تقريرات في أصول الفقه

- السيد حسين البروجردي المزيد...
306 /
3

[مقدمة الناشر]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على فخر بني آدم الفاتح الخاتم أبي القاسم محمّد المصطفى، و على آله كنوز العلم و التقى، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

و بعد، فإنّ خلود الدين الاسلامي و أبدية الشريعة المحمّدية و كونها خاتمة الشرائع و ناسخة لما قبلها من الأديان من جهة و تطوّر حياة الانسان و التجدّد الهائل و الكبير في أبعاد حياته الشخصية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية و تجدّد الكثير من مسائل الابتلاء التي يحتاج فيها المسلم الى معرفة الحكم الشرعي الصائب كي يحافظ على سيرته من الزيغ و الانحراف و يستقيم على الطريقة المرضية للّه جلّ شأنه من جهة اخرى أوجب على المتصدّين لبيان أحكام الشريعة و الناظرين في حلالها و حرامها و هم الفقهاء و المجتهدون لتأسيس قواعد كلّية و ضبط اصول عامّة استقوها من الكتاب و السنّة بحيث يمكن على ضوئها معرفة أحكام المسائل المستحدثة و المستجدّة في كلّ زمان و مكان‏

و كلّما كانت قدرة الفقيه على إرجاع الفروع الى الاصول أدقّ و أمتن و تطبيق الاصول على الفروع أقوى و أحسن تكون منزلته من بين الفقهاء المجتهدين اسمى و أرفع، و لمهارة البعض منهم الفائقة في هذا المجال مضافا الى اجتماع شرائط التقوى و العدالة و الكفاءة و غيرها توّجوا بتاج المرجعية و شرّفوا بشرف الزعامة في الطائفة الامامية، فرجع إليهم الناس لمعرفة أحكام دينهم و قلّدوهم أعمالهم‏

4

فانتظمت حياتهم و حفظ الدين، و لو لا هؤلاء لاندرست آثار النبوّة و الولاية، فرضي اللّه عن الماضين و حفظ و أيّد الباقين منهم، آمين.

و الكتاب الماثل بين يديك- عزيزنا القارئ- هو تقرير للمباحث الاصولية التي كان يفيض بها على طلّابه علم من أعلام الطائفة و أحد مراجعها المبرّزين الفقيه المدقّق و الاصوليّ المحقّق آية اللّه العظمى السيد حسين البروجردي (قدّس اللّه نفسه و طيّب رمسه)، للمقرّر الفاضل العالم العامل آية اللّه الشيخ علي پناه الاشتهاردي دامت توفيقاته العالية، الذي كان يعدّ واحدا من تلامذته المتفوّقين، نفع اللّه به عامّة المؤمنين.

و قد قامت مؤسّستنا بطبع هذا الكتاب و نشره بعد تحقيقه و تصحيحه و ترتيبه خدمة لتراث علمائنا الماضين لينتفع بها من جاء بعدهم من المحصّلين و الراغبين في تحصيل علوم شريعة سيّد المرسلين، وفّقهم اللّه و إيّانا لخير الدارين إنّه قريب مجيب.

مؤسسة النشر الإسلامي‏

التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

5

[كلمة للمقرّر]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الّذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، و سلام اللّه على رسوله الّذي أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدين كلّه و لو كره الكافرون.

و على وصيّه و خليفته الذي به أكمل دينه بقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... الخ‏ (1).

و على ذرّيته المعصومين المساوين معه في كلّ الفضائل إلّا أنّ له (عليه السّلام) فضله كما اخبرنا عن الصادق (عليه السّلام)(2)، و لا سيّما خاتمهم و ثاني عشرهم الذي به تمّ العدد إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ (3).

و بعد، كيف أقول: هذا تقرير بحث من كان أجلّ شأنا من أن يكون مثلي مقرّر بحثه؟!

أم كيف أقول: هذا، مع أنّ سيّدنا الاستاذ كان بحرا زاخرا متلاطما، و كان بطل العلم و العمل و الزهد و التقوى؟!

____________

(1) المائدة: 3.

(2) اصول الكافي: ج 2 ص 275 باب في أنّ الأئمة (عليهم السّلام) في العلم ... الخ طبع الآخوندي.

(3) التوبة: 36.

6

أم كيف يجترئ مثلي أن يقول: أنا مقرّر بحث من أقرّ و اعترف و أذعن جميع معاصريه بأنّ له مزيّة خاصة به في استنباط الاحكام الفرعية ليست لغيره منذ الاعصار؟!

أم كيف يجوز أو يصحّ أن يدّعي مثلي هذه الدعوى مع أنّي كنت في أوائل الشباب و كان سنون عمره الشريف إذ ذاك- يعني زمن التقرير- بلغ الى خمسة و سبعين سنة مع كونه- كثّر اللّه أمثاله- مجتهدا كاملا حين كونه بلغ ثمانية عشر سنة، و انه كان يعلّق على العروة الوثقى و هو في سنّ خمسة و عشرين؟! (1).

و لا غرو أن اشير الى أوصافه الجميلة على نحو الاجمال و إن كان التفصيل محتاجا الى تأليف كتاب كبير مستقل.

فهو كان بطل العلم و العمل، معرضا عن الدنيا و حيثياتها، غير راغب في ما يتخيل أنه مقام، أيّ مقام كان، و كان زاهدا عابدا، متّقيا فوق ما يعتبر في العدالة.

و كان سيدنا الاستاذ الآية الكبرى الحاج السيد أحمد الخوانساري (قدّس سرّه) يجعله نظير الشيخ الزاهد المعروف الحاج الشيخ مرتضى الانصاري في الزهد و التقوى.

و كان فريد عصره و وحيد دهره في أنواع العلوم التي كان لها دخل في استنباط الاحكام الشرعية الفرعية، و كان له نظر مستقل في كل واحد منها، و كان جامعا للمعقول و المنقول بأنواعه من الدراية و الرجال و الحديث و التفسير و أقوال الفريقين، متتبّعا في كلّ واحد منها، أعني سيدنا المعظّم و استاذنا الأعظم المرجع الديني المنحصر في أواخر عمره الشريف الآية العظمى الحاج آقا حسين البروجردي أعلى اللّه مقامه المتوفّى سنة 1380 ه. ق.

و بالجملة، كيف يصف مثلي لمثله و يليق في المقام أن يقال في مقام التشبيه:

أين التراب و ربّ الأرباب؟ و لنعم ما قيل في رثائه بالفارسية:

____________

(1) صرّح بهذا (قدّس سرّه) في أثناء أبحاثه.

7

اى كه تقريرات او در درس استعداد بخش‏* * * اى دو صد افسوس كان كانون استعداد رفت‏

و الحمد للّه اوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا، و صلوات اللّه و تحياته على محمد و آله المنتجبين.

قم المقدّسة

علي پناه الاشتهاردي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله،

و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين‏

فصل في المشتق‏

[هل جرى المشتقّ على الذات حقيقة؟]

اختلف في أن جرى المشتق على الذات بعد انقضاء تلبّسه بالمبدإ هل يكون حقيقة أو مجازا، بعد اتفاقهم على أنه في زمان التلبّس حقيقة و فيما لم يتلبّس بعد مجاز؟

و قبل الخوض في الاستدلال من الجانبين، لا بدّ من تقديم مقدمات ليكون الاستدلال على المقصود أسهل إن شاء اللّه تعالى، فنقول:

هنا مقدمات ثلاث‏

الاولى: أنّ المفاهيم المنطبقة على المصاديق قسمان:

(الأول) انطباقها عليها في مرتبة ذاتها غير مؤخر عنها كحمل الانسان على أفراده و مصاديقه مثلا، مثل: زيد انسان، عمرو انسان، و هكذا.

10

(الثاني) أن يكون الانطباق عليها في مرتبة متأخرة عن ذات المصاديق كالاعراض، و هذا أيضا على قسمين:

(الأول) أن تكون المفاهيم المنطبقة على ذواتها المتأخرة عن وجودات ذواتها، غير منفكّة عنها، بحيث اذا كان الذات موجودا كان هذا المصداق منطبقا عليها كزوجيّة الأربعة.

(و الثاني) أن تكون منفكّة كأغلب صفات المشبهة و أسماء الفاعلين كذلك، و مورد النزاع هو الثاني من القسم الثاني.

الثانية: [حمل المفاهيم على المصاديق في الخارج يحتاج الى حيثية في الخارج‏]

أنّ حمل المفاهيم على المصاديق في الخارج يحتاج الى حيثية في الخارج بها يصير الحمل صادقا، بحيث اذا جرّد المصداق- أعني الموضوع- عن جميع الخصوصيات يكون الحمل صادقا أيضا، و اذا جرّد عنها- و لو كان باقي الخصوصيات موجودا- يكون كاذبا، و إلّا لصحّ حمل كل شي‏ء على كل شي‏ء، و لما صحّ حمل هذا المفهوم مع هذه الحيثية على هذا المصداق، و حيث قد علمنا صحّة الحمل في فرض وجود الخصوصيات و عدم الصحّة في صورة عدمها عرفنا أن صحّة الحمل و عدم صحته دائرة مدار وجودها.

الثالثة: [أنّ الحيثيات مختلفة]

أنّ الحيثيات مختلفة، بعضها له واقعية و ما بحذاء في الخارج، و بعضها ليست كذلك، بل امر اعتباري. و الامور الاعتبارية تختلف باختلاف منشأ انتزاعها، بعضها وجوده يدور مدار وجود منشأ الانتزاع، و بعضها لا يعتبر فيه ذلك، بل بعد وجود منشأ الانتزاع وجودها باق حتى بعد انعدام منشأ انتزاعه، و بعضها موجب لصدق الحمل باعتبار وجوده حتى قبل وجوده.

اذا عرفت هذه المقدمات و جعلتها في بالك فنقول:

صدق (قائم) مثلا على زيد بمقتضى المقدمة الثانية يكون بلحاظ حيثية بها يصير الحمل صحيحا- و هي حيثية القيام- أعني الوضع المخصوص الذي هو عبارة عن حالة القيام.

فاذا فرض صحّة الحمل حتى بعد فقد هذه الحيثية يلزم ما ذكرنا من المحذورين.

11

و ما يقال في إثبات صحّة الحمل حتى بعد فقد تلك الحيثيّة، من أن وجودها المخصوص في الجملة- و لو آناً ما- كاف عقلا في صحة الحمل و لو بعد عدمها مدفوع بأنّ العقل لا يحكم بهذا قطعا، و إلّا لزم صحته باعتبار قبل وجودها، فإنّه لو لم يصحّ لزم الترجيح بلا مرجّح و هو فاسد قطعا.

نعم لو قيل: إنّ نفس الحيثية لا تكون علّة لصدق الحمل، بل ما انتزع منها، و هو أمر اعتباري، و بمقتضى المقدّمة الثالثة قلنا: إنه لا يعتبر وجود منشأ هذا الأمر الاعتباري حتى يتوقف صحته عليه، فله وجه.

[لا بدّ من تعيين جهة كلّ مسألة يبحث عنها]

ثمّ اعلم أنّ العمدة في البحث عن كل مسألة تعيين جهتها، فلنذكر أمرين على سبيل التنبيه عليها:

(الأول) أنّ عنوان البحث المتداول في الالسنة و الكتب- من انّ المشتق هل هو حقيقة في خصوص من تلبّس بالمبدإ في الحال أو أعمّ منه و ممّن انقضى عنه المبدأ؟- ليس المراد ب «الحال» فيه أنّ زمان الحال مأخوذ في مفهوم المشتقّ بل حيث إنّ وجود المفاهيم و المصاديق تكون زمانيّة، بل الموجودات مطلقا- سوى وجود الباري تعالى- كذلك لا جرم يكون وقوع المبدأ و وجوده في زمان لا من حيث أخذه في مفهومه.

(الثاني) ليس المراد من «أعمّ» في قولهم: «حقيقة في خصوص من تلبّس بالمبدإ في الحال أو أعمّ» هو الأعمّ المنطقي بمعنى كونه أكثر أفرادا، بل المراد أشمليته بحسب الزمان لا كثرة الأفراد، فإنّ صدق القائم على زيد مثلا بناء على الأخصّ لا يكون أكثر أفرادا منه بناء على الأعم‏ (1).

هنا تنبيهات‏

الأول: هل النزاع مختصّ بالمشتقّ الاصطلاحي أم يعمّ الجوامد أيضا؟

قال‏

____________

(1) أقول: إلّا أن يقال بحسب تقطيع الأزمنة الى آنات متعددة يصحّ أن يقال بتعدد الأفراد بتعدّدها، أو يقال: بترتب الآثار المتعددة في بعض الصور، مثلا إذا قيل: أكرم فردين من القائم يصحّ إكرام زيد مرتين على الأعمّ و مرة على الأخصّ كما لا يخفى.

12

في الايضاح‏ (1) في مسألة من كان له زوجتان كبيرتان مدخول بهما و زوجة صغيرة فأرضعت إحدى الكبيرتين الصغيرة، انهما تحرمان معا، لكون الكبيرة ام زوجته الرضاعية، و الصغيرة بنت زوجته الرضاعية، و بضميمة قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب‏ (2)، و قوله تعالى: وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ‏ (3) تثبت الحرمة.

فكما أنّ الرضاع السابق ينشر الحرمة فكذا اللاحق.

و أما الكبيرة الاخرى فهي أيضا محرّمة، لصدق ام الزوجة عليها.

و في المسالك- على ما حكي- ابتناء المسألة على كون المشتقّ حقيقة في خصوص من تلبّس بالمبدإ أو أعمّ منه و ممّن انقضى عنه.

أقول: و هذا الفرع لا يختصّ بما فرضه الايضاح، بل هو جار فيما اذا كانت له زوجة صغيرة فطلّقها فأرضعته امرأته، فجواز تزويج هذه المرأة المرضعة أيضا مبنيّ على مسألة المشتقّ، و لا يحتاج الى بيان الرضاع اللاحق كالسابق في نشر الحرمة.

____________

(1) الأولى نقل عبارتي القواعد و الايضاح بعينها لعلّي لم أحفظ و لم أضبط حين التقرير حقّ الحفظ و الضبط.

