تحريرات في الأصول‏ - ج2

- السيد مصطفى الموسوي الخميني المزيد...
349 /
1

-

2

المقصد الثاني في الأوامر

3

الفصل الأول فيما يتعلق بمادة الأمر

و هو أمور و قبل الإيماء إليها نشير إلى نكتة: و هي أن قضية ما سلف منا في تعريف علم الأصول‏ (1)، كون المباحث السابقة من العلم، فتكون هي المقصد الأول، فما ترى من القوم في غير محله.

____________

(1) تقدم في الجزء الأول: 1.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الأمر الأول حول معنى مادة الأمر و اشتراكها المعنوي‏

المعروف و المشهور: أن لفظة «الأمر» لها معان، كالطلب، و الشأن، و الفعل، و الغرض، و الحادثة، و الفعل العجيب، و غير ذلك‏ (1)، فيكون مشتركا لفظيا في الكل.

و في مقابله أنه ذو معنى واحد، و مشترك معنوي بين الكل، و هذا ما زعمه العلامة النائيني (رحمه اللَّه)(2) و لا يمكن الالتزام به، للزوم الجهل بالجامع، مع عدم قيام البرهان على امتناع الاشتراك اللفظي، فعليه يطلب منه الدليل.

و قد يستدل على الجامع المزبور- لأن الاشتراك المعنوي أقرب إلى الصواب-: بأن جميع الأشياء باعتبار صدورها من فاعلها فعل، و من تلك الأشياء القوانين الإلهية و الجواهر الأعلين و الأدنين، فالكل مشترك في كونه فعلا (3).

و فيه:- مضافا إلى أنه ليس متبادرا من موارد استعمالات تلك الكلمة في السنة و الكتاب- أنه غير قابل لكونه مادة المشتقات، ضرورة أن وضع تلك المادة نوعي، و وضع هذه اللفظة شخصي.

____________

(1)- كفاية الأصول: 81، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 128، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 194، تهذيب الأصول 1: 131.

(2)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 128.

(3)- منتهى الأصول 1: 110.

6

و ربما اشتهر بين جماعة من المحققين، الاشتراك اللفظي بين معناه الاشتقاقي- و هو الطلب- و سائر معانيه‏ (1).

و فيه أولا: كون الأمر بمعنى الطلب ممنوع، بل هو لازمه، و إن ترى في اللغة تفسيره فهو من التفسير الخفي، لشهادة الوجدان على خلافه.

و ثانيا: تصوير الجامع بين سائر المعاني، أيضا مشكل.

و توهم: أنه الشي‏ء (2)، أو الشأن‏ (3)، أو الفعل‏ (4)، غير سديد، لعدم مساعدة ذلك مع بعض الاستعمالات، فراجع المفصلات.

و الّذي هو الأقرب إلى الصواب: أن الاشتراك اللفظي في المقام- حسبما تقرر منا سابقا (5)، و أشرنا إليه- غير سديد، بل غير ممكن، لأن ما هو مادة المشتقات وضعها نوعي، و ما هو موضوع للمعاني الجامدة وضعها شخصي، و لا يعقل كون كلمة واحدة موضوعة بوضعين: شخصي، و نوعي، للزوم الجمع بين المتنافيين بالضرورة.

و الاشتراك المعنوي بين سائر الموارد ثابت، بأن يقال: بأن الموضوع له هذه الكلمة، هي الهيئات و الصيغ الأمرية المستعملة بما لها من المعاني، من غير فرق بين كونها من الأوامر التكوينية، أو التشريعية، فما ورد في الكتاب من قوله تعالى: وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ (6) أو أن‏ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ (7) و قوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا

____________

(1)- مفاتيح الأصول: 108- السطر 26، الفصول الغروية: 62، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي:

199، كفاية الأصول: 82، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 194.

(2)- كفاية الأصول: 82، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 194.

(3)- الفصول الغروية: 62- السطر 36.

(4)- منتهى الأصول 1: 111.

(5)- تقدم في الجزء الأول: 358- 363.

(6)- القمر (54): 50.

(7)- الإسراء (17): 85.

7

وَ فارَ التَّنُّورُ (1) و هكذا، كله من الأمر بالمعنى المزبور، إلا أن الاختلاف في الخصوصيات و اللواحق هنا، كالاختلاف في سائر الأسماء و الألفاظ المستعملة في حقه تعالى و تقدس، فلا تخلط.

فعلى ما تقرر: إن الأمر مشترك معنوي، و الموضوع له هي الهيئات بما لها من المعاني، و بذلك يخرج الأوامر الامتحانية عن كونها أوامر، لأنها غير مستعملة فيما هو معانيها حقيقة، فتأمل.

و أما توهم استعمال الأمر في الفعل العجيب‏ (2)، فهو غير ثابت، و لعله بكسر «الهمزة» كما في قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (3) فوقع الخلط.

و أما توهم استعماله في الشأن‏ (4)، كما يقال: «شغلني أمر كذا» فلا يبعد كونه لأجل كونه مورد الأمر، أو مورد الطلب.

و توهم استعماله في مطلق الفعل‏ (5) كما في قوله تعالى: وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (6) فهو فاسد، لأنه مسبوق بقوله تعالى: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ‏ (7).

فبالجملة: إلى هنا و صلت الأقوال في المسألة إلى أربعة أو خمسة:

الاشتراك المعنوي بتصوير الجامع، و هو ممتنع و باطل.

الاشتراك اللفظي بين معناه الاشتقاقي و الجامد، و هو أيضا ممتنع.

