعدم الاشتغال بضد واجب لا يقل عنه أهمية، و في المقام يحتمل ذلك، لأنّ المخصص اللّبي إنما يكون بمقدار

35

ما إذا كان الاشتغال بواجب غير مشروط بالقدرة الشرعية، أي: فعليّة الملاك حين الاشتغال بهذا الخطاب، و أما لو اشتغل بهذا الواجب حال كون ملاك الضد الواجب الآخر غير فعلي، فلا برهان عقلا يقتضي تقييد إطلاق الخطاب بعدم الاشتغال به، كما عرفت سابقا في تحقيق صياغة المقيّد اللّبي، بل يكون إطلاق الخطاب بنفسه مقتضيا لثبوت الحكم، خطابا و ملاكا، حتى لو اشتغل بالواجب الآخر.

و حينئذ بضم هاتين المقدمتين، إحداهما إلى الأخرى، يثبت الترجيح إذ يحرز بهاتين المقدمتين كون القدرة في الخطاب المشروط بحسب دليله، كونها شرعية، و في الخطاب المطلق بحسب دليله، كونها قدرة عقلية بالقياس إلى الخطاب المشروط، فيكون دليله و ملاكه راجحا و واردا على ملاكه و دليله.

فإن قيل: بأنّه من المحتمل أن يكون الخطاب المقيّد بحسب لسان دليله بعدم الاشتغال بواجب آخر، أن يكون مختلفا حاله بقياسه من واجب إلى واجب، كأن يكون بالقياس إلى الواجبات المشروطة بالقدرة الشرعية تكون القدرة فيه شرعية أيضا، و لهذا لم يكن مزاحما معها، و يكون بالقياس إلى الواجبات الأخرى المشروطة بالقدرة العقلية، تكون القدرة فيه عقلية، و إنما لم يزاحمها، لعدم رجحان ملاكه على ملاكها.

فإنه يقال: بأنّ هذا خلاف ما تقدم من استظهار كون التقييد بنحو القضية الحقيقية بالنسبة إلى كل واجب يمكن افتراضه، إذ استظهار كون التقييد هكذا بالنسبة إلى أيّ واجب يفترض، يقتضي أن تكون القدرة فيه شرعية مطلقا.

3- البيان الثالث و هو: يتوقف على مقدمتين أيضا:

أ- المقدمة الأولى هي: عبارة عن نفس المقدمة الثانية التي تقدمت في البيان السابق، و هي دعوى إمكان إحراز كون القدرة في الخطاب المطلق عقلية بالقياس إلى الخطاب المشروط.

36

ب- المقدمة الثانية هي: عبارة عمّا سوف يأتي من الترجيح، باحتمال الأهميّة في أحد الخطابين المتزاحمين إذا كانا مشروطين بالقدرة العقليّة.

و حينئذ، على أساس هاتين المقدمتين، بثبت الترجيح في المقام، حيث يقال حينئذ: إنّ الواجب المشروط، بحسب لسان دليله بعدم الاشتغال بواجب آخر، إن كانت القدرة فيه عقلية، أي: إنّ ملاكه فعليّ حين الاشتغال بواجب آخر، فلا بدّ أن يكون الواجب الآخر ملاكه فعليا أيضا، و إلّا لم يصحّ التقييد، بل كان هو مقدما عليه، و حينئذ يكون احتمال الأهميّة في ملاك الواجب الآخر المطلق موجودا دون الواجب المشروط، إذ لو كان هو أهم لما صحّ التقييد أيضا، بل كان هو مقدّما عليه. و عليه فيترجح الواجب المطلق بملاك احتمال الأهمّية.

و إن كانت القدرة فيه شرعية، فإطلاق الخطاب المطلق يقتضي كون القدرة فيه عقليّة بالقياس إليه، فيترجح حينئذ عليه بملاك ترجيح غير المشروط بالقدرة الشرعية على المشروط بها.

و بتعبير آخر، إنّ التمسّك بإطلاق الخطاب المطلق، يقتضي ثبوته حتى في حال الاشتغال بالخطاب المشروط، و بهذا يكون واردا عليه لا محالة، و لا يكون هذا من باب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه اللبّي، لأنّ المقيّد اللبّي إنّما يخرج عن الإطلاق حال الاشتغال بالواجب الآخر، إذا توفر شرطان:

أحدهما: أن يكون ملاكه فعليا، أي إنّ القدرة فيه عقليّة بالقياس إلى الواجب الأول.

و الشرط الثاني هو: أن يحرز عدم أهمية الواجب الأول كما سوف تعرف من الترجيح بالأهمية.

و في المقام يعلم بانثلام أحد الشرطين إجمالا، و إلّا لما صح تقييده‏

37

بعدم الاشتغال بضد واجب آخر، فيكون المقيّد اللبّي للخطاب المطلق، غير شامل لحال الاشتغال بالخطاب المشروط جزما.

ثم إنّ هناك بحثا آخر، و هو: إنّ ترجيح غير المشروط بالقدرة الشرعية على المشروط بها. هل يشمل صورة ما إذا كان المشروط بالقدرة الشرعية، أهم ملاكا من غير المشروط بها، أم إنّه لا يشمل؟.

و الصحيح هو أن يقال: بأنّه إن كان المراد بالقدرة الشرعية المعنى الثالث منها، و هو عدم الأمر بالخلاف، تمّ هذا الترجيح مطلقا إذ يكون حينئذ الخطاب المرجوح ملاكا واردا بنفس فعليّته على الآخر، و رافعا لموضوعه، فلا يكون له ملاك أهمّ من الآخر و مقدما عليه.