قال في القواعد: و لو ارضعت الصغيرة زوجتاه على التعاقب فالأقرب تحريم الجميع، لأنّ الاخيرة صارت ام من كانت زوجته إن كان قد دخل بإحدى الكبيرتين، و إلّا حرمت الكبيرتان مؤبدا و انفسخ عقد الصغيرة، انتهى.

قال في الايضاح- بعد نقل هذه العبارة ما هذا لفظه-: أقول: تحرم المرضعة الاولى و الصغيرة مع الدخول بإحدى الكبيرتين بالإجماع، و أما المرضعة الأخيرة ففي تحريمها خلاف، و اختار والدي المصنّف و ابن ادريس تحريمها، لأنّ هذه يصدق عليها أنها أمّ زوجته، لأنه لا يشترط في صدق المشتقّ بقاء المعنى المشتقّ منه، فكذا هنا، و لأنّ عنوان الموضوع لا يشترط صدقه حال الحكم، بل لو صدق قبله كفى، فيدخل تحت قوله تعالى: وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ...، و لمساواة الرضاع، النسب و هو يحرّم سابقا و لا حقا فكذا مساويه. انتهى موضع الحاجة من كلامهما رفع اللّه مقامهما. (ايضاح الفوائد: ج 3 ص 52 طبع المطبعة العلمية- قم).

(2) راجع الوسائل: باب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع ج 14 ص 280.

(3) النساء: 23.

13

و الحاصل: أنّ المستفاد من هذين الفرعين أمران، أحدهما: كون المشتقّ حقيقة في الأعمّ، و ثانيهما: جريان النزاع في الجوامد.

فالتحقيق أنه إن قلنا بكون المسألة عقلية بدعوى جواز الجري دائما على من تلبّس بالمبدإ و لو كان قد انقضى عنه فعلا عقلا (1) فتعمّ الجوامد أيضا، فانّ عنوان النزاع- و لو لم يكن شاملا للجوامد- إلّا أنه يعمّه بالملاك، فانّ ملاك جريان النزاع في المشتقّ هو أنّ المفهوم الصادق على الذات لمعروضيته بعرض مفارق هل يصدق بعد زوال هذا العرض أو لا؟ و هذا بعينه جار في الجوامد المعروضة للمفارقات، فإنّ زيدا يصدق عليه أنه زوج و الزوجية من الاعراض المفارقة فيبحث أنه هل يصدق عليه هذا العنوان بعد مفارقة هذا العرض أم لا؟

و إن قلنا: إنّ النزاع لفظيّ لغويّ لا عقليّ- كما هو الظاهر من استدلالهم بالتبادر و صحة السلب و عدمهما- فلا تعمّ الجوامد حينئذ، فانّ القائلين بالأعمّ يدّعون أنّ صدق المفهوم على الذات- باعتبار حيثية ينتزع منها- أمر اعتباريّ يبقى بعد زوال الحيثية، و هذا لا يتصوّر في الجوامد، فانّ الحيثية المأخوذة في المثال هي الزوجية، و لا يتصوّر انتزاع أمر يبقى حتى بعد زوالها، فانّ صدق الزوجية باعتبار أنه زوج فكيف تبقى هذه الحيثية بعد زوال كونه زوجا؟

التنبيه الثاني: [أنحاء تلبّسات الذوات بالمبادئ‏]

لا يخفى أنّ انحاء تلبّسات الذوات بالمبادئ مختلفة (فتارة) تلبّس الذات بمبدإ يكون بنحو الاستعداد- كما في الأشجار المثمرة- بمعنى استعدادها و قابليتها للإثمار، فانقضاؤها بزوال هذا الاستعداد. (و اخرى) بنحو الملكة كالعادل و الشجاع، فانقضاؤها بزوال هذه الملكة. (و ثالثة) بنحو الفعلية كما في الكاتب أو القائم مثلا، فانقضاؤهما كذلك. (و رابعة) بنحو الحرفة أو الصفة كما في نحو البقّال أو التمّار، فزوالها و انقضاؤها برفع اليد عنهما.

كما أنّ كونه مصداقا لذلك المفهوم أيضا مختلف (فتارة) بنحو الصدور كما في الضارب. (و اخرى) بنحو الوقوع كالمضروب. (و ثالثة) بنحو الآليّة كما في‏

____________

(1) قيد للجواز، يعني جواز الجري عقلا.

14

المضراب. (و رابعة) بنحو الظرفية كما في المضرب المشترك بين ظرفي الزمان و المكان، بناء على كونه مشتركا معنويا أو لفظيا اذا فرض وضعه مرتين، مرة للزمان و مرة للمكان على الاحتمالين.

و الحاصل: عدم الخلاف المذكور إلّا في اسم الزمان.

قال في الكفاية (1) ما معناه: إنّ النزاع جار في جميع المشتقّات إلّا اسم الزمان، فانه قد يشكل بأنّ شرط جريان النزاع بقاء الموضوع بعد زوال المبدأ، و الزمان يوجد و ينصرم، و هكذا فصدق المضرب مثلا على زمان باعتبار تلبّسه به، فلا يتصوّر صدقه بعد هذا الزمان فضلا عن كونه أعمّ.

و أجاب في الكفاية بما حاصله: انّ جريان النزاع في شي‏ء باعتبار أنّ مفهومه عامّ ذو أفراد لا مانع منه و لو كان هذا العامّ منحصرا في فرد، كما في الواجب تعالى يبحث فيه أنه هل يكون علما للذات المستجمع للصفات الكمالية أو كلّي منحصر في فرد واحد في الخارج لا غير؟

فاسم الزمان له مفهوم عامّ و لو كان فرده في الخارج منحصرا بزمان التلبّس.

أقول: و يمكن دفعه بأنه كما أنّ أصل الإشكال من كلام أهل المعقول فكذا لهم كلام آخر يدفع به أصل الإشكال، و هو أنّ الزمان موجود واحد من أوله الى آخره لا موجودات متعدّدة حسب تعداد الآنات، و إلّا يلزم ثبوت الجزء الذي لا

____________

(1) الأولى و الأحوط نقل عبارة الكفاية بعينها لعلّ في تقريري قصورا في توضيح مرامه قال:

ثانيها- يعني ثاني ما ينبغي تقديمه-: قد عرفت أنه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقّات الجارية على الذوات، إلّا أنه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في اسم الزمان، لأنّ الذات فيه و هي الزمان بنفسه ينقضي و ينصرم، فكيف يمكن أن يقع النزاع في الوصف الجاري عليه حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ في الحال أو فيما يعمّ المتلبّس به في المضي؟

و يمكن حلّ الإشكال بأنّ انحصار مفهوم عامّ بفرد- كما في المقام- لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام، و إلّا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع انّ الواجب موضوع للمفهوم العامّ مع انحصاره فيه تبارك و تعالى، انتهى كلامه رفع مقامه.

(الكفاية: ج 1 ص 60 الطبع الحجري).

15

يتجزأ، و قد انكره المتكلّمون و أبطلوه بوجوه عديدة (1).

ففيما نحن فيه، وقوع المبدأ في قطعة منه كاف في صدقه عليه فيما بعد على الأعمّ و لو كانت هذه القطعة قد انصرمت، لكن لمّا كان موجودا واحدا يصدق أنّ هذا ذاك، غاية الأمر كان الموجود في الزمان الأول أطول منه في الزمان الثاني، كما هو واضح.

التنبيه الثالث: [خروج المصادر و الأفعال عن حريم النزاع‏]

لا إشكال في كون المصادر المزيد فيها- كالمجردة و كذا الأفعال- خارجة عن حريم النزاع، لكونه فيما يكون قابلا للحمل و هي ليست قابلة له و إن صحّ جعلها خبرا للمبتدا، نحو هذا الوضع قيام مثلا، أو هذا الفعل احسان، و زيد قائم، لكون الأولين خبرين لغير الذات. و الكلام أنما هو في الحمل عليه، و الثالث ليس محمولا بالحمل الذاتي أو الشائع الصناعي الذي هو محلّ للبحث.

[عدم دلالة الأفعال على الأزمنة الثلاثة]

نعم، اختلف في كون الأفعال هل تدلّ على الزمان أو لا؟ نقل عن أهل العربية أنها دالّة عليه، فإنهم قسّموا الكلمة الى ما لا يستقلّ في الدلالة و هو الحرف أو الاداة، و ما يستقلّ غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة و هو الاسم و ما يستقلّ مقترنا به و هو الفعل أو الكلمة.

و قد (2) أنكر في الكفاية عليهم و أبطل قولهم بأنّ الأفعال إما أمر أو نهي، أو

____________

(1) ذكر المحقق الطوسي (قدّس سرّه) في تجريد الاعتقاد وجوها ستة لنفي الذي لا يتجزأ، نذكر هنا واحدا منها قال: و لا وجود لوضعي لا يتجزأ بالاستقلال لحجب المتوسّط، انتهى.

قال العلّامة في شرحه: أقول: هذا أحد الأدلة على نفي الجزء، و تقريره انّا اذا فرضنا جوهرا متوسّطا بين جوهرين فإمّا أن يحجبهما عن التماس أو لا، و الثاني باطل، و إلّا لزم التداخل، و الأول يوجب الانقسام، لأن الطرف الملاقي لأحدهما مغاير للطرف الملاقي للآخر، انتهى. (كشف المراد: المسألة السادسة في نفي الجزء الذي لا يتجزّى ص 104 طبع مكتبة المصطفوي- قم).

(2) الأولى نقل عبارة الكفاية خوفا من القصور أو التقصير في التقرير قال: قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان حتى أخذوا الاقتران بها في تعريفه، و هو اشتباه ضرورة عدم دلالة الأمر و لا النهي عليه، بل على إنشاء طلب الفعل و الترك، غاية الأمر نفس الإنشاء بهما-

16

ماض أو مضارع.

(أما الأولان) فإن أرادوا من دلالتهما كونهما دالّين على الطلب و الزجر و هما أمران زمانيان فلا إشكال في عدم دلالتهما عليه، لأنّ الموجودات الزمانية كلّها لا بدّ لها من الزمان، سواء كانت مدلولة للأمر و النهي أو الأعيان الخارجية كالشجر و الحجر و أسماء الأعلام للاشخاص كزيد و عمرو و بكر مثلا.

و إن أرادوا أنهما يدلّان على طلب الصدور من المأمور و صدور الفعل لا بدّ له من الزمان فكذلك أيضا، لأنّ الصدور أيضا أمر زماني لا بدّ له من الزمان، بل المكان فلا يكون واحد منهما مأخوذا في مفهومهما.

(و أما الثالث) فهو أيضا كالأولين في عدم دلالته على الزمان، و إلّا يلزم التفكيك بين المعاني المستعمل فيها الأفعال.

و هو كما ترى، فإنّ الأفعال المستندة الى غير الزمانيات مثل (علم اللّه) و (علم جبرئيل) أو (وجد العقل) و مثل (وجدت العلّة فوجد المعلول) لا تدلّ على الزمان قطعا لكون مدخولاتها غير زمانيّة.

____________

- في الحال كما هو الحال في الإخبار بالماضي أو المستقبل و بغيرهما كما لا يخفى، بل يمكن منع دلالة غيرهما من الأفعال على الزمان إلّا بالإطلاق و الإسناد الى الزمانيات، و إلّا لزم القول بالمجاز و التجريد عند الإسناد الى غيرها من نفس الزمان و المجرّدات.

نعم، لا يبعد أن يكون لكل من الماضي و المضارع بحسب المعنى خصوصية اخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة في الزمان الماضي و في الحال أو الاستقبال في المضارع فيما كان الفاعل من الزمانيات. و يؤيده أنّ المضارع يكون مشتركا معنويا بين الحال و الاستقبال، و لا معنى له إلّا أن يكون له خصوص معنى صحّ انطباقه على كل منهما، لا أنه يدلّ على مفهوم زمان يعمّها، كما أنّ الجملة الاسمية كزيد ضارب يكون لها معنى صحّ انطباقه على كل واحد من الأزمنة مع عدم دلالتها على واحد منها أصلا فكانت الجملة الفعلية مثلها. و ربما يؤيد ذلك أنّ الزمان الماضي في فعله و زمان الحال و الاستقبال في المضارع لا يكون ماضيا أو مستقبلا حقيقة و في المضارع ماضيا كذلك، و إنما يكون ماضيا أو مستقبلا في فعلهما بالإضافة كما يظهر من مثل قوله: يجيئني زيد بعد عام و قد ضرب قبله بأيام، و قوله: جاء زيد في شهر كذا و هو يضرب في ذلك الوقت أو فيما بعده، فبما مضى فتأمل جيدا، انتهى كلامه رفع مقامه. (الكفاية: ج 1 ص 61 الطبع الحجري).

17

و دعوى تجريدها عن الزمان و استعمالها فيها مجازا من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء مدفوعة بعدم تفاوت الاستعمالات في نظر العرف، بل عند الدقّة أيضا. نعم، يمكن أن يكون له خصوصية بها تدلّ على الزمان عند الإسناد الى الزمانيات.

(و أما الرابع) فدلالته عليه إما باشتراكه لفظا بين الحال و الاستقبال فهو ممنوع كما هو واضح إذ لم يقل به أحد، و إما باشتراكه معنى بينهما فهو كذلك أيضا اذ لا جامع بينهما يكون مشتركا بين الحال و الاستقبال.

و بالجملة، لا دلالة لواحد من الأفعال على الزمان، لا للأمر و النهي، و لا للماضي و لا المضارع‏ (1).

أقول: أما عدم دلالة الأمر و النهي عليه فصحيح لما ذكره، فلا نعيد.

و أما المضارع فدعوى عدم وجود الجامع ممنوعة فإنّه و إن لم يمكن بين زمان الحال و الاستقبال فرض جامع.

إلّا أنه يمكن أن يكون وقوع المبدأ في الحال و الاستقبال جامعا بينهما لكون الزمان- كما مرّ- موجودا يصدق على كل قطعة منهما الزمان، فيمكن وضع المضارع للقطعة التي يصدق على كل جزء منها وقوع المبدأ فيها، و وقوعه مشترك معنوي بين الحال و الاستقبال، فإنّه يكفي في صدق المركب على بعض أجزائه أن يقال: إنه صدق عليه.

