بحوث في علم الأصول - ج7

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
576 /
3

تنويه:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد: فهذا هو الجزء السابع من كتابنا «بحوث في علم الأصول» و قد استوعبت أجزاؤه السبعة جميع مباحث الدليل اللفظي، ابتداء من مبحث تعريف هذا العلم، و انتهاء بمبحث المجمل و المبين، و به تمّت دورة كاملة في مباحث الألفاظ، استفدتها خلال تشرفي بحضور درس سيدي و أستاذي الشهيد السعيد آية اللّه العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدّس اللّه سرّه الشريف).

و إني و إن كنت قد استوعبت وقتي كلّه حلقات التدريس في معهد الشهيد الأول للدراسات الإسلامية، و أعمال المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، و إدارة المحاكم الشرعية، مضافا إلى أعمال الدعوة و التبليغ و العلاقات الاجتماعية الأخرى، لكن أخيرا وفقني اللّه تعالى لإعادة النظر فيما كنت قد كتبته من هذه الدروس في النجف الأشرف، لإعداده و طبعه و عرض آخر ما انتهى إليه الفكر الأصولي من خلال هذه المدرسة الأصولية اليتيمة، و التي أقام أركانها و شيّد بنيانها هذا المعلم الرباني الشهيد الصدر.

فلا عجب أن تحتوي على جليل الأفكار و المباني العلمية الدقيقة مما

4

يجعلها بحق تجديدا في هذا الفن، و تطورا عظيما لمناهج هذا العلم و مضامينه.

فسلام اللّه عليك يا سيدي أيها المعلم العظيم، حيث كنت علما لا تضاهى، يهتدى بك في كل مفردات المعرفة، كما ستبقى مدرستك الخالدة ترسم للأجيال معالم الطريق إلى الحقيقة التي جاهدت بعقلك و دمك من أجلها، حتى استشهدت في محراب عقيدتك و رسالتك.

فسلام عليك يا سيدي: يوم جاهدت، و يوم استشهدت، و يوم تبعث حيّا، و نسأل المولى أن يوفقنا لاتباع نهجك، و اللحوق بقافلتك، و الاجتماع بخدمتك في مستقر رحمته مع الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.

حسن عبد السباتر

بيروت 1415 هجرية

5

«العام و الخاص»

و البحث فيهما في فصول‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الأول في العام‏

و يبحث فيه عن جهتين:

1- الجهة الأولى: في تعريف العموم و أقسامه:

و قد عرّفه صاحب الكفاية (1) (قده) بأنه عبارة عن شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه من الأفراد.

[التعريف‏]

و تحقيق الحال في هذا التعريف يكون من خلال عدة نقاط.

1- النقطة الأولى: هو، انّ الشمول، تارة يستفاد من مرحلة المدلول اللفظي للدليل‏

كما في قوله: «أكرم كل عالم»، حيث يستفاد من لفظ «كل»- بناء على وضع كلمة «كل» لغة للاستيعاب-. و أخرى يستفاد من الإطلاق و مقدمات الحكمة كما في قوله: «أكرم العالم»- بناء على أن المفرد المعرف باللام لا يفيد العموم، و لذلك يسمّى لفظ «العالم» هنا مطلقا لا عاما. و عليه، لا يصح حينئذ القول بأنّ العموم هو الشمول بنحو مطلق، لأنّه حينئذ يشمل المطلق، إذن، فلا بدّ من تقييده بالشمول المستفاد من اللفظ، و عليه:

فإطلاق الشمول في تعريف صاحب الكفاية (قده) ليس في محله.

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني- ج 1- ص 331- 332.

8

و بتعبير آخر يقال: إنّ الاستيعاب تارة يستفاد من مرحلة المدلول اللفظي للدليل كما في المثال المتقدم- بناء على وضع كلمة «كل» لغة للاستيعاب-.

و أخرى يستفاد من مرحلة التحليل العقلي، و نقصد بها، مرحلة تطبيق العنوان على معنونه خارجا، كما في قوله: «أكرم العالم»، حيث أنّ اللفظ لا يدل وضعا و لغة على أكثر من جعل الحكم على طبيعي العالم بحسب مرحلة الجعل، إلّا أنه بلحاظ الخارج و مرحلة المجعول يطبّق الحكم على كل مورد يتحقق فيه العالم خارجا.

و العموم هو النوع الأول من الاستيعاب لا الثاني.

2- النقطة الثانية: هي انّ الشمول و الاستيعاب المدلول للفظ وضعا،

تارة يفاد بنحو المفهوم الاسمي، كما لو قال: «أكرم كل عالم»، و هكذا، «جميع، و كافة، و عموم». و غيرها من الألفاظ الموضوعة لغة لنفس معنى الاستيعاب و الشمول و العموم، فإنّ كلّ واحدة منها تعامل معاملة الاسم، كجعلها مبتدأ في الجملة.

و أخرى يفاد الشمول و الاستيعاب بنحو المعنى الحرفي، كما في «هيئة الجمع المحلّى باللام»، بناء على أنّ الجمع المعرّف باللام يفيد العموم، و حينئذ تكون اللام دالة على النسبة الاستيعابية، كما في قوله: «أكرم العلماء».

و في مقام تطبيق تعريف صاحب الكفاية (قده) يقال: إنّه قد استفيد استيعاب العالم لجميع أفراده بقرينة «كل» كما في المثال الأول، و بقرينة «اللام»، كما في المثال الثاني، إذ انّ لفظ عالم و علماء قد يلحظان مرآة لتمام أفرادهما، و قد يلحظان مرآة لبعض أفرادهما.

و لفظة «كل» و «اللام» تدلان على أنه أريد منهما تمام أفرادهما التي يصلح انطباق المفهوم عليها، فعموم عالم معناه استيعابه و شموله لجميع ما يصلح انطباقه عليه.

9

و إن شئت قلت: إن الاستيعاب المدلول للّفظ وضعا، تارة: يكون مفادا بنحو المعنى الاسمي كما في، كل، و جميع، و كافة، و عموم و نحوها من الألفاظ الموضوعة لغة لنفس معنى الشمول و الاستيعاب و العموم و ذلك بدليل أنها تعامل معاملة الاسم كجعلها مبتدأ في الكلام. و أخرى يكون هذا الشمول مفادا بنحو المعنى الحرفي، كما هو في هيئة الجمع المحلّى باللام، بناء على دلالتها على الشمول و الاستيعاب. إذ انّها كغيرها من الهيئات و الأدوات، فقد وضعت لمعان غير مستقلة، إلّا انّ هذا الكلام غير تام. فإن هذا التعريف يحتمل فيه أحد وجهين.

أ- الوجه الأول: هو أنه إذا كان الاستيعاب مفادا بنحو المعنى الاسمي،

فإنّ تعريف صاحب الكفاية للعموم لا يتم بذلك.

بل ينبغي أن يقال في تعريفه، بأنّ العموم هو استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر، حيث يلحظ المفهوم الواحد مرآة لتمام أفراده، كما لو لوحظ مفهوم «العالم» فانيا في تمام أفراده بنحو الشموليّة و البدليّة، فيكون العام دالّا وضعا على أنّ المفهوم قد لوحظ بهذا النحو.

و قد أوضحنا في مبحث الوضع، أنّ كل مفهوم منتزع عن الطبيعة، لا يعقل أن يرى به إلّا ذات الطبيعة، و لا يمكن أن يرى به كثرة أفراده، فمفهوم «عالم» لا يرى به إلّا ذات الطبيعة، و لا يمكن جعله عنوانا للكثرة ليرى به كثرة الأفراد، و كذا مفهوم الكثرة، لا يمكن أن يرى به إلّا ذات الطبيعة- «الكثرة»-، لكن إذا أضيف مفهوم الكثرة إلى مفهوم آخر، كمفهوم «عالم» مثلا، حينئذ، يكون مفهوم الكثرة حاكيا عن أفراد مفهوم «العالم» و مستوعبا له.

و من هنا، قلنا في بحث «الوضع»، إنّه يستحيل الوضع العام، و الموضوع له الخاص من دون استعمال مفهوم زائد على الطبيعة التي يراد وضع اللفظ بإزاء أفرادها.

و مفهوم الكثرة، من جملة الطبائع التي ينتزع عنه مفاهيم متعددة، كمفهوم «كل»، و «عامة»، و «كافة»، و «جميع»، و هي و إن كان حالها حال‏

10

سائر المفاهيم الأخرى التي لها أفراد متعددة، من حيث انّه لا يمكن أن يرى بها كثرات متعددة، بل يرى بها نفس طبيعة الكثرة، إلّا انّها بإضافتها إلى مفهوم آخر تفصيلي كمفهوم «العالم» مثلا، فإنّها ترينا أفراد ذلك المفهوم، فإنه بالإضافة إليها، يستفاد كثرة ذلك المفهوم التفصيلي و أفرادها، فإذا قيل «أكرم كل عالم»، فهنا مفهوم «عالم» لا يرينا إلّا ذات طبيعة العالم، و مفهوم «كل»، يرينا طبيعة الكثرة و الاستيعاب، فإذا أضيف «كل» إلى «عالم»، تكون حاكية عن أفراد مفهوم «العالم» و مستوعبة لها، و حينئذ، يكون الأصح هو:

أن يقال: بأنّ العموم هو استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر، و لا يصح ما ذكره في الكفاية، من أنّ العموم هو، استيعاب المفهوم لجميع أفراد نفسه أو ما يصلح انطباقه عليه.

نعم يمكن أن يقال: بأنّه لو لوحظ المفهومان كمفهوم واحد مسامحة، أمكن انطباقه على التعريف المذكور.

ب- الوجه الثاني: هو أن يكون المقصود من استيعاب المفهوم لأفراد نفسه، نسبة استيعابية في مرحلة المدلول اللفظي،

قائمة بين المفهوم و أفراده، كما في قوله: «أكرم العلماء»، فإنّ هذا يستدعي دوالا ثلاثة في مرحلة اللفظ هي: مادة العلماء، الدالة على طبيعة العالم- و هيئة الجمع، الدالة على الأفراد بالجملة لدلالتها على الثلاثة فصاعدا و اللّام الدالة على النسبة الاستيعابية بينهما، كما هو الحال في كل معنى اسمي كما سيأتي توضيحه عند الكلام عن الجمع المحلّى باللام- بناء على إفادته العموم- و لذلك يختص هذا الوجه من تفسير العموم، بنحو المعنى الحرفي لا الاسمي، فإنّه إذا كان الاستيعاب مفادا بنحو المعنى الاسمي كما في «كل، و جميع، و كافة»، فإنّه يكون ذاتيا للمفهوم المستوعب، كما في «كل عالم» و لا يحتاج إلى أكثر من دالين، و هما «كل، و عالم»، و أمّا إذا كان الاستيعاب مفادا باللّام، فلا يكون ذاتيا، و يحتاج إلى دال ثالث و هو، اللّام في قوله: «أكرم العلماء»، كما ستعرف توضيحه في بحث دلالة الجمع المحلّى باللّام على العموم و عدمه.

فالصحيح هو، أن يقال في تعريف العموم: إنّه عبارة عن استيعاب‏

11

مفهوم وضعا لأفراد مفهوم آخر، سواء كان الاستيعاب ذاتيا للمفهوم المستوعب- بالكسر- أو بدال ثالث مثلا.

3- النقطة الثالثة: هي في أقسام العموم،

و قد قسّم إلى ثلاثة أقسام.

1- القسم الأول: هو العام الاستغراقي،

و هو أن يكون حكم العام مشتملا على أحكام عديدة بعدد أفراده، أو قل: هو، أن يكون الحكم فيه شاملا لجميع الأفراد في عرض واحد، فتكون موضوعيّة كل فرد للحكم، في عرض موضوعيّة سائر الأفراد.

2- القسم الثاني: هو أن يكون العام مشتملا على أحكام عديدة، بعدد أفراده،

لكن تكون موضوعيّة كل فرد للحكم، ملحوظة على نحو البدليّة، أي أنّ حكم العام، يكون شاملا لجميع الأفراد على نحو البدل، لا في عرض واحد.

و هذا يعني، أنّ حكم العام فيه، مرجعه إلى ثبوت الحكم للجامع، كما ستعرف بيانه إن شاء اللّه تعالى.

3- القسم الثالث: هو أن يكون حكم العام فيه، مشتملا على حكم واحد تعلّق بمجموع الأفراد الملحوظة،

بما هي مركّب واحد، فيثبت حكم العام على جميع الأفراد، و كأنها موضوع واحد مركب، له حكم واحد.

و في مقام تحقيق هذا التقسيم، نستعرض ثلاث نظريات:

[النظريات الثلاث‏]

1- النظرية الأولى: و هي لصاحب الكفاية (1) (قده)،

فإنه يدّعي فيها وحدة معنى العموم في هذه الأقسام الثلاثة، من الاستيعاب و الشمول، و أمّا خصوصيّة الاستغراقية، أو البدلية، أو المجموعية فهي خارجة عن العموم بما هو عموم، و تابعة لكيفيّة تعلق الحكم بموضوعه من كونه في عرض واحد، أو على سبيل البدل، أو كونه حكما واحدا و إن شئت قلت: إنّ صاحب‏

____________

(1) كفاية الأصول- الخراساني- ج 1- ص 332.

12

الكفاية يرى أن العام بما هو عام لا ينقسم إلى هذه الأقسام، لأن العموم معناه الشمول و الاستيعاب، و هذا يكون على نحو واحد. و أمّا خصوصية، الاستغراقية، أو البدلية، أو المجموعية، فهي حالات لكيفية تعلق الحكم بالعام بعد فرض الاستيعاب. إذ ان الحكم، تارة يتعلق بالأفراد على نحو يختص كل فرد بحكم في عرض ثبوت الحكم السائر الأفراد، و هذا هو العموم الاستغراقي. و أخرى، يتعلق بكل فرد على نحو البدلية، و هذا هو البدلي، و ثالثة يثبت حكم واحد لجميع الأفراد بما هي مركب، و هذا هو المجموعي.

