بحوث في علم الأصول - ج10

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
427 /
5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و سيّد الخلق أجمعين محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد: فهذا هو الجزء العاشر من كتابنا (بحوث في علم الأصول) الذي نستكمل فيه مباحث الحجج و الأمارات، و قد اشتمل على جميع مباحث حجيّة الأخبار بكل ما تفرع عليها مع مبانيها و أدلتها حيث كان آخرها دليل الانسداد، و قد تلقينا هذه المباحث في الدورة الثانية على أستاذنا و سيّدنا الشهيد السعيد آية الله العظمى السيّد الصدر (قده) شهيد الإسلام الخالد.

نسأل الله تعالى بجاه محمّد و آله أن يتقبل منّا عملنا هذا و أن يسكن أستاذنا الشهيد مع آبائه المعصومين و أن يحشرنا معهم، و يختم أيامنا و أعمالنا و نحن على ولايتهم و محبتهم إنه سميع مجيب، و الحمد لله رب العالمين.

1421 ه-- 1999 م‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

حجية الخبر

الخبر ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: خبر علمي، يفيد اليقين الحقيقي أو العرفي.

القسم الثاني: خبر غير علمي، لا يفيد اليقين الحقيقي أو العرفي.

و القسم الثاني هو خبر الواحد، و القسم الأول، أوضح مصاديقه ما كان قطعياً بالكثرة، و هو المتواتر، فإنّ القضية قد تنشأ من عامل الكثرة، و قد تنشأ من سبب آخر، فإن نشأت من الكثرة، فهذا هو الخبر المتواتر.

و الكلام في القسم الثاني و هو خبر الواحد، باعتبار أن الأوّل لمّا كان قطعياً، فلا معنى للبحث عن حجيته، لأنّ مقتضى كونه قطعياً، أنّ العقل يحكم بحجيته بلا حاجة لإقامة دليل شرعي عليه، و لهذا وقع الكلام في القسم الثاني.

لكن مع هذا نتكلم في القسم الأول، لأنّ فهم كيفية انتاج التواتر للعلم، و تحصيل الميزان الفني لذلك و لو بالجملة، يؤدي إلى إمكان اتخاذ الاختيارات المناسبة في فروع بحث المتواتر، كالتواتر الإجمالي، و المعنوي التي هي بحاجة إلى اتخاذ اختيارات اتجاهها، إلى غير ذلك من مسائل التواتر.

8

و هذه الاختيارات تكون أكثر سداداً عند ما يبحث التواتر و يتكلم عن أسبابه، و سرعة حصول اليقين و بطئه، لكي لا تبقى المسألة مجرد اصطلاح، فمن هنا نسوق الكلام أولًا في المتواتر.

فقد عرّفت القضية المتواترة في المنطق‏ (1)، بأنها اجتماع عدد كبير من المخبرين على قضية، على نحو يمتنع تواطؤهم على الكذب، و هذا الكلام يرجع في تحليله إلى أنّ القضية المتواترة، دليليّتها تنحل إلى مقدمتين، صغرى، و كبرى.

و الصغرى هي، أنه قد اجتمع عدد كبير على الإخبار عن وجود حادثة (ما) كموت زيد.

و الكبرى هي، حكم العقل بأنه يمتنع اجتماع هذا العدد الكبير، كالألف مثلًا، و تواطؤهم على الكذب. فإذا طبقت الكبرى على الصغرى أنتج حينئذٍ أنّ هذه الحادثة ثابتة و صحيحة.

و منطق أرسطو يفترض أنّ المقدمة الثانية عقلية و ليست مستمدة من المشاهدات و التجارب الخارجية، بل هي مما يستقل بها العقل كاستقلاله بقانونية استحالة اجتماع الضدين، و من هنا جعلوا القضية المتواترة إحدى القضايا الأولية الست في كتاب البرهان، باعتبار أنّ كبراها قضية عقلية أولية، و إلّا فنفس القضية المتواترة و هي (موت زيد) بحسب تحليل المنطق، قضية مستدلة بقياس فيه كبرى، و صغرى، فالمقدمة الأولى صغرى، و الثانية كبرى، و موت (زيد) نتيجة، إذاً، فالقضية المتواترة ليست أولية، بل هي قضية مستدلة، و إنما

____________

(1) () منطق الشفاء: ابن سينا ج 3 ص 64 ط مصر. الإشارات و التنبيهات: ج 1 النهج السادس ص 212 و ما بعده. منظومة السبزواري: ج 1 ص 327 326.

9

القضية الأولية هي الكبرى في القياس، و هو الحكم العقلي الذي هو عبارة عن (امتناع اجتماع ألف مخبر عن موت زيد على الكذب)، و بهذه المناسبة جعلت القضية المتواترة أولية.

و على هذا الأساس قال المنطق الأرسطي: بأن القضية المتواترة مستدلة استدلالًا قياسياً، لا استقرائيا، فإن هناك صورتين من الاستدلال القياسي، و هو ما يسمى بالاستدلال الاستنباطي، و هذا الاستدلال دائماً النتيجة فيه، مساوية مع المقدمات أو أصغر منها، فحينما نقول: (زيد إنسان، و كل إنسان يموت، فزيد يموت)، فهنا: (زيد يموت) أصغر من قولك (كل إنسان يموت).

و كذلك لو قلنا: (الحيوان إمّا إنسان، أو بقر، أو نمل، و الإنسان يموت، و البقر يموت، و النمل يموت)، إذاً، فكل حيوان يموت، فالنتيجة مساوية مع المقدمات، بينما في الاستدلال الاستقرائي النتيجة فيه تأتي أكبر من المقدمات. فيقال: فلان عادل، و فلان عادل، إذاً، كل الناس عدول.

و المنطق يقول: إنّ الاستدلال المضمر على القضية المتواترة، استدلال قياسي‏ (1)، فالنتيجة فيه أصغر من المقدمات، فعند ما يقول: (اجتمع ألف إنسان على الإخبار عن موت زيد، و كلما اجتمع ألف إنسان على الإخبار عن حادثة، ثبت صدقها)، إذاً فقد ثبت موت زيد، و معنى هذا، نزول من الكبرى إلى الصغرى، و هو معنى القياس.

و سنخ هذا المطلب يقوله في القضية التي سمّاها بالتجربيات و جعلها أصدق القضايا الست الأولية، فمثلًا: لو أعطي ألف شخص حبّات أسبرو، ثم شفي الألف من الصداع، حينئذٍ بهذا تثبت قضية

____________

(1) () منطق الشفاء: ابن سينا ج 3 ص 64.

10

تجريبية فيقال: بأن الأسبرو يشفي من الصداع، و هذه القضية التجريبية و إن جعلها المنطق الأرسطوئي أصدق القضايا الأولية، و لكن روح هذا المنطق يعلمنا أن هذه القضية مستدلة بدليل مركب من مقدمتين.

و هي الصغرى، و هي أنه قد اقترن (حبة الأسبرو) مع الشفاء في ألف حالة، فإمّا أن يكون هو العلة في الشفاء دائماً، و إمّا أن يكون من باب الصدفة، بأن كانت هناك علل أخرى اقترنت مع الأسبرو صدفة.

المقدمة الثانية: و هي الكبرى، و هي أنه لا يمكن أن يكون الاتفاق و الصدفة دائمية أو غالبية في الطبيعة بدون علاقة بينهما، إذ يستحيل أن يكون في كل الحالات قد وقعت الصدفة، و هذا معنى أنّ الصدفة لا تكون دائمية.

و هذه الكبرى، إذا ضمّت إلى الصغرى، ينتج القضية التجريبية، و هي، أنّ (الأسبرو علّة للشفاء) و إلّا لزم محذور عقلي و هو، تكرر الصدفة دائماً.

و هكذا حوّل هذا المنطق القضية التجريبية، إلى قضية مستدلة قياساً.

و ما قاله في القضية التجربية، يكون موازياً لما في القضية المتواترة، و نحن لم نوافق على كل ذلك، فإنه بالنسبة للقضية المتواترة، لا نسلم بوجود كبرى عقلية ثابتة في العقل بعنوان أنه يمتنع اجتماع ألف إنسان على الكذب‏ (1)، كما لا يوجد كبرى عقلية ثابتة في‏

____________

(1) () بعد أن يعلق العلّامة حسن‏زاده الآملي على قول السبزواري في منطق المنظومة حال كلامه عن المتواترات صفحة 326 ينقل عن البداية في علم الدراية صفحة 12- 13 من الطبعة الحجرية الأولى ينقل كلاماً للشهيد الثاني في المتواتر و هو أنّه لا ينحصر ذلك في عدد خاص على الأصح، بل المعتبر هو العدد المحصل للوصف، فقد يحصل في بعض المخبرين بعشرة و أقل، و قد لا يحصل بمائة بسبب قربهم إلى وصف الصدق و عدمه، و قد خالف في ذلك قوم فاعتبروا اثني عشر عدداً عدد النقباء، أو عشرين لآية العشرين الصابرين، أو السبعين لاختيار موسى (ع) لهم ليحصل العلم بخبرهم إذا رجعوا، أو ثلاثمائة و ثلاثة عشر عدد أهل بدر، و لا يخفى ما في هذه الاختلافات من الجزافات و أي ارتباط لهذا العدد بالمراد و ما الذي أخرجه عن نظائره مما ذكر في القرآن، ثمّ إنّ الشهيد أفاد بأنّ الميزان إفادة العلم.

يقول المقرر: و هو أيضاً كما ترى، فإنّه فسّر الشي‏ء بنفسه إذ قد عرفت أنّ أساس إفادته للعلم إنّما هو حساب الاحتمال لا الكم العددي الذي أوحى به منطق أرسطو حيث يفيد بأنّ الاستدلال الاستقرائي قائم على أساس قضية عقلية أولية قبلية هي وجود عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب مما أوجب البحث عن تحديد العدد.

11

العقل تقول: بأنّ الاتفاق لا يتكرر ألف مرة أو أكثر، إذاً، فلا الكبرى في ذلك القياس ثابتة في حاق العقل، و لا هذه الكبرى ثابتة كذلك، بل نفس هاتين الكبريين هما في طول التجربة و المشاهدة، فنحن إنما نصل إلى هاتين الكبريين نتيجة للمشاهدات، حتى لو كنا لا نعرف الناس، و لم نتجاوب معهم إلى الأبد، و لم نعرف كذب الناس، بل حتى لو كنّا لا نعيش في هذا العالم و لم نعرف مقدار تكرار الصدف، بل نحتمل أنّ هذا العالم تكرر الصدف فيه كثيرة، لكن ليس حكم العقل في مثل هذه القضايا كحكمه باستحالة اجتماع النقيضين فيه، كما لا نحتمل خرق القوانين الرياضية، لأنّ هذه قضية عقلية، أمّا احتمال اجتماع ألف واحد على الكذب فهذا محتمل، بل إنما هذه قضايا في طول التجربة و المشاهدة، إذاً حالها حال نفس القضية التجريبية و المتواترة، إذاً فهذا قد فسر القضية التجريبية بالتجربة، غايته أنّ تلك التجربة أوسع من هذه، فكلتا القضيتين تجريبيتين و شهوديتين، إذاً فبقيت المشكلة على حالها، و هي أنه كيف نفسر حصول اليقين في القضية المتواترة و التجريبية.

و نحن قد فسّرنا هذا اليقين في كلتا القضيتين على أساس حساب‏

12

الاحتمالات و قلنا: إنّ حصول اليقين في المتواترة ناتج عن تراكم احتمالات متعددة و قيم احتمالية كثيرة على مصب واحد فيتقوى حتى يحصل اليقين، و كذلك الأمر في القضية التجريبية، بل سوف يظهر أنّ روح القضية المتواترة هو، روح القضية التجريبية.

إذاً كل من القضيتين، حصول اليقين فيها إنما ينتج عن تراكم الاحتمالات، و ليس حصول اليقين فيها ناتجاً عن قضية عقلية.

و قد برهنّا على ذلك في الأسس المنطقية للاستقراء (1)، و نكتفي الآن بالبرهان التجريبي، فإننا نلحظ فيه بالوجدان ارتباطاً مستمراً بين قوى هذه الاحتمالات المتراكمة، و بين حصول اليقين بالنتيجة، فإنّ اليقين بالقضية المتواترة وليد هذه الاحتمالات، و لنفرضها ألفا مثلًا، حينئذٍ، نرى أنّ هذه الاحتمالات مفرداتها كلّما كانت في أنفسها أقوى، كان حصول اليقين أسرع و أقوى، و هكذا كلّما كانت مفردات هذه الاحتمالات أضعف، كان حصول اليقين أبطأ.

إذاً، ففرق بين جمع شهادة ألف ثقة، و شهادة ألف مجهول، إذ كل احتمال احتمال مستقلًا في نفسه، أقوى من الأول، بينما كل احتمال احتمال مستقلًا في نفسه، أضعف في الثاني الذي هو شهادة ألف مجهول، إذاً، ففي مقام التجميع سوف يحصل اليقين بسرعة في الأول.