مثلا يصدق: وضع الجبهة على الأرض مع أنّ الأرض موضوعة لجميعها و تمامها و ضمّها على بعض أجزائها، و كذا يصدق: قتل الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء مع أنّ قتله (عليه السّلام) وقع في بعض أجزاء ذلك اليوم.

و أما الماضي فالتحقيق دلالته أيضا عليه، لأن (ضرب) في قول العرب بمنزلة (زد) في الفارسي، و (يضرب) بمنزلة (مى‏زند) فكما أنّ لفظة (زد) في الفارسية تدلّ‏

____________

(1) الى هنا توضيح ما في الكفاية الذي أنكر على أهل العربية الذين قالوا بدلالة الأفعال على الزمان.

18

على الزمان بنظر العرف، كذا (ضرب) لعدم الفرق بينهما كما لا يخفى.

و أما القول بلزوم التفكيك بين معانيه بنحو مرّ ففيه أنه مبنيّ على القول بأنّ واضع اللغات هو الباري تعالى، و أما بناء على كونه البشر فهو وضع هذه الألفاظ للمعاني على نحو واحد و لا يعلم هو- أي البشر- أنّ ما هو خارج عن الزمان و الزماني ما هو؟ كي يضع ألفاظا تدلّ على أفعال غير الزماني.

و أما الاستدلال بعدم الدلالة بأنّا قد نستعمل الماضي و المضارع على نحو التقابل نحو يضرب زيد غدا و قد قام غلامه قبل ساعتين منه، و نحو ضرب زيد عمرا و قد يضحك فمردود بأنّ استعمالهما في غير معناهما لوقوعهما في مورد يدلّ على ذلك المعنى، فلا دلالة فيه على أنهما لا يدلّان على الزمان. و الحاصل: أنّ المضارع و الماضي يدلّان على الزمان دون الأمر و النهي.

التنبيه الرابع: هل للمسألة أصل عند الشكّ في وضع المشتقّ للأعمّ أو الأخصّ أم لا؟

بمعنى أنه اذا شكّ أنّ المشتقّ إذا استعمل في الذي وضع له و لم يدلّ دليل على أحد الأمرين هل المرجع حينئذ هو الأصل أم لا؟

لا يخفى أنه لا أصل هنا، أما بناء على تقرير النزاع على النحو الأول و هو دلالة العقل على الأعمّ أو الأخصّ فواضح.

و أما على النحو الثاني فكذلك أيضا، لأن انتزاع أمر اعتباري من حيثية اعتبرت في صدق المفهوم على الذات لا وجود له سابقا كي يستصحب و عدمه منقض بزمان التلبّس و بعده عين المتنازع فيه فلا يجري الأصل.

و اعلم أنّ ما بيّناه من محلّ النزاع في المشتقّ- و هو انّ المفهوم المنطبق على الذات هل هو حقيقة في خصوص المتلبّس أو أعمّ منه و ممّن انقضى عنه المبدأ- ليس المراد أنّ الانطباق جزء لمفهوم المشتقّ، و كذا ليس المراد من أنه حقيقة في خصوص حال التلبّس. أن الحال الزماني مأخوذ في مفهومه، لأنّ المشتقّات مفردات لها مفاهيم مفردة، لا معنى لها إلّا دلالتها على أنّ الذات منطبقة عليها تارة و غير منطبقة عليها اخرى.

19

هذا و في المسألة أقوال أخر:

(منها) القول بالأعمّ، و هذا لا دليل عليه إلّا ما أشرنا إليه من دعوى انتزاع أمر اعتباري من الحيثية التي بها كان المفهوم صادقا على الذات، و استدلالهم بالتبادر أيضا مبنيّ على هذه الدعوى، و دفع هذه الدعوى واضح بعد ما قرّرناه من عدم انتزاع هذا الأمر كما مرّ، فعدم اعتبار التبادر أولى.

(و منها) التفصيل بين ما كان محكوما عليه و ما كان محكوما به، بكونه أعم في الأول و أخصّ في الثاني.

و فيه انّ لازم ذلك التزام كون وضعه في حال التركيب كذا مثلا مع لزوم تعدّد الوضع، و هو كما ترى ضرورة أنّ المشتقّات كما مرّ ألفاظ مفردة لها مفاهيم مفردة، و عند تركيبها لها معنى آخر، أعني نسبتها الى الذات.

(و منها) التفصيل بين المفاهيم التي مبدأها يوجد و ينصرم و لا يبقى كالضارب مثلا و بين المفاهيم التي يبقى لها وجود واحد كالقائم مثلا بكونه أعمّ في الأول و أخصّ في الثاني، نسب هذا الى صاحب الفصول‏ (1).

(و منها) التفصيل بين المبادئ المتعدّية كالضارب و القاتل و بين اللازمة بالعموم في الأول و الخصوص في الثاني.

نقول: إنّا بعد ما تأمّلنا في هذه الأقوال و أطرافها عرفنا أنّ الحقّ هو القول بالأخصّ و أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدإ لزوال الحيثية في الزمان الثاني، التي بها كان المفهوم صادقا على الذات في الزمان الأول، و اللّه العالم.

[فوائد مهمة في بحث المشتق‏]

فائدة [: تقرير محلّ النزاع من بعض أفاضل العصر و أنحاء صدق المشتقّ على الذات‏]

قرّر بعض أفاضل عصرنا محلّ النزاع بما محصله: إنّا نفرض للذات ثلاثة حالات، الاولى: حالها قبل التلبّس، الثانية: حالها حين التلبّس، الثالثة: حالها بعد التلبّس.

ثم إنّ انطباقه مع المشتقّ في الاولى مجاز قطعا، و أما الثانية و الثالثة فكما أنه‏

____________

(1) على ما هو ببالي في مجلس الدرس.

20

يمكن أن يوضع المشتقّ للذات في الحالة الثانية كذلك يمكن أن يوضع له في الحالة الثالثة، بمعنى أنّ المشتقّ وضع للذات المنطبق معه في زمان ما لكن خرج انطباقه بالنسبة الى الاولى قطعا و بقيت الحالتان.

و بعبارة اخرى: وضع للذات المنتسب إليها المبدأ، بمعنى أنّ القائم مثلا وضع للذات الذي ثبت له المبدأ، بمعنى أنّ له مفاهيم ثلاثة: الذات، و المبدأ، و النسبة بينهما، لا للذات المتلبّس بالمبدإ فعلا، غاية الأمر الفرق بينه و بين الفعل أنه وضع للنسبة بين المتصلين، أعني الذات و المبدأ و الفعل وضع للنسبة بين المنفصلين.

إن قيل: إنه لا يناسب بساطة مفهوم المشتق كما قيل، قلنا: إنّا لا نلتزم على هذا التقرير ببساطة مفهومه، بل بتركيبه كما قرّرناه.

فائدة اخرى [: أنحاء صدق المشتقّ على الذات باعتبار اتحاده مع الذات و عدمه‏]

صدق المشتقّ على الذات (تارة) يكون باعتبار اتحاده معه و حمله عليه في الخارج كزيد قائم مثلا، بدلالة لفظة «زيد» على الذات و قائم على المفهوم الكلّي، و مرفوعيته للمبتدا و الخبر على النسبة و الهيئة التركيبية على النسبة بينهما و اتحاده معه.

(و اخرى) باعتبار انه مرآة له و مشير إليه لا أنه متحد معه، بمعنى أنّ المخاطب لا يعرف المفهوم باسمه و سائر صفاته سوى هذا المفهوم و العنوان العامّ المنطبق معه في زمان ما من الأزمنة نحو: أكرم ضارب زيد مثلا، فإنّ الضارب لم يستعمل إلّا في المتلبّس بالمبدإ كالفرض الأول، و لا يلزم أن يكون في زمان المرآتية متلبّسا به كما لا يخفى.

(و ثالثة) باعتبار أنّ وجود المبدأ موجب و مستتبع لهذا الحكم بعد وجوده لا قبله، و هذا إمّا أن يكون في المبادي الباقية نحو: أكرم العالم، حيث إنّ وجوده موضوع لوجوب الإكرام المعبّر عنه في الفارسية ب (دانائى) أو (دانا بودن)، و إما أن يكون في المبادي المنصوصة الغير الباقية نحو قوله تعالى: وَ السَّارِقُ‏

21

وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1) و نحو: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (2)، حيث إنّ السرقة و الزنا بوجودهما موجبان للقطع و الجلد، و هذه أيضا كالأولين في أنّ المشتقّ استعمل في خصوص ما تلبّس بالمبدإ.

فلا يتوهّم أنه في هذين استعمل في الأعمّ باعتبار أنه حين القطع و الجلد لا يكون هناك سرقة و لا زنا و مع ذلك يصدق قطع يد السارق و جلد الزاني، و ذلك‏ (3) لأن الخطاب للحكّام و الخلفاء الصالحين للخلافة فلا يحسن من الحكيم تعالى حكمه بذلك حين التلبّس، بل لا يتصوّر هنا، لأنهما (4) قبلهما (5) لا يجبان و بعدهما لا يكون الذات متلبّسا بهما.

(و رابعة) باعتبار أنّ صدقه عليه سلبا و إيجابا في زمان و لو قبل وجوده كقوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ (6) حيث إنّ جعل الخليفة لدفع الظلم عن سائر الناس، فلا يناسب بل لا يجوز عقلا تصدّي الظالم لهذا المنصب الجليل، فوجود الظلم بهذا الذات‏ (7) و لو آناً ما موجب لعدم جواز جعله خليفة و لو بعد زمان الظلم.

و هذا أيضا لا يكون مستعملا إلّا في خصوص المتلبّس، غاية الأمر تلبّسه في زمان علّة للحكم دائما، في زمان التلبّس و بعده، و هنا مطلقا، سواء كان قبله أو حينه أو بعده.

فائدة ثالثة [: ما أفاده المحقّق الشريف (رحمه اللّه) في المشتقّ‏]

قال المحقق الشريف ما مضمونه: مفهوم المشتقّ بسيط منتزع من المشتقّ لا مركّب من الذات و المبدأ أو الشي‏ء و المبدأ، لأنّ أخذ الذات إمّا أن يكون مفهوما أو مصداقا.

____________

(1) المائدة: 38.

(2) النور: 2.

(3) بيان لنفي التوهّم.

(4) أي القطع و الجلد.

(5) أي السرقة و الزنا.

(6) البقرة: 124.

(7) أي بسببه.

22

و الأول يلزم منه أن يدخل العرض العامّ في مفهوم النوع في نحو قولنا:

الانسان ناطق بمعنى شي‏ء له النطق، فإنّ الشي‏ء مفهوم عامّ شامل للأشياء كلّها و أخذه في مفهوم الناطق الذي هو فصل للانسان موجب لما ذكرنا من المحال.

و الثاني يلزم منه انقلاب الممكنة الخاصّة الى الضرورية في نحو قولنا:

الانسان ضاحك، لأنّ معنى ضاحك على هذا شي‏ء له الضحك فتصير القضية:

الانسان انسان له الضحك و ثبوت الشي‏ء- أعني الانسانية- لنفسه- أعني الانسان- ضروري، فيلزم أيضا ما ذكرناه من المحال.

أقول: ما ذكره المحقق (رحمه اللّه) من بساطة مفهوم المشتقّ صحيح لأنّ قولنا: زيد شي‏ء، و زيد قائم، ليس تكرارا، و كذا قولنا: زيد قائم و زيد ليس بشي‏ء لا يكون تناقضا، و كذلك ينتزع من القضيتين، المتحد محمولهما أمر واحد، و هو حيثية المبدأ.

و أما ما ذكره (رحمه اللّه) من لزوم المحال على التقديرين فليس بجيد، غاية الأمر أن يقال: ما ذكره المنطقيون من كون الناطق فصلا ليس كذلك، بل غفلوا عن ذلك، و كذا في تسمية المثال الثاني ممكنة خاصّة، بل الحقّ مثلا أن يذكروا الناطق عرضا خاصّا و يسمّوا قضية الإنسان ضاحك ضرورية.

فعلى هذا يمكن أن يستظهر من كلام المنطقيين ما يؤيد ما قلنا من البساطة بأنهم أيضا لم يفهموا من المشتقّات إلّا المعنى البسيط، و لم يتبادر الى ذهنهم إلّا ذاك المعنى، فلذا سمّوا الناطق فصلا و القضية المذكورة ممكنة خاصّة (1).

[ما أفاده صاحب الكفاية في ردّ صاحب الفصول‏]

و أمّا ما أفاده شيخنا أعلى اللّه مقامه في الكفاية في ردّ صاحب الفصول- الذي عبارته في الفصول هكذا: و يمكن أن يختار الوجه الأول، و يدفع الإشكال بأن يكون الناطق فصلا، مبنيّ على عرف المنطقيين حيث اعتبروه مجرّدا عن مفهوم الذات، و ذلك لا يوجب أن يكون وضعه لغة كذلك، انتهى- بقوله أعلى اللّه مقامه: و فيه أنّ من المقطوع أنّ مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرّف في معناه‏

____________

(1) فتأمل.

23

أصلا، بل بما له من المعنى، كما لا يخفى، انتهى. يعني أن المنطقيين لم يتصرّفوا في مفاهيم الألفاظ و أنهم جعلوه كذلك فصلا.

فغير جيد (1) لإرجاعه الى أنّ مفهوم الشي‏ء لم يؤخذ في مفهوم المشتقّ، لما ذكرناه من تبادر البساطة.

و كذلك ما أفاده في الكفاية أيضا ردّا على صاحب الفصول- حيث قال في الفصول ما هذه عبارته: و يمكن أن يختار الوجه الثاني أيضا، و يجاب بأنّ المحمول ليس مصداق الشي‏ء و الذات مطلقا، بل مقيّدا بالوصف، و ليس ثبوته حينئذ للموضوع بالضرورة لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضروريا، انتهى- من‏ (2) أنّ القضية المذكورة في المثال تنحلّ الى قضيتين‏ (3): ضرورية و هي قولنا:

الانسان انسان، و ممكنة و هو قولنا: الانسان له الضحك، فعاد المحذور أيضا.

