تحرير الأصول

- السيد محمد علي الموسوي الجزائري المزيد...
407 /
3

[الجزء الاول‏]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للّه و الصلاة على محمّد و آله.

و بعد، إنّ من أبرز ميّزات مذهبنا الإمامي على سائر المذاهب و المسالك الإسلاميّة انفتاح باب الاجتهاد في الفقه و استنباط الأحكام الشرعيّة المفتقرة إليه في مبانيها و اصولها كما أنّ من أهمّ المباني في الفقه هو علم اصول الفقه. و من أجل الحاجة الماسّة للفقه إلى علم اصول الفقه قام الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) لتأسيس ذلك العلم حيث قالوا: إنّ علينا إلقاء الاصول و عليكم التفريع.

و بذلك التأسيس الفخم عبّد الأئمّة (عليهم السلام) طريق المستقبل في مجال التحقيق كما أوضحوا معالم مسير الحركة العلميّة لأتباعهم.

و من المعلوم أنّ وقوع الغيبة الكبرى للإمام الحجّة المنتظر و حرمان الشيعة عن الارتشاف من المنهل الصافي مباشرة من جانب، و حدوث المسائل المبتلى بها بكثرة هائلة من جانب آخر كانا من عوامل الحاجة الملحّة إلى التحقيق في مسائل علم الاصول أكثر فأكثر. و من ذلك المنطلق شمّر علماء الشيعة و محقّقوهم عن سواعدهم فبدءوا بالبحث و التنقيد و الكتابة و التدريس بجدّ و صدق فاتّسعت الحوزات العلميّة الشيعيّة فوصلت إلى قمّة الشموخ علوّا و إلى الأقعار عمقا إلى أن منّ اللّه علينا ببركة الثورة الإسلاميّة و الإنجازات المعطاء لإمامنا الراحل (رحمه اللّه) و كان منها تأسيس حوزات علميّة عظيمة في شتّى أنحاء بلدنا الإسلامي بل في خارج البلاد.

4

و من بين تلك الحوزات العلميّة في البلاد الحوزة العلميّة في الأهواز التي أسّسها العلّامة الفقيه آية اللّه السيّد محمّد عليّ الموسويّ الجزائريّ، و هي تمتاز بحمد اللّه بمزايا و خصائص فريده، و قد تجاوز عدد طلّابها الفضلاء الألف في المستويات الدراسيّة المختلفة و في طليعتهم مئات من الأجلّاء، يحضرون البحوث العليا في الدراسة العلميّة، حيث يستفيدون من محضر استاذهم الفقيه المفضال السيّد الجزائريّ مباحث خارج الفقه و الاصول.

و هذا الكتاب الّذي بين أيديكم هو المجلّد الأوّل من المباحث الاصوليّة التي ألقاها بعنوان خارج اصول الفقه في تلك الحوزة بالأهواز.

و يمتاز هذا الكتاب بنظم و تنسيق جيّدين، و التعرّض إلى المباحث بعمق، و الاجتناب عن التطويل بلا طائل، و الأبحاث الهامشية.

و من خصائص هذا الكتاب الجمع بين نظرات المحقّقين العظام في حوزة النجف الأشرف، و نظرات المحقّقين الكرام في حوزة قم المقدّسة، و التعرّض إلى الأساليب المتنوّعة العمليّة.

و نظرا إلى تلك الخصائص و المزايا طلب الفضلاء و المشتغلون في الحوزة العلميّة بالأهواز بإلحاح من سماحة السيّد الاستاذ طبع الكتاب ليسدّوا بذلك حاجتهم العلميّة فلبّى سماحة السيّد طلبهم، و قامت المؤسّسة الإسلاميّة بالنشر التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم بنشر هذا السفر العظيم و الموسوعة الاصوليّة الكبيرة لتعمّ فائدتها الجميع.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا.

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

5

[المقدمة]

تقديم بقلم الاستاذ الفاضل الحاج الشيخ محسن الحيدري (دام ظلّه)

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله المنتجبين.

تطوّر اصول الفقه عند الإماميّة و أهل السنّة:

إنّ علم اصول الفقه من الفنون الآليّة للفقه، فوزانه إليه وزان المنطق إلى الفلسفة، و قد حاز علماء الإماميّة قصب السبق للتصنيف في هذا الحقل كسائر الحقول الإسلاميّة، اقتفاء بالأئمّة الأطهار في تأصيل الاصول الشرعيّة، و تفريع الفروع على ضوئها. فصنّف هشام بن الحكم تلميذ الصادقين (عليهم السلام) كتاب الألفاظ في النصف الأوّل من القرن الثاني، و قد أخذ علماء سائر المذاهب منهم فانتشرت تصانيفهم، و في طليعتها اصول الشافعي في النصف الثاني من ذلك القرن.

و من أجل ابتعاد هؤلاء عن مصدر التشريع و عدم رجوعهم إلى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) اضطرّوا إلى التوسّع في تدوين مسائل هذا العلم أكثر ممّا بدأ به علماء الشيعة، لعدم إحساس اولئك بضرورة التوسّع فيه ببركة ارتشافهم المسائل الفقهيّة من منهلها العذب. إلى أن جاء عصر الغيبة، فاضطرّوا إلى اقتحام تلك العرصة من جديد، و هم لم يربئوا عن الاستفادة ممّا توصّل إليه غيرهم من اصطلاحات فنّيّة شأن الفنون الآلية الاخرى، إلّا أنّهم تعمّقوا في ذلك الفنّ و خاضوا غماره و غاصوا في أقعار بحاره فاستخرجوا كوامنه و جواهره و توسّعوا فيه و أبدعوا.

6

و خرجت لهم تصانيف في هذا الفنّ على أيدي كثير من أعلامهم كأبي سهل النوبختي (311 ه) و الشيخ المفيد (413 ه) و السيّد المرتضى (434 ه) و الشيخ الطوسي (460 ه) و العلّامة الحلّي (726 ه). و لم يثن عزائمهم للمضي في فتح قلاع جديدة في ذلك الميدان أيّ مانع و رادع.

و الحال أنّ علماء الطوائف الاخرى قد توقّعوا في مرحلة الطفولة لذلك العلم بسبب عوامل، منها: سدّ باب الاجتهاد الّذي فرضته عليهم الخلفاء و الحكّام في القرن السابع، فجمدوا و لم يأتوا بشي‏ء جديد غير ما أتى به أمثال ابن حزم (456 ه) في الإحكام و السرخسي (490 ه) في اصوله، و الغزالي (505 ه) في المستصفى، اللّهمّ إلّا ما جاء به الشاطبي (790 ه) في الموافقات. و أمّا ما كتبه المتأخّرون و المعاصرون منهم، فإنّما هو تلخيص أو تحرير أو تهذيب لما صنّفه متقدّموهم. و هذا على خلاف مسيرة تطوّر هذا العلم عند الشيعة، فإنّ ما جاء به أصحابنا في هذه الحلبة من أروع ما توصّل إليه الفكر البشري العملاق و ذلك ببركة فتح باب الاجتهاد على مصراعيه عندهم، و بسبب الضرورة الملحّة الّتي أحسّ بها اصوليوهم في مواجهة الحركة الاخبارية.

مواجهة اصوليي الشيعة للحركة الأخباريّة:

و الحركة الأخباريّة ظهرت في القرن الحادي عشر و استفحلت في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر، فتصدّى لها أساطين الفقه و اصوله كالعلّامة الوحيد البهبهاني (1206 ه) و الشيخ الأعظم الأنصاري (1281 ه) و سبّبت هذه المواجهة إعادة العقل إلى ساحة الاستدلال، و تقلص الحركة الأخبارية و ظهور موسوعات اصوليّة و فقهيّة.

و قد واصل الشيخ الأعظم تلك المدرسة بفرائده و مطارحه، و ربّى فحولا في‏

7

الفقه و اصوله كالميرزا الشيرازي (1312 ه) و السيّد اليزدي (1337 ه) و الآخوند الخراساني (1329 ه) و قام الأخير بكفايته لتربية أعلام بارعين كالمحقّق النائيني (1355 ه) و المحقّق الأصفهاني (1361 ه) و الشيخ عبد الكريم الحائري (1355 ه) و السيّد البروجردي (1380 ه).

و من هؤلاء من قام بتشييد حوزة النجف فظهرت فيها كواكب كالسيّد الحكيم (1390 ه) و المحقّق الخوئي (1413 ه).

و منهم من قام بتشييد حوزة قم فبرعت فيها نجوم زاهرة كالإمام الخميني (1409 ه).

و على هذا النهج دبّت و درجت الحوزات العلميّة الشيعيّة في الأصقاع القريبة و النائية، فجاءت التقريرات تلو التقريرات، و الدراسات إثر الدراسات إلى زماننا الحاضر، حيث بدأت آفاق جديدة في سماء العلم ببركة انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.

الحوزة العلميّة في الأهواز:

و من تلك الحوزات الّتي نمت و ترعرعت بعد ذلك الانتصار الباهر هي الحوزة العلميّة في الأهواز المسمّاة بمدرسة الإمام الخميني (رحمه اللّه). و قد قام بتأسيسها سيّدنا الاستاذ العلّامة الفقيه و الاصولي المدقّق آية اللّه السيّد محمّد عليّ الموسوي الجزائري حفظه اللّه و رعاه. إنّه أخذ اشواطا واسعة في تنمية الحوزة و توسيعها و تعميقها و استقطاب النفوس المستعدّة و الطاقات الفتية المؤمنة، إلى أن حازت رتبة يشار إليها بالبنان من بين الحوزات العلميّة الجديدة في إيران، حيث ناهز الخرّيجون منها و المشتغلون بها الألف و الخمسمائة كمّا، و بلغت الشأو كيفا، إذ أتت بأساليب مبتكرة في البحث و التنقيب و الدراسات الفقهيّة و الاصوليّة و غيرها

8

من التفسير و الفلسفة و الكلام، نالت بذلك إعجاب الأعلام في الحوزات العلميّة خاصّة حوزة قم المباركة الّذين زاروها أو سمعوا بأنبائها.

و كان و لا يزال- بحمد اللّه- مؤسّسها و زعيمها سماحة آية اللّه السيّد الجزائري هو قطب الرحى في الدراسات العليا للاصول و الفقه، حيث اجتمع حوله كوكبة من الفضلاء، و استمرّت البحوث الاصوليّة معهم في الدورة الاولى من بحثه الخارج خلال أحد عشر عاما.

و من خصائص تلك البحوث إلمام سيّدنا الاستاذ بالإنجازات العلميّة في حوزة النجف خاصّة نظرات المحقّق الخوئي و كذلك ما أنجزته حوزة قم المقدّسة لا سيّما نظرات الإمام الخميني (رحمه اللّه) و عرض مناقشات علميّة دقيقة في تلك الأنظار و تقديم بحوث رائعة و ملاحظات قيّمة حول الآراء الاصوليّة لأعلام هذا الفنّ كالمحقّق الأصفهاني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و السيّد البروجردي و غيرهم.

و كانت حصيلة تلك الأبحاث الرائعة موسوعة أصوليّة عملاقة بيراعه المعطاء. و قد تكاثر الطلب و الإلحاح من قبل فضلاء تلك الدورة و المشتغلين في الدورة الثانية لترتدي تلك الموسوعة حلّة الطباعة فتكون محورا لمباحثاتهم الاصوليّة، و منارا يهتدي به روّاد الفضيلة في هذا المجال. و لمّا رأى سيّدنا الاستاذ تلك الضرورة الملحّة أذن بذلك. و قد عرضت الموسوعة على مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في حوزة قم المقدّسة فاستجابت بتوجّه و إقبال. جزى اللّه مؤسّسيها و القائمين بأعمالها عن الإسلام و المذهب أفضل الجزاء.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

محسن الحيدري مؤسّس دار التحقيق في الحوزة العلميّة بالأهواز 24 ربيع الأوّل عام 1427 ه

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تعريف علم الاصول‏

عرّفه المشهور كما في القوانين‏ (1) و غيره ب «أنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة».

أقول: ظنّي أنّ هذا التعريف جيّد و لا يرد عليه شي‏ء ممّا أوردوه عليه.

و لكن عدل عنه في الكفاية بقوله: و إن كان الأولى تعريفه بأنّه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط أو التي ينتهي إليها في مقام العمل بناء على أنّ مسألة حجّية الظنّ على الحكومة و مسائل الاصول العمليّة في الشبهات الحكميّة من الاصول كما هو كذلك، ضرورة أنّه لا وجه للاستطراد في هذه المهمّات‏ (2).

وجه العدول:

أوّلا: تبديل العلم بالصناعة، و لعلّه لظهور «العلم» في العلم الفعلي بخلاف «الصناعة»، فإنّها بمعنى الملكة و الاقتدار النفسي، فهى أنسب؛ لأنّ حضور القواعد في ذهن الاصولي و الإحاطة بها فعلا غير لازم، بل يكفي القدرة على تحصيل المعرفة بها لكونه واجدا لملكة ذلك، أو لكون علم الاصول آلة تستفاد منها في‏

____________

(1) قوانين الاصول: 5.