و هذه النظرية غير تامة، لأنها اعتبرت أن هذه الخصوصيات من شئون طرو الحكم، و في مرحلة لاحقة له، مع أنه لا إشكال في كون البدلية و الاستغراقية، حالتين للعموم في مرتبة سابقة على طرو الحكم. أي في مرحلة المدلول التصوري و قبل الوصول إلى الحكم، حيث نرى بالوجدان، الفرق بين قولنا: «جميع الأشياء»، و قولنا: «أحد الأشياء»، فإنّ هنا في المثالين صورتين متغايرتين، فالاستغراقيّة في المثال الأول، و البدليّة في الثاني، بقطع النظر عن تعلق أيّ حكم بهما.

و أمّا الفرق بين العموم الاستغراقي، و المجموعي، فسوف يتضح عند مناقشة النظرية الثانية التي تشارك نظريّة صاحب الكفاية (قده) في خصوص هذا الجزء، أي في كون المجموعيّة و البدليّة، و الاستغراقيّة، من شئون كيفيّة تعلق الحكم.

2- النظرية الثانية: و هي للمحقق العراقي‏ (1) (قده)،

و قد بحث فيها نقطتين، الأولى: في بيان الفرق بين الاستغراقية و البدلية، و الثانية، في بيان الفرق بين الاستغراقية و المجموعية.

1- النقطة الأولى: فقد ذكر فيها، انّ الفارق بين البدلية و الاستغراقيّة خارج عن مدلول أداة العموم،

فهما، ليستا من شئون الحكم، تماما كما ذكر

____________

(1) مقالات الأصول- العراقي- ج 1- ص 146.

13

في الكفاية، و إنّما هما خصوصيّتان تابعتان لكيفيّة ملاحظة مدخول أداة العموم، حيث أنّه، إن كان مدخولها نكرة، تعيّن أن يكون العموم بدليا، لأنّ التنكير ناشئ من أخذ قيد الوحدة فيه، و معه لا يعقل شمولها لجميع أفرادها في عرض واحد، و إلّا كان خلف أخذ قيد الوحدة فيه.

و هكذا إذا كان مدخول أداة العموم اسم جنس دلت أداة العموم على الاستغراقية، و تعيّن أن يكون العموم استغراقيا، لأن مفهوم الجنس في حالة استيعابه لأفراده إنما يستوعب كل أفراده في عرض واحد.

و هذه النقطة غير تامة، لأن العموم لا يصح أن يفترض أنّه عبارة عن استيعاب مفهوم لأفراد نفسه ليصح ما قاله، و إنّما هو عبارة عن استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر.

أو قل: إنما هو عبارة عن استيعاب مفهوم لتمام أفراد مدخوله بنحو الشموليّة أو البدليّة و لو كان منكّرا، فكون المدخول قد أخذ فيه قيد الوحدة أو، لا، لا ينافي استيعاب الأداة لتمام أفراد الآحاد بنحو الشمول أو استيعابها لها على نحو البدل، فإنّ ما يراد كونه مستوعبا هو مفهوم، «كل»، نفسه لا نفس المدخول، ليلزم المحذور، فتقول: «كلّ واحد من العلماء»، أو «كل عالم»، بناء على أنّ تنوينها للتنكير، و كذلك تقول: «أيّا من العلماء»، رغم أنّ مدخولها ليس منكّرا.

2- النقطة الثانية: فقد ذكر فيها ان المجموعية و الاستغراقية من شئون كيفية تعلق الحكم،

كما ذهب صاحب الكفاية (قده)، فإن كان الحكم واحدا كان العام مجموعيا، و إن كان متعددا كان العام استغراقيا، و هذه النقطة غير تامة أيضا، لأنه ان كان المراد من وحدة الحكم و تعدده، وحدته و تعدده في عالم الجعل، ففيه ان الحكم في عالم الجعل واحد حتى في العموم الاستغراقي. و إن كان المراد، وحدته و تعدده في عالم المجعول، ففيه حينئذ أنه لا بدّ من فرض فرق بين موضوع الحكم في العام المجموعي، و موضوع الحكم في العام الاستغراقي في مرحلة سابقة على تعلق الحكم، و إلّا لزم أن‏

14

يكون العموم استغراقيا دائما و ذلك لأن إنشاء الوجوب على الطبيعة على وجه كلي و إن كان واحدا من حيث الجعل، لكن من حيث المجعول ينحل إلى أحكام بعدد أفراد الطبيعة و معه يكون استغراقيا. فلكي لا ينحل و يكون مجموعيا لا بد من إيجاد فرق و إعمال عناية في مرحلة سابقة على الحكم.

و حاصل هذه العناية، هي أن المولى يجعل الأفراد كلها فردا واحدا بالتركيب و بهذا يصبح كل فرد جزء و تتحول الطبيعة الكلية إلى كل ثم يعلق الحكم بهذا المركب، و حينئذ، يكون العموم مجموعيا، و هذا الإشكال يرد على نظرية صاحب الكفاية أيضا.

و إن شئت قلت‏: إن وحدة الحكم، و تعدده الموجب لصيرورة العام مجموعيا أو استغراقيا إن أريد به وحدة الحكم، بمعنى الجعل، فهو واحد فيهما، و إن أريد به وحدة المجعول فمن الواضح أن المجعول تابع في وحدته و تعدده لما جعل موضوعا له.

فإن كان موضوعه واحدا بالنوع و لكنه منحلا إلى أفراد عديدة، فحينئذ يتعدد المجعول، و إن كان موضوعه واحدا بالشخص، بأن لوحظت الأفراد بشكل مركب واحد بحيث كان كل فرد جزء منه، فحينئذ يكون المجعول واحدا لا محالة، إذن، فالوحدة و التعدد في الحكم، تابع لكيفية موضوع الحكم من حيث كونه مجموع الأفراد كمركب واحد أم لا.

3- النظرية الثالثة: و هي المتعيّنة،

و هي ما نتبنّاه، و حاصلها: انّ تقسيم العام إلى هذه الأقسام إنما هو بلحاظ نفس العام، فإن هذه الخصوصيات ترجع إلى الاستيعاب المستبطن داخل العام، فإن كان الاستيعاب لمجموع الأفراد في عرض واحد، فيكون العام استغراقيا، و إن كان الاستيعاب على نحو البدل، فيكون العام بدليا، و هذا في مرحلة المدلول التصوري و قبل طرو الحكم.

هذا فيما يخص التفريق بين البدلي و الاستغراقي.

15

و أمّا فيما يعود للتفريق بين المجموعي و الاستغراقي، فكما عرفت من أن أفراد الطبيعة إذا حولت إلى مركب ثم تعلّق بها الحكم فالعموم يكون مجموعيا و إلّا فاستغراقيا كما مرّ معنا، و الخلاصة: هي أن هذه الأقسام متصورة للعام بما هو عام ثبوتا، فالبدلية في قولك: أيّ عالم، و الشمولية في قولك: كل عالم، مستفادتان من أداة العموم لا من مدخولها، فإنّه واحد فيهما.

4- النقطة الرابعة: و هي في دفع توهم،

إنّ الأعداد من ألفاظ العموم، حيث أنّه ربّما يتصور أن أسماء الأعداد كعشرة من حيث استيعابها لما تحتها من الوحدات، تكون من أدوات العموم. و قد حاول صاحب الكفاية (1) (قده) دفع هذا التوهم، بأن العموم هو استيعاب الأفراد، لا الأجزاء، و الوحدات في أسماء العدد أجزاء لها لا أفراد. و بتعبير آخر يقال: إن لفظ العدد- كعشرة- تارة يلحظ بما هو مضاف إلى طبيعي الرجل كما لو قيل- عشرة رجال- فإن لفظ عشرة لا يستوعب طبيعي الرجل بما له من أفراد، بل تأخذ مقدارا منه، و بهذا اللحاظ لا يأتي التوهم، لأن عدم تحقق الاستيعاب واضح، و أخرى يلحظ بما هو مضاف إلى وحداته، و حينئذ، تكون العشرة مستوعبة لوحداتها بلا شك في ذلك.

و بهذا اللحاظ قد يقال: إنّ العشرة و نحوها من ألفاظ العموم، و قد يجاب على ذلك فيقال: بأن هناك فرقا بين أداة العموم و لفظ العشرة، حيث انّ أداة العموم تقتضي استيعاب المفهوم للأفراد، بينما استيعاب العشرة لوحداتها استيعاب للأجزاء لا للأفراد، حيث انّ كل وحدة جزء لها، و ليست فردا لها.

لكن هذا الجواب غير تام. لأن أداة العموم كما تصلح للاستيعاب الأفرادي، فهي كذلك تصلح للاستيعاب الأجزائي حيث يصح أن يقال:

____________

(1) كفاية الأصول- ج 1- ص 232.

16

تارة، أقرأ كل كتاب، و يقال أخرى، اقرأ كل الكتاب كما هو واضح فالعموم كما عرفت هو الاستيعاب و هو كما يكون بلحاظ الأفراد يكون بلحاظ الأجزاء.

و لكنّ الصحيح في الجواب أن يقال: إنه بناء على ما تقدم من أن العموم هو ما دل على استيعاب أفراد مفهوم آخر، فمن الواضح حينئذ ان أسماء العدد لا تدل على استيعاب أفراد مدخولها، بل على استيعاب أفراد نفسها، فالتعريف لا يكون منطبقا في المقام و أمّا بناء على عدم اعتبار ذلك في التعريف، فإنه أيضا لا تكون أسماء الأعداد من العموم لأنها لا تدل على الاستيعاب أصلا، بل تدل على مفهوم مركب هو العدد، مهما كانت حقيقته، نظير سائر المركبات التي لا يتوهم كونها من العموم في شي‏ء. أمّا حيثية شمول كل عدد لما يحتوي عليه من الوحدات فهي حيثية واقعية في ذلك المفهوم المركب، لا ان الاحتواء و الاستيعاب مدلول للفظ كما هو الحال في أدوات العموم، و يشهد لذلك، دخول أدوات العموم عليها كما تدخل على سائر الطبائع، فيصح أن تقول: أكرم كل عشرة من العلماء، دفعة واحدة، كما تقول: أكرم كل رجل، و أكرم كل العشرة، و اقرأ كل السورة.

و الخلاصة هي أنّ الصحيح أن يقال: إنه بناء على ما سلكناه في تعريف العموم، يكون دفع التوهم واضحا، لأنه في الأعداد لا يوجد مفهومان، أحدهما مستوعب، و الآخر مستوعب ليشمله التعريف. و أمّا بناء على مسلك صاحب الكفاية (قده) في تعريف العموم، فإن دفع التوهم أيضا واضح، لأن الاستيعاب الذي يكون عموما، هو الذي يكون ثابتا في مرحلة المدلول اللفظي للكلام إمّا بنحو المعنى الاسمي، و إمّا بنحو المعنى الحرفي كما عرفت سابقا.

و حينئذ يقال: إنّ عدد عشرة، و إن كان مستوعبا لوحداته، إلّا أن هذا الاستيعاب حكم واقعي للعشرة و ليس مدلولا للفظ عشرة.

و عليه: فلا ينطبق تعريف العموم عليه حينئذ.

5- النقطة الخامسة:

هي انّ العموم و الاستيعاب، تارة يكون بلحاظ

17

الأجزاء، و أخرى يكون بلحاظ الأفراد فهي موضوعة في المقامين لمعنى واحد هو واقع الاستيعاب و لكن الطبع الأولي لأداة العموم المسمّاة، كل، هو الاستغراق الأجزائي، لأن كل، تدل على استغراق تمام الطبيعة المدخولة لها. و بما أن أجزاء الطبيعة ألصق بها من أفرادها، لأن وجدانها لأجزائها أمر ذاتي، بينما وجدانها لأفرادها أمر يحتاج إلى نظر، حينئذ يكون مقتضى الطبع الأولي لها كون الاستغراق فيها أجزائيا، و حينئذ، فصرفه إلى الاستغراق الأفرادي يحتاج إلى قرينة، و يؤيد ذلك، إن ما يقابل لفظ كل، هو لفظ بعض، و بعض لفظة واضحة في التجزئة، فتكون دالة إذن على الاستغراق الأجزائي، لكن هناك ظاهرة ملحوظة في موارد استعمال، كل، و هي انه إذا كان مدخولها معرفا أفادت الاستيعاب الأجزائي، كما في قوله: اقرأ كل الكتاب، أو كل السورة، و أمّا إذا كان مدخولها نكرة، أفادت الاستيعاب الأفرادي كما في قوله: اقرأ كل كتاب، و هذا الظهور لا إشكال فيه، و إنما الكلام في تخريجه و تفسيره.

و قد ذكر المحقق العراقي‏ (1) (قده) تفسيرا عرفيا لذلك الظاهرة.

و حاصلها هو: إنّ الأصل في «اللّام»، أن تكون عهديّة، و العهديّة مساوقة للتعيّن و التخصّص، بحيث إذا قيل، «اقرأ كل الكتاب»، يتبادر إلى الذهن، الكتاب المعهود، و هذا ينافي الاستغراق الأفرادي، فيتعيّن أن يحمله الذهن على الاستيعاب و الاستغراق الأجزائي، و أمّا إذا لم توجد «اللّام» كما في قوله: «اقرأ كل كتاب»، فلا مانع من توجه الاستغراق إلى الأفراد.

و الظاهر من كلام المحقق العراقي (قده) هنا، كأنّه فرض أن استيعاب الأفراد هو الأصل في لفظة «كل»، و إنّما يصرف إلى استيعاب الأجزاء، بواسطة دخول «اللام».