ليس‏ (4) على ما ينبغي أن يستند إليه (قدّس سرّه)، لأن قولنا: الانسان له الضحك، يتصوّر على وجهين (تارة) يجعل لفظة «له الضحك» مثلا عنوانا مشيرا و مرآة للمعرّف الذي هو الانسان الثاني في المثال فتكون القضية ضرورية.

(و اخرى) يجعل (إنسان له الضحك) أعني القيد و المقيّد- نحو خروج القيد

____________

(1) خبر لقوله (قدّس سرّه): «و أمّا ما أفاده ... الخ».

(2) بيان لقوله: «ما أفاده في الكفاية».

(3) و الأولى نقل عبارة الكفاية خوفا من القصور في التقرير، فإنه بعد نقل قول صاحب الفصول- بقوله: و يمكن أن يختار الوجه الثاني ... الخ- قال: و يمكن أن يقال: إنّ عدم كون ثبوت القيد ضروريا لا يضرّ بدعوى الانقلاب، فإنّ المحمول إن كان ذات المقيّد و كان القيد خارجا- و إن كان التقيّد داخلا بما هو معنى حرفي- فالقضية لا محالة تكون ضرورية، ضرورة ضرورية ثبوت الانسان الذي يكون مقيّدا بالنطق للانسان و إن كان المقيّد بما هو مقيّد على أن يكون القيد داخلا، فقضية الانسان ناطق تنحلّ في الحقيقة الى قضيتين:

(إحداهما) قضية الانسان انسان، و هي ضرورية (و الاخرى) قضية الانسان له النطق، و هي ممكنة، و ذلك لأنّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار كما أنّ الأخبار بعد العلم بها تكون أوصافا، فعقد الحمل ينحلّ الى القضية كما أنّ عقد الوضع ينحلّ الى قضية مطلقة عامة عند الشيخ، و قضيّة ممكنة عند الفارابي، فتأمّل، انتهى كلامه رفع اللّه مقامه. (الكفاية: ج 1 ص 79- 80).

(4) خبر لقوله (رحمه اللّه): «و كذلك ما أفاده (قدّس سرّه)».

24

و دخول التقيّد- معرّفا له و محمولا عليه.

و على هذا لا تكون القضية ضرورية و لا تنحلّ الى قضيتين، لأنّ مجموع القيد و المقيّد قضية واحدة.

و الحاصل: أنّ مفهوم المشتقّ أمر بسيط منتزع من الحيثية، و دليله التبادر لا ما ذكره المحقق المذكور من لزوم المحال لو لا ذلك كما لا يخفى.

ثم إنّ ما في الكفاية من أنّ المراد من البساطة ما هو بسيط خارجا لا مفهوما و تصوّرا، فإنّ كل مفهوم ينحلّ بالانحلال العقلي الى جزءين كالنوع مثلا ينحلّ الى فصل و جنس، و الشجر الى شي‏ء له الشجر.

فيه‏ (1) ما لا يخفى، لعدم الفرق حينئذ بين البساطة و التركّب، لأنّ كل مركّب بالنظر البدوي يكون بسيطا و بالدقة يصير مركّبا، فكل مركّب بسيط بدوا، و كل بسيط مركّب دقة و هو واضح.

فائدة رابعة [: الفرق بين المشتقّ و المبدأ]

اذا علم أنّ مناط صدق الحمل هي الحيثية التي هو المبدأ و لا دخل أصلا للذات في صدق المفهوم على الذات فيقع الإشكال حينئذ في أنه ما الفرق بين المشتقّ و المبدأ مع صحة الحمل في الأول و عدمها في الثاني؟

و ما في الكفاية (2) من تطبيق كلام أهل المعقول في الفرق بين الصورة و المادة

____________

(1) خبر لقوله (قدّس سرّه): «إنّ ما في الكفاية».

(2) الأولى نقل عبارة الكفاية بعينها خوفا من القصور في التقرير، قال: (الثاني) الفرق بين المشتقّ و مبدأه، مفهوما أنه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبّس بالمبدإ و لا يعصى عن الجري عليه، لما هما عليه من نحو من الاتحاد بخلاف المبدأ فإنه بمعناه يأبى عن ذلك، بل اذا قيس و نسب إليه كان غيره لا هو هو، و ملاك الحمل و الجري إنما هو نحو من الاتحاد و الهوهوية، و الى هذا يرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما من أنّ المشتقّ يكون لا بشرط،-

25

و الفصل و الجنس- بقولهم: إنّ الأول أخذ لا بشرط، و الثاني بشرط لا- على المشتقّ و المبدأ.

كما ترى‏ (1)، فإنه مصادرة، فكأنه قيل: لم يصحّ حمل المشتقّ و لا يصحّ حمل المبدأ؟ فيقال: إنّ الأول أخذ لا بشرط الحمل، و الثاني بشرط الحمل، و هذا هو عين المصادرة.

فالتحقيق في المعنى المراد من كلامهم أن يقال: إنّ المركب إما أن يكون موجودا بوجودات متعددة حقيقة أو اعتبارا، فالأول يكون تركيبه انضماميا و يسمى مركبا حقيقيا، و واحدا اعتباريا، و الثاني بالعكس.

و بعبارة اخرى: إن كان كل واحد من الأجزاء يرى لا متحصّلا و غير مستقل في الوجود، فمركّب اعتباري و واحد حقيقي كأجزاء النوع مثلا، و إلّا فواحد اعتباري و مركّب حقيقي، فالجنس أو الفصل إن كان يرى كالأول فحمل كل واحد منهما على الآخر و على الكلّ، و حمله عليهما صحيح و إن كان يرى كالثاني فغير صحيح.

و بالاعتبار الثاني يكونان مادة و صورة اللتين هما الأجزاء العقلية للنوع، أما مادة فلكونه قابلا لأن يكون انسانا مثلا، و أما صورة فلكون ما به الفعلية له.

و بالاعتبار الأول يكون جنسا و فصلا، و لا يكونان أجزاء للنوع، بل حدّين له، فالأول يسمّى باصطلاحهم‏ (2) لا بشرط، أي لا بشرط التحصّل، و الثاني بشرط لا، و هذا بخلاف تقسيمهم الماهية فإنهم قسّموها أقساما ثلاثة.

فإنهم قالوا: إن كانت الماهية ملحوظة بشرط أن لا يكون معها شي‏ء وجودا و عدما فهي الماهية لا بشرط، و إن كان معها شي‏ء فهي بشرط شي‏ء، و إن كانت‏

____________

- و المبدأ يكون بشرط لا، أي يكون مفهوم المشتقّ غير آب عن الحمل، و مفهوم المبدأ يكون آبيا عنه، انتهى كلامه رفع مقامه. (الكفاية: ج 1 ص 83).

(1) خبر لقوله (قدّس سرّه): «و ما في الكفاية».

(2) أي أهل المعقول.

26

ملحوظة بشرط لا شي‏ء فهي بشرط لا.

فانقدح الفرق بين المقامين، و انّ لا بشرط الذي قيل: إنه يجتمع مع ألف شرط في هذا المقام، غير موجود أصلا، فإنّه لا توجد ماهية إلّا مع شي‏ء لا أقل من الوجود، بناء على أنه زائد عليها كما قرّر في محلّه، بخلافه في المقام الأول فإنه كما ذكرنا بمعنى عدم التحصّل الاستقلالي في الوجود و لو كان بنفسه موجودا منضمّا الى موجود آخر.

و الحاصل: أنّ مجرد الاتحاد الوجودي غير كاف في صحة الحمل‏ (1)، بل اذا تصوّر مبهما فانقدح بذلك ما هو المراد من قولهم: إنّ المشتقّ حيث أخذ لا بشرط يصحّ جعله محمولا، و المبدأ حيث أخذ بشرط فلا يصحّ جعله محمولا.

فإنّ في الأول وجود مناط صحة الحمل، و في الثاني عدم وجوده، لا ما ذكر من أنّ الأول بمعنى لا بشرط عدم الحمل، و الثاني بشرط الحمل.

فائدة خامسة [: هل يكفي في صحّة الحمل مغايرة المبدأ مع الذات؟]

قال في الكفاية (2) ما مضمونه: يكفي في صحة الحمل مغايرة المبدأ مع الذات و لو مفهوما و لا يحتاج الى التزام التجوز و النقل على ما في الفصول، فيصح حمل‏

____________

(1) فإنّ الحمل باعتبار الوجود، و المفروض أنّ الوجود واحد.

(2) الأولى نقل عبارة الكفاية بعينها خوفا من القصور في التقرير، قال فيها: (الرابع) لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري المشتقّ عليه مفهوما و إن اتحدا عينا و خارجا، فصدق الصفات مثل العالم و القادر و الرحيم و الكريم، الى غير ذلك من صفات الكمال و الجلال عليه تعالى، على ما ذهب اليه أهل الحقّ من عينية صفاته يكون على الحقيقة، فإنّ المبدأ فيها و إن كان عين ذاته تعالى خارجا إلّا أنه غير ذاته تعالى مفهوما، و منه قد انقدح ما في الفصول من الالتزام بالنقل أو التجوّز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى بناء على الحقّ من العينية لعدم المغايرة المعتبرة بالاتفاق، و ذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوما و لا اتفاق على اعتبار غيرها إن لم نقل بحصول الاتفاق على عدم اعتباره كما لا يخفى، و قد عرفت ثبوت المغايرة كذلك بين الذات و مبادي الصفات، انتهى كلامه رفع مقامه. (الكفاية: ج 1 ص 85).

27

القادر، و العالم، و القديم، و الحقّ، و سائر صفاته الكمالية عليه تعالى.

أقول: مراده من «صحة الحمل» إفادة الحمل: و إلّا يكفى في صحته اتحاد الوجود مع لحاظه مبهما، و لو مع الاتحاد مفهوما، مثل الانسان انسان، غايته أنّ الحمل غير مفيد كما هو واضح.

و المفاهيم الصادقة عليه تعالى عين ذاته تعالى، اذ لا يكون فيها حيث غير حيث خلافا للأشاعرة القائلين بحدوثها تعالى عن ذلك.

و للمعتزلة القائلين بقدمها مع قولهم باشتراط مغايرة المبدأ مع الذات، خارجا فلازم هذا، الالتزام بتعدد القدماء، تعالى عن ذلك أيضا.

و الأول باطل بالضرورة، و كذلك الثاني ضرورة أنّ وجوده تعالى عين ذاته و صفاته، أعني القدرة و الحياة و العلم و القدم، و سائر صفاته الكمالية و الجمالية، بل كلما وجدت من صفات الكمال و الجمال فهو في الحقيقة له تعالى أو لا و بالذات، و لغيره تعالى بالعرض و المجاز و هو نور السّماوات و الأرض‏ وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها (1).

بداهة انه لو كان صدقها عليه تعالى لحيثية لزم كون صدقها على هذه الحيثيات حقيقة و عليه تعالى مجازا، و هو واضح البطلان كما لا يخفى.

فائدة سادسة [: شرط صحّة الحمل و صدقه‏]

شرط صحة الحمل و صدقه قيام المبدأ بالذات، غاية الأمر اختلاف أنحاء القيام من الصدور و الحلول و الوقوع.

و الاحتجاج لعدم الاشتراط بصدق المولم و الضارب مع القيام بهما بل بالمولم و المضروب مدفوع بما ذكرنا، فإنّ الأول بنحو الحلول، و الثاني بنحو الصدور، و الحمد للّه.

____________

(1) الأعراف: 180.

28

فصل في الأوامر

و فيه بحثان:

[معنى الأمر مادّة و عرفا]

(الأول) في معنى الأمر مادة، قيل: استعمل في الطلب و الشي‏ء و الشأن و الغرض و الأمر العجيب، و غيرها من المفاهيم.

و الظاهر اشتراكه بين الأولين، و أما البواقي، فبالقرائن الخارجية يعرف المستعمل فيه نحو: جئتك لأمر كذا، فإنّ الغرض مستفاد من اللام.

و لعلّ الأمر بالفتح اشتبه بالأمر بالكسر الذي بمعنى العجيب نحو: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (1).

و له معنيان: الحدث و عليه صار مشتقّا منه، و الفعل فلا يشتقّ منه، و الأول يجمع على أوامر، و الثاني على الامور.

(البحث الثاني) في معناه عرفا، هل المعتبر العلو أو الاستعلاء أو كلاهما أو عدم اعتبار واحد منهما؟

التحقيق انّ كيفية الطلب على وجهين تارة يكون بنحو يريد الطالب وجود

____________

(1) الكهف: 71.

29

المطلوب بنفس هذا الطلب من دون ضميمة مقدمات أخر، و اخرى يريد مطلوبه و يطلبه مع الضميمة و المرغبات كالسائل الذي يطلب مع ضميمة الدعاء بالخير و الالتماس و التواضع و غيرهما من الضمائم و البواعث.

و الأول يستلزم أن يكون الطالب عاليا مع إعمال علوّه في مقام الطلب و يسمى أمرا. لا أقول إنّ علوّ الآمر معتبر في تحقق مفهوم الأمر بحيث يصير مركّبا من الطلب و علوّ آمره، بل أقول: إنّ هذا النحو من الطلب يستتبع علوّ طالبه.

فانقدح بذلك عدم اعتبار واحد منهما في تحقق مفهومه.

[معنى الطلب و ما به يمتاز الإيجاب عن الندب‏]

اذا عرفت هذا فاعلم أنّ كون الأمر حقيقة في الايجاب أو الندب أو مشتركا بينهما لفظيا أو معنويا موقوف على بيان معنى الطلب و ما به يمتاز الايجاب عن الندب و بيان وجه إيراد الاصوليين مسألة الطلب و الإرادة في هذا الفنّ مع أنه بحث كلامي.