و إن كان المراد بالقدرة الشرعية، القدرة الشرعية بالمعنى الثاني، فلا بدّ من التفصيل بين صورتين:

الصورة الأولى، هي: أن يكون الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية، قد أبرز فيه هذا القيد بالتعبير العرفي المتقدم، و هو عدم الاشتغال بواجب آخر، و في هذه الصورة يكون مقتضى إطلاق التقييد، تقدم كل خطاب عليه، و لو كان ملاكه مرجوحا، كما عرفت بالبيانات السابقة، فيصح التعميم.

الصورة الثانية، هي: أن يكون الشرط المبرز على وزان المقيّد اللبّي المستتر، أي: عدم الاشتغال بواجب لا يقل عنه أهمية.

و في هذه الصورة غاية ما يستفاد من هذا الاشتراط، أنّ هذا الواجب لا يزاحم واجبا لا يقل عنه في الأهمية، لا مطلق الواجب، فالقدرة فيه شرعية بالقياس إلى ما لا يقل عنه في الأهميّة لا مطلقا، و المفروض أنّ الواجب المطلق، بحسب لسان دليله قد أحرز كون ملاكه مرجوحا بالنسبة إلى الواجب المشروط، فيكون الواجب المشروط فعليا، خطابا و ملاكا بمقتضى التمسك بإطلاق دليله، حال الاشتغال بالخطاب المطلق، فيتقدم المشروط عليه بالأهميّة لا محالة.

38

المرجح الثاني، من مرجحات باب التزاحم هو: تقديم ما ليس له بدل على ما له بدل.

و قد قرّب المحقق النائيني (قده) مرجحيّة هذا المرجح‏ (1) بدعوى، أنّ الخطاب الذي يكون لمتعلقه بدل يعتبر أنّه لا اقتضاء له بالنسبة لمتعلقه بالخصوص، و ذلك لإمكان التعويض عنه بالبدل، و الخطاب الذي لا يكون لمتعلقه بدل، يكون مقتضيا لإيجاد متعلقه بالخصوص، لأنّه لا بديل له.

و من الواضح أنّ ما لا يكون له اقتضاء، لا يزاحم ما له اقتضاء.

إذن فلا بدّ من تقديم ما له اقتضاء على ما ليس له اقتضاء، فلو أنّه وقع التزاحم بين الأمر بالوضوء، و الأمر ببذل الماء لحفظ النفس المحترمة، فمن الواضح أن يقدم أمر حفظ النفس المحترمة، لأنّه لا بدل له، على الوضوء و يكتفى بالطهارة الترابية، لكونها بدلا طوليا للوضوء.

و هذا الكلام إنّما يتم في البدل العرضي، لا الطولي، فإنّ البدل تارة يكون عرضيا كما لو فرض، أنّ أحد الخطابين كان مرجعه إلى وجوب تخييريّ بين الصلاة و الصدقة، و كان الخطاب الآخر مرجعه إلى وجوب تعييني متعلق بالإزالة، و حينئذ لو تزاحمت الصلاة مع الإزالة فإنّه هنا لا إشكال في تقديم الإزالة لعدم وجوب تعييني للصلاة، إذ الواجب في خطاب الصلاة هو: الجامع بين الصلاة و الصدقة، و في هذا الخطاب يمكن حفظ هذا الجامع بواحد من فرديه، إذ يستطيع أن يزيل و أن يتصدق مثلا، إذن فلا يتزاحم الجامع مع الإزالة، بل هذا خروج عن باب التزاحم موضوعا، لأنّ ما هو الواجب، بحسب الحقيقة، إنّما هو الجامع بين المبدل و بدله العرضي، و الجامع لا يزاحم الواجب الآخر. إذن فلا مسوغ للإشكال.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 272 و فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1 ص- 191- 192

39

في مثل ذلك نقول: إنّ ما ليس فيه الاقتضاء لا يزاحم ما فيه الاقتضاء بمعنى أنّ الاقتضاء التخييري لا يقتضي تعيين الإتيان بالصلاة. إذن لا اقتضاء بالنسبة إلى الصلاة بالخصوص، و هذا الكلام خارج عن محل الكلام.

و نحن هنا نلتزم بما قاله المحقق الثاني (قده)، إلّا أنّ هذا لا يتم في البدل الطولي الذي هو محل الكلام، إذ فيه يكون البدل الطولي متفرعا عن العجز من الإتيان بالمبدل، و من الواضح حينئذ، أنّ الأمر يقتضي متعلقه بالخصوص، و لو كان له بدل طولي، و إنّما لا يقتضي متعلقه بالقياس إلى بدله العرضي كما في الواجب التخييري، فلو فرض أنّ الصلاة كانت واجبة تعيينا و كانت الإزالة واجبة تعيينا، و لكن كان يوجد واجب آخر كلّفنا به و هو «الصدقة» على تقدير العجز عن الصلاة، فهنا الصّدقة ليست عدلا للصلاة، و إنّما هي بدل طولي، بمعنى أننا نفترض هنا ثلاث خطابات، و هي: «أزل»، و «صلّ»، و إن لم تتمكن من الصلاة، «تصدّق»، حينئذ لا مسوّغ للقول بأنّ ما لا اقتضاء له لا يزاحم ما له اقتضاء، لأنّ كلا من هذه الخطابات فيه الاقتضاء، و المفروض عدم إمكان الجمع بين المتعلقين، فينتقل إلى البدل الطولي لكونه له اقتضاء، و عليه، لا بدّ من استئناف البحث في هذا المرجح.