إذاً، فالنتيجة مرتبطة سرعة و بطءاً بقوة نفس هذه الاحتمالات و ضعفها.

و هذا شاهد على أنّ اليقين نتيجة لهذه الاحتمالات، و لو كان هذا

____________

(1) () الأسس المنطقية للاستقراء: محمد باقر الصدر ص 426 إلى 433.

13

اليقين نتيجة عقلية أولية كما يذهب إليه المنطق الأرسطي، إذاً، لما كان هناك علاقة بين هذا اليقين و بين قوة هذه الاحتمالات و ضعفها، فهذا مجرد منبه وجداني على هذه الدعوى.

و بقية البراهين الفنية، في محلها من كتاب الأسس المنطقية للاستقراء.

و الآن، نريد أن نوضح كيفية حصول اليقين على أساس حساب الاحتمالات في القضية المتواترة و التجريبية، لكي نثبت أنّ روح اليقين فيهما واحدة، فنختار شكلين للقضية التجريبية لتطبيق بعض الجوانب من منطقنا عليها، بعد أن اتضح عدم صحّة تفسير المنطق الأرسطي لها.

الشكل الأول: هو أننا نريد أن نثبت بالتجربة و الاستقراء عليّة الموجود.

الشكل الثاني: هو أننا نريد أن نثبت وجود العلة بعد الفراغ عن عليتها في نفسها.

أما الشكل الأول الذي نريد أن نثبت فيه عليّة الموجود، فنمثل له بحبة الأسبرو عند ما نعطي الأسبرو عدداً من المصابين بالصداع و لنفرضه عشرين مصاباً بالصداع، ثم يرتفع الصداع، حينئذٍ، نريد بالاستقراء و التجربة أن نثبت أنّ حبّة الأسبرو هي العلّة لهذا الشفاء، و هذا إثبات لعلية الموجود، إذاً فالشك في علية الموجود فنقول: إنّ عليّة حبّة الأسبرو للشفاء قضية محتملة، و هذه القضية المحتملة قبل التجربة و إن كانت تنحل إلى قضايا متعددة بعدد حبات الأسبرو، إلّا أنّ هذه الاحتمالات و هي عليات أفراد الأقراص متلازمة فيما بينها ثبوتاً و عدماً، يعني حينما تكون ماهية قرص الأسبرو علة، فخواص هذه الماهية تسري في تمام الأقراص، فهذه الاحتمالات التحليلية

14

نسميها بالاحتمالات المتلازمة، فإمّا كلها صادقة، و إمّا كلها كاذبة، و في مثل ذلك لا يكون احتمال المجموع أضعف من احتمال أي واحد، يعني ضرب الاحتمالات بعضها ببعض لا يؤدي إلى ضعف الاحتمال، فعليّة القرص الأول مساوق لعليّة تمام الأقراص، و ذلك للملازمة، فنحن كأننا بإزاء قضية واحدة، لأنّ التلازم بين القضايا الاحتمالية يجعلها في قوة قضية واحدة، و يراد بذلك، أنّ احتمال المجموع لا يكون أضعف من محتملات أي واحدة من مفردات هذه القضايا، فلو فرضنا أننا من البداية كنا نحتمل عليّة قرص (الأسبرو) بمقدار خمسين بالمائة، فهذا احتمال سابق على التجربة و لو من باب المصادرة، حينئذٍ، احتمال أن يكون تمام أقراص الأسبرو عللًا لا ينقص عن خمسين بالمائة، للملازمة بينها، إذاً فنحن أمام قضية واحدة بحسب الحقيقة، احتمالها خمسون بالمائة. فإذا لم يكن قرص الأسبرو علّة، فما هو الذي يترقّب وقوعه خارجا؟.

فيقال: لو لم يكن قرص (الأسبرو) هو العلة، إذاً، لكان لا بدّ و أن نفترض و لو من باب الصدفة أنّ المريض الأول كان قد استعمل في ذلك الوقت إلى جانب (الأسبرو) (لبناً مخصوصاً) بحيث يكون علة في رفع الصداع، و نفترض أيضاً أنّ المريض الثاني قد نام (نوماً مريحاً) إلى جانب (الأسبرو) بحيث كان علّة لارتفاع صداعه، و هكذا الثالث و الرابع، فهنا نواجه بديلًا، و نسمي هذا البديل بالعلّة الأخرى.

و من الواضح، أنّ افتراض العلّة الأخرى في المرّة الأولى ليس ملازماً لافتراضها في المرة الثانية، أي إنّ هذه القضايا غير متلازمة، فكون الأول شرب (لبناً) مخصوصاً، غير ملازم مع كون الثاني نام (نوماً) مريحاً، و هكذا، و حيث إنّ هذه القضايا غير متلازمة لعدم وجود

15

أمر مشترك معلوم غير حبّة الاسبرو، إذاً فنحن بحسب الحقيقة نواجه عشرين قضية لا قضية واحدة، بينما في الأولى كنّا نواجه قضية واحدة مكرّرة كما عرفت.

و أما هنا فنواجه عشرين قضية غير مترابطة، فلو افترضنا على سبيل المصادرة، أننا أعطينا لكل قضية مشكوكة احتمال خمسين بالمائة، حينئذٍ سوف يصير احتمال وجود العلة الأخرى في المرة الأولى نصفاً، و احتمال وجود العلة الأخرى في المرة الثانية بنصف، لكن احتمال وجود العلة الأخرى في كلتا المرتين يصير أقل من نصف، لأن هذين الاحتمالين ليسا متلازمين، إذاً احتمال المجموع أقل من احتمال كل واحدة بمفردها.

كما أنّ احتمال وجود العلة الأخرى في مجموع العشرين مرّة في غاية الضعف، لأنّ هذا ينتج بحسب الحقيقة عن ضرب الاحتمال الأول في الثاني ثم بالثالث ثم الرابع و هكذا، فإنّ الكسور كلما ضربنا بعضها ببعضها تتضاءل، و بقدر ما يضعف هذا الاحتمال يكبر الاحتمال الأول، لأنّ المسألة دائرة بينهما، و حينئذٍ يكبر احتمال عليّة" قرص الأسبرو".

و نكتة هذا التوازن و التقابل الرياضي بين هذين الاحتمالين قد كشفنا سرّه المنطقي في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء حيث إننا ربطنا كل احتمال بعلم إجمالي، فكل احتمال هو وليد علم اجمالي.

و هنا الأمر كذلك، فإنه إذا افترضنا أنّا أعطينا (قرص الأسبرو) لشخصين فقط، فشفي كلاهما من الصداع، فهنا نقول: إنّ احتمال علية قرص الأسبرو للشفاء قبل التجربة كان خمسين بالمائة، و أما بعد التجربة فيكبر و يزيد عن الخمسين بالمائة، و ما يقابله من الاحتمال يصغر و يتضاءل.

16

و تحليله: هو أنه هنا يوجد علم إجمالي بأن العلّة الأخرى غير الأسبرو يدور الأمر فيها عقلًا بين أحد احتمالات أربعة، فهي إما هي موجودة في كلتا التجربتين، و إمّا هي معدومة في كلتيهما، و إما هي موجودة في الأولى دون الثانية، و إمّا بالعكس، و هذا حصر عقلي دائر بين النفي و الإثبات، فالعلم الإجمالي يتوزع على أربع احتمالات، و كل احتمال من هذه الاحتمالات إذا لم يوجد ما يصعّده أو ينزّله في الحالتين، و قصرنا النظر على العلم الإجمالي فقط، إذاً فيكون قيمة كل احتمال من هذه الاحتمالات ربع العلم، إذاً فكل احتمال من هذه الأربعة يكون احتمالًا لربع العلم.

و هنا نرى أنّ واحداً من هذه الاحتمالات الأربعة، أي العلّة الأخرى غير الأسبرو غير موجودة لا في المرة الأولى، و لا في الثانية، و هذا يثبت أن قرص الأسبرو علّة بمقدار قوّة الاحتمال و هو الربع، و قد شفي هذا المريض، فيجب كون القرص علّة.

و أمّا الاحتمال الثاني، و هو احتمال كون العلة الأولى موجودة في المرة الأولى فقط، أو في المرة الثانية فقط، فهذا يثبت بمقدار قوّته الاحتمالية أن قرص الأسبرو علّة، لأنه لو لم يكن علّة لما وجد الشفاء إلّا في المرة الأولى فقط، لأنه في المرة الثانية لا يوجد علّة أخرى.

و كذلك الاحتمال الثالث، و هو احتمال كون العلة الأولى وجدت في المرة الثانية دون المرة الأولى، فهذا أيضاً يستلزم عليّة قرص الأسبرو، إذ لو لم يكن علّة لما وجد الشفاء في كلتا المرتين، إذاً، ثلاثة أرباع العلم الإجمالي تثبت أنّ قرص الأسبرو علّة للشفاء.

و أمّا الاحتمال الرابع و هو أن تكون العلة الأخرى موجودة في كلتا المرتين، فهذا الاحتمال لا بشرط تجاه علية قرص الأسبرو، و اتجاه عدم عليته، لأنّ هذا لا يثبت العلية و لا ينفيها، فلعلّ قرص‏

17

الأسبرو ليس علة، و إنما الشفاء ناتج عن العلة الأخرى، و لعله علّة لكن مع علّة أخرى، إذ لعلّه قد وجدت علتان، و هذا معناه، أن نصف قوّته الاحتمالية سوف تكون لصالح علية الأسبرو، و النصف الآخر من قوته الاحتمالية لغير صالح عليّة الأسبرو، إذاً فثلاثة أرباع العلم الإجمالي و نصف الربع في الاحتمال الرابع سوف يثبت علية قرص الأسبرو، فقبل التجربتين كان احتمال علية الأسبرو نصفا، أي أربعة أثمان، و لكن بعد التجربتين يصعّد إلى سبعة أثمان بقانون العلم الإجمالي.

و هذه فرضية تجريدية، و إلّا فكلما اطلعنا على أطراف أخرى تترقى النسبة أكثر، فمثلًا: لو افترضنا أنّنا جربنا ثلاث مرات إعطاء الأسبرو، فشربه ثلاثة أشخاص و شفوا، فسوف تتصعد النسبة كثيراً حينئذٍ بقانون العلم الإجمالي، لأنّ العلم الإجمالي بالتجربتين كانت أطرافه أربعة، و أمّا العلم الإجمالي في ثلاث تجارب سوف تكون أطرافه ثمانية، لأنّه على جميع التقادير الأربعة السابقة، إمّا أن تكون العلة الأخرى في التجربة الثالثة موجودة، أو غير موجودة، فتصير الأطراف ثمانية، و هذه الثمانية، سبعة منها تبرهن على علية قرص الأسبرو للشفاء، و واحد منها حيادي لا بشرط، إذاً فسبعة أثمان تثبت العلية مضافاً إلى نصف الاحتمالي الثامن الحيادي، و هكذا قيمة احتمال العلية كلّما تكثرت التجارب.

و أمّا توضيح الشكل الثاني الذي نريد أن نثبت فيه وجود العلة بعد الفراغ عن عليتها في نفسها: فنفس الروح التي استعملناها في الشكل الأول، نستعملها هنا في الشكل الثاني الذي نريد أن نثبت فيه وجود العلة.

فمثلًا: لو رأيت كتباً كثيرة على طاولة المطالعة في بيت صديقك‏

18

و كلها تبحث في الوضوء، حينئذٍ يقال: بأن هذا التجميع له أحد تفسيرين.

التفسير الأول: هو أن يكون هذا الشخص له بحث في الوضوء.

التفسير الثاني: هو أنّ هذه الكتب صارت موجودة أمامه من باب الصدفة.

و الاحتمال الأول: نفرض أنّه كان خمسين بالمائة قبل أن نرى الكتب على الطاولة، لكن بعد أن دخلنا الغرفة و رأيناها فيتقوّى هذا الاحتمال.

و في مقابل هذا الاحتمال، يضعف الاحتمال الثاني، فإنّ هذه قضية واحدة قوّة احتمالها خمسون بالمائة، و إلّا إذا لم تكن قضية واحدة فيلزم أن تكون مجموع قضايا غير متلازمة، و احتمالها جميعها معناه: ضرب نصف في نصف و هكذا، و هذا يضعّف الاحتمال، فهنا أيضاً نشكل علماً إجماليا و نقول:

بأنّنا نعلم إجمالًا بأن العلة الأخرى لإحضار كتب الوضوء هذه، إمّا موجودة في وضوء الجواهر، و الحدائق، و مصباح الفقيه، و إمّا موجودة في الحدائق فقط، أو مصباح الفقيه فقط، و هكذا تتشكل نفس أطراف العلم الإجمالي كما في الشكل الأول، و دائماً سوف نجد أنّ كلّها باستثناء واحد منها تثبت الاحتمال الأول، و واحد منها سوف يبقى حيادياً، و بلحاظ قوّة كل واحد من الثلاثة ما عدا الحيادي، سوف يحصل اليقين به، و هذا هو إثبات وجود العلة، لأنّ عليّة البحث لإحضار و تجميع هذه الكتب معلوم، لكن نشك في صغراه، و هو أنّه هل له بحث في الوضوء، أو لا؟

19

و قد عرفت أنّ هذا الشكل ينطبق على الدليل العلمي على إثبات وجود الصانع تعالى، و قد أوضحنا هذا مفصلًا في مقدمة الفتاوى الواضحة (1)، كما أنّ القضية المتواترة ترجع إلى الشكل الثاني من هذه الشكلين.