(2) كفاية الاصول: 9.

10

علم الفقه، فيشبه المنطق في الآليّة؛ و لذا عبّر عنه أيضا بالصناعة. و الصناعة في اللغة: العلم المتعلّق بكيفيّة العمل كالصياغة و التجارة و الخياطة و نظائرها.

فعمّمت إلى كلّ علم كان الغرض منها إعماله في علم آخر كالمنطق و الاصول و الرجال، فإنّها لا تترتّب عليها فائدة بالذات إلّا كونها آلة تستخدم في علم الفقه.

ثانيا:- و هو أهمّ- ظهور الاستنباط في كشف الأحكام الشرعيّة و التوصّل إلى معرفتها و فهمها، فلا تشمل عددا من المسائل المهمّة التي ليس لها ذلك الشأن و إنّما شأنها رفع حيرة المكلّف في مقام العمل كمسألة حجّية الظنّ على الحكومة، لأنّ مفادها منجّزية الظنّ و معذّريته بحكم العقل و هكذا مسائل الاصول العملية في الشبهات الحكمية، فإنّها أيضا شأنها التنجيز و التعذير و لا يصدق على التنجيز و التعذير استنباط الحكم الشرعي ليشمله التعريف المتقدّم، فيجب إفراد ما ينتهي إليه في مقام العمل بالذكر، لأنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في هذه المهمّات.

و ينبغي هنا إيراد توضيح لحجّية الظنّ على الحكومة، فنقول بعون اللّه تعالى:

نتيجة مقدّمات الانسداد يمكن أن يكون أحد امور ثلاثة:

الأوّل: القول بالكشف، بمعنى: أنّا نستكشف من ضمّ مقدّمات الانسداد أنّ الشارع جعل الظنّ بالتكليف حجّة على ثبوته و كاشفا عنه تعبّدا و طريقا إليه جعلا في حالة الانسداد كالأمارات المجعولة في حالة الانفتاح.

الثاني: القول بالحكومة، و معناه: أنّا نعتقد و نلتزم ببركة تلك المقدّمات أنّ العقل يحكم بحجّية الظنّ بالتكليف على ثبوته أي منجّزيته له في حال انسداد باب العلم. و إن شئت قلت: العقل يحكم بلزوم الاحتياط في دائرة مظنونات التكليف، و حيث إنّ ذلك يثبت فيها بما هي مظنونات التكليف ترجيحا له على الشكّ و الوهم أطلقوا عليه حجّية الظنّ.

11

و الثالث: القول بكفاية الامتثال الظنّي بحكم العقل، بمعنى: أنّ العقل يحكم بجواز الاكتفاء بالظنّ بالامتثال في الخروج عن عهدة الأحكام المنجّزة بسبب العلم الإجمالي بها بعد التنزّل عن الاطاعة العلمية للتكاليف المحتملة، و لازم هذا الوجه الاحتياط في دائرة المظنونات و المشكوكات و الرخصة في ترك خصوص الموهومات بخلاف الأوّلين، فانّ نتيجتهما جواز الاقتصار على المظنونات، هذا.

و وجه خروج حجّية الظنّ على الحكومة: أنّ شأن العقل إدراك حسن العقاب و استحقاقه و عدمه، لا جعل الكاشفية و الطريقية. فحجّية الظنّ على الحكومة لا يؤدّي إلى استنباط الحكم الشرعي بل إلى صرف منجّزيته و العذر من قبله.

أقول: يرد عليه أوّلا: أنّ هذا التعريف كتعريف المشهور تعريف بالغرض، و قد صرّح هو بأنّ ملاك وحدة العلم وحدة الغرض المترتّب على مسائله‏ (1). و عليه فإن قبلنا تعريف المشهور فبها، و أمّا إن لم نقبل و أضفنا إليه الضميمة، فيلزم منه أن يكون علم الاصول علمين، لكون الغرض المترتّب على مسائله غرضين:

غرض الاستنباط، و غرض الانتهاء في مقام العمل.

و إن فرضنا وجود جامع بينهما، يلزم أن يكون التعريف الصحيح بيان ذلك الجامع دون المصاديق، و من الواضح عدم ورود هذا الإيراد على تعريف المشهور.

ثانيا: أن لا حاجة إلى الضميمة أصلا، و الصحيح كفاية ما أفاده المشهور، لأنّ المقصود من الاستنباط ليس خصوص الكشف عن الحكم، بل يشمل إقامة المنجّز و المعذّر عليه، فإنّ فهم تنجّز الحكم على تقدير ثبوته المؤدّي إلى لزوم الاحتياط في حقّه، أو عدمه المؤدّي إلى البراءة عنه و اللّاحرجيّة من جهته، نوع من الاستنباط في مصطلح الفقهاء. و لو أنكرنا ذلك أشكل الأمر حتى في‏

____________

(1) كفاية الاصول: 7.

12

الأمارات المنصوبة من قبل الشارع، لذهاب البعض إلى كون المجعول فيها صرف المنجّزية و المعذّرية، و هذا القول ينسب إلى صاحب الكفاية بالنظر إلى بعض كلماته‏ (1)، فيتّسع الخرق على الراقع.

و بما ذكرنا ينحلّ الإشكال إلّا في مورد واحد، و هو أن يراد من حجّية الظنّ كفايته في مقام الامتثال. إذ غاية ما يمكن الالتزام به تعميم استنباط الحكم الشرعي من الحقيقي و التعبّدي إلى التنجيزي و التعذيري، و كفاية الظنّ في مقام إسقاط التكليف و امتثاله لا يرتبط بها بوجه من الوجوه. فأمره أصعب من حجّية الظنّ على الحكومة، فكان الأولى في مقام الإشكال التعرّض له.

و يمكن دفع الإشكال بأنّه يكفي في اصوليّة المسألة اصوليّتها على بعض التقادير. فمسألة الانسداد و ترتّب حجّية الظنّ عليه مسألة اصولية، لاحتمال الوصول في النتيجة إلى الكشف أو الحكومة، هذا.

و يرد على قوله: «و مسائل الاصول العملية في الشبهات الحكمية» (2) أنّ إيراده على شمول تعريف المشهور لمسائل الاصول العملية لا يستقيم على إطلاقه؛ لأنّ الاستصحاب لو قلنا بكون المجعول فيه هو اليقين بدون قيد «من حيث الجري العملي» يكون مشمولا له (أي لتعريف المشهور) حتّى مع الغضّ عن صدق الاستنباط على الاستنباط التنجيزي و التعذيري. نعم على سائر المباني يكون حاله حال سائر الاصول العملية، هذا.

و من العجيب! ما جاء في المحاضرات: من «أنّ المراد من الاستنباط ليس الاستنباط الحقيقي بعلم أو علمي، بل المراد منه معنى جامع بينه و بين غيره و هو الإثبات الجامع بين أن يكون وجدانيا أو شرعيا أو تنجيزيا أو تعذيريا» (3) و مع ذلك أورد على تعريف المشهور بأنّ ظاهرهم الإثبات الحقيقي و قد كرّره بقوله‏

____________

(1) كفاية الاصول: 86.

(2) كفاية الاصول: 9.

(3) محاضرات في اصول الفقه 1: 9.

13

شبهة و دفع‏ (1).

فلاحظ، فإنّ عنوان «الاستنباط» إن كان شاملا بظاهره للتنجيز و التعذير لم يرد على تعريف المشهور إيراد، لأخذهم في التعريف هذا العنوان، و إن لم يشمل توجّه الإشكال إلى القائل.

و أما تبديل العلم بالصناعة فغير لازم، لأنّ العلم في هذه الموارد كثيرا ما يطلق على الملكة كعلم الطبّ و الحساب و البلاغة و هكذا، و أمّا الصناعة فمنصرفة إلى الفنون المحسوسة كالصياغة و الخياطة، و قد يطلق على الشعر و الأدب. و أمّا إطلاقه على مثل علم الاصول فغير واضح.

تلخيص و تمهيد:

تقدّم الكلام في تأييد تعريف المشهور، و قلنا: إنّه لا يبعد شمول استنباط الأحكام الشرعيّة لفهم تنجّزها و عدمه، إذ تنجز الحكم من أوصافه و خصوصيّاته، بل عدّ من مراتب وجوده. و قد تكرّر ذلك في كلمات المحقّق النائيني (رحمه اللّه) و من تبعه، حيث عدوّا للحكم مراتب أربع و آخرها التنجّز.

ففهم تنجّز الحكم و عدمه فهم للحكم بلحاظ مرتبة من مراتب وجوده أو وصف من أوصافه، و هذا المقدار يكفي في صدق الاستنباط عليه، مضافا إلى أنّ همّ الفقيه تحصيل المؤمّن و اقامة الحجّة على الحكم و هو يحصل باجراء الاصول العملية.

و قلنا بأنّه لو لم نسلّم هذا التعميم سرى الإشكال حتّى إلى الأمارات بناء على كون المجعول فيها صرف المنجّزية و المعذّرية.

____________

(1) محاضرات في اصول الفقه 1: 11.

14

سؤال: إنّ أصالة الحلّ يبحث عنها في الاصول عند البحث عن الشبهة التحريمية، و ليس مفادها صرف التعذير بل الحلّية الظاهرية، فهل البحث عنها استطرادي أو لا؟.

و الجواب: أنّ مبنى القوم في باب أصالة الحل كأصالة الطهارة أنّها من القواعد الفقهيّة، و الوجه فيه أنّها مشتملة على محمول فقهي من الأحكام الشرعيّة و بتطبيقها على الموارد الخاصّة يستنتج حكم شرعي لذلك المورد، و حيث إنّ باب التطبيق يغاير الاستنباط فلا ينطبق عليه ضابطة المسألة الاصوليّة، فهي من القواعد الفقهية، و سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.

هذا ما اشتهر على لسان القوم و جرى عليه اصطلاحهم، لكن لا يبعد أن يقال بصدق الاستنباط التعذيري على إجراء أصالة الحلّ عند الشكّ في حرمة شي‏ء و حلّه على نحو الشبهة الحكمية، بلحاظ أنّ الحلّ الظاهري يؤدي إلى سقوط الحرمة الواقعية عن التنجّز بل عن الفعليّة- على حدّ تعبير صاحب الكفاية- فيحسب بيانا على المعذورية، و يكفي لإثبات عدم تنجّز ذلك الحكم المشكوك فيه.

و غاية ما يمكن أن يقال باجتماع الحيثيّتين فيه: حيثيّة القاعدة الفقهية، و حيثية الضابطة الاصوليّة، و لا غرو في ذلك فإنّه من آثار كونه حكما ظاهريا قد اخذ في موضوعه الشكّ في الحرمة الواقعية، فلا محالة يكون ناظرا إلى التأمين من جهة تلك الحرمة المحتملة، بخلاف الحكم الواقعي الأوّلي، فإنّه لا نظر له إلى نفي حكم آخر أو التأمين من جانبه، فليس فيه إلّا حيثيّة واحدة.

تعريف المحقّق النائيني (رحمه اللّه):

و أمّا المحقّق النائيني (رحمه اللّه) فقد عدل عن تعريف المشهور إلى قوله: هو العلم‏

15

بالقواعد التي إذا انضمّت إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية (1)، و هو الحكم الكلّي الشرعي الثابت لموضوعه المقدّر وجوده، على ما هو الشأن في القضايا الحقيقيّة.

وجه العدول: أنّه إن اريد من التمهيد: أن ينحصر فائدة البحث عن تلك القواعد باستنباط الأحكام الشرعيّة فقط، فقلّ أن تكون مسألة اصولية كذلك، و إن اريد منه أن يكون لتلك القواعد دخل في الاستنباط في الجملة، فالعلوم الأدبية كذلك أيضا.

و فيه: أنّ الظاهر كون المراد من التمهيد أن يكون غرض المدوّن من تدوينه ترتّب الاستنباط عليها، فإنّ غرض مدوّن علم الاصول هو إقدار المجتهد على استنباط الأحكام الشرعيّة، بخلاف سائر العلوم، فإنّها لم توضع لخصوص الاستنباط و إن كان لها دخل في ذلك. و الظاهر أنّ غرض المدون تابع لمعظم الفائدة المترتّبة على القاعدة، لأنّه لا شبهة في كون معظم فائدة القواعد الاصوليّة هو استنباط الأحكام الشرعيّة. و أمّا سائر العلوم فلها فوائد جمّة في شتّى المجالات و مختلف الميادين، و منها دورها في الاستنباط.

و التخلّص عن سائر العلوم بما ذكرنا أولى ممّا ارتكبه المحقّق المزبور، ضرورة أنّ ترتّب النتيجة الفقهية على القياس إن كان المقصود منه ترتّبه عليه من دون ضمّ ضميمة، فقلّما توجد قاعدة اصولية يصدق عليها ذلك كظهور الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة و مباحث العموم و الخصوص و المطلق و المقيّد، فإنّها في مقام الإيصال إلى الحكم الشرعي محتاجة إلى كبرى حجّية خبر الثقة، و هي أيضا محتاجة إلى كبريات باب التعارض و التزاحم أو اجتماع الأمر

____________

(1) فوائد الاصول 1: 19.