و ما ذكره المحقق العراقي (قده) غير تام: لأنّه إن قصد بالعهديّة،

____________

(1) مقالات الأصول- العراقي- ج 1- ص 146- 147.

18

المعنى المساوق، «للام العهد»، كما هو ظاهر كلامه، فحينئذ ظاهرة تحوّل الاستيعاب من الأفرادي إلى الأجزائي لا تنحصر بوجود اللّام بل إذا كان المدخول معرفا و لو بالإضافة فإن الاستيعاب يتحول فيه إلى الأجزائي كما في قوله: اقرأ كل كتاب زيد، إذن عهدية اللام ليست التفسير الصحيح لتخريج المطلب، و إن قصد بالعهدية معنى يساوق التعيين المحفوظ في جميع موارد المعرفة، فهو غير تام أيضا، لأن التعيين بهذا المعنى لا ينافي الاستيعاب الأفرادي، فإن العهدية بما أنها ترجع إلى الإشارة لفرد مخصوص يكون التعريف بلام العهد منافيا للاستغراق الأفرادي، و أمّا غيره فلا.

و إن شئت قلت: إن الملحوظ هو استيعاب الأفراد دائما في موارد دخول كل على المنكر، مع أن المانع لو كان هو اللام كان اللازم وقوع كلا الاستيعابين فيه، هذا أولا: و ثانيا: هو أنه إن كان المراد من التعيين هو مطلق التعيين المساوق مع التعريف فمن الواضح أنه لا ينافي مع التعدد الأفرادي كما هو الحال في المعرف بلام الجنس، و إن كان المراد التعيين العهدي خاصة، فاستفادة الاستيعاب الأجزائي ليست مختصة به، بل هو جار في كل موارد المعرفة كما في قوله: اقرأ كل كتاب زيد.

و الصحيح في تخريج هذه الظاهرة هو أن يقال: إنك و قد عرفت أن مقتضى الأصل الأولي هو توجه الاستيعاب نحو الأجزاء المدخولة لكل. لأن المفهوم المدخول لكل سواء كان مفردا أو جمعا تكون دلالته على أجزائه ثابتة بمقتضى إطلاقه الأولي، و هكذا في الحالات التي يكون مدخول كل معرفة، يكون الاستيعاب للأجزاء على القاعدة. و إنما الذي يحتاج إلى تخريج هو كونه أفراديا إذا كان مدخولها نكرة.

و تخريجه هو أن يقال: إنه لو حذفنا أداة العموم، و قلنا: اقرأ سورة، فحينئذ يستفاد الإطلاق البدلي، و هذا الإطلاق قرينة على ملاحظة الأفراد، لأن المطلوب في المقام، أي فرد من أفراد السورة. و إذا دخلت أداة العموم و قلنا: أقرأ كل سورة، تكون دالة على استيعاب الأفراد باعتبار وجود قرينة

19

على أن الأفراد ملحوظة. و من هنا نرى أن استيعاب الأفراد ملازم لهذه النكتة، و هي انه لو لا أداة العموم لكان الإطلاق بدليا، و أداة العموم كما تصلح للاستيعاب الأجزائي. كذلك هي تصلح للاستيعاب الأفرادي. و من هذا يعرف أن دخول كل على الجمع أو ما هو بحكمه، كما في اسم الجمع يمكن أن يكون العموم فيه باعتبار استيعابه لتمام أجزاء المدخول. بحيث تكون مراتب الجمع أجزاء فيه، و يمكن أن يكون باعتبار استيعابه لتمام أفراد المدخول، و لكن لا يبعد أن يكون الأول هو الأظهر فيه كما هو الحال فيما إذا دخل على اسم العدد المعرف، من قبيل كل العشرة.

و دعوى ان هذا ينافي صحة استثناء أحد الأفراد كما في قوله. قرأت كل الكتب أو الكتب العشرة إلّا هذا الكتاب، و عدم صحة أن يقال: إلّا هذا الجزء من الكتاب، ممّا يعني أن الاستيعاب أفرادي لا أجزائي. هذه الدعوى مدفوعة، بأن يقال: بأن أجزاء العشرة أو الجمع بما هو جمع إنما هو مراتبه لا أجزاء آحاده، و المفروض ان المدخول هو الجمع بما هو جمع. نعم لو دخل كل على المثنى كما في قولك: قرأت كل الكتابين أو كل هذين الاثنين، كان ظاهرا في استيعاب أجزاء كل منهما لعدم مناسبة الاثنين مع التكثر و الاستيعاب. فيكون هذا بنفسه قرينة على النظر إلى أجزاء كل منها.

2- الجهة الثانية: في أدوات العموم:

و البحث فيها يقع في مقامين:

1- المقام الأول: في أسماء العموم.

2- المقام الثاني: في سنخ العموم الذي تدل عليه.

و أمّا المقام الأول: فإن أول أدوات العموم لفظة «كل» و هي ممّا لا ينبغي الإشكال في دلالتها على العموم، خلافا لشك بعض‏ (1) قدماء الأصوليين.

____________

(1) لاحظ- زبدة الأصول ص 90- 91- المنخول- للغزالي- ص 138- 145- الرسالة- 52- 53- السرخسي- ج 1- ص 125- التبصرة ص 140- الإحكام للآمدي ص 185 اللمع ج 1 ص 335--

20

و إنّما الكلام في تخريج هذه الدلالة لغويا، حيث قيل: بأنّ دلالتها على العموم منوطة بإجراء مقدمات الحكمة في مدخولها.

و قد قيل بعدم احتياجها إلى ذلك.

[المسلكان لصاحب الكفاية]

و قد ذكر صاحب الكفاية (قده) مسلكين معقولين في إفادة «كل» لعموم مدخولها.

1- المسلك الأول‏: هو أنها موضوعة لاستيعاب تمام ما يصلح انطباق المفهوم عليه.

و هذا المسلك يستلزم أن لا تكون في دلالتها على العموم محتاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة في مدخولها، بل هي بنفسها تثبت الاستيعاب لتمام أفراد الطبيعة، لأنها حينئذ تكون موضوعة لإفادة ذلك.

2- المسلك الثاني‏: هو أنها موضوعة لاستيعاب أفراد ما يراد من مدخولها.

و هذا المسلك، يستلزم توقف دلالتها على الاستيعاب، على إجراء مقدمات الحكمة في مدخولها مسبقا، لأنّ مقدمات الحكمة حينئذ، هي التي تعيّن المراد من المدخول، و ليس كل هي التي تحدّد المراد من المدخول، و إنّما وظيفة «كل» حينئذ، هي استيعاب أفراد ما أريد.

فهنا مسلكان، و لكل واحد منهما قائل به.

1- المسلك الأول: هو، إنّ دلالة كل على العموم، يتوقف على إجراء مقدمات الحكمة في مدخولها.

و قد اختار هذا القول جملة من العلماء منهم الميرزا (1) (قده).

____________

- المعتمد للبصري ج 1- ص 189- 192- هداية المسترشدين ص 208 قوانين الأصول ص 197- الأحكام- للشافعي- الشريف المرتضى- المعالم ص 104- 105.

(1) أجود التقريرات- الخوئي- ج 2- ص 441.

21

و قد يعترض عليه بعدة اعتراضات.

1- الاعتراض الأول: و هو ما أفاده السيد الخوئي‏ (1) (قده)

من أنّ كون دلالة «كل» على العموم منوطة بإجراء مقدمات الحكمة، يلزم منه، لغويّة هذه الأداة وضعا و استعمالا، لأنه قبل إجراء مقدمات الحكمة، لا تكون «كل» دالة على العموم، و بعد إجرائها، تكون المقدمات نفسها كافية في إثبات العموم، و لا حاجة حينئذ لوضع «كل» للدلالة على العموم من قبل الواضع أو استعمالها فيه من قبل المستعمل، لانتفاء الفائدة في ذلك، حتى الفائدة التأكيدية، لأنّ دلالتها على التأكيد تكون في طول إجراء مقدمات الحكمة، و دلالتها على العموم و التأكيد لا تعقل إلّا في دالين عرضيين.

لكن هذا الاعتراض غير تام:

و يدفعه: أولا: إنّك قد عرفت سابقا، ان الإطلاق الحكمي، مرجعه في المدلول اللفظي، إلى ملاحظة الطبيعة خالية من القيد، من دون كون الكثرة مرئيّة.

بينما العموم الأداتي، مرجعه في عالم المدلول اللفظي إلى ملاحظة الكثرة.

و إن شئت قلت: إنّ الإطلاق و مقدمات الحكمة، لا تقتضي أكثر من إثبات إنّ ما أخذ موضوعا، إنما هو ذات الطبيعة بلا قيد، و أمّا التكثر الإفرادي، فإنّه لا يرى في مرحلة المدلول اللفظي بالإطلاق، على ما عرفته في الجهة الأولى من الفصل الأول من هذا البحث، و إنّما يفاد ذلك، بأداة العموم، حيث يفاد بها صورة ذهنية أخرى، هي، ملاحظة الأفراد بما هي متكثرة، إذن، كل من الإطلاق و الأداة يعطي صورة متميّزة عن الأخرى، و حينئذ نقول: إنه لا لغوية في المقام، لأنه ليس غرض الواضع من وضع الأداة للعموم، بيان الأحكام الشرعية، كي يقال حينئذ: بأنّ الاستيعاب‏

____________

(1) هامش نفس المصدر ج 2 ص 441.

22

حاصل من الإطلاق، و معه لا حاجة إلى «كل»، بل غرضه تفريغ الصور الذهنية و تنويعها إلى المخاطب، و في مقام المحاورة، و إخطار المعاني إلى الذهن.

و قد عرفت، انّ الصورة التي يعطيها الإطلاق غير الصورة التي تعطيها الأداة، على أنّه لا لغوية حتى لو كان نظر الواضع إلى خصوص الأحكام الشرعية، باعتبار انّه قد يكون غرضه، بيان أنّ ملاك الحكم قائم بالأفراد بما هي أفراد.

أو قل: انّ هذا قد يترتب عليه الأثر الشرعي، و ذلك باستظهار أنّ مركز الحكم المجعول و موضوعه، إنّما هو الفرد بما هو فرد لا الطبيعة، و هذا لا يفاد بمقدمات الحكمة، لما عرفت، أنه لا نظر لها إلى الأفراد في عالم المدلول اللفظي.

فالمتعيّن لإفادة ذلك هو «كل»، و عليه فلا لغوية في إفادة «كل»، للعموم، حتى لو أنيطت دلالتها هذه بإجراء مقدمات الحكمة في مدخولها.

و يدفعه ثانيا: حيث يقال: حتى لو سلمنا لزوم اللغوية، نقول: إن الأداة ليست موضوعة لإفادة العموم الساذج، و إنما هي موضعة لإفادة حصة خاصة منه، و هي العموم الاستغراقي، و حينئذ نقول: إن مقدمات الحكمة، و إن كانت قد تفيد الاستغراق، إلّا أن إفادة كل له. ليس في طول إفادة الإطلاق له، و توضيحه هو: أنه لو قيل أكرم العالم، فهنا نحتاج إلى مقدمات الحكمة لإثبات أن العالم أخذ بلا قيد و أنه مطلق، و هذا الإطلاق يحتمل الشمولية و الاستغراقية كما يحتمل البدلية. و لأجل تعيين الاستغراقية نحتاج إلى قرينة أخرى غير مقدمات الحكمة.

و بناء عليه: فإنه يوجد في المقام دالان، قد استفدنا منهما الإطلاق الشمولي الاستغراقي.

أ- الدال الأول‏: هو مقدمات الحكمة.

23

ب- الدال الثاني‏: هو القرينة الأخرى.

و حينئذ نقول: إن أداة، كل، تفيد العموم الاستغراقي، و قد أخذ في موضوعها الدال الأول- و هو مقدمات الحكمة- و أمّا الدال الثاني الذي دلّ على الاستغراقية و هو:- القرينة- فليست دلالة الأداة- «كل»- على الاستغراقية في طوله، بل هي في عرضه، و معه يمكن أن تكون كل مؤكدة (1) و لا لغوية في المقام.

و الخلاصة: هي أن الطولية إنما هي بين الاستيعاب و الإطلاق و هو كون المدخول غير مقيد، و أمّا خصوصية شمولية الإطلاق، فهي مستفادة بدال آخر و لو كان قرينة عامة، من قبيل وقوعه موضوعا للحكم فالنتيجة هي أن خصوصية البدلية أو الشمولية إنما تستفاد في المطلقات من دال آخر، عقلي أو عرفي كما عرفته سابقا، بينما الاستيعاب المفاد بالأداة ليس في طول الدال على هذه الخصوصية، بل هو في عرضه فيمكن أن تكون مؤكدة له، و بذلك ترتفع اللغوية.

و يدفع ثالثا: بأن يقال: إنّ قولنا: «أكرم كل عالم»، فيه الحكم المستفاد من «أكرم»، و «كل»، متعلّق الحكم، و «عالم»، متعلق «كل». و نحن إنما نجري مقدمات الحكمة لإثبات الإطلاق في عالم. الذي هو متعلق كل و التي هي بدورها متعلق للحكم، و لا نريد أن نثبت بها إطلاق عالم بلحاظ كونه متعلقا للحكم، ليقال: بأن كون كل دالة على العموم، يلزم منه اللغوية.

و هكذا فقد تخيّل المستشكل، ان الإطلاق الجاري في مفهوم عالم، إطلاق بلحاظ الحكم مباشرة مع أنه إطلاق فيه بما هو معروض للاستيعاب.

و هذا و إن كان تطويلا للمسافة، و لكنه صورة ذهنية أخرى، يكون موضوع الحكم فيه هو العموم، غايته أن الإطلاق لوحظ في مدخوله.

و هذا جانب آخر لرفع اللغوية في الوضع و الاستعمال بلحاظ ما هو

____________

(1) قوانين الأصول- ج 1- ص 197.

