بحوث في علم الأصول - ج8

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
490 /
5

[مقدمة من حسن عبد الساتر]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين و الصّلاة و السّلام على أشرف خلقه و أعزّ رسله محمّد و آله الطّيبين الطّاهرين.

و بعد فهذا هو الجزء الثامن من كتابنا بحوث في علم الأصول الّذي يتضمن بعض مباحث الأدلة العقلية- القطع، و التجري، و العلم الإجمالي، و الّذي استفدناه من دروس سيّدنا و أستاذنا الشهيد السعيد آية اللّه العظمى، السيّد محمّد باقر الصدر «(قدس سرّه)» الّتي ألقاها في دورته الأصولية الثانية، و قد امتازت بالمنهجة و التهذيب و الإبداع، نقدّمها بين يدي الباحثين و المحقّقين، متوسلين إلى اللّه سبحانه، أن يتغمد سيّدنا و أستاذنا الشهيد برحمته الواسعة، و أن يحشره مع آبائه و أجداده المعصومين، إنّه سميع مجيب.

بيروت- حسن عبد الساتر

ذو القعدة- 1422 ه

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدمة في تقسيم مباحث الحجج و الأصول العملية

ذكر الشيخ (قده) في مقام تقسيم و تصنيف الحج و الأصول العملية:

إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع، أو الظن، أو الشكّ، ثمّ فرّع على كل واحد من هذه الأصناف أحكامها (1).

و كلامنا حول هذا التقسيم لمباحث هذا القسم، يقع في جهات.

1- الجهة الأولى: في المقسم، و فيه بحثان:

1- البحث الأول: هو أنّ الشيخ (قده) جعل المقسم هو «المكلّف»، إلّا أنّ صاحب الكفاية (قده) عدل عن ذلك، و عبّر بدلا عنه، «بالبالغ العاقل الّذي وضع عليه القلم» (2).

و كأنّ عدوله باعتبار مسألة لفظية، حاصلها: إنّ المكلّف ظاهر في فعليّة التلبس بالمبدإ، و هو التكليف، مع أنّ الواقعة الملتفت إليها قد لا يكون فيها تكليف، كما لو كان فيها ترخيص و إباحة، و لأجل ذلك عبّر «بالبالغ العاقل الّذي وضع‏

____________

(1) الرسائل: الأنصاري، ص 3.

(2) كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 5.

8

عليه القلم» (1)، و يراد بالقلم، قلم التشريع و الجعل و لو على نحو الترخيص ليتلاءم المقسم مع سائر محتملات الواقع.

و هذا العدول في محله، لو كان المراد من المكلّف هو، المكلّف في شخص هذه الواقعة، أمّا لو ادّعي أنّ المراد من المكلّف هو، المكلّف في نفسه، يعني من كان ملزما من قبل الشريعة بما ألزم به النّاس من دون نظر إلى خصوص هذه الواقعة الملتفت إليها، لما بقي إشكال في جعل المكلّف مقسما.

و على أيّ حال: فإنّ هذه المناقشة لفظية لا مضمون علمي لها، و إنّما الّذي له مضمون علمي، هو التكلم في انّ هذه الوظائف المقرّرة في حالة القطع و الظن و الشك، هل تختصّ بالمكلّف، أو أنّها قد تجري في حق من لم يكن مكلفا؟.

فعلى الأول: يكون المقسم هو خصوص المكلّف، و على الثاني:

ينبغي أن يوسّع، بحيث يشمل غير المكلّف.

[انحاء جريان الوظائف المقرّرة في حالة القطع و الظن و الشك في حق غير المكلف‏]

و الصحيح هو الثاني، و انّ هذه الوظائف يمكن جريانها في شبهات حكميّة في حق غير المكلف، و ذلك بأحد أنحاء.

1- النحو الأول: هو أنّه بعد الفراغ عن انّ رفع التكليف عن غير المكلّف، ضرورة شرعية و عقلائية بنحو القضية المهملة، إلّا أنّه قد يفرض حصول الشك لغير المكلف في ارتفاع بعض الأحكام عنه‏

كما قد يقال بالنسبة للأحكام الشرعية الثابتة بقانون الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع، حيث يشكّ في انّ مثل هذه الأحكام، هل هي مجعولة في حق كل مميّز و إن لم يكن بالغا و مكلفا، أو أنّها مجعولة في حق خصوص المكلف؟ فهذه شبهة حكميّة قد تحصل لغير المكلّف، و لا

____________

(1) درر الفوائد: الخراساني، ص 2.

9

توجد ضرورة على خلافها، و حينئذ، فلا بدّ له من إعمال الوظيفة المقرّرة في مثل ذلك، و يكون حاله حال المكلف البالغ إذا حصلت له هذه الشبهة.

و الوظيفة في المقام بالنسبة لغير البالغ هو، أن يرجع إلى إطلاق دليل «رفع القلم». فإنّه حاكم على إطلاق أدلة الأحكام الواقعيّة و مخصّص لها فيما إذا لوحظ بالنسبة إلى مجموعها، هذا إذا لم يرد مقيّد لدليل «رفع القلم» في المقام، و أمّا مع وروده و وجوده، فيثبت به وجود التكليف حتّى لو وجد ما يدلّ على نفي فعليّة العقاب بالنسبة لغير البالغ، حيث أنّه لا منافاة بين فعليّة التكليف، و استحقاق العقاب، و بين عدم استحقاقه.

2- النحو الثاني: و هو كما لو شكّ غير البالغ في وقت تحقّق البلوغ بنحو الشبهة الحكمية، فلم يدر، هل انّ البلوغ يتحقّق بدخول الخامسة عشر أو بإكمالها؟

، و حينئذ، يحتاج إلى مؤمّن، إمّا اجتهادا، أو تقليدا، أو احتياطا.

و حينئذ يقال: إنّه إن كان لدليل الحكم الأولي إطلاق، فيتمسك به و يثبت بذلك الحكم في حقّه لمجرد الدخول في الخامسة عشر، و المفروض أنّ أدلة إخراج البالغ مجملة، فيكون المقام من قبيل المخصّص المنفصل المردّد أمره بين الأقل و الأكثر، فبالنسبة للأكثر يتمسك بإطلاق الدليل الأولي، و معه، يثبت الحكم في حقّه.

و أمّا إذا لم يكن للدليل الأولي إطلاق، فيرجع إلى الأصول، من الاستصحاب أو البراءة و مقتضى الأصول، هو البراءة عن فعليّة التكليف.

3- النحو الثالث: هو أن يشكّ غير البالغ في وقت تحقّق البلوغ بنحو الشبهة المفهومية

10

، كما لو شكّ في أنّ الشعر الّذي نبت له، هل يتحقّق به البلوغ، أو لا؟ و في مثله: لا بدّ من حل هذه الشبهة اجتهادا، أو تقليدا، أو احتياطا، و الرّجوع إلى الوظائف المقرّرة في مثل المقام.

و مرجع هذه الشبهة في أكثر الحالات، إلى وجود عام، و مخصّص مجمل مفهوما، يدور أمره بين الأقل و الأكثر، فالعام، كقوله تعالى:

أَقِيمُوا الصَّلاةَ*، و المخصّص المجمل مفهوما هو ما دلّ على أنّ من لم ينبت له شعر لا تجب عليه الصّلاة.

و هنا يفرض إجمال الشعر، من حيث كون المراد به خصوص الخشن، أو ما يشمل الناعم.

و حينئذ، يدور أمره بين الأقل و الأكثر، فإذا شكّ إنسان في أنّ ما نبت له من شعر، هل يتحقّق به البلوغ أو لا؟ فلا إشكال في أنّه يرجع إلى العموم، و هو قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ*، و به يثبت وجوب الصّلاة على هذا الشاك، هذا إذا لم نقل بجريان الاستصحاب في الشّبهات المفهوميّة كما هو الصحيح.

و أمّا إذا بنينا على جريان الاستصحاب فيها، فإنّ مقتضاها عدم وجوب الصّلاة على هذا الشاك و ذلك باعتبار استصحاب عدم نبات الشعر الموجب للبلوغ، و حينئذ، فهذا الاستصحاب لو لا عموم‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* لجرى و نفى التكليف، إلّا أنّه باعتبار وجود العموم هذا، لا بدّ له من ملاحظته بالنسبة إليه ليرى أيّهما المقدّم في المقام، و هذا بحث كلّي كان ينبغي ذكره في مباحث العام و الخاص في موارد دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص.

و حاصل الكلام في ذلك: هو أنّه قد يقال أولا: إنّ الاستصحاب هو المقدّم في المقام على أصالة العموم، و ذلك لأنّه يرفع موضوع‏

11

العموم، فإنّ موضوعه «من نبت له شعر موجب للبلوغ»، و الاستصحاب ينفي هذا الموضوع كما عرفت، و معه لا يبقى مجال للتمسك بدليل العام، فيكون الجاري في المقام هو الاستصحاب، و بذلك ينفى التكليف عن هذا الشاك.

و قد يقال ثانيا في قبال ذلك: إنّ المقدّم هو أصالة العموم، لأنّ مقتضاها بحسب مدلولها المطابقي هو شمول الحكم لهذا الشاك، و حينئذ، فتدلّ بالالتزام على أنّ ما نبت له من الشعر موجب للبلوغ، و لوازم الإمارات حجّة، و معه يرتفع موضوع الاستصحاب، إذ لا يبقى شكّ في كون هذا الشعر موجبا للبلوغ و عدمه.

و قد يقال ثالثا: بعدم تقديم أحدهما، بل هما متعارضان.

و تقريب ذلك: هو إنّ الاستصحاب في المقام ينقح موضوع عدم التكليف بالنسبة لهذا الشاك، لأنّه يثبت عدم نبات الشعر الموجب للبلوغ.

بينما أصالة العموم، فإنّها تثبت وجوب الصّلاة على هذا الشاك بمدلولها المطابقي، إلّا أنّها لا تدلّ بالالتزام على أنّ الشعر النابت موجب للبلوغ كما ادّعي، و ذلك لأنّها لو دلّت بالالتزام على ذلك، لكان منشأ هذا التلازم هو دليل الخاص القائل: «بأنّ من لم ينبت له شعر فلا تجب عليه الصّلاة حتّى لو كان شاكّا»، إذن، فبضم هذا الخاص إلى ذلك العام، يثبت إنّ هذا الشاك لم ينبت له شعر موجب للبلوغ، و إلّا لو قطعنا النظر عن الخاص لما أمكن استفادة التلازم المذكور.

إلّا أنّ الاستعانة بالدليل الخاص في مثل ذلك غير ممكن، لأنّ الغاية من التمسك بهذا العموم ليست إدخال الفرد المشكوك تحته، بل إخراجه من تحته، و إدخاله تحت العام الأولي، و هو أَقِيمُوا الصَّلاةَ*،

12

و هذا من قبيل التمسك بالعام في موارد دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص، و قد عرفت الكلام فيه مفصّلا، و أنّه غير ممكن.

و عليه: فلا يمكن أن نثبت بالعام إنّ الشعر النابت لهذا الشاك موجب للبلوغ، و عليه فلا ينتفي موضوع الاستصحاب بل تبقى أركانه تامة، كما أنّ أصالة العموم بمدلولها المطابقي تامة، فيقع التعارض بينهما.

و الصحيح في المقام هو، انّ فرض جريان الاستصحاب في المقام، مع فرض جريان أصالة العموم، غير ممكن، لأنّ كلا منهما مبني على نقيض ما بني عليه الآخر، و ذلك لأنّه إذا فرض أنّ العام بعد التخصيص قد تعنون بما عدا مدلول الخاص، فحينئذ يتعيّن جريان الاستصحاب، و لا يمكن التمسك بالعام، لأنّه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و إن فرض أنّ العام يتعنون بما عدا القدر المتيقن من الخاص، لا بما عدا مدلوله كما هو الصحيح في موارد الشبهة المفهومية، فحينئذ، يتعيّن جريان أصالة العموم، و لا يجري الاستصحاب، كاستصحاب عدم نبات الشعر الخشن، لأنّه ينقح مدلول الخاص بما هو، و هذا المدلول ليس موضوعا لحكم شرعي كما عرفت. إذن فيرجع إلى عمومات التكليف.

2- البحث الثاني: من الجهة الأولى: و هو لبيان أنّ المقسم، و هو المكلّف، هل يختصّ بخصوص المجتهد، أو أنّه يشمل مطلق المكلّف و لو كان عاميا؟.

و في المقام ذهب المحقق النائيني (قده) و غيره إلى اختصاصه بالمجتهد (1)، و لعلّ ذهابهم إلى ذلك باعتبار انّ هذه الوظائف المقرّرة

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 2.