16

و النهي إن اتّفق صدق أحدها. و هكذا.

و إن كان المقصود ترتّبه عليه و لو مع الضميمة، فالعلوم الأدبية أيضا داخلة في التعريف، ككون لفظ «الصعيد» بمعنى التراب أو مطلق وجه الأرض، فإنّه دخيل جدّا في فهم حكم التيمّم. و كذلك علم الرجال، فإنّه أيضا دخيل في الاستنباط بالبداهة مع عدم كونه من الاصول. لكن يمكن المناقشة في المثالين بإمكان خروجهما عن التعريف بقيد «القواعد» لعدم صدق القاعدة على معاني اللغات و وثاقة الأشخاص.

و بالجملة مع الغضّ عن هذا الإشكال نقول يكفي لإخراج سائر العلوم قيد «التمهيد». نعم الظاهر أنّ علم الرجال لا يخرج عن التعريف بهذا القيد لأجل أنّ واضعيه دوّنوه لمدخليته في الاستنباط، و لكن يندفع الإشكال بأنّ مسائل علم الرجال عبارة عن وثاقة الأشخاص و هي ليست بقواعد كلّية و قد قيّدوا التعريف بذلك، فإنّهم قالوا القواعد الممهّدة، فلا يشمل وثاقة زيد و ضعف عمرو و مجهولية بكر، لأنّه لا يطلق عليها القواعد. و التوثيقات العامّة أيضا لا يطلق عليها القاعدة، لأنّها من قبيل القضايا الخارجيّة، فلا يطلق على وثاقة جميع مشايخ النجاشي القاعدة. و النتيجة عدم الحاجة إلى العدول.

تعريف المحقّق الخوئي (قدّس سرّه):

و في المحاضرات: هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة الكلّية الإلهيّة من دون حاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى اصولية اخرى إليها (1).

____________

(1) محاضرات في اصول الفقه 1: 11.

17

وجه العدول: أنّه (رحمه اللّه) جعل العدول عن تعريف المشهور أمرا مفروغا عنه و جعل الأساس تعريف استاذه المحقّق النائيني (رحمه اللّه) لكن لمّا رأى أنّه يرد عليه أنّ تعريفه يشمل سائر العلوم فإنّها أيضا دخيلة في الاستنباط- كعلم الصرف و النحو و اللغة- فلأجل إخراجها توسّل بقوله: من دون ضمّ كبرى اصوليّة اخرى إليها، زعما منه أنّ القواعد الاصوليّة تستعمل في القياس المنتج إلى الحكم الشرعي بدون الحاجة إلى كبرى اصوليّة اخرى، بخلاف الكبريات المستفادة من سائر العلوم، فإنّها لا تغني عن الكبريات الاصوليّة و لا ينتج حكما شرعيا إلّا بضمّ كبرى اصوليّة إليها.

و فيه: ما قد عرفت من أنّ جلّ القواعد الاصوليّة في إنتاج الحكم الشرعي محتاجة إلى الضميمة الاصوليّة.

تعريف المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه):

و قد عدل المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) عن تعريف المشهور و استاذه صاحب الكفاية إلى أنّ المسائل الاصوليّة هي القواعد الممهّدة لتحصيل الحجّة على الحكم الشرعي، مع اعترافه بأنّ حقيقة الاستنباط ليس إلّا تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي بلا توقّفه على إحراز الحكم‏ (1).

أقول: ما أفاده أيضا صحيح متين، و لكنّه عبارة اخرى عن تعريف المشهور.

تعريف سيّدنا الأعظم (قدّس سرّه):

القواعد الاصوليّة: هي القواعد الآليّة التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج‏

____________

(1) نهاية الدراية 1: 11، الطبعة الاولى.

18

الأحكام أو الوظيفة العمليّة (1).

و قيّدها بالآليّة لإخراج القواعد الفقهيّة، فإنّها ينظر إليها و لا ينظر بها، بخلاف القواعد الاصوليّة. و أسقط منه كلمة «العلم» إشعارا بأنّ مرادهم من علم الاصول كغيره من العلوم هو المدركات لا نفس الإدراك. و بدّل استنباط الأحكام بإمكان وقوعها كبرى استنتاج الأحكام، مع ضمّ الوظيفة العملية.

أقول: أمّا الأوّل فهو توضيح للواضح، و يغني عنه قولهم: الممهّدة لاستنباط الأحكام. و أمّا إخراج القواعد الفقهية فليس محتاجا إليه، بل يكفي فيه أنّ باب الاستنباط يغاير تطبيق الكلّي على المصداق.

و أمّا تبديل الاستنباط بالاستنتاج، فهو أيضا تفنّن في التعبير.

و أمّا ما أفاده من أنّ علم الاصول نفس القواعد ... الخ، فيؤيّده الفهم العرفي الساذج أوّلا، و بعض تعابيرهم ثانيا، كتعبيرهم بموضوع العلم، و حيث إنّ المراد منه الكلّي الجامع بين موضوعات المسائل من دون دخل الإدراك في ذلك.

و يضعّفه قولهم: الغرض من علم الاصول القدرة على الاستنباط، فإنّ القدرة مترتّبة على إدراك القواعد و التصديق بها لا صرف وجودها في موطنها. و يمكن حملها على أنّه ليس المراد الترتّب بنحو العلّية التامّة بل الشأنية يعني كون القواعد بحيث لو علم بها لحصل له القدرة على الاستنباط.

نعم لا ريب في أنّ القواعد ما دام هي نظامات موجودة في متن الواقع لم ينكشف لأحد لا يطلق عليها العلم قطعا و إنّما تستحقّ اسم العلم بعد وقوف البشر عليها و جمعها و تدوينها، فيشار إلى تلك المدوّنات و يطلق عليها علم الفلان و إن أمكن و صحّ إطلاق علم الفلان على إدراك تلك القواعد و تصديقها أيضا إلّا أنّه خلاف المتبادر.

____________

(1) تهذيب الاصول 1: 5.

19

و بالجملة، فالقواعد هي القضايا الحاكية عن الكونيات و الاعتباريات إمّا موجودة في وعاء اللّفظ أو الكتاب أو النفس دون المحكي بها كما توهّم، و لكن المتبادر من عنوان العلم المأخوذ في المعرّف بحسب اللغة و الاصطلاح هو الإدراك، فلذا أتوا به في التعريف، و لا أهمّية في ذلك، فلك تبديل تعريف المشهور بأنّ علم الاصول هي القواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام ... الخ.

و أمّا الضميمة فلا يرد عليه مثل ما ورد على الضميمة في كلام المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) و هو لزوم أن يكون العلم علمين لأنّه (قدّس سرّه) عطف الوظيفة العملية على الأحكام الشرعيّة لأن لا يصير قسيما للاستنتاج بل يصير قسما منه، و الضابط ليس إلّا أمر واحد و هو إمكان وقوع القاعدة كبرى يستنتج به أحد الأمرين إمّا الحكم الشرعي و إمّا الوظيفة العملية.

و لكن الأنسب لمن لا يقول بثبوت حكم ظاهري في موارد الاصول العملية المطروحة في علم الاصول (و هي الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و التخيير) و إنّما يقول بكون المجعول فيها صرف التنجيز و التعذير أن لا يعبّر بالوظيفة، لأنّه يرادف التكليف، فيناسب القول بثبوت الأحكام الظاهرية، كما إذا قيل بكون المجعول في باب الاستصحاب هو المتيقّن. و أمّا مع حذف الضميمة و إدخال الاصول العملية في الشطر الأوّل فالتعبير باستنباط الأحكام أنسب من الاستنتاج، لأنّه ظاهر في تحصيل الشي‏ء و إحرازه و في شموله لصرف تنجيز الأحكام و التعذير منها خفاء بخلاف الاستنباط. و الأمر سهل.

القواعد الفقهيّة و تعريف المشهور:

يكفي لخروج القواعد الفقهية المنتجة للحكم الكلّي عن تعريف المشهور أنّ مضامينها أحكام فقهية كلّية تطّرد في أبواب مختلفة، فهي تطبّق على مواردها

20

تطبيق الكلّي على المصداق، فهي ليست واسطة في استنباط الحكم الشرعي، لأنّها بأنفسها أحكام شرعية. و أمّا الاستنباط فظاهره كونه من باب التوسّل بالكاشف في الوصول إلى المكشوف، و لازمه التغاير و الاثنينيّة، كوساطة ظهور الأمر في الوجوب في كشف وجوب العمل الذي تعلّق به الأمر، و هكذا دخالة حجّية خبر الثقة في ذلك. و أمّا إثبات طهارة المتولّد من الكلب و الغنم غير الملحق بأحدهما في الاسم ظاهرا بتطبيق قاعدة الطهارة عليه فليست من الاستنباط، إذ أحدهما عين الآخر و التفاوت بالسعة و الضيق. هذا كلّه اذا كان نتيجة تطبيق القاعدة الحكم الكلّي. و أمّا إذا كان نتيجة تطبيقها الحكم الجزئي أو الموضوع الخارجي فخروجها عن عموم تعريف علم الاصول أوضح. لأنّ المستنبط بالقواعد الاصوليّة هو الحكم الكلّي الإلهي. هذا ما تتفاوت به القاعدة الفقهية عن المسألة الاصوليّة.

و أمّا وجه مغايرتها مع المسألة الفقهية:

فهو أنّ الموضوع في القاعدة هو الكلّي القابل للانطباق على الموارد المختلفة كطهارة كلّ ما شكّ في طهارته و نجاسته و ضمان العقد الفاسد الذي يضمن بصحيحه أو عكسه، و كحلّيّة كلّ ما شكّ في حلّيته و حرمته، و أمّا الموضوع في المسألة الفقهية فهو عنوان خاصّ كطهارة الماء و نجاسة الكلب و حرمة الخمر و هكذا ... و المحمول في كليهما حكم شرعي فرعي، كما هو واضح.

و هذا التخلّص أولى ممّا صنعه المحقّق النائيني (رحمه اللّه) من أنّ نتيجة المسألة الفقهية قاعدة كانت أو غيرها بنفسها تلقى إلى العامّي بخلاف نتيجة المسألة الاصوليّة، فإنّ إعمالها من وظائف المجتهدين، و الذي يلقى إليه هو الحكم المستنبط (1).

____________

(1) فوائد الاصول 4: 309.

21

و ذلك لأنّ ما أفاده و إن كان تامّا بالقياس إلى المسائل الاصوليّة، لكنّها لا تتمّ في بعض القواعد الفقهية كاستحباب العمل البالغ عليه الثواب، و كقاعدة نفوذ الشرط و الصلح باعتبار كونهما موافقين للكتاب و السّنة أو غير مخالفين لهما، فإنّ تشخيص ذلك لا يتيسّر للعامّي، بل الحال في الأحكام الفقهية القابلة للتطبيق على كثير من فروع العلم الإجمالي أيضا كذلك فإنّها (أي تلك الفروع) لإعضالها يشكل معرفة حكمها على غير المجتهد.

تقسيم القواعد الاصوليّة بأقسام أربعة:

قسّم المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) على ما ببالى‏ (1) القواعد الاصوليّة بتقسيم بديع، و هو أنّ نتيجة تلك القواعد إمّا إحراز الحكم الشرعي وجدانا أو لا، و الأوّل هي مباحث الملازمات العقلية، و الثاني إمّا يكون سببا لإحراز الحكم الشرعي تعبّدا أو لا.

و ما يؤدّي إلى الإحراز التعبّدي إمّا يرجع إلى صغرى الحجّية أو كبراها، و الأوّل- و هو القسم الثاني من مباحث علم الاصول- كالظهورات اللفظية من قبيل ظهور الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة و سائر مباحث الألفاظ.

و القسم الآخر- و هو القسم الثالث للمباحث الاصوليّة- كمباحث الحجّية من قبيل حجّية ظواهر الكتاب و حجّية خبر الثقة و هكذا ...

و ما لا يؤدّي إلى الإحراز التعبّدي- و هو القسم الرابع- هو ما يرفع الحيرة في مقام العمل إمّا بتعيين الوظيفة العملية أو صرف إثبات تنجيز الواقع أو المعذورية من قبله‏ (2).

____________

(1) أفاده في دورة بحثه الأخيرة و استفاده منه الأعلام.

(2) راجع اصول المظفّر 1: 7 و المحاضرات 1: 6.

22

فائدة علم الاصول‏

قد ظهر من التعريف فائدة العلم و أنّه القدرة على الاستنباط. و أمّا فائدة عملية الاستنباط فهو عبارة عن معرفة الأحكام الشرعيّة و متعلّقاتها للعمل بها لأجل إطاعة المولى و التقرّب إلى جنابه و الفوز بجنابه. و معرفة الأحكام قد تكون وجدانية و هي قليلة، و كثيرا ما تكون تعبّدية حاصلة بمراجعة الطرق و الأمارات المعتبرة، و قد تكون متمحّضة في فهم تنجّز الحكم على تقدير وجوده، و جميع ذلك محتاج إلى علم الاصول بل و غيره من العلوم الدخيلة في الاجتهاد كعلوم العربية.

