شرح شافية ابن الحاجب - ج4

- نجم الأئمة رضي الدين الاسترابادي المزيد...
512 /
1

الجزء الرابع‏

شرح شافية ابن الحاجب‏

تأليف الشيخ رضى الدين محمّد بن الحسن الاستراباذي النحويّ 686 ه

مع شرح شواهده‏

للعالم الجليل عبد القادر البغدادى صاحب خزانة الأدب المتوفى فى عام 1093 من الهجرة

حققهما، و ضبط غريبهما، و شرح مبهمهما، الأساتذة

محمد نور الحسن‏

المدرس فى تخصص كلية اللغة العربية

محمد الزفزاف‏

المدرس فى كلية اللغة العربية

محمد محيى الدّين عبد الحميد

المدرس فى تخصص كلية اللغة العربية

القسم الثانى‏

و هو خاص بشرح الشواهد

دار الكتب العلمية

بيروت-لبنان‏

2

[جميع حق الطبع محفوظ للشراح‏]

1402 هـ-1982 م‏

بيروت-لبنان‏

3

المدخل‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به العون‏

الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على سيدنا محمد أفضل المرسلين، و على آله و أصحابه الطاهرين، و سلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين‏

و بعد؛ فلما فرغت بتوفيق اللّه من شرح شواهد الكافية لنجم الأئمة الشيخ الرّضى الأستراباذى‏ (1) ، رحمه اللّه و تجاوز عنه، رأيت أن ألحق به شرح أبيات شواهد الشافية له أيضا، و هى مائة و ستة و تسعون بيتا (2) ؛ لكونهما ككتاب واحد متنا و شرحا، فكذلك ينبغى أن يكون شرح أبياتهما

و أشار إلىّ بعض الأفاضل بأن أضم إليها أبيات شرح المحقق العلامة أحمد ابن الحسن الجاربردى التى انفرد بها؛ لمسيس الحاجة إليها لكثرة تداولها تدريسا و مراجعة، حتى يعم النفع، و هى اثنان و خمسون بيتا، فأجبته إلى ذلك‏

و شرعت مستعينا باللّه ذى الطّول و الإعانة، فى يوم الخميس الرابع و العشرين من جمادى الآخرة من سنة تسع و سبعين و ألف؛ أسأل اللّه إتمامه، و النفع به، آمين

____________

(1) الأستراباذى: نسبة إلى مدينة أستراباذ، و هى بفتح الهمزة و سكون السين بعدها تاء مثناة مفتوحة و آخره ذال معجمة: بلدة كبيرة مشهورة من أعمال طبرستان بين سارية و جرجان‏

(2) ترك المؤلف بعض الشواهد فلم يتكلم عليها، و لعل عذره فى ذلك اختلاف النسخ، و تجد ذلك موضحا تمام التوضيح فى حواشينا على شرح الشافية؛ فقد نبهنا هناك على الأبيات التى لم يشرحها، و ذكرنا ما سقط منها من بعض نسخ الشرح‏

4

أبنية الاسم‏

أنشد الجاربردى (ص 19) [من الرجز]

1-فهوذا؛ فقد رجا النّاس الغير # من أمرهم على يديك و الثّؤر (1)

من آل صعفوق و أتباع أخر # الطّامعين لا يبالون الغمر (2)

على أن صعفوقا على فعلول بالفتح نادر، و هو الذى قلّ وجوده و إن كان على القياس، و الشاذ: هو الذى على خلاف القياس، و إن كان كثيرا، و الضعيف:

هو الذى فى ثبوته كلام‏

قال الإمام أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقى فى كتاب المعربات: صعفوق اسم أعجمى، و قد تكلمت به العرب، يقال: بنو صعفوق خول باليمامة، و قال العجاج:

*فهو ذا لقد رجا الناس الغير*

إلى آخر الأبيات، و قال يخاطب عمر بن عبيد اللّه بن معمر «هو ذا» أى الأمر هو الذى ذكرته من مدحى لعمر، و «الغير» : أى رجوا أن يتغير أمرهم من فساد إلى صلاح بامارتك و نظرك فى أمرهم و دفع الخوارج عنهم؛ و الثؤر: جمع ثؤرة، و هو الثأر، أى أمّلوا أن تثأر بمن قتلت الخوارج من المسلمين انتهى، و نقله الجاربردى‏

و عمر بن عبيد اللّه هذا كان عبد الملك بن مروان ولاه حرب أبى فديك الحرورى، فأوقع به، و أراد العجاج تحقير أمر الخوارج، فوصفهم بأنهم سوقة

____________

(1) فى ديوان العجاج (ص 16) *ها فهو ذا، فقد رجا... *و فى اصول الكتاب*... لقد رجا الناس... *

(2) فى شرح الجاربردى*الطاعمين... *و فى أصول كتابنا*الطاعنين... * و فى ديوان العجاج*من طامعين... *

5

و عبيد، و أتباع، اجتمعوا إلى‏[أبى‏]فديك، و ليسوا ممن يقاتل على حسب و يرجع إلى دين صحيح و منصب، و الرواية هنا «فهو ذا فقد رجا» بسكون هاء (1) فهو، و معناه خذ أبا فديك فهو هذا قد أمكنك، و الناس قد رجوا أن يغير اللّه هذه الحال على يديك، و يثأر لهم من الخوارج، و الثؤرة بالهمز كعقدة، و جمعها ثؤر كعقد، بمعنى الثأر أيضا بالهمز، و يسهل، و هو الحقد، يقال: ثأرت القتيل، و ثأرت به، من باب نفع؛ إذا قتلت قاتله، و قد جمعهما الشاعر فقال‏[من الطويل‏]:

طلبت به ثأرى فأدركت ثؤرثى # بنى عامر هل كنت فى ثؤرتى نكسا (2)

و النكس-بالكسر-: الضعيف العاجز، و الغير-بكسر ففتح-اسم من قولك: غيرت الشى‏ء تغييرا، و يأتى جمع غيرة أيضا، بمعنى الدية، و ليس هذا بمراد هنا، يقال: غارنى الرجل يغيرنى: أى أعطانى الدية، و الاسم الغيرة بالكسر و جمعها غير، قال هدبة بن الخشرم‏[من البسيط]:

لنجد عنّ بأيدينا أنوفكم # بني أميّة إن لم تقبلوا الغيرا

قال ابن السيّد فى شرح أدب الكاتب: بنو صعفوق كانوا يخدمون السلطان باليمامة، كان معاوية بن أبى سفيان قد صيّرهم بها، و قال الأصمعى: صعفوق قرية باليمامة، كان ينزلها خول السلطان. و قال ابن الأعرابى: يقال هو صعفقى فيهم، و الصعافقة: قوم من بقايا الأمم الخالية باليمامة ضلت أنسابهم، و قيل: هم الذين يشهدون الأسواق و لا بضائع لهم فيشترون و يبيعون و ياخذون الأرباح، انتهى*

____________

(1) أى على حذف حرفين من أول البيت، و هو محتمل عند بعض العروضيين، و مجازه عندهم أنه حذف الثانى الساكن، ثم خرم بحذف الحرف الاول، و منع ذلك الخلل‏

(2) فى اللسان (مادة ث أ ر) *شفيت به نفسى... بنى مالك... * و فيه أيضا*قتلت به ثأرى... *على أن الثأر هو الرجل المطلوب بدم حميمك‏

6

و فى العباب قال الليث: الصعافقه خول لبنى مروان أنزلهم اليمامة (1) ، و مروان بن أبى حفصة منهم، و لا يجى‏ء فى الكلام فعلول إلا صعفوق، و الصعافقة قوم يشهدون السوق للتجارة و ليس لهم رءوس أموال، فاذا اشترى التجار شيئا دخلوا معهم، الواحد منهم صعفقى و صعفق، و جمعهم صعافقة و صعافيق. قال: و الصّعفوق: اللئيم من الرجال، و هم الصعافقة، كان آباؤهم عبيدا فاستعربوا، قال العجاج:

*من الصّعافيق و أتباع أخر*

[و]قال أعرابى: ما هؤلاء الصعافقة حولك؟و يقال: هم بالحجاز مسكنهم، و هم رذالة الناس، انتهى ما قاله الليث، و قال غيره: صعفوق: قرية باليمامة قد شقّ فيها قناة يجرى منها نهر كبير، و بعضهم يقول صعفوقة بالهاء، و صعفوق لا ينصرف للعجمة و المعرفة و وزنه نادر، انتهى كلام العباب.

و اعلم أن العرب إذا عربت كلمة أعجمية لا تلتزم إلحاقها بأوزانهم، بل قد تلحقها و هو الأكثر، و قد تتركها على حالها فلا تلحقها، قال سيبويه فى الاسم المعرب من العجم، و هم ما عدا العرب: ربما ألحقوه بأبنية كلامهم، و ربما لم يلحقوه، و ذكر مما ألحق بأبنيتهم قولهم درهم بهرج، و ما لم يلحق نحو آجرّ و فرند و إبريسم، و تحقيقه أن تلك الكلمة المعربة لا تخلو من أن تكون مغيرة بنوع تصرف من تبديل و تغيير حركة، أو لا تكون مغيرة أصلا، و على كل من التقديرين لا تخلو من أن تكون ملحقة بأبنيتهم، أولا، فالأقسام أربعة: أحدها ما لم تتغير و لم تكن ملحقة كخراسان؛ و ثانيها ما لم تتغير و لكن كانت ملحقة كخرّم؛ و ثالثها ما تغيرت و لكن لم تكن ملحقة بها كآجرّ؛ و رابعها ما تغيرت و كانت ملحقة بها كدرهم، و صعفوق من القسم الثالث، و ليست بكلمة فارسية إذ الصاد و القاف مهجوران فى لغة الفرس، إلا إن كانا فى كلمة دخيلة فى لغتهم.

و فى قوله «من آل صعفوق» إشكال من جهة إضافة «آل» فانهم قالوا:

____________

(1) سبق قريبا عن ابن السيد أن الذى أنزلهم اليمامة معاوية

7

إنها لا تضاف إلا لمن له شرف و خطر، و صعفوق قد عرفت حاله، و لا يرد هذا على الرواية الأخرى، و هى*من الصعافيق و أتباع أخر*

و أبو فديك المذكور بضم الفاء و فتح الدال، و هو أبو فديك عبد اللّه بن ثور من بنى قيس بن ثعلبة الخارجى، كان أولا من أتباع نافع بن الأزرق رئيس الخوارج، ثم صار أميرا عليهم فى مدة ابن الزبير، و كان الخوارج متغلبين على البحرين و ما والاها، فلما كانت سنة اثنتين و سبعين من الهجرة بعث خالد بن عبد اللّه أمير البصرة أخاه أمية بن عبد اللّه فى جند كثيف على أبى فديك إلى البحرين، فهزمه أبو فديك، فكتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك، فأمر عبد الملك عمر بن عبيد اللّه ابن معمر أن يندب الناس مع أهل الكوفة و البصرة و يسير إلى قتاله، فانتدب معه عشرة آلاف، و سار بهم حتى انتهوا إلى البحرين، فالتقوا، و اصطفوا للقتال، فحمل أبو فديك و أصحابه حملة رجل واحد فكشفوا الميسرة، ثم رجع أهل الميسرة و قاتلوا و اشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر الخوارج، و حمل أهل الميمنة حتى استباحوا عسكر الخوارج، و قتلوا أبا فديك و ستة آلاف من أصحابه، و أسروا ثمانمائة، و ذلك فى سنة ثلاث و سبعين من الهجرة، كذا فى تاريخ النويرى‏

و العجاج: شاعر راجز إسلامى قد ترجمناه فى الشاهد الواحد و العشرين من شواهد شرح الكافية

*** و أنشد الشارح، و هو الشاهد الثانى، للحماسى‏[من البسيط] (1) :

2-نحو الاميلح من سمنان مبتكرا # بفتية فيهم المرّار و الحكم‏

على أنه لا دليل فى منع صرف سمنان فيه على كونه فعلان؛ لجواز كونه فعلالا، و امتناع صرفه لكونه علم أرض، و فيه رد على الجاربردى فى زعمه أن

____________

(1) فى نسخة: و أنشد الشارح و هو للحماسى الشاهد الثانى.

8

منع الصرف للتعريف و الزيادة، و إنما يدل على كونه فعلان ما سيجى‏ء من أن التضعيف فى الرباعى و الخماسى لا يكون إلا زائدا، إلا أن يفصل أحد المثلين بحرف أصلى كزلزال.

و الحماسى: منسوب إلى كتاب الحماسة، و هو مجموعة أشعار من شعر الجاهلية و الاسلام انتقاها و اختارها أبو تمّام حبيب بن أوس الطائى الشاعر المشهور، و قد وقع الاجماع من النقاد على أنه لم يتفق فى اختيار المقطعات أنقي‏ (1) مما جمعه أبو تمام فى كتاب الحماسة، و لا فى اختيار المقصّدات أو فى مما دوّنه المفضل فى المفضليات، و قد رتب أبو تمام ما اختاره على ثمانية أبواب: أولها باب الحماسة، و آخرها باب الملح، و قد اشتهر تسميته بالجزء الأول منه، و الحماسة: الشجاعة، و قد جرت عادة المصنفين إذا استشهدوا بشى‏ء مما فيه أن يقولوا قال الحماسى، و نحوه، و المراد الشاعر المذكور فى كتاب الحماسة، تنويها برفعة ما فيه من الأشعار؛ فان جميع ما فيه مما يصح به الاستشهاد، و لأنه قد يتعذر أو لا يحضر معرفه قائله فينسب إليه.