إذاً، الشكل الثاني من الاستدلال التجريبي في العلوم الطبيعية، ينطبق تماماً على الدليل على إثبات الصانع تعالى، و هو الشكل الذي يراد به إثبات وجود العلة (2)، فإنّه كما أنّنا حينما ندخل إلى مكتب زيد و نرى كتباً كثيرة من نوع واحد على طاولته و كلها تبحث موضوعاً واحداً، ففي مثله يفترض بدرجة كبيرة من الاحتمال أن تكون العلة في تواجد هذه الكتب جميعاً نكتة واحدة، و هي أن هذا الشخص له شغل في هذا الموضوع الخاص، لأنّ هذه قضية واحدة، و إلّا لزم افتراض قضايا متعددة غير متلازمة لتفسير هذه الظاهرة، حينئذٍ، افتراض هذه القضايا بمجموعها يشكل ناتجاً، هو عبارة عن ضرب قيمة هذه الكسور بعضها ببعض، و مردّ ذلك بحسب التحليل إلى علم إجمالي تثبت أكثر قيمة أنّ هناك خطة مشتركة و هدفاً واعياً لتجميع هذه الكتب.

و نفس هذا الشي‏ء نواجهه بالنسبة لإثبات الصانع تعالى، فإنّ الظواهر الكونية المؤدية بمجموعها إلى غرض واحد، و هذه صغرى تحدث عنها القرآن و السنة، و العلم الحديث، و كلامنا في الأسس المنطقية لهذه الصغرى، و بعد أن نثبت الظواهر هذه مشتركة في أداء وظيفة واحدة، و هي تيسير الحياة للإنسان.

و حينئذٍ، إمّا أن نفترض فاعلًا حكيماً، إذاً، هذا الفاعل الحكيم سوف يفسر بنفسه كل هذه الظواهر، و إمّا أن نقطع النظر عن ذلك‏

____________

(1) () الفتاوى الواضحة: الشهيد محمد باقر الصدر ص 21 20 19

(2) () للتوسع في هذا راجع الأسس المنطقية للاستقراء: ص 146- 247.

20

فيجب أن نفترض بديلًا عن هذا افتراضات عديدة، و ضرورات ذاتية متعددة بعدد هذه الظواهر.

و من الواضح: أنّ هذه الضرورات غير متلازمة، و معنى هذا، أنّنا سوف نضعّف احتمال البديل، و بقدر ما يضعف البديل يكبر احتمال المبدل الأول، و ضعف احتمال البديل يكون بالعلم الإجمالي المتقدم، فإنّه في تجربتين يثبت العلية بنسبة سبعة أثمان، و في ثلاث تجارب تصعّد إلى نسبة خمسة عشر على ستة عشر، فكيف في ملايين التجارب؟! إذ عندئذ تبلغ ضآلة البديل درجة لا يكاد يراها الذهن البشري.

و بهذا البيان لإثبات الصانع، اتضح الجواب على كل ما قاله الفكر الأوروبي في مناقشة هذا الدليل الذي سبق من قبل القرآن في إثبات الصانع تعالى، إذ إنّ الفكر الأوروبي طرح شبهات كثيرة نختصر على أهمها.

منها: أنّ هذا الدليل لا بأس به للاقتناع الشخصي، إلّا أنه ليس دليلًا علمياً، و ذلك لأنه يتصور أنّ الدليل العلمي عبارة عن الدليل الاستقرائي التجريبي.

و هذا صحيح، و لكنه يتصور أيضاً أنّ الدليل الاستقرائي التجريبي، جانب الإثبات فيه يعتمد على التكرار، و أنّ الظاهرة إذا تكررت نستنتج منها نفس ما وقع في الظواهر السابقة كما في مثال (حبّة الأسبرو)، فمتى ما طبق الدليل الاستقرائي على التكرار كان صحيحاً.

و من هنا كان يمكن إجراء و تطبيق هذا الدليل الاستقرائي في التأليفات الثانوية في الطبيعة، كالحكم بصيرورة القطن ثوباً على نهج ما استفدنا من تجارب (حبة الأسبرو).

21

أمّا في التأليف الأول للطبيعة فلا يمكن أن نستعمل فيه ذلك، لأنه لا تكرار في الطبيعة، لأنه لا يوجد عدّة طبائع و أكوان، فهذا التأليف الأول للكون ليس له سوابق، إذاً، فإجراء الدليل هنا خطأ، لأنه غير معتمد على الاستقراء.

و هذه المناقشة قد انحلت على ضوء تفسيرنا المنطقى لهذا الدليل، لأنه يتضح أنّ الدليل الاستقرائي ليست كاشفيته بلحاظ التكرار بما هو تكرار، و إنما أبرزنا جوهر الكاشفية، فصحيح أنّ" قرص الأسبرو" بالتكرار ثبت كونه علّة للشفاء، لكن هذا التكرار إنما أوجب ذلك باعتبار أنه كان مادة لتشكيل علم إجمالي، و كان هذا العلم الإجمالي يبرهن بجلّ قيمه الاحتمالية على العلية، فإذا اكتشفنا أنّ التكرار إنما يفيد توليد علم إجمالي كثير الأطراف، و حينئذٍ، فإذا كان عندنا من أول الأمر علم إجمالي كثير الأطراف كما هو الحال بالنسبة للطبيعة و الكون، فإنّ العلم الإجمالي من أول الأمر كثير الأطراف، فنتيجة التكرار حاصلة، و هي العلم الإجمالي، و هو جوهر الكاشفية، فإنّ العلم الإجمالي بعدد صور الصدفة العمياء مثلًا، هذه الصور كلها باستثناء صورة واحدة تستبطن وجود فاعل حكيم ما عدا الصورة الواحدة.

فالقضية المتواترة من مصاديق الشكل الثاني للقضية التجريبية، يعني: يراد بها إثبات العلة، لا إثبات عليّة الموجود.

و الحاصل: هو أنّ الفكر الأوروبي أورد شبهات كثيرة على دليل إثبات الصانع كما بينّاه، نقتصر على أهمها، و هي دعوى أنّ هذا الدليل الاستقرائي على إثبات الصانع إنما يتم في العلوم الطبيعية التجريبية لوقوع التكرار فيها، و أمّا في عالم الطبيعة، فنحن لم نعاصر عوالم متعددة متكرّرة كعالمنا و نجد لكل منها خالقاً لكي نستنتج ذلك في حق عالمنا أيضاً.

22

و هذه الشبهة واضحة الجواب على ضوء تحديد جوهر منطق الاستقراء، فإنّ التكرار بما هو تكرار لا أثر له، و إنما الميزان و ملاك الكشف إنما هو العلم الإجمالي و انقسامه على أطرافه كما تقدم شرحه.

و هذا كما ينطبق في القضايا التكرارية، فإنه أيضاً ينطبق في غير القضايا التكرارية إذا كانت الفرضيات الأخرى غير فرضية وجود و إثبات الصانع الحكيم تعالى فرضيات كثيرة تكون قيمتها الاحتمالية ضئيلة إلى حد يعجز الذهن عن تصورها لأنه لا نهاية لضآلتها كما تقدم المثال له في مثال كتب بحث الوضوء، هذا كله في القضية التجريبية.

و توضيحه: هو أنه لو جاء عشرة أشخاص و أخبروا بموت (فلان) حينئذٍ هذه الإخبارات العشرة لها أحد تفسيرين.

التفسير الأول: هو أن تكون القضية واقعة حقيقة، حينئذٍ نفس هذه النكتة الواحدة، و هي كون القضية واقعة حقيقة، كافية لتفسير تمام هذه الاخبارات العشرة، لأنّ عادة الناس أنهم إذا رأوا حادثة غريبة من هذا القبيل أن يتحدثوا بها، و هذه من قبيل نتيجة تجميع كتب الوضوء كما عرفت في المثال السابق.

و أما إذا لم تكن هذه القضية واقعية، إذاً فتفسيرها يحتاج إلى عشرة افتراضات غير متلازمة في أنفسها، كأن يفرض أنّ لكل واحد من هؤلاء المخبرين بموت (فلان) مصلحة في هذا الإخبار، و من الواضح، أنّ مصلحة كل واحد لا تستلزم مصلحة الآخر منهم و هذا

23

مما يضعف احتمال تلك الافتراضات لعدم كونها افتراضات متلازمة، فإذا افترضنا أنّ كل قضية احتمالها النصف، إذاً سوف يكون احتمال أن يكون إخبار تمام العشرة لوجود مصلحة، يكون هذا الاحتمال بقدر ما ينتج من ضرب كل نصف بالآخر إلى تمام العشرة، و ضرب كل نصف هكذا، يصل إلى درجة ضئيلة من الاحتمال بحيث لا تكاد ترى، و روح هذا تشكيل علم إجمالي، و نفرض هذا في إخبار مخبرين، حينئذٍ يتشكل علم إجمالي بأنه إما أنّ هذين المخبرين لهما مصلحة معاً في هذه الأخبار، أو أنهما معاً ليست لهما مصلحة، أو أنّ أحدهما دون الآخر له مصلحة، فهذه أربعة احتمالات، فإذا لم نجد مرجحاً لواحد من هذه الاحتمالات من الخارج، إذاً، سوف يتوزع رقم اليقين على الأربعة بنحو متساوي، و ثلاثة من هذه الاحتمالات تثبت صدق القضية، و يبقى واحد حيادي كما عرفت سابقاً، فثلاثة أرباع و نصف الربع الباقي الحيادي يكون من صالح إثبات واقعية القضية، لأنّ الربع الأخير لا بشرط بالنسبة لواقعية القضية، و هكذا كلّما تعددت الاحتمالات، بأن كانت أكثر من أربعة حتى نصل إلى درجة اليقين، و بهذا نكون قد استنبطنا الدرجة العليا من الاحتمال للقضية المتواترة استنباطاً رياضياً من نفس قواعد العلم الإجمالي.

نعم وصوله إلى اليقين ليس رياضياً و استنباطياً و قياسياً، و إنما هو بمقتضى ما تفضل الله تعالى به من العقل و الضابط الذاتي بنحو جعله لا يحتفظ بالكسور الضئيلة و الأصول البسيطة لهذه القضايا، و إلّا لأصبح الإنسان مجنوناً لا يمكنه التعايش مع من حوله حيث لا يمكنه أن يقطع بشي‏ء مطلقاً (1).

____________

(1) () للتوسعة راجع الأسس المنطقية للمرحلة الذاتية من الاستقراء.

24

إذاً، فالقضية المتواترة ترجع إلى الشكل الثاني من القضية التجريبية، و يطبق عليها الأسس المنطقية للاستقراء.

و بما ذكرناه يتضح أنّ الجانب العددي، أي الكثرة العددية للشهود، هي جوهر التواتر، باعتبار أنّ الكثرة العددية للشهود هي التي تصنع العلم الاجمالي الذي يكون له أطراف كثيرة، و بقدر ما يزداد الشهود تزداد أطراف العلم الإجمالي و تتراكم القيم الاحتمالية في مصب القضية المتواترة، إذاً الكثرة العددية للشهود هي جوهر التواتر.

لكن هذه الكثرة، ليس بالإمكان تحديدها في رقم معين، كأن يقال: إذا شهد مائة، أو أقل، أو أكثر، و نحو ذلك، كما حاولوا في الكتب وضع تحديدات كمية للتواتر حتى سمّاها الشهيد الثاني‏ (1) بسخف القول، فذهب بعضهم إلى أنّ عدد الشهود ينبغي أن يكون ثلاثمائة و ثلاثة عشر شاهداً ناقلًا، و ذهب الآخر إلى أنه ينبغي أن يكون عددهم اثني عشر شاهداً ناقلًا، و ذهب الآخر إلى أنه ينبغي أن يكون عددهم سبعين شاهداً ناقلًا، و ذهب آخرون إلى أكثر من أربعة لئلا تدخل البينة على الزنى في التواتر، كما أنّ الأعداد السابقة كانت لاعتبارات، و النكتة في جميعها أنه بها تكون الحجة، كما أقيمت بها الحجة على الكفار من قبل الأنبياء (ع)، و أنت ترى أنّ هذه الأقوال لم تصنع ميزاناً معيناً و إنما هي من فنون الجزافات، و ما الذي أخرجه عن نظائره مما ذكر في القرآن، ثم قال (قده): إنّ الميزان إنما هو إفادة العلم، فالعدد الذي يفيد العلم هو التواتر، انتهى كلام الشهيد (قده).

و نحن لا نوافق الشهيد الثاني على ذلك، إذ حتى ما قاله (قده)

____________

(1) () البداية في علم الدراية: الطبعة الحجرية الأولى، ص 12- 13.