13

هي وظائف للمجتهد، فلا بدّ أن يكون موضوع التقسيم هو المجتهد حينئذ.

و تحقيق الحال في المقام، يقع في مقامين.

1- المقام الأول: في أنّه ما هو مقتضى القاعدة و المنهجية في هذا التقسيم، و هل أنّها تقتضي اختصاصه بالمجتهد، أو الأعم منه و من المقلد؟

2- المقام الثاني: هو في أنّ الوظائف المقرّرة في علم الأصول من قبيل جعل الحجيّة، أو حجية الخبر الواحد، و الطريقيّة، أو الوظيفة العملية و ما ينشأ من ذلك و يتفرع عليه من النتائج، مع قطع النظر عن التقسيم و صحته هل تختصّ بالمجتهد، أو أنّها تعمّ غيره؟

أمّا المقام الأول: و هو البحث من زاوية هذا التقسيم‏

، فنقول: إنّه لا إشكال في أنّ المقسم ينبغي شموله للعامي أيضا، و ذلك لأنّه يكون موردا لهذه الوظائف في موارد الشّبهات الحكمية، و ذلك لأنّ غير المجتهد يعلم بأنّه مكلّف بأحكام، فقد تحصل له القطع بحكم من جهة كونه ضروريا كحرمة الخمر، أو إجماعيا كحرمة العصير العنبي المغلي قبل ذهاب ثلثاه، و حينئذ، يعمل على مقتضى قطعه.

و قد لا يحصل له ذلك، بل يحصل له الظن باعتبار فتوى مقلّده بعد أن حصل له القطع بحجيّة فتواه، ففي مثل ذلك، يعمل بمقتضى ظنّه و يكون ظنّه حجّة.

و قد لا يحصل له قطع و لا ظن، فينتهي أمره إلى الشك، و حينئذ، لا بدّ و أن يستقل عقله، إمّا بالبراءة، و إمّا بالاشتغال، و إمّا بالتفصيل بين الموارد، و إمّا بالتوقف، ثمّ يستقل عقله بحكم من الأحكام في طول التوقف.

14

و عليه: فمن ناحية التقسيم لا ينبغي الاستشكال في عموم المقسم لغير المجتهد.

و عدم توفر بعض مصاديق العلم أو العلمي في حقّ غير المجتهد، لا يجعل غير المجتهد خارجا عن دائرة المقسم، و لا إلى تخصيص المقسم بخصوص المجتهد.

و أمّا المقام الثاني: [في الوظائف المقرّرة في علم الأصول من قبيل جعل الحجيّة، أو حجية الخبر الواحد، و الطريقيّة، أو الوظيفة العملية]

فتحقيق الحال فيه هو، انّ دعوى اختصاص هذه الوظائف المقرّرة بالمجتهد، لم ينشأ من ناحية احتمال كون المجتهد قد أخذ موضوعا في لسان دليل تلك الخطابات، باعتبار أنّ عنوان المجتهد لم يؤخذ، حيث لم يقل الشارع، إنّ المجتهد لا ينقض اليقين بالشكّ، كما أنّه لم يقل: يا أيّها المجتهد «صدق العادل»، و إنّما كانت دعوى الاختصاص باعتبار أنّ بعض القيود المأخوذة في تلك الوظائف لا تحصل إلّا للمجتهد، فمثلا: «صدق العادل»، و هو دليل حجية خبر الواحد، أخذ في موضوعه الفحص عن المعارض، و هكذا حجية الظهور، فإنّها مقيّدة بالفحص عن المخصّص و المقيّد و الحاكم، و حجية الاستصحاب متقومة باليقين السابق، و كل هذا من اختصاص المجتهد، و من هنا قد ينشأ الإشكال في كيفيّة تحليل إفتاء المجتهد للعامي، بعد الفراغ عن أصل جواز رجوع المقلّد إلى المجتهد.

و توضيح هذا البحث هو، إنّنا نقول: إنّ المركوز في الأذهان، انّ إفتاء المجتهد للعامي يكون من باب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة، كالرّجوع إلى الطبيب، و هذا موقوف على وجود واقع محفوظ مشترك بين الخبير و غيره حيث يدركه الخبير بنظره و لا يدركه الجاهل، فيرجع إليه حينئذ، و هذا إنّما ينطبق في باب الرّجوع إلى المجتهد فيما إذا حصل القطع الوجداني للمجتهد بالحكم الواقعي. فيفتي العامي به و لا إشكال،

15

لأنّ المجتهد يكون قد أدرك ما يكون مشتركا بينهما ثابتا في الواقع، فيكون نظره مجرد خبرة و طريق إليه.

[شبهة عدم حصول القطع الوجدانى للمجتهد بالحكم الواقعى‏]

و أمّا لو فرض عدم حصول القطع الوجداني للمجتهد بالحكم الواقعي، و إنّما أفتاه بما انتهى إليه نظره استنباطا، عن طريق وظيفة ظاهرية مقرّرة، كرواية معتبرة سندا، أو ظهور حجّة، أو أصل عملي انتهى إليه، و نحو ذلك، إذن، فكيف يفتي غيره الجاهل الّذي لا يشترك معه في مقومات تلك الوظيفة، فإنّه حينئذ:

إن أفتاه بالحكم الواقعي، فهو إفتاء بغير علم، لأنّ الحكم الواقعي غير معلوم لديه.

و إن أفتاه بالحكم الظّاهري، ففيه: إنّ الحكم الظّاهري مجعول بلسان «صدق العادل و أمثاله»، و المفروض انّ هذه الخطابات مختصّة بالمجتهد، لأنّ موضوعه متقوّم به لا بغيره.

و يتحكم الإشكال أكثر، فيما لو فرض أنّ الحكم الّذي يريد الإفتاء به كان خارجا عن موضع ابتلاء المجتهد، كأحكام النّساء، فإنّه لا يوجد في مثلها علم بحكم واقعي لكي يفتي به، و الحكم الظّاهري غير ثابت في حقّه أيضا لكونه ليس محل ابتلائه و لا في حقّ العامي، لأنّ هذا الحكم مستنبط من وظائف مختصّة بالمجتهد.

و لهذا سمّيت هذه المسألة، بتحليل عمليّة الإفتاء، فإنّه بعد الفراغ عن ثبوت حجيّة الفتوى فقهيا، نبحث عن كيفيّة تعقّلها و تخريجها صناعيا بنحو لا نحتاج فيه إلى إثبات عناية زائدة علاوة على كبرى حجيّة الفتوى الراجعة إلى كبرى حجيّة رأي أهل الخبرة في حق غيرهم.

[حل الشبهة]

إذن فهذه شبهة لا بدّ من حلّها، و في مقام حلّها يقع الكلام في ثلاث مقامات.

16

1- المقام الأول: و فيه يقرّب تخريج عملية الإفتاء في موارد الوظائف الظّاهرية على القاعدة حتّى لو فرض اختصاصها بالمجتهد

، فيقال: بأنّه بناء على اختصاص الأحكام الظّاهرية بالمجتهد لتحقّق موضوعه فيه دون المقلّد، و هو بذلك يصبح عالما بالحكم الواقعي المشترك بين المجتهد و المقلّد تعبّدا، فيكون حاكما على دليل الإفتاء بالعلم و الخبرة بمقتضى دليل التعبّديّة، فيفتي المجتهد مقلّديه بالحكم الواقعي المعلوم لديه بهذا العلم، و هذا أمر على القاعدة لا يحتاج فيه إلى عناية زائدة بعد فرض دلالة دليل الحجيّة على الحجيّة و العلمية التعبّديّة، و ذلك كما لو ورد خبر واحد يدلّ على وجوب السورة، فيكون لدى المجتهد حكمان:

أحدهما: وجوب السورة، و هو حكم واقعي مشترك بين المجتهد و سائر المكلّفين.

و ثانيهما: دليل حجيّة خبر الواحد، و هو حكم ظاهري مختصّ بالمجتهد، و معنى جعل الحجيّة هو جعل الطريقيّة، بمعنى اعتبار المجتهد عالما بالتعبّد بتمام مدلول الخبر، و قد فرضنا أنّ مدلول الخبر هو حكم واقعي مشترك بين المجتهد و العامي، و حينئذ، فيفتي المجتهد العامي بهذا الحكم الواقعي، و يكون إفتاؤه حينئذ عن علم و هذا أمر على القاعدة لا يحتاج فيه إلى عناية زائدة، غايته انّه علم تعبّدي حصل له بواسطة دليل حجيّة الخبر، و بهذا ينحلّ الإشكال.

[رد الجواب‏]

إلّا انّ هذا الجواب غير تام، و يردّ عليه‏

أولا: إنّ هذا الجواب لو سلّم، فهو لا يتم بالنسبة للأصول غير التنزيليّة

، لأنّ مؤدّاها حكما ظاهريا، و الحكم الظّاهري مختصّ بالمجتهد حسب الفرض، و حينئذ، ففي مورد هذه الأصول، إن أفتى بالحكم الواقعي، فيكون ذلك إفتاء بغير علم، و إن أفتى بالحكم الظّاهري، فالمفروض أنّه مختصّ بالمجتهد.

17

و إن شئت قلت: إنّه إنّما يتمّ هذا التخريج، لو تمّت أصوله الموضوعية في خصوص باب الإمارات المجعولة فيها الحجيّة و الطريقية دون غيرها من موارد الأحكام الظّاهرية (1).

و ثانيا: فإنّ هذا الجواب إنّما يتمّ في الإمارات بناء على أنّ جعلها إنّما هو من باب الطريقية

، ليكون مؤدّاها واقعيا، و أمّا إذا كان بلسان جعل الحكم المماثل، أو بلسان المعذريّة و المنجزيّة و نحو ذلك ممّا هو مختار بعض العلماء، أي أنّ الحجيّة تكون بمعنى جعل ما ليس بعلم علما، فلا يتمّ حينئذ هذا الجواب.

و ثالثا: فإنّ هذا الجواب لا يتمّ في الإمارات حتّى بناء على مسالك جعل الطريقيّة و العلميّة لها

، و ذلك لأنّ القطع «الموضوع» للحكم بجواز التقليد و رجوع الجاهل إلى العالم، لا يكفي فيه مجرد كونه عالما كيفما اتفق، بل لا بدّ و أن يكون عالما و قطعه عن خبرة و بصيرة و كونه من أهل الفن، لا مطلق القطع، و من هنا: لو قطع العالم بحكم عن طريق غير معتبر كالرؤيا، و الرمل، و حساب الأعداد و غيره، فإنّ قطعه هذا حجّة على نفسه، لكن لا يجوز لغيره الرّجوع إليه في هذا الحكم، لأنّه و إن كان عالما به، إلّا أنّ علمه ليس علم خبرة.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ دليل حجيّة الخبر، يجعل المجتهد عالما بوجوب السورة مثلا، لكن لا يجعله عالما عن خبرة، أي أنّ دليل الحجيّة لا يعبد المفتي بكونه أهل خبرة و أهل الفن، و إن جعله عالما تعبّدا.

و الحاصل: هو أنّ الحكم الّذي هو عالم به عن خبرة هو مختصّ به، و الحكم الشامل له و لغيره ليس عالما به علم خبرة.

____________

(1) فوائد الأصول: الكاظمي، ج 2، ص 7.

18

نعم لو فرض أنّ دليل حجيّة الخبر كان يدلّ أيضا على أنّ علمه علم خبرة، بحيث يكون العلم قد أخذ موضوعا فيه، لكان كافيا في جواز الإفتاء، لأنّ الإسناد، موضوعه مطلق العلم، فيكفي فيه قيام الحجّة منزلة القطع الموضوعي.

و إلّا، لو كان الموضوع نفس الواقع، فلا يتمّ هذا الجواب، لأنّ هذا خروج عن فرض الكلام، لأنّ محل الكلام هو تصحيح الإفتاء على القاعدة بدون ضم مئونة زائدة، و المفروض انّ الفرض المذكور يرجع إلى فرض مئونة زائدة، و عليه فهذا الجواب غير تام.

هذا، مضافا إلى ما ذكر من اعتراضات في المقام على أصل مبنى جعل الطريقية و قيام الحجج مقام القطع الموضوعي، من قبيل، إنّ هذه الحكومة لا تتم في الأحكام الثابتة بدليل لبّي، كحجيّة الخبر أو الفتوى بناء على أنّ مدرك الحجيّة فيها هو السيرة العقلائية، و من قبيل أنّ بعض الحجج، «كالاستصحاب» لا يكون حجّة و قائما مقام القطع الموضوعي- فيما لو قيل بقيامه مقامه- إلّا في طول قيامه مقام القطع الطريقي، بحيث يكون للمستصحب أثر عملي في حق المجتهد نفسه.