و تحقيق الكلام في هذا المرجح هو أن يقال: إنّ هذا المرجح، تارة نبحث في حجيته و في برهان مرجّحيّته بحيث يكون مرجحا مستقلا بالأصالة، أي: بعنوانه و ملاكه في عرض سائر المرجحات، و تارة أخرى، نبحث عن كونه مرجحا عن طريق إرجاعه إلى مرجح آخر ينطبق عليه، كما لو أرجعنا مرجحيته إلى مسألة المشروط بالقدرة العقلية، و المشروط بالقدرة الشرعية. إذن فالكلام في هذا المرجح يقع في مقامين:

المقام الأول: في مرجحيّة هذا المرجح بالأصالة و بعنوانه و ملاكه.

المقام الثاني: في تحقيق مرجحيّته عن طريق إرجاعه إلى مرجح آخر.

أما المقام الأول، و هو في مرجحية هذا المرجح بالأصالة: فأحسن‏

40

ما يقال في مرجحيته، هو: إنّ كلا من الخطابين، «صلّ، و أزل»، محكوم لا محالة بذاك المخصّص اللبّي العام، و هو القدرة العقلية، و هو عبارة عن القدرة التكوينية مع عدم الاشتغال بالضد الواجب المساوي أو الأهم.

و لكن نقول: بأنّ خطاب ما له بدل، أخذ في موضوعه عدم الاشتغال بواجب مساو أو أهم، على نحو ينطبق على الاشتغال بالواجب الآخر كالإزالة هنا.

و أمّا خطاب «الإزالة» فلم يؤخذ في موضوعه عدم الاشتغال بواجب مساو أو أهم، بل أخذ في موضوعه عدم الاشتغال بما ليس له بدل، يعني:

إنّ القيد الذي يدخله العقل على التخصيص اللبّي، على موضوع الخطاب في كل منهما، هو عبارة عن عدم الاشتغال بالضد الواجب الذي ليس له بدل، و مثل هذا القيد لم يؤخذ عدمه قيدا في الموضوع، إذ لو أخذ هذا قيدا في الموضوع، و تبيّن أخذ هذا القيد في الخطابين، إذن سوف يكون الاشتغال بالإزالة رافعا لموضوع وجوب الصلاة، لأنّ خطاب الإزالة واجب ليس له بدل، بينما الاشتغال «بالصلاة» لا يرفع موضوع وجوب الإزالة، لأنّ الاشتغال بالصلاة اشتغال بضد واجب له بدل، و قد فرض أنّه أخذ في موضوع وجوب الإزالة قيد عدم الاشتغال بواجب ليس له بدل، و هذا يعني أنّ المكلّف إذا اشتغل بالإزالة، لم يفوّت شيئا، لأنّه يمتثل أحد الخطابين و يرفع موضوع الآخر، و لكن إذا اشتغل بالصلاة فسوف يفوّت موضوع خطاب «أزل».

فإن تمّت هذه المقدمة، حينئذ يتم الترجيح، لأنّ هذا يكون رافعا لموضوع ذاك دون العكس و هو معنى الورود، فيكون المطلوب إذن، موقوفا على أن يكون القيد هو عدم الاشتغال بضد واجب ليس له بدل، و حينئذ يتم الترجيح.

بقي أن نبحث هذه الفرضية، و هي: إنّ القيد الذي يجب إدخاله على كل الخطابات الشرعية، هل هو عدم الاشتغال بضد ليس له بدل؟

41

و في مثل هذا المقام يدّعى و يقال: بأنّ خطاب «أزل»، يكون موضوعه عدم الاشتغال بضد واجب ليس له بدل. و عليه، فلا يشمل إطلاقه خطاب، «صلّ»، لأنه ضد واجب، له بدل، و ذلك لأنّ تضييق دائرة هذا القيد معناه أنّ الأمر بالإزالة موجود حتى مع الاشتغال بالصلاة، و هذا معناه، أنّ المولى يريد أن يصرفنا عن الصلاة إلى الإزالة، و حينئذ سوف يحصل على ملاك الإزالة، و كذلك يحصل على ملاك الصلاة عن طريق البدل، و بذلك يتوفر للمولى كلا الملاكين.

و هذا بخلاف ما لو اشتغلنا بالصلاة، و تركنا الإزالة، فإطلاق خطاب ما ليس له بدل لحال الاشتغال بما له بدل معقول.

و ما تقدّم من براهين و إشكالات على ما نقول لا تتأتى هنا، إذ إنّه هناك كان يفوّت أحد الخطابين، بينما هنا يحصل على كلا الملاكين.

إذن فالبرهان قائم على أنّ الخطاب مقيّد بالضد الواجب الذي ليس له بدل.

إلّا أنّ مرجحية هذا المرجّح حولها ملاحظتان:

1- الملاحظة الأولى: و حاصلها، هو: إنّ تماميّة هذا المرجح موقوفة على أن يكون للصلاة بدل فعلي حال الاشتغال بالإزالة، و إلّا لو لم يكن للصلاة بدل كذلك في هذه الحال، للزم من الاشتغال بالإزالة تفويت ملاك الصلاة و بدلها، و حينئذ لا يتم ما ذكر.

و عليه، فلا بدّ في تمامية هذا التقريب من وجود ملاك فعلي للصلاة حال الاشتغال بالإزالة.

و وجود بدل فعلي للصلاة حال الاشتغال بالإزالة، إنما يثبت بدليل البدلية القائل: «إذا عجزت عن الصلاة فتصدق»، كما في مثالنا.

و دليل البدلية هذا إنّما يثبت بدليّة «الصدقة» عن «الصلاة» في حال‏

42

العجز عن الصلاة، كما هو لسان الخطاب المذكور، و العجز عن الصلاة، إمّا أن يكون عجزا تكوينيا، كما في المغمى عليه، و إمّا أن يكون مولويا، و الأول لا كلام فيه، و الثاني إنما يكون في حال الاشتغال بالأهم لو كانت الإزالة أهم، إذ في حال وجود واجب أهم من الصلاة، فإنّ المولى حينئذ يصرف المكلّف عن الصلاة إلى الاشتغال بالواجب الأهم، و هو الإزالة، فيثبت بذلك، إنّ تماميّة هذا المرجح، موقوفة على كون الإزالة أهم، و الأهميّة مرجح مستقل كما ستعرف.

