بحوث في علم الأصول - ج11

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
473 /
5

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خاتم النبيين و أعز المرسلين محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد: فهذا هو الجزء العاشر من كتابنا (بحوث في علم الأصول)، و الذي يشتمل على مباحث بعض الحجج و الأصول العلمية، كمبحث البراءة العقلية و الشرعية، مع تنبيهاتها، و التخيير و الاحتياط و قاعدة التسامح في أدلة السنن التي تلقيناها من دروس سيّدنا و أستاذنا شهيد الإسلام، آية الله العظمى، السيد محمد باقر الصدر (قده) خلال الدورة الثانية، حيث قد انتهى فيها إلى مبحث أصالة الاحتياط، فداهمته عندها الظروف العصيبة التي حاكها أعداء الإسلام التاريخيون و المستعمرون الجدد كيداً للإسلام و رموز طلائعه وقادة فكره، لا سيّما بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران بقيادة الإمام القائد الفذ، آية الله العظمى السيد الخميني (قده)، حيث تصدّت الطغمة الإرهابية المأجورة الكافرة الحاكمة في العراق آنذاك، للوقوف بوجه انعكاسات هذا النور الإلهي، و خنق أنفاس الثائرين و السائرين في طريقه، فكان من ضمن حلقات هذا المسلسل الإجرامي محاصرة سيّدنا الأستاذ الشهيد في بيته في النجف الأشرف ردحاً من الزمن، ممّا أدّى إلى تصعيد الثورة في وجدان الأمة، و تصاعد العمليات الجهادية في صفوفها في شتّى أنحاء العراق و حيثما وجد هؤلاء الطغاة، بحيث لم يتمالك جلّادو هذه الأمة و طغاتها إلّا أن‏

6

يقدموا على قتل هذا القائد الرباني، و القمة الرسالية الشامخة التي عقمت النساء أن يلدن مثله في عصرنا و غيره من العصور الآتية.

و قد أفجع الطغاة بهذه الجريمة النكراء، الإسلام و العلم معاً بخسارة عظمى لا يسدّها و لا يعوّض عنها شي‏ء، و هذا ديدن الطغاة و أعداء الإسلام من أول يوم قال فيه الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (قولوا: لا إله إلّا الله تفلحوا)، مروراً بعليّ و الحسن و الحسين و الأئمة المعصومين من ذريّة الحسين و أخيراً العالم المفكر القائد البطل السيد الصدر (قده)، فإنّا لله و إنّا إليه راجعون و العاقبة للمتقين، حسبنا الله و نعم الوكيل، نعم المولى و نعم النصير.

1421 ه-- 1998 م‏

7

البراءة العقلية و الشرعية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

يبحث فيه أولًا عن المفهوم الأصولي لفكرة الأصل العملي و مراحل تطوره.

و يبحث فيه ثانياً عن حقيقة الأصل العملي الشرعي.

و يبحث فيه ثالثاً عن تقسيم الأصول العملية الشرعية إلى أصول محرزة، و غير محرزة.

و يبحث فيه رابعاً عن تقسيم الأصول العملية إلى البراءة بشقيها و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الأصول العملية

و قبل الابتداء بأوّل هذه الأصول بحسب تسلسلها و هو البراءة

ينبغي تقديم مقدمات.

المقدمة الأولى: في بيان منهجية الاستنباط في الفقه الإمامي، و أدوار تطورها

إلى أن استقرت على ما عليه الآن.

فنقول: إنّ منهج الاستنباط في الفقه الإمامي استقر على افتراض مرحلتين:

1- المرحلة الأولى: يطلب فيها الدليل على الحكم.

2- المرحلة الثانية: يطلب فيها ما يسمّى تشخيص الوظيفة العملية اتجاه الحكم تنجزاً، أو تعذراً.

و هذه القواعد المعمولة في المرحلة الثانية هي، التي تسمّى بالأصول العملية، و هي تضاف إلى العمل باعتبار نكتة أنّ الملحوظ الأساسي فيها هو تشخيص الوظيفة في مقام الخروج عن عهدة التكليف المشكوك.

و هذه المنهجة الاثنينية ممّا يتميّز به الفقه الإمامي عن الفقه العامي، لأنّ الثاني يتجه إلى إثبات الحكم الشرعي، فإن أمكن ذلك بالأدلة المقررة المفروغ عن شرعية دليليتها فهو، و إلّا تحول إلى طرق‏

12

أضعف في مقام الإثبات، و من هنا كان يحاول في حالة عدم وجود دليل شرعي إعمال مختلف الأمارات الظنية بما في ذلك القياس، بدعوى أنّها مرتبة من مراتب إثبات المطلوب، و إذا تعذرت جميع هذه الأمارات الظنية المعتد بها في الجملة عندهم تنزل إلى مطلق الاعتبار من استحسان و مصالح مرسلة و سدّ ذرائع و نحو ذلك، فيتوسّل بكلّ وسيلة لإثبات الحكم الشرعي مهما أمكن، بينما الفقه الإمامي لم يتجه هذا الاتجاه، لأنّه رأساً كما بينّا في تأسيس الأصل يتجه إلى أنّ إثبات الحكم الشرعي بدليل هو بنفسه يحتاج إلى مسوغ عقلي أو شرعي، فإذا لم تقم عند الفقيه أدلة قطعية أو شرعية مفروغ عنها، انتقل حينئذٍ إلى المرحلة الثانية، و هي تشخيص الوظيفة المقررة عند الشك و لو عقلًا دون أن يتجه إلى التماس الأدلة الناقصة من أمارات أو ما يشبه ذلك لإثبات الحكم الشرعي الواقعي.

و من هنا كان المبنى على أنّه إن وجد دليل سائغ مشروع ببرهان عقلي أو شرعي أخذ به في مقام إثبات الحكم الشرعي، و إن لم يوجد مثل هذا الدليل، فلا يفتش عن الأدلة الناقصة في مقام إثبات الحكم الشرعي، بل ينتقل حينئذٍ، فيرجع إلى ما يسمّى بالأصول العملية المبيّنة للوظيفة العملية المقررة شرعاً أو عقلًا في مقام إثبات تعيين كيفية الخروج عن العهدة اتجاه التكاليف المشكوكة.

و من هنا كان بحث الأصول العملية بحثاً واسع النطاق في الفقه الإمامي، بينما هو محدود جداً في أصول فقه العامة.

و على العكس من ذلك بحث الظنون، فإنّه واسع النطاق في أصول فقه العامة، بينما هو في أصول فقه الإمامية محدود بحدود ما

13

هو في معرض قيام الدليل على حجيته عقلًا أو شرعاً، كخبر الثقة و حجية الظهور و نحو ذلك.

ثم إنّ فكرة الأصل العملي لم تطرح بهذا الوضوح منذ البداية في كلمات علمائنا منذ فجر تاريخ الفقه الإمامي و تدوينه، بحيث تكون عبارة عن القواعد التي تجري بلحاظ المرحلة الثانية في عملية الاستنباط، و التمايز بين مرحلتي الاستنباط، لم يكن معطى و عملًا واضحاً، لأنّه قد أدرجت فيه الأصول العملية ضمن دليل العقل، و قيل حينئذٍ، بأنّ المصادر التي يعتمد عليها الفقه الإمامي هي الكتاب و السنة و الإجماع و العقل، و قد أدرجت البراءة في دليل العقل، و ادّعى جماعة كالسيد المرتضى و ابن زهرة (قده) أنّ هذه الأدلة كلّها قطعية في المقام، و إجراء البراءة أيضاً هو قطعي و يتعامل معها كدليل في عرض سائر الأدلة.

و أجابوا على الاعتراض الذي كان يوجه إليهم من قبل فقه العامة بأنّ أصول فقه الإمامية لا تفي بكل الفقه، لأنّهم لم يكونوا يبنون على حجية القياس و الاستحسان، بينما أصول العامة تساعد على استنباط كل الفقه، لأنّهم يبنون على حجية مثل هذه الظنون بأنّنا و إن كنا لا نفتح باب الظنون على مصراعيه و نعمل بها، إلّا أنّنا نعمل بالأدلة القطعية المتمثلة بالكتاب و السنة و الإجماع و العقل، و هذه كافية لاستنباط كل الفقه.

و من هذا يتضح أنّ الفارق بين مرحلتي الاستنباط لم يكن واضحاً، و لهذا ساقوا الجواب بهذا النحو من السياق.

ثمّ إنّ دليل العقل الذي جعلوه أحد الأدلة الأربعة، توسع بعد ذلك البحث تحت عنوانه، و برزت مسألة سمّوها (الاستصحاب)، و هو

14

أصل عملي بحسب فهمنا اليوم، بل يلاحظ من كلمات بعضهم أنّ البراءة ألحقت بالاستصحاب، باعتبار أنّ الحالة الأصلية للإنسان هي براءة الذمة، لذا أرجعوها إلى الاستصحاب حيث استصحبوا حالته الأصلية و سمّوا ذلك دليلًا عقلياً قطعياً، بينما لا قطعية فيها بوجه و لا تكشف عن الواقع لا وجدانياً و لا ظنياً، إذاً فلا بدّ و أن يكون مقصودهم من القطعية أنّها قاعدة مفرغة للذمة، و مخرجة عن العهدة.

فالأصول العملية بقيت تدرج في الأدلة العقلية و تصنّف في الدليل العقلي.

و في كلمات المحقق و الشهيد الأول (قده) في الدروس و جملة من كلمات علمائنا صيغت البراءة صياغة تناسباً و استيحاء من هذه المنهجة، أرادوا أن يجعلوها دليلًا حسابياً قطعياً ليتطابق المدّعى مع الواقع، فتراهم يقولون: التكليف بالمجهول غير معقول، لأنّه تكليف بما لا يطاق، و يقولون: عدم الدليل على شي‏ء، دليل على العدم، لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهم السّلام) بلغوا الأحكام فيما لم يوجد فيه دليل، فعدم الدليل دليل على العدم، فقد جعلوا هذا صياغة البراءة.

و من الواضح أنّ هذا كان لأجل أن يجعل في البراءة روح الدليل لإثبات الحكم الواقعي، و هو بعيد عن فكرة الأصل العملي الذي نعرفه اليوم.

ثمّ بعد ذلك، جرت المسامحة في العمل بالأمارات الظنية، و صار الاعتراف بالتدريج في أنّه لا بدّ من التعويل عليها، و أنّ خبر الثقة أمارة ظنية، و لكن لا بدّ و أن يكون حجة، و كذلك الظواهر، و حينئذٍ انفتح باب الاعتراف في أنّ الأمارات التي بيد علماء الإمامية ليست قطعية في كثير من الحالات، غاية الأمر أنّه ظن قام الدليل على‏

15

حجيته، و أمّا بعض الظنون كالقياس و الاستحسان و نحوهما لم يقم دليل على حجيتها، فلا يعوّل عليها.