و غاية كلّ ذلك بالمآل تحصيل الأمن من العقوبة، لأنّ احتمال التكليف قبل الفحص يكون احتمالا للتكليف المنجّز، لاحتمال قيام البيان عليه، لأنّ وظيفة المولى ليست إيصال البيان إلى كلّ فرد فرد من المكلّفين حتّى يكون أمره دائرا بين معلوم الوجود و معلوم العدم لكلّ أحد، بل جعل البيان في معرض الوصول بالفحص المتعارف، فإذا التفت الإنسان و احتمل تعلّق التكليف بعمله فقهرا يحتمل ثبوت التكليف و ثبوت البيان المنجّز لذلك التكليف قبل الفحص، فلا تجري حينئذ في حقّه أصالة البراءة حتّى يفحص فيظفر بالدليل المثبت أو النافي أو ييأس عنهما، فحينئذ له الرجوع إلى أصالة البراءة، لأنّه حينئذ يعلم بأنّ‏

23

التكليف المحتمل لم يجعل عليه بيان في معرض الوصول و إلّا لوصل بالفحص.

و نفس التكليف بما هو هو لا يكون موضوعا لاستحقاق العقاب، إذ الموضوع لاستحقاق العقاب هو التكليف الواصل أو في معرض الوصول بحيث لو فحص لظفر به، فإن فحص و لم يظفر به شمله قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

نعم إن لم يلتفت المكلّف إلى ثبوت التكليف رأسا أو صدور البيان من المولى- لكونه غافلا أو ساهيا عن ذلك كلّه- لم يثبت في حقّه العقاب.

و بالجملة استحقاق العقاب على المخالفة مترتب على امور:

الأوّل: ثبوت الحكم واقعا، و إلّا كان من مصاديق التجرّي و قد اختلف فيه الأقوال.

الثاني: قيام البيان عليه بالمقدار الذي ذكرنا.

الثالث: التفات المكلّف إلى ذلك و احتماله له، و إلّا فلو كان غافلا أو قاطعا بانتفاء التكليف أو تخيّل أنّ التكليف على فرض ثبوته لم يقم عليه البيان فلا استحقاق للعقوبة.

و مع اجتماع الجميع يجب عليه مراجعه الأدلّة و الفحص عن الحكم و هي التي يعبّر عنها بعلم الفقه، و لذا قالوا في تعريفه: بأنّه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعية عن أدلّتها التفصيلية. و أمّا شأن القواعد الاصوليّة في ذلك فهو شأن المقدّمة. و قد تحصّل ممّا ذكرنا أنّ الأمن من العقوبة الغاية القصوى لعلم الاصول.

و الصحيح: أنّ فوائد امتثال الأحكام و إطاعة الربّ و القيام بوظائف العبودية لا يكاد ينحصر في ذلك، أ لا ترى أنّ نطاق علمي الفقه و الاصول يشمل المستحبّات و المكروهات مع أنّه لا يحتمل العقاب فيها أصلا.

24

موضوع علم الاصول‏

هل وحدة العلم بالموضوع أو بجامع المحمولات أو بالغرض منه؟

و يتلوه تمايز العلوم بما ذا؟

ثم على تقدير ثبوت الموضوع لكل علم فما هو موضوع علم الاصول؟

أمّا تعريف موضوع العلم:

لخّص الكلام في هذا المقام صاحب الكفاية (1)، فقال: موضوع كلّ علم- و هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أي بلا واسطة في العروض- هو نفس موضوعات مسائله عينا و ما يتّحد معها خارجا و إن كان يغايرها مفهوما تغاير الكلّي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده.

فعرّف موضوع العلم بالكلّي المنطبق على موضوعات مسائله، و هو المشهور و المعروف على ألسنة. القوم و اعتبر فيه- كما اعتبر القوم- أن يكون المبحوث عنه في المسائل العوارض الذاتية لذلك الموضوع. و لكنه (قدّس سرّه) كصاحب الفصول خالف القوم في تعريف العرض الذاتي، فقال بأنّ الملاك في ذاتيّة العارض كونه محمولا عليه حقيقة بحيث يكون الإسناد إليه إسنادا إلى ما هو له‏

____________

(1) كفاية الاصول: 7.

25

لا مجازا و بالعرض كإسناد الجريان إلى الماء، و يقابله إسناد الجريان إلى الميزاب. فالأوّل ذاتي و الثاني غريب؛ و ذلك لما رأى من كثرة النقوض الواردة على تعريف القوم.

توضيحه: أنّهم قالوا: إنّ ما يعرض الشي‏ء بواسطة خارجية أعمّ أو أخصّ أو مباين أعراض غريبة، و اختلفوا فيما إذا كانت الواسطة داخلية أعمّ كما يعرض الإنسان بواسطة الحيوانية.

فعن القدماء أنّه غريب، و عن المتأخّرين أنّه ذاتي. و أمّا الواسطة الداخلية التي هي أخص فغير موجود، لأنّ الأجزاء منحصر في ما به الاشتراك و ما به الامتياز، و الأوّل أعمّ و الثاني مساو.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) لمّا وجد أنّ هذا التعريف للذاتى يوجب خروج جلّ مسائل العلوم عن كونها مسائل لها و يلزم الالتزام بالاستطراد- و هو كما ترى- كالأحكام الشرعيّة المترتّبة على أفعال المكلّفين بواسطة التشريع أو بواسطة اقتضاء المصالح أو المفاسد الموجودة في تلك الأفعال أو في نفس الحكم أحيانا. و هي من قسم وساطة الواسطة المباينة للموضوع؛ لأنّ التشريع و المصالح و المفاسد مباينة لأفعال المكلّفين ... و هكذا. و لذلك عدل عن هذا المبنى إلى قوله: «أي بلا واسطة في العروض» (1). و المراد من الواسطة في العروض أن يكون المحمول ثابتا حقيقة لذلك المعروض ثمّ بسبب وجود العلاقة بينه و بين الموضوع ينسب إلى ذلك الموضوع مجازا كنسبة الجريان إلى الميزاب.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ العلّامة الشيخ المظفّر في كتابه المسمّى بالمنطق‏ (2) في مقام تعريف الذاتي في باب البرهان في مقابل الذاتي في باب‏

____________

(1) كفاية الاصول: 7.

(2) المنطق: 366.

26

الإيساغوجي، قال: الذاتي في باب الحمل و العروض و يقابله الغريب (لا العرضي كما في باب الإيساغوجي) له درجات، و في الدرجة الاولى أن يكون موضوعه مأخوذا في حدّه كالأنف المأخوذ في حدّ الفطوسة حينما يقال: الأنف أفطس، فهذا المحمول ذاتي لموضوعه، لأنّه إذا اريد تعريف الأفطس اخذ الأنف في تعريفه.

ثم قد يكون موضوع المعروض له مأخوذا في حدّه كحمل المرفوع على الفاعل، فإنّ الفاعل لا يؤخذ في تعريف المرفوع، و لكنّ الكلمة التي هي معروضة للفاعل تؤخذ في تعريفه كما تؤخذ في تعريف الفاعل. و قد يكون جنس المعروض له مأخوذا في حدّه، كحمل المبنيّ على الفعل الماضي مثلا، فإنّ الفعل لا يؤخذ في تعريف المبنيّ و لكن جنسه و هو الكلمة هي التي تؤخذ في حدّه. و قد يكون معروض الجنس مأخوذا في حدّه كحمل المنصوب على المفعول المطلق مثلا ... إلى أن قال: و يمكن جمع هذه المحمولات الذاتية بعبارة واحدة، فيقال: المحمول الذاتي للموضوع ما كان موضوعه أو أحد مقوّماته واقعا في حدّه.

ثم عقد عنوانا آخر و هو معنى «الأوّلي» و قال: المراد من «الأوّلي» هنا هو المحمول لا بتوسّط غيره أي لا يحتاج إلى واسطة في العروض في حمله على موضوعه، كما نقول: جسم أبيض و سطح أبيض، فإنّ حمل أبيض على السطح حمل أوّلي، أمّا حمله على الجسم فبتوسط السطح فكان واسطة في العروض، لأنّ حمل أبيض على السطح أوّلا و بالذات و على الجسم ثانيا و بالعرض. ثمّ قال: و لكن ممّا يجب أن يعلم هنا أنّ بعض كتب اصول الفقه المتاخّرة وقع فيها تفسير الذاتي الذي هو في باب موضوع العلم المقابل له الغريب بمعنى «الأوّلي» المذكور هنا، فوقعت من أجل ذلك اشتباهات كثيرة نستطيع التخلّص منها إذا فرقنا بين «الذاتي» و «الأوّلي» و لا نخلط أحدهما بالآخر.

27

أقول: لا مناص من التكلّم حول التفسيرين للذاتي و ما هو الملاك و المنشأ في تعيينها، فنقول بعون اللّه تعالى: أمّا التفسير المشهور- و هو التقسيم بالأقسام السبعة و تسمية ثلاثة من أقسامها بالذاتي و ثلاثة منها بالغريب- فيمكن أن يكون وجهه اعتبار قيد المساواة، أي مساواة العارض للمعروض. أمّا إذا لم يكن له واسطة أو كان له واسطة مساوية داخلية أو خارجية، فلأنّ مساوي المساوي مساو. و الوجه في اقتصارهم في العلوم على البحث عن العرض الذاتي بهذا المعنى ما نقله بعض الأعلام‏ (1) عن الحكيم المحقّق العلّامة الطباطبائي (رحمه اللّه) في حاشيته على الأسفار: إنّ ذلك لا يبتني على مجرّد المواضعة و الاصطلاح، بل هو ممّا يوجبه البحث البرهانى في العلوم البرهانية. ثم أشار إلى شروط مقدّمات البرهان فقال: و أن تكون ذاتيّة المحمول للموضوع أي بحيث يوضع المحمول بوضع الموضوع و يرفع برفعه مع قطع النظر عمّا عداه، إذ لو رفع مع وضع الموضوع أو وضع مع رفعه لم يحصل يقين. هذا خلف. و هذا هو الموجب لكون المحمول الذاتي مساويا لموضوعه.

ثمّ قال: و لو كان بعض المحمولات أخصّ من موضوعه كان هو و ما يقابله في التقسيم محمولا ذاتيا واحدا للموضوع الأعمّ، كما أنّ كلّا منها ذاتي لحصّة خاصّة من الأعمّ المذكور.

و كلامه هذا صريح في أنّ وجه اعتبار مساواة المحمول لموضوع العلم هو حصول اليقين، لانتفائه بدونها.

أقول: حصول اليقين لا يقتضي المساواة؛ لأنّ المذكور في القضية هو مجرّد الثبوت عند الثبوت، أي ثبوت المحمول بثبوت الموضوع، دون الانتفاء مع‏

____________

(1) حواشي النهاية للعلّامة المصباح.

28

الانتفاء، فإنّه خارج عن مدلول الجملة الحملية، لاتّفاق الكلّ على أنّ الجملة الحمليّة لا مفهوم له، فإذا قلت: «زيد قائم» معناه ثبوت القيام بثبوت زيد و اتّحاده معه وجودا، أمّا انتفاء القيام إذا انتفى زيد فلا. كما أنّ الجملة الشرطية أيضا لا تدلّ عليه، فإنّها لا تدلّ على انتفاء التالي بانتفاء المقدّم، بل صرحوا في المنطق بإمكان رفع المقدّم مع بقاء التالي، هذا ما اصطلح عليه القوم في العلوم، و لا ينافي ما ذهب إليه الاصوليّون من ظهور الجملة الشرطية في المفهوم عرفا.

و على كلّ حال مقتضى كون القضية برهانية أن يكون مفادها يقينية لا ما هو خارج عن مفاد القضية و مدلولها، و لذا لم يشك أحد في يقينيّة «الإنسان حيوان» و إمكان الاستفادة من مثله في العلم. و كذا حمل الأعراض العامّة كقولنا:

«الفاعل مرفوع» و «المفعول منصوب» مع كون المحمولين أعمّ من موضوعيهما.

هذا و لو سلّمنا أنّ يقينيّة القضية مقتضية لمساواة محمولها مع موضوعها، فنقول: إنّ غاية ما تقتضيه ذلك هو المساواة بين المحمول مع موضوع القضية، و القضايا هي مسائل العلم، و أمّا موضوع العلم فهو الجامع بين موضوعات المسائل و لمكان جامعيته بينها تكون نسبته معها العموم و الخصوص لا محالة.

و إذا فرضنا مساواة كلّ محمول لموضوع المسألة كيف يمكن فرض مساواته لموضوع العلم؟

إلّا أن يتشبّث لحلّه بأحد أمرين:

إمّا فرض جمع المحمولات في قضيّة واحدة و إيجاد الترديد بينها، بأن يقال:

الكلمة إمّا مرفوع لكونها فاعلا أو مبتدا .... و إمّا منصوب لكونه مفعولا، و إمّا مجرور لكونه كذا أو كذا. و أنت ترى أنّه صرف فرض لا واقع له.