و عليه، فتكون مرجحيّة هذا المرجّح فرع ثبوت مرجحيّة الترجيح بالأهم، و هو أول الكلام.

إذن فلا يكون هذا المرجح مرجّحا مستقلا حينئذ، إذن فلا يثبت المدّعى، و هو كونه مرجحا بالأصالة في عرض بقية المرجحات.

و يجاب عن هذه الملاحظة الأولى بأن يقال: بأنّا نسلم ما ذكر في هذه الملاحظة من باب الأصول الموضوعيّة.

و لكن نقول: بأنّ المعجّز المولوي عن الصلاة، لا ينحصر بكون الإزالة أهم كما ذكر، بل يتم المعجّز حتى و لو كانت الإزالة مساوية، فإنه في هذا الحال لو اشتغل بالإزالة يكون عاجزا مولويا عن الصلاة، و عليه، فلا تكون تماميّة هذا المرجح في طول كون الإزالة أهم من الصلاة، ليلزم ما ذكر، بل تماميّته في طول أن لا تكون الصلاة أهم فيشمل ما إذا كانت مساوية.

و الحاصل: إنّ مرجّحية هذا المرجح، لا تتوقف على تماميّة الترجيح بالأهم الذي هو مرجح مستقل، كما سيأتي، لأنّ هذا المرجح أيضا يتم إذا كانت الصلاة مساوية للإزالة، كما عرفت.

و الخلاصة، هي: إنّ هذه الصياغة لهذا المرجح، و إن كانت في نفسها، و لكنها تتوقف على إثبات كون البدل في فرض العجز عن المبدل يكون وافيا بتمام ملاك المبدل أو بجلّه.

و أمّا إذا لم يثبت ذلك، و فرض أنّ مقدارا مهمّا من ملاك المبدل، لا

43

يستوفى بالبدل، فقد يكون هذا المقدار مساويا في الأهمّية لملاك ما ليس له بدل، أو أهم منه، في مثل ذلك لا بدّ و أن يكون وجوب ما ليس له بدل مقيّدا بعدم الاشتغال باستيفاء هذا المقدار، و على هذا الأساس.

إذن ينحصر وجه الترجيح بالأهمّية، و يخرج عنوان ما ليس له بدل، عن المرجحيّة، حيث لم يبق له أثر في ذلك، إذ إثبات وفاء البدل بتمام ملاك المبدل، يتوقف على وجود قرينة خاصّة. و إلّا فنفس دليل البدليّة المتقدم لا يفي بذلك.

2- الملاحظة الثانية و هي: مبنيّة على كون هذا المرجح غير مستقل، و إنّما يرجع إلى الترجيح بالأهمية، و حينئذ يقال: بأنّ الملاكين الموجودين في الإزالة و الصلاة، لا يخلو حالهما من ثلاثة فروض:

أ- الفرض الأول هو: أن يفرض بأنّا نعلم بتساوي هذين الملاكين.

ب- الفرض الثاني هو: أن لا نعلم حالهما أصلا.

ج- الفرض الثالث هو: أنّا نعلم بأنّ ملاك الصلاة أهم من ملاك الإزالة.

أما في الفرض الأول، و هو: ما لو علم بتساوي الملاكين: فإنّه في مثل ذلك يتم هذا المرجح، و ذلك لأنّ تمامية هذا المرجح فرع فعلّية بدليّة «الصدقة» للصلاة، حين الاشتغال بالإزالة، كما عرفت، و هذه الفعلية فرع أن يكون المكلّف حين اشتغاله بالإزالة معذورا مولويا عن الصلاة، و هذه المعذورية موجودة، لأنّ الصلاة ليست أهم من الإزالة حسب الفرض، بل هي مساوية لها، و إذا عذر مولويا عن الصلاة، فيتحقق العجز المولوي بالنسبة لها، و بتحقق العجز المولوي عنها، يتم بدلها، و هو الصدقة، و حينئذ فيكون للصلاة بدل دون الإزالة حيث لا بدل لها.

و عليه، فيتم هذا المرجح في طول الترجيح بالأهم، و ذلك لأنّ ملاك الإزالة في هذا الفرض، يكون أهم من ملاك الصلاة، لأنّ ملاك الإزالة و الصلاة، و إن فرضناهما متساويين، إلّا أنّ المفروض أنّ أحد هذين‏

44

الملاكين قائم بالإزالة وحدها، و الملاك الثاني قائم في «الصلاة، و الصدقة» التي هي بدل الصلاة، فيكون نصف الملاك حينئذ قائما بالصلاة، و عليه، فيكون الأمر دائرا بين ملاك تام قائم بالإزالة، و بين نصف ملاك قائم في الصلاة.

و لا شك أنّ ملاك الإزالة حينئذ يكون أهم من ملاك الصلاة.

و بذلك يكون هذا المرجح قد رجع إلى الترجيح بالأهمية، و لا يكون مرجحا بالأصالة كما هو المدّعى.

و أما الفرض الثاني، و هو: ما لو جهلنا حالهما و لم نعلم بأهمية أحدهما: فهنا لا مقتض لتقديم أحدهما على الآخر، فيكون حكمهما حكم المتساويين.

و حينئذ، فيجري في هذا الفرض ما جرى في الفرض الأول من الكلام، و هو ما لو علم بتساويهما، فيكون هذا المرجح، بناء على هذا الفرض الثاني، راجعا إلى الترجيح بالأهميّة كما تقدم في الفرض الأول.