____________

(1)- هود (11): 40، المؤمنون (23): 27.

(2)- كفاية الأصول: 81.

(3)- الكهف (18): 71.

(4)- كفاية الأصول: 81.

(5)- نفس المصدر.

(6)- هود (11): 97.

(7)- نفس المصدر.

8

الاشتراك المعنوي بإرجاع جميع المعاني في مختلف الاستعمالات إلى معنى واحد، و هو الهيئات المستعملة في معانيها، و هذا موافق أيضا لما يستفاد من الاستعمالات.

و أما ما يقال: «من أن «الأمر» يجمع على «أوامر» فيما إذا أريد منه معناه الاشتقاقي، و يجمع على «أمور» فيما كان المراد منه المعنى الجامد» (1) فهو خلاف ما صرح به «أقرب الموارد» (2).

و إن كان لا بد لك من الالتزام بالأمرين، فقل:

أحدهما: مادة «الأمر» و هي موضوعة لتلك الصيغ بما لها من المعاني، و بما أنها أمر حدثي، كما يقال: «زيد أمرني» أي قال مثلا: «اضرب» أو «يأمرني» أي يقول: «اضرب» أو «زيد مأمور من قبل كذا» أي قال له مثلا «افعل كذا» فمنه يعلم:

أن الموضوع له هي الصيغ بما لها من المعنى الحدثي.

ثانيهما: «أمر» مادة، و هيئة، فإنه موضوع لمعنى جامد يجمع على «أمور» و هذا أقرب إلى الصواب من سائر المحتملات.

نعم، لا يبعد كون المعنى الثاني موضوعا بالوضع التخصصي، و المعنى الأول موضوعا بالوضع التخصيصي، أي أن الأمر المصدري استعمل مرارا في معنى آخر، حتى صار بهيئته ذا وضع آخر، كما هو مختار بعض الأجلة في عدة من المشتقات، ك «المجتهد و الكاتب و المعلم و الوزير» و غير ذلك‏ (3).

تنبيه: بناء على ما ذكرنا، فلا دلالة في هذه المادة على الطلب، لما عرفت:

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 252، منتهى الأصول 1: 111.

(2)- أقرب الموارد 1: 18.

(3)- لاحظ بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 97 و 178.

9

من أن «الطلب» ليس من معانيه‏ (1)، ضرورة أن في حقيقة الأمر اعتبر الاستعلاء، أو العلو، على سبيل منع الخلو، و ليس هذا إلا لإفادة تلك المادة ذلك، و هذا ليس متبادرا من معنى الطلب، بل ربما ينعكس، فإنه إذا قال أحد لصديقه مثلا: «افعل لي كذا» فيسأله: «أ تأمرني بذلك» و هو يجيبه: «كلا، بل أطلبه منك».

و توهم تصريح اللغويين بذلك‏ (2) فاسد، لعدم دلالته على أنه معناه بالترادف، بل بناء اللغويين على نقل الطالب إلى معنى اللغة بوجه، و إلا فلا بدّ من الالتزام بالترادف في جميع اللغات المفسرة بعضها ببعض، بل يلزم وجوب الترادف، و إلا يمتنع تدوين كتب اللغة.

فإذا ورد في رواية «آمرك بكذا» فمعناه «أنه أقول لك افعله» فالمدار في الوجوب و الاستحباب هذه الهيئة، دون تلك الهيئة، و لا معنى لكونها دالة على غير ما هو الموضوع له.

نعم، له إنشاء مفاد تلك الصيغ الموضوع لها بهذا اللفظ، كما في كثير من المواقف، و سيأتي زيادة تنقيح‏ (3). و بما أشرنا إليه يظهر مواضع الاشتباه و الخلط في كلمات الأعلام‏ (4).

تذنيب: في بعض صور الشك في معنى «الأمر»

إذا شك في مورد في معنى «الأمر» فمع القرينة فهو، و إلا فالرجوع إلى‏

____________

(1)- تقدم في الصفحة 6.

(2)- تشريح الأصول: 65- 66.

(3)- يأتي في الصفحة 17- 18.

(4)- الفصول الغروية: 63- السطر 4، لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 195.

10

المرجحات المذكورة في الكتب المفصلة (1) غير جائز. و مع ثبوت أحد المعاني فهو المأخوذ.

و لو شك في النقل، فأصالة اتحاد العرفين محكمة. و مع ثبوت المعنيين أو الأكثر، لا بد من القرينة المعينة. و الأمر بعد ذلك كله سهل.

____________

(1)- قوانين الأصول 1: 32، مفاتيح الأصول: 88- 95، الفصول الغروية: 40، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 94- 111.

11

الأمر الثاني حول اعتبار العلو و الاستعلاء في مفهوم الأمر

اختلفت كلماتهم في اعتبار العلو و الاستعلاء في مفهوم «الأمر» و عدمه، على أقوال: فمن قائل: بأنهما معا معتبران، أما الأول: فللوجدان و التبادر، و أما الثاني:

فلعدم صدقه على طلب المولى من العبد في محيط الأنس و التلطيف، و إليه ذهب الوالد المحقق- مد ظله- (1).

و فيه: أن التلطف و الالتماس و الاستدعاء يضر بآمريته، لاشتراط أعدامها في صدق «الأمر» فالدليل أخص من المدعى.