و في هذه المرحلة انعكس هذا المطلب على الأصول العملية، فجرت محاولات لتصوير الأصول العملية باعتبارها أدلة ظنية، و لذلك اعتبر الاستصحاب حجة من باب الظن، بل اعتبرت أصالة البراءة حجة من باب الظن كما يفهم من كلمات صاحب المعالم (قده)، حتّى إنّ هذا ترسب في كلمات بعض المتأخرين حسب ما ينقلها الشيخ الأنصاري (قده) في كتاب الرسائل، متعجباً و مستغرباً، و هذه كانت شائعة في دور صاحب المعالم و الشيخ البهائي (قده).

ثمّ إنّ فكرة الأصول العملية التي نفهمها اليوم من أنّ هذه التوقعات من الاستصحاب و البراءة بلا موجب، فنحن لا نريد أن نكشف عن الحكم الواقعي بها حتى يقال: إنّها قطعية أو ظنية، بل نريد بها تشخيص الوظيفة العملية، و من هذه الناحية لا بدّ و أن يكون قطعياً، و لهذا لا يمكن حشرها في سياق الأدلة الأخرى التي يستدل بها في مقام إثبات الحكم اختمرت و بدأت قبل عصر الوحيد البهبهاني (قده)، و لعلّ آغا جمال (قده) هو الذي ابتدعها، إلّا أنّها تمّت على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني، و توضحت بالمفهوم الذي نفهمه اليوم من صاحب الحاشية على المعالم، و صاحب الحدائق في كتابه الدرر النجفية حيث يذكر في درة من درره بحثاً في البراءة يستعرض فيه كلمات القائلين بالبراءة و يناقشها، و هذه الكلمات تعرض البراءة بروحية أنّها دليل بالنحو الذي أشرنا إليه، ثمّ يقول: و من هنا ذهب بعض متأخري المتأخرين إلى أنّ البراءة ليست دليلًا على نفي الحكم، بل هي دليل على نفي تكليفنا بالحكم، و هذا هو مفهومنا عن أصل البراءة، لأنّنا نقول: إنّ البراءة تثبت أنّه لا كلفة من ناحية هذا الحكم، بل نحن مؤمّنون من جهته، و لعلّ نظر صاحب الحدائق إلى‏

16

متأخري المتأخرين هو بعض أساتذة الوحيد البهبهاني، أو إلى الوحيد بالخصوص، لأنّه كان معاصراً له.

و هذا هو أحد الأمور التي جعلتنا في كتابنا المعالم الجديدة نصنّف عصر الأصول إلى عصور ثلاثة، و نجعل عصر الوحيد البهبهاني بداية للعصر الثالث، لأنّه على يديه و مدرسته توضح مفهوم الأصول العملية، إلّا أنّه بالنسبة إلى كتابة الأصول فإنّها بقيت على حالها الأولى إلى أن جاء الشيخ الأنصاري (قده) فغيّر منهجة كتابتها.

و قد نقل الشيخ الأعظم (قده) عن الوحيد البهبهاني أنّه سمّى الأمارات بالأدلة الاجتهادية، و سمّى الأصول العملية بالأدلة الفقاهتية و قال: بأنّ هذا يرجع إلى نكتة مرتبطة بتعريف الاجتهاد و تعريف الفقه، حيث إنّ الاجتهاد عرّف بأنّه الظن بالحكم الشرعي، و الفقه عرّف بأنّه علم بالحكم الشرعي، فقد حمل الاجتهاد على الحكم الواقعي، إذ لو حمله على الأعم من الواقعي، إذاً لكان المجتهد الإمامي قاطعاً دائماً، لأنّنا لا نجوز التعويل على الظن في مقام الاستنباط، و هذا غير تام.

فيتعيّن حمله على الواقعي فقط، و لهذا كل ما يكون موجباً للظن بالحكم الواقعي يسمّى بالدليل الاجتهادي، بينما في تعريف الفقه العلم بالحكم الشرعي هنا حمله على الأعم من الحكم الظاهري و الواقعي، بل ينبغي أن يحمل على الأعم منهما و من تعيين الوظيفة العقلية العملية و إن كانت عقلية، و إلّا فإنّه لا يمكن القطع في تمام الفقه بالحكم الشرعي، بل غاية ما يدّعون أن النتيجة مطابقة للقواعد المقررة شرعاً، و من هنا: حيث إنّ هذه الأصول العملية تؤدي إلى‏

17

الأعم سمّيت بالأدلة الفقاهتية، هذا مجمل تاريخ فكرة الأصل العملي.

المقدمة الثانية: نبيّن فيها تحليل مفهوم الأصل العملي الشرعي و حقيقته ثبوتاً،

و فرقه عن الدليل الاجتهادي من ناحية الجاعل و المشرع لهما، لا عن المدلول الأصولي لهذا المفهوم، إذ قد استعرضنا في المقدمة الأولى مراحل تطوره إلى أن استقرّ على ما نفهمه اليوم.

بينما في هذه المقدمة الثانية نبحث عن واقع هذا المفهوم و حقيقته، بينما في المقدمة الأولى كنّا نتكلّم عن الأصل العملي بوصفه وظيفة بيد المجتهد في مقام تشخيص الوظيفة العملية في مقابل الدليل بوصفه مثبتاً للحكم الشرعي، يعني: كنّا هناك نتكلّم من زاوية الفقيه، و هنا نتكلّم عن جوهر الفرق بين الأصول و الأمارات من زاوية الجاعل، و أنّه كيف يجعل هذا أمارة، و يجعل ذلك أصلًا، و ما هو الفرق الواقعي بين جعل الحجية في موارد الأمارات، و جعلها في موارد الأصول؟ فمثلًا: حجية خبر الواحد، تنشئ أمارية و تجعل لدينا أمارة، و كذلك حجية الشهرة، لكن وجوب الاحتياط في الشبهات، أو (رفع ما لا يعلمون) لا ينشئ أمارية و لا يجعل لدينا أمارة، بل ينشئ أصلًا عملياً، و يجعل بيدنا أصلًا عملياً.

و قد ذكرنا في بحث الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية، و في جواب شبهة ابن قبة، أنّ الأحكام الظاهرية مطلقاً سواء سمّيت بالأمارة في دليل حجية خبر الواحد، أو بالأصل العملي كما في دليل (رفع ما لا يعلمون)، أنّ مرجعها روحاً إلى علاج تزاحم بين الأحكام الواقعية في مقام الحفظ عند التردد و الاشتباه، و هذا ما سمّيناه‏

18

بالتزاحم الحفظي، و هو ليس من قبيل التزاحم في عالم الامتثال كالتزاحم بين (صلّ و أزل)، لأنه لا يوجد بين الأحكام الواقعية ليزاحم فيها في عالم الامتثال، لوضوح أنّه لو كانت الأحكام الواقعية جميعها واصلة إلينا لأمكن امتثالها جميعاً امتثالًا تفصيلياً بلا مئونة، و مع الاشتباه يمكن الاحتياط و امتثالها امتثالًا إجمالياً، إلّا نادراً في موارد، من قبيل دوران الأمر بين المحذورين.

إذاً، هذا التزاحم الحفظي إنّما هو في تزاحم عالم حفظ الخطاب الواقعي نفسه، فإنّ الخطاب الواقعي بعد ابتلائه بعدم الوصول إلى المكلّف، و تردد أمر الشبهة بين أن تكون داخلة تحت الخطابات الإلزامية مثلًا، أو تحت الخطابات الترخيصية، و فرضنا أنّ هذه الأخيرة ناشئة من مصلحة و غرض في إطلاق العنان، يعني: أنّها إباحة اقتضائية ناشئة من المقتضي للإلزام، لا من عدم المقتضي، حينئذٍ في مثل هذه الحالة يقع في نفس المولى تزاحم بين التكاليف الإلزامية، و الخطابات الترخيصية بلحاظ هذه الشبهة، إذ لعلّ هذه الشبهة داخلة في باب الإلزاميات، و لعلّها داخلة في باب الترخيصيات و الإباحات الواقعية، فحينئذٍ، التكاليف الإلزامية الواقعية تستدعي من المولى التحفظ عليها و على احتمال أن تكون الشبهة فيها، و ذلك بتوسعة دائرة الطلب و إيجاب الاحتياط.

كما أنّ الخطابات الترخيصية الواقعية التي هي تنشأ من إباحة اقتضائية، تقتضي توسعة دائرة إطلاق العنان لهذه الشبهة، لاحتمال من موارد اقتضت المصلحة فيها إطلاق العنان للمكلف، إذاً فهذا تزاحم مربوط بالمولى لا بالعبد في مقام الامتثال، و هنا في حالة تحيّر المولى في أنّه هل يوسع دائرة الإلزاميات فيلزم بالشبهات تحفظاً على أغراضه الإلزامية، أو أنّه يوسع في دائرة إطلاق‏

19

العنان؟ و في مقابل كل منها احتمال تفويت ما يكون مطلق العنان فيه كما في الأول، أو تفويت بعض الأحكام الإلزامية كما في الثاني فهنا يقع التزاحم في نفس المولى بين أن يوسع الأوّل، أو الثاني.

و هذا التزاحم الحفظي يتصوّر بين الخطابات الإلزامية و الترخيصية الاقتضائية، بينما لا يتصوّر ذلك في الامتثال، لأنّه لا يكون إلّا بين الإلزاميين، إذ لا معنى لامتثال الإباحة.

و هنا في مقام التزاحم الحفظي، المولى يعالج هذا التزاحم بتقديم الأهم على المهم لا محالة.

و هذه الأهمية، تارة تكون بلحاظ ذات المحتمل، و أخرى تكون بلحاظ نفس الاحتمال، فهنا سنخان من الأهمية في باب علاج التزاحم الحفظي.

و توضيح ذلك هو أنّه هنا قسمان للأهمية:

القسم الأول: هو أنّ المولى يلتفت إلى ذات المحتمل و يقول: إنّ هذه شبهة تحريمية يحتمل فيها الحرمة، و يحتمل فيها الإباحة، و حينئذٍ يقارن بين اهتماماته بالمحرمات، و اهتماماته بالمباحات، فيرى أيّهما أقوى ملاكاً، مفسدة الحرام، أو مصلحة إطلاق العنان في المباح فيقدمه؛ و على ضوء هذا سوف يعالج التزاحم بخطاب ظاهري يحفظ الأهم، فمثلًا لو فرضنا أنّ مفسدة الحرام كانت أهم، فيحفظها بأيّ لسان شاء، بلسان (أخوك دينك فاحتط لدينك) تارة، و أخرى بلسان (إنّى جعلت الاحتمال منجزاً) و نحو ذلك، و أصالة الاحتياط من هذا القبيل، فهي خطاب ظاهري عولج به التزاحم بلحاظ ذات المحتمل، و قدّم جانب الالتزام على جانب الرخصة.