و أما الفرض الثالث، و هو: ما لو علم أن ملاك الصلاة أهم:

ففي مثل ذلك لا يتم هذا المرجح أصلا، حتى لو فرض وجود إطلاق في دليل البدلية لمورد الاشتغال بالإزالة، إذ على كل حال سوف يفوت شي‏ء من الملاك، لأنّه لو اشتغل بالإزالة فسوف يفوّت شيئا من الملاك، لأنّا فرضنا أنّ الصلاة أهم، و كذلك لو اشتغل بالصلاة، سوف يفوّت شيئا من الملاك، لأنّ نصف الملاك قائم بالصدقة التي هي بدل الصلاة، و النصف الآخر من الملاك قائم بالصلاة، إذن على كل تقدير، سوف يفوته شي‏ء من الملاك.

و عليه، فلا يتصور في المقام ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل، إذن فهذا المرجح غير تام.

و من ذلك يظهر، أنّ الترجيح بالبدلية:

45

إمّا أن يكون راجعا إلى الترجيح بالأهميّة كما في الفرضين الأول و الثاني.

و إما أنّه غير تام أصلا كما في الفرض الثالث.

و عليه فلا يكون الترجيح بالبدلية مرجحا مستقلا كما أدعي، في قبال بقيّة المرجحات.

المقام الثاني: في ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل، عن طريق إرجاعه إلى برهان و مرجح آخر يكون صغرى لمرجح مفروغ عن مرجحيته.

و بعبارة أخرى: تخريج هذا الترجيح يكون على أساس تطبيق كبرى أخرى عليه، و يتمثل هذا في محاولتين:

* المحاولة الأولى هي: إن يقال: إنّه تبيّن من خلال مناقشة المقام الأول أنّ نكتة ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل، مرتبطة دائما بترجيح محتمل الأهمية على غير محتمل الأهمّية، أو ما كان محتمل الأهمّية فيه أكبر على ما كان محتمل الأهمية فيه أصغر، و قد انتهينا إلى نتيجة، هي:

كون ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل، يمكن تخريجه كمصداق من مصاديق كبرى الترجيح بالأهمّية كما سيأتي.

و عليه، يكون هذا المقام صغرى لهذه الكبرى، و لا يكون مرجحا بنفسه.

نعم عقد عنوان ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل، تكون فائدته التنبيه على نكتة وجود رابط كلي يلازم دائما الترجيح بالأهمية، و هي نكتة إنّ أحد الواجبين المتزاحمين، «ما له بدل و ما ليس له بدل». هذه النكتة تكون مستوجبة لاحتمال الأهمّية، و هي تؤدي إلى أن يكون احتمال الأهمية في ما ليس له بدل أكبر من احتمال الأهمية في ما له بدل.

و وجه هذا البرهان مبني على نكتة أنّ كل كميتين في حساب الاحتمال، لا علم لنا عن حدود كل واحدة منهما، بحيث كان أيّ احتمال يصدق على إحدى‏

46

الكميتين يمكن أن يصدق على الأخرى، و ذلك كما لو كان عندنا حقيبتان، لا نعلم مقدار ما فيهما من النقود، حينئذ كل احتمال يرد على واحدة منهما، يكون واردا على الأخرى. فإحتمال أن يكون في إحداهما نصف ما في الحقيبة الأخرى يوازيه احتمال أن يكون في الأخرى نصف ما في الأولى، لكن إذا وجد عامل احتمال في إحدى الحقيبتين أو الكميتين، لا يوازيه عامل احتمال في الكمية الأخرى، حينئذ يكون الاحتمال فيما وجد فيه العامل، أكبر من الاحتمال فيما لم يوجد فيه العامل.

و هذا يوجب امتياز ما وجد فيه العامل على ما لم يوجد فيه، و بالتالي امتياز إحدى الكمّيتين على الأخرى، و تفصيل هذا القانون بتمامه موكول إلى كتاب (الأسس المنطقية للاستقراء) (1).

و هذه النكتة و هذا القانون نفترضه أصلا موضوعيا عاما، نطبّقه على محل الكلام هنا، فإنّه في محل الكلام هنا يوجد عندنا واجبان متزاحمان هما: «الإزالة»، و ليس لها بدل، و «الصلاة»، و لها بدل هو الصدقة.

إذن فكمّية من الملاك قائمة «بالإزالة»، و كميّة منه قائمة «بالصلاة»، و كل منهما كميته توازي الكميّة الأخرى.

لكن يوجد عامل احتمالي واحد في جانب ما ليس له بدل:

و هذا العامل لا يقابله شي‏ء فيما له بدل، و بهذا تكون قيمة احتمال الأهمية في ملاك ما ليس له بدل، كالإزالة، أكبر من قيمة احتمال الأهمية في ملاك ما له بدل، «كالصلاة»، لأنّ كلا من الملاكين فيه ثلاث احتمالات:

أ- احتمال كون هذا الاحتمال أقوى من ذاك، و يقابله في الآخر احتمال مثله.

____________

(1) الأسس المنطقية للاستقراء- الشهيد الصدر- ص 157.

47

ب- احتمال كون هذا الاحتمال أضعف من ذاك، و يقابله في الآخر احتمال مثله.

ج- احتمال كون هذا الاحتمال مساويا لذاك، و يقابله في الآخر احتمال مثله. و هذا الاحتمال الأخير، أي: احتمال التساوي بينهما في الملاك، يصبّ في صالح ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل، لأنّهما في فرض التساوي، يكون جزءا من الملاك الذي له بدل، مستوفى في الصدقة، لحصول العجز الشرعي عن الصلاة في صورة الاشتغال بالإزالة، أي: بما ليس له بدل، و الذي لا يقل أهمّية عمّا له بدل.