و من قائل بعدم اعتبارهما فيه، لأن الطلب ينقسم إلى قسمين: طلب يسمى «أمرا» و طلب يسمى «دعاء» و يعبر عنهما بالفارسية «فرمان» و «خواهش» فإذا بعث أحد أحدا بداعي إثبات أن نفس أمره باعث، فهو أمر، و إذا كان بداعي انبعاثه عن البعث مع ضم الضمائم الاخر إليه- من الالتماس و الدعاء- فهو ليس أمرا، فلا يعتبر في مفهومه العلو و الاستعلاء.

____________

(1)- مناهج الوصول 1: 239- 240، تهذيب الأصول 1: 133.

12

و بعبارة أخرى: لا ينبغي أن يصدر في الفرض الأول إلا ما يعد أمرا، و في الفرض الثاني إلا ما لا يعد أمرا. هذا ما أفاده سيدنا الأستاذ البروجردي‏ (1).

و وهنه واضح، لعدم إمكان الالتزام بعدم أخذهما أو واحد منهما في مفهومه، مع عدم كونه لائقا إلا من الشخص المزبور، فالتضييق من غير التقييد ممتنع، و مع عدم التقييد فلا بدّ من الصدق في الفرضين.

و من قائل: إن المأخوذ فيه هو العلو، و عليه أكثر الأعلام‏ (2).

و فيه: أن مجرد العلو الذاتي الواقعي، غير كاف في صدق «الأمر» وجدانا، فإن الأمر أخص منه، كما إن كلمة «فرمان» في الفارسية أخص من «الأمر» فإنه مأخوذ فيه بعض اللواحق الاخر.

و قد يقال: بأن المعتبر هو العلو مع عدم الانخفاض‏ (3).

و قد يقال: باعتبار العلو، أو الاستعلاء، على سبيل منع الخلو (4)، و المقصود اعتبار العلو الحقيقي أو الادعائي، فإنه أيضا كاف في صدقه‏ (5).

و توهم امتناع تصوير الجامع كما في كتاب العلامة الأراكي‏ (6)، في غير محله، فإن ما هو الجامع هو العلو المزبور، فتدبر. هذا ما عندهم.

و الّذي ينبغي الإشارة إليه أولا: هو أن من الواجبات الإلهية، الأمر

____________

(1)- نهاية الأصول: 86- 87.

(2)- بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 201، كفاية الأصول: 83، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 129، مقالات الأصول 1: 207، محاضرات في أصول الفقه 2: 13.

(3)- هداية المسترشدين: 132- السطر 21- 23.

(4)- إشارات الأصول: 80.

(5)- نفس المصدر.

(6)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 196.

13

بالمعروف و النهي عن المنكر، و بناء الفقهاء إلى زماننا هذا على وجوبه العمومي على كافة الناس، من غير تقييد بكون الآمر لا بد و أن يكون عاليا مستعليا، بل يجب عندهم الأمر بالمعروف على السافل بالنسبة إلى العالي المستعلي، و عند ذلك يلزم أحد أمرين:

إما الالتزام بعدم اعتبارهما مفهوما، و أن مطلق البعث أمر و لو كان مصحوبا بالاستدعاء و الالتماس.

و إما الالتزام بأن ما هو الواجب ليس مشتركا فيه كافة الناس، بل هو مخصوص بجمعية معينة لذلك و هذا من المقامات و المناصب، كما هو الآن كذلك في بعض الدول الإسلامية.

و الّذي يساعده الذوق و بعض الآيات و الروايات هو الثاني، و ما هو قضية الاتفاق و الإجماع هو الأول.

و توهم: أن عمومية الحكم تستفاد من دليل آخر، غير تام.

إن قلت: ما هو محل البحث هو الأمر المولوي، و أما سائر الأوامر- و منها الإرشاديات- فلا يعتبر فيها العلو و الاستعلاء، فعليه يسقط الإشكال من أساسه‏ (1).

قلت أولا: تقسيم الأوامر إلى هذه الأقسام، دليل على أن «الأمر» يصدق على تلك البعوث و التحريكات.

و ثانيا: المسألة لغوية، و الأصحاب اعتبروا العلو، لأجل التبادر، و قد ورد في الكتاب و السنة كلمة «الأمر بالمعروف» إلى حد لا تعد و لا تحصى، فالآمرون بالمعروف ينحصرون بالذين لهم العلو الواقعي، قضاء لحق كلمة «الأمر» و لعل الأمر في كلمة «الناهين» كذلك.

____________

(1)- لاحظ نهاية النهاية 1: 90.

14

و توهم: أن هذه المسألة أصولية، بدعوى: أن العلو معتبر في الأوامر التي يجب إطاعتها، دون مطلق الأمر، غير تام، لمخالفة كلماتهم لذلك، و لأن الأوامر الواجبة إطاعتها، ليست مقيدة بكونها صادرة عن علو، فإن إطاعة الزوج و الوالد و السيد، واجبة على الزوجة و الولد و العبد، مع أن من الممكن علو هؤلاء عليهم فلا تخلط.

و الّذي هو الحق في المسألة الفقهية المشار إليها، غير واضح بعد عندي، و قد احتملنا اختصاص ذلك بطائفة، و أن الأمر بالمعروف من المناصب التي لا بد من كونها بيد الحاكم و الوالي، و إلا يلزم في بيان معروف واحد منكرات عديدة، كما نشاهدها بالوجدان، و لا نبالي بالالتزام بذلك و إن قلنا: بأن العلو غير معتبر في صدق «الأمر» لأن دليل تلك المسألة ليس هذا الوجه فقط، بل هذا من المؤيدات.