و قد ينعكس المطلب، بأن يرى المولى أنّ مصالح التسهيل أهم من‏

20

مفاسد التحريم، إذاً، فيجعل خطاباً ظاهرياً لحفظ مصالح التسهيل، و ذلك بتوسعة دائرة إطلاق العنان بأيّ لسان شاء، و من جملة هذه الألسنة، (أصالة البراءة، رفع ما لا يعلمون)، و (كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه).

القسم الثاني: هو أنّ المولى يعالج التزاحم بتشخيص الأهم من ناحية نفس الاحتمال، بأن يقول: إنّ هذه شبهة، قامت أمارة ظنية و هي خبر الثقة على تعيين الحكم فيها، سواء كان الثقة أخبر بالوجوب، أو بعدمه، أو بالحرمة أو الإباحة، و لعلّه يوجد حكم في هذه الشبهة على خلاف ما أخبر به الثقة، فهنا: المولى يعمل الأهمية بلحاظ نفس الاحتمال، فيقدم مفاد خبر الثقة على مفاد غيره من الاحتمال الآخر، فلو فرضنا أنّ مفاد خبر الثقة كان الإباحة، فيقدمها على الحرمة، لا باعتبار أنّ ملاكات الإباحة أقوى، بل حتى لو فرض بخبر أنّهما متساويان، بل باعتبار أقوائية احتمال الإباحة، لكاشفية الإباحة بخبر الثقة، و هذا هو ملاك تشخيص الأهمية.

و من مصاديق هذا العلاج في القسم الثاني، (صدق العادل) يعني: رجّح احتمال (صدق العادل) على احتمال كذبه، و هنا المولى له أن يعبّر عن هذه الحقيقة بأيّ لسان شاء من الألسنة التي يفهمها العرف، من قبيل: (صدّق العادل)، أو (اعمل بما يقول العادل)، أو (جعلت خبر العادل علماً)، و نحو ذلك، فإنّ هذه كلّها ألفاظ و أساليب في التعبير عن جوهر واحد، و حقيقة واحدة، و هي أنّ الشارع قد عالج التزاحم الحفظي في الخطابات الواقعية بإعمال المرجّح الاحتمالي.

و حينئذٍ نقول: إنّ جوهر الأصول العملية هو، تلك الخطابات التي عولج بها التزاحم في القسم الأول.

21

و جوهر الأمارات هو تلك الخطابات التي عولج بها التزاحم من القسم الثاني.

فالبراءة و الاحتياط من القسم الأول، بينما حجيّة خبر الواحد من القسم الثاني، و هذا هو جوهر الفرق بين الأصول و الأمارات.

نعم، من حيث الشكل و كيفية التعبير عن هذا الجوهر، فإنّه يناسب عرفاً بع العبائر للقسم الأول دون الثاني، مثل: (أخوك دينك فاحتط لدينك)، و بعضها يناسب الثاني دون الأول، مثل: (جعلت خبر الواحد علماً).

22

الفرق بين الأمارات و الأصول في كلمات القوم‏

في كلمات المحققين تبيّن الفرق بين الأصول و الأمارات بأنحاء أخرى، بحيث حوّل الفرق من كونه فرقاً ثبوتياً بحسب اللب و الجوهر، إلى كونه فرقاً لسانياً و إثباتياً، و كان من سبب ذلك، اختلال اقتناص النتائج المترتبة على هذا الفرق كما سيتضح إن شاء الله تعالى، و سنبيّن في المقام ثلاثة أوجه للفرق مع مقارنتها.

الوجه الأول: و هذا هو الوجه المشهور، و قد وجدت أوّلياته في كلمات الشيخ الأنصاري (قده)، و وصل إلى نهاية التحديد على يد المحقق النائيني (قده).

و حاصله ربط الفرق بين الأمارات و الأصول بسنخ المجعول الإنشائي بحيث يقال: في باب الأمارات، المولى يجعل الأمارة علماً و طريقاً، و في باب الأصول، لا يجعل العلمية و لا يتعبد بالطريقية، بل يجعل الجري العملي على طبق الأصل العملي، إمّا بأن يحكم بوجوب الجري العملي، أو ينزل الأصل، أو مورده منزلة العلم بلحاظ مرتبة الجري العملي، على اختلاف بين الأصل التنزيلي و غيره.

إذاً، فالفرق بين الأصل و الأمارة يكون بحسب عالم الجعل لا بحسب لب المطلب و واقع القضية، فهنا: إن جعل المولى، الحجة

23

كاشفة كانت أمارة، و إن جعل الجري العملي على طبقها كان أصلًا غير تنزيلي، و إن نزّل مورد الأصل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي كان أصلًا تنزيلياً.

و مما ذكرناه في المقدمة الثانية في بيان الفرق بين الأمارات و الأصول، اتضح أنّ لسان الإنشاء، و لسان الجعل لا يغيّران من واقع المطلب شيئاً، فمثلًا: خبر الثقة معتبر على وجه الأمارية، سواء كان لسان جعله لسان تعبد بكونه علماً و طريقاً، أو كان لسانه التعبد بإيجاب الجري على وفقه، فهذه ألسنة في مقام الجعل و الإنشاء تعبّر عن حقيقة واحدة، و قد يكون بعضها أنسب و أقرب و ألطف، إلّا أنّ ذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئاً، بل في الحقيقة إنّ المولى، إمّا أنّه قد عالج التزاحم بلحاظ تقديم الأهم احتمالًا فيكون ذلك أمارة، و إمّا بلحاظ تقديم الأهم محتملًا فيكون ذاك أصلًا كما عرفت بأيّ لسان كان، فمثلًا: لو جاء التعبير في الأصل بلسان جعل الطريقية، كما في الاستصحاب على ما ذهب بعض طلاب مدرسة الميرزا (قده)، فإنّ ذلك لا يعني أنّ الاستصحاب سوف يتحول جوهره من كونه أصلًا إلى كونه أمارة.

إذاً، فهذا الوجه المشهور غير صحيح في بيان الفرق بين الأصل و الأمارة.

و ذلك لأنّنا حينما نريد أن نضع مقياساً للفرق ما بينهما، فإنّنا بحسب الحقيقة نعالج هذا الفرق المركوز في الذهن من جهة آثاره و خواصه، و إلّا فعنوان الأمارة، و عنوان الأصل لم يرد في دليل حتى نتكلّم عن مفهوم كل منهما، و لكن قد بينّا أن واقع الخطابات الظاهرية ينحل إلى نحوين بحسب الحقيقة و الواقع بقطع النظر عن الأسماء،

24

و الفرق العملي المركوز في الذهن هو، أنّ الأمارات مثبتاتها تكون حجّة، و أمّا الأصول فإنّ مثبتاتها لا تكون حجة، فنحن عند ما نريد أن نحدد حقيقة الفرق بين الأمارات و الأصول يجب أن نشرح ذلك بنحو يفي بهذه الخاصية، و هي: كون مثبتات الأمارة حجة، و كون مثبتات الأصول ليست بحجة، و من هنا: فإنّ الميرزا (قده) حينما فرّق بينهما بلحاظ عالم الجعل و الإنشاء، أراد أن يستخرج هذه الخاصية، و لذلك قال: إنّ الأمارات مثبتاتها حجة، لأنّ المتعلق بها سعة و ضيقاً، كما يمكن التعبد به في خصوص دائرة المدلول المطابقي، كذلك يمكن التعبد به في دائرة أوسع، فليس دليل الأمر التعبدي بحسب طبعه يقتضي شموله للوازمه، لأنّه ليس كالعلم الوجداني، و حينئذٍ لا تكون مثبتات الأمارة حجة، بل يكون حالها حال مثبتات الأصول، إن دلّ دليل من الخارج على حجيتها فهو، و إلّا فلا.

إذاً، فالسيّد صاحب هذا الإشكال التزم بالأصل الذي ذكره الميرزا (قده) من أنّ أمارية الأمارة مرجعه إلى جعل الطريقية، و لكنّه أنكر عليه ترتب الخاصية، و لذلك قال: بأنّه لا فرق بين الأصول و الأمارات من حيث مثبتاتها، و بهذا أبطل قد الفرق بين الأمارات و الأصول، و إنّما بقي الفرق مجرّد اصطلاح أصولي تحت عنوان أصل، و عنوان أمارة، مع أنّنا نفرّق بينهما استطراقاً إلى تلك الخاصية، لكي نعرف أنّ الحجية متى تكون مثبتاتها حجة، و متى لا تكون حجّة، بعد أن كنّا بذهننا الفطري نعرف أنّ الأمارة مثبتاتها حجة، و الأصول مثبتاتها ليست بحجة، فإذا فسّرنا الفرق بتفسير لم يكن كافياً للتوصل به إلى هذه الخاصية، كان الأحرى بنا أنّ المجعول فيها هو الطريقية و العلمية، يعني: يجعل الأمارة علماً و طريقاً إلى مدلولها، و من الواضح أنّ العلم بالملزوم يلزم منه العلم باللازم،

25

فمثلًا: علمك ببقاء زيد حياً، يلازمه نبات لحيته، أمّا في باب الأصول فالمجعول فيها ليس هو العلمية و الطريقية، بل هو الجري العملي على طبق الاحتمال، و من الواضح أنّ هذا لا يلزم منه الجري العملي على طبق مستلزمات هذا المحتمل، لأنّ الجري العملي عمل خارجي للمكلف، إذاً فالجري العملي على طبق الملزوم هو غير الجري العملي على طبق اللازم، فقد يحكم المولى بوجوب إباحة هذا دون ذاك، و من هنا كانت الأصول العملية غير حجة في مثبتاتها.

و قد استشكل السيد الخوئي (قده) على أستاذ الميرزا (قده) في بيان الخاصية التي ذكرها، بأنّ مجرد كون المجعول في باب الأمارات هو الطريقية و العلمية لا يقتضي ذلك، كون المثبتات بها حجة، لأنّ قولك: إنّ العلم بالشي‏ء يستلزم العلم بلوازمه، هذا الكلام، إنّما يصح في العلم الوجداني، لا يصح في العلم التعبدي، كما فيما نحن فيه، لأنّ العلم التعبدي يمتد بمقدار التعبد فنستكشف بطلان هذا التفسير، لا أن يقال: إنّ الخاصية غير ثابتة لأنّ مثبتات الأمارة كمثبتات الأصول ليست بحجة.