بينما لا يكون قد استوفي من ملاك الإزالة شي‏ء، لأنّ الإزالة لا بدل لها حسب الفرض.

و هذا معناه: إنّ احتمال الأهميّة في الملاك الذي سوف يفوت كله لو «صلّى و لم يزل» أكبر من احتمال الأهميّة في الملاك الذي سوف يفوت، لو «صلّى و لم يزل».

و هذا يعني زيادة القيمة الاحتمالية لملاك ما ليس له بدل، فيكون احتمال الأهميّة فيما ليس له بدل، أكبر من احتمال الأهمية فيما له بدل، فيقدّم عليه باعتبار مرجّحية الأهمية.

و إن شئت قلت: إنّ احتمال التساوي بينهما في أهميّة الملاك يصب في صالح ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل، لأنّه في فرض التساوي تكون بدلية البدل ثابتة فيستوفى بها جزء من ملاك ما له بدل في صورة الاشتغال، بما ليس له بدل الذي لا يقل عنه أهميّة.

و هذا يعني: أنّ التزاحم، بحسب الحقيقة، واقع بين تمام الملاك فيما ليس له بدل، و بين جزء من ملاك ما له بدل، و هو الجزء الذي فات بترك الصلاة و استعيض عنه بالصّدقة.

و بهذا يكون ما ليس له بدل أهم ملاكا، و هذا معنى وجود عامل‏

48

احتمالي لامتياز كميّة الاحتمال في الملاك الذي ليس له بدل غير موجود في ملاك ما له بدل.

و حينئذ، بمقتضى حساب الاحتمالات، تزداد القيمة الاحتمالية لملاك ما ليس له بدل، فيقدم و يترجح على ما له بدل في مقام التزاحم.

* المحاولة الثانية، هي: إنّ المقام من صغريات المرجح الأول، و هو كون المشروط بالقدرة العقليّة، مقدّما على ما اشترط فيه القدرة الشرعية.

و حينئذ يقال: إنّه يستظهر أنّ ما ليس له بدل أخذ فيه القدرة العقلية، و يستظهر أنّ ما له بدل أخذ فيه القدرة الشرعية، و العقلية مقدّمة على الشرعية، فهذه كبرى، و صغرى.

و قد تقدم الكلام عن الكبرى، و مدى صحتها سابقا، عند الكلام عن المرجّح السابق.

و أما الكلام عن الصغرى، و هي كون ما ليس له بدل مشروطا بالقدرة العقلية، بمعنى أنّ القدرة لا تكون دخيلة في ملاكه، فيقال في توجيه ذلك:

إنّ القدرة لم تؤخذ في لسان دليل ما ليس له بدل، لا تصريحا و لا تلميحا، فتكون القدرة بالنسبة إليه عقلية، و إنّما غاية ما يقتضيه ذلك، هو كون القدرة فيه مأخوذة في مقام الحكم و الباعثية دون الملاك.

و أما بالنسبة إلى الخطاب الذي جعل فيه بدل، فقد أخذت القدرة قيدا في لسان دليله، فهي قدرة شرعية، لأنّ دليل البدلية أخذ في موضوعه عدم القدرة على المبدل، «الصلاة» و حيث أنّ موضوع الأمر بالبدل «الصدقة» نقيض موضوع الأمر بالمبدل، إذن لا بدّ أن يكون دليل البدليّة مساوقا أو هو مقتضيا لتقييد إطلاق دليل المبدل، «الصلاة»، و ذلك بأخذ القدرة في موضوعه، لئلا يلزم اجتماع خطاب البدل، و خطاب المبدل على المكلف الواحد.

49

و هذا، كما ترى، مساوق لتقييد دليل وجوب المبدل بالقدرة عليه، و هذه هي القدرة الشرعية.

و الحاصل: إنّ دليل البدليّة يدل بالمطابقة على أخذ العجز عن المبدل في موضوع خطاب البدل، و يدل بالملازمة على تقييد دليل المبدل بأخذ القدرة في موضوعه، فتكون القدرة المأخوذة في موضوع ما له بدل قدرة شرعيّة، و قد عرفت أنّ القدرة المأخوذة في موضوع ما لا بدل له عقلية.

و عليه، فيقدّم ما لا بدل له، على ما له بدل، لأنّ المشروط بالقدرة العقلية يقدّم على المشروط بالقدرة الشرعية، كما عرفت ذلك في المرجح الأول.

و بهذا يكون المقام من صغريات المرجح الأول.

إلّا أنّ هذه المحاولة غير تامة لورود عدة أمور عليها:

1- الأمر الأول هو: ما تقدم سابقا، من أنّ خطاب ما لا بدل له، مقيّد بالقدرة و لو بحكم العقل، و بعد تقييده، لا مجال لإثبات ملاكه في صورة العجز، كما عرفت، و إذا لم يمكن إثبات ملاكه، فلا يتم ما ذكر من أنّ القدرة فيه عقلية، و غير دخيلة في ملاكه، كي يكون ذلك موجبا لتقديمه على ما له بدل.

2- الأمر الثاني و هو المهم، و حاصله هو: إنّه لو أغمضنا عن الأول، و سلّمنا بأنّ القدرة المأخوذة في موضوع خطاب ما لا بدل له، عقلية، و غير دخيلة في ملاكه، إلّا أنّنا نقول: إنّ دليل البدليّة لا يفيد في جعل خطاب ما له بدل مقيّدا بالقدرة الشرعية.