و أما ما هو الحق في هذه المسألة: فهو أن تقسيم الأوامر إلى الأوامر المختلفة، كالامتحانية، و الإرشادية و الغيرية، و إطلاق «فعل الأمر» في الكتب الأدبية على الصيغ الخاصة من غير النّظر إلى القيد الزائد، و مقابلة النهي مع الأمر، و عدم اعتبار قيد العلو و الاستعلاء فيه، مع أنهما يستعملان معا في الكتاب و السنة، و ذهاب الفقهاء من الفريقين إلى وجوب الأمر بالمعروف على كافة الناس بالنسبة إلى كل أحد، من غير إشعارهم بخصوصية العلو في الآمرين، و حكاية فعل من بعث العالي إلى المعروف «بأنه أمر بكذا» من غير استعلاء منه في ذلك، و أنه إذا صنع ذلك امتثل قوله تعالى: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏ (1) و قوله تعالى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏ (2) و هكذا من غير انتظار، و غير ذلك مما يطلع عليه الفكور، كلها شاهدة على عدم أخذ

____________

(1)- التوبة (9): 112.

(2)- آل عمران (3): 110.

15

العلو و الاستعلاء في مفهومه.

و لا ينبغي لأرباب النّظر الخلط بين الاستعمالات الخاصة في أفق من الزمان الواضحة مناشئها، و بين ما هو معنى اللغة و المادة.

و مما يؤيد مقالتنا: أن الأوامر الصادرة من الأزواج و الآباء و السادة، بالنسبة إلى الزوجات و الأبناء و العبيد، واجبة الإطاعة، مع أنها كثيرا ما لا تصدر من العالي، كيف؟! و يمكن كون الزوجة عالية على زوجها بالعلم و المال و الجاه و المقام، و هكذا في الابن و العبد، و لو كانت هي الالتماس و الاستدعاء، لما كان وجه لوجوب الطاعة عند العقلاء، كما لا يخفى.

و توهم كفاية الاستعلاء، كتوهم: أن العلو الاعتباري المزبور كاف، و من الممكن دعوى: أن الاستعلاء المعتبر ليس إلا العلو، لعدم إمكان التفكيك بينهما، لأن المراد من «العلو» هو العنوان المظهر، لا الأوصاف الذاتيّة، فعليه يكفي العلو، و هو في الأمثلة المزبورة موجود.

و أنت خبير بفساد ذلك، فإن العلو المعتبر هو المعنى العرفي، فربما يكون لهؤلاء المذكورين، علو عرفي على مقابليهم، مع وجوب إطاعتهم على هؤلاء، فلا تغفل.

و مما يؤكد مرامنا، تقسيمه إلى الأوامر الواجبة و المندوبة، مع أن المتفاهم على ما يتراءى من مرادفاته كما في الفارسية- و هو كلمة «فرمان»- لا يناسب الندب و الترخيص في الترك، فيعلم من ذلك: أن كلمة «فرمان» ليست مساوقة «للأمر» و لا كلمة «دستور» مساوقة له.

ثم إن المراجعة إلى كتب اللغة و ما وصل منهم إلينا، تعطي عدم صحة ما بنوا عليه، و الفحص عن المشتقات يؤدي إلى الاطمئنان بفساد ما قالوا، و ليس فيها شي‏ء

16

يعطي اعتبار العلو أو الاستعلاء في صدق هذه الكلمة (1).

بل المستفاد من اشتقاقاتها عكس ذلك، فقال في «الأقرب» (2): «معنى‏ يَأْتَمِرُونَ بِكَ‏ (3) أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك، و في قتلك. و الأمير قائد الأعمي، و الجار، و المشاور، و زوج المرأة».

و أنت تعلم: أن الكل مشترك في معنى واحد و هو الأمر، و هو البعث الأعم من العالي أو الداني.

و أما إطلاق «أولي الأمر» أو «صاحب الأمر» على الرئيس و السلطان، فلا يستلزم قصور الكلمة في الصدق على الآخر، فليتدبر.

و مما يؤيد ذلك تفسيره في اللغة ب «الطلب» مع عدم اعتبارهما فيه، كما أشير إليه‏ (4).

و ما ذكرناه سابقا (5) فهو من باب إلزام الخصم. نعم لا شبهة في أن الطلب أعم من الأمر، لأنه إذا طلبه بالإشارة أو بسائر الجمل، يقال: «طلبه» حقيقة، و لا يقال:

«أمره» إلا لكونها مفيدة فائدة الأمر.

____________

(1)- لاحظ مقاييس اللغة 1: 137، المصباح المنير: 29، لسان العرب 1: 203.

(2)- أقرب الموارد 1: 18.

(3)- القصص (28): 20.

(4)- تقدم في الصفحة 6.

(5)- تقدم في الصفحة 9.

17

الأمر الثالث حول عدم دلالة مادة الأمر على الطلب‏

بناء على كون مادة الأمر دالة على الطلب، فهل هي لمطلق الطلب- كما اختاره العلامة الأراكي و بعض آخر (1)- بالوضع، و إن كانت مفيدة للوجوب فيما إذا كان لها الإطلاق؟

أو للطلب الإلزاميّ، كما عليه الوالد المحقق- مد ظله- معللا بالتبادر، و قائلا:

«إن المقام ليس موقف التمسك بالإطلاق، بل مورده صيغة الأمر، لا مادته»؟ (2) أو لا هذا و لا ذاك، كما هو مختارنا؟ ضرورة أن مادة الأمر، لا تحكي إلا عن الموضوع له، و ما هو الموضوع له الهيئات المستعملة في معانيها، و تكون هي بنفسها فارغة عن الوجوب و الندب.