وحل هذه المشكلة، و تفسير الخاصية تفسيراً صحيحاً، لا يكون إلّا بالرجوع إلى التفسير الذي ذكرناه، و ذلك: لأنّنا قد فرضنا في الأمارة أنّ دليل الحجية كان ناظراً إلى حجية تقديم الاحتمال الأهم، باعتبار أقوائيته و كاشفيته، و حينئذٍ سوف تكون مثبتات هذه الأمارة حجة على ما سوف يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى عند الكلام عن الأصل المثبت في بحث الاستصحاب، لأنّ كاشفية الاحتمال نسبتها إلى المدلول المطابقي و الالتزامي على حدّ سواء، إذ لا يعقل أن تكون كاشفيته بلحاظ المدلول المطابقي، و لا تكون بلحاظ المدلول‏

26

الالتزامي، لأنّ ذلك حينئذٍ يكون خلف الملازمة، لأنّ الكاشفية لم تكن بلحاظ خصوصية في المطلب، بل بلحاظ خصوصية في الكاشفية، بخلافه في الأصل، فإنّ مثبتاته لم تكن حجة، لأنّ كاشفيته لم تكن بلحاظ خصوصية في الكاشفية، بل بلحاظ خصوصية في المطلب، و حينئذٍ، المطلب المحتمل في المدلول المطابقي قد يكون غيره في المدلول الالتزامي، اللهم إلّا أن تكون هناك قرينة و عناية على ثبوت حجية مثبتات الأصل في بعض الموارد.

و بهذا يمكن أن يتصوّر نتائج كثيرة تترتب على الخلط بين عالم اللب و الواقع، و عالم اللسان و الإنشاء بالنسبة للفرق بين الأصل و الأمارة.

و قد ذكر الشيخ في رسائله: أنّ الاحتمال المساوي الشك لا يعقل جعل الأمارية له، لأنّ نسبته إلى كلا الطرفين على حد واحد، فكيف يعقل أن يجعل أمارة على أحدهما دون الآخر؟

و أشكل عليه: بأنّه لا يعقل جعل الاحتمال المساوي أمارة فيما لو كان المراد من الكاشفية، الكاشفية الحقيقية، و من العلم، العلم الوجداني، و أمّا هنا فإنّ المراد بالعلم، العلم التعبدي، و من الكاشفية، الكاشفية الخيالية، و عالم التعبد و الخيال واسع، و الاعتبار سهل المئونة، فلا مانع من أن يجعل الأمارة لأحد الاحتمالين المتساويين تعبداً.

و هذا الإشكال لا محيص عن وروده على مثل هذا اللسان الذي بيّن به الشيخ (قده) الفرق بين الأمارات و الأصول، لأنّ المولى يمكنه أن يجعل الوهم أمارة فضلًا عن الاحتمال المساوي، إذ لا استحالة في ذلك لو لا غرابته.

27

إلّا أنّنا لو التفتنا إلى أنّ الفرق بين الأمارات و الأصول على أساس اللب و الواقع، من حيث كون الأمارية هي علاج للتزاحم الحفظي بتقديم أقوى الاحتمالين و أهمهما، و معه يخرج الاحتمال عن المساواة، و يستحيل جعل الأمارة للاحتمال المساوي، إذ لو بقي احتمالًا مساوياً إذاً لما حصل علاج للتزاحم الحفظي، و الشيخ الأنصاري (قده) عند ما ذكر أنّه لا يعقل جعل الأمارية للاحتمال المساوي، فكأنّه ارتكازاً يعيش نفس الفرق الذي ذكرناه و إن لم يأتِ بمثل هذه الصياغة.

و قد اتضح من ذلك، أنّ هناك خاصتين للأمارات في مقابل الأصول، قد سلبتا على ضوء بيان الفرق بين الأمارات و الأصول، بعد أن حوّل بيان الامتياز من عالم اللب و الواقع إلى عالم الإنشاء و الصياغة.

أمّا الخاصية الأولى فهي: أنّ مثبتات الأمارة حجّة بخلاف مثبتات الأصل.

و أمّا الخاصية الثانية فهي: عدم إمكان جعل الشك أمارة و موضوعاً للتعبد الأماري، بينما يعقل جعله أصلًا.

و هاتان الخاصيتان واضحتا التخريج بناء على طريقتنا من التمييز بين الأمارات و الأصول.

إلّا أنّه بناء على تفسير الميرزا (قده) من جعل الطريقية و الكاشفية في الأمارة، و التعبد بالجري العملي في الأصل، فإنّ هذا مجرد فرق لساني لا تثبت بمقتضاه الخاصيتان المتقدمتان على ما عرفت في مناقشتنا له.

28

و هناك خلط ثالث أيضاً و هو أنّ خاصية مقام الإثبات سوف تنسب إلى مقام الثبوت.

و توضيحه هو: أنّه بعد أن بيّن في كلماتهم الفرق بين الأمارات و الأصول بهذا البيان الذي عرفته، ادّعي أنّه من نتائجه حكومة الأمارة على الأصل، لأنّ الأصل أخذ في موضوعه الشك و عدم العلم، و الأمارة جعلت علماً بحكم الشارع، إذاً، فيرتفع موضوع الأصل بها، فكأنّه جعل هذا من خصائص الأمارة، بينما في الحقيقة، أنّ حكومة الأمارات على الأصول هذا شأن مقام الإثبات، لا شأن مقام الثبوت و اللب و الجوهر، لأنّ الحكومة معناها الجمع العرفي بين دليلين بجعل أحدهما مقدّماً على الآخر بوجه من الوجوه، إمّا بالورود، أو بالحكومة، فهنا إذا صحّ و ثبت أنّ دليل حجية الأمارة يكون حاكماً على دليل الأصل بهذا البيان، فهذا ليس بسبب واقع أمارية الأمارة، و أصلية الأصل، بل بسبب طرز اللسان، لأنّ لسان جعل الحجية، جعل الطريقية و العلمية، و إلّا لو بدّل بلسان آخر، كما لو كان بدلًا من أن يقال: (خبر العادل علم)، يقال: (يجب العمل بخبر العادل)، فهنا لا تبقى حكومة، مع أن جوهر الحكومة من ناحية الحكم الظاهري غير مختلف، إذاً، فحاكمية دليل حجية الأمارة على دليل الأصل ليس باعتبار جوهر الأمارة، و جوهر الأصل، و إنّما هو باعتبار طرز لسان مخصوص في الأمارة أو في الأصل، و إلّا لو تغيّر هذا الطرز من اللسان لزالت الحكومة، و لهذا فإنّ جوهر الأمارة باقٍ على أماريته، و جوهر الأصل باقٍ على أصليته، و لو قال الشارع: (كل شي‏ء حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه وجداناً)، فحينئذٍ أيضاً ترتفع حكومة الأمارة، لأنّ الأمارة ليست علماً وجدانياً بل هي علم تعبدي.

29

و بناء عليه: فأصلية الأصل، و أمارية الأمارة غير متقومة بقوانين الجمع العرفي بين الدليلين بما هما دليلان في مقام الإثبات.

الوجه الثاني: و هذا الوجه أيضاً ناظر إلى عالم الإنشاء و الجعل كالوجه الأول، و ذلك بأن يقال: إنّ الشك يؤخذ موضوعاً في الأصل العملي عند جعل الشارع له، و لكنّه لا يؤخذ في موضوع حجية الأمارة عند جعل حجية الأمارة.

و هذا الفرق صحيح، و ذلك لأنّه مضافاً إلى أنّه لا يفي بتفسير خواص الأمارة المفروضة سابقاً في مقابل الأصل، فإنّه غير معقول في نفسه، لأنّ عدم أخذ الشك في موضوع حجية الأمارة يستلزم الإطلاق، لأنّ عدم التقييد مع إمكان السريان يساوق مع الإطلاق لا محالة، و إذا كان قد وقع الإشكال أحياناً في عدم مساوقة عدم التقييد للإطلاق، فإنّما كان ذلك في المورد غير القابل للتقييد، لا في المورد القابل، كما في ما نحن فيه، فإنّ هذا لم يقع فيه إشكال مساوقة عدم التقييد للسريان و الإطلاق، و حينئذٍ يكون معنى عدم عدم تقييد الأمارة بالشك، كون حجيتها مجعولة على نحو الإطلاق، بحيث تشمل حتى العالم، و مثل هذا الشمول غير معقول، إذاً، لا بدّ من الالتزام بالتقييد، و من هنا اضطر بعضهم إلى التعبير بالموردية، فقيل: إنّ الشك أخذ موضوعاً في الأصل، و أخذ مورداً في حجية الأمارة.

إلّا أنّ هذا الكلام لا محصّل له، لأنّنا نفهم من أخذ الشك مورداً في حجية الأمارة إلّا فرض وجوده، فإن كان فرض وجوده، فهذا هو التقييد، سمّي (بالموضوع، أو بالمورد)، و إن كان لم يفرض وجوده، فهذا معناه عدم التقييد المساوق للإطلاق، و قد عرفت عدم معقوليته، إذاً، فافتراض جعل حكم ظاهري غير مقيّد بالشك غير

30

معقول، مضافاً إلى ما أشرنا إليه، من أنّ هذا الوجه لا يفي بنكتة الفرق بين الأصل و الأمارة، إذ لو أنّ الشارع جعل حجية خبر العادل، و أخذ في موضوعها الشك، فهل تصير يا ترى أصلًا عملياً لمجرّد ذلك؟ فمثل هذا أيضاً غير معقول إزاء ما يترتب عليه، إذاً فهذا الوجه غير صحيح.

الوجه الثالث: هو تحويل الفرق بين الأمارة و الأصل من مقام الإنشاء و الجعل إلى مقام الإثبات و الدلالة، و هذا أكثر بعداً عن روح الواقع من الوجهين السابقين.

و حاصله: بأن يقال: إنّ الدليل إن أخذ في موضوعه الشك كما في قوله: (لا تنقض اليقين بالشك)، فهذا يكون أصلًا عملياً، و إن لم يؤخذ في موضوعه الشك، فهذا يكون أمارة، من قبيل مفهوم: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ... فإنّه لم يؤخذ في موضوعه الشك.

و هذا الوجه يشبه الوجه الثاني من حيث أخذ الشك في موضوع الأصل، و عدم أخذه في موضوع الأمارة، و لكن يخالفه في أنّ هذا الوجه ناظر إلى أخذ الشك و عدم أخذه في مقام البيان و في لسان الدليل، بينما في الوجه الثاني كان أخذه و عدم أخذه في عالم الإنشاء و الجعل.

و نحن كنّا نستشكل على الوجه الثاني: بأنّه لو لم يؤخذ الشك في موضوع الأمارة في عالم الجعل و الإنشاء للزم منه جعل حجية الأمارة مطلقاً، بحيث تشمل (العالم) مع أنّ ثبوت ذلك بالنسبة إلى العالم أمر غير معقول.

فهذا الإشكال لا يرد على هذا الوجه، لأنّ المقصود من عدم أخذ الشك في موضوع الأمارة، يعني: عدم أخذه في لسان الدليل،

31

لا في واقع الجعل و الإنشاء، كأن يقول: (صدّق العادل)، بينما دليل الاستصحاب يقول: (إن كنت على يقين فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك)، و إن كان بحسب عالم الجعل قد أخذ الشك في موضوع كل من الأصل و الأمارة.