24

غرض الوضع و الاستعمال، فيكون هذا الجواب مع الجواب السابق له بروح واحدة.

2- الاعتراض الثاني: هو ما أفاده المحقق الأصفهاني (قده)

من أنه لو كانت دلالة كل على العموم منوطة بإجراء مقدمات الحكمة في المدخول لزم اجتماع استيعابين على شي‏ء واحد و هو مستحيل لاستلزامه اجتماع المثلين و هو غير معقول‏ (1).

و هذا الاعتراض غير صحيح إذ يرد عليه:

أولا: إنّ الاستيعاب المستفاد من الإطلاق و مقدمات الحكمة، استيعاب بلحاظ مرحلة التطبيق و التحليل، لا بلحاظ مرحلة التصور، فإنه بلحاظ هذه المرحلة لا يستفاد من الإطلاق إلّا كون ذات الطبيعة بلا قيد.

و هذا بخلاف الاستيعاب الأداتي فإنه ليس من سنخ ذلك الاستيعاب المستفاد بمقدمات الحكمة، و عليه: فالاستيعابان مختلفان. فلا يقال بأنه من قبيل اجتماع المثلين، أو من قبيل المماثل لمماثله.

و ثانيا: هو أنه لو فرض أنهما من سنخ واحد، فلا يلزم اجتماعهما بمركز واحد، لأن الاستيعاب استيعاب لطبيعة المدخول، فالمستوعب هو عالم في قولنا أكرم كل عالم، و المستوعب هو أفراده، و أمّا الاستيعاب الأداتي فهو قائم بمفهوم كل كما مرّ معك من أن العموم هو استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر، و عليه لم يلزم اجتماع المثلين.

و إن شئت قلت: إنّ مركز أحد الاستيعابين غير مركز الاستيعاب الآخر، إذ أن الاستيعاب الأول مركزه المدخول، و الثاني مركزه نفس أداة العموم الاسمي.

و ثالثا: إن الاستيعاب مدلول لدالين، أحدهما الأداة، و الثاني الإطلاق‏

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني- ج 2- ص 183- 184.

25

و لا ضير في ذلك، لأن الطولية بينهما طولية بين الدالين لا بين المدلولين و عليه فلا يلزم تعدد في الاستيعاب كي يكون من اجتماع المثلين.

3- الاعتراض الثالث: هو ما أفاده السيد الخوئي (قده)،

و هو لو أنيطت دلالة كل على العموم بإجراء مقدمات الحكمة في مدخولها، للزم من ذلك لازم باطل، و هو عدم تمكن الإنسان من التصريح بالعموم مهما استعمل من الألفاظ ما لم يجر مقدمات الحكمة، فلو قال: أكرم كل عالم قاطبة، و نحو ذلك، فلا يكون كلامه مفيدا للعموم ما لم يجر مقدمات الحكمة، لأنّ غاية ما تدل عليه هذه الألفاظ و الأدوات هو، استيعاب ما يراد من المدخول، أمّا تفسير المراد، و أنّه العام، فيحتاج إلى إجراء مقدمات الحكمة، و هذا باطل بالوجدان‏ (1) العرفي.

و هذا الاعتراض غير تام، لأنه إن أريد دعوى أنّ الإنسان لا يمكنه أن يجعل كلامه صريحا في العموم بواسطة أداة العموم ما لم يجر مقدمات الحكمة، فهذا هو مدّعى أصحاب هذا القول. و إن كان مراده أنه لا يمكنه التصريح بالاستيعاب و العموم أصلا لجميع أفراد مدخول كل، فهو غير تام، لأنه يمكنه ذلك كما لو صرّح فقال: أكرم كل عالم بدون استثناء، فحينئذ يكون مفيدا للاستيعاب من دون إجراء مقدمات الحكمة، لأن غاية ما تثبته مقدمات الحكمة هو أنّ عدم ذكر القيد يدل على عدم التقييد، و هنا قد صرّح المتكلم بعدم أخذ القيد فتكون الدلالة على عدم أخذ القيد دلالة لفظية لا سكوتية حكمية، و معه لا حاجة لإجراء مقدمات الحكمة لإثبات عدم القيد.

و إن كان مراده مجرد دعوى وضوح صراحة العموم في الاستيعاب، و أنّه بخلاف الإطلاق، فهذا ما سوف نستعرضه إن شاء اللّه تعالى، و إن كانت صيغة كلامه، لا يتضح منها إرادة هذا المعنى. إذن. فهذه الاعتراضات على المسلك الأول غير تامة.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي- ج 2- هامش ص 440- 441.

26

و قد يستدل على هذا المسلك فيقال: بأننا نرى بالوجدان، إن أداة العموم حياديّة و لا بشرط تجاه المفهوم، بمعنى أنها تتسع لاستيعاب مدخولها، سواء كان هذا المدخول مطلقا أو مقيدا، و حينئذ، نحتاج لتعيين كون المدخول هو المطلق أو المقيد إلى دال آخر، و هذا الدال هو مقدمات الحكمة.

و هذا الدليل غير تام: لأنّ ما ذكره، غاية ما يثبته هو، أنّ «كل»، لا تعيّن لفظ مدخولها، و أنه «العالم»، أو، «العالم العادل»، بمعنى أنّ مدخولها، هل هو العالم بما له من شمول، أو خصوص العادل. و هذا صحيح و لا يدّعيه الخصم. و إنما مدّعى الخصم هو أن لفظ المدخول بعد أن يتعين، و لنفرض انه العالم العادل.

حينئذ نشك في معناه، في أنه مطلق أو مقيد، و أداة العموم تثبت أنه مطلق، و لا حاجة إلى مقدمات الحكمة، هذا هو مدّعى الخصم.

إذن فما ذكر من الدليل لا يبطل هذا المدّعى.

و يمكن أن يعمّق هذا الاستدلال على هذا المسلك قليلا فيقال: إن أداة العموم تحتاج في دلالتها على العموم إلى إجراء مقدمات الحكمة في مرتبة سابقة في مدخولها لتعيين أنه المطلق، و ذلك لأن هنا ثلاث احتمالات.

1- الاحتمال الأول‏: هو أن يقال إن الأداة ينصب استيعابها على مدلول الكلمة بلا قرينة أصلا، لا عامة، و لا خاصة، بعد فرض أن الموضوع له اسم الجنس هو، الطبيعة المهملة التي يسميها الميرزا (قده)، بالماهية اللّابشرط المقسمي و التي هي جامع بين الماهية الملحوظة بنحو اللّابشرط القسمي و الملحوظة بنحو البشرطشي‏ء، و الملحوظة بنحو البشرطلا، و بعد فرض أن الطبيعة الموضوع لها اسم الجنس، غير قابلة للصدق على أفرادها الخارجية، لأن من هذه الأفراد الطبيعة الملحوظة بشرط لا التي لا تقبل الصدق.

و وضع الأداة بهذا النحو غير معقول، لأن الطبيعة الملحوظة بنحو اللابشرط

27

المقسمي الموضوع لها اسم الجنس لا يعقل انطباقها على كثيرين في الخارج عند الميرزا (قده)، إذن لا بد من تحويل الطبيعة من المهملة إلى غيرها كي يجري عليها الاستيعاب.

إذن فهذا الاحتمال ساقط.

2- الاحتمال الثاني‏: هو أن يقال: إن «كل»، أداة العموم، تقوم بعملين، أحدهما توسيع دائرة المدخول، و الثاني، استيعابه.

و هذا الاحتمال ساقط، لأن معناه: إن الأداة لها مدلولان في استعمال واحد، و هو محال، و من هنا يظهر الخلل في كلام السيد الخوئي (قده) في إشكاله على الميرزا (قده)، إذ قال: إن الأداة بنفسها تثبت أن المدخول هو اللّابشرط القسمي، و وجه الخلل هو: أنه إن أراد أنها تثبت ذلك و لا تدل بعده على الكثرة، فهو خلاف الوجدان، و إن أريد أنها تدل على الكثرة أيضا، فهذا معناه أنها تدل على معنيين، و هو غير تام. و إذا سقط هذان الاحتمالان تعين الثالث.

3- الاحتمال الثالث‏: هو أن تكون الأداة دالة على استيعاب مدخولها بعد تحويله بمقدمات الحكمة من اللابشرط المقسمي إلى اللّابشرط القسمي.

و التحقيق هو: إنّ كون أسماء الأجناس موضوعة للطبيعة المهملة صحيح.

لكن كون الطبيعة المهملة هي الماهية الملحوظة بنحو اللّابشرط المقسمي كما ادعى الميرزا (قده) لا نوافق عليه.

و حينئذ نقول: إن الطبيعة الملحوظة بنحو اللّابشرط المقسمي، سواء كانت قابلة للصدق خارجا أم لا، فإن الماهية المهملة، الموضوع لها اسم الجنس، قابلة للصدق، و هذا خلاف مبنائي بيننا و بين الميرزا (قده).

و الآن نستعرض ما جعله الميرزا (قده)، دليلا فنيا على مدّعاه، من أنّ الماهية المهملة، هي الملحوظة بنحو اللّابشرط المقسمي، و أنّها حينئذ لا تكون قابلة للصدق على أفرادها خارجا.

28

فنقول: إنّما اختار ذلك، لأن الماهية الملحوظة بنحو اللّابشرط المقسمي لها ثلاثة أفراد، أحدها، البشرطشي‏ء، و ثانيها، اللّابشرط، و ثالثها، البشرطلا، و الأولان و هما، المقيّد و المطلق اصطلاحا قابلان للصدق، و أمّا الثالث، و هو الماهية المجردة عن الخصوصيات الخارجية التي تقع موضوعا في المعقولات الثانوية كما في قولهم، «الإنسان نوع»، فإن الطبيعة المهملة بهذا المعنى يستحيل أن تنطبق على الأفراد الخارجية لكونها جامعة بين ما يقبل الانطباق، و هي المطلقة، و ما لا يقبل الانطباق، بينما أداة العموم لا يمكنها أن تدل على العموم إلّا إذا كان مدخولها مما يقبل الانطباق و الصدق على تمام الأفراد الخارجية. و بما أن الماهية لا بشرط مقسمي جامعة بين ما يقبل الصدق، و ما لا يقبل الصدق، وجب أن لا تكون قابلة للصدق، و هذا البرهان لو تمّ، فهو يقتضي، أن الماهية لا بشرط مقسمي إذا بقيت على حالها لا تقبل الصدق على أفرادها، لكن بمجرد أن تخرج عن جامعيتها لتلك الأقسام، بإخراج الماهية بشرط لّا منها، فإنها تصبح قابلة للصدق على الأفراد خارجا لأن القسمين الباقيين تحتها قابلين لذلك، و عليه يقال: إن تحديد المدخول في الطبيعة المطلقة القابلة قابلا للانطباق على جميع الأفراد، يكون بالإطلاق و مقدمات الحكمة و بهذا يظهر بطلان ما أفاده السيد الخوئي (قده) لإبطال دليل الميرزا (قده) على مسلكه. و لكن بناء على ما أفاده الميرزا (قده) نقول يمكننا إيجاد احتمال رابع فنقول: إنّ الاستيعاب يطرأ على المدلول الوضعي لكلمة، «عالم»، في قولنا: «أكرم كل عالم»، لكن مع ضمّ القرينة العرفيّة النافية للقسم الثالث من أقسام اللّابشرط المقسمي، و هو البشرطلا، لا القرينة العرفيّة النافية للّابشرطية القسمية التي هي مقدمات الحكمة، ثم إن هذه القرينة العرفية موجودة دائما، لأن الطبيعة تلحظ عرفا بما هي فانية و معرّف، لا بما هي هي، نعم تلحظ بما هي هي في علم المنطق. و هكذا يصبح الاستيعاب في طول تلك القرينة النافية للبشرطلا.

فالصحيح في الجواب على هذه الشبهة هو أن يقال: كما أشرنا سابقا، إن المدلول الوضعي الاستعمالي لاسم الجنس، و إن لم يؤخذ فيه الإطلاق‏

29

و لا التقييد، إلّا أنّه يكون مطلقا بالحمل الشائع عند ما لا يتعقبه قيد، لأنه لا يراد بالمطلقة إلّا تصوّر الطبيعة دون أن تتصور معها قيد، لا أن يتصور معها عدم القيد، إذن فالمراد الاستعمالي يتحدد و يحصل من نفس إطلاق اسم الجنس من دون قيد، بعد إحراز عدم استعماله في المقيد، باصالة الحقيقة، فإن مقتضاها، أنه لم يستعمل اللفظ في المقيّد، و إلا كان مجازا، لاتفاقهم على كون استعمال العام في الخاص مجازا.

و بهذا يكون مدخول الأداة قابلا للانطباق على الأفراد بذاته، بلا حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة، حيث انّه يمكن أن تدل الأداة على استيعاب تمام ما تنطبق عليه. و بكلمة واحدة، فإن المراد الاستعمالي بمقتضى عدم المجازية، هو نفس المدلول الوضعي كما في فرضية صاحب الكفاية (قده). و الخلاصة هي: أن طرو الاستيعاب على المدلول الوضعي للمتعلق يتوقف على كون الطبيعة قابلة للانطباق على أفرادها، و هذه القابلية ليست فرع انقلاب اللّابشرط المقسمي إلى اللّابشرط القسمي كي نكون بحاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة في مرتبة سابقة، بل هي فرع قيام القرينة العرفية على أن الطبيعة لم تلحظ بنحو الموضوعية، بل لوحظت بنحو المعرفية، إذن بمجرد أن تقوم القرينة على أن الطبيعة لوحظت بنحو المعرفية، تكون قابلة لطرو الاستيعاب عليها فيطرأ، و يكون من فوائد أداة العموم و ليس من فوائد مقدمات الحكمة.