و إمّا أن يقال بذاتية كلّ محمول لحصّة خاصّة من حصص الموضوع. و عليه فلا بدّ من الالتزام بوجود موضوعات متعدّدة للعلم، لأنّ الحصص متباينات. فإن‏

29

أوجبنا ذاتيّة المحمول للموضوع أدّى إلى ذلك، لأنّ المحاميل إنّما تكون ذاتيات للحصص، و إن صرنا إلى الإطلاق و جعلنا العبرة بوحدة الموضوع لجامعيته لزم الإغماض من ذاتيّة المحاميل لموضوع العلم. هذا.

و أمّا الوجه في تفسير العرض الذاتي بما أفاده العلّامة المظفّر- و هو كون الموضوع أو معروضه داخلا في حدّ العارض- فلعلّ الوجه فيه استلزام ذلك و كشفه عن منشئيّة الموضوع للعروض و مبدئيّته لنشوء العارض أو كونه مشتملا على القابلية و التهيّؤ لقبول العارض بالذات. فإن كان كذلك فهو ذاتي، و إلّا فهو غريب، لكون المعروض حينئذ صرف محلّ، لا دخل له في العروض و لا اقتضاء فيه للمعروضية. فإذا قلنا: الناطق أو الإنسان مدرك للكلّيات كان المحمول ذاتيا، لأنّ المقتضي لإدراك الكلّيات هو فصل النطق المقوّم لإنسانية الإنسان. بخلاف ما إذا قلنا: الحيوان مدرك للكلّيات و اريد به قسم الإنسان، إذ الحيوان صرف محلّ لذلك. و كذلك إن قلنا: الأنف أفطس إذ القابلية لعروض الفطوسة موجودة في الأنف بالذات. بخلاف ما إذا قلنا: الوجه أفطس، أو الإنسان أفطس. و طريق إحراز تلك الخصوصيّة دخول الموضوع في حدّ العارض، فلا يقال: المدرك للكلّيات حيوان كذا، بل يقال: إنسان كذا أو عاقل أو ناطق كذا، و هكذا يقال في تعريف الأفطس: أنف له الفطوسة. لا إنسان له الفطوسة.

و يرد عليه، أوّلا: أنّه مستلزم لخروج العلوم المشتملة على المحمولات الاعتباريّة كالفقه و العلوم الأدبية، لعدم معقولية الاقتضاء و التأثير في موضوعاتها بالنسبة إلى محمولاتها بل و لا استعداد لها لورود المحمول عليها.

و ثانيا: يستلزم ذلك خروج جل المسائل المشتملة على المحمولات الواقعية أيضا بلحاظ أنّ موضوعات مسائلها أخصّ من موضوع العلم. فهو بمنزلة الجنس و تلك بمنزلة النوع أو الفصل، و لا شكّ في كون التنوّع بالنوع أو التفصّل‏

30

بالفصل دخيلا في القابلية أو الاقتضاء. و أمّا الجنس فهو صرف محلّ للعارض.

فيلزم ان تكون تلك المحمولات عوارض غريبة لموضوع العلم. و ينافي التزامهم بأن لا يبحثوا في العلوم إلّا عن عوارض موضوع العلم التى هي ذاتيّة.

و اجيب‏ (1) عن الإشكال الأخير بما لا ينفع إلّا في المسائل الفلسفية و لا يطّرد في غيره من العلوم، و حاصله بتوضيح بعض المحقّقين‏ (2): أنّ الموضوع في المعقول هو الوجود أو الموجود و هو ينقسم أوّلا إلى الواجب و الممكن، ثمّ الممكن إلى الجوهر و المقولات العرضية. و الجوهر الى عقل و نفس و جسم و الهيولى و الصورة. و العرض أيضا إلى المقولات التسع العرضية، و الكلّ من مطالب ذلك العلم و عوارضه الذاتية، مع أنّ ما عدا التقسيم الأوّل يتوقّف على تخصّص الموضوع بخصوصية أو خصوصيّات. إلّا أنّ جميع تلك الخصوصيّات مجعولة بجعل واحد و وجود فارد. فليس سبق في الوجود لواحد بالإضافة إلى الآخر، إذ الموجود لا يكون ممكنا أوّلا ثمّ توجد له وصف الجوهرية أو العرضية، بل إمكانه بعين جوهريته و عرضيته، كما أنّ جوهريته بعين عقليّته أو نفسيّته أو جسميّته، فلا يكون هناك عروضان ليكون أحدهما بالذات و الآخر بالعرض، بخلاف لحوق الكتابة و الضحك على الحيوان، فإنّه يتوقّف على صيرورة الحيوان إنسانا، ليتهيّأ لعروض الضحك و الكتابة عليه، و ليس إنسانيّته بنفس ضاحكيّته أو كاتبيّته. بخلاف تجرّد النفس مثلا، فإنّه بعين الإنسانية. ثمّ قال: و هذا الجواب و إن كان وجيها بالنسبة إلى المعقول، لكن تطبيقه على سائر موضوعات العلوم لا يخلو عن تكلّف.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ حصر مسائل العلم في ما يبحث عن عوارضه الذاتية

____________

(1) صدر المحقّقين في الأسفار 1: 33.

(2) هو المحقّق الاصفهاني في نهاية الدراية 1: 22.

31

بأيّ تفسير من التفاسير لا يكون قابلا للتوجيه. فالصحيح ما ذهب إليه في الكفاية من كفاية وحدة الغرض المترتّب على مسائل كلّ علم. و إن أبيت إلّا عن كون مسائل العلم باحثة عن العوارض الذاتية لموضوع العلم، فلا مناص من تفسيره بما لا يكون له واسطة في العروض، و الحمد للّه.

ما هو الملاك في وحدة كلّ علم و تمايز بعضها عن بعض؟

تلخّص ممّا تقدّم: أنّ الكلام في ملاك وحدة مسائل العلم و تمايز العلوم بعضها عن بعض، و بعبارة اخرى الجامعية للأفراد و المانعية عن الأغيار إن كان ناظرا إلى الواقع الخارجي فلا ريب أنّ مدوّني العلوم في ابتداء النهضة العلمية البشرية لاحظوا عالم الكون و قسّموها إلى أقسام و بحثوا عن عوارض كلّ قسم فقالوا: إنّ ما يتعلّق به العلم إمّا أن يكون تحت القدرة و بعبارة اخرى ما ينبغي أن يعمل و يسمّى بالحكمة العملية، أو لا يكون تحت القدرة بل ينبغي أن يعلم فتسمّى بالحكمة النظرية. و القسم الثاني إمّا أن يكون متعلّقه مجرّدا ذهنا و خارجا و هو الإلهيّات بالمعنى الأخصّ. و إمّا أن يكون مادّيا ذهنا و خارجا و هي الطبيعيات بأقسامها من الجماد و النبات و الحيوان، و ما ينشعب منها من الشعوب. و إمّا أن يكون مجرّدا ذهنا و مادّيا خارجا و هي تنقسم إلى علم الحساب و الهندسة و الهيئة و الموسيقيا.

و أمّا القسم الأوّل- أي التي ينبغي أن يعمل- فأقسامه ثلاثة: تهذيب الأخلاق، و تدبير المنزل، و سياسة المدن و علم النواميس، و الأخير هي التي تعبّر عنه اليوم في عرفنا بالحقوق.

و ظاهر ذلك أنّهم أرادوا معرفة جميع الأشياء بحقائقها و عوارضها. فكان المحور في تقسيم العلوم و تميز بعضها عن بعض موضوعاتها. نعم قد يرى تمايز

32

بعض العلوم بالمحمولات كعلمي الفيزيا و الكيميا، فإنّ الأوّل يبحث عن الخواصّ الظاهرة للأجسام، و الثاني عن خواصّها الباطنة. لكن النقض بهما موقوف على أن يكون الموضوع في العلمين الأجسام و المحمول خواصّها، و أمّا لو فرضنا أنّ الخواصّ بأنفسها صارت موضوعة للبحث، فلا محالة يكون التمايز فيهما أيضا بالموضوع.

و الحاصل أنّ المتيقّن من سيرة السلف الاهتمام بالموضوعات و تميّز العلوم بها، فإن لم يكن ذلك على سبيل الموجبة الكلّية فلا أقل من كونها الغالبية و لم يغمضوا عنها إلّا لضرورة دعت إلى ذلك، و الأمر سهل.

و أمّا العلوم الأدبية- كاللغة و الصرف و النحو و المعاني و البيان- فلم تكن من جملة تلك العلوم التي أسّسها الفلاسفة و الطبقة الاولى من المحقّقين، و موضوعها بأجمعها الكلمة و الكلام، و الكلام مؤلف من الكلمة، و تمايزها بالحيثيات الجامعة بين المحمولات، فيبحث في النحو مثلا عن حيثية الإعراب و البناء، و هي الجهة الجامعة بين محمولاته، و في المعاني و البيان عن جمال الكلام و لطافته لفظا أو معنى، و هي أيضا جهة جامعة بين المحمولات.

و أمّا ما يقال: من أنّ موضوع النحو مثلا هو الكلمة من حيث الإعراب و البناء فغير سديد، لأنّ موضوع العلم ليس إلّا الجامع بين موضوعات المسائل، و الجامع بين تلك الموضوعات خالية عن هذا القيد، و هذا القيد هو عين الجامع بين المحمولات. فالعلوم من حيث ذات الموضوع مشتركة، و أمّا الحيثيّة المميّزة فهى منتزعة من المحمولات.

لكنّها كما عرفت لا تكون نقضا على المدّعى، لأنّها كانت خارجة عن الحوزة المزبورة. هذا كلّه إن كان المراد التمايز بين العلوم الموجودة بحسب الواقع الخارجي.

33

و أمّا إن كان المراد ما يمكن به تمايز العلوم و اتّحاد مسائلها، فالتحقيق أنّه أحد امور ثلاثة على سبيل منع الخلوّ و لا مانع من اجتماعها كلّا أو بعضا، و هي موضوع العلم، و الجهة الجامعة بين محمولاته، و الغرض الداعي إلى وضعه.

و الوجه في ذلك: أنّ متن العلم هو مسائله و المسائل في بادئ النظر امور مختلفة موضوعا و محمولا، كقولنا: الفاعل مرفوع و المفعول منصوب، و مع هذا التشتّت كيف يكون المركّب منها علما واحدا؟ و ما هو ملاك تلك الوحدة و تمايز ذلك الواحد عن غيره من العلوم؟ و حيث إنّ المسائل متشكّلة من عناصر ثلاثة:

الموضوع و المحمول و النسبة، و النسب من سنخ الوجودات الذهنية الحاكية عن الوجودات الخارجيّة و هي من قسم الوجود لا في نفسه فلا يتصوّر جامع بينها، فلا محالة يكون ما به الوحدة هو الجامع بين موضوعات المسائل أو بين محمولاتها. و مع ذلك يمكن أن يكون التمايز بالغرض كما إذا فرضنا صعوبة تحصيل جامع بين الموضوعات أو المحمولات.

لكن هذا كلّه بالنسبة إلى المستعلم الذي يريد أن يفهم الوجه في تمايز العلوم بعضها عن بعض.

و أمّا في مقام تدوين العلم فالسابق على الجميع هو الغرض، لأنّه الباعث الأوّلي على اختيار موضوع العلم من بين الموضوعات مع كثرتها و تنوّعها من المتباينات و المتداخلات.

مثلا إن اختار الكمّ المتّصل و هو الجسم التعليمي يصير الهندسة بأجمعه علما واحدا و مباحث السطح بابا من ذلك العلم. و إن اختار السطح موضوعا خرج منه مباحث الجسم المكعب و ما يتعلّق بالعمق و الارتفاع. و السنخية موجودة على كلّ تقدير. و لا فارق في البين إلّا الانتخاب الناشئ عن الغرض بحيث لو أغمضنا عن الغرض لم يبق مائز واقعي، لإمكان كون الموضوع مثلا

34

الجسم التعليمي و إمكان كون الموضوع خصوص السطح أو الخطّ، و في الصورتين السنخية موجودة مع سعة و ضيق و القابلية محفوظة، و لا معيّن في البين إلّا غرض المدوّن. أو ما تقدّم من أنّ الميزان في تفكيك العلوم بعد انتخاب الموضوع البحث عن جميع عوارضه الذاتية بالمعنى المتقدّم، و قد عرفت ما فيه.

ثمّ اعلم أنّ الغرض من التدوين عين الغرض الداعي إلى تحصيل العلم، مع اختلاف يسير، ففي علم النحو يقال: الغرض منه هو صون اللسان عن الخطأ في المقال، و الغرض من تدوينه هو الإقدار على صون اللسان عن الخطاء. و كذلك في علم الاصول يقال: الغرض منه هو القدرة على الاستنباط، فالغرض من تدوينه هو الإقدار على الاستنباط. فالغرض من تدوين كلّ علم هو عين الغرض المترتب على العلم ملحوظ بنحو التعدية إلى المفعول.