و هذا الوجه غير صحيح، لأنّه من الواضح أنّه صرف للنظر من عالم اللب و الواقع إلى عالم القشر و التعبير، إذ هذا مجرّد اختلاف في نوع اللسان و نحو اللفظ الوارد في لسان الدليل، و مثل هذا لا يغيّر من واقع كون أنّ هذا أمارة، و كون أنّ ذاك أصل، فمثلًا: لو فرضنا أنّ دليل حجية خبر العادل استفيد من آية: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏)، فقد أخذ في موضوع هذه الحجية عدم العلم، كما أخذ في موضوع أصالة البراءة عدم العلم في قول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (و رفع ما لا تعلمون) فهل يمكن أن يقال: إنّ خبر العادل المستفاد من مثل آية الذكر يكون أصلًا، لأنّه أخذ في موضوعه عدم العلم، بينما خبر العادل الذي يستفاد من آية النبأ: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، يكون أمارة، لأنّه لم يؤخذ في موضوعه عدم العلم؟ فإنّ مثل هذا لا يقول به أصولي، إذاً، اختلاف المدرك، و تغاير التعبير لا دخل له في أمارية الأمارة، و أصليّة الأصل.

إذاً، فهذا الوجه عاجز عن تفسير خاصية كل من الأمارة و الأصل من حيث آثارهما كما عرفت.

نعم، هذا الوجه، من أنّ الشك لم يؤخذ في دليل الأمارة إثباتاً، بينما أخذ في دليل الاستصحاب، قد يعالج مشكلة تبتلي بها مدرسة الميرزا (قده) في مقام توجيه، أنّه كيف يكون دليل الأمارة حاكماً على دليل الاستصحاب، مع أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ المجعول في دليل‏

32

الاستصحاب هو الطريقية كالمجعول في باب الأمارة، و حينئذٍ، لما ذا يكون دليل الأمارة حاكماً على دليل الاستصحاب، و لم يكن دليل الاستصحاب حاكماً على دليل الأمارة، مع أنّ كلًا منهما كان المجعول فيه هو الطريقية، و كل منهما صالح لأن يرفع الشك من موضوع الآخر؟

حينئذٍ، هنا يمكن إبراز هذا الوجه بأن يقال: إنّ دليل حجية الاستصحاب أخذ في موضوعه الشك بحسب مقام الإثبات و عدم العلم، فيكون دليل حجية الأمارة باعتباره يجعل الأمارة علماً رافعاً لموضوع دليل الاستصحاب و لا عكس، لأنّ دليل (صدّق العادل) لم يؤخذ في موضوعه الشك إثباتاً، فلا يكون دليل الأصل رافعاً لموضوع دليل الأمارة.

نعم، العقل يحكم لا محالة، بأنّ دليل الأمارة لا يبقى على إطلاقه، بل لا بدّ من رفع اليد عنه في حالات وجود العلم الوجداني، و الأصل ليس علماً وجدانياً، كما سيأتي التعرّض لهذا البحث و مناقشته في محله إن شاء الله.

هذا تمام الكلام في تفسير و تحليل الفرق بين الأمارات و الأصول العملية المجعولة شرعاً.

المقدمة الثالثة: في التمييز بين الأصول العملية العقلية و بين مجموع الشرعيات من أصول عملية و أمارات.

فقد لاحظنا فيما سبق أنّ الأصول العملية الشرعية خطابات يصدرها الشارع في مقام علاج التزاحم بين أغراضه الواقعية في مقام الحفظ، و ذلك بأن يتحفظ بخطاب ظاهري عند الخلط و الاشتباه، و من هنا كان الأصل العملي إعمالًا تشريعياً من قبل المولى.

33

و أمّا الأصول العملية العقلية، كقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، أو (أصالة الاحتياط)، فهذه الأصول العملية العقلية ليس مرجعها إلى ذلك، لأنّ العقل ليس مشرعاً، و ليس له إعمال المولوية كما هو واضح، إذ ميدان التزاحم بين الأغراض الواقعية في مقام الحفظ شأن المولى، و ليس شأن العبد و عقله، نعم، العبد ليس له إلّا تشخيص ما يقتضيه رسم العبودية في مقام الامتثال و ما يستوجبه حق الطاعة.

إذاً فالأصول العملية العقلية أجنبية عن علاج باب التزاحم الحفظي، و إنّما هي ناظرة إلى إدراك صدور حق الطاعة للمولى على العبد، فحينما يكون الأصل العملي العقلي متكفلًا لإطلاق العنان من قبيل قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فهذا ليس معناه ترجيح غرض على غرض، بل معناه أنّ العقل يرى أنّ المولى ليس له حق الطاعة في التكاليف التي لم يتم عليها البيان، و مع عدم الحق يقبح حينئذٍ العقاب عليه.

كما أنّ مرجع أصالة الاحتياط في مورد حكم العقل بمنجزية الاحتمال، إلى أنّ المولى له حق الطاعة على العبد بهذا النحو من الوصول الاحتمالي، كالشك قبل الفحص، فترك الفحص حينئذٍ يكون موجباً للإدانة

إذاً، فالأصول العملية العقلية مرجعها إلى مرحلة متأخرة عن المرحلة التي تعالجها الأصول العملية الشرعية، لأنّها ناظرة محضاً إلى عالم الامتثال، و بصدد تشخيص مقدار حق الطاعة و ثبوته أو نفيه، و بهذا كانت الأصول العملية الشرعية فضلًا عن الأمارات مقدمة و واردة على الأصول العملية العقلية، لأنّ الأصول العملية الشرعية

34

تعتبر من متطلبات المولى، و تحدد كيفية الإلزام من قبله، و هذا روح الفرق بين الأصول العملية العقلية، و الأصول العملية الشرعية.

المقدمة الرابعة: في بيان الفرق بين قسمي الأصول العملية الشرعية،

أي بين الأصول العملية الساذجة، و بين غير الساذجة، أي التنزيلية.

أو قل: إنّهم قسّموا الأصول العملية الشرعية إلى أصول غير محرزة و غير تنزيلية، و أصول محرزة تنزيلية.

و قد مثّلوا للأول منها بأصالة الطهارة و البراءة. و مثلوا للثاني، بالاستصحاب أو بقاعدة الفراغ و نحو ذلك، و حينئذٍ يكون البحث في هذه المقدمة حول ميزان الفرق بين هذين القسمين.

و قد تبنّى الميرزا (قده) إكمالًا لتصوره و جرياً على مسلكه في حقيقة الفرق بين الأمارات و الأصول على أساس مقام الإنشاء و عالم الجعل، و هنا أيضاً فرّق بلحاظ عالم الجعل و سنخ المجعول الإنشائي.

و خلاصة ما ذكره هو: أنّ اليقين له أربع حيثيات:

الحيثية الأولى: هي حيثية الاستقرار و الثبات، في مقابل التذبذب و عدم الثبات.

الحيثية الثاني: هي حيثية الكاشفية و الحكاية.

الحيثية الثالثة: هي حيثية البناء و الجري العملي على طبقه.

الحيثية الرابعة: هي حيثية التنجيز و التعذير.

أمّا الحيثية الأولى من هذه الحيثيات، فهي مخصوصة باليقين‏

35

الوجداني، و لا يمكن تعميمها إلى التعبدي، لأنّها من الخصوصيات التكوينية، فلا تنتج تعبداً و جعلًا.

و أمّا الثانية، فهي من شئون تنزيل الأمارة منزلة العلم، إذ قد عرفت فيما سبق أنّها مجعولة في الأمارات، لأنّها نزلت منزلة العلم في الطريقية و الكاشفية.

و أمّا الثالثة، فهي من شئون الاستصحاب و الأصول التنزيلية جعلًا.

و أمّا الرابعة، فهي من شئون الأصول العملية غير التنزيلية، و لكن لا ابتداء، لأنّه غير معقول عند الميرزا (قده) كما تقدم، و إنّما بتوسط حكم شرعي ظاهري فيها يستتبع التنجيز و التعذير دون العقليين ابتداء، لأنّه لا يمكن جعلهما ابتداء عند الميرزا كما عرفت مسلكه في بحث القطع.

و التحقيق في المقام، هو أن يقال: إنّ هذا التقسيم للأصول العملية الشرعية إلى قسمين، تارة ينظر به إلى مقام الثبوت، كما كنّا ننظر إلى مقام الثبوت في التقسيم إلى الأمارات و الأصول، حيث ذكرنا سابقاً أنّ الفرق بينهما ليس بلحاظ ما هو المجعول لساناً، و إنّما هو بلحاظ ما هو المجعول لباً و روحاً، فهذا كان يتم هناك بمعالجة التزاحم بتقديم الأهم في مقام الحفظ، سواء كان بلحاظ الأهم احتمالًا، فيكون أمارة، أو الأهم محتملًا، فيكون أصلًا، إلّا أنّه يمكن أن يكون الترجيح بلحاظ مجموع الأمرين، الأهم احتمالًا و محتملًا، فمثلًا: في قاعدة الفراغ، ما احتملت فيه الصحة و البطلان، فابني على الصحة، فهنا كلا الأمرين ملحوظ، أمّا كون قوة الاحتمال ملحوظة، فباعتبار أنّ الشارع جعل الفراغ من العمل أمارة على سلامة

36

ذلك العمل، لأنّه قال: (إنّك حين العمل أذكر منك حين الشك)، و لهذا لم يجرِ قاعدة الصحة فيما لو شك في أثناء العمل، و في نفس الوقت نوعية المحتمل ملحوظة، إذ من الواضح أنّ كل احتمال قوي يؤخذ بهذا المعنى، إذ لو علم المكلّف أنّه حين العمل كان غافلًا، فلا تجري قاعدة الفراغ، و هذا بخلاف أصالة الطهارة، و البراءة، فإنّه لا أثر لقوّة الاحتمال إن وجد أو لم يوجد، و لذلك كان أصلًا عملياً غير محرز، بخلاف ما لو كان الملحوظ فيه كلا الأمرين، فإنّه يكون أصلًا عملياً تنزيلياً.

فهذه التفرقة ترجع إلى عالم الروح و الجوهر بقطع النظر عن الصياغة الإنشائية.

و تارة أخرى ينظر في مقام تقسيم الأصول العملية إلى قسمين، ينظر إلى مقام الإثبات، فحينئذٍ نقول:

إنّ الأصل العملي غير المحرز هو، ما يتكفل بلسان من ألسنة الإنشاء التعذير و التنجيز من دون عناية تنزيل، أو يفرض عناية تنزيلية.

و العناية التنزيلية لها وجهان:

الوجه الأول: هو أن يكون تنزيلًا للمؤدى منزلة الواقع.

الوجه الثاني: هو أن يكون تنزيلًا للاحتمال منزلة اليقين.

و أمّا الأصل العملي التنزيلي فله وجهان على ما عرفت، بخلاف الأصل العملي غير التنزيلي.