25

إنما هو من باب تفسير الماء بالماء، و كل ذلك ناتج عن عدم تحديد صورة صحيحة لجوهر كاشفية التواتر.

و أما بعد تحديد جوهر كاشفية التواتر، حينئذٍ يعرف بأنه ما دام ميزان الكاشفية و أساسها المنطقي هو حساب الاحتمالات و الأسس المنطقية للاستقراء، حينئذٍ كل عامل يؤثر في حساب الاحتمالات صعوداً أو نزولًا يكون هو المؤثر في التواتر.

و في المقام، لا يمكن وضع قاعدة تجريبية للتواتر، و إنما كان وضع تلك الأرقام المتقدمة كقواعد، بوحي من منطق (أرسطو) الذي افترض أنّ هناك عدداً يحكم العقل بداهة بامتناع اجتماعه على الكذب بناءً على وجود بديهة من هذا القبيل تكون قضية قبلية، و يكون التواتر و الكشف التواتري كشفاً قياسياً مستمداً من تلك القضية القبلية البديهية كما تصوره (أرسطو) و حينئذٍ بناءً على هذا يحق للإنسان أن يسأل (أرسطو)، أنه ما هو ذلك العدد الذي يحكم العقل بداهة بأنه لا يمكن اجتماعه على الكذب؟

و أما بناءً على ما ذكرناه من أنه لا يوجد بديهة عقلية قبلية، و إنما القضية مربوطة بحساب الاحتمالات، حينئذٍ لا مانع من افتراض المرونة في هذا العدد، فهو يختلف باختلاف العوامل المؤثرة في حساب الاحتمالات، و هذه العوامل المؤثرة في حساب الاحتمالات تنقسم إلى قسمين.

القسم الأول: عوامل موضوعية، يعني ترتبط بالمحدثين و بالشهود.

القسم الثاني: عوامل ذاتية، و هي ترتبط بالسامع و من يراد ثبوت القضية له بالتواتر.

26

أما القسم الأول، فإنّ العوامل فيه أيضاً لا يتيسر إحصاؤها تماماً، و لكن نذكر المهم منها.

العامل الأول: و هو عبارة عن الحالة الإفرادية لكل شاهد من حيث الوثاقة و عدمها، فإنه كلما كانت مفردات التواتر، أي كل واحد واحد من الشهود أكثر وثاقة و أصدق لهجة كان حصول التواتر أسرع، مثلًا: حينما يكون الشهود كلهم من طبقة الثقات فقد لا يحتاج التواتر إلّا إلى نصف أو ربع أو عشر ما يحتاجه التواتر حينما يكون الشهود من طبقة دنيا، أو أخرى غير ثقات، و هذا برهان واضح، و ذلك لأننا بعد أن فرضنا أنّ التواتر إنما تكون كاشفيته باعتبار تجميع و تراكم الاحتمالات الناشئة من الشهادات، إذاً، كلما كانت مفردات هذه الاحتمالات أقوى، سوف يكون الوصول إلى النتيجة أسرع، فالشاهد إذا كان ثقة و يظن بصدقه بدرجة احتمال ثمانون بالمائة، إذاً، سوف تتجمع احتمالات من وزن ثمانين بالمائة، و هكذا إذا كان الشاهد يحمل درجة صدق أكثر من هذا.

بينما إذا كان انساناً اعتيادياً، و درجة صدقه خمسون بالمائة، إذاً عملية التجميع هنا سوف تكون من احتمالات من وزن خمسين بالمائة، و من الواضح أنّ النتيجة، و هي الوصول إلى اليقين، سوف تكون أبطأ حصولًا من الأولى، و هذا بحسب الحقيقة مربوط بكاشفيّة الخبر الواحد و كونه هو أيضاً يخضع لحساب الاحتمالات، فإنّ كاشفية الخبر حينما نأخذ الخبر الواحد تكون بحسب حساب الاحتمالات و حسب علم إجمالي، فإذا أخذنا المخبر بقطع النظر عن أيّ استقراء خارجي و بقطع النظر عن المحتملات العقليّة، فمن الممكن أن يُعطى لصدقه قيمة احتمال خمسين بالمائة، و لكذبه خمسين بالمائة، على أساس افتراض أنّه يوجد علم إجمالي بأنّه إمّا صادق، و إمّا كاذب، و العلم الإجمالي نسبته إلى الطرفين على حدّ واحد، و كل واحد من الطرفين يأخذ نصف رقم اليقين.

27

إلّا أنّ هذا فرض تجريدي، و إلّا، فإنّه حينما تتوفّر عندنا استقراءات بحسب الخارج حينئذٍ، سوف نربط بالاستقراء عدد صدق كلّ إنسان في مجموع إخباراته بالنسبة إلى ما مضى، فمثلًا: إذا رأينا أنّ الإنسان هذا يصدّق في كلّ عشر مرّات خمس مرّات، إذاً سوف تتطابق النسبة الاستقرائيّة مع النسبة التجريديّة، و هي خمسون بالمائة، لكن إذا فرض بالاستقراء أنّه يصدّق في كلّ عشر إخبارات ثمانية إخبارات، إذاً بعد ذلك سوف يكون احتمال صدقه بحساب الاحتمال ثمانية على عشرة، يعني ثمانين بالمائة لا خمسين بالمائة، و ذلك لأنّ دواعي الصدق فيه أكثر من دواعي الكذب، و هذه مرتبة من مراتب الوثاقة.

و قد يفرض أنّ النسبة أقلّ، كما إذا علم أنّه يصدق في كلّ عشر إخبارات مرّة واحدة، إذاً فهذا احتمال الصدق استقرائياً بالنسبة إليه بحساب الاحتمالات، هو واحد على عشرة.

و ينبغي الانتباه إلى أنّ هذا النمط من الاستقراءات يختلف عن حساب الاحتمال الذي تقدّم ذكره، باعتبار أنّ هذا النمط من الاستقراء يفترض التطابق الحاضر و المستقبل، بينما لم يكن هذا مفترضاً في حساب الاحتمال السابق الذي طبقناه بالنسبة لمن وجدنا بين يديه كتباً عديدة تبحث في الوضوء و كنّا نستكشف بحساب الاحتمالات أنّ لديه بحثاً في الوضوء، و ليس تواجد كتب الوضوء صدفة بين يديه، فهنا لا نريد أن نقيس المستقبل على الماضي، و إنّما نتكلّم عن الحاضر، عن هذه الواقعة المعيّنة، و نستخرج قيمة الاحتمال على ضوء المدارك و الظواهر الموجودة.

و هذا بخلاف ما إذا استقرأنا حياة زيد خلال عشر سنين و رأينا أنّه من خلال هذه السنين العشرة كان يصدق في كلّ عشر إخبارات كذا

28

مقدار، حينئذٍ نقول: أيضاً في المستقبل سوف تتكرّر نسبة الصدق بنفس الدرجة، حيث سوف يصدق في كلّ عشرة إخبارات ثماني مرّات كما كان في السنين السابقة، فهذا الاستنتاج هنا لن يكون رياضياً بحتاً، بل يكون متوقفاً على أن يُقاس المستقبل بالماضي، بمعنى أنّ نفس النسبة التي لاحظناها في الماضي سوف يحملها المستقبل، و هذه هي عقدة الاستقراء التي استعصت على الفكر العلمي، و هي أنّه كيف يمكن و بأيّ مبرّر منطقي أن نفترض أنّ المستقبل سوف يحمل نفس نسبة الماضي؟

و هذه المصادرة تتضمّنها جميع الاستقراءات العلميّة التكراريّة التي آمن بها العلم الحديث.

و هنا لا بأس بأن نستطرد و نقول: بأنّ هذه الفكرة و المصادرة،- أي حمل المستقبل لنفس نسبة الماضي-، هذه المصادرة، كان الفلاسفة العقليون يبرّرونها على أساس أنّ قوانين العليّة قوانين عقليّة قبليّة، و حينئذٍ كانوا يستفيدون من تلك النسبة علاقة عليّة، و علاقة العليّة ضروريّة ذاتيّة، إذاً تنطبق على الماضي و على المستقبل.

و الفكر الفلسفي الأوروبي منذ ألفت (دافيد هيوم) نظرة إلى أنّ العليّة ليست علاقة يمكن إثباتها بالتجربة، حينئذٍ استغنى هذا الفكر عن علاقة العليّة و الضرورة، و من هنا تحيّر هذا الفكر أنّه كيف يمكن أن يفترض أنّ المستقبل سوف يحتفظ بنفس نسبة الماضي، و هذا أحد المباحث المفصّلة التي حُلّت في كتاب الأسس المنطقيّة للاستقراء.

و هذا الاستقراء في الحقيقة، هو جوهر كاشفيّة الخبر، فكلّ خبر خبر، كاشفيّته تعتمد على حساب الاحتمالات، لكن لا حساب احتمال مجرد رياضي، بل حساب احتمال مع ضم هذه المصادرة، و هي مصادرة أنّ المستقبل كالماضي.

29

و مبررات هذه المصادرة موكول إلى كتاب الأسس المنطقيّة للاستقراء.

و إذا رجعنا إلى محل الكلام، ففي محل الكلام، التواتر يتأثّر بقيمة مفرداته كما عرفت آنفاً.

و الخلاصة هي أنّ هذا العامل يتمثل في درجة الوثاقة و التصديق لمفردات التواتر، فكلّما كانت شهادة كلّ مخبر مخبر شهادة ذات قيمة احتماليّة أكبر، كان حصول التواتر أسرع و إن كان عدد المخبرين قليلا، لما عرفت آنفاً، من أنّ أساس حصول اليقين هو حساب الاحتمالات، فإذا كانت الاحتمالات أكبر، كان تجميعها أسرع لبلوغ اليقين، و العكس بالعكس صحيح أيضاً.

و هذه الزيادة في القيمة الاحتماليّة الكاشفة للوثاقة هي، أيضاً محكومة لقوانين حساب الاحتمالات، و لكن حساب الاحتمال في مثل هذا المجال لأنّه ليس حساب احتمال مجرّد رياضي، بل هو مع ضم مصادرة (أنّ المستقبل كالماضي) كان لا بدّ و أن يثبت قضيّة استقباليّة أيضاً هي (أنّ كل خبر ثقة) فتكون قيمتها الاحتماليّة و كاشفيتها عن الواقع بنفس السرعة في بلوغ اليقين، كما بُرهن عليه مفصّلًا في كتاب الأسس المنطقيّة للاستقراء.

العامل الثاني: المؤثّر في المقام، هو الاحتمال القبلي للقضيّة المتواترة، أي إنّ هذه القضيّة التي تواتر نقلها هي، في نفسها إمّا بعيدة، أو قريبة، فكلّما كانت في نفسها بعيدة، حينئذٍ سوف يكون التواتر أبطأ مفعولًا، و يحتاج إلى عدد أكبر من الشهود، و كلّما كانت القضيّة أقلّ بعداً، كان التواتر أسرع مفعولًا، و كان بحاجة إلى عدد أقلّ من الشهود.

30

و توضيحه: أنّ القضيّة لها نحوان من البعد في نفسها.

النحو الأوّل: البعد بلحاظ حساب استقرائي في عللها و أسباب وجودها في الطبيعة، فمثلًا: فرض دجاج لها أربعة قوائم، هو أمر بعيد قلّما يتّفق في الطبيعة، و هذا الاستبعاد نشأ من استقراء العلل و أسباب القضيّة، و بالاستقراء ثبت أنّ عوامل تثنية القوائم في الدجاج أكثر من عوامل التربيع فيها، و هذا استبعاد استقرائي نشأ من استقراء العلل و الأسباب.

النحو الثاني: هو استبعاد ناشئ من كثرة البدائل المحتملة.

فمثلًا: إذا طرق بابك طارق لا يعرف من هو، فهنا هذا الطارق مردّد بين آلاف الناس، لأنّ آلافاً من الناس يطرقون الباب عادة، حينئذٍ، فاحتمال أن يكون الطارق (زيد)، هو احتمال واحد من ثلاثة آلاف طارق إذا كان احتمال الذين يطرقون الباب يومياًّ ثلاثة آلاف طارق، إذاً هذا احتمال ضعيف، و ضعف هذا الاحتمال نشأ من كثرة البدائل المحتملة لا من الاستقراء، حينئذٍ، ما قلناه من أنّ ضعف الاحتمال للقضيّة المتواترة في نفسها يؤدّي إلى بطء عمليّة التواتر، إنّما هو من القسم الأوّل لا الثاني، يعني: في القسم الأول، و هو فيما إذا كانت القضيّة المتواترة بعيدة الاحتمال في حدّ ذاتها يحتاج إثباتها بالتواتر، و حصول اليقين بها إلى عدد أكبر ممّا إذا كانت قضيّة طبيعيّة في نفسها، فمثلًا: لو أخبرك عدد قليل من الناس بأنّ الدجاجة بيضاء اللون، فهنا قد يحصل لنا اليقين، لكن إخبار عدد أكبر من هذا العدد بكثير عن الدجاجة بأنّ لها أربعة قوائم، سوف لن يحصل لنا منه اليقين، لضعف القضيّة المخبر عنها بنفسها، فهي بعيدة الاحتمال و تحتاج إلى شهادات أكثر بكثير من الأول حتى يحصل لنا اليقين، و هذا شي‏ء مطابق مع الوجدان، لأنّه في الأخبار الغريبة يحتاج إلى شهادات أكثر كي يحصل لنا اليقين.