و البيت المذكور من قصيدة طويلة فى الحماسة لزياد بن منقذ العدوى‏ (2) التميمى، و لم يقل غير هذه القصيدة، و لم يقل أحد مثلها فى جودة جميع أبياتها، و كان قد نزل بصنعاء[اليمن‏]فاجتواها و لم توافقه فذمّها فى هذه القصيدة، و مدح بلاده و أهله، و ذكر اشتياقه إلى قومه و أهله و إلى وطنه ببطن الرّمّة (3) و هو واد بنجد، و قبل البيت:

____________

(1) فى نسخة «أبقى» و لها وجه‏

(2) فى شرح الحماسة (ج 3 ص 180) أنه زياد بن حمل بن سعد بن عميرة بن حريث، و يقال زياد بن منقذ

(3) الرمة. بصم الراء، و الميم مفتوحة مشددة أو مخففة، و هو قاع عظيم بنجد تنصب فيه أودية؛ قاله فى القاموس‏

9

يا ليت شعرى متى أغدو تعارضنى # جرداء سابحة أو سابح قدم‏ (1)

تمنى أن يكون فى بلاده راكبا ذاهبا إلى الأميلح مع أخويه و أصحابه، و الجرداء:

الفرس القصيرة الشعر، و قصر الشعر فى الخيل محمود؛ لأنه إنما يكون فى كرائمها، و الفرس السابحة: اللينة الجرى لا تتعب راكبها كأنها تسبح فى سيرها و جريها، و القدم-بضمتى القاف و الدال-بمعنى المتقدم يوصف به المذكر و المؤنث. و معارضة الخيل: أن تخرج عن جادّة الطريق فتذهب فى عرضها لنشاطها، و قوله «نحو الاميلح الخ» نحو بمعنى جهة و جانب، و هو ظرف متعلق بأغدو، و الأميلح على وزن مصغر الأملح. قال ياقوت فى معجم البلدان و تبعه الصاغانى فى العباب: هو ماء لبنى ربيعة الجوع‏ (2) ، و أنشدا هذين البيتين لزياد بن منقذ المذكور، و قالا:

[و]المرّار و الحكم أخواه‏ (3) و سمنان من ديار الشاعر بنجد، و قال الشراح: هو ماء لبنى ربيعة، و ليس كما قالوا، بل الماء هو الأميلح، و فى القاموس: سمنان بالفتح موضع، و بالكسر بلد، و بالضم حبل، و ليست هذه الكلمة في الصحاح، و قال أبو عبيد البكرى فى معجم ما استعجم: سمنان كسكران مدينة بين الرى و نيسابور، و سمنان بالضم جبل فى ديار بنى أسد، و قال أبو حاتم: فى ديار بنى تميم، انتهى. و هذا الضبط مخالف لشراح الحماسة فانهم ضبطوه بالفتح كما هنا، و مبتكرا: حال من فاعل أغدو: أى ذاهبا فى بكرة النهار، و هى أوله، و صلته محذوفة: أى نحو

____________

(1) فى الحماسة*بل ليت شعرى... *و مثله فى معجم البلدان لياقوت (مادة أميلح) ، و فيهما*نحو الأميلح أو سمنان*

(2) ربيعة الجوع بالاضافة: من تميم، و فى تميم ربيعتان: إحداهما هذه و هى الكبرى، و أبوها ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، و الثانية ربيعة الصغرى (و يقال الوسطى) . و أبوها ربيعة بن حنظلة بن مالك‏

(3) فى شرح الحماسة عن الأصمعى أن المرار أخو الشاعر و الحكم ابن عمه‏

غ

10

الأميلح، و يجوز أن يكون من «ابتكرت إلى الشى‏ء» أى أسرعت إليه، كما يقال: بكّرت إليه تبكيرا، و بكرت إليه بكورا، من باب قعد، و الباء فى قوله «بفتية» بمعنى‏[مع‏]متعلقة بمتبكرا. و الفتية: جمع فتىّ، على وزن غنىّ، و هو الشاب القوى، كصبية جمع صبىّ و علية جمع على، و يجوز أن يكون جمع فتى كعصا، و هو الشاب، و المرّار بفتح الميم و تشديد الراء، و الحكم بفتحتين.

و «من سمنان» حال من الأميلح، و قد نسب جماعة هذه القصيدة إلى المرّار، و هذا البيت يردّ عليهم، و بطن الرمة قال أبو العلاء المعرى: يروى بتشديد الميم و تخفيفها، و هو واد بنجد، و قال ياقوت: الرمة بالتخفيف ذكره أبو منصور فى باب ورم و خففه و لم يذكر التشديد، و قال: بطن الرمة واد معروف بعالية نجد و قال السكونى: هو منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة، بها يجتمع أهل الكوفة و البصرة، و قد أطال الكلام عليه و أطاب‏

و زياد بن منقذ شاعر إسلامى من معاصرى الفرزدق و جرير، و قد ترجمناه مع أخيه المرار، و شرحنا أبياتا من هذه القصيدة فى الشاهد التاسع و السبعين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية

*** و أنشد بعده و هو الشاهد الثالث‏[من الطويل‏]:

3-جرى‏ء متى يظلم يعاقب بظلمه # سريعا، و إن لا يبد بالظّلم يظلم‏

على أن «يبد» أصله يبدأ بالهمز، فقلبت الهمزة ألفا لانفتاح ما قبلها، ثم حذفت للجازم، و هو إن، قال أبو جعفر النحوى فى شرح معلقة زهير بن أبى سلمى و نقله الخطيب التبريزى فى شرحه: قوله «و إن لا يبد بالظلم» الأصل فيه الهمزة، من بدأ يبدأ، إلا أنه لما اضطر أبدل من الهمزة ألفا، ثم حذفت‏ (1) الألف للجزم

____________

(1) فى شرح القصائد العشر للتبريزى (ص 118) الذى نقل المؤلف عنه «ثم حذف الألف»

11

و هذا من أقبح الضرورات، و حكى‏[عن‏]سيبويه أن أبا زيد قال له: من العرب من يقول قريت فى قرأت، فقال سيبويه: فكيف أقول فى المستقبل؟قال: تقول أقرا، فقال سيبويه: كان يجب أن تقول أقرى، حتى يكون مثل رميت أرمى، و إنما أنكر سيبويه هذا لأنه إنما يجى‏ء فعلت أفعل إذا كانت لام الفعل أو عينه من حروف الحلق، و لا يكاد يكون هذا فى الألف، إلا أنهم قد حكوا أبى يأبى، فجاء على فعل يفعل؛ قال أبو إسحق‏[قال إسماعيل بن إسحاق‏] (1) إنما جاء هذا فى الألف لمضارعتها حروف الحلق، فشبهت بالهمزة، يعنى فشبهت بقولهم قرأ يقرأ انتهى‏

و «جرى‏ء» بالجر صفة لأسد فى بيت‏ (2) قبله، المراد به حصين بن ضمضم، و يجوز رفعه و نصبه على القطع، و «يظلم» و «يبد» كلاهما بالبناء للمفعول، «و يعاقب» و «يظلم» كلاهما بالبناء للفاعل، و الجرى‏ء: ذو الجراءة و الشجاعة، يقول:

هو شجاع متى ظلم عاقب الظالم بظلمه سريعا، و إن لم يظلمه أحد ظلم الناس إظهارا لعزة نفسه و جراءته، و سريعا حال أو صفة مصدر: أى يعاقب عقابا سريعا

و هذا البيت من معلقة زهير المذكور، و قد شرح ما قبله و ما بعده و سبب نظمها فى الشاهد السادس و الخمسين بعد المائة، و فى الشاهد الثانى بعد الخمسمائة

و زهير شاعر جاهلى، تقدمت ترجمته فى الشاهد الثامن‏[و الثلاثين بعد المائة]من شرح شواهد شرح الكافية

____________

(1) سقطت هذه العبارة من أصول الكتاب عامة، و هى ثابتة فى شرح القصائد العسر للتبريزى، و فى شرح أبى جعفر «قال أبو إسحاق قال إسماعيل بن إسحاق قاضى بغداد»

(2) هذا البيت هو قوله: -

لدى أسد شاكى السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم‏

12

*** و أنشد بعده و هو الشاهد الرابع من‏[الطويل‏]

4-رأيت الوليد بن اليزيد مباركا # شديدا بأعباء الخلافة كاهله‏

على أن دخول اللام فى الدّئل علما منقولا من فعل مبنى للمفعول، كدخولها على يزيد من قوله «الوليد بن اليزيد» و قد تكلم الشارح المحقق على لام اليزيد فى باب المنادى و فى باب العلم من شرح الكافية

و البيت من قصيدة لابن ميّادة مدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموى‏

و ترجمة ابن ميادة تقدمت فى الشاهد التاسع عشر من أوائل شرح أبيات شرح الكافية

و أعباء: جمع عب‏ء كالحمل و زنا و معنى، و الكاهل: ما بين الكتفين‏

و تقدم شرحه مفصلا فى الشاهد التاسع عشر من شرح الكافية

*** و أنشد بعده و هو الشاهد الخامس‏[من المنسرح‏]:

5-جاءوا بجيش لو قيس معرسه # ما كان إلاّ كمعرس الدّئل‏

على أن الدّئل فيه اسم جنس لدويبة شبيهة بابن عرس، قال الصاغانى فى العباب:

دأل يدأل دألا و دألانا و دألى: أي ختل، قال:

*و أنا أمشي الدّألى حوالكا (1) *

____________

(1) هذا بيت من الرجز ذكر فى اللسان أن سيبويه أنشده فيما تضعه العرب على ألسنة البهائم لضب يخاطب ابنه، و قبل هذا البيت: -

*أهدموا بيتك لا أبالكا*

13

و قال أبو زيد: هى مشية سبيهة بالختل و مشى المثقل. و ذكر الأصمعى فى صفة مشى الخيل الدألان مشى يقارب فيه الخطو و يبطأ (1) فيه كأنه مثقل، و الدئل: دويبة شبيهة بابن عرس، قال كعب بن مالك الأنصارى رضى اللّه تعالى عنه فى جيش أبى سفيان الذين وردوا المدينة فى غزوة السويق و أحرقوا النخيل ثم انصرفوا[من المنسرح‏]:

جاءوا بجيش لوقيس معرسه # ما كان إلا كمعرس الدّئل

عار من النّسل و الثّراء و من # أبطال أهل البطحاء و الأسل‏

قال ثعلب: لا نعلم اسما جاء على فعل غير هذا، قال الأخفش: و إلى المسمى بهذا الاسم نسب أبو الأسود الدؤلى إلا أنهم فتحوا الهمزة فى النسبة استثقالا لتوالى كسرتين مع ياءى النسب، كما ينسب إلى نمر نمرىّ، و ربما قالوا أبو الأسود الدّولى، بلا همر؛ قلبوا الهمزة واوا لأن الهمزة إذا انفتحت و كانت قبلها ضمة فتخفيفها أن تقلبها واوا محضة، كما قالوا فى مؤن مون، انتهى.

و إنما قيل لها غزوة السويق لأن أبا سفيان قبل إسلامه رضى اللّه عنه لما غزا المدينة فى مائتى راكب بعد غزوة بدر فحرّق بعض نخل المدينة و قتل قوما من الأنصار خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فى طلبه حتى بلغ موضعا يقال له قرقرة الكدر ففرّ أبو سفيان، و جعل أصحابه يلقون مزاود السويق يتخفّفون للفرار، فسميت غزوة السويق‏

و قوله «لو قيس معرسه» هو من القياس و التخمين، و المعرس-بضم الميم و فتح الراء-مكان النزول من آخر الليل، و الأشهر فيه معرّس-بتشديد الراء

____________

(1) كذا فى أصول الكتاب، و الذى فى الصحاح و اللسان عن الأصمعى «و يبغى فيه» و باقى العبارة كما هنا بنصها، و فى عبارة ابن برى تفسير ذلك حيث قال:

«و الدألان بالدال مشى الذى كأنه يسعى فى مشيه من النشاط» اه

14

المفتوحة-يقال: عرّس تعريسا، إذا نزل آخر الليل،

وصف جيش أبى سفيان بالقلة و الحقارة، يقول: لو قدّر مكانهم عند تعريسهم، كان كمكان هذه الدابة عند تعريسها.

و النسل: الولد، و الثراء: الكثرة، و أهل البطحاء: قريش، و هم الذين ينزلون الشعب بين جبلى مكة، و هم قريش البطاح، و قريش الظواهر: الذين ينزلون خارج الشّعب، و قريش البطاح أكرم من قريش الظواهر، و الأسل: الرماح و كان أبو سفيان نذر بعد بدر أن لا يمس رأسه ماء حتى يغزو محمدا صلّى اللّه عليه و سلم، قال صاحب الأغانى: قال أبو سفيان و هو يتجهز من مكة المكرمة خارجه إلى المدينة المنورة أبياتا من شعر يحرض فيها قريشا[من المنسرح‏]:

كرّوا على يثرب و جمعهم # فانّ ما جمّعوا لكم نفل

إن يك يوم القليب كان لهم # فان ما بعده لكم دول

آليت لا أقرب النساء و لا # يمسّ رأسى و جلدى الغسل

حتّي تبيروا قبائل الأوس و الـ # خزرج إنّ الفؤاد مشتعل‏

فأجابه كعب بن مالك رضى اللّه عنه‏[من المنسرح‏]:

يا لهف أم المستمحّين على # جيش بن حرب بالحرّة الفشل

جاءوا بجيش لوقيس معرسه # ما كان إلاّ كمعرس الدّئل

عار من النصر و الثراء و من # أبطال أهل النكاء و الأسل‏

و النكاء: بمعنى النكاية

و كعب بن مالك الأنصارى شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد تقدمت ترجمته فى الشاهد السادس و الستين من شواهد[شرح‏]الكافية.