و التحقيق هو: أن مفاد «كل» و نحوها، هو الاستيعاب المتوجه إلى المدلول الوضعي للمتعلق، و هو الطبيعة المهملة و لا موجب لصرفه عن الطبيعة المهملة إلى ما كان مفادا لمقدمات الحكمة، لأن هذا الصرف، إن كان بقرينة عقلية- كما في البرهان المتقدم، من أن المدلول الوضعي للمدخول، لا يعقل فيه الانطباق- فقد عرفت حاله. و إن كان لقصور في جانب الموضوع- بدعوى أن الواضع عند ما وضع، «كل»، وضعها لاستيعاب ما يراد من مدخولها، و الذي يعيّنه و يحدّده مقدمات الحكمة- فهذا خلط عجيب بين مرحلتي المدلول التصوري و التصديقي، و ذلك لأن مقدمات الحكمة تنظر إلى مرحلة المدلول التصديقي، لأنها تعيّن و تحدّد المراد، بينما

30

محل الكلام هو المدلول التصوري لكلمة «كل» و الذي ينبغي حفظه حتى في الموارد التي لا يكون فيها مدلول تصديقي، إذن لا يعقل ربط المدلول التصديقي للمدخول، بالمدلول التصوري «لكل».

إذن فلا وجه لصرف الاستيعاب من المدلول الوضعي و الطبيعة المهملة إلى ما هو مفاد مقدمات الحكمة المسمّى بالمراد الحكمي.

فالصحيح هو بطلان مسلك الميرزا (قده)، القائل: بأنّ دلالة «كل» على العموم، منوطة بإجراء مقدمات الحكمة في مدخولها.

و الصحيح هو: أنّ الاستيعاب المستفاد من «كل»، ينصب على الطبيعة الجامعة بين، «اللّابشرط» و «البشرطشي‏ء»، أي الطبيعة المطلقة و المقيّدة، و تكون هذه الأداة بنفسها مفيدة للشمول و الاستغراق بدون حاجة إلى مقدمات الحكمة.

4- الاعتراض الرابع: و الصحيح على فرضيّة الميرزا (قده)،

و هو أنّه ما المراد من قولنا أن الأداة موضوعة لاستيعاب أفراد ما يراد من المدخول؟

أن المقصود من استيعاب ما يراد من المدخول يمكن أن يكون أحد احتمالات ثلاث.

1- الاحتمال الأول‏: هو أن يكون المقصود من الاستيعاب، إنما هو استيعاب أفراد المراد التصديقي الجدّي الذي يحدّد بالإطلاق و مقدمات الحكمة، في مدخول الأداة، لأنّ مصبّها حينئذ، هو، المراد الجدّي، و الذي يحدّده و يعيّنه لنا، إنّما هو مقدمات الحكمة، و حينئذ، يكون العموم في طوله.

و هذا الاحتمال يدفعه أولا: إن الكلام في مرحلة المدلول الاستعمالي التصوري للّفظ، لا المدلول التصديقي، إذ لو فرضنا توجه الأداة إلى المدلول التصديقي مباشرة، للزم أن لا يكون لها معنى في مورد لا يكون للجملة، مدلولا تصديقيا، كما في مورد الهزل، مع العلم أنه لا إشكال في وجود

31

المدلول الاستعمالي التصوري للجملة حينئذ و انحفاظه في هذا المورد قطعا.

و يدفعه ثانيا: إنه إذا فرضنا أن الأداة لا معنى لها، إذن فسوف لن يكون هناك ربط بين أطراف الجملة المتضمنة لها و لا يتحصّل معنى جمعي للجملة بحسب مرحلة المدلول التصوري و الاستعمالي للكلام سواء أ كان هناك مراد جدّي أم لا و هو واضح البطلان.

و يدفعه ثالثا: لزوم التهافت في اللحاظ، لأنه لو فرض أنّ «كل» تستوعب المراد الجدّي من المدخول، فهي إذن، تفترض وجوده في مرتبة سابقة.

و من الواضح، أنّ المراد الجدي من المدخول، هو نفس المراد الجدي من مجموع الجملة، و ليس من كل كلمة كلمة.

و عليه فإنّ «أكرم» في قوله، «أكرم كل عالم»، ترى في عالم المدلول التصوري متعلقة «بكل»، «فكل» بالنسبة إليها موضوع، مع أنّ «كل» تعلق بالمراد الجدي الذي هو الحكم- الذي يكون مدلول «أكرم» التصوري مرآة له و فانيا فيه.

2- الاحتمال الثاني‏: ممّا يقصد، من استيعاب المراد من المدخول، هو أن يكون المراد منه، استيعاب أفراد تمام المراد الاستعمالي للمدخول.

و هذا معقول حينئذ، لكنه لا يحقق غرض الميرزا (قده)، فإن غرضه من إجراء مقدمات الحكمة في المدخول، هو نفي إرادة القيد، و هذا يكفي فيه اصالة الحقيقة كما تقدم، لأن الأداة بناء على هذا الاحتمال موضوعة، لاستيعاب أفراد المراد الاستعمالي لكلمة عالم، فلو شككنا في المراد الاستعمالي منها و أنه أخذ فيه قيد العدالة أم لا، فإنه حينئذ لا نحتاج إلى إجراء مقدمات الحكمة لإثبات عدم أخذه، بل نثبته باصالة الحقيقة، فإن مقتضاها أنه لم يستعمل اللفظ في المقيد. لأنه لو أخذه و استعمل اللفظ في المقيّد لكان المراد من اللفظ حينئذ معنى مجازيا، و الأصل عدمه، كما اتفقوا على أن استعمال العام في الخاص بما هو خاص يكون مجازيا.

32

فإن قلت: إن المدخول كبقية أسماء الأجناس، ليس موضوعا لا للطبيعة المطلقة بما هي مطلقة، و لا للطبيعة المقيدة بما هي مقيدة، و عليه فكما أن القيد غير داخل في المراد الاستعمالي، فكذلك عدم القيد.

قلنا: صحيح ان كلا من القيد و عدمه غير داخل في ذلك، لكن المراد الاستعمالي ليس مقيدا بالحمل الشائع، بمعنى، أن عدم القيد لم يؤخذ جزءا منه لكنه يصدق عليه وجدانا أنه لم يؤخذ فيه التقييد، و فرق بينهما، فإن معنى أن عدم التقييد داخل فيه، يعني، أن اللفظ موضوع للمطلق، و استعماله في المقيد يكون مجازا، و معنى ان القيد غير داخل، يعني أنه يكفي فيه مجرد عدم أخذه في المعنى الموضوع له و المستعمل فيه.

و عليه: فالمراد الاستعمالي مطلق بالحمل الشائع- لا بمعنى أنّ الإطلاق جزء منه- و يثبت انّ مدخول الأداة مطلق، لكن باصالة الحقيقة، من دون حاجة إلى مقدمات الحكمة.

و خلاصة ما يرد عليه هو: أنّ المراد الاستعمالي يتحدد باصالة الحقيقة، إذ مقتضاها أن اللفظ لم يستعمل في المقيد، و إلّا كان مجازا، و عليه يكون قد استعمله في ذات الطبيعة- التي هي المدلول الوضعي لاسم الجنس- و تكون بهذا مطلقة بالحمل الشائع، فتكون الأداة، «كل»، دالة على استيعاب تمام الأفراد بلا حاجة إلى مقدمات الحكمة.

أو فقل: إنّ المراد الاستعمالي، بمقتضى عدم المجازيّة، هو نفس المدلول الوضعي، كما ذهب إليه صاحب الكفاية (1).

3- الاحتمال الثالث‏: هو، أن يكون المراد منه استيعاب أفراد المدلول الوضعي، بدون زيادة، فإن المدخول لمّا كان اسم الجنس، إذن، فهو موضوع للطبيعة المهملة. و لكن لمّا كان الموجود في ذهن المتكلم دائما هو:

إمّا الطبيعة المقيدة، و إمّا الطبيعة المطلقة. لأنه إمّا أن تلحظ مقيدة و إمّا أن‏

____________

(1) كفاية الأصول- ج 1- ص 232.

33

تلحظ مطلقة، و لا يمكن وجودها في الذهن مجردة منهما، لاستحالة ارتفاع النقيضين، و حينئذ يكون لا بد أن يراد منها ما هو أزيد من المعنى الموضوع له- و هو، الطبيعة المهملة- و أداة العموم موضوعة لاستيعاب تمام أفراد المدخول، لكن ليس خصوص ما تدل عليه الطبيعة المهملة، بل مع زيادة ما في ذهن المتكلم، و لمّا كنا لا نعرف ما الذي تصوره المتكلم، احتجنا إلى مقدمات الحكمة لإثبات أنه تصوّر المطلق، إذن فقد توقف الاستيعاب على مقدمات الحكمة في مرتبة سابقة.

و خلاصته‏: هو أنه يريد دلالة الأداة على استيعاب تمام ما يتصوره المتكلم من المدخول في مقام الاستعمال، و حيث أنّ اسم الجنس موضوع للطبيعة المهملة، و المتكلم لا يمكنه أن يتصورها إلّا مطلقة أو مع القيد، إذن فنحتاج إلى مقدمات الحكمة، لإحراز أنّه تصوّر القيد مع الطبيعة، أم لم يتصوره معها.

و هذا الاحتمال، يدفعه أولا: أنه يلزم منه أخذ مفهوم غريب عن معنى الأداة في مدلول الأداة، و ذلك، أنه يوجد في المقام ثلاثة دوال هي، الأداة، و اسم الجنس المدخول لها، و هيئة الإضافة، و بعد أن عرفت عدم وضع المدخول لذات الطبيعة، و عرفت أن هيئة الإضافة تفيد النسبة الناقصة أو هي موضوعة لها، حينئذ كان لا بدّ و أن تستفاد خصوصيّة تحديد ما هو تصور المتكلم عن المدخول من حيث الإطلاق و التقييد من الأداة بأخذه في معناها و هو واضح البطلان.

و إن شئت قلت: يدفعه أولا: هو أن قولنا، كل عالم. جملة ناقصة، فيها، مضاف يدل عليه لفظ كل، و مضاف إليه، و يدل عليه، لفظ عالم، و نسبة ناقصة قائمة بين الطرفين، و يدل عليها الهيئة، و حينئذ نقول: إنّ الطرف الثاني للاستيعاب، إن فرض أنه بمقدار المدلول الوضعي للفظ عالم فلا إشكال، و إن فرض أنه أزيد من ذلك فنقول حينئذ:

إن هذه الزيادة لا بدّ لها من دال يدل عليها، لوضوح أنّنا نتكلم على‏

34

مستوى المدلول اللفظي للكلام، و لا يمكن أن نفهم أيّ معنى في هذه المرحلة، من دون أن يكون هناك ما يدل عليه.

و من الواضح، أنّ النسبة القائمة بين الاستيعاب «كل»، و بين الطرف الثاني تحتاج إلى طرفين، و لا بدّ من كون هذين الطرفين في مرحلة المدلول اللفظي منطوقين- و إن كان لا مانع في مرحلة المدلول الجدي من أخذ خصوصيات لا دال عليها لفظا لكنه خارج عن الفرض-.

و حينئذ، نسأل: انّ هذا الطرف الثاني الذي جعل مصبا للاستيعاب- و هو الطبيعة مع الزيادة- ما الدال عليه؟ فإن كان الدال عليه هو، المقدمات، فهو خلف، لأنّ معناه: إنّ الأداة ناظرة إلى مفاد المقدمات، و المفروض أنّ مرحلتها المراد الجدي، و إن كان كلمة «عالم»، لزم التجوز، و إن كان الأداة، فهو يعني استعمالها في معنيين، هما: الاستيعاب، و الزيادة في الطرف الآخر، و هو غير ممكن أو غير واقع. و يدفعه ثانيا: إنه لو سلّمنا أن الأداة موضوعة لاستيعاب أفراد المعنى الذي يتصوره المتكلم- و لو لم يكن عليه دال في الكلام- و فرضنا أيضا أن الهيئة حينئذ بين مدلول كل و معنى غيبي، و كأن كل عالم. يرجع إلى كل من ينطبق عليه المعنى الذي يتصوره المتكلم من كلمة عالم، و حينئذ سوف يبقى هذا الكلام مجملا إلى الأبد و ليس باستطاعة المقدمات أن تعيّن المراد منه، لأنها إنما تجري إذا لم يكن إجمال في المدلول اللفظي، حيث تثبت التطابق بين المدلول اللفظي و المراد الجدي، و أما مع الإجمال فلا.

و المفروض إنّ الأداة دلّت على استيعاب المعنى الذي تصوّره المتكلم، و هو غير معلوم، و لا يمكن أن نثبت بواسطتها أنّ المتكلم تصوّر المطلق، أو لعلّه تصور المقيّد، فمن يدري؟.

و لأنّ وظيفتها إثبات التطابق بين المعنى المتصور، و المعنى المراد، و مع جهل المعنى المتصور، إذن فتطابقه مع أيّ شي‏ء، و هو خلف وظيفتها؟!

و هذه الاحتمالات التي ذكرها المحقق النائيني (قده)، تشترك كلها في‏

35

جهة هي، أنّ الدعوى تنصب على المعنى الموضوع له أداة العموم حيث تشترك في افتراض أخذ خصوصيّة في مدلول الأداة الوضعي و الاستعمالي، زائدا على مفهوم الاستيعاب، مع الاختلاف في تحديد واقع تلك الخصوصيّة، بالمراد الجدّي تارة، و الاستعمالي أخرى، و تصور المتكلم ثالثة، فهي في كل الحالات لا تتجاوز مرحلة المدلول الوضعي التصوري.

و في مقابل كل تلك الاحتمالات، احتمال رابع، مباين لها، حيث لا يشاركها في ذلك الافتراض المزبور.