فمثلًا: أصالة الحل، تارة يقتصر الشارع على إنشاء حليّة ظاهريّة، و إنشاء جعل إطلاق عنان ظاهري من دون أن يتعبّدنا بالإباحة

37

الواقعية، و الحلية الواقعية، كما في قوله: (الناس في سعة ما لم يعلموا)، بناء على وجود رواية من هذا القبيل، فإنّ مفاد هذا الكلام إنشاء السعة خارجاً و ظاهراً، من دون استبطان ذلك تعبداً بالإباحة الواقعية، فهذا أصل عملي بحت و صرف، و ليس بتنزيلي.

و تارة أخرى يجعل أصالة الإباحة، و لكن بلسان التعبد بالحلية الواقعية، و ذلك بأن يقول: (أ تعبدك بأنّ كل شي‏ء لا تعرف حرمته فهو حلال واقعاً)، فيكون مفاد أصالة الحل التعبد بالحلية الواقعية لا جعل الحلية الواقعية، فإنّ هذا خلف بوجه من الوجوه، و هذه عناية إضافية يعتبر الأصل بلحاظها أصلًا تنزيلياً، لاشتماله على تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع، أو أنّه أصل محرز كأنّه أثبت لنا الواقع بتلك العناية التنزيلية.

و قد يتبادر إلى الذهن فيقال: إنّ هذا الاختلاف لا أثر عملي له، لأنّ المقصود من الأصل العملي، (أصالة الإباحة) مثلًا، المعذريّة و إطلاق العنان، و المعذرية تترتب على كل من اللسانين بلا فرق فيما بينهما، سواء قال: (الناس في سعة ما لم يعلموا)، أو قال: (كل شي‏ء لا تعلم حرمته فهو حلال)، فأيّ فرق أو أثر للفرق بين هذين اللسانين؟

و يجاب: بأنّه قد يقع آثار للفرق ما بين هذين اللسانين في الفقه، و ذلك لأنّ الأصل الذي بذلت فيه هذه العناية، و إن كان يشاركه غيره في هذه العناية، و لكن تمييز هذا عن غيره، في أنّه يمكن أن نتعبّد و نثبت به آثار الإباحة الواقعية الأخرى فيما لو فرض أنّها كانت موضوعاً لأثر شرعي، حينئذٍ بالأصل التنزيلي يمكن أن نثبت ذلك الأثر الشرعي، بينما بأصل الإباحة غير التنزيلي لا يمكن أن نثبت ذلك الأثر الشرعي الذي جعل على أصل الإباحة غير التنزيلي.

و نوضّح ذلك بمثال من الأمثلة و هو: أنّه دلّ الدليل في الفقه‏

38

على أنّ ما لا يؤكل لحمه فمدفوعه كبوله مثلًا، نجس لأنّه قد ورد: (اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه)، فهنا أخذت حرمة أكل لحم الحيوان موضوعاً لحكم شرعي، و هو نجاسة المدفوع، و بالمقابل أخذت حلية لحم الحيوان موضوعاً لطهارة المدفوع، و هذه الحلية فيها ثلاثة احتمالات.

الاحتمال الأول: هو أن تكون هذه الحلية معرّفة و مشيرة إلى الأصناف الواقعية التي حكم الشارع بحليتها، بمعنى أنّها مشيرة إلى الغنم مثلًا بما هو غنم، و إلى البقر بما هو بقر، و هكذا، و هذه الحلية بما هي حلية ليست موضوعاً للحكم، و إنّما هي مجرد مشير و معبّر عن العناوين التكوينية للحيوانات التي حكم الله تعالى بحليتها، (كالبقر، و الغنم، و الإبل و هكذا)، فكأنّه يقال: الغنم مدفوعه طاهر.

الاحتمال الثاني: هو أن تكون الحلية مأخوذة على نحو الموضوعية بما هي حلية، يعني: أنّ الحكم بطهارة المدفوع مترتب شرعاً على حكم شرعي بحلية لحكمه، فكأنّ هذا الحكم وقع موضوعاً لذلك الحكم، و يراد بالحلية التي وقعت موضوعاً للطهارة الإباحة الواقعية و الحلية الواقعية.

الاحتمال الثالث: هو أن تكون الحلية أخذت على وجه الموضوعية، و لكن أريد بها جامع إنشاء الحلية الأعم من الحلية الواقعية و الظاهرية، فكل ما يكون الإنسان مطلق العنان اتجاهه، فبوله و مدفوعه طاهر، سواء كان بجعل واقعي أو بجعل ظاهري.

و هذه الاحتمالات الثلاثة هي ما يتبادر في بادئ الأمر، إلّا أنّه بعد التمحيص يبطل بعضها.

و حينئذٍ إن استظهرنا الاحتمال الثالث فلا تظهر ثمرة بين الأصل‏

39

التنزيلي لأصالة الإباحة، و الأصل غير التنزيلي لها، إذ على كلا التقديرين يترتب عليه طهارة المدفوع، لأنّ طهارة المدفوع، موضوعه الواقعي هو: جامع الإباحة الأعم من الإباحة الواقعية و الظاهرية، لأنّ الظاهرية متحققة على كل حال بأصالة الإباحة، سواء كانت تنزيلية فيكون دليل أصالة الإباحة وارداً على دليل طهارة المدفوع، يعني: أنّه يحقق مصداقاً حقيقياً بالتعبد لموضوع دليل طهارة المدفوع، لأنّ الحلية الظاهرية موجودة على أي حال.

كما أنّه لو بنينا على الاحتمال الأول، فأيضاً لا تظهر ثمرة بين الأصلين، لأنّه على كلا الوجهين، بأصالة الإباحة لا يتنقّح موضوع للحكم بالطهارة، لأنّ موضوع الحكم بالطهارة بناء على الاحتمال الأول هو عناوين (البقر و الغنم إلخ)، لا الحلية بما هي حلية، و بأصالة الإباحة حتى لو كانت تنزيلية لا يمكن أن نثبت بقرية أو غنمية مشكوك البقرية و الغنمية.

و أمّا لو بنينا على الاحتمال الثاني، فحينئذٍ تظهر الثمرة، فإنّه إذا كان الأصل غير تنزيلي فأصالة الإباحة التي نجريها في لحم الحيوان لا تفيد في نفسها في إثبات طهارة المدفوع، بل نحتاج إلى أصل آخر من قبيل أصالة الطهارة، و ذلك لأنّ طهارة المدفوع موضوعها الإباحة الواقعية، و هي غير ثابتة لا وجداناً، لأننا شاكّون، و لا تنزيلًا، لأنّ المفروض أنّ لسان أصالة الإباحة خالٍ من التنزيل.

و أمّا إذا كان الأصل تنزيلياً، فحينئذٍ يترتب عليه طهارة المدفوع، لأنّ موضوع الطهارة يكون ثابتاً في المقام ببركة هذا التنزيل.

ثمّ إنّ هذا التنزيل يكون بأحد نحوين في هذه المسألة:

النحو الأول: هو أن يكون المقصود منه التعبد بثبوت الحلية

40

الواقعية، (بأن يكون لسانها لسان التعبد بالحلية الواقعية)، فحينئذٍ يكون هذا الأصل التنزيلي محرزاً لطهارة المدفوع ظاهراً لا واقعاً، لأنّ طهارة المدفوع تابعة واقعاً لإباحة اللحم واقعاً، غاية الأمر بأصالة الحل عبّدنا الشارع بثبوت هذه الإباحة الواقعية ظاهراً، فما دام الحال غير مكشوف نرتب آثار الحلية و إن كان لعلّه حرام في الواقع، و مدفوعه نجس، و أمّا لو تبيّن الحال و كان مخالفاً للواقع فنرفع اليد عنه، لأنّ هذه الأصالة حاكمية ظاهرية.

النحو الثاني: هو أن يكون لسان التنزيل، تنزيل الإباحة الظاهرية منزلة الإباحة الواقعية، بأن يقول: (أنشأ لك إباحة ظاهرية، و أنزل هذه الإباحة منزلة الإباحة الواقعية)، و هذا التنزيل يكون تنزيلًا واقعياً، و معناه: أنّه يوسّع دليل طهارة المدفوع، و تكون حاكمية أصالة الإباحة على دليل طهارة المدفوع حاكمية واقعية ليس لها كشف الخلاف.

و على أساس الفرق بين هذين النحوين من الحكومة فرّق صاحب الكفاية (قده) في بحث الإجزاء بين الحكم الظاهري الأمارة، و الحكم الظاهري الأصل كأصالة الإباحة حيث قال: إنّ العمل على طبق الأمارة إذا كانت مخالفة للواقع لا يجزي، و لكن العمل على طبق الأصول من قبيل أصالة الطهارة إذا كان مخالفاً للواقع يجزي بناء على دعوى: أنّ التنزيل المستفاد من دليل حجية الأمارة كان باللسان الأول،- يعني: بلسان التعبّد و التنزيل المستفاد من دليل الأصل هو اللسان الثاني؛ أي تنزيل غير الموضوع الواقعي منزلة الموضوع الواقعي، فحكم في الأخير بالإجزاء، لكونه من الحكومة الواقعية، بخلاف الأمارات.

و من الواضح أنّ عناية اللسان الثاني، أي عناية التنزيل أشدّ من‏

41

عناية اللسان الأول، لأنّها تحتاج إلى عناية إضافية في دليل الأصل، لأن مرجع هذه العناية إلى حليتين جعليتين:

الحلية الأولى: هي جعل الحكم الظاهري.

الحلية الثانية: هي عملية تنزيل الإباحة الظاهرية منزلة الإباحة الواقعية.

و هذان الأمران طوليان، أحدهما يحقق موضوع الآخر، بينما اللسان الأول ليس فيه هذا التعقيد المركب، لأنّه يعبّدنا بالإباحة الواقعية، لا أنّه يجعل لنا إباحة ظاهرية ثم ينزلها منزلة الإباحة الواقعية و لذلك فإنّ منصرف الدليل فيما كان المتفاهم منه التنزيل هو: اللسان الأول.

و لا شك أنّ الاحتمال الثالث ساقط جزماً، و لا يبعد استظهار الاحتمال الأول من الاحتمالين الباقيين، كما حققه في الفقه في بحوث العروة الوثقى، و هذا الذي ذكرناه كان بناء على تنزيل المؤدى (أي الاحتمال) منزلة الواقع.

و أمّا بناء على تنزيل المؤدّى الاحتمال منزلة اليقين، بأن نقيم الأصل، أو أحد أركانه، مقام العلم و اليقين، إمّا في الحكاية و الكاشفية، و لا يكون بذلك أمارة بناء على ما ذكرناه في الفرق بين الأمارات و الأصول، من أنّه فرق جوهري بلحاظ قوة المحتمل، أو الاحتمال، و أنّه ليس الفارق في عالم الإنشاء و الصياغة، أو بإقامته مقامه بلحاظ الجري العملي على ما ذكره الميرزا (قده).

و كيفما كان، إذا بذلت هذه العناية، كان اللسان تنزيلياً، و قد يسمّى بالأصل المحرز.