و هذا لا يكون في موارد أحكام النّساء مثلا أو غيرها ممّا هو خارج عن محل ابتلاء المجتهد، و لا يكون ذا أثر عملي في حقّه كما سيأتي بيانه في محله إن شاء اللّه تعالى.

[جواب ثانى لتصحيح إفتاء المجتهد للعامي‏]

و يمكن أن يذكر جواب ثان في المقام يخرّج بواسطته تصحيح إفتاء المجتهد للعامي- بناء على اختصاص موضوع الحكم الظّاهري بالمجتهد- على القاعدة من دون افتراض عناية زائدة.

و حاصل هذا الجواب يرجع إلى إمكان رجوع العامي إلى المجتهد في الحكم الظّاهري، حتّى بناء على القول باختصاص الحكم الظّاهري‏

19

بالمجتهد،

[امثلة لتوضيح الجواب الثانى‏]

لكن رجوعه إليه في ذلك في طول رجوعه إليه في حكم واقعي، و يتضح ذلك من خلال بعض الأمثلة.

1- المثال الأول: إنّ الماء إذا تغيّر بالنجاسة يتنجس، ثمّ إذا زال تغيره يبقى على نجاسته، و ذلك للاستصحاب‏

، و في مثل ذلك يجوز للمجتهد أن يفتي العامي بالحكم الأول، و هو تنجس الماء بالتغيير، لأنّ هذا حكم واقعي بنظر المجتهد قد علم به، لكن تعبّدا، و الحكم الواقعي مشترك بينهما كما تقدّم، إذن فإفتاؤه به على القاعدة، و يكون رجوع العامي هنا رجوع إلى أهل الخبرة، و بذلك يصبح العامي عالما بحدوث النجاسة، و هذا هو الرّكن الأول للاستصحاب؛ فإذا زال التغيّر و شكّ العامي في بقاء النجاسة، فحينئذ يتحقّق لديه الرّكن الثاني للاستصحاب، و حينئذ يمكن للمجتهد أن يفتيه بالاستصحاب، لأنّه خطاب مجعول في حقّ من كان على يقين فشكّ، و المفروض أنّ العامي كذلك، و بهذا أمكن للمجتهد أن يفتي العامي بالحكم الظّاهري، و يكون إفتاؤه على القاعدة.

2- المثال الثاني: موارد الإفتاء بوجوب الاحتياط للعلم الإجمالي‏

، كما لو رأت المرأة «دما» و لم تدر ما هو، فشكّت في جواز دخولها إلى المسجد، و حينئذ، فإذا رجعت إلى المجتهد فإنّها لا تسأله عن هذا الحكم هنا، بل تسأله عن ثبوت أحد حكمين في حقّها، و هما: لزوم تروك الحائض، أو لزوم أفعال المستحاضة، و المفروض أنّ المجتهد يعلم إجمالا بلزوم أحد هذين الحكمين بعد علمه برؤيتها للدم المشكوك، فيكون رجوعها إليه في ذلك، رجوعا إليه في نفس العلم الإجمالي الحاصل عنده وجدانا، و في هذا الحال، هو يعلم بوجوب الجامع بينهما، فيفتيها به، و يكون رجوعها إليه على القاعدة، لأنّه رجوع إلى أهل الخبرة، و حينئذ، يحصل لها بواسطة ذلك علم إجمالي تعبّدي بأحد الحكمين، و يكون ذلك منجزا.

20

3- المثال الثالث: موارد الإفتاء بالأحكام المستنبطة من الإمارات‏

، كما لو قام خبر العادل عند المجتهد على نجاسة العصير العنبي إذا غلا و لم يجد له مخصّصا، و حينئذ، فالعامي يرجع إلى المجتهد في مسألة عدم وجود المخصّص، و هذا رجوع إلى أهل الخبرة، و بذلك يشمله خطاب «صدق العادل»، لتحقّق موضوعه، فيتنجز في حقّه نجاسة العصير العنبي إذا غلا.

4- المثال الرابع: موارد الإفتاء بأصالة البراءة عند الشكّ في حرمة شي‏ء و عدم وجود دليل على حرمته‏

، فالعامي يرجع إلى المجتمع في مسألة الفحص عن دليل، و هو رجوع على القاعدة كما تقدّم، و إذا ثبت لدى العامي عدم وجود دليل على الحرمة تعبّدا يشمله دليل البراءة، و بذلك يصحّ للمجتهد أن يفتيه بمفادها، و هو حليّة المشكوك في حرمته مع عدم وجود دليل على حرمته.

غاية الأمر، انّه تبقى مسألة الاختصاص، من ناحية عدم الفحص، و في هذه النقطة يقال: بأنّ دليل الفحص يدلّ على لزوم فحص كلّ مكلّف بحسبه، و فحص المقلّد ليس بالرّجوع إلى كتب الفقه، و إنّما هو بالرّجوع إلى المجتهد، إذ برجوعه إليه و عدم وجدان ما يدلّ منه على الخلاف، يكون قد أكمل الفحص، و بذلك يصير صغرى لكبرى الوظيفة الظّاهرية المقرّرة، بسبب قيام الإمارة أو الأصل الشرعي أو العقلي.

و الخلاصة: هي أنّه من غير ناحية الفحص، يكون الاشتراك بين المجتهد و المقلّد في الوظيفة الظّاهرية المقرّرة ثابتا لكون المجتهد عالما بموضوعه وجدانا.

و بذلك يكون المقلّد برجوعه إلى العالم في ذلك هو عالم أيضا بالموضوع تعبّدا على القاعدة.

21

و أمّا من ناحية الفحص، فإنّه يقال بالاشتراك باعتبار أنّ فحص كل مكلّف بحسبه، فبالنسبة إلى المجتهد يكون فحصه بالرّجوع إلى كتب الأحاديث، و أمّا بالنسبة إلى المقلّد، فإنّ فحصه يكون بالرّجوع إلى المجتهد.

و ملاحظة أنّه لم يجد معارضا أو حاكما، فالمقلّد لا يجوز له الرّجوع إلى استصحاب بقاء نجاسة الماء الّذي زال تغيّره بمجرد مراجعة مسألة نجاسة الماء المتغيّر ما دام متغيّرا، بل لا بدّ له أيضا من مراجعة المسألة الأولى في رسالة المجتهد ليرى هل هناك ما يكون حاكما على هذا الاستصحاب في رأي المجتهد أم لا.

و هذا الجواب غير تام:

أولا: لأنّ مجرد مراجعة رسالة المجتهد في المسألة الثانية، لا يكون فحصا عن الحاكم على الحكم الظّاهري‏

ليتنقح بذلك موضوعه في حق المقلّد.

و ثانيا: لأنّ لازمه عدم جواز إفتاء المجتهد للعامي إذا كان هناك من هو أعلم من هذا المجتهد

، لأنّ هذا الوظيفة الظّاهرية إنّما تثبت في حق العامي إذا جاز له الرّجوع إلى المجتهد في المسألة الأولى لكي يتنقح بذلك موضوع الحكم الظّاهري، فإذا كان المجتهد من لا يكون رأيه حجّة في حق العامي، فلا يكون الحكم الظّاهري الثابت في حق ذلك المجتهد ثابتا في حق العامي، إذن فكيف يجوز للمجتهد الإفتاء به للعامي، مع أنّ هذا بحسب الارتكاز لا إشكال في عدم حرمة إفتائه، و إن كان يوجد من هو أعلم منه.

غايته: انّه لا يجوز للعامي الرّجوع إليه و تقليده.

و توضيحه: انّه في المثال الأول، و هو بقاء نجاسة الماء المتغيّر إذا

22

زال تغيّره، فإنّ إفتاء المجتهد بذلك فرع صيرورة العامي متيقنا بالحدوث، و كونه كذلك، فرع تقليده له، إذا فرض أنّ الأعلم لا يقول بذلك، و مع عدم يقينه بالحدوث، لا يمكن جريان الاستصحاب في حقّه، و معه، لا يمكن للمجتهد أن يفتيه بالاستصحاب، مع أنّ المرتكز جواز إفتائه، غايته، أنّه لا يجوز للعامي أن يقلّده به مع وجود الأعلم.

2- المقام الثاني: في إمكان تصحيح إفتاء المجتهد للعامي بإضافة مئونة زائدة تستفاد من دليل جواز التقليد إثباتا

، بعد عدم إمكان تصحيحه على القاعدة ثبوتا. و الكلام في هذا المقام مبني على اختصاص الأحكام الظّاهرية بالمجتهد أيضا.

[تقريب استفادة المئونة الزائدة من دليل جواز التقليد]

و هنا قد يقال في مقام تقريب ذلك: انّه يمكن استفادة مئونة زائدة من دليل جواز التقليد، و هذه المئونة الزائدة عبارة عن تنزيل فحص المجتهد منزلة فحص العامي، بمعنى أنّه إذا فحص المجتهد فيكون فحصه فحصا بالوجدان، و فحصا للعامي بالتنزيل، و كذا ينزل يقين المجتهد بالحدوث منزلة يقين العامي به من حيث الأثر الشرعي، و هو جريان الاستصحاب، و بهذا يكون العامي مشمولا للوظائف المقرّرة الّتي ينتهي إليها المجتهد.

و هنا قد يقال: إنّه في بعض الأحيان لا يوجد أثر شرعي للتنزيل، مع أنّ التنزيل فرع وجود أثر شرعي كما هو الحال بالنسبة إلى الوظائف العقلية، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لو فرض أنّه لم يصل البيان إلى المجتهد فيكون حكمه عقليا، بواسطة هذه القاعدة، فهنا لا يمكن للشارع أن ينزّل العامي منزلة المجتهد في ذلك، لأنّ الأثر عقلي، و مثله منجزيّة العلم الإجمالي.

و جواب ذلك: هو أنّ مرجع التنزيل في مثل ذلك إلى أنّ الشارع يجعل حكما شرعيا مماثلا لحكم العقل، بحيث ينتج البراءة و الاحتياط

23

الشرعيّين في حقّ العامي، ذلك لأنّ التنزيل بلحاظ الحكم العقلي غير معقول كما تقدّم.

و أمّا كيفية استفادة هذا التنزيل إثباتا من دليل جواز التقليد، فباعتبار أنّ المركوز في أذهان المتشرعة من أدلة جواز التقليد هو، أنّ العامي برجوعه إلى المجتهد يطبّق على نفسه نفس ما يطبّقه المجتهد على نفسه إذا اتحدا في الشروط بحيث يثبت في حقّه نفس ما يثبت في حقّ المجتهد من درجات إثبات الواقع أو التنجيز و التعذير عنه، و هذا لا يكون إلّا بعد افتراض انّ تمام الوظائف المذكورة الّتي يطبّقها المجتهد على نفسه تنطبق على العامي، و حيث أنّ هذه الوظائف بحسب أدلتها لا تنطبق على العامي، فنستكشف من دليل التقليد ثبوت هذا التنزيل و التوسعة في موضوع تلك الوظائف الظّاهرية بالدلالة الالتزامية، و انّ تطبيقها على العامي إنّما هو بعناية التنزيل.

إلّا أنّ هذا التقريب غير تام، حيث يلزم منه لازمان لا يلتزم بهما.

1- اللازم الأول: هو ما تقدّم في المقام الأول من أنّ لازم هذا التخريج عدم جواز إفتاء المجتهد غير الأعلم‏

، لأنّ جواز إفتائه للعامي فرع انطباق الوظائف المقرّرة الثابتة في حق العامي، و انطباقها عليه فرع تنزيل فحص هذا المجتهد أو يقينه منزلة فحص أو يقين العامي أو علمه الإجمالي، و هذا التنزيل استفيد من دليل جواز التقليد بحسب الفرض، و دليل جواز التقليد لا يشمل مثل هذا المجتهد، لأنّه يوجد من هو أعلم منه أو أعدل، و المفروض أنّه لا يجوز تقليد غير الأعلم، و لازم ذلك، عدم جواز إفتاء هذا المجتهد أصلا، لأنّ تلك الوظيفة لا تكون ثابتة في حق العامي كي يمكن أن يفتيه، و هذا خلاف المرتكز بين المتشرعة.

نعم لو كان مقتضى الوظيفة الثابتة في حق المجتهد اعتباره عالما بالواقع، جاز له حينئذ الإفتاء به.