و ما ذكروه في وجه ذلك غير تام، و ذلك لأنّ المولى، إن أخذ في موضوع هذا الخطاب، القدرة بلسان المخصّص المتصل، فحينئذ يتم ما ذكر، إلّا أنّ المفروض أنها أخذت بلسان المخصص المنفصل، فإنّ خطاب الصلاة مطلق في نفسه، و المقيّد الذي وجد، و هو دليل البدلية، مقيّد

50

منفصل، و هذا المقيد يقتضي التقييد بمقدار يرتفع به اجتماع خطاب البدل و المبدل على مكلّف واحد، و يكفي في رفع ذلك تقييد خطاب المبدل بلحاظ مرحلة الحكم، و لا موجب لرفع اليد عن إطلاقه بلحاظ مرحلة الملاك، فإنّه قد استقرّ إطلاقه فيه بنفسه، فيكون حجة فيه بأحد التقريبين السابقين، أي إنّنا نثبت الملاك إمّا بالدلالة الالتزامية، أو بإطلاق المادة، كما عرفت سابقا.

و عليه، فلا موجب لكون خطاب ما له بدل، مشروطا بالقدرة الشرعية، بمعنى دخالة القدرة في ملاكه.

و بهذا تبطل هذه المحاولة، و لا يكون هذا المقام من صغريات المرجح الأول، بل يكون من صغريات الترجيح بالأهمّية الآتي كما ادّعي في المحاولة الأولى.

و قبل أن ننتقل إلى المرجح الثالث لا بدّ من التعرض إلى بحثين مربوطين بالمرجح الأول:

1- البحث الأول هو: إنّه بعد الفراغ عن كبرى هذا المرجح، لكن حيث أنّ أحد الخطابين المزاحمين يكون مشروطا بالقدرة الشرعية تارة و الآخر مشروطا بالقدرة العقلية أخرى، فتارة يكون الاشتراط بإحدى القدرتين معلوما في كلا الطرفين، و أخرى يكون مشكوكا في كلا الطرفين، و ثالثه يكون معلوما في أحدهما دون الآخر.

فهنا صور لا بدّ من استعراضها لمعرفة أنّ هذا، هل يقتضي الترجيح في كل الصور، أو لا؟.

1- الصورة الأولى هي: أن تحرز بطريق «ما» أنّ خطاب «أزل» مشروط بالقدرة العقلية، و خطاب «صلّ» مشروط بالقدرة الشرعية، و هذه الصورة هي القدر المتيقن لتطبيق كبرى هذا المرجح، فيقدّم ما شرط بالقدرة العقلية على ما شرط بالقدرة الشرعية.

51

2- الصورة الثانية هي: أن لا نحرز هذا و لا ذاك، أي: إننا لا نحرز كون هذا الخطاب مشروطا بالقدرة الشرعية، و لا نحرز كون ذاك الخطاب مشروطا بالقدرة العقلية.

و مثل هذا، يكون القدر المتيقن لعدم انطباق هذا المرجح، فلا معنى لإعماله، و تقديم أحدهما على الآخر.

3- الصورة الثالثة هي: أن نحرز أنّ خطاب «صلّ» مشروط بالقدرة الشرعية، و لكن لا نحرز أنّ خطاب «أزل» ما حاله، أ شرعية القدرة فيه، أو عقلية؟

في مثل هذه الصورة، لا موجب للتقديم، لأنّه لو فرض أنّه «أزال» و لم «يصلّ» إذن، فقد أحرز أنّه لم يفوت ملاكا، لأنّه استوفى الإزالة، و خطاب «صلّ» مشروط بالقدرة الشرعية.

و لو فرض أنّه «صلّى» و لم «يزل»، فهنا يحتمل أن يكون قد فوّت ملاكا، إذن فيقع في المحذور دون الشقّ الأول، فيكون الشقّ الأول خاليا من المحذور، دون الشق الثاني.

و حينئذ يقدّم الخالي من المحذور على الواجد للمحذور.

إلّا أنّ هذا التقريب غير صحيح، و إنّما الصحيح هو عدم تطبيق هذا المرجح بالنسبة لهذه الصورة، و ذلك لأنّ ما ذكرناه من أنّه لو «أزال و لم يصلّ» فلا محذور، بينما لو «صلّى و لم يزل» فهو يحتمل المحذور، فهذا صحيح، إلّا أنّ احتمال المحذور المذكور غير منجّز، لأنّ مرجعه إلى الشك في سعة دائرة ملاك الإزالة، و أنه هل هو ثابت حتى حال الاشتغال بواجب آخر، أو أنّه غير ثابت في هذا الحال؟.

و هذا كالشك في سعة دائرة التكليف، يكون مجرى لأصالة البراءة، و مع جريان البراءة لا يبقى محذور ليقال: بأنّ الأمر يدور بين ما لا محذور

52

فيه، و بين ما يحتمل وجود المحذور فيه، فإنّ احتمال وجوده موجود وجدانا، إلّا أنّه منفي تعبدا بأصالة البراءة.

فالصحيح عدم تطبيق هذا المرجح في هذه الصورة.

4- الصورة الرابعة هي: أن نحرز أنّ القدرة في خطاب «أزل» عقلية، لكن لا ندري نوع القدرة في خطاب «صلّ».

و في مثل ذلك يطبّق هذا المرجح، فيقدم خطاب «أزل»، على خطاب «صلّ».

و الوجه في ذلك هو أنه لو «أزال و لم يصلّ» فلا يعلم بتفويت ملاك على المولى، لأنّ ملاك الإزالة قد استوفاه، و أمّا ملاك «الصلاة» فلم يجزم بأنّه فعلي حتى لحال الاشتغال بالإزالة، لاحتمال كون القدرة في الصلاة شرعية، بينما إذا «صلّى» و لم «يزل»، فهنا يجزم بأنّه فوّت ملاكا على المولى، و هو ملاك الإزالة، لأنّ ملاكها تام، و حيث أنّ القدرة فيها عقلية، فملاكها فعلي، حتى في حال الاشتغال بالصلاة.