31

و نكتة ذلك، أنّ كاشفيّة التواتر إنّما هو بتقوية الاحتمال الثابت للقضيّة في نفسها، إذ كلّما كان هذا الاحتمال القبلي للقضيّة أضعف، حينئذٍ يحتاج إلى شهادات أكثر، و لا ينطبق هذا على البعد الناشئ من كثرة البدائل، لأنّ هذا الطارق للباب- في المثال المتقدّم- المردّد بين ثلاثة آلاف، بمجرّد أن يخبرك واحد ثقة بأنّ فلاناً يطرق الباب يحصل لك اليقين عادة، و هذا دليل (إنّي) على أنّ ضعف الاحتمال القبلي للقضيّة المنقولة، إذا كان هذا الضعف ناشئاً من كثرة البدائل المحتملة فلا يضرّ بكاشفية الشهادات، بخلاف إذا ما كان ناشئاً من استقراء بلحاظ حساب علل تلك الشهادات.

و قد برهنا على نكتة الفرق بين هذين القسمين، في كتاب الأسس المنطقيّة للاستقراء.

و يكفينا لغرض الفقهي و الأصولي انطباق ذلك على الوجدان هنا.

العامل الثالث: من العوامل المؤثرة في كاشفية التواتر هو، أنّ هؤلاء الأشخاص الشهود، كلّما كانوا بحسب ظروفهم و ملابساتهم متباينين كان حصول اليقين من شهاداتهم أسرع و العدد الأقلّ منه يكفي، و كلّما كانوا متقاربين و متفقين بحسب ظروفهم و أساليب حياتهم أكثر كان حصول اليقين من شهاداتهم أبطأ، و كانت كاشفية التواتر محتاجة لعدد أكبر، و هذا مطلب أدركه القدماء بالفطرة، و لهذا اشترطوا في التواتر أن يكون الشهود من ملل و أديان عديدة و مختلفة.

و هذه المحاولات كلها تشير إلى جوهر النكتة، و هي كون جوهر التواتر هو حساب الاحتمالات، إذ من البعيد جداً اتفاق مصلحة هؤلاء الشهود صدفة على الإخبار و شهادة واحدة.

32

و إذا كانت هذه هي النكتة، حينئذٍ كلّما كانت الشهود أكثر كان احتمال أن يكون لهم غرض شخصي في هذه الإخبارات أبعد، و حينئذٍ، من الواضح أنّ هؤلاء الشهود كلّما كانوا متباينين في الظروف و المصالح يصير احتمال اتفاقهم في المصالح الشخصيّة أبعد، و حينئذٍ يكون شهاداتهم أقوى احتمالًا و أسرع لليقين.

العامل الرابع: من العوامل المؤثرة في كاشفية التواتر هو، كيفيّة تلقي القضية من قبل كل شاهد شاهد، فإنّه كلّما كانت القضية المشهود بها من قبل المتواترين حسيّة أكثر كانت تتطلّب عدداً أقلّ، و كان حصول اليقين بها أسرع، و كلّما ابتعدت عن الحس تطلبت عدداً أكبر من الشهود.

و نكتة ذلك هي، أنها كلّما كانت القضية أقرب إلى الحس، كانت إلى الصدق أقرب، فمثلًا: لو فرض أننا نحتاج في نزول المطر إلى عشر شهادات، لكن بالنسبة لعدالة زيد نحتاج إلى أكثر من هذا العدد كي يحصل لنا اليقين.

و نكتة هذا واضحة على أساس حساب الاحتمالات، إذ في مقام تجميع القرائن و الاحتمالات سوف تجمع احتمالات قويّة و أقرب إلى اليقين في القضية الأولى، و هي نزول المطر، بخلاف الاحتمالات في القضية الثانية، فإنها أضعف و أبعد عن الصدق إلّا إذا تجمعت احتمالات أكثر، و نكتفي بذكر هذه العوامل الأربعة من العوامل الموضوعية.

و أما القسم الثاني: فهو يتمثل بالعوامل الذاتية، و هذه العوامل لا دخل لها في حساب الاحتمالات، لكنها تؤثر في نفس الإنسان بحسب مزاجه، لأنّ هذه العوامل ترتبط بالسامع و من يراد ثبوت القضية له بالتواتر، و نذكر هنا العوامل الذاتية ثلاثة.

33

العامل الأول: البطء الذاتي للذهن، و حالة الوسوسة و الظن الذاتي للذهن، فإنّ الناس يختلفون في سرعة اليقين و بطئه اختلافاً ذاتياً حتى مع وجود الدليل، فجماعة واحدة تشهد عند زيد، و تشهد عند عمرو بقضية، فيحصل عند كل منهما درجة معينة من اليقين يختلف بها عن الآخر، فحالة التباطؤ في الذهن تسمى بالحالة الذاتية إذا تجاوزت عن الحال المتعارف، فالإنسان البطي‏ء في حصول اليقين و الذي يملأ ذهنه الاحتمالات الصغيرة، مثل هذا الإنسان يحتاج إلى عدد أكبر من الشهود.

العامل الثاني: و هو ما يسمى بالشبهة، كما لو فرض أنّ إنساناً كان لمدة بعيدة من الزمن يعتقد بالخلاف، بحيث أصبح هذا الاعتقاد عادة نفسانية له، فمثل هذا الاعتقاد و الإلفة النفسية للخلاف يشكل مانعاً نفسانياً عقلياً بحيث يكون تأثير التواتر فيه أبعد و أبطأ من تأثيره في من لم يكن عنده هذا الاعتقاد بالخلاف.

العامل الثالث: و الذي كثيراً ما يتداخل مع العامل الثاني، هو عامل العاطفة، فإنّ الإنسان و إن كان قد خلقه الله تعالى له عقل و عاطفة، لكنّه أحياناً يحكّم عاطفته على عقله، و حينئذٍ، قد يكون هذا المطلب الذي يراد إثباته بشهادات الشهود، قد يكون على خلاف عاطفته على نحو تشكل عاطفته و حبّه لضدّه حجاباً بينه و بين إدراكه العقلي للحقيقة، و هذه حالة توجب بطء حصول اليقين كما توجب أن يكون عدد الشهود أكثر بكثير مما لو حكّم عقله الذي به يزول هذا الحجاب، إذ بزوال هذا الحجاب من العاطفة يستطيع العقل مع القلّة من الشهود السيطرة على العاطفة و إدراك الحقيقة.

ثمّ إنّ القضية المتواترة تارة يتلقاها الإنسان مباشرة فيستمع بنفسه للشهادات التي يتكون منها التواتر.

34

و أخرى يفرض أنه ينقل إلينا هذا التواتر من دون أن نعاصر مفرداته.

و حينئذٍ يقع الكلام في أنه كيف يثبت عندنا القضية المتواترة ثبوتاً قطعياً، و هل يكفي في مقام الثبوت القطعي لها أن ينقل لنا عن كل واحد واحد؟ فلو فرض أنّ الذين نقلوا لنا حديث الغدير و كوّنوا التواتر مائة صحابي، فهل يكفي أن ينقل لنا عن كل صحابي تابعي فيكون في الطبقة الأولى مائة، و في الطبقة الثانية مائة؟.

قالوا بأنّ هذا لا يكفي، بل يحتاج إثبات المتواتر و إحرازه بنحو قطعي أن يتواتر النقل عن كل واحد من هؤلاء الشهود الصحابة، فلو كان الحد الأدنى للتواتر مائة صحابي، فلا بدّ أن ينقل لنا القضية عن كل صحابي مائة تابعي، و لا يكفي تابعي واحد، لأنّه إذا فرض أنّ التواتر كان يتكون من مائة شهادة، فبالنسبة إلينا يوجد مائة واقعة، لأنّ كل شهادة واقعة لا بدّ من إحرازها لكي تثبت القضية المنقولة من قبل المائة، فلو أنّ كل واحدة من هذه الشهادات نقلها واحد لكان معنى هذا، أنّ كل حادثة منقولة بخبر الواحد، إذاً فلا تثبت هذه الحوادث، فإنّ هؤلاء المائة تابعي لا ينقلون الحديث النبوي مباشرة، و إنما ينقل كل واحد منهم كلام الصحابي الذي تتلمذ عليه، إذاً فبالنسبة لنا لا يثبت التواتر بهذا النحو، بل ينحصر إثباته بأن يخبر عن كل صحابي العدد المتواتر كما ذكرنا آنفاً، و نفس الشي‏ء يقال عن طبقات سلسلة سند الرواية.

و بمثل ذلك يصبح التواتر حالة مثالية أو شبه خيالية في الروايات، و لا يتفق لها مصداق عادة إلّا في البديهيات و الضروريات التي لا تحتاج إلى إثبات.

إلّا أنّ الصحيح، أنه يوجد في المقام طريقان للإحراز القطعي للقضية المتواترة.

35

الطريق الأول: هو ما اقترحه المشهور، و هو أن يكون كل واحد من الشهادات الواقعة في الطبقة الأولى نقل نقلًا متواتراً بالنسبة إلينا.

و هذا الطريق صحيح، إلّا أنّه لا يخلو من جنبة المثالية و الندرة الملحقة بالعدم إلّا في حدود البديهيات.

الطريق الثاني: و هو الذي نقترحه نحن، و الذي يكون صحيحاً على منطقنا في فهم التواتر.

و حاصله هو، أن نفترض أنّ كل صحابي لم تتواتر شهادته، و إنما نقل واحد عنه، إذاً فهناك عندنا عدد من الشهادات، نسمي كل واحدة منها شهادة مركبة، يعني أنّ كل تابعي لو كنّا في عصر التابعين مثلًا-، يشهد بشهادة الصحابي التي هي شهادة بالحديث النبوي، فهذا يسمّى شهادة مركبة، ففي هذا المقام نأخذ واحداً من هذه الأخبار مع الواسطة و نقول: إنّ هذا الواحد من الأخبار مع الواسطة، ما هي قيمته الاحتمالية في إثبات ما ينقله عن شهادة الصحابي؟ فمثلًا: القاسم بن محمد بن أبي بكر، نقل حديث الغدير عن عمر، فما هي القيمة الاحتمالية لثبوت شهادة الشاهد الأول بخبر القاسم بن محمد بن أبي بكر؟ مثلًا: لنفرض بمقتضى الأصل الأولي، أنّ قيمته الاحتمالية خمسون بالمائة، ثم نقول: ما هي القيمة الاحتمالية الإثباتية بالنسبة للتابعين الذين ينقلون هذه القضية؟ و هنا: العدد يتضاعف، لأنّه ناتج ضرب قيمة شهادة التابعي بقيمة احتمال الحديث النبوي، فهنا، احتمال أن يكون التابعي صادقا خمسون بالمائة، و على احتمال صدقه، فالصحابي هل هو صادق كذلك أو لا؟ فيه احتمالان.

36

أحدهما: هو أن يكون صادقاً خمسين بالمائة.

ثانيهما: هو أن يكون كاذباً خمسين بالمائة.

إذاً، فاحتمال صدق الصحابي خمسين بالمائة، فنضرب خمسين بالمائة قيمة احتمال صدق التابعي، بخمسين بالمائة قيمة احتمال صدق الصحابي، فيكون احتمال صدقهما معاً (خمسة و عشرون بالمائة)، أي (ربع)، إذاً، فنحن لو كنا نسمع الحديث من الصحابي مباشرة لكان قيمة احتمال الصدق خمسين بالمائة، لكن نحن سمعناه من التابعي عن الصحابي، إذاً، قيمة احتماله سوف يكون ناتج ضرب نصف في نصف، فيكون قيمة احتمال صدور هذا الحديث من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (ربع)، أي خمسة و عشرون بالمائة.

و أنت تعلم أننا قد ذكرنا سابقاً، أنّ جوهر كاشفية التواتر إنما هو، بتجميع القيم الاحتمالية على مصب واحد، حينئذٍ، نحن مع كل خبر تابعي، أي الخبر مع الواسطة، نتعامل معه بلحاظ كاشفيته عن آخر السلسلة، أي الحديث النبوي، لا بلحاظ كاشفيته عن حديث الصحابي، و نعطيه رقماً احتمالياً، و هو (ربع)، ثم نجمع هذه الاحتمالات الربعية و هي كثيرة جداً إلى أن يصل لنا بحساب الاحتمالات اليقين بالقضية المنقولة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، غايته أننا نحتاج إلى عدد أكبر من الروايات، لأنّ المتواترات ذات قيمة احتمالية ضعيفة.

و هذا هو الشي‏ء الذي لم يقدر الأرسطي الوصول إليه نظرياً، لأنهم على مبناهم يربطون كاشفية التواتر بقضية عقلية ضرورية قبل التجربة و قبل حساب الاحتمالات، و هي أنّ العدد الفلاني يمتنع اجتماعه على الكذب.