24

2- اللازم الثاني: هو أنّه بناء على هذا التخريج، لا يمكن أن نستدل على وجوب التقليد بالسيرة العقلائية

، مع أنّ هذه السيرة من أهم الأدلة على وجوبه، و ذلك لأنّ هذه السيرة إنّما تدلّ على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم و أهل الخبرة في مقام تشخيص الحكم المشترك، و لا تدلّ على التنزيل، لأنّه حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، و حينئذ، ينحصر دليل التقليد بالدليل الشرعي الّذي يمكن استفادة التنزيل منه، أو كما إذا قيل بانضمام ما يشبه الإطلاق المقامي إلى ذلك حيث يقال: بأنّ هذه السيرة لو خلّيت و طبعها لأوجبت رجوع العوام إلى المجتهدين كما يرجع إلى أهل الخبرة و لو غفلة عن الفرق بينهما، و حينئذ، فسكوت الشارع عن ذلك، مع احتمال كون الغفلة نوعية، يكون بنفسه دليل على الإمضاء لهذه السيرة، و بذلك تكون دليلا على وجوب التقليد.

3- المقام الثالث: في أصل منشأ هذا الإشكال، و هو دعوى اختصاص الأحكام الظّاهرية بخصوص المجتهد.

فنقول: هناك عدّة مواضع و أسباب تكون هذه الدعوة بلحاظها.

منها: دعوى إنّ هذه الوظائف المقرّرة، كالبراءة و غيرها من أدلة الأحكام الظّاهرية إمارة أو أصلا قد أخذ في موضوعها وجوب الفحص، و الفحص مختصّ بالمجتهد.

[دفع الدعوى‏]

و يمكن دفعه، بأن يقال: بأنّ الفحص بعنوانه لم يؤخذ في موضوع البراءة و الاستصحاب، و أصالة العموم، و غيرها من أدلة الأحكام الظّاهرية، و إنّما المأخوذ في موضوع حجيّة أصالة العموم هو خروج العام عن معرضيته للتخصيص بنظر الخبير بذلك، فإذا فحص الخبير و لم يجد مخصصا، فإنّه حينئذ، يتحقّق بذلك موضوع الحجيّة في حق الخبير و غيره، و بهذا يثبت أنّ الحكم الظّاهري غير مختص بالمجتهد، و هكذا يقال في أصل البراءة و غيره ممّا أخذ الفحص شرطا في موضوع حجيته.

25

[رد الدفع‏]

إلّا أنّ هذا الجواب غير تام: و ذلك، لأنّه إذا كان المقصود بالخبير هو مطلق المجتهد، فمعنى ذلك، انّ أيّ مجتهد و لو كان واحدا فحص و لم يجد مخصصا، فإنّه يتحقّق بذلك موضوع الحجيّة و الوظيفة الظّاهرية الثابتة بأصل أو إمارة حتّى بالنسبة لمن هو أعلم منه، بل حتّى لو فرض انّ هذا المجتهد الأعلم فحص و وجد مخصصا فإنّه لا يكون لذلك أيّ أثر بالنسبة إليه، لأنّ موضوع حجيّة العام قد تحقّق في حقّه بعدم وجدان ذلك المجتهد غير الأعلم للمخصص، فضلا عن العوام، و هذا واضح البطلان.

و إن كان المقصود بالخبير هو خصوص المجتهد الأعلم، فلازم ذلك عدم جواز إفتاء المجتهد غير الأعلم، حتّى لو فحص و لم يجد، لأنّ شرط الحجيّة هو فحص الخبير البصير، بل لا يجوز له أيضا العمل بتلك الوظيفة، لأنّ الشرط بحسب الفرض فحص المجتهد الأعلم و عدم وجدانه لا فحص من ليس بأعلم. و هذا الجواب بهذه الصياغة غير تام.

[الجواب المختار]

و ما ينبغي أن يقال في مقام الجواب: هو انّ حجيّة العام مشروطة بأمر واقعي، و هو عدم وجود المخصص في مظان وجوده، سواء فحص أحد أو لم يفحص، و نظر المجتهد و فحصه طريق لهذا الأمر الواقعي لا موضوعا للحجيّة و من هنا نرى اختلاف أنظار المجتهدين في وجود المخصص و عدمه، و على هذا تكون الوظيفة الظّاهرية حكما و موضوعا أمرا واقعيا مشتركا بين المجتهد و غيره، و إنّما نظر المجتهد يكون مجرد طريق إلى إحرازه موضوعا و حكما.

و حينئذ، بناء على ذلك، إذا فحص المجتهد عن المخصص و جزم أو ظنّ ظنّا معتبرا بعدم وجوده، يكون بذلك قد أحرز موضوع حجيّة العام في حق الجميع، و حينئذ يفتي العامي بالحجيّة و يكون ذلك إفتاء بحكم ثابت في حق العامي بنظر المجتهد.

26

و إن شئت قلت: إنّ الشرط أمر واقعي سواء فحص أحد أو لم يفحص، و نظر المجتهد و فحصه طريق إلى هذا الأمر الواقعي، لا موضوعا للحجيّة، و على هذا تكون الوظيفة الظّاهرية حكما و موضوعا أمرا واقعيا مشتركا بين المجتهد و العامي، و يكون نظر المجتهد مجرد طريق إلى إحرازه موضوعا و حكما، و يكون تقليد العامي له من باب الرّجوع إلى أهل الخبرة و العلم بهذا الحكم المشترك لا الحكم الواقعي بالخصوص.

و هذا لا إشكال فيه، و بهذا التقريب، يمكن الجواب عن دعوى اختصاص الأحكام الظّاهرية بخصوص المجتهدين، بسبب أنّ الفحص قد أخذ في موضوعها.

و من جملة أسباب دعوى اختصاص الأحكام الظّاهرية بخصوص المجتهدين هو، انّ حجيّة هذه الأحكام مقيّدة بالوصول و العلم‏

، و من المعلوم انّ الحجيّة هذه إنّما تصل إلى خصوص المجتهد العالم، فلا تعمّ العامي كما في الأحكام الواقعية.

[تقريبان لاختصاص الأحكام الظّاهرية بخصوص المجتهدين‏]

و الوجه في هذا الاختصاص يقرّب بأحد تقريبين.

أ- التقريب الأول: هو دعوى استفادة كون الحجّة مقيّدة بالوصول، من لسان دليل الحجيّة

، باعتبار انّ دليل الحجيّة يقول: «إذا جاءك خبر من الثقة فهو حجّة» مثلا، و عنوان «جاءك» إنّما يصدق على من وصله الخبر، لا الخبر بوجوده الواقعي.

و جوابه‏

: إنّ عنوان «الوصول» أخذ طريقا إلى واقع تحقق الخبر في ألسنة الأدلة بحسب مناسبات الحكم و الموضوع العرفية، و لهذا لم يؤخذ هذا العنوان في ألسنة بعض أدلة الأحكام الظّاهرية، و عليه فلا تكون الحجّة مختصّة بالمجتهد، بل تشمل العامي لو أخبره الخبير بالوصول.

27

ب- التقريب الثاني: هو دعوى كون التقييد بالوصول مستفادا من حكم العقل‏

، باعتبار انّ العقل يحكم بأنّ الأحكام الظّاهرية مجعولة للتنجيز و التعذير، و لا تنجيز و لا تعذير مع عدم الوصول، و حينئذ فتختصّ الحجيّة بمن وصل إليه الخبر، و هو المجتهد دون غيره.

و جوابه‏

: هو انّ ما ذكر لا يقتضي أخذ الوصول الوجداني في موضوع الحجّة، بل يقتضي أخذ مطلق الوصول و لو التعبّدي الثابت في المقام بفتوى المجتهد، و عليه فالوصول متحقق بالنسبة للعامي، فلا يكون جعلها بالنسبة إليه لغوا، و معه لا وجه لاختصاص الأحكام المقيّدة بالوصول بخصوص المجتهد.

[سبب آخر لاختصاص الأحكام الظّاهرية بخصوص المجتهد]

و من جملة أسباب دعوى اختصاص الأحكام الظّاهرية بخصوص المجتهد، هو انّ الاستصحاب الّذي هو من الأحكام الظّاهرية، فتقوم بركنين.

أحدهما: أخذ اليقين بالحدوث موضوعا في بعض الأحكام الظّاهرية.

و الثاني: الشكّ في البقاء، و لا يقين بالحدوث إلّا بالنسبة للمجتهد فإنّ يقينه في ذلك محقق لموضوع الوظيفة لا طريقا إلى إحرازه، فيختصّ الاستصحاب به.

و جوابه‏

: هو أنّه سيأتي في محله إن شاء اللّه تعالى، انّ اليقين بالحدوث ليس من أركان الاستصحاب، بل ركنه الأول هو نفس الحالة السابقة واقعا فيستصحبها، و معه يكون يقين المجتهد بثبوت الحالة السابقة- و هو الحكم المشترك- طريقا إلى إحراز موضوع الوظيفة الظّاهرية، و بذلك تتم عنده حجيّة الاستصحاب لتوفّر موضوعه عنده، فيفتي به العامي.

28

و لو فرض أنّه تنزلنا و قلنا بأخذ نفس اليقين موضوعا للاستصحاب، فلا إشكال أيضا، بناء على قيام الإمارة مقام القطع الموضوعي و اليقين السابق، فإنّ يقين المجتهد بثبوت الحكم في الحالة السابقة، هو بنفسه يكون دليلا و علما تعبّديا للعامي في إثبات الحالة السابقة، فيكون الرّجوع إليه في هذه المسألة محقّقا لموضوع الاستصحاب في المسألة اللاحقة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام الجواب عن دعوى اختصاص الأحكام الظّاهرية بالمجتهد.

إلّا أنّه مع ذلك، فهذه الأجوبة الثلاثة لا تكفي في تصحيح الإفتاء في بعض الموارد إلّا إذا ضمّ إليها الجواب الثاني الّذي ذكرناه في المقام الأول.

و توضيح ذلك هو، انّ المجتهد حين الإفتاء، تارة يفتي بشي‏ء يكون علمه طريقا إليه، سواء أ كان ما أفتى به حكما واقعيا «كحرمة شرب الخمر»، أو ظاهريا «كحرمة العصير العنبي إذا غلى»، فإنّ إفتاءه بذلك إنّما هو لصحيحة زرارة، فهي الحجّة في المقام، و علمه طريق إلى هذه الحجّة، و هذا الإشكال فيه.

و أخرى يفتي بحكم، و يكون هذا الحكم في طول علمه، لا أنّ علمه كاشف عنه، كما في موارد العلم الإجمالي، فإنّ الفقيه يفتي بأصالة الاشتغال باعتبار منجزيّة العلم الإجمالي، فحكمه بأصالة الاشتغال في طول علمه، لا أنّ هذا الحكم منكشف بعلمه.

و حينئذ يقال: إنّ الإفتاء بأصالة الاشتغال في طول حجيّة هذا العلم، و هذا العلم هو حجّة في حق نفسه فقط دون العامي، إلّا إذا تعيّن على العامي تقليده، و من هنا لا ينحل الإشكال إلّا بواسطة التقليدين الطوليّين كما عرفت في الجواب الثاني الّذي ذكر في المقام الأول، فإذا ضمّ ذلك الجواب الثاني إلى أحد هذه الأجوبة الثلاثة يندفع هذا الإشكال.

29

و قد عرفت أنّ الجواب الثاني و هذه الأجوبة الثلاثة كلّها على القاعدة لا تحتاج إلى مئونة زائدة.

ثمّ انّه يمكن أن يصعّد هذا الإشكال أكثر، بحيث يتخيّل عدم جواز عمل المجتهد المفضول برأيه، فضلا عن إفتاء غيره.

و توضيح ذلك: هو انّ المجتهد المفضول الّذي يوجد من هو أعلم منه، تارة يعلم بأنّه مفضول، و أخرى يفرض أنّه جاهل مركب من هذه الناحية، فيعتقد أنّه الأعلم، فإن فرض الأول، فهنا أيضا، تارة يفرض أنّه يوافق الأعلم في جميع آرائه، و هذا لا كلام فيه، و أخرى يفرض أنّه يخالفه في بعض المسائل.

فإذا فرض أنّه يخالفه، فهنا يأتي الإشكال، و ذلك لأنّ هذا المجتهد المفضول لا يمكن له حصول اليقين بالحكم مع التفاته إلى أمرين:

الأول: إنّه مفضول.

و الثاني: انّه مخالف للأعلم، في بعض المسائل.