فنقول: إنّ الناس قبل ظهور الاسلام و دعوة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يعبئون بمسألة تعلّم العلم و تعليمه إلّا قليلا. و أما بعد ظهوره و ظهور القرآن و السنّة:

[إقبال الناس على تعلّم العلم بعد ظهور الاسلام‏]

ففي زمن الصحابة كانوا يأخذون المطالب مبهما و لا يهتمّون به كثيرا أيضا.

و في زمان التابعين- لمّا برز الاسلام كثيرا و المسلمون كانوا يجاهدون و يقاتلون فيغلبون فيأسرون من الأكناف من الروم و غيرهم- كان المسلمون يجلسون حلقا حلقا فيذاكرون العلم و يعلّمون و يتعلّمون الكتاب و السنّة.

و الحسن البصري كان من الاسارى و كان المسلمون يجالسونه و يأخذون منه المطالب و المعالم و المباحث العقلية التي من جملتها التكلّم في صفات الباري تعالى التي قسّموها الى صفات الذات.

قالوا: هي الصفات التي يحمل عليه تعالى في مرتبة ذاته تعالى و معه.

و الى صفات الفعل و قالوا: هي التي يحمل عليه تعالى باعتبار صدور فعل من الأفعال، و وقع الكلام يوما في أنه هل يكون بين الكفر و الايمان واسطة أم لا؟

30

فادّعى واصل بن عطاء (1) وساطة الفسق بينهما.

و نازع مع الحسن البصري‏ (2) و ادّعى عدم الواسطة و اعتزل و اصل منه و أسّس مجلسا آخر يذاكر العلم.

و ادّعى في صفات الباري تعالى أنها قديمة، بدعوى لزوم كون الذات غير متصف بها قبل حدوثها إن لم يكن كذلك، و أنه محال فتكون قديمة.

و ادّعى عدم إمكان كونها عين ذاته تعالى لأنّ كل صفة غير موصوفه، و كانت المعتزلة يعتقدون ذلك في برهة من الزمان الى أن قام أبو الحسن الأشعري‏ (3) و كان من المعتزلة، فلمّا رأى انقراض هذه الطائفة قام يوما على المنبر فقال- بعد التعريف-: أنا اتوب الى اللّه من أن أكون من هذه الطائفة و أدّعي في صفات الباري تعالى أنها حادثة. و انجرّ النزاع حتى قاتلوا و قتلوا، فقتل من المعتزلة و الأشاعرة لأجل الاختلاف في هذه المسألة الى أن انجرّ البحث في اتصافه تعالى ب «المتكلّم».

____________

(1) هو أبو حذيفة و اصل بن عطاء البصري المتكلّم، سمع من الحسن البصري و غيره، و كان من أجلّاء المعتزلة ولد سنة 80 ه- بالمدينة، و له تصانيف، و كان يتوقف في عدالة أهل الجمل، مات سنة 131 ه. (لسان الميزان: ج 6 ص 214).

(2) كان الحسن أحد الزهّاد الثمانية، و كان يلقى الناس بما يهوون و يتصنّع الرئاسة، و كان رئيس القدرية، قال ابن أبي الحديد: و ممّن قيل إنّه يبغض عليا و يذمّه الحسن بن أبي الحسن البصري، و روي أنه كان من المخذّلين عن نصرته (الى أن قال:) و روي عن تلميذه ابن أبي العوجاء أنه لمّا قيل له: لم تركت مذهب صاحبك و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة؟ قال:

إنّ صاحبي كان مخلّطا، كان يقول طورا بالقدر، و طورا بالجبر، و ما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه، توفّي في رجب من سنة 110 ه. (الكنى و الألقاب للمحدّث القمي: ج 2 ص 74).

(3) علي بن إسماعيل بن أبي بشر ... كان مولده بالبصرة و نشوؤه ببغداد، و هو امام الأشاعرة و إليه تنسب الطائفة الأشعرية، توفّي سنة 334 ه- و دفن بين الكرخ و باب البصرة (الكنى و الألقاب: ج 1 ص 44).

و قال أيضا: و إنما قيل له أشعر لأنّ أمّه ولدته و الشعر على بدنه، كذا عن السمعاني (الكنى و الألقاب: ج 2 ص 30).

31

[اختلاف المعتزلة و الأشاعرة في معنى الكلام و الطلب‏]

فقالت المعتزلة: إنه صفة فعل، لأنّ الكلام عبارة عن الحروف و الأصوات الموجودة في الخارج و بالنسبة إليه تعالى أنها مخلوقة في الهواء و أنها حادثة بالضرورة، قال الأشعري: هي صفة ذات و أنه متكلّم أزلا و أبدا، و خلق الأصوات و الحروف إنما هو في الكلام اللفظي دون النفسي الذي هو مدلول الكلام اللفظي.

قال الشاعر:

انّ الكلام لفي الفؤاد و انّما* * * جعل اللّسان على الفؤاد دليلا

و أجاب عنه المعتزلي بأنه إن كان المراد العلم في الإخباريات و الإرادة و الكراهة في الانشائيات فليس هذه صفة مغايرة للعالم و المريد أو الكاره، و المفروض مغايرتها، و إن كان غيرها فهو غير معقول.

قال الأشعري: إنّه هو الطلب في الأمر و في النفس هو قائم بها.

أجاب المعتزلي بأنه ليس في النفس صفة قائمة بها غير الإرادة عند الأمر، و ليس هنا شي‏ء آخر يسمّى بالطلب أو الكلام النفسي.

فانقدح بذلك أنّ النزاع في أنّ الطلب هل هو الإرادة أو غيرها منشعب من النزاع في أنّ التكلّم من صفات فعله تعالى أو ذاته تعالى.

و أنّ ما في الألسنة من عينية الطلب و الإرادة فيه ما لا يخفى.

و الحاصل: انّ الأشعري يدّعي أنّ في النفس شيئين، الطلب و الإرادة، و المعتزلي يقول بعدم شي‏ء في النفس وجدانا غير الإرادة لا أن هنا شيئا آخر هو الطلب و هو عين الإرادة، بل ليس شي‏ء غيرها تدبّر تعرف.

و ما في الكفاية من إمكان الإصلاح بأنه لا نزاع بينهما في ماهية الطلب و الإرادة و لا في وجودهما بأنحائهما، من الحقيقي و الذهني و المفهومي و الخارجي و الإنشائي و إنما الاختلاف في منصرفهما عند الإطلاق، فإنّ الانصراف في الأول (يعني الطلب) الإنشائي و في الثاني (يعني الإرادة) الحقيقية.

32

غير سديد (1)، ضرورة أنّ النزاع إنما هو في أنّ مبدأ الطلب اللفظي هل هو الإرادة فقط أو شي‏ء آخر كما ذكرنا فراجع.

مع أنّ لازم ما ذكره أنّ للشي‏ء وجودات خمسة و أهل المعقول قسّموها الى أربعة (أحدها) الوجود الواقعي. (ثانيها) الوجود الذهني بناء على أنّ التصور بمعنى وجود المتصوّر في الذهن. (ثالثها) الوجود اللفظي. (رابعها) الوجود الكتبي.

و إن كان في إطلاق الوجود على الأخيرين مسامحة في التعبير فإنهما كاشفان عن الوجود الواقعي أو الذهني لا أنهما وجودان للشي‏ء، كما لا يخفى.

و أما على ما ذكره هنا وجود خامس و هو الإنشائي. مع أنّ كون الإرادة قابلة للإنشاء، فيه ما لا يخفى، فإنّ الإرادة لا تتعلّق بها الإنشاء و لا توجد به، بل هي كيفيّة نفسانية تابعة لنفس الأمر.

و توضيحه: أنّ الامور إما واقعيات كزيد و عمرو و الشجر و الحجر، أو اعتباريات، و هذا على وجهين: تارة ينتزع من الوجودات العينية، و بعبارة اخرى لمنشا انتزاعه ما بحذاء في الخارج كالفوقية و التحتية و الابوة و البنوّة و الاخوّة و غيرها من الاعتباريات ذات الإضافة. و اخرى ليس كذلك، بل ينتزع من مجرّد جعل الجاعل.

و الأولان لا يتعلّق بهما الإنشاء، و الثالث تابع لمن بيده الاعتبار، فإن اعتبره يوجد، و إلّا فلا، كجعل الحكومة لأحد من قبل السلطان و الملكية لأحد من قبل المالك و الزوجية المسبّبة عن العقد.

و الإرادة من قبيل القسم الأول، فلا تكون قابلة للإنشاء، و ما هو قابل له هو القسم الثالث، فافهم.

و استدلّ الأشاعرة بدليلين: (احدهما) إنه لو كان الطلب اللفظي مستندا الى‏

____________

(1) خبر لقوله (قدّس سرّه): «و ما في الكفاية ... الخ».

33

الإرادة دائما دون الطلب النفسي لما أمر اللّه تعالى الخليل (عليه السّلام) بذبح ولده (عليه السّلام)، لعدم إرادة فعل الذبح منه (عليه السّلام) حقيقة، مع أنه تعالى أمره (عليه السّلام) كما هو المستفاد من قوله تعالى حكاية عنه (عليه السّلام): إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ... الآية (1).

(ثانيهما) أنه لو كان كذلك لما تحقق الكفر و العصيان، و لوجب تحقق الإسلام و الإطاعة و الإيمان لعدم إرادة الأولين‏ (2) و إرادة الأخيرين‏ (3) مع أنه ليس كذلك بالضرورة.

و توهّم إمكان تحقق الإرادة مع عدم تحقق الفعل مدفوع بامتناع تخلّف الإرادة عن المراد، قال اللّه تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (4).

و قد يجاب عن الأول بما في الكفاية (5) من أنه كما لا يكون هنا إرادة حقيقية كذلك لا يكون الطلب الحقيقي، نعم، هنا وجودهما الإنشائي.

و فيه: ما ذكرناه من أنه أجنبي عن محل النزاع و عدم تصوّر الإرادة

____________

(1) الصافّات: 102.

(2) أي الكفر و العصيان.

(3) أي الإسلام و الإطاعة.

(4) يس: 82.

(5) قال في الكفاية- بعد نقل استدلال الأشاعرة على المغايرة بين الطلب و الإرادة بالأمر مع عدم الإرادة كما في صورتي الاختبار و الاعتذار، و بعد ذكر أنّ فيه خللا-: ما هذا لفظه:

و بالجملة، الذي يتكفّله الدليل ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقية و الطلب المنشأ بالصيغة، الكاشف عن مغايرتها و هو ممّا لا محيص عن الالتزام به كما عرفت، و لكنه لا يضرّ بدعوى الاتحاد أصلا لمكان هذه المغايرة و الانفكاك بين الطلب الحقيقي و الإنشائي كما لا يخفى. ثم إنه يمكن ممّا حققناه أن يقع الصلح بين الطرفين و لم يكن نزاع في البين، بأن يكون المراد بحديث الاتحاد ما عرفت من العينية مفهوما و وجودا حقيقيا و إنشائيا، و يكون المراد بالمغايرة و الاثنينية هو اثنينية الإنشائي من الطلب كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه، و الحقيقي من الإرادة كما هو المراد غالبا منها حين إطلاقها، فيرجع النزاع لفظيّا، فافهم، انتهى كلامه رفع مقامه. (الكفاية: ج 1 ص 97).

34

الانشائية.

و التحقيق أن يقال: إنّ الداعي على الأمر تارة يكون نفس إرادة وجود المأمور به كغالب العبادات البدنية و المالية و كإصلاح ذات البين مثلا. و اخرى تهيّؤ المأمور و توطينه لفعل المأمور به على نحو لو لم يكن مقصّرا في أداء الوظيفة- بمعنى إتيان جميع مقدماته الاختيارية- ليحصل له الكمالات النفسانية من القوة الى الفعل.

و المقام من قبيل الثاني فإنه تعالى أمر إبراهيم (عليه السّلام) بذبح ولده، و أراد تكميل نفسه الشريفة بلحاظ تحقق كمالات النفس الأمرية في الخارج و وجودها في المرتبة الفعلية بعد أن كان مستعدّا لهذه الكمالات، و ذلك لا يحصل بالأمر بالمقدمة دون ذيها، لعدم حصول الكمال في إتيان المقدمة مع العلم بعدم الأمر بذيها.

و الحاصل: أنّ الإرادة تتعلّق بالمقدمة مع الأمر بذيها بقصد تحقق الكمال له (عليه السّلام) في مرتبة الفعلية.

و قد يجاب‏ (1) عن الثاني بأنّ امتناع تخلّف الإرادة عن المراد مختصّ بأفعاله تعالى بمعنى إرادة إيجاد الفعل بنفسه، و أما إرادة وجوده من غيره فلا نسلّم الامتناع.

و أجاب في الكفاية أيضا (2) بما مرجعه الى ما ذكره هذا المجيب من أنّ‏

____________

(1) المجيب من المتكلّمين على ما صرّح به الاستاذ مدّ ظله و دامت إفاداته.

(2) قال في الكفاية: (إشكال و دفع) أمّا الإشكال: فهو أنه إنما يلزم بناء على اتحاد الطلب و الإرادة في تكليف الكفّار بالايمان بل أهل العصيان في العمل بالأركان، إما أن لا يكون هناك تكليف جدّي إن لم يكن هناك إرادة، حيث إنه لا يكون حينئذ طلب حقيقي، و اعتباره في الطلب الجدّي ربّما يكون من البديهي، و إن كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد؟

و لا يكاد يتخلّف إذا أراد اللّه شيئا يقول له كن فيكون.

و أمّا الدفع: فهو أنّ استحالة التخلّف إنما تكون في الإرادة التكوينية- و هو العلم بالنظام على-

35

الامتناع إنما هو في الإرادة التكوينية دون التشريعية.

و المراد بالاولى علم الباري تعالى بوجود الممكنات على الوجه الأكمل و الأتم، و بالثانية علمه تعالى بصلاح هذا الفعل للعبد اذا صدر منه، فإذا توافقتا فلا بدّ من الإطاعة و الإيمان، و اذا تخالفتا فلا محيص عن الكفر و العصيان.

ثم استشكل على نفسه بأن لازم‏ (1) هذا عدم جواز العقاب و العتاب لتارك الإيمان و العبادة، مع أنه مناف لبعث الرسل الموعدين للعقاب بالضرورة.