4- الاحتمال الرابع‏: هو أن يقال: بأنّ الميرزا (قده) و من يسلك مسلكه، لا يختلفون عن المحقق الخراساني (قده) في أنّ المعنى الموضوع له الأداة، إنّما هو استيعاب تمام أفراد المدلول الوضعي للمدخول بلا تصرف، و لكن يختلفون عنه في، أنّ استفادة العموم من خطاب- «أكرم كلّ عالم»- استفادة تصديقية، إنّما يكون بلحاظ المدلول التصديقي له، و حينئذ يقولون:

إنّ استفادة العموم منه، تابعة لجريان مقدمات الحكمة.

و خلاصته‏: هو، أنّ الأداة، و إن كانت موضوعة بإزاء الاستيعاب لمدلول مدخولها، فهي بلحاظ المدلول الاستعمالي يكون المعنى محدّد و متعيّن بلا حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة.

و لكن تحديد المدلول التصديقي، و إنّ حكم المولى في عالم الثبوت عام و مستوعب لتمام الأفراد هو غير ممكن إلّا بعد جريان الإطلاق، حيث يحتمل أن يكون موضوع استيعاب الحكم ثبوتا هو، المقيّد، و مثل هذا الاحتمال، لا رافع له، إلّا مقدمات الحكمة، و هذا الاحتمال يختلف عن كل ما سبقه من الاحتمالات، و لأجل أن نفهمه جيدا يجب أن نتدبر هذا المثال، «أكرم العالم»، فنرى أن له مدلولا لفظيا وضعيا تصوريا، و مدلولا آخر تصديقيا، هو المراد الجدّي.

و في مرحلة المدلول التصوري، نرى أن هناك هيئة، مفادها الربط بين النسبة الإرسالية في أكرم، و بين المدلول التصوري- الطبيعة المهملة- للفظ

36

«عالم»، و هذا، لا يفيدنا شيئا، و في مرحلة المدلول التصديقي، نرى أنّه في مقابل الوجوب في «أكرم»، هناك حكم مجعول في نفس المولى، و هو المراد الجدّي، و ذلك الحكم له موضوع، و هذا الموضوع بإزاء كلمة «عالم».

ثم إنه في مرحلة المدلول التصوري، اكتفينا بكون الموضوع مهملا، إذ لا حاجة إلى إطلاقه أو تقييده، لكن في مرحلة المدلول التصديقي لا يمكن كونه مهملا بل لا بدّ من معرفته، أنه مطلق أو مقيّد.

و حينئذ، يأتي دور مقدمات الحكمة فنقول: إنّ الأصل في موضوع الحكم في المدلول التصديقي أن لا يزيد عن الموضوع في المدلول التصوري، فلو كان قيد «الفقيه»، مأخوذا في مرحلة المدلول التصديقي، لكان الموضوع فيها أزيد منه في مرحلة المدلول التصوري، و إذن، فمقتضى اصالة التطابق بين المرحلتين، هي أن يكون موضوع الحكم هو المطلق، و حينئذ فنسري الحكم إلى سائر أفراد العلماء.

و الآن نأتي إلى قولنا: «أكرم كل عالم»، فنرى في مرحلة المدلول التصوري، انّ «أكرم»، تدل على الوجوب، و «كل»، تدل على الاستيعاب، و «عالم»، على الطبيعة المهملة، و المدلول التصوري للجملة أنّ هناك وجوبا بنحو المعنى الحرفي تعلق على نحو الاستيعاب بتمام أفراد المدلول الوضعي للمدخول الذي هو الطبيعة المهملة، و هذا كله لا يكفي لاستنباط العموم، و في مرحلة المدلول التصديقي هناك مدلول تتطابق أجزاؤه مع المدلول التصوري، و لا يمكن أن يكون موضوع الاستيعاب في المدلول التصديقي هو الطبيعة المهملة، بل إمّا المطلقة، و إمّا المقيدة، لأن، الموجود منها في ذهن المتكلم هو أحدهما، و عليه فلا بدّ من دليل يدل على تعيين الموجود منهما في ذهن المتكلم، و ذلك الدليل هو مقدمات الحكمة، إذن وظيفة مقدمات الحكمة هي تعيين المراد من المدخول الذي انصب عليه الاستيعاب بعد فرض عدم جدوى كونه مهملا- و أنّه المطلق و هذا الاحتمال غير تام أيضا، و لتوضيح الحال، نتدبر مثالين.

37

1- المثال الأول‏: هو أنه لو أخذنا- «أكرم زيدا»- فإن مدلوله التصوري واضح، و هو الوجوب بنحو النسبة الإرساليّة المتعلق- «بزيد»-، لكن لو شككنا في أنّ المتكلم، هل كان هازلا أم جادا في كلامه، فالمرجع حينئذ هو، أصل عقلائي يقول: إنّ ظاهر حال المتكلم، أن لا يقول ما لا يريده، و هذا غير مقدمات الحكمة، إذ لسنا بحاجة إليها في المقام لتعين المراد.

2- المثال الثاني‏: هو، «أكرم العالم»، فإنه لا بدّ من إجراء مقدمات الحكمة لإثبات الإطلاق عند الشك في التقييد، و ذلك عملا بأصل عقلائي يقول: إنّ ظاهر حال المتكلم هو، أن لا يريد أزيد ممّا يقول، فلو أنّه أراد «الفقيه» من قوله،- «أكرم العالم»- لكان مراده أزيد من كلامه، و هذا الظهور هو مقدمات الحكمة.

و الأصل الأول نحتاجه في كل كلام نحتمل فيه الهزل لإثبات أنّ المولى كان جادا، بينما الأصل الثاني نحتاجه في كلام نحتمل فيه التقييد فقط.

و الآن نأتي إلى أداة العموم فنقول: إنها في مرحلة المدلول اللفظي موضوعة لاستيعاب تمام أفراد المدلول الوضعي للمدخول، و هو الطبيعة المهملة، لكن أوضحنا أنها مطلقة بالحمل الشائع، و في مرحلة المدلول التصديقي لو كان لا يريد إكرام الكل، لكان معناه أنه قال ما لا يريده، و هو خلاف الظهور الحالي الأول، بينما في- «أكرم العالم»- يمكن أن لا يريد إكرام البعض، لأن هذا البعض ليس مقولا لكلامه، فإن المطلق لا نظر له إلى الإفراد، بل ينظر إلى ذات الطبيعة، و هي صادقة في البعض و في الكل.

و هذا هو الفارق بين العموم و الإطلاق، فإنه في العام يتعامل مع الأفراد بخلاف المطلق، فإنه يتعامل مع الطبيعة، و عليه فالحكمة التي نحتاجها في الأداة و مدخولها هي الظهور الحالي الأول للمتكلم لا الثاني، فإنّ هذا مورده الإطلاق، و بهذا يتضح عدم الحاجة إلى إجراء الإطلاق و مقدمات الحكمة في مدخول الأداة.

38

2- المسلك الثاني: هو أنّ- «كل»- تدل على استيعاب تمام ما يصلح انطباق المفهوم عليه، دون حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة في مدخولها، في مرتبة سابقة.

و هذا المسلك، يستدل عليه، بكل الاعتراضات السابقة على المسلك الأول، كما أنّ الاعتراض على هذا المسلك الثاني، يكون بنفسه دليلا على المسلك الأول، و ما يستدلّ به على المسلك الأول،- و الذي لو تمّ، يكون اعتراضا على المسلك الثاني-، هو أن يقال: إن مفاد أداة العموم هو الاستيعاب و المدلول الوضعي للمدخول هو، الطبيعة المهملة المرددة بين المطلق و المقيّد، و البشرطلا- كما في قولهم- «الإنسان نوع».

و حينئذ نقول: أن الطبيعة المهملة، ما دامت كذلك فهي لا تصلح للانطباق على شي‏ء من الأفراد ما لم تتعين، و عليه فلا بدّ و أن تتعين في المطلق إن أردنا انطباقها على تمام الأفراد، أو في المقيد إن أردنا انطباقها على البعض، أو في البشرطلا، إذا أردنا سلخها من الدلالة على أيّ فرد.

و بناء عليه، فانطباقها على تمام الأفراد متوقف على إعطائها صفة الإطلاق.

و لكن ما الذي يعطيها صفة الإطلاق؟.

فإن قيل: كلمة «كل»، كما هو ظاهر السيد الخوئي (قده)، فهو غير تام، لأن كل، حينئذ، هل تدل على الإطلاق في المدخول مع دلالتها على الاستيعاب، أم أنها تدل عليه بدلا عنه؟، فإن كان الأول، فيلزم منه استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، و إن كان الثاني، فهو خلاف فهمنا للاستيعاب من قولنا: أكرم كل عالم، إذن لا بدّ من دال آخر، و هذا الدال الآخر ليس إلّا مقدمات الحكمة.

و بهذا البرهان من الميرزا (قده) يظهر أن ما أفاده السيد الخوئي (قده) لإبطاله- بدعوى أنّ الأداة، هي، التي تدل على أنّ مدخولها عبارة عن الطبيعة المطلقة- غير تام.

و لكن برهان الميرزا (قده) هو أيضا غير تام، و يبطله ما ذكرناه سابقا،

39

من إمكان إثبات الإطلاق في المدخول دون حاجة إلى مقدمات الحكمة، حيث ذكرنا أنّ الطبيعة مطلقة بالحمل الشائع، و لأنها لمّا لم يلحظ معها قيد، تكون مطلقة و إن لم يكن الإطلاق داخلا في مدلولها، إذ لا يراد بالمطلقة إلّا أن تتصور الطبيعة من دون أن تتصور معها قيد، لا أن يتصور معها عدم القيد.

و حينئذ تكون قابلة للانطباق على تمام الأفراد، و يطرأ الاستيعاب عليها، إذ أنّ هذا يحصل، من نفس إطلاق اسم الجنس من دون قيد، بعد إحراز عدم استعماله في المقيد بواسطة اصالة الحقيقة كما عرفت، و بهذا يكون مدخول الأداة قابلا للانطباق على الأفراد بذاته بلا حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة.

و قد تبين من ذلك، عدم صحة الإشكال الذي كنّا قد أوردناه على برهان الميرزا (قده)، و الذي كان حاصله مبنيا على افتراض أن الطبيعة لا تكون قابلة للانطباق على الأفراد لأنها جامعة بين ما يقبل الصدق عليها- بشرط شي‏ء، و لا بشرط- و بين ما لا بقبل الصدق عليها- بشرط لا، و قلنا هناك، أنه يكفي في انطباقها، إخراج البشرطلا، من تحتها، فتبقى جامعة بين البشرطشي‏ء، و اللابشرط، و حينئذ تقبل الانطباق و الصدق، و عليه تكون قابلة للانطباق و لو بالجملة، و لكن هذا لا يكفي، لأن المطلوب قابليتها للانطباق على تمام الأفراد، و هو فرع كونها مطلقة.

و قد اتضح أيضا، أن كل أدوات العموم غير محتاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة في مدخولها بلا فرق بين كل و غيرها ممّا يكون دلالته على العموم بالوضع.

و لكن بعد أن وافقنا الميرزا (قده) في مدّعاه، بأنّ الطبيعة لا بدّ من أن تتعيّن في المطلق قبل طرو الاستيعاب عليها، خالفناه في الطريق إلى ذلك و قلنا: إنّ الطريق إلى ذلك، ليس ما ذهب إليه الميرزا (قده)، من أنّه مقدمات الحكمة، بل الطريق إلى مدّعاه إنّما هو اصالة الحقيقة، فإنها تكفي في إثبات أن المدلول مطلق بالحمل الشائع.

40

و لكن ربّما يجاب على بياننا هذا بما حاصله: أنّ الحكم إذا تعلق بالطبيعة المهملة، فإنه يسري إلى تمام الأفراد، و ذلك، لأنّ اسم الجنس- إنسان- موضوع للطبيعة المهملة، و الوضع حكم على اللفظ و المعنى، لأنه عبارة عن جعل العلقة الوضعية بينهما، و اسم الجنس يسري إلى تمام أفراد معناه، بدليل صحة استعمال كلمة- «إنسان»- في كل واحد من حصصه، على نحو تعدد الدال و المدلول، مثل «إنسان طويل» «إنسان قصير»، «إنسان أسود»، «إنسان أبيض» و هكذا، و لو لا السريان إلى تمام الحصص، لما صحّ ذلك، و مقامنا من هذا القبيل، فإنّ الاستيعاب حكم يتعلّق بالطبيعة المهملة، و يسري إلى تمام الأفراد دون حاجة إلى ما يفرضه الميرزا (قده) من لزوم تحديد الطبيعة في المطلق لإثبات صحة السريان‏ (1)، فإن العلقة الوضعية أيضا، هي حكم من قبل الواضع، يربط فيه بين اللفظ و ذات الطبيعة المهملة، مع أنّ هذا الحكم يسري إلى تمام الحصص، فكذلك يقال في المقام: إنّ الاستيعاب حكم للطبيعة المهملة، التي هي المدلول الوضعي و يسري إلى تمام الأفراد.

و الجواب على هذا و إن كان في بحث المطلق و المقيد، لكن على نحو الإجمال نقول.

إذا لاحظنا وجوب الإكرام في قولنا: «أكرم العالم»، فإننا نراه يسري إلى تمام أفراد الطبيعة، و موضوع الإكرام، هو ذات طبيعة العالم، لا الطبيعة بما هي مطلقة، و هذا يعني، أنّ الإطلاق ليس دخيلا في الموضوع، إذ لو كان دخيلا، لما وجدنا العالم المطلق الذي يجب إكرامه، مع أنّه ثابت و مقوم للموضوع، فكيف نفسر هذا التناقض؟.

و الجواب هو، أنه في الذهن مرئي- هو، ذات الطبيعة-، و مرآتان- هما، الإطلاق و التقييد- و هناك كيفية رؤية ذات الطبيعة بأيّ من المرآتين،

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي- ج 2 هامش ص 440- 441.