مثلا: قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ (3) ليس فيه إنشاء

____________

(1)- مقالات الأصول 1: 206، منتهى الأصول 1: 112.

(2)- مناهج الوصول 1: 241.

(3)- النور (24): 63.

18

طلب، حتى يقال: هو الطلب الوجوبيّ، أو الاستحبابي، بل هذه إفادة حاكية عن صيغ الأمر، و أنه من هذه الآية يعلم كونها موضوعة للوجوب.

و هكذا قوله تعالى: إِذْ أَمَرْتُكَ‏ (1) فإنه ناظر إلى ما أمره به بقوله:

اسْجُدُوا لِآدَمَ* (2).

و كذا قوله تعالى: يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ* (3) فإنه أيضا ليس إلا دالا على أن الوصل واجب، و مورد الأمر بالصيغة. هكذا حررنا في «التفسير الكبير» (4).

إلى غير ذلك مما استشهد به في المقام فإن كل ذلك أجنبي عن المسألة.

نعم، يصح الاستدلال بها في المسألة الآتية (5) في صيغ الأمر، و أنها موضوعة للوجوب أم لا.

فبالجملة: كون مادة الأمر موضوعة للطلب، معناه: أنه يمكن إنشاء الطلب بها، مع أن الإنشاء من المعاني الحرفية و الإيجادية التي تكون من خواص الهيئات نوعا، دون المواد، فتلك المادة أجنبية في أصل وضعها عن كونها للطلب، فضلا عن كونها للإنشاء، و فضلا عن البحث عن أنها لمطلق الطلب، أو الطلب الإلزاميّ.

نعم، قد يتمكن المستعمل من إنشاء الطلب بها، كما في قولك: «آمرك أن تعيد صلاتك» فإن هيئة «آمر» ليست مستعملة في المعنى الاستقبالي، بل هي مفيدة المعنى الآخر، فهل تستعمل هي في الإنشاء، أم هي استعملت في المعنى الآخر؟

ثم إن مادة الأمر، كيف يمكن استعمالها في المعنى الطلبي و الإنشائيّ، مع أنه‏

____________

(1)- الأعراف (7): 12.

(2)- الأعراف (7): 11.

(3)- البقرة (2): 27.

(4)- تفسير القرآن الكريم، المؤلف (قدس سره) (سورة البقرة: 27، مسائل اللغة و الصرف، المسألة 14).

(5)- يأتي في الصفحة 77.

19

لا يمكن إلا مجازا، ضرورة أن تلك المادة، وضعت للهيئات و للصيغ المستعملة في الإنشاء و الطلب، فمفادها هي الإرادة المظهرة و الطلب المظهر بغيرها، فكيف يصح استعمالها في المعنى الإيجادي، و كيف يعقل إيجاد شي‏ء بها؟

فهنا إشكالان:

أحدهما: مخصوص بهيئة «آمر» المستعملة في غير المعنى الموضوع له.

ثانيهما: مخصوص بمادة «الأمر» المستعملة في الإنشاء، مع أنها موضوعة للحكاية عن الهيئات المستعملة بما لها من المعاني، كما مر تفصيله‏ (1).

أما الإشكال في الجهة الأولى، فمندفع: بأن هيئة المضارع- على ما مر- لا تدل على الحكاية عن المستقبل، بل هي موضوعة للأعم.

و أما الجهة الثانية، فيندفع: «بأن هذه المادة أقيمت مقام هيئة الأمر، لمناسبة مقتضية، و كأنه إذا قيل: «آمرك بكذا» أي «أقول لك افعل كذلك» فيحصل المعنى الإنشائيّ بهذه المادة في خصوص هذه الأمثلة تجريدا، أو غير ذلك مما يمكن توهمه. فالبحث الّذي عنونه الأصحاب في المقام حول مادة الأمر ساقط، و الاستشهادات التي ذكروها أجنبية، كما عرفت.

و أما أن مفاد هذا الإنشاء الحاصل بتوسط تلك المادة، هو مطلق الطلب، أو الطلب الإلزاميّ، فهو أيضا غير صحيح، لأن تلك المادة أقيمت مقام الهيئة، أي كأنها معنى اسمي أقيم مقام المعاني الحرفية كما هو الرائج، فإن كانت الهيئة مفيدة الوجوب أو الندب أو غير ذلك، فهي مثلها من غير زيادة و نقيصة، و إن كانت تفيد ذلك بمقدمات الحكمة، فهي أيضا كذلك، فما ترى من منع جريان مقدمات الحكمة في مثلها (2)، في غير محله، فافهم و اغتنم.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 8.

(2)- مناهج الوصول 1: 242.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الأمر الرابع في الطلب و الإرادة

قد اختلفت كلماتهم في اتحاد الطلب- الّذي هو معنى الأمر عندهم- مع الإرادة مفهوما، أو هو مصداقا، أو لا هو مفهوما، و لا مصداقا، على أقوال ثلاثة:

فعن المشهور من الإمامية و المعتزلة: هو الاتحاد مصداقا (1).

و عن بعض آخر: اتحادهما مفهوما (2).

و عن الأشاعرة: اختلافهما مصداقا و مفهوما (3).