و الوجه في ذلك هو، أنّه في صورة مباحثته مع الأعلم، إن فرض أنّه كان يحتمل بأنّه يقنع الأعلم، أو أنّ أيّا منهما لا يقنع الآخر، فهذا خلاف فرض كونه عالما بأنّه مفضول، و إن فرض أنّه كان يحتمل بأنّ الأعلم يقنعه، فمعنى ذلك، أنّه لا يحصل له يقين بما يراه في نفسه، و معه لا يجوز له العمل برأيه، لأنّ ما يحصل له ليس إلّا الظنّ، و هو لا يغني عن الحق شيئا، و إذا لم يجز له العمل برأيه، فلا يجوز له إفتاء غيره بطريق أولى.

و هذا بنفسه يكون برهانا على وجوب تقليد الأعلم، و إن فرض الثاني، و هو كون المفضول جاهلا بالجهل المركب، حيث يعتقد أنّه‏

30

أعلم، فهنا: و إن حصل له يقين، و يكون يقينه هذا معذرا و منجزا بالنسبة إليه، إلّا أنّه لا يجوز لغيره من العوام أن يرجعوا إليه بعد فرض اطلاعهم على كونه جاهلا مركبا.

و بهذا يتبرهن أنّه لا يجوز تقليد المفضول بكلا قسميه.

و قد يقال في مقام الجواب عن هذا الإشكال: بأنّ المفضول العالم بحقيقته، إذا رجع إلى الأعلم، فليس معنى هذا أنّه يخطّئه في الحكم، و إنّما يخرجه من موضوع إلى موضوع، حيث ينقلب حكمه الظّاهري، لأنّه سوف يرتفع عدم وجدانه للحجّة على الخلاف بوجدانه لها، فمثلا:

المفضول الّذي لا يجد دليلا على حرمة العصير العنبي إذا غلى، تجري في حقّه البراءة، و هذا الأصل حينئذ جار في حقّه حقيقة، لكنّه إذا رجع إلى الأعلم، فإنّه ينبّهه إلى وجود دليل على الحرمة لم يكن المفضول ملتفتا إليه، فبهذا التنبيه يخرج المفضول عن كونه موردا للبراءة، لأنّه خرج عن كونه غير عالم بالحرمة، إلى كونه عالما بها، و هذا نقل له من موضوع إلى موضوع آخر و ليس تخطئة له بالحكم، لأنّ أصل البراءة كان جار في حقّه حقيقة قبل اطّلاعه على دليل الحرمة، و عليه فلا مانع من حصول اليقين بالحكم بالنسبة إلى المفضول.

إلّا أنّ هذا الكلام غير صحيح:

أمّا أولا: فلأنّ ما ينكشف بالمباحثة مع الأعلم قد لا يكون من باب رفع الموضوع، بل قد يكون بتبديل المحمول و الحكم، مع حفظ الموضوع، كما لو كان هناك خطأ في تشخيص الحكم الواقعي أو الظّاهري، بأن كان قطعه به خاطئا، كما لو كانت المسألة عقليّة، كما لو فرض أنّه كان يرى استحالة الترتب، و الأعلم يرى إمكانه، فهو يحتمل لو تباحث معه لأقنعه بإمكانه، و هكذا لو كان جازما بظهور عرفي و هو غير صحيح، و هكذا في كثير من موارد الأحكام الواقعية و الظّاهرية.

31

و أمّا ثانيا: فلأنّ ما مثّل به، و هو حرمة العصير العنبي إذا غلى، فهو أيضا غير صحيح، لأنّ هذا المفضول لم يكن من حقّه إجراء أصالة البراءة من أول الأمر، و ذلك لأنّ البراءة مشروطة بالفحص، و لمّا كان يعتقد بوجود من هو أعلم منه، فلا بدّ و أن يرجع إلى الأعلم قبل إجراء البراءة، و عليه: فيرجع الإشكال.

و يمكن القول: بأنّ مثل هذا المجتهد المفضول جاهل، لأنّه لا يحصل له اليقين بالحكم، و حينئذ، فيجب عليه التقليد فضلا عن عدم جواز إفتاء غيره و الرّجوع إلى الأعلم من باب رجوع الجاهل إلى العالم، و بهذا تشكل العبارة الّتي تسطّر في إجازات الاجتهاد من «انّه يحرم عليه التقليد»، و إن كان في النّفس من العبارة شي‏ء.

و يمكن الإجابة عنه و تصوير إمكان حصول اليقين بالحكم بالنسبة للمفضول، و ذلك لأنّ كل ما تقدّم كان مبنيا على كون المجتهد المفضول يعترف بكونه مفضولا، و أمّا إذا كان لا يرى نفسه مفضولا فلا إشكال بالنسبة إليه، و لكن الإشكال حينئذ في تقليد العامي له و رجوعه إليه حيث أنّه ليس من أهل الخبرة لكونه جاهلا بالنسبة إلى الأعلم، إذ ما قد يتيقّن منه من الحكم الأعمّ من الواقعي و الظّاهري قد يكون نتيجة جهله المركب، و مثل هذا العلم المستند إلى الجهل المركب لا يكون مشمولا لدليل رجوع الجاهل إلى العالم.

و توضيح ذلك هو، أن يقال: بأنّ هذا الإشكال كان مبنيا على كون الأعلمية تقتضي وجود التفاتات و انتباهات لدى الأعلم بها يمتاز الأعلم عن المفضول، و كل هذه الالتفاتات واقعة في موارد الاختلاف بين الأعلم و المفضول و الّتي لأجلها قيل بعدم حصول اليقين للمفضول ما دام يحتمل أنّ الأعلم يبينها له إذا رجع إليه.

و أمّا في موارد الاتفاق، فيكون بنفسه دليلا على التفاتهما

32

و تنبههما معا إلى جميع هذه النكات، إلّا أنّ فرض وجود هذه الانتباهات كلّها في موارد الاختلاف بينهما أمر غير مبرهن، لاحتمال أن تكون هذه الانتباهات كلا أو بعضا في موارد الاتفاق، إذ ربّما يتفقان في النتيجة مع خطأ غير الأعلم في طريقة الاستدلال و منهجيته، و حينئذ، فمن المعقول أن يحصل للمجتهد غير الأعلم يقين بالحكم الأعمّ من الواقعي و الظّاهري في مسألة، بنحو يخالف رأي الأعلم رغم اعترافه بالمفضولية، و ذلك لعدم احتمال أن يكون شي‏ء من تلك الالتفاتات و الانتباهات في تلك المسألة الّتي خالف فيها الأعلم بالخصوص، فإنّنا إذا أجرينا حساب الاحتمال يظهر أنّه لا مانع من حصول اليقين للمفضول في الحكم في موارد الاختلاف مع الأعلم.

و لتوضيح ذلك، نذكر مثالا: لنفرض أنّ مجموع المسائل و عمليات الاستدلال المستنبطة في كل منها كثيرة، بحيث لا تشكّل موارد الاختلاف بينهما إلّا جزءا ضئيلا، بحيث يكون احتمال وقوع خطأ فيها- نتيجة عدم انتباهه- ضعيفا بدرجة يكون الاطمئنان على خلافه، فمثلا: لو فرض أنّ مجموع المسائل الشرعيّة تسعة، و نفرض أنّ لكلّ مسألة خمسة أدلة، و معنى ذلك، أنّه يوجد في كلّ مسألة خمس عمليّات استدلالية، قد تكون خاطئة، و قد تكون صائبة، و عليه: فيكون مجموع العمليات الاستدلالية في المسائل التسعة، خمسة و أربعون عمليّة، و كل من الأفضل و المفضول مارس مجموع هذه العمليات، و تبيّن في النتيجة أنّهما اتفقا في ست مسائل، و اختلفا في ثلاثة منها، و هذا المفضول يعلم بوجود انتباهات لدى الأعلم قد غابت عنه، و لنفرض أنّ تلك الانتباهات هي ثلث مجموع العمليات الاستدلالية، أي أنّه في كل ثلاث عمليات يعلم بوجود انتباه، و نتيجة ذلك، انّ ما يتميّز به الأعلم هو خمسة عشر انتباها، و هذه الخمسة عشر يحتمل وجودها في ضمن المسائل الاتفاقية،

33

كما يحتمل وجودها في ضمن المسائل الخلافية، و بحساب الاحتمال، نرى أنّ احتمال كون هذه الانتباهات موجودة في المسائل الثلاث الخلافية، هو احتمال ضعيف جدا، بحيث أنّه يوجد اطمئنان على خلافه، لأنّه لو أخذنا المسألة السابعة و هي أول المسائل الخلافية بينهما، فإنّ هذه المسألة لها خمسة أدلة حسب الفرض، و حينئذ، كل واحد من هذه الأدلة يحتمل أن يكون موردا لانتباه الأعلم، و هذا الاحتمال يعادل واحدا على ثلاثة 3/ 1، لأنّ نسبة الانتباهات لعمليات الاستدلال بكاملها نسبة الثلث، و هكذا بالنسبة لبقيّة الأدلة الأربعة للمسألة السابعة، و حينئذ، فاحتمال كون مجموع الأدلة الخمسة للمسألة السابعة موردا لتلك الانتباهات يعادل 243/ 1، و هذا احتمال ضعيف، يكون على خلافه اطمئنان عادة، و ممّا يضعّف هذا الاحتمال أكثر هو، أنّ المفضول في موارد الخلاف يصرف جهدا أكبر، و هذا بنفسه يبعد احتمال انطباق هذه الانتباهات على موارد الخلاف، و كذلك يضعّف هذا الاحتمال أحيانا، أنّ المفضول الّذي خالف الأعلم، قد يكون في كثير من الأحيان موافقا لعلماء كثيرين، هذا مضافا إلى أنّه ليس كلّ خلاف بين شخصين، يمكن حلّه بالمباحثة و المذاكرة، كما لو كان الخلاف قائما على أساس قطع وجداني نتيجة فهم خاص للأدلة يتعدّى مدلولها، ففي مثله لا معنى لإقناع الأعلم لغير الأعلم، و كذا الحال في باب الاستظهارات العرفية، فإنّها مبنيّة على نكات و مناسبات لا يمكن كشفها في بعض الأحيان لكون الخلاف فيها يرجع إلى الخلاف في فهم الذوق العقلائي و ارتكازات العقلاء، كما في باب العقود و المعاملات، و معه لا يمكن الإقناع بها، مضافا إلى ذلك، إنّ كون الأعلم أقوى حجّة، لا يلزمه إقناع الغير، لعدم الملازمة بين الأمرين.

إذن، فمن مجموع هذه الأمور يتبرهن أنّه في موارد الخلاف يمكن و لو بنحو الموجبة الجزئية، حصول الجزم و اليقين للمفضول في مسائل‏

34

الخلاف، رغم اعترافه بأعلميّة الشخص الآخر، و لكن كون ذلك كذلك مشروط بعدم كثرة المسائل الخلافية بينه و بين الأعلم لأنّه كلّما كثر الخلاف بينهما، كبر احتمال الخطأ في رأي المفضول، حيث يصير بنحو لا يمكن فيه حصول الجزم و اليقين عنده، و تتمة الكلام في ذلك يأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

2- الجهة الثانية: في تثليث الأقسام، حيث جعلها الشيخ (قده) ثلاثة، حيث ذكر (قده) انّ المكلّف، إمّا أن يحصل له القطع، أو الظن، أو الشك‏ (1).

و قد اعترض على هذا التقسيم باعتراضين.

1- الاعتراض الأول:

هو أنّه إن أريد من الظن خصوص المعتبر منه، فهو خلاف إطلاق كلمة «الظن» في عبارة الشيخ (قده)، و إن أريد منه طبيعي الظن، أي الأعم منه و من غير المعتبر، تداخل الظن مع الشك، فإنّ الظن غير المعتبر كالشك من حيث الحكم، لأنّ الأصول العمليّة الثابتة في حال الشك، هي أيضا تثبت في حال الظن غير المعتبر.

[جواب الاعتراض‏]

و قد يجاب عن ذلك، باختيار الشق الثاني، و كون المراد من الظن هو طبيعي الظن، و لا تداخل في المقام، لأنّ التقسيم و ذكر الشك ليس بلحاظ ثبوت الأصول العمليّة للشاك ليردّ ما ذكر، بل ذكر هذه الأقسام إنّما هو بلحاظ الحجيّة، و انّه تارة يكون ثبوتها واجبا كما في صورة القطع، و أخرى يكون ممكنا كما في صورة الظن، و ثالثة يكون ممتنعا كما في صورة الشك، لأنّ نسبة الشك إلى الطرفين على نحو واحد، فيستحيل جعل الحجيّة في هذه الصورة، و عليه فلا تداخل في الأحكام.

____________

(1) فرائد الأصول: الأنصاري، ص 3.