41

و هي إمّا رؤية إطلاقية، و هي عبارة عن لحاظ الطبيعة مع عدم لحاظ الخصوصية من القيد، و الوصف.

و عدم لحاظ الخصوصية، قيد في الرؤية، لا في العالم- المرئي- إذ أنّها لا تزيد في المرئي شيئا عن ذات الطبيعة، و إمّا رؤية تقييدية، و هي عبارة عن لحاظ الطبيعة مع لحاظ القيد و الوصف و إلا لما حكم المولى بوجوب الإكرام على العالم، فالإطلاق هنا غير داخل في الموضوع لأنه خصوصية للرؤية لا المرئي، فهو كالمنظار فكما أن المنظار لا يدخل في المنظور، فكذلك عدم لحاظ الخصوصية، فإنها خصوصية للرؤية، و عدم لحاظ الخصوصية هذا، الذي هو غير داخل في الموضوع، يحدد مدى سعة الموضوع، فهو يشكل الحيثية التعليليّة لسعة الموضوع لا الحيثية التقييدية، فالواجب إذن، إكرام ذات الطبيعة، من دون أن يكون الإطلاق دخيلا في موضوع الإكرام.

و هذا الكلام بنفسه يجري في الوضع، فإن الواضع عند ما جعل العلقة الوضعية، فإنما جعلها لذات المعنى ناظرا له بالرؤية الإطلاقية فتكون هذه حيثية تعليلية تقتضي سعة إطلاق الموضوع، و هو يقتضي صحة انطباقه على تمام أفراده.

و هذا بنفسه يجري في المقام أيضا، فإن الاستيعاب الأداتي موضوع لذات الطبيعة، لا المطلقة بما هي مطلقة، لأن ما ينطبق على الأفراد خارجا هو المنظور و ليس المجموع من المنظور و النظارة، و ذات الطبيعة بالحمل الشائع مطلقة، و لولاه لما أمكن الاستيعاب.

ثم أجيب على بياننا ثانية، فقيل: إن الطبيعة المهملة هي الجامع بين المطلق و المقيد، إذن، فهي محفوظة فيهما، و لا بدّ من صحة انطباقها عليهما، و المطلق بدوره محفوظ في أفراده و منطبق عليها، و المحفوظ في المحفوظ، محفوظ.

إذن فالمهملة محفوظة و منطبقة على تمام الأفراد، و لا حاجة لمقدمات الحكمة.

42

و الجواب هو أن هنا نحوين من الرؤية.

1- النحو الأول‏: الرؤية الإطلاقية، و هو مكونة من عنصرين، أحدهما، لحاظ ذات الطبيعة. و الثاني، هو عدم لحاظ الوصف، و المنظور بهذه الرؤية هو ذات الطبيعة، و قد عرفنا آنفا، أن عدم لحاظ الوصف لا يزيد في المرئي شيئا.

2- النحو الثاني‏: الرؤية التقييدية: و هي مكوّنة من لحاظ ذات الطبيعة، مع لحاظ الوصف، أو القيد.

ثم إن لحاظ القيد يساهم في تكوين نحو رؤية، لكن له مرئي، لأنه لحاظ، لا عدم لحاظ.

و هاتان الرؤيتان متباينتان، فإنّ الأولى: حيثيّة تعليليّة لسعة الانطباق، و الثانية: حيثيّة تعليليّة لضيق الانطباق، و أمّا ذات المرئي- الطبيعة- فهو محفوظ فيهما، و ذات الطبيعة لا يمكن تصورها و تعليق الحكم عليها، إلّا من خلال هاتين الرؤيتين، فإنّ كلا منهما، متوقف على وجودها في الذهن، و هو لا يكون إلّا ضمن الإطلاق و التقييد، فإذا لم ينظر إليها بأحدهما، لا يمكن الحكم عليها بشي‏ء ليقال: بأنّ الحكم يسري إلى تمام الأفراد أم لا، و إذا نظر إليها بأحدهما، فيتبعها حكمها.

و من هنا يتضح، انّ الطبيعة المهملة، هي عين الطبيعة المطلقة، لكن مع قطع النظر عن طراز الرؤية، و قطع النظر عن ذلك، هو رؤية في الحقيقة، فالمهملة عند ما ترد إلى الذهن، تكون مطلقة بالحمل الشائع.

و بهذا يتضح، أنه لا معنى لدلالة الأداة على استيعاب مدخوله، و هو اسم الجنس الذي هو ذات الطبيعة، إلّا إذا كان الملحوظ هو الطبيعة المطلقة بالحمل الشائع، إذ بهذه الرؤية يمكن الحكم بالاستيعاب على ذات الطبيعة، و أمّا الطبيعة بما هي مجردة عن الرؤية الإطلاقية و التقييدية- المسماة بالطبيعة المهملة- فليست مرئية لكي يعقل أن تقع موضوعا لحكم، سواء أ كان ذلك‏

43

الحكم هو، الوضع أو الاستيعاب أو غيرهما من الأحكام، فأيّ طبيعة تفترض رؤيتها، فهي ليست إلا المطلقة بالحمل الشائع أو المقيّدة، و إلّا، لزم ارتفاع النقيضين المحال.

و من هنا فإنّ الصحيح في الاعتراض على المحقق النائيني (قده)، هو ما ذكرناه، من أنّ إثبات كون مدخول الأداة هو الطبيعة المطلقة بالحمل الشائع لا يحتاج إلى مقدمات الحكمة و الإطلاق، و إنّما يكفي نفس ذكر اسم الجنس و عدم ذكر القيد معه، و حينئذ إذا أضيف إلى هذا، مدلول الأداة، تتم بذلك حينئذ الدلالة اللفظية على استيعاب تمام الأفراد التي تنطبق عليها الطبيعة.

2- المقام الثاني: هو في بيان سنخ العموم الذي تدل عليه، «كل»

فهل إنّها تدل على العموم الاستغراقي، أم أنّها تدل على العموم المجموعي، بعد وضوح عدم دلالتها على العموم البدلي، قولان:

1- القول الأول: هو أنّها مقتضى الإطلاق فيها الاستغراقية،

و ذلك لأن المجموعية تحتاج إلى عناية زائدة، هي عناية تقييد بعض الأفراد ببعض، لتتحول إلى أجزاء مترابطة في مركب واحد.

و من هنا، كان امتثال العموم المجموعي، بالإتيان بجميع الأفراد، و عصيانه، بترك و لو فرد واحد منها.

و عليه، فإذا كان هناك ما يدل على هذه العناية، يكون العموم مجموعيا، و إلّا، فالإطلاق يقتضي كونه استغراقيا.

و بتعبير آخر يقال: إنّ مقتضى الأصل في «كل» إفادة العموم الاستغراقي، و أما المجموعي، فإنه بحاجة إلى عناية زائدة، و حينئذ، ننفيها بالإطلاق، بدعوى أنّ المجموعيّة، كما عرفت،- تتوقف على ملاحظة أمر زائد على ذات الأفراد يكون به مركبا وحدانيا يشكّل كل فرد منه جزءا فيه.

2- القول الثاني: هو عكس الأول،

أي أنّ مقتضى الإطلاق هو

44

المجموعية، أي أنّ العموم المجموعي هو المفاد الأولي لأداة كل، باعتبار انّ العموم المجموعي و إن كان بحاجة إلى عناية زائدة، لكن هذه العناية داخلة في المراد الاستعمالي لكلام المتكلم، لأن لفظ كل قد أعمل في مدلولها هذه العناية، فإنه مفهوم واحد يحيط بتمام الأفراد، و حينئذ، مقتضى اصالة التطابق بين مقامي الثبوت و الإثبات هو أن تكون هذه العناية قد أخذت في موضوع المراد الجدي للمتكلم، و إن شئت قلت: إنّ العموم المجموعي هو المفاد الأولي لأداة كل، باعتبار أنه لا بد من افتراض وجود معنى وحداني للأداة تتوحد فيه الأفراد المتكثرة، و أمّا الدلالة على الأفراد المتكثرة بما هي متكثرة فهي معان متكثرة لا يمكن أن تكون مدلولا للأداة الواحدة.

و التحقيق هو أن يقال: إنّ عناية توحيد الكثير على نحوين.

1- النحو الأول: هو أن يفرض أنّ هناك أفراد تشترك في صفة واحدة، «كالعلم»، و نريد أن نعبّر عنهم جميعا بلفظ واحد، كلفظ، «كل»، فحينئذ لا بدّ للمستعمل من إلباس هذه الكثرة ثوب الوحدة، فيجعلها شيئا واحدا و يستعمل فيه اللفظ.

و هذه العمليّة، عمليّة اعتباريّة في عالم الاستعمال، و ليس لها ما وراء في الخارج أصلا.

2- النحو الثاني: هو أن يفرض أنّ هذه الأفراد لها صفة مشتركة قائمة بمجموع الأفراد مع قطع النظر عن الاستعمال، و هذه الصفة تعطيهم نوعا من التوحد، باعتبار أن الأفراد بمجموعهم أصبحوا مركزا لهذه الصفة.

كعنوان الجيش، و الفرق بين النحوين هو، أنّ صفة العلم في الأول قائمة بالجميع، أي بكل فرد بما هو هو، و هذه الصفة لم تعط للأفراد توحدا بحيث تصيرهم مركبا، بينما في النحو الثاني، التركيب ثابت بقيام صفة بالمجموع مع قطع النظر عن اعتبار المعتبر بقيام هذه الصفة.

و حينئذ يقال: إنّ عناية توحيد الكثير المأخوذة في المدلول‏

45

الاستعمالي، إن كانت مأخوذة فيه لمجرد كونها عملية اعتبارية من المستعمل للاستطراق بها إلى التمكن من الاستعمال في المجموع، فهي من شئون الاستعمال، و ليس لها ما وراء و محكي في الخارج، و عليه، فلا يقتضي البناء العقلائي حفظ هذه العناية في مرحلة المراد الجدي، لأنه إنما يجب حفظ كل ما يقوله في مرحلة المدلول الاستعمالي، في مرحلة المدلول الجدي إذا لم يكن من شئون الاستعمال.

و إن كانت مأخوذة فيه باعتبار أنّ لها واقعا موضوعيا وراء شئون الاستعمال، فمثل هذا التركيب ينبغي حفظه في مرحلة المراد الجدي، و مقتضى اصالة التطابق حفظه، و ذلك لأن هذا التركيب له ما وراء و هو ليس من شئون الاستعمال.

و من هنا نفرق بين، أكرم كل رجل، و أكرم كل العسكر، فإنّ الأول، مقتضى الإطلاق فيه، كون العموم استغراقيا، لأن المجموعية بحاجة إلى عناية توحيد الكثير في مرحلة المراد الجدي، و لا قرينة على ذلك، بينما الثاني مقتضى الإطلاق فيه كون العموم مجموعيا، ما لم يكن قرينة على الخلاف، لأن نكتة توحيد الكثير، لها واقع و محكي وراء عالم الاستعمال فينبغي حفظه في مرحلة المراد الجدي.

و على ضوء ما ذكرنا آنفا، نستطيع أن نفسّر وجه الفرق بين «كل» الداخلة على المفرد النكرة حيث تفيد العموم الإفرادي و الاستغراق بلحاظ الأفراد، و «كل» الداخلة على المفرد المعرّف باللام حيث تفيد العموم الاجزائي. فتارة تقول: اقرأ كل كتاب، و أخرى تقول: اقرأ كل الكتاب، فالقول الأول نفهم من «كل» الاستغراقية، فيكون كل فرد موضوعا لحكم مستقل، لأن وحدة هذه الكتب ليست إلّا حيثية اعتبارية محضة خلقها المستعمل في مرحلة الاستعمال ليصححه و ليس لها ما بإزاء، بينما كل في القول الثاني نفهم منها المجموعية، أي حكما واحدا قائما بالمجموع، و لذا لو ترك ورقة دون قراءة، يكون قد عصى الأمر، و هذا الفهم في المقامين‏

46

منشؤه هو، انّ حيثية اجتماع الأفراد في الأول اعتبارية محضة نشأت من ضرورة عالم الاستعمال، فإن المستعمل ليس هو الذي أعطى هذه الوحدة للمركب، بل هي موجودة بقطع النظر عن لحاظ الاستعمال، و من هنا كانت اصالة التطابق تقضي بأن هذه الحيثية الوحدوية مأخوذة في المراد الجدي كما كانت مأخوذة في المراد الاستعمالي التصوري، إذن فالأصل في كل حيث تأتي لإفادة العموم الإفرادي هو الاستغراقية، و حيث تأتي لإفادة العموم الأجزائي هو المجموعيّة، و مما يؤيّد هذا التمييز بين مدلولي كل هو اتفاق علماء العربية على أنّ كل بلحاظ حال لفظها مذكرة مفردة، لكن بلحاظ حال معناها تختلف من التذكير إلى التأنيث و من الأفراد إلى التثنية إلى الجمع فذكروا أنها إذا دخلت على النكرة كانت في الافراد و الجمع و التأنيث و التذكير تابعة لمدخولها- عند الأصوليين- أي معناها عند علماء العربية- بينما إذا دخلت على المعرفة فيجوز فيها الوجهان- أي لحاظ مدخولها، و لحاظ نفسها- فإنه إذا دخلت على النكرة كانت ظاهرة في الاستغراقية التي لا تلحظ فيها توحد المتكثرات و إن كان هناك وحدة في مرحلة الاستعمال و الرؤية، ففي قولنا، كل جمع، يلحظ المدخول، فيرجح ضمير الجمع، و أمّا إذا دخلت على المعرفة فتكون ظاهرة في كون المجموع ملحوظا كشي‏ء واحد على النكتة المزبورة، ففي قولنا كل عالم، يرجح ضمير المفرد المذكرين، و هذا يؤكد ما ذكرنا إذ يبدو أنّ مدلول كل اللفظي، و «هو حيثية الكثرة» منسحقة و مختبئة في الجملة و ليس له ظهور، إذ حتى في مرحلة الإسناد الكلامي لا ينظر إليه، و معه كيف يقال: انّ هذا المدلول المطلق يجب حفظه في مرحلة المدلول الجدي؟.