*** و أنشد بعده، و هو الشاهد السادس‏[من الطويل‏]:

6-و حبّ بها مقتولة حين يقتل‏

15

على أن فعل الذى فيه معنى التعجب يقال‏[فيه‏]فعل كما هنا، فان حبّ بضم الحاء أصلها حبب بفتح العين ثم حوّل فتح عينه إلى الضم للمدح و التعجب، فصار حبب، ثم نقلنا ضمة العين إلى الفاء بعد حذف حركتها فصار حبّ، بضم الحاء، و يجوز حذف ضمة العين دون نقلها فيصير حبّ بفتح الحاء، و الباء فى «بها» زائدة، و الضمير فاعل حب، و هو راجع إلى الخمر، و «مقتولة» حال منه، و القتل: مزج الخمر بالماء حتى تذهب حدتها، فكأنها قتلت بالماء، و هذا عجز، و صدره:

*فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها*

و هو من أبيات فى وصف الخمر من قصيدة للأخطل النصرانى، و تقدم الكلام عليها مفصلا فى الشاهد الواحد و السبعين بعد السبعمائة من شواهد [شرح‏]الكافية.

*** و أنشد بعده، و هو الشاهد السابع، و هو من شواهد سيبويه‏[من الرجز]

7-لو عصر منها المسك و البان انعصر

على أنه سكن عين الفعل فى الفعل المبنى للمجهول كراهة لتوالى الثقيلين فى الثلاثى الخفيف، و كذا قول القطامى‏[من الوافر]

ألم يخز التّفرّق جند كسرى # و نفخوا فى مدائنهم فطاروا

قال سيبويه فى باب ما يسكن تخفيفا و هو فى الأصل عندهم متحرك: و ذلك قولهم فى فخذ فخذ، و فى كبد كبد، و فى عضد عضد، و فى كرم كرم، و فى علم علم، و هى لغة بنى بكر بن وائل و أناس كثير من بنى تميم، و قالوا فى مثل: لم يحرم من فصد له، و قال أبو النجم:

*لو عصر منها المسك و البان انعصر*

يريد عصر

16

و إنما حملهم على هذا أنهم كرهوا أن يرفعوا ألسنتهم عن المفتوح إلى المكسور و المفتوح أخف عليهم فكرهوا أن ينتقلوا من الأخف إلى الأثقل، و كرهوا فى فى عصر الكسرة بعد الضمة كما يكرهون الواو مع الياء فى مواضع، و مع هذا إنه بناء ليس من كلامهم إلا فى هذا الموضع من الفعل، فكرهوا أن يحولوا ألسنتهم إلى الاستثقال، انتهى كلامه‏

و قال الاعلم فى شرح شواهده: الشاهد فى تسكين الثانى من عصر طلبا للاستخفاف، و هى لغة فاشية فى تغلب بن وائل، و أبو النجم من عجل، و هم من بكر بن وائل، و استعمل لغتهم، و وصف شعرا يتعهّد بالبان و المسك و يكثر فيه منهما حتى لو عصرا منه لسالا، انتهى‏

و بهذا يعلم أن فى نسبة هذه التفريعات إلى تميم فقط تقصيرا من الشارح المحقق، رحمه اللّه‏

و قوله «إن أبا النجم تميمى» لا أصل له، فانه من بكر بن وائل؛ فان أبا النجم شاعر إسلامى، و اسمه الفصل بن قدامة بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن الحارث بن عبدة بن الياس بن العوف بن ربيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن على بن بكر ابن وائل، و قد ترجمناه فى الشاهد السابع من شواهد شرح الكافية، و هذا البيت من رجز له يصف فيه امرأة بكثرة الطيب، و قبله:

كأنّما فى نشرها إذا نشر # فغمة روضات تردّين الزّهر

هيّجها نضح من الطّلّ سحر # و عزّت الرّيح النّدى حتّى قطر

لو عصر منها البان و المسك انعصر

النشر: الرائحة الطيبة، و «نشر» بمعنى انتشر، و الفغمة بفتح الفاء و سكون الغين المعجمة بعدها ميم: الرائحة التى تملأ الأنوف، و لا تكون إلا من الطيب، يقال منه: فغمتنى رائحة الطيب، إذا سدت خياشيمك، شبه رائحة المرأة الطيبة برائحة

17

الروضات، و جملة «تردين الزهر» صفة لروضات: أى لبسن النّور كالرداء، و عنده يكون كمال طيب الروضات، و الروضة: الموضع المعجب بالزهور، قيل:

سميت بذلك لاستراضة المياه السائلة إليها: أى لسكونها بها، و الزهر بفتح الهاء و سكونها: النّور، قالوا: و لا يسمى النور زهرا حتى يستقيم و يتفتح، و قال ابن قتيبة: حتى يصفر، و قبل التفتح هو برعوم، و أزهر النبت: أخرج زهره، و «هيجها» الضمير للروضات بتقدير مضاف: أى هيج رائحتها، يقال: هاج الشى‏ء يهيج هياجا بالكسر و هيجانا: ثار، و هجته، يتعدى و لا يتعدى، و هيّجته بالتشديد مبالغة، و هذا من تمام وصف الروضات، فانه يزداد طيبها بما ذكره، و «نضح» فاعل هيجها، و النضح بالحاء المهملة: الرش، و الطل: المطر الضعيف، و سحر: منصوب على الظرفية، و سكن على لغة ربيعة، و هزت: حركت، و قوله «لو عصر منها» الضمير للمرأة التى تغزّل فيها، و قال الجواليقى فى شرح أدب الكاتب: قيل: بل الضمير فى منها يعود إلى الروضة، أى المسك ينعصر من الروضة، هذا ما نقله، و هو بعيد، و روى «لو عصر منه» بتذكير الضمير، كما رواه سيبويه، فالضمير راجع إلى الفرع المذكور قبل فى قوله:

بيضاء لا يشبع منها من نظر # خود يغطّى الفرع منها المؤتزر

و الخود بفتح الخاء المعجمة: الجارية الناعمة، و الجمع خود بالضم، و الفرع بفتح الفاء و آخره عين مهملة: شعر الرأس بتمامه، و المؤتزر: محل الإزار، و هو الكفل حيث يعقد الإزار، و قوله «البان» نائب الفاعل لعصر على تقدير مضاف: أى دهن البان، و قوله «و المسك» الواو بمعنى أو، و لهذا قال «انعصر» بالافراد، و لم يقل انعصرا، بضمير التثنية، و رواه ابن جنى فى المنصف و هو شرح تصريف المازنى:

*لو عصر منها البان يوما لا نعصر*

و على هذه الرواية لا إشكال فيه، و المسك: معروف، معرب مشك بالفارسية، بضم الميم و سكون الشين المعجمة، و انعصر: سال و جرى بالانعصار

*** (ق 2-2) غ

18

و أنشد بعده، و هو الشاهد الثامن‏[من الطويل‏]

8-و ما كلّ مبتاع و لو سلف صفقه # براجع ما قد فاته برداد

على أن أصله سلف بفتح اللام، و تسكين العين المفتوحة شاذ ضرورة، قال سيبويه فى ذلك الباب: و أما ما توالت فيه الفتحتان فإنهم لا يسكنون منه، لأن الفتح أخف عليهم من الضم و الكسر، كما أن الألف أخف من الواو و الياء، و ذلك نحو جمل و حمل و نحو ذلك، انتهى‏

و قد أورده ابن عصفور فى كتاب الضرائر، فقال: فأما نقص الحركة فمنه حذفهم الفتحة من عين فعل مبالغة فى التخفيف، نحو قول الراجز[من الرجز]

على محالات عكسن عكسا # إذا تسداها طلابا غلسا

يريد غلسا، و قول الآخر[من الطويل‏]

*و ما كان مغبون و لو سلف صفقه*

يريد سلف، و قول الآخر[من الطويل‏]

و قالوا ترابىّ فقلت صدقتم # أبى من تراب خلقه اللّه آدم‏

يريد خلقه اللّه، و قول أبى خراش‏[من الطويل‏]

و لحم امرئ لم تطعم الطير مثله # عشيّة أمسى لا يبين من البكم‏

يريد من البكم، انتهى‏

و قد تكلف له ابن جنى فى شرح تصريف المازنى فقال: هذا من الشاذ عند أصحابنا، و يحتمل عندى وجها[آخر] (1) و هو أن يكون مخففا من فعل مكسور العين، و لكنه فعل غير مستعمل، إلا أنه فى تقدير الاستعمال و إن لم ينطق به، كما أن قولهم تفرقوا عباديد و شماطيط كأنهم قد نطقوا فيه بالواحد من‏[هذين‏] (2) الجمعين

____________

(1، 2) الزيادة من شرح تصريف المازنى لابن جنى الذى نقل عنه المؤلف (ورقة رقم 20 من نسخة خطية)

19

و إن لم يكن مستعملا فى اللفظ، و كأنهم استغنوا بسلف هذا المفتوح عن ذلك المكسور أن ينطقوا به غير مسكن، و إذا كانوا قد جاءوا بجموع لم ينطقوا لها بآحاد مع أن الجمع لا يكون إلا عن واحد، فأن يستغنى‏[بفعل‏]عن فعل من لفظه و معناه و ليس بينهما إلا فتحة عين هذا و كسرة عين ذلك أجدر، و أرى أنهم استغنوا بالمفتوح عن المكسور لخفة الفتحة، فهذا ما يحتمله القياس، و هو أحسن من أن تحمل الكلمة على الشذوذ ما وجدت لها ضربا من القياس‏ (1) فإن قلت: فإنا لم نسمعهم يقولون يسلف بفتح اللام فما تنكر أن يكون هذا يدل على أنهم لا يريدون سلف على وجه، إذ لو كان مرادا عندهم لقالوا فى مضارعه يسلف، كما أن من يقول قد علم فيسكن عين الفعل لا يقول فى مضارعه إلا يعلم فالجواب أنهم‏[لمّا]لم ينطقوا بالمكسور على وجه و استغنوا عنه بالمفتوح صار عندهم كالمرفوض الذى لا أصل له، و أجمعوا على مضارع المفتوح‏ (2) ؛ هذا كلامه‏

و البيت من قصيدة للأخطل النصرانى، وعدتها ستة عشر بيتا، و هذا أولها، و يليه:

أتغضب قيس أن هجوت ابن مسمع # و ما قطعوا بالعزّ باطن وادى

و كنا إذا احمرّ القنا عند معرك # نرى الأرض أحلى من ظهور جياد

كما ازدحمت شرف نهال لمورد # أبت لا تناهي دونه: لذياد

و قد ناشدته طلّة الشيخ بعد ما # مضت حقبة لا ينثنى لنشاد

____________

(1) الذى فى شرح تصريف المازنى لابن جنى: «و هو أحسن من أن تحمل الكلمة على الشذوذ مرة ما قد وجدت له ضربا من القياس» و لعل ما فى الأصل كتابنا أحسن‏

(2) فى الأصول التى بأيدينا «و أجمعوا على المضارع المفتوح» و هو خطأ و الصواب ما أثبتناه نقلا عن شرح تصريف المازنى و ذلك لأنهم إنما قالوا يسلف كيضرب و هذا مضارع الماضى المفتوح العين، و ليس هو المضارع المفتوح‏

20

رأت بارقات بالأكفّ كأنها # مصابيح سرج أوقدت بمداد

و طلّته تبكى و تضرب نحرها # و تحسب أن الموت كلّ عتاد

و ما كل مغبون و لو سلف صفقه # البيت‏

و قوله «أتغضب قيس» الخ ابن مسمع-بكسر الميم الأولى و فتح الثانية، هو مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب أحد بنى قيس بن ثعلبة، و قوله «و ما قطعوا» وصفهم بالذل، و الواو ضمير قيس باعتبار الحى و القبيلة، و قوله «و كنا إذا احمر القنا» أى بدم القتلى، وصف قومه بزيادة الشجاعة فى أنهم يرغبون فى المجالدة بالسيوف و هم مشاة أكثر من التطاعن بالقنا على ظهور الخيل، و قوله «كما ازدحمت شرف-الخ» يقول: نحن نقع على الموت و نزدحم عليه كما تزدحم الإبل العطاش على مورد و لا تنتهى عنه بطرد، و الشّرف بالضم: جمع شارف، و هى الناقة المسنة، و النهال: جمع ناهلة اسم فاعل من النّهل بفتحتين، و هو العطش، و يأتى بمعنى الرى أيضا، و ليس بمراد هنا، و ذياد: مصدر ذاد الراعى إبله عن الماء يذودها ذودا و ذيادا، إذا منعها، و قوله «و قد ناشدته-الخ» أى تسأله و تقسم عليه، و الطلة بفتح الطاء المهملة: الزوجة، و الحقبة بكسر الحاء المهملة: المدة، و لا ينثنى: لا ينزجر، و نشاد: مصدر ناشده مناشدة و نشادا، و قوله «رأت بارقات» أى رأت سيوفا لامعة كالسرج التى أمدت بمداد من الدهن، و قوله «و طلته تبكى» أى زوجته تبكى عليه، و النحر: الصدر، و هو فى الأصل موضع القلادة من الصدر، و قوله «و تحسب أن الموت-الخ» قال جامع ديوانه السّكرى: يقول: تحسب أن الموت بكل فج و طريق، و كل ما هيأته لشى‏ء و أعددته فهو عتاد بالفتح، و قوله «و ما كل مبتاع-الخ» المبتاع: المشترى، و رواية السكرى و ابن قتيبة فى فى أدب الكاتب «و ما كل مغبون» من غبنه فى البيع و الشراء غبنا-