35

[بيان عدم تمامية الجواب‏]

إلّا أنّ هذا الجواب غير تام، فإنّ جعل الحجيّة في صورة الشك لا استحالة فيها، حيث أنّه لا يراد بها جعل لمجموع الاحتمالين، لأنّ في ذلك تهافتا واضحا، بل يراد جعلها للاحتمال المساوي بنكتة طريقية نوعية أو بنكتة نفسية كما في جعلها لاحتمال بقاء الحالة السابقة المساوي لاحتمال ارتفاعها.

و الّذي ينبغي أن يقال: إنّ المراد بالظن هو طبيعي الظن، باعتبار أنّ الشيخ (قده) في مقام فهرسة مواضيع كتابه حيث يشتمل على القطع أولا، ثمّ الظن، ثمّ الشك، إذن فلا بدّ من جعل موضوع القسم الثاني الظن، لكي يبحث فيه عن اعتباره و عدمه، و هذا معناه: إنّ المراد بالظن في التقسيم، هو طبيعي الظن، لا خصوص المعتبر منه، و على أيّ حال فإنّ هذه مناقشة لفظية لا أثر عملي لها.

2- الاعتراض الثاني: و هو لصاحب الكفاية (قده) (1). و حاصله: إنّه لا معنى لتثليث الأقسام، لأنّ التثليث مبني على كون المراد من الحكم الملتفت إليه هو خصوص الحكم الواقعي.

و لكن إرادة خصوص الواقعي بلا موجب، لأنّ المهم لدى المكلّف هو الأعمّ من الواقعي و الظّاهري.

و بناء على ذلك، تكون القسمة ثنائية، فيقال: إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أم لا، و الظن المعتبر و الشك الّذي تجري الأصول عند حصوله داخل تحت القطع، لأنّه بالتالي قطع بالحكم الظّاهري، و إذا لم يحصل للمكلّف مثل ذلك، فيرجع حينئذ إلى الوظيفة العقليّة، حيث لا يبقى لديه حكم شرعي معلوم.

____________

(1) درر الفوائد في شرح الفرائد: المحقق الخراساني، ص 3. كفاية الأصول: الخراساني، ج 2، ص 5.

36

[رد الاعتراض‏]

إلّا أنّ هذا الاعتراض غير تام: لأنّه ليس الغرض من تثليثها عدم إمكان تثنيتها و تحصيل جامع لتقليل الأقسام، و إلّا لكان بالإمكان إرجاعها إلى قسم واحد هو تشخيص الوظيفة الفعلية للمكلّف، سواء كانت حكما شرعيا واقعيا أو ظاهريا شرعيا، أو أصلا عقليا، بل الغرض من التثليث هو بيان الملاك و المناط في هذه الوظائف و إبراز موضوعاتها.

[جهات الكلام فى اختصاص الحكم متعلق القطع و الظن و الشك بالحكم الواقعي، أو الأعم منه و من الظّاهري؟]

نعم، يبقى هنا الكلام في أنّ الحكم الملتفت إليه و الّذي جعل متعلقا للقطع و الظن و الشك بعد الفراغ عن تثليث الأقسام، هل ينبغي أن يختصّ بالحكم الواقعي، أو الأعم منه و من الظّاهري؟.

و الكلام في ذلك يقع في جهتين:

1- الجهة الأولى: هي أنّه لو نظرنا إلى نفس منهجية التقسيم، فهي تقتضي اختصاص الحكم بالواقعي‏

، لأنّه لو عمّم الظّاهري، للزم التداخل في الأقسام، لأنّ من تقوم عنده إمارة على وجوب السورة مثلا، يكون قاطعا بالحكم الظّاهري، و ظانا بالحكم الواقعي، فهو بلحاظ الحكم الظّاهري، يدخل في القسم الأول، و بلحاظ الحكم الواقعي، يدخل في القسم الثاني، و هذا تداخل ينافي منهجية التقسيم، مع أنّ ما حصل لدى المكلّف إنّما حصل له بلحاظ واقعة واحدة، فيها تنجيز واحد و عصيان و إطاعة واحدة، هذا مضافا إلى أنّ ظاهر التقسيم هو، التقابل بين الأقسام بلحاظ واقعة واحدة، و عليه فمن هذه الجهة لا يناسب التقسيم السالف، بل ينبغي اختصاص الحكم بالواقعي.

2- الجهة الثانية: هي أنّه لو قطعنا النظر عن نفس التقسيم، و نظرنا نظرة ثبوتية إلى الوظائف من حيث موضوع إجرائها، فهل يختصّ بالأحكام الواقعية المشكوكة، أو أنّه يمكن إجراؤها بلحاظ الأحكام الظّاهريّة المشكوكة

، بحيث يكتفي بجريانها فيها عن إجرائها في الحكم الواقعي؟

37

و الّذي ينبغي أن يقال في المقام هو، التفصيل بين هذه الوظائف، غير التنزيلية منها «كالبراءة و الاشتغال»، و بين التنزيلية منها، «كالاستصحاب و سائر الإمارات».

أمّا بالنسبة للأصول غير التنزيلية، كالبراءة، و الاشتغال، فقد يتوهم إمكان ذلك في البراءة، بتقريب: انّه تارة يشك في وجوب السورة واقعا، فتجري البراءة عن وجوبها الواقعي، و تارة أخرى يشكّ في وجوب الاحتياط في موارد الشك فتجري البراءة عن وجوب الاحتياط.

و من المعلوم أنّ وجوب الاحتياط حكم ظاهري، ففي المقام جرت البراءة عن الحكم الظاهري كما جرت عن الحكم الواقعي.

إلّا أنّ هذا الكلام غير تام، لأنّا نقول: إنّه في حالة إجراء البراءة عن الحكم الظّاهري، هل نجريها عن الحكم الواقعي المشكوك أم لا؟

فإن قيل بالأول، ففيه: إنّه إذا جرت في الحكم الواقعي، فهذا وحده كاف، لأنّه بإجرائها في الحكم الواقعي يحصل التأمين، و معه لا يترقب تنجيز في مرحلة الظّاهر، لأنّه ليس للظاهر امتثال مستقل في قبال الواقع، و عليه: فلا حاجة لإجرائها في الحكم الظّاهري.

و إن قيل بالثاني ففيه: إنّ إجراءها عن الحكم الظّاهري وحده لا يكفي، لأنّا نحتاج إلى مؤمّن بالنسبة للحكم الواقعي، و لا مؤمّن سوى البراءة، و عليه: فالصحيح في المقام، انّ أصالة البراءة تجري في الحكم الواقعي، و الدليل الدال على جريانها فيه هو بنفسه دليل اجتهادي على عدم وجوب الاحتياط بنحو الدلالة الالتزامية، فدليل البراءة ينفي الحكم الظّاهري التزاما، باعتبار المنافاة بين الأحكام الظّاهرية العرضية كما هو محقق في محله.

و بهذا يثبت أنّ الحكم الظّاهري لا يكون موضوعا لأصالة البراءة على نحو الاستقلال.

38

و أمّا بالنسبة لأصالة الاشتغال، فقد يتوهم إمكان إجرائها في الحكم الظّاهري مستقلا، بل قد يقال بضرورة إجرائها في الأحكام الظّاهرية في بعض الأحيان حيث لا يمكن إجراؤها بلحاظ الحكم الواقعي، فحينئذ، لا بدّ من إجرائها في الأحكام الظّاهريّة كما لو قامت الحجّة- «البينة- مثلا-» الّتي هي حجّة ظاهريّة على حرمة أحد مائعين متردّدا بينهما، فهنا تجري أصالة الاشتغال باعتبار العلم الإجمالي، و لا تجري بلحاظ الحكم الواقعي المشكوك، لأنّ الشبهة فيه بدوية، فلا تكون مجرى لأصالة الاشتغال.

إلّا أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لاحظنا الحكم الظّاهري، لأنّه لو لاحظنا الحكم الواقعي لما كان عندنا علم إجمالي، لاحتمال خطأ البينة في الواقع، و إنّما العلم الإجمالي موجود بلحاظ الحكم الظّاهري.

و عليه: فجريان أصالة الاشتغال إنّما هو بلحاظ الحكم الظّاهري لا الواقعي.

إلّا أنّ هذا الكلام توهم كما عرفت، إذ بالإمكان إجراء أصالة الاشتغال بالنسبة إلى التكليف الواقعي المشكوك بلا توسيط منجزية العلم الإجمالي بالحكم الظّاهري، و ذلك لأنّ نفس قيام البينة على حرمة أحدهما يوجب سقوط الأصول المؤمّنة الجارية بلحاظ الواقع المشكوك في الطرفين معا، لاستحالة اجتماع مؤمّنين تعيينيين في الطرفين مع الحكم الظّاهري التنجيزي المعلوم بالإجمال في أحد الطرفين، و بعد التساقط يثبت الاشتغال، إمّا لإنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان رأسا، كما هو الصحيح عندنا، أو لأنّ العلم الإجمالي بالحجّة بنفسه يمنع عن جريانها حتّى لو قيل بجريانها في الشّبهات البدوية، لأنّ البيان المأخوذ في موضوع القاعدة أعمّ من العلم بالواقع أو العلم بالحجّة، و هذا وحده كاف فإنّ العلم بالحجة موجب لإجراء أصالة الاشتغال و تنجيز الواقع‏

39

المحتمل و عدم جريان الأصول المؤمنة بلحاظه بلا حاجة إلى ضم تنجيز العلم الإجمالي بالحكم الظّاهري.

و بهذا يثبت أنّ الحكم الظّاهري لا يكون موضوعا لأصالة الاشتغال على نحو الاستقلال بحيث يكتفي بإجرائها فيه عن إجرائها في الحكم الواقعي، هذا في الأصول غير التنزيلية.

و أمّا في الأصول التنزيلية، كالاستصحاب و سائر الإمارات، فلا ينبغي الإشكال في إجرائها حيث يتعيّن في بعض الأحيان أن يقع الحكم الظّاهري موضوعا لها على نحو الاستقلال، كما لو شكّكنا في بقاء حجيّة خبر الثقة، فإنّه هنا يجري استصحابها مع انّ المفروض انّ الحجيّة حكم ظاهري و هكذا، و هنا لا يمكن إجراء الاستصحاب في الحكم الواقعي المشكوك بقطع النظر عن إجرائه في الحجيّة، باعتبار أنّه إذا قطع النظر عن إجرائه في الحجيّة فلا يقين بتكليف واقعي لا وجدانا كما هو واضح، و لا تعبّدا، إذ لا ثبوت للحالة السابقة فيه كي تستصحب، لا سيّما بعد فرض الشك في الحجيّة بقاء، إذن، فلا بدّ من إثبات حجية ذلك الخبر بالاستصحاب، كما أنّ العكس يصحّ أيضا، حيث أنّه يمكن أن نثبت الاستصحاب بخبر الثقة الّذي هو حكم ظاهري أيضا.

هذا مع العلم، بأنّ الأصول التنزيلية بما فيها الإمارات، و إن كان جريانها بلحاظ الأحكام الظّاهريّة، إلّا أنّها تكون منجزة للواقع و مؤمّنة عنه، إذ إجراؤها يكون تنجيزا و تأمينا للواقع و لو بلحاظ شكّه في الحكم الظّاهري، حيث أنّه لا تنجيز و لا تعذير له، و من هنا، لو فرض أنّ استصحاب الحجيّة كان مخالفا للواقع كما لو كانت الحجية غير موسعة، و لكن الحكم الواقعي كان ثابتا في هذا المورد، كان المكلّف عاصيا لو خالف هذا الاستصحاب حينئذ، و لكنّه غير متجري.

و بهذا يتمّ الكلام في التقسيم الّذي ذكره الشّيخ (قده) مع سائر ما

40

يتعلّق به. هذا حاصل الكلام في الجهة الثانية و بها تمّ الكلام في التقسيم الّذي ذكره الشّيخ (قده) مع سائر ما يتعلّق به، و من بعد هذا يقع الكلام في القسم الأول من الأقسام الثلاثة و هو القطع.

ثم يقع الكلام على القسم الثاني في الجزء التاسع من كتابنا هذا.

41

القسم الأول مبحث القطع‏

و قد بحث فيه، أولا: عن أصوليّة هذه المسألة، و هذا البحث موكول إلى ما تقدّم حيث ذكرنا في محله الميزان في أصولية المسألة، و من الواضح أنّ ذلك الميزان لا ينطبق على القطع، و عليه: فيقع الكلام الآن في حجيّة القطع، و الكلام في ذلك يقع في جهات.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الجهة الأولى: في أصل حجيّة القطع‏

[معانى الحجية]

و توضيح الكلام فيها هو، أنّ الحجيّة لها معان ثلاثة.