إذن فأصل ملاك الإزالة معلوم، فلا يكون مجرى للبراءة كما في الصورة السابقة.

فمرجع الشك في هذه الصورة الرابعة، إلى أنّ الاشتغال «بالصلاة» هل يكون معذّرا عن تفويت ملاك «الإزالة» المعلوم، أو لا يكون معذرا؟ و هذا مورد لأصالة الاشتغال كما هو واضح.

و بهذا يتحصّل: إنّ ميزان تطبيق المرجح الأول، هو أن نحرز أنّ أحد الخطابين مشروط بالقدرة العقلية، سواء أحرزنا أنّ الخطاب الآخر مشروط بالقدرة الشرعية حتى يكون من الصورة الأولى، أو لم نحرز ذلك حتى يكون من الصورة الرابعة.

2- البحث الثاني هو: في كيفية إحراز نوع القدرة في كل خطاب، و إنّها عقلية أو شرعية فيقال:

53

تارة يدل دليل الخطاب و لسانه على أنّ القدرة المأخوذة في الخطاب شرعيّة، كما لو قال المولى: «صلّ إن لم يوجد أمر بالخلاف»، فهذا الدليل يستنتج منه أنّ القدرة المأخوذة في الصلاة شرعية بالمعنى الثالث للقدرة الشرعية، كما تقدّم، لأنّ طبع التكليف لا يستدعي عقلا عدم وجود أمر بالخلاف، فتقييد المولى لخطاب «صلّ»، بعدم وجود أمر بالخلاف، ليس له أيّ وجه إلّا دخالة ذلك التقييد في ملاكه، و هذا معنى القدرة الشرعية، و حينئذ فإذا لم يكن مثل هذا القيد مأخوذا في خطاب «أزل» فلا تكون القدرة المأخوذة فيه شرعيّة، بل تكون عقلية فيكون هذا من الصورة الأولى لأنّا علمنا أنّ القدرة في خطاب «أزل» عقلية، و في خطاب «صلّ» شرعية، و حينئذ فيقدم خطاب «أزل» على خطاب «صلّ».

و تارة أخرى، يفرض أنّ القدرة الشرعية لم تؤخذ في خطاب «صلّ» بالمعنى الذي تقدم، فهنا صورتان:

1- الصورة الأولى هي: أن يفرض أنّ القيد اللبّي، و هو عدم الاشتغال بالضد الواجب المساوي أو الأهم، قد أخذ في لسان الشارع في أحد الخطابين دون الآخر.

2- الصورة الثانية هي: أن يفرض أنّه لم يؤخذ هذا القيد في لسان الشارع في كلا الخطابين، أو أنّه أخذ فيهما على نحو واحد.

و في هذه الصورة الثانية لا يمكن تطبيق هذا المرجح، لأنّ كلا الخطابين على نحو واحد.

و أمّا في الصورة الأولى، و هي ما لو أخذ هذا القيد في أحد الخطابين دون الآخر، كما لو فرض أن أخذ في خطاب «صلّ» دون خطاب «أزل».

فهنا، يمكن أن يقال: بأنّ هذا يصير من الصورة الأولى السابقة، و هي ما لو علمنا بأنّ أحد الخطابين مقيّد بالقدرة الشرعية، و الخطاب الثاني مقيّد بالقدرة العقلية، باعتبار أنّ خطاب «صلّ» الذي فرض تقييده بهذا القيد، تكون القدرة فيه شرعية.

54

و حينئذ، فيقدم خطاب «أزل» على خطاب «صلّ.

إلا أنّ تماميّة هذا القول تتوقف على التسليم بأمرين:

أ- الأمر الأول هو: أن نستظهر من تصدّي المولى لتقييد خطاب «صلّ». بهذا القيد، إنّه قيد للملاك كي تكون القدرة شرعية.

ب- الأمر الثاني هو: أن تقول: بأنّ إطلاق الخطاب الآخر، و هو خطاب «أزل». إطلاقه لحال العجز باعتبار عدم تقييده بالقدرة ساقطا في مرحلة الجعل، إلّا أنّه ثابت في مرحلة الملاك بأحد التقريبين السابقين، أعني، إثباته بالدلالة الالتزامية، أو إثباته بواسطة إطلاق المادة، و بهذا نحرز أنّ خطاب «أزل» تكون القدرة فيه عقلية، باعتبار عدم دخالة القدرة في ملاكه.

فإذا تمّ هذان الأمران، يصير المقام من الصورة الأولى السابقة، فيقدم خطاب «أزل»، لأنّ القدرة فيه عقلية، على خطاب «صلّ» لأنّ القدرة فيه شرعية.

و أمّا إذا لم نسلّم بهذين الأمرين، فهذا تحته شقوق ثلاثة:

أ- الشق الأول هو: أن لا نسلم بالأمر الأول بينما نسلم بالأمر الثاني، يعني لا نسلم بأنّ تصدّي المولى لأخذ القيد، دليل على دخالة القيد في الملاك، لتكون القدرة شرعية، بينما نسلّم بأنّه يمكن إثبات الملاك بعد سقوط الخطاب، إمّا بإطلاق المادة، أو بالدلالة الالتزامية.

ففي مثل ذلك يكون المقام من مصاديق الصورة الرابعة، لأنّا نحرز حينئذ أنّ القدرة في خطاب «أزل»، عقليّة، لثبوت الملاك حتى لحال العجز، و نشك في أنّ القدرة في خطاب «صلّ» شرعية أو عقلية. و في مثل ذلك يقدم خطاب «أزل»، كما عرفت.

ب- الشق الثاني هو: أن نسلم بالأمر الأول، و ننكر الثاني، و هذا