هل يجتمع ملاكات الوحدة و أسبابها؟

نعم ليست هي بمانعة الجمع. مثلا علم النحو كما يترتّب على المركّب من مسائلها صون اللسان عن الخطأ في المقال. هي متّحدة في الحيثيّة الجامعة بين المحمولات و متمايزة عن غير العلوم اللسانية مضافا إلى ذلك بالموضوع، و أمّا عن العلوم اللسانية فلا، لكون موضوعها بأجمعها الكلمة أو هي مع الكلام. و قد عرفنا من هذا أيضا أنّ ملاك تمايز العلوم أمر إضافي، لأنّ موضوع علم النحو يميّزه عن غير العلوم اللسانية و لكن لا يميّزه عنها، و قد عرفنا أيضا أنّ أسبقية بعض أسباب الوحدة من بعضها وجودا لا ينافي صدق السببيّة على المجموع عرفا و عقلا، لتأخّر رتبة العلوم عن الجميع. و توهّم أنّ الغرض متأخّر عن العلم فاسد، إذ الغرض و إن كان متأخّرا عن العلم في الوجود الخارجي، إلّا أنّه سابق عليه بالوجود الذهني، و بوجوده الذهني يبعث نحو اختيار الموضوع و محمولاته.

35

مختار سيّدنا الأعظم في التمايز:

قال (قدّس سرّه) ما حاصله: إنّ منشأ وحدة العلوم إنما هو تسانخ القضايا المتشتّتة التي يناسب بعضها بعضا، فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا و حقيقتها، ففي مثله تمايز العلوم و اختلاف بعضها يكون بذاتها، و قضايا كلّ علم مختلفة و متميّزة بذاتها عن قضايا علم آخر (1)، انتهى.

و اورد عليه بأنّه ليس قولا آخر غير القول بأنّ التمايز إمّا بالموضوع أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل، غير أنّ عدم التسانخ إمّا لأجل اختلاف الموضوع أو المحمول أو النسبة الحكمية، و ليس في المقام وراء هذه الامور الثلاثة أمر آخر يكون هو موجبا لعدم التسانخ، فلاحظ.

أقول: ما أفاده من انحصار أجزاء القضايا في الامور الثلاثة و إن كان صحيحا، إلّا أنّ لازمه كفاية انتفاء أحدها على سبيل منع الخلوّ في حصول التمايز، و لا يتعيّن في واحد معيّن. ثم أضف إلى ذلك التمايز بالأغراض.

و الحاصل: أنّه يكفي في تفاوت قول الإمام (قدّس سرّه) مع الآخرين أنّهم عيّنوا ملاك التمايز و الوحدة إمّا بالموضوع أو الجهة الجامعة بين المحمولات. و لازم مختار الإمام (قدّس سرّه) كفاية أحدهما على سبيل الإجمال، إذ جوهر القضية يضمحلّ باضمحلال أحد أركانه.

مختار المحقّق البروجردي (قدّس سرّه):

قال (قدّس سرّه): إنّ لمسائل كلّ علم جهة و خصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم و تكون هي جامعة بين تلك المسائل و بسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم‏

____________

(1) تهذيب الاصول 1: 4.

36

و مسائل سائر العلوم. مثلا الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفيّة آخر الكلمة من المرفوعية و المنصوبية و المجرورية، فهي خصوصية ذاتيّة ثابتة في جميع مسائله و بهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم‏ (1).

و فيه: أنّ ما ذكر صحيح بالإضافة إلى العلوم الأدبية، حيث إنّ الموضوع في كلّها هو الكلمة أو هي مع الكلام و ينحصر وجه الامتياز بينها بجامع المحمولات.

أمّا لو قايسنا النحو بعلم الطب أو الهندسة أو الحساب مثلا فسوف نرى إمكان التفكيك بينها و بين النحو باختلاف الموضوع، إذ الموضوع في النحو مثلا هو الكلمة، و موضوع علم الطبّ بدن الإنسان، و موضوع الهندسة الكمّ المتّصل، و موضوع الحساب العدد (الكمّ المنفصل) فكما يصلح جامع المحمولات للمائزية يصلح جامع الموضوعات أيضا للمائزية، غير أنّ بعض العلوم حيث يشترك موضوعها فالميّز بينها منحصر في جامع المحمول.

و الصحيح كما ذكرنا أنّ ملاك التمايز للمتعلّم أحد امور ثلاثة على سبيل منع الخلوّ. و أمّا في مقام تأسيس العلوم فأوّل ميز يوجد هو الغرض الداعي إلى التدوين الموجب لانتخاب موضوع و البحث حوله. و في الرتبة الثانية يكون الميز بذلك الموضوع، لعدم جواز التعدّي عن عوارضه الذاتية على ما قالوا و بنوا عليه، لأنّ كلّ موضوع إنّما يفسح المجال لطرح عدّة من العوارض، و هي التي تكون ذاتيّة لذلك الموضوع.

هذا إن قلنا باعتبار ذلك، و إلّا فالمتّبع بيان كلّ عارض له دخل في ترتّب الغرض سواء كان ذاتيا أو غريبا، بل قد ننكر لزوم ذلك رأسا و نسمح بطرح كلّ مسألة لها دخل في الغرض و إن لم تكن سنخيّة بين تلك المسائل موضوعا و محمولا.

____________

(1) نهاية الاصول 1: 5.

37

و قد وقع ذلك في علم الاصول، لأنّها عدّة مسائل تشترك في كونها دخيلة في القدرة على الاستنباط، و قد صعب على الأعلام تحصيل جامع بين موضوعات مسائله و كذا بين محمولاته، و سيأتي البحث عنه مفصّلا. و قد تقدّم إمكان كون التمايز بالأغراض و كفاية السنخية الناشئة من ترتّب الغرض، إذ هذا المقدار يكفي في دفع الهرج و المرج العلمي و إمكان إدراج كلّ مسألة في كلّ علم، لأنّ الاجتناب عنه كما يمكن بما قالوا- أي بمحوريّة الموضوع الجامع و البحث حوله عن عوارضه الذاتية- يمكن أيضا بمحوريّة الغرض و عدم الخروج عن إطاره، فيبحث في العلم عن كلّ مسألة يؤدّي فهمه إلى الفائدة المخصوصة كالقدرة على الاستنباط و لو لم يوجد أىّ سنخيّة بين مسائله موضوعا أو محمولا.

مسألة:

هل يكفي السنخيّة الذاتيّة الحاصلة بجامعية موضوع واحد لموضوعات المسائل أو جامعية عنوان واحد لمحمولاته في إطلاق العلم الواحد على العلم أم هو أمر اعتبارى لا محالة؟ الحقّ هو الثاني، لأنّا و لو قلنا باعتبار وجود تلك السنخية الذاتية الحقيقيّة بين الموضوعات أو بين المحمولات أو كليهما، لكن هذا المقدار إنّما تجعل موضوعات المسائل واحدا بالنوع أو واحدا بالجنس، و هو لا ينافي تعدّدها من حيث الشخص، فلا يصير بذلك مجموع المسائل مركّبا واحدا، بل يصير موضوعاتها مثلا واحدا بالنوع على كثرتها و تعدّدها. فوحدة مجموع المسائل بما هو مجموع و صيرورتها مركّبا واحدا بالوحدة العددية يحتاج إلى مئونة الاعتبار لا محالة.

توضيح ذلك: أنّه إذا كان عندنا عشرة أشياء فهي متعدّدة بطبيعة الحال، سواء فرضنا كونها من نوع واحد كالإنسان أو لا، و صرف كونها إنسانا لا يجعل‏

38

المجموع مركّبا واحدا بل يجعلها واحدا بالنوع و هو لا ينافي التعدّد، و صيرورتها مركّبا واحدا يحتاج إلى اعتبار كون العشرة موجودا واحدا كفرقة كذا أو هيئة كذا. و هكذا مسائل العلم، فإنّ صرف كونها مسانخة ذاتا لا يجعل المجموع واحدا بالعدد بل عدّ المجموع مركّبا واحدا يحتاج إلى اعتبار الوحدة لها.

وحدة الغرض هل يكشف عن وحدة الموضوع؟

قد يحاول إثبات وجود موضوع واحد للعلم يكون قوام وحدة العلم به من طريق وحدة الغرض بلحاظ أنّ وحدة الأثر يكشف عن وحدة المؤثّر استنادا إلى قاعدة الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد.

و يردّ أوّلا: بأنّ القاعدة على ما ذهب اليه جل الفلاسفة ناظرة إلى الواحد الشخصي، و الحال أنّ الأغراض المترتّبة على العلوم من سنخ الواحد بالعنوان أو بالنوع أو بالجنس، كما فيما نحن فيه، فإنّ القدرة على الاستنباط في الحقيقة قدرات، لأنّ القدرة الحاصلة بمسألة ظهور الأمر في الوجوب غير القدرة الحاصلة من مسألة حجّية خبر الواحد، و هكذا غيرهما. و فيه بحث طوينا عن إيراده روما للاختصار.

و ثانيا: لا تأثير في نفس المسائل بل المؤثر في القدرة على الاستنباط هو تعلّمها و تصديقها و معرفة مواردها للتطبيق، فلا توجد في المسائل جهة علّية فاعلية، بل الموجود صرف قابلية و استعداد للمحلّ، و هذا خارج عن مفاد القاعدة، فإنّهم صرّحوا بأنّ القاعدة ناظرة إلى العلّة الفاعلية.

و ثالثا: القابلية إنّما توجد في المسألة برمّتها، و هي مشتملة على موضوع و محمول و نسبة لا في خصوص الموضوع. و لو قلت: نعم و لكنّ الموضوع منشأ لترتّب المحمول عليه، فيؤول الأمر إليه. قلنا: إنّما يصحّ ذلك في العلوم التي تكون المحمول من العوارض الذاتية للموضوع بالتعريف الذي بنينا عليه، و هو

39

ما كان لذات الموضوع خصوصية جاذبة للمحمول، و المراد من ذاتيّة العارض ثبوت هذا الاقتضاء و هذه الجاذبية. و أمّا الغريبة فهي التي تثبت فيها الحمل و العروض الحقيقي من دون وجود تلك الجاذبة و الاقتضاء. و أمّا في العلوم الاعتباريّة فلا يعقل ذلك، لأنّ ترتّب المحمول على موضوعاتها فيها متقوّمة باعتبار المعتبر و علم الاصول من أبرز مصاديقها. و في غير الاعتباريّة أيضا، لأنّهم لم يلتزموا في مقام العمل بمراعاة الحصر في العوارض الذاتية.

و رابعا: إن تمّ ذلك فلا يتمّ فيما كان الغرض منها نفس المعرفة كالفلسفة الاولى، إذ العلم بها مطلوب ذاتا لا للغير.

تتمة

تقدّم أنّ صاحب الكفاية وفاقا لصاحب الفصول على ما نسب إليه فسّر العارض الذاتي بما ليس له واسطة في العروض، أي ما كان الإسناد إليه إسنادا إلى ما هو له بلا تجوّز و عناية كإسناد الجريان إلى الماء بخلاف إسناده إلى الميزاب، و عليه فجميع موارد وجود الواسطة في الثبوت سواء كان أعمّ أو أخصّ أو مساويا داخليا أو خارجيا من العارض الذاتي، لثبوت الإسناد الحقيقي فيها.

أقول: لو بدّله بحذف قيد الذاتية كان أولى من تغيير الاصطلاح، و مردّ قوله هذا إلى ذلك، إذ خرق الاصطلاحات الرائجة يضرّ بالمباحث العلمية، و مع ذلك كان عليه أن يقيّده بالدخل في الغرض، فيقول: موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و الغريبة التي يؤثّر في ترتّب الغرض المخصوص عليه، إذ لو لا هذا القيد مع ذلك العموم يلزم الهرج و المرج في تركيب مسائل العلم، لكثرة العوارض الغريبة و استلزامه لتداخل العلوم، لأنّ العوارض الغريبة في الحقيقة عوارض ذاتيّة لموضوعاتها الأصلية. مثلا إذا بحثنا عن حرارة النار (الذاتية)

40

و حرارة كلّ ما يجاوره من الأجسام استغنينا بذلك عن تكراره في الماء و الحجر و الخشب ... و هكذا، فإن بنينا على جواز البحث عن العوارض الغريبة فليقيّد بقيد مدخليته في تحصيل الغرض الخاصّ المترتّب على ذلك العلم و لا يبقى بدون حدّ و نهاية.

ثمّ ما أدري كيف جمع بين قوله: «موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن .....» إلى أن قال: «و ما يتّحد معها خارجا و إن كان يغايرها مفهوما تغاير الكلّي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده» الذي هو كالصريح في لزوم وجود موضوع للعلم بنحو ما ذكر، و بين صريح قوله بأنّ المسائل هي قضايا متشتتة يجمعها خصوص الدخل في الغرض؟ أي لو لا الغرض كانت متشتّتة و لم تكن لها جهة وحدة. و كذا ما أفاده بعد ذلك بأنّه لو لا الغرض لزم أن يكون كلّ باب بل كلّ مسألة علما على حدة، لاختلاف الموضوعات فيها، و هذا لا ينسجم إلّا مع إنكار الموضوع الواحد الجامع، و إلّا لصار بنفسه ملاك الوحدة بين الأبواب و صلح لكونه مائزا بين العلوم المختلفة و لو لم نعرفه تفصيلا، لكفاية الاعتقاد بوجوده إجمالا. ثمّ كرّ على ما فرّ منه بقوله: موضوع علم الاصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة.