42

و المصداق الذي وقع البحث حول هذه العناية فيه هو: الاستصحاب، (لا تنقض ( (1)) اليقين بالشك)، بناء على أنّه يستظهر من دليل الاستصحاب، التعبد ببقاء اليقين بالحالة السابقة، و أنّه غير منقوض بالشك، و لهذا: فإنّ من سلك مسلك الميرزا (قده) في الفرق بين الأمارات و الأصول بأنّ الأمارات أخذت على نحو الحكاية و الكاشفية، و الأصول أخذت بلحاظ البناء و الجري العملي خارجاً سمّى الاستصحاب أمارة، لأنّه قال: بأنّ الملحوظ في الاستصحاب الحكاية و الكاشفية، و إن كان نفس الميرزا (قده) لا يرى ذلك، بل يرى أنّ المأخوذ فيه هو البناء و الجري العملي خارجاً، و قد عرفت سابقاً أنّ أمارية الأمارة ليست بهذه الخصوصيات، أي بأن يكون لها الحكاية و الكاشفية.

و أمّا لو كان التنزيل بلحاظ العناية الثانية، أي بإعطاء صفة اليقين للأصل، أو لأحد أركانه، و أثر هذه العناية هو: أنّه لو قيل بقيام اليقين التعبدي مقام القطع الموضوعي، فحينئذٍ بإعطاء صفة القطع و اليقين لمفاد الأصل، سوف يترتب عليه آثار القطع الموضوعي، و هذه الفائدة الكلية يمكن أن نبحث تطبيقين لها:

التطبيق الأول: هو أنّه بناء على ذلك تتقدم الأصول التنزيلية على غير التنزيلية و تكون حاكمة عليها، فمثلًا: أصالة الإباحة أو البراءة ليست أصلًا تنزيلياً و لم يعط صفة اليقين، و أمّا لو قيل: بأنّ الاستصحاب بذلت فيه عناية و أعطي مورده صفة اليقين، بحيث تعبّدنا الشارع ببقاء اليقين في حالة الشك، فسوف يكون الاستصحاب مقدماً

____________

(1) الوسائل: أبواب نواقض الوضوء.

43

و حاكماً على أصالة البراءة، أو الإباحة سواء كان دليلهما تنزيلياً بلحاظ العناية الأولى أو لم يكن، لأنّه حتى مع إعمال العناية الأولى في أصالة الإباحة أو البراءة، فإنّ هذا الأصل مع ذلك لا يكون حاكماً و رافعاً لموضوع الاستصحاب، لأنّه لا يرفع الشك و لا يحقق اليقين بالانتقاض الذي جعل غاية لجريان الاستصحاب: (لا تنقض اليقين بالشك و لكن انقضه بيقين مثله).

و هذا التطبيق صحيح بناء على تمامية مبناه، بناء على الفراغ عن أنّ الحكومة حتى في صورة اليقين التعبدي بثبوت مقام القطع الموضوعي.

التطبيق الثاني: هو أنّه قد يتخيل أنّ الأصل إذا كانت تنزيلياً بالعناية الثانية لا يكون دليل الأمارة حاكماً عليه، و ذلك لأنّ الأمارة، امتيازها الذي جعل لها الحاكمية على الأصل، أنّها علم تعبدي يرتفع به موضوع دليل الأصل، فإذا فرضنا أنّ الأصل أصبح علماً تعبداً، فيرفع بذلك موضوع الأمارة، فحينئذٍ لا ميزة لدليل الأمارة على دليل الأصل، و لا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، و لعلّ هذا هو الذي دفع الميرزا (قده) إلى التمييز بين اليقين التعبدي المجعول في باب الأمارة، و المجعول في باب الأصول التنزيلية، فقال: (ما كان في باب الأمارة، و المجعول في باب الأصول التنزيلية، فقال: (ما كان في باب الأمارة، فإنّ مجعول بلحاظ الكاشفية و الطريقية، بخلافه في باب الأصل، فإنّه مجعول بلحاظ البناء و الجري العملي).

و هذه التفرقة تظهر ثمرتها هنا، لأنّها تستوجب تقديم الأمارة على الأصل التنزيلي و لا عكس، لأنّ الأمارة جعل فيها اليقين بلحاظ الكاشفية و الطريقية بخلافه في الأصل، إذاً، فيرتفع بالأمارة موضوع الأصل تعبداً، و لا يرتفع موضوع الأمارة بالأصل، و بمثل هذا التمييز يمكن أن ندفع هذا الإشكال.

44

و لكن بناء على هذا التصور تبطل حاكمية الأصل التنزيلي على الأصل غير التنزيلي الذي كان هو التطبيق الأول، لأنّه بناء على هذا، فالحاكمية تكون بلحاظ الكاشفية و الطريقية، و قد فرضنا أنّه بناء على مبنى الميرزا، أنّ الأصل مجعول لا على نحو الكاشفية و الطريقية.

إلّا أنّ ما ذكره الميرزا (قده) من أنّ المجعول في الأصول التنزيلية هو اليقين بلحاظ البناء و الجري العملي، خلاف ظاهر أخذ العلم غاية في أصالة الحل مثلًا، حيث قال: (

كل شي‏ء حلال حتى تعرف الحرام بعينه‏

)، فظاهر الدليل أنّ الغاية هي العلم بالحرمة بلحاظ كاشفيته و طريقيته، لا بلحاظ مجرد البناء و الجري العملي الخارجي، إذ لو لم يكن الأصل التنزيلي كذلك لم يكن مغنياً و مقدّماً على الأصل غير التنزيلي.

و من هنا وجد اتجاه آخر في مدرسة الميرزا (قده) تقول: بأنّ المجعول في الأصول التنزيلية اليقين بتمام المعنى بلحاظ الكاشفية و الطريقية، و بهذا تتم حاكمية الأصل التنزيلي على غير التنزيلي.

و أمّا مشكلة حاكمية الأمارة على الأصل فقد تمّمت عندهم ببناء آخر، حاصله هو:

إنّ المجعول في كل من الأمارة و الأصل شي‏ء واحد حتى إنّهم سمّوا الأصل التنجيزي أمارة، و مع هذا فإنّ الأصل التنزيلي لا يرفع موضوع الأمارة، لأنّ دليل الأصل أخذ في موضوعه الشك إثباتاً عنوان الشك، فمثلًا: دليل الاستصحاب الذي هو صحيحة زرارة: (إذا كنت على يقين من وضوئك فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً) ( (1))، و هذا بخلاف دليل حجية الأمارة، فإنّه يقول: (خبر

____________

(1) الوسائل: باب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

45

الثقة علم و يقين)، فبهذا يكون حاكماً و رافعاً لموضوع الأصل، بخلاف الأصل فإنّه لا يكون رافعاً لموضوع الأمارة، لأنّه لم يؤخذ في موضوعها الشك، لأنّ دليلها مفهوم آية النبأ، أي (إذا لم يأتكم الفاسق بالنبإ فلا تتبيّنوا)، فلم يؤخذ في موضوعها الشك، و إنّما العقل حكم باستحالة شمول دليل الأمارة لحالة العلم و القطع، لأنّه ليس وراء القطع شي‏ء، و لو لا هذا المخصص العقلي لقلنا: بأنّ خبر الواحد حجة حتى في حق من يعلم بكذبه، لأنّه لم يؤخذ في موضوع الحجية الشك، و المخصص العقلي الذي يخرج القطع من دليل حجية الأمارة إنّما هو ما كان قطعاً وجدانياً، و أمّا غيره فهو باقٍ تحت إطلاق دليل الحجية، و الأصل التنزيلي لا يوجب لنا قطعاً وجدانياً، إذاً، فلا يكون رافعاً لموضوع دليل الأمارة، فبهذا خرّج تقديم دليل الأمارة على الأصل، مع أنّ المجعول فيهما واحد.

و لكن قد أشرنا فيما سبق إلى أنّ هذا الكلام مجرّد افتراض و ليس منطبقاً على الواقع الخارجي، لأنّ دليل حجية الأمارة كما يمكن افتراضه بدون أخذ الشك في موضوعه كما هو الحال في مفهوم آية النبأ، فأيضاً يمكن افتراضه قد أخذ الشك في موضوعه كما لو كان دليله آية الذكر: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ*)، و سيأتي تفصيل ذلك في بحث تقديم الأمارات على الأصول إن شاء الله تعالى.

المقدمة الخامسة: في بيان أسباب تحديد الأصوليين للأصول العملية بالبراءة و الاشتغال، و التخيير، و الاستصحاب،

مع أنّ هناك أصولًا أخرى.

و إذا أردنا أن نجيب على هذا التساؤل جواباً واقعياً تاريخياً،

46

فسوف نجد أنّ السبب هو أنّ بحث الأصول نشأ عند علماء الأصول تحت عنوان الدليل العقلي، حيث ذكر تحته البراءة و الاشتغال و الحظر و التخيير و نحو ذلك، باعتبار أنّ هذه الأمور ذات جذور عقلية، حتى إنّهم عدّوا الاستصحاب أصلًا عقلياً و كانوا يستدلون عليه بالعقل، فلهذا السبب اقتصر على هذه الأمور لدخولها تحت الدليل العقلي، و أمّا أصالة الطهارة فحتى لو فرض أنّها أصل عملي متعارف، فبما أنّها لم يكن فيها إمكانية أن تكون أصلًا عقلياً، لم تدرج في شعبة الدليل العقلي.

و إذا أردنا أن نجيب عليه من الناحية الفقهية، فلا شك في أنّ أصولًا من قبيل قاعدة الفراغ، و الصحة، و التجاوز لم تدخل، لأنّها لا تجري في الشبهات الحكمية و أنّها خاصة في الشبهات الموضوعية، و ذلك خارج عن علم الأصول رأساً، لأنّ علم الأصول هو، العلم بالقواعد التي يستنبط بها حكم شرعي كلّي.

نعم، بالنسبة إلى أصالة الطهارة فإنّها و إن كانت جارية في الشبهات الحكمية و الموضوعية، إلّا أنّها ليست بقاعدة أصولية، لأنّنا قد اشترطنا في أصولية القاعدة أن تكون سيّالة في جميع أبواب الفقه، و لا تختص بباب دون باب، و هذا ما عبّرنا عنه بالعناصر المشتركة، و أصالة الطهارة لم يكن فيها هذه الصلاحية.

47

مباحث الحجج‏

أصالة البراءة

أقسام البراءة:

البراءة عقلية و شرعية

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

البراءة عقلي، و شرعية

أمّا البراءة العقلية، فهي من الأصول التي تكاد تكون مقررة بنحو إجماعي في العصر الثالث،

و هو العصر الذي يبتدأ بالوحيد البهبهاني (قده) و يستمر إلى يومنا هذا، و قد اكتسب هذا الأصل صيغة فنية تحت قاعدة عقلية عنوانها (قبح العقاب بلا بيان).