ثم أجاب بما محصّله: أنّ العقاب و ما يتبعه مترتب على الكفر الصادر منه‏

____________

- النحو الكامل التام- دون الإرادة التشريعية- و هو العلم بالمصلحة في فعل المكلف- و ما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الإرادة لا التكوينية، فاذا توافقتا فلا بدّ من الإطاعة و الإيمان، و اذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر و العصيان، انتهى كلامه رفع مقامه.

(الكفاية: ج 1 ص 99).

(1) بقوله (قدّس سرّه): (إن قلت:) إذا كان الكفر و العصيان و الإطاعة و الإيمان بإرادته تعالى التي لا تكاد تتخلّف عن المراد فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا.

(قلت:) إنما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية و إلّا فلا بدّ من صدورها بالاختيار، و إلّا لزم تخلّف إرادته عن مراده، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.

(إن قلت:) إنّ الكفر و العصيان من الكافر و العاصي و لو كانا مسبوقين بإرادتهما إلّا أنهما منتهيان الى ما لا بالاختيار، كيف و قد سبقهما الإرادة الأزلية و المشيّة الإلهية، و معه كيف تصحّ المؤاخذة على ما يكون بالآخرة بلا اختيار؟

(قلت:) العقاب إنّما يتبع الكفر و العصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة بخصوص ذاتهما، فإنّ السعيد سعيد في بطن أمه، و الشقيّ شقيّ في بطن أمه، و الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة- كما في الخبر- و الذاتي لا يعلّل فانقطع سؤال انه لم جعل السعيد سعيدا، و الشقيّ شقيّا فإنّ السعيد سعيد بنفسه، و الشقيّ شقيّ كذلك، و إنما أوجدهما اللّه تعالى (قلم اينجا رسيد، سر بشكست) قد انتهى الكلام في المقام الى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام، و من اللّه الرشد و الهداية و به الاعتصام، (الكفاية: ج 1 ص 99- 101).

36

بالاختيار الناشئ من شقاوته الذاتية اللازمة لخصوص ذاته، فاذا انتهى الامر الى هذا انقطع السؤال ب (لم) فإنّ الشقيّ شقيّ في بطن أمه، و السعيد سعيد في بطن أمه ... الى آخر ما ذكره (قدّس سرّه) في الكفاية.

و ينبغي بيان أنّ علم الباري تعالى ليس علّة لأفعال العباد- و لو كانت في سلك النظام- بعون الملك العلّام.

و تقرير الاعتراض على ما في شرح التجريد عند قول المصنّف- يعني العلّامة محمّد بن الحسن الخواجة نصير الملّة و الدين-: (و العلم تابع) قال العلّامة عند إيراد حجج الخصم: الثالثة قالوا: كلّما علم اللّه تعالى وقوعه وجب و ما علم عدمه، امتنع، فإذا علم عدم وقوع الطاعة من الكافر استحال إرادتها منه و إلّا لكان مريدا لما يمتنع وجوده.

و الجواب أنّ العلم تابع لا يؤثر في الإمكان الذاتي، و قد مرّ تقرير ذلك.

و قال- فيما مرّ عند جواب القائلين بعدم تعلّق علمه تعالى بالمتجدّدات، و إلّا إمّا يلزم وجوبها أو انقلاب علمه تعالى جهلا و هو محال- ما هذه عبارته:

و الجواب: إن أردتم بوجوب علمه تعالى أنه واجب الصدور عن العلم فهو باطل فإنه تعالى يعلم ذاته و يعلم المعدومات مع أنها لا تصدر.

و إن أردتم وجوب المطابقة، فهو صحيح لكن ذلك وجوب لا حق لا سابق، فلا ينافي الإمكان الذاتي، انتهى كلامه (قدّس سرّه)(1).

و قد أورد بعض المتأخّرين على قول المحقق الطوسي‏ (2) (و العلم تابع) بأنّ الإطلاق ممنوع، فإنّ العلم على قسمين، فعليّ و هو المحصل للأشياء الخارجية كعلم واجب الوجود تعالى بمخلوقاته، و انفعالي و هو المستفاد من الاعيان الخارجية كعلمنا بالسماء و الأرض و أشباههما، و حيث إنّ أفعال العباد داخلة في‏

____________

(1) شرح التجريد: ص 222 طبع مكتبة المصطفوي المسألة الثانية في أنه تعالى عالم.

(2) على ما هو ببالي القاصر.

37

سلك النظام التامّ فيكون العلم الفعلي محيطا لها، فيلزم الجبر، و هو باطل.

و الجواب: (1) انّ الممكنات المترتبة بعضها على بعض على سبيل العلّية و المعلولية لها اعتباران: تارة يلاحظ وجودهما في الخارج، و اخرى علّية بعضها لبعض، فما يؤثر علم الباري فيه هو ترتب الممكن بالاعتبار الأول دون الثاني، فإنّ العلّية غير قابلة للجعل، بل هي تابعة لذات الأشياء، و كذا المعلول.

و الحاصل: انّ منشأ المؤاخذة يحتمل أحد أمرين:

(الأول) إرادة المكلّف الفعل كما هو مختار صاحب الكفاية.

و فيه: أنّ مجرّد الإرادة- إن كانت مصحّحة لحسن المؤاخذة- لحسن مؤاخذة الحيوانات بأفعالها، لأنّ لها أيضا إرادات تصدر منها الأفعال الإرادية، كما لا يخفى.

(الثاني) اختيار المكلّف بمعنى أنّ له رقائق ذاتية فبرقيقة الروح العلوي يميل الى عالم العلويات، و برقيقة الجهل السفلي يميل الى عالم السفليات، و مع ذلك له عقل حاكم بالحسن و القبح على القول بهما (كما هو الحق)، و بوجوب دفع الضرر المحتمل مطلقا مضافا الى تأيده بإرسال الرسل و إنزال الكتب و جعل الشرائع.

فاذا رجح مع ذلك كلّه الهوى النفسانية يكون هذا اختيارا موجبا لحسن المؤاخذة.

و يؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ (2) نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ‏ (3) إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً (4).

فانقدح بذلك دفع توهّم أنّ أفعالنا غير مستندة إلينا، بل الى الإرادة المسبوقة

____________

(1) على ما هو ببالي القاصر.

(2) إشارة الى الرقائق.

(3) إشارة الى إرسال الرسل و إنزال الكتب.

(4) الدهر: 1- 3.

38

بالمبادئ الغير الاختيارية لا أقلّ من عدم الإرادة الأزلية.

و ذلك فإنّ الأفعال ليست مستندة الى الإرادة أصلا بل الى الاختيار كما حققناه.

[نصيحة نافعة من سيّدنا الاستاذ في عدم الغور في بعض المسائل‏]

و اعلم‏ (1)- رحمك اللّه- أيها الأخ العزيز أنّ التكلم في كل مسألة يحتاج الى بصيرة فيها، مثلا الصانع إذا صنع سريرا فليس لغير الصانع أن يتكلّم في أطراف هذا السرير و يقول إنّ الصانع كيف صنعه؟ و كيف يستعمله؟ و يتكلّم في كمّيته و كيفيّته إلّا أن يكون هو أيضا من أهل تلك الصنعة و بصيرا بما هو مادة أصلية للسرير.

فما نحن فيه- أعني مسألة الطلب و الإرادة المتعلقين بذات الباري تعالى، بل مطلق صفاته الكمالية و الجلالية و التكلم فيها كيفا و كمّا للمخلوق الفقير المحتاج بتمام ذاته و صفاته الى اللّه الغنيّ بالذات الغير المحتاج على الإطلاق بكلّ وجه يتصوّر بل فوق ما يتصوّر- من هذا القبيل فعليك بالوقوف فيما لا تعلم و عدم الغور في الشبهات، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات كما ورد عنهم (عليهم السّلام)(2).

[لا دخل لمسألة الطلب و الإرادة في مفهوم الأمر]

إذا عرفت ما تلوناه عليك مفصّلا و بيّناه علمت أن مسألة الطلب و الإرادة لا دخل لها بما نحن بصدده، أعني مفهوم الطلب.

فالحقّ أنه حقيقة في الإنشاء اللفظي المتحقق بالإنشاء عند اعتبار المنشي بأيّ لفظ كان كقوله: آمرك، و افعل، و أطلب منك، و غيرها من الألفاظ الدالّة على الطلب.

و هو على قسمين: إيجابيّ، و ندبيّ.

____________

(1) هذا الكلام الشريف أورده سيدنا الاستاذ الأكبر بعنوان النصيحة و الموعظة في عدم التكلّف في أمثال هذه الامور.

(2) راجع الوسائل: باب 12 من أبواب صفات القاضي ج 18 ص 112.

39

[ما به يمتاز كلّ اثنين أحدهما عن الآخر]

فلا بدّ من بيان ما يمتاز أحدهما عن الآخر ثبوتا أولا، ثم بيان استظهار أحدهما عند التجرّد عن القرينة ليحمل عليه ثانيا إثباتا.

فنقول بعون اللّه تعالى: كل شيئين هما اثنان لا بدّ لهما ما يمتاز أحدهما عن الآخر، فإما بالتباين الحقيقي بمعنى أنه لا شي‏ء من ذات أحدهما بالآخر، و إما بالفصل بمعنى أنّ له حيثية مشتركة في مرتبة الذات و حيثية مختصّة في مرتبتها أيضا و هو الفصل، و إما بالمرتبة بمعنى أن ما به الامتياز من نفس ما به الاشتراك.

و هو (1) إما بالكيف كالشدّة و الضعف و هو تارة يكون بالضمائم الخارجية و لا إشكال في وجوده، و اخرى بنفس العرض. أو بالكمّ كالأطولية و الأقصرية، أو بالذات كالأكملية و الأنقصية بناء على وجود هذا القسم في الذات أيضا.

لا إشكال في عدم كون امتياز الواجب عن المندوب من قبيل الأول‏ (2) لاشتراكهما في الطلب كما هو المفروض.

و تعريفهم الواجب بأنه طلب الفعل مع المنع من الترك يؤيد كونه من القسم الثاني‏ (3).

و فيه: انّ مفهوم الوجوب بسيط مع أنه قد يكون المنع من الترك عين طلب الفعل، فلا يكون جزء له باعتبار المغايرة في الأجزاء.

و تعريف آخرين للوجوب بأنه ما يستحقّ تاركه العقاب و المندوب ما ليس كذلك، أو أنه ما لا يرضى الآمر بتركه، و المندوب ما يرضى به موهم أنه من الثالث، أي ما يكون امتيازهما بالعوارض.

و فيه: انّ استحقاق العقاب‏ (4) معلول للطلب الإيجابي و المعلول متأخر في مرتبة الوجود الذهني عن العلّة فلا يصلح لأن يكون مميّزا في مرتبة الذات التي‏

____________

(1) أي كونها بالمرتبة.

(2) أي كونه بالتباين.

(3) أي كونه بالفصل، وجه التأييد كون طلب الفعل بمنزلة الجنس، و المنع من الترك بمنزلة الفصل.

(4) جواب عن التعريف الأول.

40

هو العرض.

كما أن الرضا (1) بالترك علّة للطلب الإيجابي و مقدّم عليه، و المقدّم لا يصحّ أن يكون مميّزا للمتأخّر في مرتبة الذات.

و الحاصل: انّ المميّز لا بدّ من مقارنته للمميّز لا متأخّرا عنه كما في الأول، و لا متقدّما عليه كما في الثاني‏ (2).

و يمكن أن يقال: إنّ ما به الامتياز بين الإيجاب و الندب من القسم الرابع‏ (3) و تقريره يمكن أن يكون بأحد وجهين:

(أحدهما) أنّ ما يكون منشأ لحكم العقلاء باستحقاق العبد العقوبة هو الطلب الغير المقارن مع الإذن في الترك، و هذا يعبّر عنه بالإيجاب، و ما ليس كذلك فهو الندب.

(ثانيهما) أنّ منشأ الحكم المذكور في الإيجاب هو الإرادة الواقعية النفسانية بحيث لو سئل عن جواز الترك لأجاب بعدمه و الطلب يكشف عنها لا نحو كشف اللفظ عن المعنى، بل نحو كشف المعلول عن العلّة بحيث لو علم المكلّف بالإرادة الكذائية من المولى بغير الطلب الكاشف أيضا لكان غير معذور في ترك المراد و مستحقّا للعقوبة بحكم العقلاء.

و الفرق بين الوجهين أنّ تمام الموضوع لجواز الاستحقاق هو الطلب بنفسه على الأول، و علّته و هي الإرادة الواقعية على الثاني.

هذا كله في مقام الثبوت.

و أما في مقام الإثبات فالموضوع له هو الطلب مطلقا.

و من هنا ظهر أنه عند الشكّ في المقارنة و عدمها يحكم بالاستحقاق على الوجهين و لا اعتماد على احتمال مقارنته بالإذن في الترك، لوجود الموضوع‏

____________

(1) جواب عن التعريف الثاني.

(2) تشبيه للمنفي في الموضعين.

(3) و هو كونه بالمرتبة بالقسم الرابع منها، و هو كون التفاوت بالذات كالكمال و النقص.

41

عنده أيضا كما يعلم، بالمراجعة الى حال الموالي بالنسبة الى العبيد.

[هل كاشفية صيغة الأمر عن الوجوب بالدلالة اللفظية؟]

ثم لا يخفى أنه لا يكون هذا الكشف بالدلالة اللفظية- بمعنى أنّ صيغة (افعل) مثلا تدلّ على أن منشأ الاستحقاق يكون طلبا كذائيا كما هو المتراءى من الكفاية، من أنه بالوضع أو بالإطلاق، و من أنّ الصيغة مثلا تدلّ على الطلب المتقيّد بالإرادة النفسانية وضعا أو إطلاقا لعدم‏ (1) الدليل على إثبات هذا المعنى لها.

مضافا الى ما فيه (أولا) من أنّ الارادة لا تكون قابلة للإنشاء كما أشرنا اليه في بحث الطلب و الارادة.