21

من باب ضرب-مثل غلبه، فانغبن، و غبنه: أى نقصه، و غبن بالبناء للمفعول فهو مغبون: أى منقوص فى الثمن أو غيره، كذا فى المصباح، و سلف بمعنى مضى و وجب، و الهاء فى «صفقه» ضمير المبتاع و المغبون، قال السكرى:

و صفقه إيجابه البيع، و الصفق: مصدر صفق البائع صفقا، إذا ضرب بيده على‏[يد]صاحبه عند المبايعة بينهما، و قوله «براجع ما قد فاته» رواه السكرى بالباء فتكون زائدة فى خبر ما النافية، و راجع اسم فاعل مضاف إلى «ما» الواقعة على المبيع أو الثمن، و رواه غيره «يراجع» بالمثناة التحتية على أنه مضارع من الرجوع‏ (1) ، و ما مفعوله، و فاعله ضمير المغبون أو المبتاع، و قوله «برداد» الباء للسببية متعلقة براجع أو بيراجع، و الرّداد بكسر الراء مصدر رادّ البائع صاحبه مرادة و ردادا، إذا فاسخه البيع‏

قال ابن السيّد فى شرح أدب الكاتب: ذكر ابن قتيبة أن هذا البيت للأخطل، و لم أجده فى ديوان شعره الذى رواه أبو على البغدادى، و لعله قد وقع فى رواية أخرى، انتهى‏

و الأخطل شاعر نصرانى من بنى تغلب، كان معاصرا للفرزدق و جرير، و قد ترجمناه فى الشاهد الثانى و السبعين من أوائل شواهد شرح الكافية

*** و أنشد بعده، و هو الشاهد التاسع‏[من الرجز]

9-فبات منتصبا و ما تكردسا # إذا أحسّ نبأة توجّسا

على أن أصله منتصبا بكسر الصاد فسكنت، و كذا قولهم «أراك منتفخا» أصله منتفخا بكسر الفاء، و هو اسم فاعل من انتصب بمعنى قام و وقف، و أورده الشارح المحقق فى باب الابتداء أيضا، و كذا أورده أبو على فى كتاب نقض الهاذور، و ابن جنى فى كتاب الخصائص، قال: و مما أجرى

____________

(1) الصواب «من المراجعة»

22

فيه بعض الحروف مجرى جميعه قوله: -

*فبات منتصبا و ما تكردسا*

فأجرى منتصبا مجرى فخذ فأسكن ثانيه، و عليه حكاية الكتاب أراك منتفخا انتهى‏

و تكردس: بمعنى انقبض و اجتمع بعضه إلى بعض، يريد ما سقط أعلاه إلى أسفله لأنه متوجّس خائف لا ينام‏

و البيت من رجز للعجاج‏ (1) فى وصف ثور وحشى، و رواه الصاغانى فى العباب: فبات منتصّا، بتشديد الصاد، على أنه من المنصة: أى مرتفعا، قال فى مادته: و انتصت العروس على المنصة لترى من بين النساء: أى ارتفعت، عن الليث‏ (2) ، و أنشد هذا البيت، و أورده فى باب كردس أيضا، قال:

التكردس: الانقباض و اجتماع بعضه إلى بعض، قال العجاج يصف ثورا: -

*فبات منتصّا و ما تكردسا*

و العجاج راجز إسلامى فى الدولة الأموية، و قد ترجمناه فى الشاهد الواحد و العشرين من أوائل‏[شرح‏]أبيات شرح الكافية

*** و أنشد بعده، و هو الشاهد العاشر، و هو من شواهد سيبويه [من الطويل‏]

10-*و ذى ولد لم يلده أبوان*

على أن أصله «لم يلده» بكسر اللام، فسكنت و فتحت الدال، قال‏ (3) سيبويه: و مما أشبه الأول فيما ليس على ثلاثة أحرف قولهم: أراك منتفخا،

____________

(1) هو فى الديوان ص 32-و رواه*فبات منتصا... *كما ذكر المؤلف عن الصاغانى‏

(2) فى نسخة عن اللبس‏

(3) أنظر كتاب سيبويه (1: 340 و 2: 258)

23

تسكن الفاء، تريد منتفخا، فما بعد النون بمنزلة كبد، و من ذلك قولهم انطلق فيفتحون‏ (1) القاف لئلا يلتقى ساكنان، كما فعلوا ذلك بأين و أشباهها، حدثنا بذلك الخليل عن العرب، و أنشد[نا]بيتا و هو لرجل من أزد السراة

عجبت لمولود و ليس له أب # و ذى ولد لم يلده أبوان‏

و سمعناه من العرب كما أنشده الخليل؛ ففتحوا الدال كيلا يلتقى ساكنان، و حيث أسكنوا موضع العين حركوا الدال، انتهى‏

قال الأعلم‏ (2) : أراد يلده فسكن اللام المكسورة تخفيفا كقولهم فى علم علم فسكنت لامه قبل ساكن الجزم، و تحركت الدال لالتقاء الساكنين بحركة أقرب المتحركات إليها، و هى الفتحة، إذ الياء مفتوحة، و حمل الدال عليها غير معتد باللام‏ (3) الساكنة، لأنها حاجز غير حصين‏

و قوله «عجبت لمولود-الخ» أراد بالمولود عيسى بن مريم عليهما السّلام، و أراد بذى ولد آدم عليه السّلام، و بعده:

و ذى شامة سوداء فى حرّ وجهه # مجلّلة لا تنقضى لأوان

و يكمل فى تسع و خمس شبابه # و يهرم فى سبع مضت و ثمان‏

و أراد من هذين البيتين القمر، و قد شرحنا هذه الأبيات بأكثر مما هنا فى باب الترخيم من شرح شواهد شرح الكافية الماضى‏

*** و أنشد بعده، و هو الشاهد الحادى عشر[من الكامل‏]

____________

(1) الذى فى سيبويه (ج 2 ص 258) : «بفتح القاف»

(2) الموضع الذى ذكر الأعلم فيه هذا الكلام ليس هو الموضع الذى نهنا عليه فى الكلمة السابقة، و إنما ذكره فى (ج 1 ص 341) . و قد نقل المؤلف عبارة الأعلم بالمعنى على خلاف عادته فى النقل‏

(3) كان فى أصول الكتاب «غير مقيد» و الصحيح عن عبارة الأعلم‏

24

11-ينباع من ذفرى غضوب جسرة # زيّافة مثل الفنيق المكدم‏

على أن أصله ينبع، و تولدت الألف من إشباع فتحة الباء، و فاعل ينباع ضمير الرّب-بضم الراء-و هو شبيه الدبس، و هو فى بيت قبله‏ (1) شبه العرق السائل من رأس هذه الناقة و عنقها بربّ يترشح، و عرق الابل أسود، و الذّفرى بكسر الذال المعجمة و القصر: الموضع الذى يعرق من الإبل خلف الأذن، و الغضوب: الناقة الصعبة الشديدة، شبهت بالغضوب من الإنسان، و الجسرة بفتح الجيم: الناقة الماضية فى سيرها، و قيل: الضخمة القوية، و الزيافة:

المتبخترة فى مشيها، مبالغة زائفة، من زاف زيفا-بالزاى المعجمة-إذا تبختر فى مشيه، و الفنيق، بفتح الفاء و كسر النون: الفحل المكرم الذى لا يؤذى و لا يركب لكرامته، و المكدم: اسم مفعول قياسه أن يكون من أكدمه، لكنهم لم ينقلوا إلا كدمه ثلاثيا من الباب الأول و الثانى، قالوا: الكدم العض بأدنى الفم كما يكدم الحمار، و روى المقرم بدله، على وزنه، و هو البعير الذى لا يحمل عليه و لا يذلل و إنما هو للفحلة (2) بكسر الفاء

____________

(1) البيت المشار إليه هو قوله: -

و كأنّ ربّا أو كحيلا معقدا # حشّ الوقود به جوانب قمقم‏

و الرب: ذكره المؤلف. و الكحيل: القطران، شبه عرق الناقة بالرب أو القطران، و المعقد: الذى أوقد تحته حتى انعقد و غلظ، و الوقود-بفتح الواو- الحطب، و ارتفاعه لأنه فاعل حش، و جوانب مفعوله، و يجوز أن يكون حش لازما بمعثى احتش فالوقود فاعله و انتصاب «جوانب قمقم» على الظرفية، و القمقم:

كما فى اللسان ضرب من الآتية

(2) يقال: بعير ذو فحلة بكسر فسكون؛ إذا كان صالحا للافتحال: أى اتخاذه فحلا؛ و الفحلة التلقيح، و يقال: إنه لبين الفحولة-بالضم-و الفحالة و الفحلة -بكسرها-بالمعنى السابق‏

25

و هذا البيت من معلقة عنترة، و قد شرحناه بأوفى من هذا فى الشاهد الثانى عشر من أوائل شرح الكافية

*** و أنشد الجاربردى‏ (1) بعده، و هو الشاهد الثانى عشر[من الوافر]

12-و أنت من العوائل حيث ترمى # و من ذمّ الرّجال بمنتزاح‏

على أن الألف تولّدت من إشباع فتحة ما قبلها

قال ابن جنى فى سر الصناعة: هكذا أنشدناه أبو على لابن هرمة يرثى ابنه و قال: أراد بمنتزح، فأشبع فتحة الزاى، انتهى‏

و قال الصاغانى فى العباب: و انتزح: ابتعد، و أنت بمنتزح من كذا: أى ببعد منه، قال إبراهيم بن على بن محمد بن سلمة بن عامر بن هرمة يمدح بعض القرشيين و كان قاضيا لجعفر بن سليمان بن على:

فأنت من الغوائل حيث تنمى‏ (2) # و من ذم الرجال بمنتزاح‏

إلا أنه أشبع فتحة الزاى فتولدت الألف، هكذا أنشده بعض أهل اللغة، و فى شعره «بمستراح» فلا ضرورة، انتهى‏

و الغوائل: جمع غائلة، و هى الفساد و الشر، و قال الكسائى: الغوائل:

الدواهى، و ترمى بالبناء للمفعول مسند إلى ضمير الغوائل، و كذا تنمى يقال:

نمى الشى‏ء ينمى، من باب رمى، نماء، بالفتح و المد، أى كثر، و فى لغة ينمو نموا، من باب قعد، و يتعدى بالهمزة و التضعيف‏

و ابن هرمة بفتح الهاء و سكون الراء المهملة بعدها ميم: شاعر من مخضرمى الدولتين، و هو آخر من يستشهد بكلامه‏

____________

(1) أنظر صفحة 41 من شرح الجاربردى على الشافية طبع الآستانة، و فيها... و عن ذم الرجال...

(2) فى نسخة «حين تنمى»

غ

26

و قد ترجمناه فى الشاهد الثامن و الستين من أوائل شواهد شرح الكافية

*** و أنشد الجاربردى‏ (1) أيضا بعده، و هو الشاهد الثالث عشر[من البسيط]

و الشّمس طالعة ليست بكاسفة # تبكى عليك نجوم اللّيل و القمرا

على أن تبكى للمغالبة، و نجوم الليل مفعوله، و هى المغلوبة بالبكاء؛ فان الشمس غلبت النجوم بكثرة البكاء، ثم حكى قولين آخرين: أحدهما نصب النجوم بكاسفة، ثانيهما نصبها على المفعول معه، بتقدير الواو التى بمعنى مع، و الوجه الأول نقله عن الجوهرى، و لم يتعرض له ابن برى فى أماليه على صحاحه و لا الصفدى فى حاشيته، و قال الصاغانى فى العباب: و كسفت الشمس تكسف كسوفا و كسفها اللّه، يتعدى و لا يتعدى، قال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز:

فالشمس كاسفة، ليست بطالعة # تبكى عليك نجوم الليل و القمرا

هكذا الرواية: أى أن الشمس كاسفة تبكى عليك الدهر، و النحاة يروونه مغيرا، و هو*الشمس طالعة ليست بكاسفة*أى ليست تكسف ضوء النجوم مع طلوعها؛ لقلة ضوئها و بكائها عليك، انتهى‏

فكاسفة على روايته بمعنى منكسفة، من الفعل اللازم، و جملة «تبكى» خبر بعد خبر، أو صفة لكاسفة، و قوله «الدهر» أى: أبدا أشار به إلى أن نصب النجوم على الظرف كما يأتى بيانه، و أشار إلى أن قوله ليست بطالعة بمعنى كاسفة؛ إذ المراد من طلوعها إضاءتها، فاذا ذهب نورها فكأنها غير طالعة

____________

(1) أنظر صفحة 42 من شرح الجاربردى على الشافية طبع الآستانة و فيها* فالشمس طالعة ليست بكاسفة*و كذا فى العقد الفريد (2: 336 طبع بولاق) و فى الديوان (304) *فالشمس كاسفة ليست بطالعة*و كذا فى القاموس مادة (ك س ف) و فى الصحاح مادة (ب ك ى) *الشمس طالعة ليست بكاسفة* و كذا فيه مادة (ك س ف)

27

و قد تبعه صاحب القاموس فرواه كروايته، و قال: «أى كاسفة لموتك تبكى أبدا، و وهم الجوهرى فغيّر الرواية بقوله*فالشمس طالعة ليست بكاسفة* و تكلف لمعناه» انتهى‏

و قوله «تكلف لمعناه» يعنى أنه جعله من باب المغالبة، و تغليط الجوهرى فى الرواية المذكورة غير جيد؛ فإنها رواية البصريين، و ما صححه تبعا لصاحب العباب رواية الكوفيين.