و من الواضح أنه هنا بناءً على المنطق الأرسطي، لو أخبر عشرة

37

آلاف تابعي عن عشرة آلاف صحابي، يلزم أن لا يحصل التواتر، لأنه لو كان كل التابعين كذّابين لا يلزم اجتماعهم على الكذب، لأن كل واحد منهم ينقل واقعة غير ما ينقله الآخر، فلو فرض أنّ نقل عدد كبير من التابعين عن عدد كبير من الصحابة فنحتمل كذب نصف التابعين و نصف الصحابة، و بالتلفيق بين كذب الفئتين لا يتحقق محذور و اجتماع مائة إنسان على قضية واحدة كاذبة.

و الحاصل: هو أنه بناءً على مسلكنا في كاشفية التواتر، عدم الحاجة إلى ذلك، بل قد يكفي نقل واحد عن واحد، و ذلك لأن ميزان جوهر الكاشفية هو حساب الاحتمالات، و تجميع القيم الاحتمالية لكل إخبار إخبار على مركز واحد كما عرفت سابقاً، غايته هو أنه سوف تكون القيمة الاحتمالية لكل إخبار مباشر، بمعنى درجة كاشفيته عن صدور الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أقل من الإخبار المباشر و بلا واسطة، لأنها تحسب بضرب قيمة احتمال صدق المخبر الأول في قيمة احتمال صدق المخبر الثاني، و لهذا يكون حصول اليقين بالقضية بحاجة إلى عدد أكثر من المفردات في الإخبار مع الواسطة.

و الخلاصة هي، أنّ صدق القضية المتواترة و لو بالواسطة، نكتة مشتركة لصدق المخبرين حتى مع الواسطة، بحيث يكون احتمال صدقهم جميعاً احتمالات متلازمة و لو بدرجة أقل، و نتيجة التحقيق هو، أنّ التواتر عند ما لا يكون مباشرة، بل منقولًا، فتحصيل اليقين بإحدى طريقتين، و كلا هذين الطريقين صحيح، و أكثر ما ينقل من تواترات في الخارج إنما تستعمل فيه الطريقة الثانية لا الأولى، هذا في التواتر المنقول.

38

أقسام التواتر

و قد قسموا التواتر إلى التواتر الإجمالي، و المعنوي، و اللفظي، و سوف يتضح حال هذه القسمة من التشقيق الآتي.

و نحن قد أوضحنا فيما سبق أنّ جوهر التواتر هو الكثرة العددية، و هذه الكثرة العددية تتصور على أنحاء.

النحو الأول: هو أن نأخذ عشوائياً كثرة من الإخبارات بلا اشتراك فيما بينها في المدلول و المضمون أصلًا، و هنا مع فرض عدم وجود مدلول مشترك ما بينها، لا يصدق على هذا المجموع عنوان واحد من أقسام التواتر، لأنّ الإخبارات لم تتكثر على مصب واحد، لكن مع هذا، إذا لاحظنا الجامع ما بين مداليل هذه الأخبار على إجماله و لو بعنوان احدهما، فلا إشكال في أنّ احتمال صدق واحد منها على الأقل هو احتمال عال جداً، و احتمال كذب تمام هذه الروايات المائة مثلًا جميعاً، احتمال ضعيف جداً فيما لو افترضنا أنّ كل واحد واحد كان احتمال صدقه خمسين بالمائة، حينئذٍ، احتمال كذب المجموع يصير ناتج ضرب نصف في نصف مائة مرة حتى نصل إلى قيمة ضئيلة جداً، فاحتمال كذب مجموع هذه المائة احتمال ضئيل للغاية، و في المقابل يكون صدق البعض على الإجمال احتمالا كبيراً جداً، إلّا أنّ هذا الاحتمال الضعيف لكذب المجموع لا ينعدم، و إن كان أحد الأصول الموضوعية في منطقنا أنّ الاحتمالات الضئيلة تنعدم، لكن مع‏

39

هذا، فهذا الاحتمال لا ينعدم، و لهذا لا يكون هذا تواتراً حقيقيا، لأنّ التواتر الحقيقي هو ما يوجب العلم، و هنا احتمال كذب المجموع، و إن كان ضعيفاً جداً، لكنّه مهما ضعف يبقى، و من هنا لا يحصل العلم بصدق البعض، لأنّ العلم بالموجبة الجزئية فرع زوال احتمال السالبة الكلية.

أمّا لما ذا لا يزول هذا الاحتمال الذي هو كذب المجموع مع أنه ضعيف جداً؟ فهذا قد برهنّا عليه ضمن براهين المرحلة الثانية من الأسس المنطقية للاستقراء، إذ برهنّا هناك على الحالات التي يمكن أن يزول فيها الاحتمال، و على الحالات التي لا يمكن فيها أن يزول الاحتمال.

و توضيحه: مثلًا: كل واحد منّا قبل أن يأخذ المائة رواية يعلم إجمالًا أنّه لا يوجد في الكتب مائة رواية كاذبة.

و لنفرض أنّ تمام روايات كتب الحديث، احتمالاتها متساوية، و هو النصف مثلًا، لكن باعتبار أننا نعلم بوجود من كانت تتوفر فيه دواعي الكذب بين الرواة، فلهذا حصل لنا ذلك العلم بكذب مائة رواية بين مائة ألف رواية مثلًا، فهذا العلم الإجمالي ما هي أطرافه، و أي مائة من هذه المئين في الأطراف هي كاذبة؟.

و من الواضح أنّ أطراف هذا العلم الإجمالي بعدد المئات الموجودة في المائة ألف، كما أنه من الواضح أنّ أي مائة من هذه الأطراف نمسكها لو حسبنا حسابنا معها، و قطعنا النظر عن العلم الإجمالي لاستبعدنا كذب مجموع هذه المائة، لأنّه عبارة عن ضرب نصف في نفسه مائة مرّة، إلّا أنّ هذا لا يجعلنا نقطع بأنّ هذه المائة ليست هي المائة الكاذبة، و ذلك باعتبار أنّ هذه طرف من أطراف العلم الإجمالي، فلو أنّ ضآلة العلم الإجمالي هنا أوجبت أن نقطع بأنه‏

40

ليست هذه المائة الكاذبة، إذاً، نفس هذه الضآلة موجودة في كل مائة، و هذا معناه القطع بعدم كذب كل مائة، و هذا مناف للعلم الإجمالي، لكن هذا لا يعقل، لأنه يوجب زوال العلم الإجمالي، لأنّ كل الاحتمالات التي يتكون 2 منها العلم الإجمالي يقابلها مثلها من الاحتمالات في هذا العلم لا محالة، فلو زالت كلها لكان هناك علم إجمالي بلا انطباق.

فمثلًا: لو علمنا بوجود إناء نجس واحد مردد بين مائة ألف إناء، فهنا يكون أطراف العلم الإجمالي مائة ألف، فأي إناء أخذناه، احتمال أن يكون هو النجس احتمال يساوي واحد على مائة ألف، و احتمال أن يكون ما أخذناه من الآنية المائة ألف طاهراً ما عدا الواحد من المائة ألف، أي تسعة و تسعون ألف و تسعمائة و تسعة و تسعون من المائة ألف، فاحتمال الطهارة قوي، و احتمال النجاسة ضعيف، لكن هذا الا- تمال الضعيف لنجاسة هذا الإناء لا يمكن زواله، و إلّا لزال هذا الاحتمال في الإناء الآخر و هكذا.

و معنى هذا أنه يبقى العلم الإجمالي بنجاسة واحد من مائة ألف بلا أطراف، هذا مستحيل.

و من هنا اشترطنا في زوال الاحتمالات الضعيفة أن لا يكون هذا الاحتمال الضعيف قد نشأت ضئالته في نفس العلم الإجمالي الذي يراد إعدامه بضعف هذا الاحتمال، و إلّا لكان هذا العلم الاجمالي فانيا نفسه و هو مستحيل؟

و في المقام الكلام كذلك، إذ يستحيل أن يحصل لنا اليقين بأنّ هذه المائة ليست هي الكاذبة و إن كان احتمال ذلك كبير جداً، باعتبار أنّه لو حصل اليقين في هذه المائة لكان حاصلًا في أي مائة أخرى نأخذها، ففي صورة ما إذا اخترنا مائة عشوائياً من مجموع الحديث،

41

حينئذٍ نحن عندنا احتمال كبير اطمئناني بصدق واحد على الأقل، و عندنا احتمال ضعيف بكذب الباقي من المجموع، إلّا أنّ هذا الاحتمال الضعيف يبقى ثابتاً و لا يتحول هذا إلى اليقين بكذب الباقي، و من هنا لا نطلق عليه اسم التواتر، و بهذا يتضح نكتة عدم كون هذا مؤدياً لما يؤديه التواتر.

و لكي يتّضح ما تقدّم، ينبغي أن يُعلم أنّ ضعف الاحتمال إذا كان ناشئاً من نفس العلم الإجمالي، أي من كثرة أطرافه، إذا كان الاحتمال طرفاً للعلم الإجمالي، إذ كلّما كثرت أطرافه ضعفت احتمالاته، ففي مثل ذلك يستحيل أن يكون مثل هذا الضعف موجباً لفناء هذا الاحتمال، و ذلك لأنّ هذا الضعف لو أوجب زوال الاحتمال في هذا الطرف لأوجب زواله في بقيّة الأطراف، لأنّ الضعف موجود في جميع هذه الأطراف، و هذا خلف وجود العلم الإجمالي، و إن فُرض أنّ هذا الضعف يوجب زوال الاحتمال في بعض الأطراف دون البعض، فهذا ترجيح بلا مرجح.

كما أنّه إذا وجد علم إجمالي له أطراف، و وجد مضعّف من الخارج ناشئ من علم إجمالي آخر يضعف الاحتمال في هذا الطرف، لكن كان في كل طرف يوجد مضعف خارجي مماثل، ففي مثله أيضاً يستحيل فناء الاحتمال لنفس البرهان، و إنّما يظهر أثر فيما لو وجد علم إجمالي توزعت احتمالاته على أطرافه بالتساوي من ناحيته، لكن اختص بعض الأطراف بمضعف موجود فيه دون غيره، حينئذٍ، سوف تخرج هذه الاحتمالات عن التساوي، و حينئذٍ فقد يصل هذا الضعف في الأضعف إلى مرتبة بحيث يزول في نفسه و لا يلزم من ذلك محذور الترجيح بلا مرجح، و حينئذٍ نقول: إذا أخذنا مائة خبر فهذا له حالتان.

الحالة الأولى: هي أن لا يكون هناك مدلول مشترك منظور إليه‏

42

أصلًا لا مطابقة و لا تضمناً و لا التزاماً، بل مداليل هذه الروايات مختلفة متغايرة و إن كان يجمعها منظور عال جداً، و نفرض أنّ كل واحدة من هذه المائة مفادها حكم إلزامي لا ربط له بالآخر، فهنا هل يحصل العلم الإجمالي بثبوت جامع الحكم، و هو الوجوب مثلًا، بحيث يجب الاحتياط من باب أنّ بعض هؤلاء صادقون؟.

قد يُقال بحصول هذا العلم، و ذلك بحساب الاحتمالات، لأنّ احتمال كذبهم جميعاً عبارة عن ضرب نصف في نصف إلى (مائة مرّة) بناءً على أنّ قيمة كل خبر نصف، فينتج احتمالًا ضعيفاً جداً بحيث إنّه يزول، فيحصل علم إجمالي بنقيض السالبة الكلية، و هي الموجبة الجزئية، أي إنّه يحصل علم إجمالي (ما) بجامع الوجوب.

و لو أنّه تمّ هذا لكان معناه أنّ التواتر لا يشترط فيه وحدة المصب، و هذا مطلب غريب، لأنّ العلماء اشترطوا وحدة المصب في التواتر، لكن إجراء حساب الاحتمالات بهذا الترتيب ينتج أنّ (المائة شاهد و مخبر) مع أنّ مصب شهاداتهم ليس واحداً، مع هذا يحصل التواتر، و هذا غريب.

و حلّ هذه الشبهة هو أنّه نحن عندنا في المقام علم إجمالي، و هو العلم الإجمالي بأنّه يوجد (مائة رواية) كاذبة من مجموع (الروايات المائة ألف)، إلّا أنّ هذه (المائة) غير معلومة، إذ لعلّها هذه المائة، و لعلّها تلك (المائة الثانية) أو الثالثة و هكذا، و حينئذٍ، أطراف العلم الإجمالي يبلغ الملايين.

حينئذٍ أيّ (مائة) أخذناها، فهذه (المائة) نحتمل أنّها هي المعلوم بهذا العلم الإجمالي، لكنّه احتمال ضعيف جداً باعتبار كثرة أطراف العلم الإجمالي، لكن ضعف هذا الاحتمال لا يوجب زواله، و ذلك لأنّ هذا الضعف في هذه (المائة رواية) له منشآن.