و (ثانيا) أنّ الارادة النفسانية تكون علّة لانشاء الطلب، و المعلول لا يمكن أن يتقيد بعلّته، ضرورة لزوم تقدم العلّة على معلولها رتبة، و المتقدم بمرتبة لا يمكن أن يكون قيدا للمتأخر عنه بتلك الرتبة فإنّ وجود القيد لو لم يكن متأخرا عن المقيد فلا أقل من لزوم تقارن وجودهما.

نعم، يمكن أن يستفاد الموضوع‏ (2) من الأصل. توضيحه: أنه إذا قال المولى:

اضرب (فتارة) يشكّ في أنّ صدوره كان لمعنى أم لا؟ فالأصل يقتضي الأول.

(و اخرى) في الإرادة الجدّيّة أو كانت استهزاء فهو أيضا يقتضي الأول. (و ثالثة) دلالة لفظة (اضرب) على معناها الحقيقي أو المجازي- و هو الضرب مثلا- فهنا تجري أصالة الحقيقة، و معلوم أنّ مدلول اللفظ منحصر في الثالث دون واحد من الأولين ضرورة عدم دلالة اللفظ على صدوره لمعنى أو عن جدّ و إرادة.

فانقدح بذلك أنّ منشأ حكم العقلاء باستحقاق العبد العقوبة لا يكون بدلالة لفظية، بل بالأصل العقلي، و لا يحتاج الى دليل و بيان أو إقامة برهان بل يكون الحكم المذكور ناشئا من نفس الطلب.

____________

(1) تعليل للنفي المذكور بقوله مدّ ظلّه: لا يكون هذا الكشف ... الخ، يعني عدم كون الكشف بالدلالة اللفظية لأجل عدم الدليل.

(2) أي الموضوع لحكم العقلاء باستحقاق العبد العقوبة.

42

و يؤيده أيضا قوله تعالى مخاطبا لإبليس لعنه اللّه: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏ بعد قوله تعالى: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ‏ (1).

[الفرق بين الوجوب المستفاد من صيغة الأمر أو مادّته‏]

و لا فرق فيما ذكرنا بين الطلب المستفاد من لفظه أو مادة الأمر أو صيغة (افعل) أو غمز و إشارة، أو من الجملة الخبرية المراد بها الطلب، فإنّ الحكم المذكور للإرادة النفسانية بأيّ شي‏ء انكشفت أو للطلب الغير المقارن للإذن في الترك كما تقدّم، كما لا يخفى.

ثم لا يذهب عليك أنّ الحكم المذكور لا يكون لمطلق الطلب الصادر من أيّ شخص بالنسبة الى أيّ أمر، بل الطلب الصادر ممّن له حقّ الأولوية لحكم العقل و العقلاء على المكلّف بالنسبة الى الأوامر المولوية كأوامر اللّه تعالى كافّة و أوامر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و اولي الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم، لا مطلقا، بل من حيث إنّ أمرهم (عليهم السّلام) من قبل اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

قال اللّه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2).

نعم، ما ذكرنا من أنه لا فرق بين أنحاء الطلب إنما هو بالنسبة الى نفس الطلب.

و أما بالنسبة الى المتكلم فقد يقال بالفرق بين الطلب المستفاد من الصيغة و المستفاد من مادة الأمر و الطلب بأنه‏ (3) في الثاني متصوّر مع المطلوب دون الأول.

و وجهه أنّ الطلب لكثرة توجّه الآمر الى المطلوب مندك و فان في المطلوب، كأنّ الطالب لا يرى إلّا المطلوب، و إن كان مع التوجّه و الالتفات يتصوّره أيضا، مثلا قولنا: اضرب زيدا- مع قطع النظر عن التفات المتكلّم الى هذا الكلام- يدلّ على مطلوبية وقوع الضرب على زيد، و لذا صرح بعضهم بعدم دلالته على الطلب‏

____________

(1) الأعراف: 11 و 12.

(2) النساء: 59.

(3) بيان للفرق.

43

أصلا.

و لكنه مدفوع بعدم إمكان القول بذلك، إذ المقصود من قولنا: اضرب مثلا إما تصوّر المخاطب ضرب زيد أو تصديقه بذلك، إذ الكلام لا يخلو عنهما، فحيث لا يكون شي‏ء منهما قطعا، يتعين قصد ايجاد الطلب، و هذا بخلافه في الثاني‏ (1) فإنّ نفس الطلب متصوّر أيضا بقوله: آمرك، أو أطلب منك، فإنّ استعمال الصيغة في معنى يستلزم تصوّر مادّتها و إلا كان ساهيا، و المفروض أنّ المادة هي للطلب أو الأمر.

تنبيه [: حكاية قول عن صاحب المعالم (رحمه اللّه)‏]

حكي عن صاحب المعالم‏ (2) عليه الرحمة أنه- بعد اختيار أنّ الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في الندب- قال ما محصّله: إنّ كثرة استعمال الأمر في الندب المستفادة من تضاعيف أخبارنا المروية عن الأئمة (عليهم السّلام) بلغت الى حيث صار من المجازات الراجحة استعمالا، المساوي احتمالها لاستعمال الوجوب، فيشكل التعلّق بالأخبار بمجرد ورود الأمر به منهم (عليهم السّلام) لإثبات الوجوب.

و أجاب في الكفاية (3)- بعد منع اختصاص الكثرة بالندب بل استعمالها في‏

____________

(1) يعني بناء على الطلب المستفاد من مادة الأمر أو الطلب.

(2) عبارة المعالم هكذا: (فائدة) يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمة عليهم الصلاة و السلام أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعا في عرفهم بحيث صار من المجازات الراجحة، المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجّح الخارجي فيشكل التعلّق في إثبات وجوب أمر بمجرد ورود الأمر به منهم (عليهم السّلام) (انتهى).

(3) عبارة الكفاية- بعد اختياره فيها كونه حقيقة في الوجوب دون الندب- هكذا: و كثرة الاستعمال فيه (أي الندب) في الكتاب و السنّة و غيرهما لا توجب نقله إليه أو حمله عليه لكثرة استعماله في الوجوب أيضا، مع أنّ الاستعمال و إن كثر فيه إلّا أنه كان مع القرينة المصحوبة، و كثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازي لا توجب صيرورته مشهورا فيه-

44

الوجوب أيضا كثير، و أنه فيه مع القرينة و لو كانت هي الشهرة، فلا يحمل عليه عند التجرد-: بأنّ كثرة الاستعمال لا توجب انصراف اللفظ الى المعنى المجازي كما في استعمال العامّ في الخاصّ كثيرا، بل استعماله فيه أكثر من استعمال الصيغة، حتى قيل: ما من عامّ إلّا و قد خصّ، و مع ذلك لا يحمل على الخاصّ عند التجريد عن القرينة.

أقول: و أنت خبير بما فيه، فإنّ كثرة استعماله في الوجوب‏ (1) مثل الندب معلوم العدم.

و الندب‏ (2) لا يستفاد من اللفظ و القرينة معا حتى لا يدلّ اللفظ عند التجريد عليه، بل هي تدلّ على أنّ المراد منه هو ذاك المعنى المجازي مثلا، فاللفظ وحده استعمل في الندب دونه مع القرينة.

و دعوى أنّ انس الذهن من هذا اللفظ بهذا المعنى بالقرينة بلغ الى تلك المرتبة المذكورة الموجبة للتوقف كما ذكره المعالم.

و أما النقض‏ (3) باستعمال العامّ في الخاصّ ففيه: (أولا) أنّ العامّ بما هو عامّ لا يستعمل في الخاصّ بما هو خاص حتى يكون مجازا، بل العامّ في موارد التخصيص استعمل في الخصوص لبّا و إرادة العموم منه استعماليّة لا جدّية كما هو الحقّ على التحقيق، فيستكشف بالقرينة أنّ المتكلم لم يرد من الأول إلّا الباقي فلا يكون مجازا أصلا.

____________

- ليرجح أو يتوقف على الخلاف في المجاز المشهور، كيف و قد كثر استعمال العامّ في الخاصّ حتى قيل: ما من عامّ إلّا قد خصّ، و لم ينثلم به ظهوره في العموم بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص. (الكفاية: ج 1 ص 103- 104).

(1) إشارة الى منع الصغرى، أعني كثرة استعمال الصيغة في الوجوب أيضا على حدّ استعماله في الندب.

(2) إشارة الى منع كون الاستعمال في الوجوب مع القرينة و لو كانت هي الشهرة.

(3) إشارة الى منع كون استعماله في الوجوب اكثر من استعماله في الندب.

45

(و ثانيا) بعد تسليم كون استعماله فيه مجازا أنّ عنوان الخاصّ ليس شيئا معيّنا ضرورة أنه قد يكون زيدا و قد يكون عمرا و قد يكونان معا، غاية الأمر يصدق على الصور الثلاث بالحمل الشائع الصناعي أنه خاصّ، و معلوم أنّ الحقيقة و المجاز تابعان للعموم و الخصوص المصداقيين لا المفهوميين، كما لا يخفى.

فالأحسن في الجواب أن يقال: حيث ذكرنا أنّ الطلب- سواء كان مستفادا من اللفظ أو غيره، و سواء كان بالجملة الانشائية أو الخبرية- يتحصّل إيجابا إما بنفسه و إما بالإرادة النفسانية المكشوفة بالطلب الغير القابلة للانشاء، بمجرد وجوده غير مقارن وجودا بالإذن في الترك اذا صدر ممّن له حقّ المولوية على المخاطب فيحمل على الايجاب اذا صدر على النحو المزبور.

نعم هنا كلام آخر [: هل الأوامر الواردة عنهم (عليهم السّلام) تحمل على الوجوب المولوي؟]

و هو أنّ الأوامر الواردة عن الأئمة (عليهم السّلام) في بيان الأحكام لا تحمل على الوجوب المولوي غالبا، بل تحمل على الارشاد.

توضيحه: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السّلام) (تارة) يأمرون بما أنهم (عليهم السّلام) مخبرون عن اللّه تعالى، (و اخرى) بما هم (عليهم السّلام) سلاطين و لهم سلطان على الناس، المجعول لهم من قبل اللّه تعالى كما في أمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في بعض الغزوات عبد اللّه بن جبير و جماعة باستقرارهم عند فم الجبل الفلاني مثلا الى الوقت المعلوم مثلا.

فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله) بما أنّ له سلطانا أمرهم بكذا لا بما أنه مخبر عن اللّه تعالى.

و الأمر على النحو الأول لا يكون مولويا حتى يكون في مخالفته عقاب، فلا يترتب على مخالفته أو موافقته عقاب أو ثواب.

و يؤيده قوله (صلّى اللّه عليه و آله)- في جواب بريرة الذي أمره بالرجوع الى زوجته و سؤاله بقوله: أ تأمرني يا رسول اللّه؟-: لا، بل أنا شافع.

46

فهذا القسم نظير أوامر المفتي للمقلّد أو الواعظ للمتّعظ المستمع. فحينئذ يشكل التمسك بالأخبار الواردة في بيان الأحكام، لإثبات‏ (1) الوجوب المولوي و ترتب آثاره من الفسق أو استحقاق العقاب بمجرد مخالفته.

و بعبارة اخرى: الأوامر الصادرة على ثلاثة أقسام:

(الأول) ما يكون نظير أوامر الطبيب للمرضى بالنسبة الى الامور البدنية، و هذا لا يكون في مخالفته إلّا المفسدة المترتبة على نفس المخالفة.

(الثاني) ما يكون نظير أوامر المفتي و الواعظ للمقلّد و المتّعظ المستمع، و هذا لا يكون فيه غير مخالفة الواقع مخالفة اخرى.

(الثالث) ما يكون نظير أوامر الملوك و السلاطين لرعيتهم، و هذا القسم يكون في مخالفته عقاب آخر غير العقاب المترتب على نفس الواقع و هو المراد من قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2).

و لذا قال علماء الاصول: النهي عن عبادة أو معاملة على وجه خاصّ يدلّ على الفساد، بل يمكن أن يقال: بدلالة مطلق النهي و الأمر على الفساد و الصلاح، فإن كان محفوفا بقرينة تدلّ على الكراهة أو الندب فبها، و إلّا يحمل على الحرمة أو الوجوب.

في تقسيم المأمور به‏

[التعبّدي و التوصّلي‏]

(فمنها) تقسيمه الى التعبّدي و التوصّلي، و لا بدّ من بيان معناهما.

اعلم أنّ لهما تعاريف (فمنها) أنّ التعبّدي ما لم يعلم الغرض منه، و التوصّلي ما يعلم الغرض منه. (و منها) غير ذلك و لا يهمّنا ذكره.

و العبارة الجامعة له أنّ التعبّدي ما يؤتى على نحو يكون صالحا لأن يقال: إنّه‏

____________

(1) متعلّق بقوله (قدّس سرّه): «التمسّك».

(2) النساء: 59.

47

أتاه للّه سبحانه مطلقا، سواء كان لعظمته، أو خوفا منه، أو طمعا لأنعامه، أو له خالصا، أو وجده أهلا للعبادة، علم الغرض أم لا.

و الثاني ما كان مطلق وجوده كافيا في الامتثال.

و بعبارة اخرى: هما يشتركان في كون إتيانهما معلولا عن أمر الآمر.

و يفترقان في أنّ (الأول) يعتبر في إتيانه كونه معلولا عن الامر و أنه هو الداعي. و في (الثاني) لا يعتبر إلّا وجود المأمور به بأيّ وجه اتفق، سواء كان عن غفلة أو إرادة أم لا، و سواء كانت الإرادة له تعالى و لأجل غرضه سبحانه أم لغيره من الدواعي النفسانية.

ثم هل يعتبر في الأول كونه مأمورا به من قبل الشارع أم لا؟ بل كل ما وجده العقل لائقا لساحة قدسه تعالى يصحّ أن يؤتى له تعالى و يحصل القرب بذلك، غاية الأمر أمر الشارع بل إذنه يكون موجبا لإحراز كونه مقربا؟

الظاهر الثاني، لما ذكرنا من عدم دليل معتبر على اشتراط كون المقرب مما أمر به الشارع. نعم، يعتبر ممّا وجده العقل أن يكون لائقا لشأن المولى و لا إشكال فيه.