قال ابن خلف فى شرح شواهد سيبويه: اختلف الرواة فى هذا البيت، فرواه البصريون*الشس طالعة ليست بكاسفة*و رواه الكوفيون*الشمس كاسفة ليست بطالعة*و رواه بعض الرواة بنصب النجوم، و بعض آخر برفعها، و قد اختلف أصحاب المعانى و أهل العلم من الرواة و ذوو المعرفة بالاعراب من النحاة فى تفسير وجوه هذه الروايات و قياسها فى العربية، و من روى*الشمس طالعة ليست بكاسفة*فإنه استعظم أن تطلع و لا تنكسف مع المصاب به، و مثل هذا قول الآخر[هو لليلى بنت طريف الخارجية ترثى أخاها الوليد][من الطويل‏]

أيا شجر الخابور مالك مورقا # كأنّك لم تجزع على ابن طريف‏

و معناه عند بعضهم تغلب ببكائها عليك نجوم الليل، و فى هذا التأويل وجهان:

أحدهما أن يراد بالنجوم و القمر حقيقتهما ادعاء، ثانيهما أن يراد بهما سادات الناس و الأماثل، و قال آخرون: «نجوم» مفعول تبكى من غير اعتبار المغالبة، و المعنى أن الشمس تبكى عليك مدة نجوم الليل و القمر، فنصب على الظرف، و حكى عن العرب لا أكلمك سعد العشيرة: أى زمانه، و قال جماعة: إن نجوم الليل منصوبة بكاسفة، و القمر معطوف عليها، و هذا أشهر الأجوبة و أقربها مأخذا، و المعنى أن الشمس لم تقو على كسف النجوم و القمر لا ظلامها و كسوفها، انتهى كلام ابن خلف‏

28

و ممن رواه كذلك ابن عبد ربه فى العقد الفريد (1) ، و قال: يقول إن الشمس طالعة و ليست بكاسفة نجوم الليل لشدة الغم و الكرب الذى فيه الناس‏

و كذا رواه الأخفش المجاشعى فى كتاب المعاياة، و قال: أراد الشمس طالعة و لا ضوء لها، فترى مع طلوعها النجوم بادية لم يكسفها ضوء الشمس؛ فليست بكاسفة نجوم الليل و القمر

و كذا رواه اللّبلىّ فى شرح فصيح ثعلب، و قال: يعنى أن الشمس طالعة ليست مغطية نجوم الليل و القمر

و هؤلاء الثلاثة جعلوا نجوم الليل منصوبة بكاسفة

و كذا رواه السيد المرتضى‏ (2) فى أماليه و نقل فى نصب النجوم ثلاثة أقوال:

أولها نصبهما بكاسفة، و قال: أراد أن الشمس طالعة و ليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل و القمر؛ لأن عظم الرزء قد سلبها ضوءها، فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب، ثانيها: أن نصبها على الظرف، قال: كأنه أخبر بأن الشمس تبكيه ما طلعت النجوم‏[و ظهر القمر] (3) ثالثها: على المغالبة، و هو أن يكون القمر و النجوم باكين الشمس على هذا المرثى المفقود، فبكتهنّ أى غلبتهن بالبكاء

و كذا رواه المبرد فى‏ (4) الكامل «الشمس طالعة» و قال: و أما قوله نجوم

____________

(1) ذكره فى (ج 2 ص 336 طبع بولاق) مع البيتين السابقين عليه و سيذكرهما المؤلف، و ليس فى الموضع الذى أشرنا إليه من العقد الكلام الذى نقله عنه المؤلف فى شرح البيت‏

(2) انظر أمالى المرتضى (ج 1 ص 39)

(3) الزيادة التى بين قوسين عن أمالى المرتضى فى الموضع المذكور

(4) أنظر كامل المبرد (ج 1 ص 402 طبع المطبعة الخيرية سنة 1308) تر أن جميع الزيادات الموجودة بين قوسين مثبتة فيها

29

الليل و القمرا ففيه أقاويل كلها جيد؛ فمنها أن تنصب‏ (1) نجوم الليل‏[و القمرا بقوله‏] بكاسفة، يقول: الشمس طالعة ليست بكاسفة نجوم الليل و القمر، و إنما تكسف النجوم‏[و القمر]بإفراط ضيائها، فاذا كانت من الحزن عليه قد ذهب ضياؤها ظهرت الكواكب، و يجوز أن يكون نجوم الليل و القمر أراد بهما الظرف، يقول تبكى‏[الشمس‏]عليك مدة نجوم الليل و القمر كقولك تبكى عليك الدهر و الشهر، و تبكى عليك الليل و النهار يا فتى، و يكون‏ (2) تبكى عليك‏[الشمس‏]النجوم كقولك:

أبكيت زيدا على فلان، و قد قال فى هذا المعنى‏[أحد المحدثين شيئا مليحا و هو] أحمد أخو أشجع السلمى، يقوله لنصر بن شبث العقيلى، و كان أوقع بقوم من بنى تغلب بموضع يعرف بالسواجين‏[من الكامل‏]:

للّه سيف فى يدى نصر # فى حدّه ماء الرّدى يجرى

أوقع نصر بالسواجين ما # لم يوقع الجحّاف بالبشر

أبكى بنى بكر على تغلب # و تغلبا أبكى على بكر

و يكون تبكى عليك نجوم الليل و القمر على أن تكون الواو فى معنى مع، و إذا كانت كذلك فكأن قبل الاسم‏[الذى يليه أو بعده‏]فعل، انتصب لأنه فى المعنى مفعول وصل إليه الفعل فنصبه، و نظير ذلك استوى الماء و الخشبة؛ لأنك لم ترد استوى الماء و استوت الخشبة و لو أردت ذلك لم يكن إلا الرفع، و لكن التقدير ساوى الماء الخشبة، انتهى كلامه، و لم يذكر معنى المغالبة فيه‏

قال ابن السيد فيما كتبه عليه: الوجه الأول‏[هو]أصح فى المعنى، و هو أن ينصب نجوم الليل و القمر بكاسفة، لأن فى هذا إخبارا بأن الشمس قد ذهب نورها

____________

(1) فى الأصل «أن نصب» و التصحيح عن الكامل فى الموضع المذكور

(2) هذا وجه آخر غير نصب نجوم الليل على الظرف، و مفاده أن انتصابها على المفعولية

30

لفرط الحزن فلم تمنع الدرارىّ من النجوم أن تظهر، و هذا هو الذى يذكره الشعراء عند تهويل الرزية بالمفقود، انتهى‏

و طالعته فى نسختين صحيحتين جدا من الكامل مضبوطة بالرفع على الخبرية، و جملة «ليست بكاسفة» صفة لطالعة، و جملة «تبكى» خبر ثان‏

و زعم الفيومى فى المصباح‏ (1) أن طالعة و تبكى حالان؛ فانه قال: فى البيت تقديم و تأخير، و التقدير الشمس فى حال طلوعها و بكائها عليك لبست تكسف النجوم و القمر لعدم ضوئها؛ هذا كلامه‏

و قال ابن خلف: يجوز أن تكون جملة «تبكى» حالا إما من الشمس أو من التاء فى ليست‏ (2) كأنه قال: ليست فى حال بكاء، و قد تكون سادة مسدّ خبر ليس، انتهى‏

و الوجه الأول مأخوذ من كلام ابن السيد فى شرح أبيات المعانى، و هو إنما يتمشى على مذهب سيبويه القائل بجواز مجى‏ء الحال من المبتدأ، و الوجه الثانى فاسد؛ لأن بكاءها بيان لكسفها النجوم، و الوجه الثالث خطأ معنى و إعرابا (3)

و قول المبرد «يجوز أن يكون أراد بهما الظرف» يريد أن الشاعر أقامهما مقام مصدر محذوف هو المراد به معنى الظرف، فكأنه قال: دوام نجوم الليل و القمر: أى فى مدة دوامهما، فحذف المضاف و أعرب المضاف إليه باعرابه، و يكون

____________

(1) أنظر مادة (ك س ف) من المصباح‏

(2) العبارة غير صحيحة فنيا لأن التاء حرف دال على التأنيث فلا يجى‏ء منه الحال، و غرضه أن طالعة حال من الضمير المستتر فى ليس المدلول على تأنيثه بالتاء

(3) أما فساده معنى فلأن حاصل تقدير الكلام: ليست الشمس موجودة فى حال بكاء عليك، و هذا غير المراد، و أما فساده من جهة الاعراب فلأن محل سد الحال مسد الخبر إذا كان المبتدأ مصدرا صريحا أو مؤولا أو كان اسم تفضيل مضافا إلى المصدر و ليس هذا واحدا منها

31

مراده من النجوم الدهر، و من القمر الشهر

و يرد على هذا الوجه و على الأوجه الثلاثة الآتية و على وجه المغالبة أن كاسفة يكون من الفعل اللازم فلا يصح المعنى به لأنه حينئذ يكون نافيا للكسوف عن الشمس فى ذاتها، و إذا لم تنكسف الشمس فى ذاتها فلا حزن لها على المذكور، و هو ضد ما أراده الشارح، و هذا لا يرد على الوجه الأول المتعدى؛ فانه لم ينف عن الشمس الانكساف فى ذاتها، إنما نفى عنها أن تكسف غيرها لذهاب نورها و انكسافها فى ذاتها

و يجاب بمنع جعله من اللازم؛ فيكون من المتعدى، و يقدر له مفعول محذوف، و تقديره ليست بكاسفة شيئا، فحذف للتعميم، و المعنى يدل عليه، كما تقول: زيد[غير]ضارب‏

و قول ابن السيد فيما كتبه على الكامل «إن قدر كاسفة بمعنى منكسفة صح الوجه الأول فقط» غير صحيح، فتأمل، و يريد بالوجه الأول النصب على الظرف، و بما ذكرنا ظهر وجه رجحان نصب النجوم بكاسفة على غيره، و هو منشأ من صوّب رواية و الشمس كاسفة

و قول المبرد «و يكون تبكى عليك النجوم كقولك أبكيت زيدا على فلان» يريد أن تبكى فى البيت بضم‏ (1) التاء مضارع أبكاه على فلان بمعنى جعله باكيا عليه‏

و يرد على هذا أيضا أن الإبكاء على الشى‏ء كالبكاء عليه سببهما الحزن، و نفى الكسوف مناقض لذلك،

و يجاب بما ذكرنا

____________

(1) ذلك لأن بكى المتعدى معناه فيما لو قلت بكيت زيدا أنك بكيت عليه فأما إن أردت معنى هيجت بكاءه على آخر فأنك تقول أبكيته، و الذى فى الكامل «بكيت زيدا على فلان» فالتاء مفتوحه لأنه مضارع الثلاثى‏

32

و قول المبرد «و يكون تبكى عليك نجوم الليل و القمرا على أن تكون الواو فى معنى مع» يريد رفع النجوم بتبكى و الواو بعدها بمعنى مع، و لم يذكر أبو حيان فى الارتشاف غير هذا الوجه فى البيت، قال فيه: قال الأستاذ أبو على:

إذا كان العطف نصا على معنى مع و كان حقيقة فى المعنى ضعف النصب، كقولك:

قام زيد و عمرو، فهذا لا يقال بالنصب إلا إن سمع، و منه: -

*تبكى عليك نجوم الليل و القمرا*

أى مع القمر، انتهى‏

و قال ابن الملا فى شرح المغنى: و أما تجويز رفع النجوم على أنها فاعل تبكى و نصب القمر على أنه مفعول معه فانه و إن صح معناه لكنه يؤدى إلى عدم ارتباط المصراع الثانى بالأول، و ألا يكون للمصراع الأول معنى يناسب المقام إلا على رواية

*فالشمس كاسفة ليست بطالعة*

هذا كلامه، و هو مختل من وجوه: الأول: كيف جاز له أن يقول «و إن صح معناه» مع قوله «لا يكون للمصراع الأول معنى يناسب المقام» و هل هو إلا تناقض؟الثانى قوله «يؤدى إلى عدم ارتباط المصراع الثانى بالأول» لا مانع منه، فان جملته مستأنفة؛ و كاسفة بمعنى منكسفة، فيكون استعظاما لطلوع الشمس و عدم انكسافها مع عظم المصيبة؛ فيكون أنكر طلوعها كذلك مع أن النجوم مع القمر تبكى عليه؛ الثالث أن ما أورده على هذا الوجه وارد على وجه المغالبة و نصب النجوم على الظرف أيضا، و قد ذكرهما هو و لم يتنبه له، الرابع:

لا ينحصر معنى المصراع الأول على رواية «فالشمس كاسفة» لما ذكرنا آنفا، و لما قدمنا من تقدير المفعول‏