43

أ المنشأ الأوّل: هو نفس العلم الإجمالي بكذب (مائة رواية) من (مائة ألف رواية)، لأنّ هذا العلم الإجمالي بكذب مائة، أكثر أطرافه تنافي أن تكون هي (المائة) المعلومة بالعلم الإجمالي.

ب المنشإ الثاني: هو حساب الاحتمالات في نفس المائة، و كلا المنشأين محفوظ في كل (مائة) أخرى من (المائة ألف رواية)، فإذا أوجب هذان المضعفان زوال الاحتمال هنا فقط، فهو ترجيح بلا مرجح، و إن أزالاه في تمام أطراف العلم الإجمالي فهو خلف العلم الإجمالي.

و نحن قد سمينا هذا المضعف الناشئ من العلم الإجمالي- بأنّ الأوّل له مصلحة، أو الثاني و هكذا-، بالمضعف الكمّي، لأنّه مضعف لا ينظر إلّا إلى العدد، إذاً متى يمكن أن يزول من عندنا احتمال كذب (مائة رواية) من مجموع (مائة ألف رواية) و يحصل لنا العلم بأنّ بينهم صادق؟

يمكن أن يحصل هذا عند ما تختص (مائة) من بين هذه (المئات)، بمضعف من غير ناحية العدد غير موجود في بقيّة (المئات الألف)، فإذا اختصّ هكذا، حينئذٍ نقول: إنّ هذا المضعف يوجب الزوال من هذه المائة، و هذا المضعف سميناه بالمضعف الكيفي، لأنّه نشأ من غير ناحية العدد، و هذا المضعف ينشأ فيما إذا كان يوجد بين هذه الشهادات مصب واحد و قضية واحدة منظورة لجميع هؤلاء الرواة (المائة)، فحينئذٍ سوف ينشأ مضعف كيفي غير موجود في (مائة) ليس لها مصب واحد، و هذا المضعف هو أنّه لو كان كل هؤلاء (المائة راوي) لهم مصلحة شخصية في الإخبار فهذا غريب، لأنّه كيف تطابقت المصالح الشخصيّة لهؤلاء المائة مع أنّ عوامل التباين في حياتهم كثيرة؟.

44

و هذا بالتحليل يرجع إلى علم إجمالي آخر بحسب حساب عوامل التباين و عوامل الاتفاق في حياة هؤلاء، و بمقتضى هذا العلم الإجمالي سوف يصبح احتمال كذب هؤلاء (المائة)، و احتمال لأن يكون لهم بتمامهم مصلحة شخصية، هذا الاحتمال سوف يجعل أضعف بكثير من ضعف احتمال أيّ (مائة) أخرى ليس لها مصب واحد، و هذا المضعف الكيفي هو الذي سوف يزيل احتمال كذب هؤلاء المائة بتمامهم.

و بهذا نبرهن أنّ كاشفية التواتر لا يكفي فيها المضعف الكمّي الذي ذكرناه آنفاً، بل يُحتاج للمضعف الكيفي إلى جانب المضعف الكمّي، و هذا هو السرّ في أنّ مائة خبر إذا لم يكن لها مصب واحد لا يحصل العلم الإجمالي من ناحيته، بينما إذا كان لها مصب واحد فالمضعف الكيفي مضافاً إلى المضعف الكمّي موجود، و من هنا نعرف أنّه في الحالة الأولى إذا أخذنا مائة رواية ليس لها مصب واحد منظور لها، حينئذٍ سوف لن يحصل لنا علم إجمالي بصدق بعضهم بنحو يكون منجزاً، لأنّ المضعف الكمّي وحده لا يكفي، و المضعف الكيفي غير موجود.

نعم بحساب الاحتمالات يحصل الاطمئنان بصدق بعضهم، و هذا ليس حجّة عقليّة، نعم هو حجّة ببناء العقلاء، و هذه الدعوى صحيحة، لكن شمول هذا لهذا الاطمئنان الناشئ من تطبيق حساب الاحتمالات في مثل المقام، تكون عهدته على مدّعيه.

و قد اتّضح بما ذكرنا، أنّ جوهر كاشفية التواتر يعتمد على المضعّف الكيفي إلى جانب المضعف الكمّي، و أنّ المضعف الكيفي هو روح هذه الكاشفية، و في كل وقت ينفرد المضعف الكمّي وحده، يستحيل أن تكون هذه الكثرة العدديّة وحدها مؤثرة في إيجاد العلم بالقضيّة، و كل من المضعّفين ميزانه العلم الإجمالي بحسب الحقيقة كما عرفت.

45

و قيمة العلم الإجمالي في المضعف الكيفي أكثر بكثير منه في الكمي، لأنّ المضعف الكمي إنما يزداد، لأنّ علمه الإجمالي تزداد أطرافه بالضعف، بينما كلما يزداد شاهد جديد بالنسبة للمضعف الكيفي، يزداد أضعافاً مضاعفة، و ذلك باعتبار أنّ عوامل الاتحاد كلّما ازداد العدد ضاقت أكثر بكثير، فالعوامل المشتركة بين اثنين، إذا كانت عشرة، تقل فيما إذا كان هناك ثالث مع الاثنين، يعني كل واحد من هؤلاء الثلاثة يوجد عنده عوامل كثيرة من جانبه فاحتمال نشوء العلم من ذلك العامل المشترك بين الثلاثة، في مقابله آلاف الصور، لأنه في مقابله كل عوامل التباين.

ثمّ إنّ المضعف الكيفي، ميزانه وحدة المصب، فكلما ضاقت وحدة المصب اشتد المضعف الكيفي أكثر، لأنّه كلما ضاق المصب قوي استبعاد أن تتفق مصالحهم على هذا المصب الضيق أكثر، و من هنا ندخل في الحالة الثانية.

الحالة الثانية: و هي افتراض اشتراك بين الأخبار في مدلول و معنى يكون منظورا للمخبرين.

و هذا المعنى تارة يكون مدلولًا تحليلياً لكلمات المخبرين، كأن تدلّ عليه كلماتهم، إمّا بالتضمن، أو بالالتزام.

و أخرى يكون مدلولًا مطابقياً، فهذان قسمان:

القسم الاول: هو أن يكون تحليلياً، و يقصد بذلك ما يشمل المدلول التضمني و الالتزامي العرفي، و هذا ما يسمى في كلماتهم بالتواتر الإجمالي، فمثلًا حينما يخبر جماعة بوقائع كثيرة في حياة (حاتم)، فكل واقعة غير الأخرى، لكنّها كلها تشير إلى أنّ هذا الرجل كان كريماً، فهنا، المصب الواحد لهذه الشهادات مدلول تحليلي‏

46

التزامي، و يأتي المضعف الكيفي هنا ليقول: إنّه يبعد جداً بواسطة ذلك العلم الإجمالي، أن يكون لهؤلاء جميعاً مصلحة في شخص هذا المصب الواحد، لأنّ هذا معناه نشوء هذه المصالح من عامل التشارك لا التباين، مع قلة عوامل التشارك و كثرة عوامل التباين، فيؤدي ذلك إلى القطع بالقضية التي هي المصب الواحد، و هي كرم (حاتم)، و إن لم يقطع بهذا بالخصوص أو بذاك.

نعم القطع بالقضية يوجب ارتفاع قيمة كل مدلول من المداليل المطابقية، باعتبار أنّه بعد أن قطع بكرم (حاتم) فحينئذٍ، توقع وقوع هذه القضية يكون من باب توقع الشي‏ء من أهله، و بهذا يحصل القطع بالقضية التي هي المصب المشترك، و في طوله ترتفع قيمة كل واقعة واقعة، التي هي المدلولات المطابقية، لأنها وقائع تدعى لكريم واقعاً.

و بعبارة أخرى: إنّ القطع بالقضية يوجب ارتفاع قيمة كل مدلول من المداليل المطابقية، باعتبار أنه بعد أن نقطع بكرم (حاتم)، حينئذٍ توقع وقوع كل ما يلزم يكون من باب توقع الشي‏ء من أهله، و بهذا يصير القطع بالقضية سبباً للقطع بكل قضية تخص المدلول المطابقي، هذا التواتر الإجمالي.

و الحاصل هو أنه في حالة هذا القسم يكون المضعف الكيفي موجوداً بلحاظ ذلك المصب المشترك، إذ في مثله لا يصح افتراض اجتماع مصالحهم على الكذب فيه مع أنّ عوامل التباين أكثر بكثير من عوامل الاشتراك، و هذا المضعف يوجب حصول اليقين و زوال الاحتمال الضعيف المضعف كمياً نهائياً كما تقدم، و كلما كان المصب المشترك أضيق و له تفاصيل أكثر كان الحساب فيه أوضح، و هكذا يحصل القطع بالمصب المشترك، و في طوله ترتفع قيمة احتمال المدلول المطابقي لكل إخبار من الإخبارات، لأنّ توقع كل منها احتماله يكون‏

47

من باب توقع الشي‏ء من أهله، أو أقل: بهذا يصير القطع بالقضية سبباً للقطع بكل قضية تخص المدلول المطابقي، لأنّ توقع كل منها و احتماله سوف يكون من احتمال قضية مضمونها المعنوي ثابت فيكون موقعها أشد و أقوى.

القسم الثاني: هو أن يكون المصب واحداً بلحاظ المدلول المطابقي، كما لو نقل الجميع واحدة من وقائع (حاتم) و هذا معنى ضيق المصب فهذا يكون المصب فيه أضيق دائرة، لأنّ المصب من الأول هو كرم (حاتم)، و هو أمر كلي لا تضييق في واقعة بالخصوص، أمّا هنا فالمصب ليس كرم (حاتم) بل قضية من قضايا كرمه، و هذا معنى ضيق المصب، و كلما كان المصب أضيق، لا محالة يكون المضعف الكيفي أقوى، لأنه لو فرض أنهم جميعاً كانوا يخبرون عن مصلحة شخصية، أو كانوا مخطئين، فالاستغراب سوف يكون أكبر و هو أنه كيف اتفق لهؤلاء جميعاً تعلق مصلحتهم الشخصية بخصوص هذه القضية، أو أنه كيف اتفق خطؤهم على ذلك؟

ثم إنّ هذا المصب الواحد الذي هو المدلول المطابقي، كلما اشتمل على تفاصيل أكثر متطابقة و خصوصيات أقوى، حينئذٍ يكون المضعف الكيفي أكبر، كما لو كانت القضية المنقولة طويلة وقع فيها عشرون فصلًا في (حاتم) و كلّهم تطابقوا على نقلها، حينئذٍ سوف يكون المضعف الكيفي أقوى، لأنّ المصب سوف يكون أضيق، و من جملة مصاديق ذلك، ما يُسمّى بالتواتر اللفظي، فإنّه عبارة عن مصداق من مصاديق الاتّحاد في تفاصيل المطلب، لأنّه من جملة الاتحاد كذلك أن ينقل المطلب بنفس اللفظ، فإذا نقل الكل لفظاً واحداً، فهذا بنفسه يضيق المصب جداً، و هذا هو سرّ أنّ التواتر اللفظي أقوى من التواتر المعنوي، و أنّ المعنوي أقوى من التواتر الإجمالي.

48

بقي في المقام نكتة واحدة، و هي أنّا قد ذكرنا أنّه إذا كانت أقوال الصحابة غير مسموعة لنا مباشرةً، إذاً كيف يمكن إثبات التواتر؟.

و قد قالوا هنا: إنّه لا بدّ من إثبات تواتر لكلّ شهادة من شهادات الصحابة، فمثلًا: لو كان الصحابة اثنين، فلا بدّ أن يكون مجموع الشهود ثمانية، و شهود الطبقة الثانية ستة عشر شاهداً و هكذا.

و قد قلنا سابقاً: إنّ هذا الطريق مثالي، و الأحسن منه على ضوء منطقنا، أن نأخذ هذا الحديث مع الواسطة و نعطيه قيمة احتمالية من أول الأمر، و هو الربع مثلًا، لأنّ احتمال صدق التابعي نصف، و مثله الصحابي، و ضرب أحدهما بالآخر يساوي ربعاً، فحينئذٍ قيمة احتمال صدور هذا الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو الربع، و نعطي لاحتمال الكذب رقمه ثلاثة أرباع، ثمّ تُجمع هذه الاحتمالات، فتكون النتيجة كما عرفت سابقاً، بينما لو سمعناه من الصحابة مباشرةً لكُنّا جمعنا أنصافاً، و حينئذٍ كنّا سوف نحصل على درجة عالية من الاحتمال، باعتبار أنّ تجميع القيم الاحتمالية و لو أرباعاً سوف يصعد إلى درجة عالية.

و قد ذكر بعضهم أنّ هذه العلّة تكلّفنا عدداً كبيراً من الشهود، لأنّنا لو كنّا نسمع من الصحابة لكنّا نجمع الأنصاف، لكن حيث نجمع قيم شهادات تابعين و ما دون، فاحتمال صدق التابعي قيمته ربع، و حينئذٍ سوف نجمع الأرباع، و على هذا سوف نحتاج إلى عدد كبير جداً، فلو كنّا نكتفي مع الصحابي باثنين، فبالنسبة للتابعي سوف نحتاج إلى أربعة، فإذا فرض أنّ الرواية مؤلفة من ثلاثة رواة فسوف نحتاج إلى ثمانين، و هكذا يتضاعف العدد كثيراً.