[عدم إمكان أخذ داعي الأمر في متعلّقه‏]

إنما الإشكال و الخلاف في أنّ داعي الامر هل يمكن أن يؤخذ في موضوع الامر شرعا أم لا؟ لم أجد في كلمات من تقدّم على الشيخ الأنصاري أعلى اللّه مقامه تعرضا لهذا العنوان. نعم، عنونه هو أعلى اللّه مقامه على ما يستفاد من تقرير بعض مقرري بحثه مدّعيا عدم إمكان أخذ داعي الامر شرعا في المأمور به و لزوم كونه من قيود المأمور به عقلا.

و أرسله تلامذته و تلامذة تلامذته إرسال المسلّمات.

بيانه‏ (1): أنّ مأخوذية داعي الأمر في المأمور به لا يتأتى إلّا بعد الامر به ليكون داعيه جزء منه، و المفروض أنّ الامر تعلّق بالذي داعي الامر جزئه، و هو

____________

(1) هذا حاصل ما أفاده السيد الاستاذ الأكرم مدّ ظلّه العالي على ما هو ببالي عاجلا، اللّهمّ اغفر لنا إن نسينا أو أخطأنا.

48

محال.

و قد اختلف تلامذة الشيخ أعلى اللّه مقامه و تلامذة تلامذته في تقرير الإشكال على وجهين:

الأول: تقريره على نحو استلزامه للمحال من طرف الشارع.

الثاني: تقريره على نحو استلزامه للمحال من قبل إتيان المأمور به.

و الأولون قرروه على أنحاء: (منها) أنّ الأمر حكم، و المأمور به موضوع، و لا بدّ من تقدّم الموضوع على الحكم بتمام أجزائه التي من جملتها داعي الامر، فالامر يتوقف على وجود ذات المأمور به، و هو يتوقف على الأمر به ليكون داعي الامر جزء منه، و هو محال.

(و منها) أنّ مقدورية المأمور به من الشرائط المعتبرة عند الامر و كونه مقدورا يكون يتوقف على الامر به، و هو دور محال.

(و منها) أنّ الحكم أمر نسبي رابطي، فلحاظه آليّ كمعاني الحروف على القول به، و تصوّر المأمور به كتصوّر المعاني الاسمية، فلحاظه استقلالي، فلو كان داعي الامر جزء من المأمور به شرعا لزم اجتماع اللحاظ الآلي و الاستقلالي، و هو محال.

و حاصل ما قرره الآخرون على نحو استلزامه للدور من طرف إتيان المأمور به أنّ الامر لا بدّ أن يكون داعيا الى إتيان ما هو المأمور به، و إتيان المأمور به الذي داعي الامر جزء منه لا يمكن بهذا الامر الذي يكون محصّلا لداعي الامر كما لا يخفى.

و حاصل ما ذكره في الكفاية (1) أنه لو كان معنى قصد التقرب بأحد هذه الامور

____________

(1) عبارة الكفاية هكذا: (المبحث الخامس) انّ إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصّليا فيجزي إتيانه مطلقا و لو بدون قصد القربة أو لا؟ فلا بدّ من الرجوع فيما شكّ في-

49

إمّا إتيان الفعل بداعي المحبوبية أو داعي الحسن، أو لإرادته تعالى فلا يمكن.

بيانه من وجهين: (أحدهما) ما ملخصه: أنّ غرض الآمر يسقط اذا كان المأتيّ به منطبقا على ما هو عنوان المأمور به، و انطباقه عليه متوقف على إتيانه بداعي الامر، و المفروض أن داعي الامر مأخوذ فيه فيلزم الدور و هو محال.

(ثانيهما) انّ الأمر لا يدعو إلّا الى ما هو متعلّقه، و المفروض أنّ متعلّقه الفعل بداعي الامر (أو مع داعي الامر).

و بعبارة اخرى: الامر داع الى فعل المدعو الذي منه داعي الامر، و هذا الداعي أيضا يدعو الى متعلّقه، فإما أن يكون متعلّقه ذات العمل بدونه أو معه، و الأول هو المطلوب، و الثاني أيضا يدعو الى متعلّقه- أعني المدعو- بداعي الامر الذي يدعو الى فعل المدعو بداعي الامر، و هكذا الى أن يصل الى ما لا نهاية له فيلزم التسلسل و قد تقرر في محلّه أنّ التسلسل محال.

أقول: إنّ التقرير الأول- و هو الدور- يرجع الى أنّ الداعي يتوقّف على الداعي لأنّ انطباقه على المأمور به ليس شيئا مستقلا حتى يتوقّف عليها الإتيان‏

____________

- تعبّديته و توصّليته الى الأصل لا بدّ في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات (الى أن قال:) ثانيها:

أنّ التقرب المعتبر في التعبّدي إن كان بمعنى قصد الامتثال و الإتيان بالواجب بداعي امره كان مما يعتبر في الطاعة عقلا، لا ممّا أخذ في نفس العبادة شرعا، و ذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتّى إلّا من قبل الامر بشي‏ء في متعلّق ذاك الامر مطلقا شرطا أو شطرا، فما لم تكن نفس الصلاة متعلّقة للامر لا يكاد يمكن اتيانها بقصد امتثال أمرها.

و توهّم إمكان تعلّق الامر بفعل الصلاة بداعي الامر و إمكان الإتيان بها بهذا الداعي- ضرورة إمكان تصوّر الامر بها مقيدة- و التمكّن من إتيانها كذلك بعد تعلّق الامر بها، و المعتبر من القدرة المعتبرة عقلا في صحّة الامر إنما هو في حال الامتثال لا حال الامر واضح الفساد ضرورة انه و إن كان تصوّرها كذلك بمكان من الإمكان إلّا أنه لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي امرها لعدم الأمر بها، فإنّ الامر حسب الفرض تعلّق بها مقيدة بداعي الامر، و لا يكاد يدعو الامر إلّا الى ما تعلّق به لا الى غيره. انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علوّ مقامه. (الكفاية: ج 1 ص 107- 109).

50

بداعي الامر كما لا يخفى.

ثم‏ (1) إنّ الداعي الى كل شي‏ء موصوف لا بدّ أن يدعو الى ذات الشي‏ء حال اتصافه بهذا الوصف مع قطع النظر عن هذا الداعي، فالامر الداعي الى الصلاة المأمور بها مثلا يدعو إليها مع اتصافها بكونها مأمورا بها مع قطع النظر عن هذا الامر، و كذا داعوية هذا الامر الى إتيان الفعل بقصد المحبوبية أو بداعي حسنه أو لإرادته تعالى متوقفة على اتصافه بهذا الامر قبل تعلّق الامر.

فحينئذ لا فرق في لزوم المحال بين كون معنى قصد القربة إتيان الفعل بداعي الامر أو بداعي حسنه، أو بداعي المحبوبية، أو لإرادته تعالى.

فما في الكفاية (2) من التفصيل بينه و بينها غير وجيه، بل الإشكال على الثاني أشدّ، لإمكان أن يقال- على الأول-: إنّ الشارع جعل المحصّل للغرض أعمّ من المأمور به، بمعنى أنّ المأمور به ذات العمل، و ما هو المحصّل هو مع القصد.

و لا يصحّ ادّعاء ذلك في باقي الوجوه المذكورة، فإنه لا معنى لتعلّق الامر بأعمّ من المحبوبية، أو ممّا قصد حسنه، أو ممّا أراده تعالى.

و أمّا لزوم المحال من طرف الأمر بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة فيرد على الأول أنّ توقف الحكم على وجود الموضوع يكفي وجوده الذهني، و وجوده في الخارج يتوقف على الامر في الخارج لا في الذهن، فلا دور. و على الثاني أنّ‏

____________

(1) هذا تقرير آخر لسيدنا الاستاذ الأكبر مدّ ظله العالي لعدم جواز أخذ قصد القربة في متعلّق الامر بأيّ معنى كان.

(2) فإنه أعلى اللّه مقامه- بعد بيان استحالة أخذه في متعلق الامر- قال: هذا كلّه اذا كان التقرب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال، و أما اذا كان بمعنى الإتيان بالفعل بداعي حسنه أو كونه ذا مصلحة أو له تعالى فاعتباره في متعلّق الامر و إن كان بمكان من الامكان إلّا أنه غير معتبر فيه قطعا لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الذي عرفت عدم إمكان أخذه فيه بديهة، تأمّل فيما ذكرناه في المقام تعرف حقيقة المرام كي لا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الأعلام. (الكفاية: ج 1 ص 112).

51

مقدورية الفعل تعتبر في زمان إتيان الفعل لا زمان الأمر. و على الثالث أنّ اجتماع اللحاظين محال في صورة وحدة اللحاظ دون تعدّده، كما في المقام فإنّ آن لحاظ الامر غير آن لحاظ المأمور به هذا.

و لمّا قام الإجماع بل الضرورة الفقهية على اعتبار قصد التقرب في العباديات وقع العلماء المتأخّرون عن الشيخ الأنصاري (قدس اللّه أسرارهم) في حيص و بيص عن دفع هذا الإشكال الذي تفطّن به الشيخ (قدّس سرّه)، و أجابوا بأجوبة لا تخلو أكثرها عن إشكال و تأمل.

[وجوه دفع استشكال الشيخ الانصارى في إمكان أخذ داعى الأمر في متعلقه‏]

و حاصل ما قالوا أو يمكن أن يقال امور خمسة أو ستة:

(الأول) ما أجاب به الشيخ (قدّس سرّه) بالقول بتعدّد الامر، تعلّق أحد الأمرين بنفس العمل و الآخر به مع داعي أمره فيتمكّن من إتيان المأمور به بالامر الثاني.

و قد أورد عليه- بعد دعوى الإجماع على عدم التعدّد في العباديات- بأنه إن فرض سقوط الامر بإتيان المأمور به الأول مجردا عن داعي الامر، فلا حاجة الى الامر الثاني، و الّا فلا ينفع الأول أيضا كما لا يخفى.

(الثاني) ما أجاب به في الكفاية (1)- كما أشرنا إليه- من أنه يمكن تعلّق الامر بنفس العمل، و لمّا كان الغرض لا يحصل إلّا بإتيانه مع الداعي كان المحصّل للغرض أعمّ من المأمور به، غاية الأمر نبّه الشارع على أنّ الغرض لا يحصل إلّا بتقارن إتيان المأمور به مع الداعي. و بالجملة هو شرط عقلي كشف عنه الشرع العالم بالواقعيات.

و فيه: أنّ لازم ذلك عدم صلاحية ذات المأمور به في جميع العباديات للتقرب أصلا، بل كان ضمّ الداعي الى ذات المأمور به كضمّ الحجر بجنب الانسان، و هو كما ترى.

____________

(1) تقدّم آنفا نقل عبارة الكفاية، فراجع.

52

(الثالث) ما يستفاد من درر الحائري (رحمه اللّه)(1). و حاصله: أنّ العبادية في العباديات لا يتوقف على قصد الامر بالخصوص حتى يلزم الدور أو التسلسل، بل يمكن أن يكتفي فيها بقصد عناوين هذه العبادات، مثلا أن يأتي بالتكبير و القراءة و الركوع و السجود و التشهد و السلام مثلا بقصد تحقق عنوان الصلاة و لا يحتاج مع ذلك الى إتيان هذا العنوان بداعي الامر، بل يكفي حسنه الذاتي للأشياء المنكشف بها بتصريح الشارع أمرا أو إذنا أو بيانا و لو لم تدركه العقول الجزئية و لم تصدقه.

و فيه- مضافا الى أنّ معنى العناوين القصدية إيجاد نفس العمل قاصدا إيقاعها كالإنشاءات، لا بمعنى إتيانها بقصد تحققها، و إلّا يلزم الدور ضرورة توقف كون العمل مثلا معنونا بعنوان التعظيم للمولى على قصده يتوقف على أنه تعظيم مع‏

____________

(1) المؤسّس للحوزة المقدسة العلمية ببلدة قم صانها اللّه عن التهاجم و التصادم، المتوفّى سنة 1355 ه- ق، و المناسب نقل عبارة الدرر قال: لا إشكال في أنّ ذوات الأفعال و الأقوال الصلاتية مثلا من دون إضافة قصد اليها ليست محبوبة و لا مجزية قطعا، و لكن من الممكن كون صدور هذه الهيئة المركّبة من الحمد و الثناء و التسبيح و التهليل و الدعاء و الخضوع و الخشوع مثلا مقرونة بقصد نفس هذه العناوين محبوبا للآمر، غاية الأمر أنّ الانسان لقصور إدراكه لا يدرك أن صدور هذه الهيئة منه بهذه العناوين مناسب لمقام الباري عزّ شأنه، و يكون التفاته موقوفا على إعلام اللّه سبحانه، فلو فرض تمامية العقل و احتوائه بجميع الخصوصيات و الجهات لم يحتج الى إعلام الشرع أصلا.

و الحاصل: أنّ العبادة عبارة عن إظهار عظمة المولى و الشكر على نعمائه و ثنائه بما يستحقّ و يليق به. و من الواضح أنّ محققات هذه العناوين مختلفة بالنسبة الى الموارد، فقد يكون تعظيم شخص بأن يسلّم عليه و قد يكون بتقبيل يده، و قد يكون بالحضور في مجلسه، و قد يكون بمجرد إذنه بأن يحضر في مجلسك أو يجلس عندك، الى غير ذلك من الاختلافات الناشئة من خصوصيات المعظم- بالكسر- و المعظم- بالفتح-.

و لمّا كان المكلّف لا طريق له الى استكشاف أنّ المناسب بمقام هذا المولى تبارك و تعالى ما هو إلّا بإعلامه تعالى لا بدّ أن يعلمه أولا ما يتحقق به تعظيمه ثم يأمره به، و ليس هذا المعنى ممّا يتوقف تحققه على قصد الامر حتى يلزم محذور الدور. انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه. (درر الفوائد: ص 96 طبع مؤسّسة النشر الإسلامي- قم).