و لما عرفت منا سقوط المعنى المشهور من كونه بمعنى الطلب، بل الأمر بمادته موضوع للصيغ بما لها من المعاني، و لا ربط له بالطلب و نحوه في عالم المفهومية (4)، سقط البحث عن هذه المسألة هنا، لعدم ربط لها بالمقام.

____________

(1)- كشف المراد: 223، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي: 198.

(2)- كفاية الأصول: 85.

(3)- لاحظ نقد المحصل: 170، شرح المواقف 8: 93، شرح التجريد، القوشچي: 246.

(4)- تقدم في الصفحة 9.

22

و العجب أن الأعلام أوقعوا أنفسهم في مسألة و عويصة أجنبية عن هذه المسائل، و بعيدة عن أفهام المحققين، فضلا عن المشتغلين بالعلوم الاعتبارية!! و كأن ذلك لمجرد المساس، و لتناسب بعيد جدا، فإن من كون الأمر بمعنى الطلب، ذهب ذهنهم إلى الطلب و الإرادة، و من لفظة «الإرادة» سافر إدراكهم إلى الإرادة التكوينية و التشريعية، و من تلك الصفة إلى اختياريتها و لا اختياريتها، و من ذلك إلى مسألة الجبر و التفويض، و لما عرفت منا انقطاع رأس السلسلة، و أجنبية مادة الأمر عن مفهوم الطلب، تسقط هذه العواقب المستتبعة.

و لكن لعدم خلو كتابنا من بعض ما يقرب من أفهام المحصلين- من المسائل المربوطة في المقام هنا باللغة، و الأصول، و الكلام، دون الفلسفة العليا- نشير إلى تلك المسائل في ضمن جهات:

الجهة الأولى: في أن المسألة ليست لغوية

قد يستظهر من بعض الأفاضل: أن المسألة لغوية، و أن الاختلاف بين هؤلاء الفحول، يرجع إلى اختلاف في المفهوم اللغوي، و أن البحث في هذه المرحلة انجر إلى المقاتلة و سفك الدماء، و كان المأمون يحبس الأشاعرة أزمنة طويلة، لقولهم باختلاف الإرادة و الطلب مثلا. و لا أظن أن يتفوه به بعد ذلك أحد، فما يظهر من «الكفاية» (1) و بعض آخر (2)، في غاية الإشكال.

نعم، ربما يمكن تأييد بعض المباحث العلمية بالمتبادرات من المفاهيم اللغوية، فيقال: بأن اختلاف مفهومهما كاشف عن اختلاف الهوية و الوجود.

____________

(1)- كفاية الأصول: 85.

(2)- نهاية النهاية 1: 94.

23

و فيه: أن هذا لو تم لا يدل على ذلك، أ فما سمعت: «باختلاف مفهوم الوجود و الوحدة، مع اتحادهما مصداقا» و غير ذلك من الألفاظ المتساوقة، ك «الإنسان و الناطق»؟! نعم إذا ثبت اتحادهما مفهوما، فلا يعقل الالتزام بالاثنينية، لامتناع ذلك بالضرورة، و حيث إن اختلافهما مفهوما مما لا غبار عليه، فلا شهادة من ناحية اللغة على البحث العلمي في المقام‏ (1).

و ربما يخطر بالبال دعوى الاتحاد المفهومي، ضرورة أن حسب اللغة تكون كلمة «راد يرود» بمعنى الطلب، و الآن يستعمل الإرادة في الطلب في العرف الدارج و استعمال الإرادة في الصفة النفسانيّة من المجاز، للتلازم بين الصفة المزبورة و الإنشاء و البعث المظهر فإذا قيل: «فلان أرادك» أي طلبك، و إذا قيل: «فلان طالب العلم» أي يريده.

و فيه: أن مادة «الإرادة» «راد يرود» و في القرآن الكريم: وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ‏ (2) و هي بمعنى الطلب الخاصّ.

و أما الإرادة، فبحسب اللغة فسرت بالتحميل على أمر و شي‏ء، و بحسب الاستعمال تارة: يراد منها الاشتهاء، كقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ‏ (3) أو إِذا أَرادَ شَيْئاً (4) أو تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ‏ (5) و غير ذلك.

و أخرى: تستعمل في المعنى المظهر و الطلب الظاهر، كما في بعض الزيارات:

____________

(1)- لاحظ تشريح الأصول: 66.

(2)- يوسف (12): 23.

(3)- الأحزاب (33): 33.

(4)- يس (36): 82.

(5)- القصص (28): 83.

24

«و إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم» (1).

فبالجملة: ما تسلمه الأصحاب- رضي اللَّه عنهم-: من اختلاف مفهومهما واقعا، و بحسب اللغة، غير واضح السبيل، بل لا يبعد اتحادهما في موارد الاستعمالات.

نعم، ربما يستعمل الإرادة في الأفعال الراجعة إلى المريد، من غير صحة استعمال الطلب، فلعله شاهد على أن المفاهيم بحسب اللغة مختلفة، و الأمر- بعد ما عرفت- سهل جدا.

بحث و تذييل: في عدم أصولية المسألة بل هي كلامية و فلسفية

ربما يمكن دعوى: أن المسألة أصولية، و أن النزاع في المقام يرجع إلى بحث أصولي، لأن النزاع يكون في أن مدلول الأمر، هل هو الإرادة، و الطلب متحد معها، أو منطبق على الكاشف عنها، كي تكون كاشفة عن الإرادة عند الإمامية و المعتزلة، و كاشفة أيضا عن الطلب، فيترتب على الصيغة ما يترتب عليها؟

أو لا تكون كاشفة عند الأشاعرة، فلا يترتب عليها ما يترتب عليها من الأحكام.