1- المعنى الأول: الحجية المنطقية

، و يقصد بها البحث عن مدى إصابة القطع و حقّانيته، و هنا يبحث كليا عن مناشئ القطع، حيث انّه قد ينشأ عن الإحساس و التجربة أو البرهان و غير ذلك، فيبحث حينئذ عن أنّه من أيّ منشأ يكون مضمون الإصابة أكثر، و هذا كما عرفت بحث منطقي يسمي بنظرية المعرفة بحثناه في كتاب فلسفتنا و هو خارج عن غرض الأصولي و إن كان سيقع الكلام فيه استطراقا عند مناقشة بعض علمائنا المحدّثين في علم الأصول، و كان هذا البحث يبحث قديما تحت عنوان صناعة البرهان في المنطق، و أمّا حديثا فيبحث تحت عنوان نظرية المعرفة.

ب- المعنى الثاني: الحجيّة التكوينية

، و يقصد بها محركيّة القطع للقاطع نحو المقطوع بالنحو المناسب لغرضه، فالعطشان مثلا إذا قطع بوجود ماء في مكان، فإنّ قطعه هذا يحركه إلى ذلك المكان، و هذا المعنى أيضا خارج عن غرض الأصولي.

ج- المعنى الثالث: هو الحجيّة الأصوليّة

، و الّتي يهتمّ الأصولي‏

44

بإثباتها، و هي عبارة عن المعذريّة و المنجزيّة في علاقة العبد مع مولاه في مقام الامتثال، و هذا المعنى هو المبحوث عنه عند الأصولي.

و قد استدلّ بعض العلماء على حجيّة القطع بهذا المعنى بقاعدة قبح الظلم و حسن العدل، بتقريب: انّ العبد إذا قطع بتكليف مولوي، كانت مخالفته لما قطع به ظلم لمولاه، و إذا فرض أنّه قطع بترخيص، كان جريه على طبق ما قطع به، عدل.

و بما أنّ العدل حسن، و الظلم قبيح، فيجب الجري على طبق القطع، و بهذا تثبت منجزيّته و معذريته، و تكون بذلك حجيّة القطع من صغريات قاعدة حسن العدل، و قبح الظلم، و بهذا يكون فاعل الحسن مستحقا للمدح و الثواب، و فاعل القبح مستحقا للذمّ و العقاب، و من هنا اختلفت مبانيهم في حجيّة القطع بحسب اختلافهم في مباني هذه المسألة، فمن جعل منهم قبح الظلم و حسن العدل من الأمور الواقعيّة المدركة عند العقل من قبيل الإمكان، و الامتناع، كانت حجيّة القطع عنده كذلك أيضا، و من ذهب منهم مذهب الفلاسفة، من أنّ حسن العدل، و قبح الظلم حكم عقلائي و إنّما حكم به العقلاء حفظا لنظامهم، كانت حجيّة القطع لديه من القضايا المشهورات كما في مصطلح المناطقة، و هي القضايا المجعولة من قبل العقلاء.

و التحقيق: هو انّ هذا الاستدلال غير منهجي، لأنّه إن أريد بهذا الكلام التنبيه للمرتكزات الموجودة في الأذهان و إلفات الخصم إلى استحقاق الثواب و العقاب في الجري على طبق القطع أو مخالفته فلا بأس بذلك.

و أمّا إذا أريد به الاستدلال على المنجزيّة و المعذريّة، فهذا غير صحيح منهجيا.

45

و الوجه في ذلك هو، انّ قاعدة قبح الظلم أخذ في موضوعها عنوان الظلم الّذي هو عبارة عن سلب ذي الحق حقّه، و عليه: ففي المرتبة السابقة على تطبيق هذه القاعدة، لا بدّ من إثبات حقّ للآمر على المأمور، و هو حق الطاعة و المولوية لكي نفترض مخالفته سلبا لحقّه و إلّا لم يكن ظلما فيما إذا لم نثبت حقا للآمر على المأمور، و حينئذ، فإن أريد بنفس تطبيق قاعدة قبح الظلم، إثبات حق الطاعة و المولويّة، فهو دور واضح، لأنّ هذه القاعدة فرع ثبوت حق الطاعة و المولوية كما عرفت.

و إن أريد بهذه القاعدة، الاستدلال على ما ذكر بعد الفراغ عن ثبوت حق الطاعة و المولويّة، فهو حشو من الكلام، لأنّه بعد الفراغ عن حق الطاعة للمولى على العبد، لا يبقى أيّ داع للاستدلال على وجوب الطاعة، إذ بعد افتراض وجدانية القطع لدى القاطع لا نحتاج إلى شي‏ء آخر حيث لا يراد بالمنجزية إلّا حقّ الطاعة و لزوم الامتثال، و المفروض انّنا قطعنا بذلك صغرى و كبرى.

و إن شئت قلت: إنّ الصحيح بحسب منهجية البحث هو أن يقال:

إنّه عندنا كبرى، و هي مولوية هذا المولى و وجوب إطاعته، و هذه الكبرى قد فرغ عنها في علم الكلام و لا معنى لبحثها هنا، و عندنا صغرى لهذه الكبرى، و هي القطع بالتكليف، و هذا القطع موجود وجدانا، لأنّ المكلّف حسب الفرض قاطع بتكليف من قبل هذا المولى، و بعد ضمّ الصغرى إلى الكبرى تثبت المنجزية أو المعذرية كما لو قطع بالترخيص، و معه لا يبقى ما يحتاج إلى ضمّه في مقام انتزاع منجزية القطع و معذريته.

و النتيجة هي إنّنا لا نحتاج إلى توسيط عنوان قبح الظلم، و جعله دليلا على حجيّة القطع، بعد أن كان جريان قبح الظلم فرع ثبوت مولوية

46

المولى و حق الطاعة، اللّهمّ إلّا أن يراد بذلك مجرد تنبيه المرتكزات الموجودة في الأذهان و إلفات الخصم إلى استحقاق المثوبة على موافقة القطع، و العقوبة على مخالفته كما تقدّم، فلا بأس بذلك حينئذ.

[اقسام المولوية]

و تفصيل الكلام في ذلك، هو أنّ مرجع المولويّة إلى حقّ الطاعة، فإذا كان لشخص على آخر حقّ الطاعة بمرتبة من المراتب، فيكون مولى له بمرتبة من المراتب، و هذه المولويّة على ثلاثة أقسام:

1- القسم الأول: المولويّة الذاتية الثابتة في لوح الواقع‏

، بقطع النظر عن جعل أيّ جاعل، و يكون حالها حال الملازمة بين العلّة و المعلول، فكما انّ هذه الملازمة أمر واقعي ثابت في لوح الواقع و إن لم يوجد أيّ معتبر، كذلك هذه المولويّة الذاتية، و مثل هذه المولوية مخصوصة باللّه سبحانه و تعالى، فبحكم مالكيّته للكون و من و ما فيه، يكون له مثل هذه المولويّة الحقيقيّة.

و هذه المولويّة الحقيقيّة، تفترض المولوية التشريعيّة على ضوء المولويّة التكوينيّة، فكما أنّ إرادته نافذة في الكون، كذلك إرادته التشريعيّة نافذة تكوينا، بمعنى أنّ له حق الطاعة على كل من يريد منه تشريعا شي‏ء من الأشياء.

و هذه المولويّة ثابتة حتّى بقطع النظر عن وجوب شكر المنعم، الّذي خرّج علماء الكلام على أساسه وجوب معرفة اللّه تعالى و لزوم طاعته، لأنّ مسألة شكره شي‏ء، و مسألة مولويّته الحقيقيّة شي‏ء آخر.

كما انّ هذه المولويّة يستحيل أن تكون مجعولة من قبله سبحانه، لأنّ معنى ذلك، أنّه في المرتبة السابقة على جعله لهذه المولويّة لم يكن مولى، و معه لا يمكن نفوذ حكمه بمولوية نفسه، فإنّ فاقد الشي‏ء لا يعطيه.

47

إذا عرفت ذلك، و انّ هذه المولوية غير مجعولة أصلا، و إنّما إدراكها عند العقلاء على حدّ إدراكهم للقضايا الواقعية الأخرى، حينئذ نقول: إنّ القطع دائما يحقق صغرى هذه المولوية الراجعة إلى حقّ الطاعة، و ذلك بسبب كاشفيّة القطع التكوينيّة، و من هنا يتضح، انّ حجيّة القطع ذاتية غير قابلة للجعل أصلا، لأنّ حجيته كما عرفت مرجعها إلى كبرى هي المولوية المذكورة، و هي غير قابلة للجعل كما تقدّم، و إلى صغرى هي كاشفيّة القطع و هي تكوينيّة، و لا معنى لجعل كاشفيته التكوينيّة.

و بهذا يتضح أنّ حجيّة القطع في مثل المقام ذاتية.

2- القسم الثاني: المولويّة المجعولة من قبل المولى الحقيقي‏

، كمولويّة النّبيّ أو الوليّ (عليهم السّلام) على كلّ النّاس، المجعولة من قبل اللّه سبحانه، و كذا مولويّة الأب على الابن على القول بها و نحو ذلك.

و لمّا كانت هذه المولويّة مجعولة، فيمكن للجاعل أن يجعلها في صورة قطع المولّى عليه بالتكليف، و في صورة ظنّه، أو شكّه، كما أنّه بالإمكان أن يجعلها في صورة الظن أو الشكّ دون القطع، و لا لتهافت، لأنّ هذه المولويّة ليست من لوازم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو الوليّ (عليه السّلام) أو الأب، و إنّما هي مجعولة، و الجاعل يمكنه التحكم في ذلك، فهي تتبع في السعة و الضيق مقدار جعلها.

نعم القدر المتيقن عقلائيا من وجوب الإطاعة هو، صورة القطع، و عليه فحجيّة القطع في مثل ذلك تكون قابلة للجعل، فإذا شملته دائرة الجعل يكون حجّة، و إلّا فلا حجيّة له.

3- القسم الثالث: المولويّة المجعولة من قبل نفس العبد على نفسه أو العقلاء على أنفسهم‏

، كما لو جعل شخص لآخر حق الطاعة

48

على نفسه لشخص آخر، باعتبار ما له من خبرة و معرفة مثلا، أو كما في الموالي و السلطات الاجتماعية الوضعية، فإنّ هذه المولوية أيضا تتبع مقدار الجعل و العقد و الاتفاق العقلائي.

ثمّ انّ هذه المولويّة الذاتية الثابتة للّه سبحانه و الراجعة في حقيقتها إلى حق الطاعة، هي ثابتة في صورة القطع بالتكليف، أو الظن، أو الشك، أو الوهم إذا قطعنا النظر عن الأصول المؤمّنة، و عليه فمن شكّ في التكليف يتنجز عليه وجوب امتثاله، باعتبار انّ هذه المولوية تقتضي عدم جواز التصرف في أيّ شي‏ء يرجع إلى المولى إذا لم يعلم برضاه في ذلك، و هذا يقتضي منجزيّة الوهم كما هو واضح.

و أمّا ما يذكر من أنّه لا يجب امتثال غير ما قطع بالتكليف به، لأنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان تقتضي قبح العقاب في صورة الظن غير المعتبر و الشك فضلا عن الوهم، ففيه:

إنّ هذا تضييق لمولويّة المولى، لأنّ مرجعها إلى انّ هذا المولى ليس له حق الطاعة إلّا في تكليف قطع به، و هذا على خلاف ما هو الصحيح من معنى المولويّة الذاتية و الحقيقيّة الراجعة إلى حق الطاعة.

و من هنا أنكرنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان كما ستعرف تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

و إلى هنا اتضح أنّ للمشهور طريقا في تصوير حجية القطع، و لنا طريق آخر في تصويره، حيث أنّ المشهور اعتمدوا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بينما نحن أنكرناها في الشّبهات البدوية.

و هذا الاختلاف سوف يترتب عليه كثير من الثمرات في كثير من البحوث الآتية.

و تفصيل الكلام في ذلك: هو أنّ المشهور فرّقوا بين أمرين، حيث‏

49

ميّزوا بين مولويّة المولى، و بين منجزية أحكامه كما لو كان عندهم أمران متغايران، أحدهما، مولويّة المولى الواقعية، فهي عندهم أمر واقعي مفروغ عنه و لا نزاع فيه لكن لا ربط له بحجيّة القطع و منجزيته، و الأمر الآخر هو، منجزية القطع و حجيته، و هو أمر آخر لا ربط له بمولوية المولى.

و في مقام بيان منجزية القطع و حجيته ذكروا أنّ التكليف إنّما يتنجز بالوصول و القطع، و لهذا حكموا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، دون أن يروا انّ هذا تفصيل في مولويّة المولى و حق طاعته.