()

47

«الجمع المحلّى باللّام»

و من جملة ما ادّعي إفادته العموم، دخول اللّام على الجمع.

و البحث فيه يقع في مقامات.

1- المقام الأول: في كيفيّة دلالته على العموم ثبوتا.

2- المقام الثاني‏: في كيفيّة دلالته عليه إثباتا.

3- المقام الثالث‏: في أنّ العموم الدال عليه، هل هو استغراقي، أم مجموعي؟.

أمّا المقام الأول‏: فالكلام فيه «تارة»، يكون بناء على كون العموم أنه استيعاب مفهوم لأفراد نفسه، أي استيعابه لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه كما فسّره الآخوند (قده) و تارة أخرى بناء على ما حقّقناه من أنه استيعاب مفهوم لتمام أفراد مفهوم آخر.

أمّا بناء على التفسير الأول، فإنّنا نحتاج إلى مفهوم اسمي واحد يكون مستوعبا لأفراد نفسه، و بناء عليه، نحلل لفظ العلماء، فنرى أنّ فيه: «مادة، و هيئة، و اللام».

و المادة تدل على مفهوم اسمي بلا إشكال، و اللام تدل على معنى حرفي بلا إشكال.

و محط الكلام إنما هو الهيئة، فهل تدل على معنى حرفي أم معنى اسمي؟.

يمكن القول بأنها تدل على معنى حرفي كبقية الهيئات، و هذا المعنى الحرفي قائم بمدلول مادة العلماء، فيدل على تعدد الأفراد المرادة من هذه المادة،

48

لكن بما هو نسبة، و يمكن القول، بأنها تدل على معنى اسمي، و هو عبارة عن المتعدد من أفراد المادة- ما لا يقل عن ثلاثة-. و إن شئت قلت: إنّ البحث الثبوتي تارة يكون الكلام فيه مبنيا على تفسير الآخوند (قده) للعموم، بأنه استيعاب مفهوم لتمام أفراد نفسه، و أخرى يكون الكلام فيه مبنيا على تفسيرنا و تحقيقنا، من أن العموم هو استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر، فأما على التفسير الأول فيقال: لا إشكال في اشتمال الجمع المعرّف باللام على دوال ثلاثة هي، «مادة الجمع و هيئته، و اللام».

و لا كلام في مادة الجمع، و إنّما البحث عن مدلول الدالين الآخرين و حينئذ يقال: إنّ هيئة الجمع تارة يفترض أنّ مدلولها معنى اسمي هو المتعدد من أفراد المادة، و تارة أخرى يفترض أن مدلولها معنى حرفي فقط شأنها في ذلك شأن جميع الهيئات.

و إذا أردنا تطبيق العموم بناء على الفرض الأول، و هو تفسير الآخوند (قده) فعلينا أن نتصور أنّ مدلول هيئة الجمع هو العام الذي يستوعب تمام أفراد نفسه و ذلك من خلال عدة وجوه.

1- الوجه الأول‏: هو أن يقال: انّ هذا المفهوم الاسمي يستوعب كل فرد فرد من أفراد العلماء باعتبار اندراج كل فرد تحت الجمع.

و جوابه‏: إنّ كل فرد فرد ليس فردا من مدلول هيئة الجمع، لأنّ مدلولها هو، الجمع بالمعنى الاسمي، و الفرد ليس مصداقا له، كي يكون مقتضى استيعاب الجمع لتمام مصاديق نفسه، شموله لكل فرد.

و عليه، فاستيعابه للأفراد لا ينطبق عليه تعريف الآخوند (قده) للعموم.

2- الوجه الثاني‏: هو أن يقال: إنّ مدلول هيئة الجمع بناء على كونه معنى اسميا يستوعب كل ثلاثة ثلاثة منها، فيكون كل فرد داخلا باعتبار جزء الثلاثة.

و جوابه‏: هو أنّ الثلاثة و إن كان أحد مراتب الجمع و مصاديقه، لكن‏

49

هيئة الجمع لم توضع لمصداقها الثلاثة بشرط لا من حيث الزيادة إذ مقتضى مفهوم العموم استيعاب جميع مصاديقه التي منها، الأربعة أربعة، و الخمسة خمسة، و الستة ستة، و هكذا إلى آخر حلقات و مصاديق الجمع إن كان للجمع آخر و نهاية.

3- الوجه الثالث‏: هو أن يقال: إنّ هيئة الجمع وضعت لمعنى مرن، نعبر عنه، بالمتعدد الذي لا يقل عن ثلاثة، و لكن قد يزيد، لكن عند ما ندخل عليه اللّام، فإنها تدل على أنه أريد منه المرتبة العليا، فيستوعب تمام المراتب الأخرى.

و جوابه‏: هو أنّ هذا بحسب الحقيقة، ليس عموما بالمعنى الدقيق، لأنه ليس استيعابا لتمام مصاديق الجمع، إذ المرتبة العليا من الجمع هي إحدى مصاديقه لا جميعها و لكن جعلوا من اللام قرينة على إرادة هذه المرتبة باعتبار دخول المراتب الأخرى تحتها فكأنها كل المراتب، و إنّما معنى العموم هو أن تدل اللّام مع مدخولها على استيعاب تمام أفراد نفسه، أي الجموع كلها، و هنا قد دلت على أن مدلولها متعين في المرتبة العليا، و هذا نتيجة العموم لا نفس العموم.

4- الوجه الرابع‏: هو أن مدلول هيئة الجمع الذي هو العام، يستوعب تمام أفراد نفسه من مراتب الجمع بحسب المدلول التصوري، أي الثلاثات و الأربعات و الخمسات بحسب المدلول الجدّي.

و جوابه‏: إنّه يلزم من ذلك، التداخل، فإن الثلاثة داخلة في ضمن الأربعة و الأربعة في ضمن الخمسة و هكذا الخمسة في ضمن الستة إلى آخر الجموع، كما أنّه يلزم من ذلك الاشتراك، إذ قد يدخل فرد في ثلاثتين و هكذا، لكن لمّا كان المولى لا يريد إكرام الواحد مرتين، فهذا يشكّل قرينة على إسقاط المتكررات من وجوب الإكرام و عدم ثبوت أحكام متعددة للفرد الواحد، باعتبار دخول هذه المتكررات تحت حكم مجاميع متعددة، و حينئذ فسوف يبقى عندنا ما يشبه نتيجة الوجه الثالث- تمام الأفراد- فإنها هي المرتبة التي لا يتصور فيها تكرار.

50

و أما إذا أردنا تطبيق العموم بتعريف الآخوند بناء على الفرض الآخر الذي يفترض أن مدلول هيئة الجمع معنى حرفي بحت- ملاحظة التعدد في مدلول المادة بما هو نسبة و ربط- كما في الهيئات الأخرى، أي أنه يدل على استيعاب المادة لأفرادها، فإنه يلزم من ذلك اجتماع معنيين حرفيين على مدلول مادة الجمع كما في كلمة العلماء، و هما هيئة الجمع، و اللام، و حينئذ، نواجه في مقام تصوير دلالته على العموم عدة افتراضات.

1- الافتراض الأول‏: هو أن يكون لكل من الهيئة و اللام مدلول حرفي خاص به، في مقابل الآخر، و كلاهما يطرءان على مدلول المادة في عرض واحد، فيدل كل منهما على استيعابه لأفراد نفسه، فالمعنى الذي تدل عليه الهيئة نسبة من التعدد- و هي مرتبة من الاستغراق- ثلاثة فصاعدا من دون تعيين- و الذي تدل عليه اللام، هو الاستغراق الكامل، أي تمام المراتب.

و جوابه‏: هو أنه لو كان الأمر كذلك، لكان الاستغراق الأول، مستدركا في الثاني و مستغنى عنه، لأنّ الناقص- أي الاستغراق المستفاد من الهيئة- يكون زائدا في الصورة الذهنية، لوضوح أنّنا لا نتصور في المقام استغراق مادة الجمع لشي‏ء من أفراده مرتين في عرض واحد.

2- الافتراض الثاني‏: هو أن يكون كل من اللام و هيئة الجمع بمجموعهما موضوعا لاستغراق واحد لتمام الأفراد، أي يكونا بمجموعهما دالا على استيعاب المادة لتمام أفرادها بنحو المعنى الحرفي.

و جوابه‏: هو أنّ هيئة الجمع في المعرّف، نفسها في المنكّر، و لازم ذلك، تعدد الوضع لهيئة الجمع، و لو كان الأمر كذلك، لوجب أن يختلف مدلولها في مورد دخول اللام عليها، عن مدلولها في مورد عدم دخوله عليها.

و هو على خلاف المرتكز العرفي.

3- الافتراض الثالث‏: هو أن يكون لكل من هيئة الجمع و اللام،

51

مدلولا حرفيا، لكنهما وردا على المادة بنحو الطولية، كما هو ترتيبهما اللفظي في الكلمة، بمعنى أنّ اللام طرأت على الهيئة بعد طرو الهيئة على المادة، فتدل اللّام على النسبة الاستيعابية بين مدلول مادة الجمع المستوعبة ببركة مدلول هيئة الجمع، استيعابا ثلاثيا و بين الأفراد بأحد الوجوه الأربعة المتقدمة مع مناقشتها، بناء على كون مدلول هيئة الجمع اسميا.

فنتيجة هذا الفرض، نفس نتيجة كلامنا السابق، عن هيئة الجمع لو كان مدلولها معنى اسميا، لأنّ مدلول المادة، بعد أن يمتص مدلول الهيئة الحرفي، يصبح عبارة أخرى عن معنى اسمي مطعّم بالجمع، ثم دخلت عليه اللام و حينئذ تأتي نفس الوجوه الأربعة المتصورة المتقدمة مع مناقشتها.

و أمّا بناء على التفسير الثاني: فالصحيح ما اخترناه من أنّ العموم هو، استيعاب مفهوم لتمام أفراد مفهوم آخر- فإنه حينئذ يجب أن نحصل على دال يدل على مفهوم مستوعب، و دال آخر، يدل على مفهوم مستوعب، و دال ثالث، يدل على النسبة الاستيعابية بينهما على نحو المعنى الحرفي.

و في الجمع المعرف باللّام، أولا، هيئة الجمع تدل على معنى اسمي- الجماعة التي لا تقل عن ثلاثة- كما اخترنا ذلك في هيئات أسماء الفاعلين و المفعولين و الصفات المشبهة و غيرها في بحث المشتق، و هو المفهوم المستوعب.

و ثانيا: المادة، و تدل على المفهوم المستوعب، بلحاظ ما له من مصاديق خارجا.

و ثالثا: اللّام، و تدل على النسبة الاستيعابية، غاية الأمر، انّ دلالتها على ذلك، ترجع إلى تعيين مرتبة الجمع-، و هي العليا في العموم.

و الفرق بين قولنا «كل عالم»، في دلالته على العموم، حيث لم نحتج إلّا إلى دالين، هما، لفظ «كل»، و لفظ، «عالم»، و بين المقام، حيث احتجنا إلى ثلاث دوال، حيث انّ الاستيعاب، تارة يكون ذاتيا لمفهوم المستوعب،

52

«ككل»، فلا نحتاج حينئذ إلى ما يدل عليه، و أخرى لا يكون ذاتيا له، كهيئة الجمع، «علماء»، و حينئذ لا بدّ من دال يدل عليه.

2- أمّا المقام الثاني: و هو في كيفية دلالة الجمع المعرّف باللّام على العموم إثباتا،

و فيه مسلكان، لتخريج هذه الدلالة و إثباتها.

1- المسلك الأول‏: هو أن «اللام» فيه، قد وضعت لإفادة العموم بأحد الأدلة المنقولة.

و هذه الدعوى، تعني، أنّ هناك فرقا بين «اللام» الداخلة على الجمع، و اللّام الداخلة على المفرد، فإنّ الأولى تدل على العموم بالوضع، بينما الثانية تدل عليه بمقدمات الحكمة.

2- المسلك الثاني‏: هو أنّ «اللام» لها معنى واحد في الموردين، و هو التعيين، كما ستعرف في بحث المطلق و المقيّد، لكن الداخلة على الجمع تدل على التعيين مباشرة، ثم على العموم، لأنها عند ما دلت على أنّ مدخولها متعين في الجميع، إذن يجب أن يراد به الاستغراق، لأنّ التعيين في الجميع لا يكون إلّا في المرتبة العليا المستوعبة لجميع الأفراد، إذ لو أريد مرتبة دون ذلك، لما كان متعينا، فلو كان للفظ «العلماء» مائة فرد، فإنه يكون متعينا في المائة، و إلّا لم يتعين، لأنه حينئذ، يكون كل فرد مرددا بين الخروج و الدخول.

و الآن، نستعرض الأمور التي ذكرت للفرق بين المسلكين أولا، ثمّ نستعرض المناقشات حول كل منهما ثانيا.

1- الأمر الأول: هو أنّ دلالة اللام على العموم- بناء على الأول- وضعية ثابتة بمقتضى اصالة الحقيقة في استعمال «اللام»،

و حينئذ، ننفي احتمال إرادة العهديّة منها، باصالة الحقيقة، بينما بناء على الثاني، فإنه مع احتمال العهديّة يلزم الإجمال، لأنّ «اللام» حينئذ، كما تصلح لتعيين الجمع في المرتبة العليا، فهي أيضا تصلح لتعيين المرتبة المعهودة، و معنى هذا انّ احتمال إرادة العهديّة، لا يكون على خلاف التعيين، كي ننفيه باصالة