و لم يذكر المبرد نصب النجوم «بتبكى» بفتح التاء لا على وجه المغالبة و لا على‏

33

غيرها، و هما قولان آخران، و قد نقلناهما، و لم يذكر أيضا نصب النجوم على حذف واو المفعول معه، و هو قول نقله ابن السيد فى شرح أبيات المعانى، قال: «الرابع من الوجوه التى ذكرها النحاة فى نصب النجوم، أن يكون أراد الواو التى فى معنى مع، فكأنه قال: تبكى عليك و نجوم الليل و القمر: أى مع نجوم الليل و القمر، فيكون مفعولا معه، و قد حذف الواو، و هذا أبعدها» اهـ، و وجه الأبعدية أن هذه الواو لم يثبت حذفها

و لا بأس بشرح أصل كاسفة بعد الفراغ من الإعراب؛ قال الفيومى فى المصباح: كسفت الشمس من باب ضرب كسوفا، و كذلك القمر، قاله ابن فارس و الأزهرى، و قال ابن القوطية أيضا: كسف القمر و الشمس و الوجه: تغير، و كسفها اللّه كسفا، من باب ضرب أيضا، يتعدى و لا يتعدي؛ و المصدر فارق، و نقل «انكسف الشمس» فبعضهم يجعله مطاوعا، مثل كسرته فانكسر، و عليه حديث رواه أبو عبيد و غيره «انكسفت الشمس على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم» و بعضهم يجعله غلطا فيقول: كسفتها فكسفت هى لا غير، و قيل: الكسوف ذهاب البعض و الخسوف ذهاب الكل، و قال أبو زيد: كسفت الشمس كسوفا اسودّت بالنهار، و كسفت الشمس النجوم غلب ضوءها على النجوم فلم يبد منها شى‏ء

و البيت من أبيات ثلاثة لجرير قالها لمّا نعى إليه عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمه اللّه تعالى؛ و هى:

نعى النّعاة أمير المؤمنين لنا # يا خير من حجّ بيت اللّه و اعتمرا (1)

حمّلت أمرا عظيما فاضطلعت به # و قمت فيه بأمر اللّه يا عمرا

فالشمس طالعة... البيت‏

____________

(1) فى الديوان: تنعى النعاة... *و فيه: فاصطبرت له، و فى الكامل: حملت أمرا جسيما فاصطبرت له*و فيه: بحق اللّه... * (ق 2-3)

غ

34

فى المصباح: «نعيت الميت نعيا، من باب نفع، أخبرت بموته، فهو منعى، و اسم الفعل المنعي و المنعاة، بفتح الميم فيهما مع القصر، و الفاعل نعىّ على فعيل، يقال: جاء نعيه أى ناعيه، و هو الذى يخبر بموته، و يكون النعىّ خبرا أيضا» انتهى، و النعاة: جمع ناع كقضاة جمع قاض، و أراد بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولى الخلافة بعهد من ابن عمه سليمان بن عبد الملك فى صفر سنة تسع و تسعين، فقدمت إليه مراكب الخلافة فلم يركبها، و ركب فرس نفسه، و منع من سبّ على كرم اللّه وجهه آخر الخطبة، و جعل مكانه‏ (إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ) الآية (1) ، و مناقبه كثيرة ألف فيها جلدا حافلا الإمام ابن الجوزى، و مات بدير سمعان سنة إحدى و مائة، و قوله «يا خير من حج الخ» أى: فقلت يا خير الخ، و قال ابن الملا: منصوب بتقدير قائلين، و قوله «حمّلت أمرا» هو بالبناء للمفعول و تشديد الميم، و الخطاب، و أراد بالأمر العظيم الخلافة، و اضطلع بهذا الأمر: إذا قدر عليه كأنه قويت ضلوعه بحمله، و الألف فى «يا عمرا» ألف الندبة، و به استشهد ابن هشام فى المغنى و فى شرح الألفية (2) ، قال المبرد فى الكامل: قوله «يا عمرا ندبة، أراد يا عمراه، و إنما الألف للندبة وحدها، و الهاء تزاد فى الوقف لخفاء الألف، فاذا وصلت لم تزدها، تقول: يا عمرا ذا الفضل، فاذا وقفت قلت يا عمراه، فحذف الهاء فى القافية لاستغنائه عنها» . اه

و جوز الأخفش المجاشعى فى كتاب المعاياة أن تكون الألف هى المبدلة من ياء المتكلم، و أن يكون عمر منادى منكرا منصوبا و ألفه بدل من نون التنوين،

____________

(1) و يقال: بل جعل مكان سب على قوله تعالى: (رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ -الآية)

(2) أنظر مغنى اللبيب (حرف الألف) و أنظر أوضح المسالك (2: 128)

35

و هذه عبارته: و إنما نصب أبو على يا عمراه أضافه إلى نفسه أو لم يضفه، و جعله نكرة، كما قال الآخر[و هو الأحوص‏][من الوافر]

سلام اللّه يا مطرا عليها # و ليس عليك يا مطر السّلام‏

جعل مطرا نكرة فنصب، و قال بعضهم: هو معرفة. و لكنه لما نونه قام التنوين مقام الاضافة فنصب كما ينصب المضاف، انتهى كلامه. و نقل هذه الوجوه ابن السيّد فيما كتبه على الكامل عن الفارسى، قال: أجاز الفارسى فى «يا عمرا» أن يكون أضافه إلى نفسه كما قال‏[هو لأبى النجم‏][من الرجز]

*يا ابنة عمّا لا تلومى و اهجعى*

و أجاز أن يكون على معنى الندبة، و أجاز أن يكون جعله نكرة، كما قال‏

*سلام اللّه يا مطرا عليها*

قال: و قيل فى قوله «يا مطرا» إنها معرفة، و لكنه لما نوّنه قام التنوين مقام الإضافة فنصبه كما ينصب المضاف، و هو قول عيسى بن عمر، انتهى‏

و قوله «فالشمس طالعة-الخ» أورد المصراع الثانى صاحب الكشاف‏ (1) فى سورة الدخان عند قصة مهلك قوم فرعون و توريث نعمهم، و هو قوله تعالى (كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا قَوْماً آخَرِينَ `فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ) قال: إذا مات رجل خطير قالت العرب فى تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء و الأرض، و بكته الريح. و أظلمت له الشمس، و فى الحديث «ما من مؤمن مات فى غربة غابت فيها بواكيه إلا بكته‏ (2) السماء و الأرض» و قال جرير:

*تبكى عليك نجوم اللّيل و القمرا*

____________

(1) أنظر تفسير الكشاف للزمخشرى (ج 2 ص 314 بولاق سنة 1281)

(2) الذى فى الكشاف «إلا بكت عليه السماء و الأرض» و فيه بعد ذكر قول جرير ذكر بيت ليلى بنت طريف الخارجية الذى تقدم ذكره فى هذا الكتاب‏

36

و ذلك على سبيل التمثيل و التخييل، مبالغة فى وجوب الجزع و البكاء عليه، و كذلك ما يروى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما من بكاء مصلّى المؤمن و آثاره فى الأرض و مصاعد عمله و مهابط رزقه فى السماء تمثيل، و نفى ذلك عنهم فى قوله تعالى‏ (فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ) فيه تهكم بهم و بحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء و الأرض، و عن الحسن رحمه اللّه فما بكى عليهم الملائكة و المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، يعنى فما بكى عليهم أهل السماء و أهل الأرض، انتهى.

و هذا ملخص من‏[أوائل‏]أمالى الشريف المرتضى، و فيها زيادة، و نحن نلخص ما فيها أيضا، قال‏ (1) : فى الآية وجوه أربعة من التأويل؛ أولها: أن المراد أهل السماء و الأرض، فحذف كقوله تعالى‏ (وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ) ؛ ثانيها: أنه تعالى أراد المبالغة فى وصف القوم بصغر القدر و سقوط المنزلة، لأن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: كسفت الشمس لفقده، و أظلم القمر، و بكاه الليل و النهار و السماء و الأرض، يريدون بذلك المبالغة فى عظم الأمر و شمول ضرره، قال جرير: الشمس طالعة-البيت، و قال يزيد بن مفرّغ‏[من الكامل‏]

الرّيح تبكى شجوها # و البرق يلمع فى الغمامه‏

و هذا صنيعهم فى وصف كل أمر جلّ خطبه و عظم موقعه، فيصفون النهار بالظلام، و أن الكواكب طلعت نهارا لفقد نور الشمس و ضوئها، قال النابغة [من البسيط]

تبدو كواكبه و الشّمس طالعة # لا النور نور و لا الإظلام إظلام‏

ثالثها: أن يكون معنى الآية الإخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم، و لا انتصر لهم؛ لأن العرب كانت لا تبكى على القتيل إلا بعد الأخذ بثأره، فكنى اللّه تعالى بهذاّ اللفظ عن فقد الانتصار و الأخذ بالثأر، على مذهب القوم الذين خوطبوا

____________

(1) أنظر الأمالى (1: 38)

37

بالقرآن؛ رابعها: أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم فى الأرض عمل صالح يرفع إلى السماء، و يطابقه ما روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما فى هذه الآية قيل له: أو تبكيان على أحد؟قال: نعم، مصلاّه فى الأرض و مصعد عمله فى السماء، و روى عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال «ما من مؤمن إلا و له باب يصعد منه عمله، و باب ينزل منه رزقه، فاذا مات بكيا عليه» و معنى البكاء هنا الإخبار عن الاختلال بعده، كما يقال:

بكى منزل فلان بعده، قال مزاحم‏[من الطويل‏]

بكت دارهم من أجلهم فتهللت # دموعى، فأىّ الجازعين ألوم؟

و يمكن فى الآية وجه خامس، و هو أن يكون البكاء كناية عن المطر و السقيا؛ لأن العرب تشبه المطر بالبكاء، و يكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم، و لم تجد على قبورهم، على مذهب العرب؛ لأنهم يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم، و يستنبتون لمواقع حفرهم الزهر و الرياض، قال النابغة (1) [من الطويل‏]

فلا زال قبر بين تبني و جاسم # عليه من الوسمىّ طلّ و وابل

فينبت حوذانا و عوفا منوّرا # سأتبعه من خير ما قال قائل‏

و كانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام و مسألة اللّه لهم الرضوان، و الفعل

____________

(1) البيتان للنابغة الذبيانى من قصيدة يرثى فيها النعمان بن الحرث بن أبى شمر الغسانى، و أولهما فى رواية الأصمعى‏

سقى الغيث قبرا بين بصرى و جاسم # بغيث من الوسمىّ قطر و وابل‏

و تبنى، و بصرى، و جاسم: مواضع بالشام. و الوسمى: أول المطر، و الطل: الخفيف منه، و الوابل: الكثير، و الحوذان، و العوف: نبتان، و أولهما أطيب رائحة

38

الذى أضيف إلى السماء و إن كان لا تجوز إضافته إلى الأرض فقد يصح بتقدير فعل، فيكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم و أن الأرض لم تعشب عليها، و كل هذا كناية عن حرمانهم رحمة اللّه و رضوانه، انتهى.

و جرير شاعر إسلامى، ترجمناه فى الشاهد الرابع من أوائل شرح الكافية

*** و أنشد بعده‏[من الطويل‏]

6-*و حبّ بها مقتولة حين تقتل*

على أن أصل حبّ حبب بكسر العين، ثم نقل إلى فعل بضم العين للمدح و التعجب، ثم حذفت الضمة و أدغم، فصار «حبّ» بفتح الحاء، و يجوز نقل الضمة إليها كما تقدم‏

قال الصاغانى فى العباب: تقول: ما كنت حبيبا و لقد حببت بالكسر:

أى صرت حبيبا، قال الأصمعى: قولهم «حبّ بفلان إلىّ» معناه ما أحبه إلىّ، و قال الفراء: معناه حبب بضم الباء، ثم أسكنت و أدغمت فى الثانية، انتهى و قال ابن مالك فى التسهيل: و قد يرد حبّ بضم الحاء بنقل ضم العين إلى الفاء.

قال: و كذا كل فعل حلقي الفاء مراد به مدح أو تعجب: أى نحو حسن الرجل أدبا، فتقول: حسن الرجل أدبا

و لم أعرف وجه تقييد الشارح المحقق حب المنقول إلى المدح بكونه من حبب بكسر العين، مع أن أصل المنقول إلى المدح و الذم يجوز أن يكون عينه مضموما أو مفتوحا أو مكسورا، سواء كان من فعل لازم أو متعد، و قد جاء حبّ متعديا من بابين، فإنه يقال: حببته أحبّه، من باب ضرب، و القياس أحبّه بالضم، لكنه غير مستعمل، و يقال: حببته أحبّه من باب تعب، كما فى المصباح، فيجوز نقل أحدهما إلى فعل بضم العين للمدح، و الباء فى «بها» زائدة، و الضمير فاعل حب، و قد تقدم شرحه فى الشاهد السادس‏

39

و أنشد بعده، و هو الشاهد الرابع عشر،

14-بعد ما متأمّلى‏

و هو قطعة من بيت و هو[من الطويل‏]

قعدت له و صحبتي بين ضارج # و بين العذيب بعدما متأمّلى‏

على أنه يجوز على أحد التأويلين أن يكون أصله بعد بضم العين أصالة.