إذ الكلّي المزبور إن كان جامعا ذاتيا لموضوعات المسائل كفى في إخراج المسائل عن التشتّت و لم ينحصر إذن وجه الوحدة و التمايز في الغرض، و إن كان جامعا انتزاعيا لم يوجب تسانخا بين المسائل أصلا، لأنّه يوجد بين الضدّين و النقيضين، كقولنا: أحد الضدّين أو أحد النقيضين كذا و كذا و لا تقرّر له خارجا، بل الموجود منشأ انتزاعه، و إن كان المراد الجامع العرضي فيجب الفحص عن عنوان يصلح لذلك، و ما هو؟

ثمّ على تقدير عدم معرفته أيّ دليل على لزوم وجوده مع كفاية اتّحاد

41

المسائل من حيث دخلها في الغرض المخصوص؟ و قدم تقدّم أنّ وحدة الغرض غير كاشفة عن وجود الموضوع الواحد.

هل الأدلّة الأربعة تكون موضوع علم الاصول؟

ثمّ على تقدير لزوم وجود الموضوع لكلّ علم، أو اشتمال بعض العلوم على موضوع و لو لم نقل بلزومه في كلّ علم، فقد قيل:

بأنّ موضوع علم الاصول هو الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة كما في القوانين.

و عن الفصول: أنّ موضوع علم الاصول هو الأدلّة بما هي هي أي بذواتها لا بما هي أدلّة. و في الكفاية: أنّ الأدلّة الأربعة لا تصلح للموضوعية لعلم الاصول مطلقا، أي لا بما هي أدلّة، و لا بما هي هي.

وجه عدول الفصول عن مسلك المشهور، هو استلزام ذلك لخروج عدّة من المسائل الاصوليّة و دخولها في مبادئه، إذ البحث عن حجّية خبر الواحد أو ظواهر الكتاب مثلا بحث عن دليلية الدليل، فيرجع إلى البحث عن أصل وجود الدليل بما هو دليل، لأنّ المفروض أنّ موضوع المسألة على هذا المبنى ليس ذات الكتاب أو السنّة، بل بما هي حجّة، فيكون البحث عن ثبوت الحجّية بحثا عن وجود الدليل بما هو دليل و حجّة، فلا يكون بحثا عن عوارض الموضوع بل عن أصل وجوده و هو من المبادئ التصديقية.

هذا إن قبلنا رجوع قضيّة خبر الواحد حجّة إلى قضيّة خبر الواحد المفروض كونه حجّة هل هو موجود بهذا الوصف أم لا. و إن لم نقبل الرجوع و أبقيناه على ظاهره صار الكلام في قوّة أن يقال: الخبر الواحد الذي هو حجّة هل هو حجّة أم لا؟ فيصير من موارد الضرورة بشرط المحمول، و لم يحتج إلى مئونة بحث و تجشّم استدلال بل كان لغوا واضحا.

42

بخلاف فرض كون الموضوع ذوات الأدلّة بما هي هي، إذ يكون البحث عن الحجّية حينئذ بحثا عن عوارضها. و أمّا صاحب الكفاية (قدّس سرّه) فلم يرتض واحدا منهما، لأنّ البحث عن الحجّية ليس بحثا عن عوارض الأدلّة الأربعة مطلقا.

و ذلك لأنّ المراد من السنّة التي هي من الأدلّة إن كان نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره- كما هو المصطلح فيها- فلا يبحث عن حجّيتها أصلا، و إنّما البحث عن حجّية الخبر الحاكي لها. و أمّا رجوع البحث عن ذلك إلى البحث عن ثبوت السنّة الواقعية بالخبر الحاكي و بأيّ الخبرين في باب التعارض فغير مفيد.

و القائل هو الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه اللّه) إذ المراد من الثبوت إن كان الثبوت الواقعى فهو مفاد كان التامّة و ليس من العوارض و إن كان المراد منه الثبوت التعبّدي فهو من عوارض الخبر دون السنّة، و إن كان المراد من السنّة ما يعمّ الحاكي فلأنّه و إن كان كافيا في دفع الإشكالات السابقة، إلّا أنّه مع ذلك يبقى المجال لإشكالات أخر كمباحث الألفاظ (و كمباحث الاستلزامات) لأنّها غير مختصّ بالأدلّة و إن كان المهمّ معرفة أحوال الأدلّة كما لا يخفى، مثلا البحث عن ظهور الأمر في الوجوب ليس بمعنى خصوص الأمر القرآني أو الحديثي.

و أمّا قوله: إنّ الثبوت التعبّدي ليس من عوارض السنّة المحكية فلعلّ توضيح مراده: أنّ المحمول في قضيّة الخبر الواحد حجّة هو المثبتية- بالكسر- و صيرورة السنّة بذلك مثبتا- بالفتح- يكون من لوازم القضية المبحوث عنها، مثلا إن قلنا: الماء جار دلّ بالالتزام على كون الأرض مثلا مجرى للماء، أ فهل يعدّ ذلك بحثا عن عوارض الأرض باعتبار أنّها مجرى للماء، أو إذا قلنا شهادة العدلين حجّة في الموضوعات أ فهل يعدّ ذلك بحثا عن عوارض جميع الأشياء الخارجيّة؟ و السرّ في المطلب هو أنّ لسان العلوم لسان الصراحة في البيان دون الكنايات و الإشارات و المداليل الالتزامية.

43

و هاهنا نكات:

الاولى: أنّه لا بدّ من تصرّف في قولهم بأنّ الموضوع هو الأدلّة لأنّها متعدّدة فيلزم تعدّد العلم، فلا بدّ و أن يحمل على طبيعة الدليل الصادقة على الأربع.

الثانية: أنّ كلّ واحد من الأدلّة مركّب من أجزاء مثلا من أوامر و نواهي و عموم و خصوص، فيلزم أن يكون النسبة بين موضوع المسألة و موضوع العلم النسبة بين الجزء و الكلّ دون الجزئي و الكلّي، فلا بدّ من حمله على الطبيعة السارية في ضمن الأجزاء.

الثالثة: أنّه لا مفر من إيراد صاحب الكفاية، و هو أنّ المبحوث عنه في مباحث الألفاظ مثلا صيغة «افعل» و ما يؤدّي معناها مطلقا، لا خصوص الأمر القرآني و الحديثي. نعم تعرّضوا في مباحث العامّ و الخاصّ بلزوم تخصيص العامّ بالمخصّص المنفصل و رفع اليد من حجّيته في العموم به، لما فهمنا من سيرة المولى على إلقاء مراداته الجديّة على التدريج. و أمّا الموالي العرفيّة الذين لم يثبت استقرار دأبهم على ذلك فلا نعامل معهم بتلك المعاملة. و استدلّ السيّد المرتضى (قدّس سرّه) على اشتراك الأمر بين الوجوب و الندب بكثرة وروده في الاستعمالات الشرعيّة بمعنى الندب. و كثرة استشهادهم بما ورد في الكتاب و السنّة، مضافا إلى أنّه هو المهمّ لهم و لا حاجة لهم إلى غيره. و لكن في كفاية ما ذكر لإثبات المدّعي تأمّل، فيشكل الدفاع عن موضوعية الأدلّة الأربعة.

موضوعية الأدلّة:

وجدنا في كلمات الشهيد السعيد البدر الأزهر المحقّق السيّد الصدر (قدّس سرّه) أنّه من الممكن جعل الموضوع لعلم الاصول عنوان الأدلّة أي ما يصلح لأن يكون دليلا على الحكم الشرعي. إذ كلّ ما تجد من موضوعات المسائل كالأمر و النهي‏

44

و العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد، و اليقين السابق مع الشكّ اللّاحق، و عدم البيان (في البراءة العقلية) و الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و وجوب المقدّمة، و خبر الواحد، و الشهرة، و الإجماع المنقول، و ظواهر الكتاب، فكلّ ذلك صالح للدليلية على الحكم الشرعي. و إنّما فسّرناه بالصلوح للدليلية، لدفع إشكال صاحب الكفاية، و هو إطلاق المبحوث عنه لكلّ أمر و نهي و عموم و إطلاق ...

و هكذا، لا خصوص ما ورد في الشرع.

و يندفع الإشكال بقيد الصلاحية و القابلية، و أيضا لا يرد عليه لزوم كون قضيّة خبر الواحد حجّة ضرورية بشرط المحمول، إذ الخبر بما هو دليل بالفعل حجّة بالضرورة. كما أنّ عنوان الأدلّة لا بدّ و أن يحمل على طبيعة الدليل كي لا يؤدّي إلى التعدّد و التكثّر.

و مع ذلك يرد عليه أنّ عنوان الدليل الصادق على ما ذكر منتزع من ترتّب المحمولات على تلك الموضوعات في القضايا. مثلا نقول: الأمر ظاهر في الوجوب، و خبر الواحد حجّة، و الجمع المحلّى باللّام ظاهر في العموم، و ظواهر الكتاب حجّة. و الدليلية على الحكم الشرعي لا تثبت لصيغة الأمر إلّا بعد إثبات ظهوره في الوجوب، و لو لا ذلك كيف يحكم بكونه دليلا على الحكم الشرعي؟ فدليليّته مقتبسة من نفس ظهوره في الوجوب، و كذا ظهور النهي في الحرمة، و هكذا صدق الدليل على الخبر الواحد لا يتمّ إلّا بملاحظة حجّيته و اعتباره، و لو لا ذلك كيف يقال للخبر الواحد: إنّه دليل؟ فالصحيح كون ذلك حيثية جامعه بين المحمولات كحيثية الإعراب و البناء في علم النحو، و الصحّة و الإعلال في علم الصرف، و جمال الكلام في المعاني و البيان.

و من هنا علم أنّ وحدة مسائل علم الاصول كما يمكن أن تكون بالغرض يمكن أن تكون بجامع المحمولات.

45

الكلام في الوضع‏

قال في الكفاية: الأمر الثاني الوضع‏ (1).

أقول: ما صنعه (قدّس سرّه) لا يخلو عن تسامح، لأنّه رتّب الكتاب على مقدّمة مشتملة على ثلاثة عشر أمرا، و ثمانية مقاصد، و خاتمة في الاجتهاد و التقليد.

و الصالح من تلك الامور لأن يكون مقدّمة لكلّ العلم ليس إلّا الأمر الأوّل.

و أمّا سائر الامور فهي مباحث لفظية لا مساس لها بأبواب المباحث العقلية، أ فهل ترى ارتباطا بين معرفة حقيقة الوضع، أو تعارض الأحوال، أو المعنى الحرفي، أو إطلاق اللّفظ و إرادة صنفه أو نوعه أو شخصه، أو الصحيح و الأعمّ، بمباحث حجّية القطع و الظنون الخاصّة أو الاصول العملية؟ فكان الأولى بعد تدوين الأمر الأوّل- الذي هو بمنزلة المقدّمة لتمام العلم- تقسيم العلم إلى مباحث الألفاظ و سائر المباحث، ثمّ جعل الامور الاثنى عشر مقدّمة لمباحث الألفاظ لا لكلّ العلم.

ثمّ إنّي لا أرى فرقا فارقا بين المشتقّ و سائر مباحث الألفاظ، لأنّه يتضمّن‏

____________

(1) كفاية الاصول: 9.

46

قاعدة كلّية لها دخل في استنباط الأحكام و قد مهّدها الاصوليّون لذلك، فلا وجه لجعله في المقدّمة، و كان الأولى إدراجه في ضمن تلك المباحث. و كان من الأولى أيضا إدخال مباحث التعارض و الاجتهاد و التقليد في ضمن الحجج و الأمارات. كما أنّ مباحث وجوب المقدّمة و الضد و إمكان الاجتماع ليست في الحقيقة من الألفاظ، بل هي استلزامات عقلية بين الأحكام بعضها مع بعض لا دلالات لفظية، فكان ينبغي تفكيكها في ضمن مقصد تلك الامور مقدّمة لمباحث و حصر المجموع في أقسام أربعة، و هي: مباحث القطع، و الاستلزامات العقلية، و مباحث الحجّة، و مباحث الاصول العملية. و الأمر سهل. فلنصنع هكذا بعون اللّه تعالى و كرمه.

فنقول: إنّ علم الاصول يشتمل على أقسام أربعة: الأوّل: مباحث تدور حول بعض الظهورات اللفظية العامّة و لها مقدّمة و مقاصد. أمّا المقدّمة فتشتمل على أحد عشر أمرا. و أمّا المقاصد: ففي المشتقّ، و الأوامر و النواهي، و المفاهيم، و العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و المجمل و المبيّن. و القسم الثاني:

مباحث الاستلزامات العقلية، و هي أيضا تشتمل على مقاصد. و القسم الثالث:

مباحث الحجّة. و القسم الرابع: مباحث الاصول العملية في ضمن مقاصد، فلنشرع بعون اللّه تعالى في القسم الأوّل.