و فيه: أن مجرد ذلك لا يكفي لاندراجها في المباحث الأصولية، فما يظهر من العلامة الأصفهاني‏ (2) غير سديد. هذا مع أن النزاع في المقام، ليس في مسألة أصولية بالضرورة، كما يظهر من الأدلة الآتية.

مع أن ما هو الموضوع لبناء العقلاء أو حكم العقل من لزوم الامتثال عقيب الأمر، ليس لأجل انكشاف الإرادة بعنوانها أو الطلب بمفهومه بالأمر، حتى إذا أنكرنا حقيقة الإرادة حتى في المخلوق، و قلنا: هي العلم بالصلاح، و لا صفة زائدة

____________

(1)- كامل الزيارات 2: 200، بحار الأنوار 98: 151.

(2)- نهاية الدراية 1: 261.

25

على القدرة و العلم في النّفس، يلزم عدم لزوم الامتثال.

فعلى هذا، تكون المسألة ذات جنبتين:

إحداهما: كونها كلامية إذا نظرنا إليها لأجل البحث حول الباري عز اسمه، و أن في ذاته تعالى- زائدا على أوصافه- تكون صفة أخرى مسماة ب «الطلب و الكلام النفسيّ» بالوجه الّذي يأتي، و إن لم تساعده اللغة فرضا، أو لا صفة له تعالى بذلك الاسم قبال علمه و قدرته و حكمته.

ثانيتهما: كونها عقلية و فلسفية إذا نظرنا إلى أن في دار التحقق، هل يكون للأمر الكذائي حد و ماهية، أم لا؟ و على الأول: ما هو حده و ماهيته؟ فالبحث عن أصل تحققه بحث مقدمي في الفلسفة العليا، كالبحث عن أصل تحقق الوجود، إلا على وجه سلكناه في «قواعدنا الحكمية» (1).

الجهة الثانية: في الإشارة الإجمالية إلى تاريخ المسألة

فإن له قدما في فهم ما هو المقصود في الباب.

كان الناس في أول طلوع الإسلام إلى زمان التابعين و بعدهم بمدة قصيرة، يأخذون المسائل الاعتقادية عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و عن الأصحاب الخواصّ، و أمير المؤمنين عليه صلوات المصلين، و كانت شواغلهم في حياتهم الاجتماعية و السياسية، مانعة عن الغور في المباحث العقلية و الموضوعات الاعتقادية، و سدا عن التفكر فيما هو الخارج عن محيطهم البدوي، و أفقهم البسيط.

و بعد اختلاط المسلمين بغيرهم و امتزاجهم، و بعد تمامية عصر الخلفاء- و هو عصر إشغال الحواس و الأفكار- شرعوا رويدا رويدا في هذه المباحث، بعد ظهور

____________

(1)- القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

26

كبرياتها العقلية و مطالبها العالية- بنحو الإيماء و الإشارة- عن أمير المؤمنين إلى زمان السجاد و الباقر (عليهم السلام).

و من الباحثين عن تلك الأمور و الغائرين فيها، الحسن البصري- أسير عين التمر- فإنه كان رئيسا في حلقة من الحلقات العلمية، و يتفكر في المسائل العقلية الراجعة إليه تعالى و تقدس، فاتفق في يوم تشاح بينه و بين واصل بن عطاء في مسألة، فاعتزل عنه، فبدأ نشوء المعتزلة باعتزاله، حتى وصلت النوبة إلى أبي الحسن الأشعري- من معاصري الكليني، و أحفاد أبي موسى الأشعري المعروف- فخالف مرامهم، و أيد ما وصل إليهم من البصري، و اختلفوا مذهبه بعد ما اندرس‏ (1)، فصارت الأمة الإسلامية- حسب الاعتقادات الكلامية- بين هاتين: معتزلة، و أشاعرة. و في مقابلهم الإمامية الذين يأخذون المعتقدات من الوحي و التنزيل، و أصحابه و أربابه.

و تلك المسألة التي مضت الإشارة إليها، كانت مسألة تكلم الباري جل اسمه، و سبب النزاع في هذا، هو التخاصم في أن القرآن حادث، أم قديم، و قد حكي أن التشاجر بين الفريقين بلغ إلى حد أريق فيه الدماء الكثيرة، و المأمون كان من المعتزلة، و يحارب المخالفين، و يحبسهم لأجل اعتقادهم بقدم القرآن، و لما كان البحث حول كلامه تعالى سمي الباحث ب «المتكلم» (2).

فتحصل إلى هنا: أن هذه المسألة، نشأت عن مسألة كلامية اعتقادية، غير راجعة إلى مباحث الأصول و اللغة قطعا، و الإمامية و المعتزلة يقولون: بأن الطلب و الإرادة متحدان، و الأشاعرة يدعون الافتراق.

و غرضهم من ذلك: أن الأشاعرة يدعون: أن وراء العلم و القدرة و الإرادة،

____________

(1)- الملل و النحل، الشهرستاني 1: 36 و 85.

(2)- الملل و النحل، الشهرستاني 1: 36.

27

صفة أخرى تسمى ب «الكلام النفسيّ» و هؤلاء ينكرون ذلك: بأنا إذا راجعنا وجداننا، لا نجد وراءها أمرا آخر يسمى به.