و في الحقيقة: إنّ هذه القاعدة شكّلت أحد الأسس الرئيسية للتفكير الأصولي في هذا العصر، و لذا استحكمت في الأذهان استحكاماً شديداً، و سبب ذلك هو: أنّ هؤلاء المحققين قد فصلوا من بداية الأمر بين أمرين:

الأمر الأول: هو مولوية المولى، و التي تعني حق الطاعة، حيث افترضوها مفروغا عنها قبل علم الأصول، و تصوروها بنحو لا تقبل الزيادة و النقصان، و إن سألتهم عن معناها قالوا: المولوية عبارة عن حق الطاعة في كل تكليف يصدر من المولى إذا تمّت عليه الحجة.

الأمر الثاني: هو الحجية، إذ جعلوا البحث فيها بحثاً وراء البحث في المولوية، فإنّ بحث المولوية مكانه علم الكلام، بينما بحث الحجية مكانه علم الأصول، و من هنا رتّبوا في الأصول قاعدتين:

50

القاعدة الأولى: تبيّن متى تقوم الحجة من قبل المولى على التكليف.

القاعدة الثانية: تبيّن متى لا تقوم الحجة منه على التكليف.

أمّا الأولى: فإنّه تقوم الحجية إذا حصل القطع للمكلف، و هذه الحجية ذاتية، و لا بدّ من انتهاء كل حجة إلى القطع، باعتبار أنّ كل ما بالعرض لا بدّ و أن ينتهي إلى ما بالذات، و لذلك فإنّ حجية القطع لا تحتاج إلى جعل جاعل، بل هي لازم ذاتي له بما هو قطع، و حيث لا ذات، إذاً، لا ذاتي، و هذه هي القاعدة الأخرى و التي تعني قبح العقاب بلا بيان.

و هكذا رجع أمر القاعدتين إلى قضية واحدة، منطوقها يقتضي القاعدة الأولى، و مفهومها يقتضي القاعدة الثانية.

و من هذا البيان يظهر أنّ الظن لا تعقل حجيته بنفسه، لأنّه لمّا لم يكن قطعاً، إذاً فقد دخل في المفهوم و قبح العقاب عليه، لأنّه ليس بياناً، و من هنا احتاجت حجيّته إلى جعل.

و لكن حينئذٍ تبرز مشكلة و إشكال، و هو أنّ جعل الجاعل كيف يجعل الظن حجة و منجزاً، رغم أنّه لا بيان فيه، أ وَ ليس ذلك تخصيصاً لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، مع أنّ أحكام العقل غير قابلة للتخصيص؟

و من هنا نشأت مسالك الطريقية و ما ترتب عليها من فروع في الأصول، حيث جاءت مدرسة الميرزا (قده) لتبيّن جعل الحجية للظن بنحو التخصيص في قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا بنحو التخصيص، فإنّ الشارع عند ما يجعل الحجية للظن، إنّما يعتبره علماً، و بذلك‏

51

يخرج عن مفهوم تلك القضية و يدخل في منطوقها، أي في القاعدة الأولى، و لكنّهم وقفوا في حيرة من كيفية جعل الحجية في غير الأمارات كما في موارد وجوب الاحتياط، لأنّ الجاعل قد يقول: جعلت الأمارة علماً، و لكن لا معنى لأن يقول: جعلت الاحتياط علماً.

و هذا ما دعا الشيخ الأنصاري (قده) للقول: بأنّ العقاب في موارد وجوب الاحتياط إنّما هو على الحكم الظاهري؛ أي على ترك الاحتياط لا على ترك الحكم الواقعي، لأنّ البيان تمّ على الحكم الظاهري لا على الواقعي.

و نحن نخالف هذا الطرز من التفكير بناء منّا على خطئهم في الفصل بين (المولوية و الحجية)، لأنّه بحسب التحليل، فإنّ البحث عن الحجية هو بحث عن حدود المولوية حقيقة، إذاً، هما مسألة واحدة، لأنّ المولوية عبارة عن حق الطاعة، و هذا حق يدركه العقل بملاك من الملاكات، كشكر المنعم، أو الخالقية، و هذا الحق له مراتب مختلفة، إذ كلّما كان ملاك هذا الحق آكد، كانت دائرة حق الطاعة أوسع، مثلًا: إذا فرضنا أنّ حق الطاعة ملاكه المنعمية، فحينئذٍ، لا إشكال في أنّه كلما كانت المنعمية أوسع كان حق الطاعة أوسع، و لذا نرى أنّ بعض مراتب المنعمية لا يترتب عليها حق الطاعة حتى مع العلم بالتكليف، كما لو كان المنعم هو الجار الأب مثلًا، و علمنا بتكليف منه لنا، فإنّ ما يحكم العقل بلزوم طاعته إنّما هو تكليف له دخل في تحقق شكره و ردّ الجميل له على نعمته، أمّا التكاليف التي ليس لها دخل في ذلك، فلا يحكم العقل بلزوم طاعته فيها، بينما بعض المراتب منها، لسعتها يحكم العقل بلزوم طاعته في التكاليف‏

52

المظنونة منها، بل و المشكوكة و المحتملة أيضاً عند ما تفرض بعض مراتب المنعمية بدرجة غير محدودة، فحينئذٍ العقل يدرك أنّ حق الطاعة لمثل هذا المنعم لا حدّ له، بحيث له حق الطاعة في كل ما نحتمله من تكاليف.

و هذا يعني أنّ العبد يجب عليه الحرص على تكاليف المولى، بحيث لا يضيع منها شيئاً، و ذلك لسعة دائرة المولوية باعتبار شدّة ملاكها.

و بهذا البيان ظهر أنّه ليس عندنا شيئان: أحدهما المولوية، و الآخر الحجية كما ذكروه، و إنّما عندنا مولوية فقط، و أنّه لها مراتب، لأنّه كلما كان ملاكها أشدّ كانت أوسع دائرة، و إنّ معنى حجية القطع هو أنّ مولوية المولى سنخ مولوية تستدعي منّا عقلًا التحفظ على كل ما نعلمه من تكاليفه، و معنى عدم حجية غيره هو أنّ مولوية المولى سنخ مولوية لا تستدعي منّا عقلًا أكثر من التحفظ على ما نعلمه من تكاليفه.

و هذا في الحقيقة تضييق لدائرة المولوية، و قد عبّر عن الأول بحجية القطع، و عن الثاني بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و بما ذكرناه، يظهر أنّ مرجع البحث في القاعدة إلى أنّ مولوية المولى يشمل التكاليف المشكوكة أم لا؟

و لا إشكال في أنّ المولويات العقلائية المعترف بها عقلائياً عادة، لا تكون دائرتها أوسع من حدود التكاليف المقطوعة، و من هنا ارتكزت قاعدة البراءة العقلية و إن لم تسمّ بهذا الاسم، و لكن مولوية الله سبحانه و تعالى هل يصح قياسها على هذه المولويات؟

53

و الجواب: هو أنّ هذا يرجع إلى إدراك العقل العملي لهذه القضية عند كل شخص بشخصه، فكل إنسان يرجع إلى عقله ليرى أنّ المولى سبحانه له حق الطاعة في خصوص التكاليف المقطوعة أم في الأعم منها؟

و لا أظن بعد أن شرحنا المسألة بهذا النحو، أنّ شخصاً يبقى عنده شك في شمول مولوية الله سبحانه لكل ما نحتمل صدوره من تكاليف، لأنّ العقل يستقل بأنّ حق الطاعة لله سبحانه لا حدّ له بعد أن كانت مولويته لا حدّ لها، وعليه: نثبت منجزيّة الاحتمال، و لا يبقى مجال لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لا للبراءة العقلية من بعدها.

و حيث إنّ هذا الكلام يبدو غريباً على الأذهان المشبعة بهذه القاعدة، لا بدّ من التكلّم في جهتين.

الجهة الأولى: في استقراء تاريخ هذه المسألة، ليظهر أنّ هذه المسألة لا أثر لها في كلمات علمائنا الأولين، و أنّها إنّما نشأت من الصناعة، و معه لا يبقى مجال لتوهم فطريتها كما يدّعى.

الجهة الثانية: في استعراض الأدلة التي ذكروها لمناقشتها.

أمّا الجهة الأولى: فنقول: إنّه قبل الشيخ المفيد و الشيخ الطوسي (قده) لا نرى عيناً و لا أثراً لفكرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان، نعم، يوجد في بعض كلمات الشيخ الصدوق (قده) المصير إلى الإباحة و البراءة في موارد الشك في التكليف، إلّا أنّه لا يعلم، بل لا يظن أنّه أراد البراءة العقلية، بل لعلّ المظنون أنّ مقصوده من البراءة هو ما استفيد من الأدلة الشرعية، كما أنّ الشيخين المفيد و الطوسي (قده) لم يظهر منهما تبني هذه القاعدة بوجه من الوجوه، بل‏

54

قد يستشم منهما العكس من خلال مسألة كانت مطروحة في علم الأصول، إلّا أنّها حذفت فيما بعد و هي: أنّ الأصل في الأشياء هل هو الحظر أو الإباحة؟

و يراد من ذلك: أنّ العقل إذا لم يستقل بحسن شي‏ء و لابديّته، كشكر المنعم، و أداء الأمانة، أو بقبح شي‏ء، كالخيانة و الظلم، فهل يحكم بالحظر أو الإباحة؟

و ذهب الشيخ الطوسي (قده) في العدّة إلى أنّ الأصل هو الحظر كما نقل ذلك عن المفيد (قده)، و ذلك لأنّ الإقدام على ما لا يؤمن معه المفسدة قبيح، فهذا القبح كان بالعنوان الثانوي لا بالعنوان الأولي، باعتبار الإقدام على ما لا يؤمن معه المفسدة، لا أنّ العقل استقل بقبح المشكوك من دون لحاظ هذا الإقدام.

و هذا الطرز من البيان لا يستشم منه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل قد يستشم منه المنع عن القول بهذه القاعدة.

و بعد زمن الشيخ الطوسي (قده) بقرن من الزمن، ذكر السيد ابن زهرة (قده) البراءة، و ظاهر حاله الاستدلال بالبراءة العقلية، و لكن لم يكن يقصد بحسب ما هو الظاهر من كلامه البراءة التي صاغتها مدرسة الوحيد البهبهاني (قده)،- قاعدة قبح العقاب بلا بيان بل كان يعبّر بقبح التكليف بغير بيان، لأنّه تكليف بغير المقدور، وعليه: فنكتة البراءة العقلية المترسّخة في ذهن السيد ابن زهرة غير النكتة التي تستبطنها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و من هنا، تحيّر الأشخاص المدققون من أمثال الشيخ الأعظم (قده) في الرسائل، حيث قال: كيف يقال: بأنّه تكليف بغير المقدور مع أنّ باب الاحتياط واسع؟ و لهذا أُوِّل كلامه، بأن امتثال المشكوك على نحو الامتثال التفصيلي‏