47

مقدّمة لقسم مباحث الألفاظ يتضمّن أحد عشر أمرا

الأمر الأوّل في حقيقة الوضع‏

، هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة لئلّا تحتاج إلى الوضع و الجعل، أو جعلية و اعتبارية؟ قيل بالأوّل.

و فيه أوّلا: إن كان المناسبة المفروضة بين اللّفظ و المعنى في حدّ العلّية التامّة فلازمه انتقال ذهن كلّ من يسمع اللّفظ إلى المعنى، و هو باطل بالضرورة. و إن كان ذلك في حد الاقتضاء القابل للزوال بفقد الشرائط أو وجود الموانع، فالجواب أنّه ادّعاء بلا دليل، و ما الذي يدلّ على وجود ذلك؟

فإن قيل الدليل عليه هو استحالة الترجيح بلا مرجّح لو لا المناسبة الذاتية، إذ الألفاظ كثيرة و المعاني كثيرة و النسبة بينها على السويّة.

قلنا: المحال هو الترجّح بلا مرجّح، أي رجحان وجود شي‏ء على عدمه من دون مرجّح، دون الترجيح بلا مرجّح، لأنّ الترجيح يصدر من فاعل مختار، و يكفي للمرجّحية نفس إرادته و اختياره أحد المتساويين على الآخر، فهو ليس بقبيح فضلا عن كونه محالا، أ لا ترى أنّ الجائع يختار أحد الرغيفين، و السالك الحائر يختار أحد الطريقين إذا احتاج إلى أحدهما و كانا متساويين من جميع الجهات؟

48

سلّمنا بطلان الترجيح بلا مرجّح، لكنّا نقول بكفاية أدنى مرجّح للخروج عن التساوي من دون حاجة إلى فرض المناسبة الذاتية، كما نرى تسمية الولد باسم أحد الائمّة الطاهرين لقرب ميلاده، أو بمعونة التفؤل بالقرآن الكريم، أو السؤال من أوّل من يدخل عليه، أو التسمية باسم أحد أقربائه لإحياء ذكره ... و هكذا.

و ثانيا: يستحيل ذلك، لمكان دلالة بعض الألفاظ على الأضداد كالقرء، فإنّها حقيقة في الطهر و الحيض و الجون للبياض و السواد، و قد ألّف في ذلك ابن السكّيت كتابا سمّاه بالأضداد، فكيف يمكن القول بالتناسب الذاتي بين الألفاظ و معانيها بنحو تقتضي الدلالة عليها إمّا بنحو العلّية التامّة أو بنحو الاقتضاء، لأنّ اقتضاء شي‏ء للمتضادّين أيضا غير معقول، كفرض اقتضاء النار للحرارة و البرودة.

و قيل بالجعل و الاعتبار، و هو المشهور و المذهب المنصور.

و منهم من قال بهما، أي بالجعل و الاعتبار مع وجود المناسبة الذاتية، و هو المحقّق النائيني (قدّس سرّه). و حاصل مختاره حسب تقرير تلميذه المحقّق الخوئي (قدّس سرّه)(1) أوّلا أنّ الواضع هو اللّه تعالى. و ثانيا مع وجود مناسبة ذاتيّة بين اللّفظ و المعنى مجهولة لنا معلومة له تعالى. و ثالثا أنّه تعالى التزم بوضع اللّفظ للمعنى طبقا لتلك المناسبة الذاتية. و رابعا أنّ الوضع أمر متوسط بين التكويني و التشريعي، فليس تكوينيا محضا حتّى يكون الإنسان مجبولا على إدراكه بنفسه، كالعطش عند احتياج البدن إلى الماء، و الجوع عند احتياجه إلى الغذاء، و لا تشريعيا محضا كي يحتاج إفهامه إلى إرسال الرّسل و إنزال الكتب، بل يلهم اللّه عباده على اختلاف لغاتهم بلفظ مخصوص عند إرادة تفهيم معنى مخصوص.

____________

(1) أجود التقريرات: 11 و 12.

49

و الدليل على انّه لا يمكن أن يكون الواضع هو البشر عدم إمكان احاطته بتمام ألفاظ لغة واحدة فضلا عن جميع اللغات، و لو فرضنا تمكّنه من ذلك كان ذلك من أكبر خدمات البشر، فلا بدّ من تصدّي التواريخ لضبطه و لوصل إلينا ذلك، و الحال أنّه منتف فيعلم منه انتفاء ذلك.

و اورد عليه بضعف المستند أعني الدليلين، لأنّ أمر الوضع كما نشاهده اليوم في المصنوعات الجديدة لا يلزم أن يكون دفعيا بل يكفي فيه التدريجية شيئا فشيئا، حسب مسيس الحاجة إليه، و عليه فيسقط كلا الدليلين، أي استحالة إحاطة فرد من البشر، و كونه من أهمّ الوقائع التاريخية المقتضي لتصدّي التواريخ لنقله. فلنا أن نلتزم بأنّ الواضع هو أفراد البشر.

و أمّا المناسبة الذاتية فأيضا أمر غير معلوم لا دليل عليه سوى الادّعاء، و كذا التزامه تعالى بمراعاة ذلك، مع أنّ الوضع و لو بدون المناسبة ينتج نتيجته المطلوب.

اللّهمّ إلّا أن يتوصّل بذيل استحالة الترجيح بدون المرجّح. و فيه ما تقدّم.

و كذا ما أفاده أخيرا من أنّه أمر إلهامي، إلّا أن يراد منه عناية اللّه على البشر في كلّ أفعاله الاختيارية بالعقل السليم و الفطرة الصافية، و منها الحكاية عن المعاني بالألفاظ الموضوعة لها. و الظاهر أنّ معنى قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ‏ هذا.

القول بأنّ الوضع أمر واقعي يحدث بالجعل و الاعتبار:

قيل بأنّ حقيقة الوضع أمر واقعيّ، لكنّها تحدث بالجعل و الاعتبار، فهي عبارة عن الملازمة الواقعية بين اللّفظ و المعنى، و سبب حدوثها هو وضع الواضع الذى هو من سنخ الجعل و الاعتبار.

50

ثمّ أخذ في إثبات أنّ الملازمات من الامور الواقعية و إن لم يكن من سنخ المقولات الجوهرية و العرضية، لأنّ الجوهر منحصر في خمسة أقسام: العقل و النفس و الجسم و الصورة و المادّة، و هي ليست من إحداها، و الأعراض بأقسامها التسعة متقوّمة في الوجود الخارجي بالغير. بخلاف الملازمة الثابتة بين أمرين من الامور التكوينيّة، مثل قولنا: إن كان هذا العدد زوجا فهو منقسم إلى متساويين، لأنّها أمر أزلي صادق مع عدم وجود العدد الزوج في الخارج أصلا. و العلقة الوضعية من هذا القبيل، فإنّها قائمة بطبيعي اللّفظ و المعنى و لا يتوقّف ثبوتها على وجودهما في الخارج، و لذا يصحّ وضع اللّفظ لمعنى معدوم بل مستحيل كالدور و التسلسل.

و فيه، أوّلا: إنّ محلّ كلامنا هو الوضع بالمعنى المصدري أي ما يصدر من الواضع، لا ما هو أثره و نتيجته أي العلقة الوضعية، و ما افيد إنّما يناسب الثاني دون الأوّل.

و ثانيا: لو سلّمنا أنّ محلّ الكلام هو العلقة الوضعية الحادثة بالوضع فلا نقبل كونها من الامور الحقيقيّة، كيف و نرى بالوجدان تقوّمها ببقاء اعتبار المعتبر، و بمجرّد انتفائه- كما إذا نسخه و عيّن لذلك المعنى لفظا آخر- تنقطع العلقة و تنهدم أساسه و تتخرّب بنيانه. و كلّ ما نجده من الكاشفية العلامية أو المرآتية فعمره محدود ببقاء اعتبار المعتبر.

و ثالثا: لازم حدوث الملازمة الواقعية بين طبيعي اللّفظ و المعنى انتقال ذهن سامع اللّفظ إلى المعنى مطلقا من دون فرق بين العلم بالوضع و الجهل به، و هو كما ترى خلاف الوجدان، فلا بدّ و أن يكون مراد القائل سببية المركّب من وضع الواضع و علم السامع به لحدوث الملازمة المزبورة. و مع هذا التوجيه يندفع الإيراد الثالث، و يبقى الإيراد الثاني، و هو أنّ الملازمة لا يمكن أن تكون‏

51

واقعية، لتقوّمها حدوثا و بقاء باعتبار المعتبر. و ما هذا شأنه كيف يكون واقعيا؟

و يظهر من عبارة المحاضرات كأنّه يسلّم وجود الملازمة الواقعية للعالم بالوضع، و اكتفائه الإيراد عليه بأنّه في رتبة متأخّرة عن حقيقة الوضع، لأنّه من آثاره، و الكلام في الوضع ابتداء و أنّه هل هو أمر حقيقي أو اعتباري؟

و فيه: أنّ الصحيح اعتبارية كليهما كما عرفت.

و أورد شيخنا الفاضل- أطال اللّه بقاءه و مدّ في عمره الشريف‏ (1)- على التفصيل بين العالم بالوضع و الجاهل به. أورد في المحاضرات بأنّ الواضع إنّما يوجد الملازمة بين طبيعي اللّفظ و المعنى، و العلم بذلك و الجهل به في رتبة متأخّرة عن ذلك، فلا مجال لأن يقال هل الملازمة ثابتة لخصوص العالم بالوضع أو الأعمّ منه و من الجاهل؟

أقول: الظاهر أنّ السيّد الخوئي (قدّس سرّه) لا يريد إرجاع التفصيل إلى نفس الوضع، فالوضع كما افيد إيجاد ارتباط أو ملازمة اعتبارا بين اللّفظ و المعنى، و لا دخالة للعلم و الجهل في ذلك، بل هما يحدثان في رتبة متأخّرة عن الوضع. بل مراده التفصيل في الملازمة الواقعية التي تحدث ببركة ذلك الاعتبار المطلق. فيسأل عن تلك الملازمة الواقعية التي لا بدّ من تفسيرها بكون سماع اللّفظ موجبا لانتقال الذهن إلى المعنى هل أنّها ثابتة لكلّ أحد- أي كلّ ذهن- أو لخصوص العالم بالوضع- أي ذهن العالم بالوضع- فإن قال: للكلّ، قيل: بأنّه خلاف الوجدان، و إن قال: بأنّه لخصوص العالم ... الخ.

و الإنصاف إمكان تطرّق هذا الاحتمال في تفسير كلام بعض الأعاظم، لأنّ وضع الواضع جزء السبب، لكون سماع اللّفظ الموضوع موجبا لانتقال ذهن‏

____________

(1) صفحة 235 جلد 1.

52

الإنسان إلى المعنى الموضوع له، و الجزء الآخر للسبب هو العلم بوضع الواضع- كما احتملناه- بل هو أولى من احتمال أن يكون وضع الواضع مع كونه مجهولا و لم يعلم به تمام السبب للملازمة المذكورة، إذ مخالفته للوجدان من أوضح الواضحات.

و الجواب الأصلي: أنّ الملازمة الحادثة بسبب الوضع ليست بواقعية، لكونها متقوّمة به حدوثا و بقاء فهو من باب التعبّد و التسليم أمام الاعتبار لا أمر واقعي.

نعم لا مضايقة من حصول الكشف وجدانا بانس الذهن الحاصل بكثرة الاستعمال، لكنّه غير العلقة الوضعية بل هو علقة خارجية. و محلّ الكلام هو الوضع و العلقة الوضعية. دون العلقة الخارجية الحاصلة بكثرة الاستعمال.

القول بأنّ الوضع اعتبارى محض‏

ذهب مشهور الأعلام إلى أنّ حقيقة الوضع اعتباري محض، و اختلفوا في ما هو المعتبر على أقوال:

الأوّل: أنّ حقيقة الوضع عبارة عن اعتبار الملازمة بين اللّفظ و المعنى، و الداعي إلى ذلك تفهيم المعاني في مقام الحاجة.

و اجيب عنه بأنّه إن اريد جعل الملازمة بين اللّفظ و المعنى بوجوده الخارجي، ففيه أنّه لغو، لانّ انتقال الذهن من سماع اللّفظ إلى المعنى من آثار الملازمة بين اللّفظ و المعنى في الذهن دون الخارج. و إن اريد الملازمة معه في الذهن، ففيه أنّه لا يخلو من أن يكون إمّا مطلقا حتّى للجاهل بالوضع، أو لخصوص العالم به، لا يمكن المصير إلى الأوّل، لفقد الأثر بالقياس إلى الجاهل به، و لا إلى الثاني، لأنّه تحصيل للحاصل، بل من أردأ أنحائه، لأدائه إلى اثبات ما هو ثابت بالوجدان بالاعتبار.