و جواب ذلك: هو أنّه لا نحتاج لهذه المضاعفة، لأنّ هذه الشبهة غفلت عن المضعف الكيفي، لأنّه حينما ينقل أربعة تابعين عن أربعة

49

صحابة، فالشبهة تقول عندنا أربعة أرباع، فهو في قوّة ما لو سمعنا من صحابيين، و هذا غير تام، بل هو أكبر من ذلك، لأنّ الصحابة الأربع المنقول عنهم لم يعدْ قيم احتمالات وجود شهاداتهم نصفيّة، بل هي أكبر، لأنّ المضعف الكيفي حصل في طبقة التابعين، لأنّ الأربعة اتفقوا على نقل قضيّة واحدة، فهؤلاء و إن اختلفوا في الصحابي الّذي رووا عنه، لكن اتفقوا على نقل منقبة واحدة لأمير المؤمنين (عليه السّلام)، فهنا مصب واحد للمنقول و هو القضيّة، و إن كان هناك احتمال للمصلحة في هذا النقل، فإنّما هو بلحاظ ذاك المصب لا بلحاظ أنّه عن فلان أو فلان، وعليه: فالمصب متحد إذاً، فلو كانوا كلّهم كاذبين، إذاً لكان معنى هذا اجتماع مصالح الأربعة على مصب واحد، و هذا مضعف كيفي يوجب ظناً إجمالياً بصدق بعضهم، و هذا الظنّ يتوزع قيمه على الأطراف فيزداد احتمال صدق كل تابعي على هذا الأساس، و بهذا يزداد احتمال قيمة صدق الصحابة على النصف.

و هنا ينبغي التعرّض لمثل النص على ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) فهنا ليس المضعف الكيفي و الكمّي هما وحدهما الموجودان، بل إلى جانبهما يوجد استقراء و فهم لحقيقة تاريخيّة، و هي أنّه كانت هناك مصالح على عدم الإخبار بهذه الفضيلة، فمثلًا: على امتداد ألف شهر و ثلاث طبقات من الرواة يُلعن فيها أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يكن مصلحة لنقل أي منقبة له، فاحتمال وجود مصلحة في نقل النص احتمال ضئيل منفي أساساً، و على فرض وجوده فهو في غاية الضآلة، و من هنا كان يحصل اليقين و لو من عدد أقل، فالتواتر بالنسبة لنص الولاية ليس فيه خلل أبداً، و إنّما كل الخلل يحصل لو حكت عشرُ روايات منقبة لمعاوية، فإنّها لا تفيد حتى الظن قطعاً.

و حاصل الحالة الثانية هي أن يكون هناك مصب مشترك في المدلول و المعنى يكون منظوراً إليه في كل تلك الأخبار.

50

و هذا المعنى تارة يكون مدلولًا تحليلياً لكلمات المخبرين كما لو دلّت عليه كلماتهم إمّا بالتضمن أو بالالتزام، و أخرى يكون مدلولًا مطابقياً.

و الأوّل هو ما يسمّى بالتواتر المعنوي أو الإجمالي، و في هذه الحالة يكون المضعف الكيفي موجوداً بلحاظ ذلك المصب المشترك، إذ كيف يفترض اجتماع مصالحهم على الكذب فيه مع أنّ عوامل التباين فيه أكثر بكثير من عوامل الاشتراك، و هذا المضعف الكيفي يوجب حصول اليقين و زوال الاحتمال الضعيف المضعف كمياً زوالًا نهائياً كما عرفت، و هكذا كلّما كان المصب المشترك أضيق و ذا تفاصيل أكثر كان الحساب أوضح، و هكذا يحصل القطع بالمصب المشترك، و في طوله ترتفع قيمة احتمال المدلول المطابقي لكل أخبار هذا المصب، لأنّ توقع كل منها و احتماله سوف يكون من باب احتمال توقع الشي‏ء من أهله، فكأنّه احتمال لقضيّة مضمونها المعنوي ثابت، فيكون موقعها أقوى، هذا التواتر الإجمالي.

و المقصود بالثاني هو، ما إذا كان المصب واحداً بلحاظ المدلول المطابقي للأخبار، و هنا يكون المصب المشترك أضيق دائرة من الأوّل السابق فيكون المضعف الكيفي أقوى، لأنّ احتمال تأثير عوامل الاشتراك في المصب الأضيق، كما لو كان المصب شخص قضيّة معينة، أبعد كثيراً من عوامل التباين، و لهذا كلّما تكون التفاصيل في الواقعة المنقولة أكثر يكون المضعف الكيفي أقوى تأثيراً في إيجاد اليقين، و التواتر اللفظي هو أحد مصاديق ضيق المصب المشترك و تفاصيله، إذ اتفاق عوامل المصلحة المشتركة أو اختلال الحدس و الخطأ في نقل قضيّة بهذه الألفاظ بخصوصها أبعد جداً كما عرفت في مسألة النص على ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام).

و بهذا يتّضح وجه أقوائية التواتر اللفظي من التواتر المعنوي، و هذا تمام البحث في التواتر.

51

خبر الواحد

القسم الثاني من الخبر هو الخبر الواحد، أي الخبر غير العلمي الذي لا يفيد اليقين الحقيقي أو العرفي، إذ قد ذكرنا سابقاً أنّ الخبر على قسمين، أحدهما: الخبر القطعي، أي العلمي، و الثاني: الخبر غير القطعي، أي غير العلمي.

ثمّ ذكرنا أنّ القطعي أهمّ أسبابه العدد، و هو ما سميناه بالمتواتر، و قد تقدم ذكره.

و يقع الكلام الآن في حجية القسم الثاني، و هو الخبر غير القطعي، و هو ما يُسمّى بخبر الواحد، سواء كان خبرا واحداً أو أكثر من واحد، لأنّه إنّما هو مجرّد اصطلاح، و الكلام في حجيته و عدمها يقع في مرحلتين.

المرحلة الأولى: في أصل حجية خبر الواحد بنحو القضية المهملة.

المرحلة الثانية: بعد الفراغ عن حجية خبر الواحد بنحو القضية المهمة، يقع الكلام في أنّه ما هي حدود هذه القضية المهملة و شروطها؟

أمّا الكلام في المرحلة الأولى، و هي أصل الحجية، فيقع في مقامين.

52

المقام الأوّل: في الأدلّة التي استُدل بها على عدم الحجية.

المقام الثاني: في الأدلة التي استُدل بها على الحجية بعد الفراغ عن أنّ الأصل الأوّلي يقتضي عدم الحجية.

[المقام الأوّل في الأدلّة التي استُدل بها على عدم حجية خبر الواحد]

و أمّا المقام الأوّل: و هو الأدلّة التي استُدل بها على عدم الحجية، فقد استُدل على ذلك بوجوه.

الوجه الأوّل: الكتاب الكريم‏

، فقد استُدل بالآيات الناهية عن العمل بالظن، من قبيل قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ؤ (1)، و قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (2)، و نحوها.

و قد تقدّم شبه هذا الكلام في مقام تأسيس الأصل فيما يشك في حجيته و عدمها من الظنون، فإنّا قد ذكرنا هناك، أنّ من جملة تلك التأسيسات هو، جعل هذه الآيات دليلًا اجتهادياً فوقانياً على عدم حجية كل ظن إلّا ما خرج بالدليل.

و هنا: نفس الصيغة يُستدل بها على عدم حجية خبر الواحد، لأنّ إطلاق الظن يشمله، و قد فرض النهي عن اتباعه في هاتين الآيتين.

و يمكن القول: بأنّ هاتين الآيتين لا دلالة فيهما على نفي الحجية عن الظن، و إن لم نذكر ذلك عند مناقشة الصيغة التي استدلوا بها على جعل الآيتين مرجعاً فوقانياً في مرحلة تأسيس الأصل، إذاً، فيمكن القول: إنّه لا دلالة فيهما على عدم حجية خبر الواحد، و على عدم حجية الظن أساساً

____________

(1) () سورة الإسراء، آية: 36

(2) () سورة يونس، آية: 36.

53

أمّا الآية الأولى، و هي قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ فهذه الآية قد ورد النهي فيها عن اقتفاء ما لا يكون علماً، لا عن العمل بما لا يكون علماً، و فرق بينهما.

و توضيحه: أنّ الاقتفاء عبارة عن الاتباع، و جعله سنداً و معولًا عليه بحيث يكون هو الداعي نحو العمل و المحرك نحوه، فيقال مثلًا: فلان يقتفي فلاناً، بمعنى أنّ المتبوع هو الذي يحرك التابع، حينئذٍ هنا، الآية تريد أن تقول: إنّ غير العلم ليس أساساً متيناً للتعويل عليه و جعله عروة و محركاً للإنسان، فإن الإنسان لا يجوز له أن يجعل من الظن أساساً و محركاً لعمله الذي هو معنى الاقتفاء، و هذا مطلب عقلي عقلائي صحيح، و لا ينافي ذلك مع حجيّة الظنّ في بعض الأمور، فإنّه في مورد حجية الظنّ، الإنسان و إن عمل بالظنّ، لكن ليس المحرّك له هو الظنّ، و إنّما المحرك له هو العلم بحجيّة هذا الظنّ، ففي الموارد التي يقوم فيها الدليل على حجيّة بعض الظنون، فهنا يصدق أنّ المكلّف عمل بالظنّ لكن ليس هو المحرك، أي ليس عمله بمقتضى آمرية نفس الظنّ بما هو، بل عمله بمقتضى أمرية حجيّة الظن، فلو كان مفاد الآية هو النهي عن العمل بالظنّ و تطبيق مفاده، فحينئذٍ لا بأس بالاستدلال بالآية، لأنّ هذا تطبيق لمفاد الظنّ، و تكون الآية ناهية عنه، لكن الآية لم تنهَ عن ذلك، بل نهت عن اقتفاء الظنّ و جعله سنداً و محركاً، و من الواضح أنّه في موارد القطع بحجيّة الظنّ، السند و المحرك إنّما هو القطع بحجيّة الظنّ لا نفس الظنّ، فيكون دليل الحجيّة وارداً على هذا النهي، لأنّه رافع لموضوعه حقيقة، لأنّه يجعل القطع هو المقتفى لا الظنّ، وعليه: فالآية لا تدلّ على نفي حجيّة الظن، بل متى ما وجد دليل على حجية الظن كان رافعاً لموضوعها.

و نفس الشي‏ء يُقال عن الآية الثانية، و هي قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ*

54

لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* فإنّ هذه الآية وردت في سياق التنديد بالكفار الّذين يعولون في تحصيل معتقداتهم على الظنون، فاستنكرت الآية ذلك منهم، فوردوها في مقام تعليل هذا الاستنكار يكون قرينة على أنّ المقصود منها سنخ قاعدة عقليّة أو عقلائية مفروغ عن صحتها في نفسها، و ليس المقصود بها قاعدة شرعيّة و هي حرمة العمل بالظن شرعاً، إذ من الواضح أنّ هذه الكبرى لو كانت شرعيّة، فهذا لا يناسب مقام الخصومة مع الكفار و الإشكال عليهم، لأنّهم ليسوا في مقام جعل الحجية من الشارع، و إنّما مقامهم يُناسب أن يكون الاعتماد في مقام الإشكال عليهم على كبرى عقلية أو عقلائية مفروغ عن صحّتها، و من الواضح أنّ ما هو كذلك هو الكبرى التي ذكرناها، و هي أنّه لا يمكن التعويل على الظن بما هو ظنّ، فكأنّ الشارع يريد أن يقول لهم: إنّكم في معتقداتكم تعوّلون على الظن و ليس بأيديكم غير هذا و لا دليل لكم على حجيته، فبهذه القرينة يرجع الكلام إلى نفس ما أشرنا إليه في الآية الأولى، هذا مضافاً إلى أنّه يمكن القول بأنّ قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*، ليس مفاده النهي عن اتّباع الظن، بل مفاده بيان صغرى مع السكوت عن كبراها، و هذه الصغرى هي، أنّ الظن لا يغني في مقام التوصل إلى الواقع، لأنّه كثيراً ما يخطئ، فهو لا يغني في هذا المقام، و هذه الصغرى تحتاج لضمّ كبرى و هي، أنّ المطلوب هو التوصّل إلى الواقع، و هذه الكبرى قد سكت عنها و لم تبيّن، و هي واضحة بالنسبة لأصول الدين، فإنّ المطلوب هو الوصول إلى لب الواقع، فبضم هذه الكبرى إلى الصغرى يثبت النهي عن التعويل على الظن في أصول الدين، و أمّا في فروع الدين فلا يمكن اقتناص النهي من هذه الآية، لا هي وحدها و لا بضم الكبرى.

أمّا وحدها، فلأنّها لا تبيّن إلّا الصغرى كما عرفت، و أمّا