ألحق بفعل المدح و التعجب ثم حذفت الضمة تخفيفا، و التأويل الثانى فيه أن يكون سكون العين أصليا، و تكون بعد ظرفا، لا فعل مدح و تعجب‏

قال الرياشى: بعد هنا روى بفتح الباء، و بعد تحتمل معنيين: أحدهما أن المعنى بعد، ثم حذفت الضمة، و يجوز أن يكون المعنى بعد ما تأملت، انتهى؛ فما على هذا الوجه زائدة لا غير، «و متأمّلى» مضاف إليه بعد، و على الوجه الأول يجوز أن تكون زائدة، و «متأملى» فاعل بعد و هو مضاف إلى الياء، و الرفع فيه مقدر، و المخصوص بالمدح محذوف، و يجوز أن تكون اسما نكرة منصوبة المحل على التمييز للضمير المستتر فى بعد، و متأملى هو المخصوص بالمدح و التعجب، فتكون «ما» فيه كما فى قوله تعالى‏ (فَنِعِمََّا هِيَ) و على تقدير الفعلية قد روى بضم الباء و فتحها، قال العسكرى فى كتاب التصحيف: رواه أبو إسحق الزيادى عن الأصمعى «بعد» مضمومة الباء، و معناه يا بعد ما تأملت، على التعجب، أى تثبت فى النظر أين تسقى، و رواه أبو حاتم بفتح الباء، و قال: خفّف بعد فأسكن العين و بقيت الباء مفتوحة، مثل كرم و كرم، انتهى. و هذا يرد على ابن مالك؛ فإنه نقل فيه ضمة العين إلى الفاء مع أنها ليست بحرف حلقى، و أما الشارح المحقق فانه لم يقيد فى شرح الكافية جواز نقل الضم بكون الفاء حرفا حلقيا، بل أطلق، و مثل بهذا البيت بعينه، و البيت من معلقة امرى‏ء القيس، و قبله:

أصاح ترى برقا أريك و ميضه # كلمع اليدين فى حبىّ مكلّل‏

40

يضى‏ء سناه أو مصابيح راهب # أهان السّليط بالذّبال المفتّل‏

و الهمزة للنداء، و صاح مرخم صاحب، و حذفت همزة الاستفهام بعده للضرورة؛ و الوميض: اللمعان، و اللمع: التحرك و التحريك جميعا، و الحبي بالحاء المهملة و كسر الموحدة: السحاب المتراكم، سمى به لأنه حبا بعضه إلى بعض: أى تراكم و جعله مكللا لأنه صار كالإكليل لأسفله، و منه قولهم: كللت الرجل، إذا توجته، و يروى «مكلّل» بكسر اللام اسم فاعل من كلّل تكليلا، إذا تبسم، يقول لصاحبه:

يا صاحبى هل ترى برقا أريك لمعانه فى سحاب متراكم صار أعلاه كالإكليل لأسفله أو فى سحاب متبسم بالبرق يشبه برقه تحريك اليدين، يريد يتحرك كتحرك اليدين، و تقديره أريك و ميضه فى حبىّ مكلل كلمع اليدين شبه لمعان البرق و تحركه بتحرك اليدين، و قوله «يضى‏ء سناه» السنا بالقصر: الضوء و السليط: الزيت، و قيل: الشّيرج، و الذبال: جمع ذبالة، و هى الفتيلة، و معنى «أهان السليط» أنه لم يعزّه و أكثر الإيقاد به، يقول: هذا البرق يتلألأ ضوءه فهو يشبه فى تحركه لمع اليدين أو مصابيح الرهبان التى أميلت فتائلها بصب الزيت عليها فى الإضاءة، يريد أن تحركه يحكى تحرك اليدين، و ضوءه يحكى ضوء مصابيح الرهبان، فمصابيح بالجر معطوف على لمع، و قوله «قعدت له-الخ» ضارج و العذيب: مكانان، يقول: قعدت لذلك البرق أنظر من أين يجى‏ء بالمطر، ثم تعجب من بعد تأمله. و قال الزوزنى: قعدت للنظر إلى السحاب و أصحابى بين هذين الموضعين‏[و كنت معهم‏] (1) فبعد متأملى و هو المنظور إليه: أى بعد السحاب الذى كنت أنظر إليه و أرقب مطره و أشيم برقه، يريد أنه نظر إلى هذا السحاب من مكان بعيد فتعجب من بعد نظره. انتهى‏

و ترجمة امرى‏ء القيس تقدمت فى الشاهد التاسع و الأربعين من شواهد شرح الكافية، و تقدم شرح هذا البيت أيضا فى الشاهد السبعين بعد السبعمائة منه‏

____________

(1) هذه العبارة ليست فى شرح الزوزنى‏

41

و أنشد بعده، و هو الشاهد الخامس عشر، و هو من شواهد سيبويه‏ (1) [من الطويل‏]

15-وقفت على ربع لميّة ناقتى # فما زلت أبكى عنده و أخاطبه

و أسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه # تكلّمنى أحجاره و ملاعبه‏

على أن «أسقيه» بمعنى أدعو له بالسّقيا، مضارع أسقاه‏

قال سيبويه‏ (1) ، و قالوا: أسقيته فى معنى سقّيته فدخلت على فعّلت، ثم أنشد البيتين، قال أبو الحسن الأخفش فى شرح‏ (2) نوادر أبى زيد: قالوا فى أسقاه اللّه: إنه فى معنى سقاه اللّه، و أنشدوا قول لبيد[من الوافر]

سقى قومى بنى مجد و أسقي # نميرا و القمائل من هلال‏

قال الأصمعى: هما يفترقان، [و هذا الذى أذهب إليه‏] (3) فمعنى سقيته أعطيته ماء لسقيه، و معنى أسقيته جعلت جعلت له ماء يشربه أو عرضته لذلك، أو دعوت له، كل هذا يحتمله هذا اللفظ، و أنشد قول ذى الرمة:

*وقفت على ربع لمية ناقتى*البيتين‏

قوله «و أسقيه» أدعو له بالسقيا، و هذا أشبه بكلام العرب، و قال ابن الأعرابى: معناه أسقيه من دمعى، و هذا غير بعيد من ذلك المعنى: أى أجعل له سقيا من دمعى على سبيل الإغراق و الإفراط، كما قال‏[من الطويل‏]:

وصلت دما بالدّمع حتّى كأنّما # يذاب بعينى لؤلؤ و عقيق‏

انتهى‏

____________

(1) انظر كتاب سيبويه (ج 2 ص 235)

(2) انظر نوادر أبى زيد (ص 213) ، و فيها فى بيت لبيد «بنى نجد» و الذى فى الأصل كرواية الأعلم فى شرح شواهد سيبويه (ج 2 ص 235)

(3) الزيادة عن شرح الأخفش لنوادر أبى زيد (ص 213)

غ

42

و قال الأعلم: قوله «و أسقيه» معناه أدعو له بالسقيا، يقال: سقيته، إذا ناولته الشراب، و أسقيته‏[إذا جعلت له سقيا يشرب منه، و أسقيته و سقّيته‏] (1) إذا قلت له سقيا لك، و بعضهم يجيز سقيته و أسقيته بمعنى إذا ناولته ماء يشربه، و احتج بقول الشاعر:

*سقى قومى بنى مجد-البيت*

و الأصمعى ينكره و يتهم قائله‏ (2) ، انتهى.

و قوله «وقفت على ربع-الخ» هذا مطلع قصيدة طويلة لذى الرمة، و وقفت الدابة وقفا و وقوفا: أى منعتها عن السير، و وقفت هى أيضا، يتعدى و لا يتعدى، و وقفت الدار وقفا: حبستها فى سبيل اللّه، و أوقفت الدار و الدابة بالألف لغة تميم، و أنكرها الأصمعى، و قال: الكلام وقفت بغير ألف. و حكى بعضهم ما يمسك باليد يقال فيه أوقفته بالألف، و ما لا يمسك باليد يقال وقفته بغير ألف و الفصيح وقفت بغير ألف فى جميع الباب، إلا فى قولك: ما أوقفك هاهنا، و أنت تريد أى شأن حملك على الوقوف، فان سألت عن شخص قلت: من وقفك، بغير ألف. كذا فى المصباح، و الرّبع: الدار حيث كانت، و أما المربع فالمنزل فى الربيع خاصة، و ميّة: اسم محبوبة ذى الرمة، و قوله «و أسقيه» معطوف على أخاطبه، «و أبثه» بفتح الهمزة و ضمها، يقال: بثثته ما فى نفسى و أبثثته، إذا أخبرته بما تنطوى عليه و تسره، و «الملاعب» جمع ملعب، و هو الموضع الذى يلعب فيه الصبيان‏

و ترجمة ذى الرمة تقدمت فى الشاهد الثامن من أول شرح الكافية

***

____________

(1) الزيادة عن شرح شواهد سيبويه للأعلم (ج 2 ص 235)

(2) فى الأعلم زيادة «لأنه لو كان عربيا مطبوعا لم يجمع بين لغتين لم يعتد إلا إحداهما»

43

و أنشد بعده، و هو الشاهد السادس عشر، و هو من شواهد سيبويه‏[من البسيط]

16-ما زلت أفتح أبوابا و أغلقها # حتّى أتيت أبا عمرو بن عمّار

على أن أفتح و أغلق فيه بمعنى أفتّح و أغلّق بالتشديد، قال سيبويه فى باب افتراق فعلت و أفعلت فى الفعل للمعنى ما نصه: «و قالوا أغلقت الباب و غلّقت الأبواب حين كثروا العمل‏ (1) ، و إن قلت أغلقت الأبواب كان عربيا جيدا، [و] (2) قال الفرزدق:

*ما زلت أغلق أبوابا و أفتحها*البيت‏

و قال أيضا فى الباب الذى يليه و هو باب دخول فعّلت على فعلت، الأول بالتشديد و الثانى بالتخفيف «نحو كسرته و قطعته فاذا أردت كثرة العمل قلت كسّرته و قطعته» إلى أن قال: «و اعلم أن التخفيف فى هذا جائز كله‏ (3) عربى، إلا أن فعّلت إدخالها هنا لتبيين الكثير، و قد يدخل فى هذا التخفيف، قال الفرزدق‏

*ما زلت أفتح أبوابا و أغلقها*البيت‏

و فتّحت فى هذا أحسن، و قد قال جل ذكره (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) انتهى.

فظهر أن فى كليهما مبالغة، لا فى أغلقها فقط، و لهذا نبه عليهما الشارح المحقق‏

و قال الأعلم: «الشاهد فى جواز دخول أفعلت على فعّلت فيما يراد به التكثير، يقال: فتحت الأبواب و أغلقتها، و الأكثر فتّحتها و غلّقتها، لأن الأبواب جماعة فيكثر الفعل الواقع عليها» انتهى‏

و اقتصر ابن السراج فى الأصول على التنبيه على أغلقها فقط، قال: «يجى‏ء

____________

(1) فى سيبويه (ج 2 ص 237) زيادة قوله: «و سترى نظير ذلك فى باب فعلت (بالتشديد) إن شاء اللّه»

(2) الزيادة عن كتاب سيبويه فى الموضع السابق‏

(3) فى الأصول: «أن التخفيف فى هذا كله جائز عربى» و التصحيح عن سيبويه فى الموضع السابق‏

44

أفعلت فى معنى فعّلت، كما جاءت فعّلت فى معناها: أقللت و أكثرت فى قللت و كثرت، و قالوا: أغلقت الأبواب و غلّقت، قال الفرزدق:

ما زلت أغلق أبوابا و أفتحها... البيت‏

، انتهى‏

و أورد سيبويه هذا البيت أيضا فى باب ما يذهب التنوين فيه من الأسماء (1) قال: «و تقول هذا أبو عمرو بن العلاء، لأن الكنية كالاسم الغالب، ألا ترى أنك تقول: هذا زيد بن أبى عمرو، فتذهب التنوين كما تذهبه فى قولك: هذا زيد ابن عمرو، لأنه اسم غالب‏ (2) ، و قال الفرزدق فى أبى عمرو بن العلاء:

*ما زلت أغلق أبوابا و أفتحها*البيت‏

قال الأعلم «الشاهد فيه حذف التنوين من أبى عمرو؛ لأن الكنية فى الشهرة و الاستعمال بمنزلة الاسم العلم‏[فيحذف التنوين منها إذا نعتت بابن مضاف إلى علم كما يحذف التنوين من الاسم‏] (3) و أراد أبا عمرو بن العلاء بن عمار» انتهى.