و قد عرفت سابقا انّ هذا المنهج غير صحيح إذ المنجزية الّتي جعلوها أمرا ثانيا إنّما هي من لوازم أن يكون للمولى حق الطاعة على العبد في مورد التنجيز، إذ أيّ تبعيض عقلي في المنجزية، هو تبعيض في المولويّة.

[منهج البحث عن دائرة مولويّة المولى و حق طاعته، و بيان حدودها]

و من هنا كان لا بدّ من جعل منهج البحث ابتداء، عن دائرة مولويّة المولى و حق طاعته، و بيان حدودها، و ذلك ضمن فرضيات:

أ- الفرضية الأولى: هي أن تكون مولوية المولى أمرا واقعيا

، موضوعها واقع التكليف، بقطع النظر عن درجة الانكشاف به.

و هذا فرض واضح البطلان، لأنّه يستلزم أن يكون التكليف في موارد الجهل المركب منجزا و تكون مخالفته عصيانا، و هو خلف معذريّة القطع، و هو باطل.

ب- الفرضية الثانية: هي أن تكون مولوية المولى و حق طاعته في خصوص ما يقطع به و يصل إلى المكلّفين.

و هذا هو روح مذهب المشهور، و هو يعني التبعيض في المولوية بين موارد القطع و الوصول، و موارد الظن و الشك.

50

و هذه الفرضية نرى بطلانها أيضا، لأنّا نرى أنّ مولويّة المولى هي من أكمل مراتب صفاته الذاتية، و من ثمّ يكون حقّه في الطاعة على العباد من أكبر الحقوق و أوسعها حيث تشمل كل الموارد، لأنّه ناشئ من المملوكيّة و العبوديّة الحقيقيّة.

ج- الفرضية الثالثة: هي أن تكون مولوية المولى في حدود ما لم يقطع بعدمه.

و هذه المولويّة هي الّتي ندّعيها لمولانا سبحانه، و هي الّتي على أساسها أنكرنا قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» و الّتي اعتمدها المشهور للتبعيض في المولوية.

و لعلّ المشهور قاس مولويّة مولانا سبحانه و تعالى على بعض المولويات العرفية العقلائية الّتي لا تثبت في غير موارد وصول التكليف.

نعم لو أنّ المشهور قال: بأنّ الشارع أمضى السيرة و الطريقة المتعارفة في المولويات الثابتة عند العقلاء و ما تقتضيه، لما كان هناك بأس بذلك، و يكون مرجع ذلك في الحقيقة عند عدم وصول التكليف، هو البراءة الشرعية المستكشفة عن طريق إمضاء مولانا سبحانه للسيرة العقلائية.

[فرقان بين القطع و بين غيره من الظن و الشك و الوهم‏]

و من هنا و على هذا الأساس يكون هناك فرقان بين القطع و بين غيره من الظن و الشك و الوهم.

أ- الفرق الأول: هو أنّ القطع حجّة في جانب التنجيز و التعذير بخلاف المراتب الأخرى‏

الّتي لا يكون في مواردها إلّا التنجيز، لأنّ القطع بالتكليف بشي‏ء يدخله في دائرة حق الطاعة و لا يشمل موارد القطع بالترخيص، فإنّ القطع بعدمه يخرجه عن هذه الدائرة، و هذا ليس تبعيضا في مولوية المولى بل هو تخصّص كما سيأتي من استحالة محركيّة مولوية المولى في مورد القطع بالترخيص و من هنا كان معذرا.

51

أمّا غير القطع، فهو حجّة في جانب التنجيز دون التعذير، أمّا الأول فلما عرفت، و أمّا الثاني، فلأنّه ما لم يرد دليل شرعي على وجوب العمل على طبقه فلا يكون معذرا.

ب- الفرق الثاني: هو أنّ منجزية غير القطع من الظن و الاحتمال قابلة للردع عنها شرعا

، و ذلك بجعل ترخيص ظاهري على خلافه، و هذا الحكم الترخيصي يسمّى بالحكم الظّاهري، و هو مورد شبهة ابن قبة في كيفية الجمع بين الحكم الظّاهري و الحكم الواقعي، فإن أمكن الإجابة عن هذه الشبهة، يتبرهن حينئذ قابلية غير القطع للردع عن منجزيته، أمّا منجزية القطع فلا يمكن الردع عن منجزيته.

و هذا هو الّذي وقع موردا للخلاف بين الأصوليين و الإخباريين في خصوص القطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة حيث ذهب الأصوليون إلى عدم إمكان الردع عنه، و ذهب الأخباريون إلى إمكان ذلك، بل ذهب بعضهم إلى وقوعه، و رتّبوا على ذلك انّ القطع إذا حصل من غير طريق الأدلة الشرعية الواردة في الكتاب و السنّة فهو غير حجّة.

و الحاصل هو، أنّه هل يمكن ردع الشارع عن العمل بالقطع، كما كان يمكنه الردع عن العمل بالظن و الاحتمال، بمعنى أنّه في موارد الإمارات الظنيّة و الاحتماليّة بإمكان الشارع أن يجعل حكما ظاهريا على خلافها، و يسمّى بالحكم الظّاهري، و يكون تعطيلا لحجيتها، فهل يمكن هذا في موارد القطع و ذلك بأن يجعل الشارع حكما على خلاف التكليف المقطوع به، بحيث يوجب ردع القاطع عن العمل بقطعه و إسقاطه عن الحجيّة؟.

[براهين الاصوليين على استحالة جعل الشارع حكما ظاهريا على خلاف التكليف المقطوع‏]

و قد ادّعى الأصوليون استحالة ذلك، و حاولوا إقامة ثلاثة براهين عليه.

1- البرهان الأول: هو أنّه لو جعل الشارع حكما على خلاف المقطوع به، للزم في فرض إصابة القطع للواقع، اجتماع الضدين واقعا

52

، فلو قطع المكلّف بالوجوب مثلا، و فرض أنّ الشارع ردع عن العمل بذلك و أبطل منجزيته، و ذلك بجعل ترخيص على خلافه، فهذا القطع حينئذ، إن كان مطابقا للواقع، فيلزم اجتماع الضدين، الوجوب المقطوع به مع الترخيص المجعول ردعا للقاطع، و يلزم هذا سواء في حالة الإصابة، أو في نظر القاطع في فرض الخطأ و كلاهما محال، لأنّ القاطع هو قاطع بثبوت الوجوب، فإذا جعل في حقّه الترخيص، إذن يلزم أن يكون قاطعا باجتماع الضدين، و هما الوجوب و الترخيص، سواء كان قطعه مصيبا أو لا، و هو محال كما تقدّم و القطع بوقوع المحال، محال.

2- البرهان الثاني: هو أنّ الردع من قبل الشارع عن التكليف المقطوع به، مناف و مناقض مع حكم العقل بحجيّته و منجزيته‏

، فيكون مستحيلا، لأنّ الشارع لا يعقل أن يحكم بحكم يكون مناف لحكم العقل، و قد فرضنا أنّ العقل يستقل في المقام بحجية القطع، إذن، فمع استقلاله و كون الحجيّة من ذاتيات القطع غير القابلة للانفكاك عنه، حينئذ يكون حكم الشارع مستحيلا، لأنّه إن أريد بذلك الحكم الشرعي إزالة الحجية الذاتية حقيقة فهو تفكيك بين الذات و الذاتي و هو غير معقول لأنّ الحجيّة ذاتية، و إن أريد جعل هذا الحكم الشرعي في قبال الحجيّة الذاتية عقلا فهو حكم شرعي معارض مع حكم العقل لأنّه جمع بين النقيضين و هو مستحيل أيضا. و يستحيل صدوره من الشارع.

3- البرهان الثالث: هو أن يقال: إنّ الردع عمّا قطع به يلزم منه نقض الغرض،

و ذلك لأنّ المولى بعد فرض إنّنا قطعنا بأنّه جعل الوجوب واقعا، فإذا رخّص بمخالفته، حينئذ، يتوجه سؤال:

و هو أنّه لما ذا جعل الوجوب إذن، و ما الغرض من جعل الحجيّة

53

للقطع؟ إذ ليس الغرض إلّا التحرك على طبقها، و بجعله الترخيص يبطل هذه المحركية و يسدّ كل أبوابها لا محالة.

هذا حاصل الكلام في البراهين الثلاثة، و لا بدّ من التعليق على كلّ واحد منها.

[رد البرهان الاول‏]

أمّا البرهان الأول: و هو اجتماع الضدين، و هما التكليف المقطوع به، و الحكم بالترخيص الّذي هو ردع عن العمل بالقطع، فإنّ طرز هذا البرهان كالشبهة الّتي أوردت على جعل الأحكام الظّاهريّة عموما في موارد جعل الإمارات و الأصول العملية عند الظن و الشك، فهناك قيل أيضا بأنّ حكم الشارع بالترخيص على طبق خبر الثقة فيما لو كان مخالفا للواقع يلزم منه اجتماع الضدين، لأنّه في الواقع إذا كان الفعل الفلاني محرم، و قد حكم الشارع بالترخيص فيه فيلزم اجتماع الضدين، و هذا أحد شبهات ابن قبة في جعل الأحكام الظّاهرية، فصياغة الشبهة هنا متقاربة مع صياغتها هناك.

و الجواب هو أن يقال: بأنّ التضاد بين الحرمة المقطوعة، و بين الترخيص المفروض على القاطع، تارة يدّعى بلحاظ المبادئ، أي بلحاظ عالم الملاك، فيقال: إنّ الحكم بالحرمة مضاد للترخيص في عالم المصلحة و المفسدة، لأنّ الحرمة ناشئة عن المفسدة و الترخيص ناشئ عن المفسدة، إذن فهما متهافتان في عالم المبادئ، و أخرى يدّعى التضاد بلحاظ عالم المحركيّة و التنجيز خارجا في مقام الامتثال، بأن يقال: بأنّ هذين الحكمين في عالم التنجيز و التحريك متضادان، لأنّ أحدهما يمسك بالمكلّف، و الآخر يطلق له العنان، إذن فهما متضادان في عالم الامتثال.

فإن ادّعي الأول، أي التضاد بحسب عالم المبادئ كما ادعي ذلك في الجمع بين الأحكام الظّاهرية و الواقعية في موارد الإمارات‏

54

الظنيّة و الاحتمالية، فلا بدّ حينئذ من ملاحظة الأجوبة و المسالك الّتي عولج بها هذا التضاد في الجمع بين الأحكام الظّاهرية و الواقعية في ناحية المبادئ و كيف تمّ التوفيق بينهما.

و حينئذ، نرى انّ نفس العلاج الجاري هناك على بعض المسالك يجري هنا، و إن كان على المسلك الصحيح في علاج التضاد هناك فإنّه لا يجري هنا نفس العلاج، فهذا البرهان، و هو برهان التضاد غير قابل للتكميل في جملة من المسالك، و على جملة من المسالك غير قابل للعلاج هناك،

[المسالك الّتي لم يتم فيها هذا البرهان‏]

و على سبيل المثال نذكر مسلكين من تلك المسالك الّتي لم يتم فيها هذا البرهان.

1- المسلك الأول: القائل باختلاف مرتبة الحكم الظّاهري عن الحكم الواقعي في دفع شبهة ابن قبة

، حيث لا يكون تضاد بين الأحكام الواقعية و الظّاهرية، و ذلك باعتبار تعدد المرتبة بينهما، لأنّ الحكم الظّاهري ليس في مرتبة الحكم الواقعي، لأنّ الحكم الظّاهري متأخر عن موضوعه مرتبة، إذ موضوعه الشك في الحكم الواقعي، و الشك في الحكم الواقعي متأخر عن نفس الحكم الواقعي تأخر العرض عن معروضه، إذن فالحكم الظّاهري متأخر بمرتبتين عن الحكم الواقعي، لأنّه متأخر عن موضوعه بمرتبة، و موضوعه متأخر عن الحكم الواقعي بمرتبة، إذن فلم يجتمع الحكم الواقعي و الحكم الظّاهري في مرتبة واحدة، و حينئذ، فلا تضاد بينهما، لأنّ التضاد فرع وحدة المرتبة.

و هذا المسلك، كل من يجري عليه هناك فهو ملزم أن يجري عليه هنا حيث يقال: بأنّ نفس التعدد الرتبي موجود هنا أيضا، فإنّ الترخيص هنا في طول موضوعه و هو القطع بالحرمة، و هو متأخر مرتبة عن ذلك، و القطع بالحرمة متأخر عن الحرمة تأخر العرض عن معروضه، إذن فالترخيص مع هذه الحرمة ليسا في مرتبة واحدة بل في مرتبتين.