و زعم ابن السيرافى فى شرح أبيات سيبويه أن عمارا جدّ من أجداده، ورد عليه الأسود أبو محمد الأعرابى فى فرحة الأديب بأن عمارا جده الأدنى، و ليس بجد من أجداده، و هو أبو عمرو زبّان بن العلاء بن عمار المازنى، من بنى مازن ابن مالك بن عمرو بن تميم، و أنشد بعد ذلك البيت بيتين آخرين، و هما:

حتى أتيت فتى محضا ضريبته # مرّ المريرة حرّا و ابن أحرار

ينميه من مازن فى فرع نبعتها # أصل كريم و فرع غير خوّار

____________

(1) انظر كتاب سيبويه (جـ 2 ص 147) و ما بعدها

(2) فى كتاب سيبويه هنا زيادة قوله: «و تصديق ذلك قول العرب هذا رجل من بنى أبى بكر بن كنانة»

(3) الزيادة عن شرح الأعلم لشواهد سيبويه (جـ 2 ص 148)

45

و الضريبة: الطبيعة، يعنى أنه أصل كريم لا يخالط طبعه لؤم، و المحض:

الخالص الذى لا يخالطه شى‏ء آخر، و المريرة: العزيمة، يعنى أنه شديد الأنفة تعاف نفسه أن يفعل أفعالا غير عالية، و ينميه: ينسبه و يرفعه، و فاعله أصل، و الفرع:

شريف قومه، و الفرع الغصن و الأعلى من كل شى‏ء، و الفرع الشجرة، و النبعة:

شجرة، و الفرع الثانى مقابل الأصل، و هو مأخوذ من فرع الشجرة، و الخوار: الضعيف‏

و قال بعض من كتب على أبيات سيبويه: أراد بقوله «أفتح أبوابا و أغلقها» أنى كشفت عن أحوال الناس و فتشتهم فلم أر فيهم مثل أبى عمرو

و قال ابن السيد فى شرح أدب الكاتب: «الفتح و الاغلاق هنا مثلان لما استغلق عليه من الأمور و ما انفتح، و أحسب الفرزدق يعنى أبا عمرو بن العلاء»

و أقول: كأنهما لم يقفا على ما فى طبقات النحاة لأبى بكر محمد التاريخى فانه روى بسند إلى الأصمعى أنه قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء قال: دخل علىّ الفرزدق فغلقت أبوابا ثم أبوابا، ثم فتحت أبوابا ثم أبوابا، فأنشأ الفرزدق:

*ما زلت أفتح أبوابا و أغلقها*البيت‏

و قال التاريخى أيضا: حدثنا أحمد بن عبيد، قال: حدثنا الأصمعى، قال:

دخل الفرزدق على أبى عمرو بن العلاء و صعد إلى غرف فقال «ما زلت أفتح أبوابا» البيت‏

و قال أبو عبيد البكرى فى شرح أمالى القالى: إن أبا عمرو بن العلاء كان هاربا من الحجاج مستترا، فجاء الفرزدق يزوره فى تلك الحالة، فكان كلما يفتح له باب يغلق بعد دخوله، إلى أن وصل إليه، فأنشده هذه الأبيات‏

و ترجمة الفرزدق تقدمت فى شرح الشاهد الثلاثين من أوائل شواهد شرح الكافية

و أبو عمرو بن العلاء هو أحد القراء السبعة، كان رحمه اللّه من أعلم الناس بالقرآن و لغاته و تفسيره و عربيته، و كان إماما فى الشعر و النحو و اللغة و أيام العرب‏

46

أصله من كازرون، و ولد بمكة شرفها اللّه تعالى سنة ثمان، و قيل تسع و ستين، و نشأ بالبصرة، و مات بالكوفة سنة أربع، و قيل خمس و خمسين و مائة، و اختلف فى اسمه: فقيل زبّان بفتح الزاى المعجمة و تشديد الباء الموحدة، و هو الصحيح، و قيل: العريان، و قيل: محبوب، و قيل: يحيى، و قيل: عيينة، و قيل اسمه كنيته، و يرده كلام سيبويه، و اشتهر بأبيه العلاء، لأن أباه كان على طراز الحجاج‏ (1) ، و كان مشهورا معروفا، وجده عمار كان من أصحاب أمير المؤمنين على ابن أبى طالب، و قرأ أبو عمرو على مجاهد و عكرمة و عطاء و أبى العالية و يحيى بن يعمر و سعيد بن جبير، و يروى أنه قرأ على ابن كثير رحمه اللّه مع أنه فى درجته‏

تتمة: قد وقع البيت فى أبيات جيمية للراعى النّميرىّ و هى‏[من البسيط]:

و مرسل و رسول غير متهّم # و حاجة غير مزجاة من الحاج

طاوعته بعد ما طال النّجىّ بنا # و ظنّ أنّى عليه غير منعاج

ما زال يفتح أبوابا و يغلقها # دونى و أفتح بابا بعد إرتاج

حتّى أضاء سراج دونه بقر # حمر الأنامل عين طرفها ساج‏

و بعده أبيات أخر أوردها الآمدى فى ترجمته من المؤتلف و المختلف، و المبرد فى أوائل الكامل و شرحها، و أراد بالمرسل نفسه، يقول: هى حاجة مكتومة إنما يرسل إلى امرأة فهو يكتمها، و المزجاة: اليسيرة، و النجى: المناجاة، جاء به على فعيل كالصهيل و منعاج: منعطف، و أراد بالبقر النساء، و العرب تكنى عن المرأة بالبقرة و النعجة و ساج: ساكن، و لا أدرى أيهما أخذه من صاحبه، و اللّه أعلم‏

*** و أنشد بعده و هو الشاهد السابع عشر[من الكامل‏]:

17-*إنّ البغاث بأرضنا يستنسر*

على أن يستنسر معناه يصير كالنسر فى القوة، قال القالى فى أماليه: قال الأصمعى: من أمثال العرب إن البغات الخ، يضرب مثلا للرجل يكون ضعيفا

____________

(1) أى: كان قيما على نسج ثياب الحجاج‏

47

ثم يقوى، قال القالى: سمعت هذا المثل من أبى الميّاس، و فسره لى فقال: يعود الضعيف بأرضنا قويا، ثم سألت عن أصل هذا المثل أبا بكر بن دريد فقال:

البغاث ضعاف الطير، و النسر أقوى منها؛ فيقول: إن الضعيف يصير كالنسر فى قوته، انتهى‏

و فى الصحاح: قال ابن السكيت: البغاث طائر أبغث إلى الغبرة دوين الرّخمة بطى‏ء الطيران، و فى المثل «إن البغاث بأرضنا يستنسر» أى من جاورنا عزبنا، و قال يونس: فمن جعل البغاث واحدا فجمعه بغثان، مثل غزال و غزلان و من قال للذكر و الأنثي بغاثة فالجمع بغاث، مثل نعامة و نعام، و قال الفراء: بغاث الطير شرارها و ما لا يصيد منها، و بغاث و بغاث و بغاث ثلاث لغات‏

و كتب ابن برى على ما نقله عن ابن السكيت: هذا غلط من وجهين:

أحدهما أن البغاث اسم جنس واحده بغاثة مثل حمام و حمامة، و أبغث صفة، بدليل قولهم أبغث بين البغثة، كما تقول أحمر بين الحمرة، و جمعه بغث، مثل أحمر و حمر، و قد يجمع على أباغث لما استعمل استعمال الأسماء، كما قالوا أبطح و أباطح، و الثانى أن البغاث ما لا يصيد من الطير، و أما الأبغت من الطير فهو ما كان لونه أغبر، و قد يكون صائدا و غير صائد، انتهى‏

و هو مصراع من الشعر، و لم أقف على تتمته بعد التتبع و بذل الجهد، و اللّه أعلم‏

*** و أنشد بعده، و هو الشاهد الثامن عشر[من الرجز]:

18-إنّى أرى النّعاس يغرندينى # أطرده عنّى و يسرندينى‏

على أن هذين الفعلين قد جاءا متعديين فى الظاهر، و الأصل يغرندى علىّ، و يسرندى علىّ، أى يغلب و يتسلط، و حمل ابن هشام فى المغنى تعديهما على الشذوذ، و قال: و لا ثالث لهما، و قال ابن جنى فى شرح تصريف المازنى: افعليت على ضربين: متعد و غير متعد، فالمتعدى نحو قول الراجز:

48

قد جعل النّعاس يغرندينى # أدفعه عنّى و يسرندينى‏

و غير المتعدى نحو قولهم: احر نبى الديك، انتهى. و تبعه السخاوى فى سفر السعادة فقال: السّرندى هو الجرى‏ء الشديد، و منه قولهم: اسرنداه، إذا ركبه، و أنشد الرجز، و كذا فى الصحاح، قال: اسرنداه اعتلاه، و الاسرنداء:

الاغرنداء، و المسرندى: الذى يعلوك و يغلبك، و أنشد الرجز، و لم يتعرض له ابن برى فى أماليه عليه بشى‏ء، و لا الصفدى فى حاشيته عليه، و قلما خلا عن هذا الرجز كتاب من علم الصرف، و مع ذلك لم يعرف قائله، و اللّه أعلم.

المضارع‏

و أنشد بعده، و هو الشاهد التاسع عشر:

19-بنت على الكرم‏

هو قطعة من بيت و هو[من المنسرح‏]:

نستوقد النّبل بالحضيض و نصـ # طاد نفوسا بنت على الكرم‏

على أن أصله بنيت، وطى‏ء تفتح قياسا ما قبل الياء إذا تحركت الياء بفتحة غير إعرابية، فتنقلب الياء ألفا، و كانت طرفا، لتحركها و انفتاح ما قبلها، فصار بنات فحذفت الألف لالتقاء الساكنين‏

قال ابن جنى فى إعراب الحماسة: هذه لغة طائية، و هو كثير، إلا أنه ينبغى أن تعلم أن الكسرة المبدلة فى نحو هذا فتحة مبقّاة الحكم غير منسية و لا مطروحة الاعتداد بها، ألا ترى أن من قال فى بقى بقا و فى رضى رضا لا يقول فى مضارعه إلا يبقى ألبتة، و لو كان الفعل مبنيا على فعل أو منصرفا به عن إرادة فعل معنى كما انصرف به عنه لفظا لوجب أن تقول فى رضا: يرضو، كما تقول فى غزا: يغزو، و فى فنا يفنو؛ لأنه عندى من الواوى، و ذلك أنه من معنى الفناء للدار و غيرها، إلى آخر ما ذكره‏

49

و هذا البيت قبله بيت و هو[من المنسرح‏]:

نحن حبسنا بنى جديلة فى # نار من الحرب جحمة الضّرم‏

نستوقد النبل الخ‏

و أوردهما أبو تمام فى أوائل الحماسة (1) ، و نسبهما إلى بعض بنى بولان من طى، و بولان-بفتح الموحدة و سكون الواو-علم مرتجل من البول. قال أبو العلاء المعرى: يجوز أن يكون اشتقاقه من البال، و هو الخلد و الحال، و جديلة-بفتح الجيم-حى من طى، و هو المراد هنا، و جديله حى من الأزد أيضا، وحى من قيس عيلان أيضا؛ و جحمة-بفتح الجيم و سكون الحاء المهملة-مصدر جحمت النار، فهى جاحمة: أى اضطرمت و التهبت، و منه الجحيم، و الضّرم-بفتحتين- التهاب النار، و قد ضرمت و اضطرمت و تضرمت. يقول. حبسنا هؤلاء القوم على نار من الحرب شديدة الاضطرام و الالتهاب‏

و قوله «نستوقد النبل: الخ» نستوقد بالنون، و النّبل-بفتح النون- السهام مفعوله، يقول: تنفذ سهامنا فى الرّميّة حتى تصل إلى حضيض الجبل فتخرج النار؛ لشدة رمينا و قوة سواعدنا، و نصيد بها نفوسا مبنية على الكرم، يعنى أنا نقتل الرؤساء، و هذا من فصيح الكلام، كأنه جعل خروج النار من الحجر عند ضربهم النبل له استيقادا منهم لها، و الحضيض: قرار الجبل و أسفله، و روى «تستوقد النبل» (2) بالمثناة الفوقية، و النبل فاعله، و روى أبو محمد

____________

(1) انظر شرح الحماسة للتبريزى (جـ 1 ص 86) فقد أخذ المؤلف أكثر ما كتبه على هذا الشاهد منه و إن لم يجر ذكره‏

(2) أشار التبريزى فى الموضع المذكور إلى هذه الرواية و لكنه جعل فاعل تستوقد ضميرا مستترا عائدا إلى الحرب فى البيت السابق و جعل النبل منصوبا على أنه مفعول به‏

(ق 2-4)

غ

50

الأعرابى فيما نقض به على أبى عبد اللّه النمرى أول شارح للحماسة هذين البيتين لرجل من بنى القين على وجه لا شاهد فيه، و هو كذا

نستوقد النبل بالحضيض و نقـ # تاد نفوسا صيغت على كرم‏

قال: و هذا البيتان لرجل من بلقين، و سبب ذلك أن القين بن جسر وطيئا كانوا حلفاء، ثم لم تزل كلب بأوس بن حارثة حتى قاتل القين يوم ملكان‏ (1) فحبستهم بنو القين ثلاثة أيام و لياليها؛ لا يقدرون على الماء، فنزلوا على حكم الحارث بن زهدم أخى بنى كنانة بن‏ (2) القين، فقال شاعر القين يومئذ هذين البيتين، انتهى.

*** و أنشد بعده، و هو الشاهد العشرون‏[من الرمل‏]

20-ليت شعرى عن خليلى ما الّذى # غاله فى الحبّ حتّى ودعه‏

على أن ماضى يدع، و هو ودع، لم يستعمل إلا ضرورة، و بالغ سيبويه فقال: (3) «أماتوا ماضى يدع» أى لم يستعملوه، لا فى نثر و لا فى نظم، و قالوا أيضا:

لم يستعمل مصدره و لا اسم فاعله و لا اسم مفعوله، مع أن الجميع قد ورد، فالأقرب الحكم بالشذوذ، لا بالإماتة و لا بالضرورة، كما قال ابن جنى فى المحتسب، قال:

قرأ (مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) خفيفة النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و عروة بن الزبير، و هذه قليلة الاستعمال.

____________

(1) ملكان: ضطبه ياقوت بفتحات، و ضبطه فى القاموس مثله أو بكسر الميم و سكون اللام، و قالا: هو جبل بالطائف، و ذكر ياقوت أنه يقال: ملكان، بفتح الميم و كسر اللام، و أنه واد لهذيل على ليلة من مكة و أسفله بكنانة

(2) فى بعض النسخ «أخى بنى بنانة بن القين» و هو تحريف، و الترجيح عن نسخة أخرى و عن شرح الحماسة للتبريزى عند شرحه لهذين البيتين (جـ 1 ص 86)

(3) عبارة سيبويه (جـ 2 ص 256) : «كما أن يدع و يذر على ودعت و وذرت و إن لم يستعمل»