أو أن الأشاعرة يدعون: أن وراء الزجر الإنشائيّ و الطلب الإنشائيّ، زجر و طلب حقيقي، و وراء الكلام اللفظي كلام نفسي، و يعرب عن ذلك قوله:

إن الكلام لفي الفؤاد و إنما * * * جعل اللسان على الفؤاد دليلا

(1)

الجهة الثالثة: فيما استدل به للأشعري على اختلاف الطلب و الإرادة

و هو أمور:

الأول: لا شبهة في وجود الأوامر الامتحانية، و لا إشكال في عدم كون الإرادة من مبادئها، و إلا يلزم اتحاد تلك الأوامر مع الأوامر الحقيقيّة، فما هو الفارق ليس إلا كون الطلب من مبادئها، و إلا يلزم أن لا تكون تلك الأوامر أوامر، مع أنها أوامر بالضرورة.

فبالجملة: لا يشترط في تحقق الأمر الإلزاميّ و هكذا النهي، استباقهما بالإرادة و الكراهة، فإنهما من المبادئ الوجودية للأمر و النهي الحقيقيّين المتعلقين بالمواد واقعا، بل ربما يكون أمر آخر وراءهما مبدأ لهما، و هو الطلب النفسانيّ، و الكلام النفسيّ.

و لا يمكن إنكار ذلك، لأن مجرد التصور و التصديق و القدرة غير كاف، و لا ثالث إلا ذلك، فلا وجه للتمسك بعدم الوجدان، كما في كلام المعتزلي و الإمامي، لأنه أعم، و البرهان قائم على لزومه و إن خفي على النّفس نيله و تحصيله‏ (2).

و العجب من العلامة النائيني (رحمه اللَّه) من تخيل التزام الأشعري بالطلب مجامعا

____________

(1)- منسوب إلى الأخطل، لاحظ شرح المقاصد 4: 150.

(2)- شرح المقاصد 4: 194، شرح المواقف 8: 94، شرح التجريد، القوشچي: 246.

28

للإرادة!! (1) مع أن الأمر ليس كذلك، بل هو بصدد إثبات الأمر الآخر وراءهما عند فقدها، كما سيظهر من سائر البراهين القائمة عليه.

أقول: فيما مر جهات من النّظر ربما تظهر تدريجا فيما يأتي. و الّذي هو مورد البحث هنا: هو أن الأوامر الامتحانية و غير الامتحانية، مشتركة- من جميع الجهات- في السلسلة الطولية و المعاليل و الغايات، من لزوم التصور، و التصديق، و غير ذلك، و إنما الاختلاف بينهما في الدواعي، فإن الآمر إذا لاحظ قيام غرضه بالضرب، يترشح منه- بعد التصديق- إرادة إلى إيجاد الهيئة الباعثة إلى الضرب، فيريد ذلك، و يتحقق المراد بتبع الإرادة.

و إذا لاحظ امتحان طفله، يرى أن هذا لا يحصل إلا بأمره نحو شي‏ء، فيوجد الهيئة الباعثة إلى الضرب.

فما هو الداعي في الأول، لا يحصل إلا بالضرب بوجوده الخارجي، و لكن لا يريد الضرب، بل يريد البعث إلى الضرب، بإيجاد الهيئة الموضوعة له.

و ما هو الداعي في الثاني، هو الاطلاع على حدود تأثير الأمر و حد انقياد المأمور و الطفل، فلا شي‏ء وراء الإرادة في جميع الأوامر. و توهم تعلق الإرادة بصدور الضرب‏ (2)، من الواضح بطلانه كما يأتي.

نعم، الإرادة بمعنى الحب و الاشتهاء و الميل و الكيف النفسانيّ، متعلقة بالضرب، و لكنها غير الإرادة بمعنى المبدأ الفعال، و بمعنى الأمر الحاصل بفعالية النّفس، فلا تخلط.

فتوهم: أن البعث و الزجر صوري هنا، و لا واقعية له‏ (3)، منشأه الخلط بين‏

____________

(1)- فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 131- 133.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203، منتهى الأصول 1: 117.

(3)- الفصول الغروية: 68- السطر 29، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203.

29

الأغراض و الدواعي. فما يظهر من صاحب «الكفاية»: من تقسيم الإرادة إلى الإنشائية، و التكوينية الجدية الحقيقية (1)- لو تم- فهو بلحاظ أن الإرادة التشريعية، هي التي تعلقت بالقانون و البعث، قبال إرادة الفاعل، فإنها تعلقت بالضرب.

و أما توهم: أن الإرادة في التشريع غير الإرادة في التكوين، فهو واضح المنع، لأن كل فعل صادر من الفاعل المختار مسبوق بالإرادة، إلا أن الاختلاف في الدواعي و متعلقات الإرادة. و ما أفاده العلامة الأراكي (رحمه اللَّه)(2) هنا، في غاية الوهن، و لا حاجة إلى نقله و نقده، و العذر منهم أنهم ليسوا من أهله.

الثاني: لا شبهة في استحقاق الكفار بل مطلق العصاة للعقاب، و لا شبهة في أن صحة العقوبة، منوطة بترشح الإرادة الجدية من المولى متوجهة إلى أفعالهم و أعمالهم، و لا كلام في أن إرادته تعالى علة الإيجاد، فلا يعقل التفكيك بينها و بين متعلقها، فلا بد من الالتزام بأمر آخر وراء الإرادة، و هو المسمى ب «الطلب و الكلام النفسيّ» و إلا يلزم عدم صحة العقوبة، بل و عدم استحقاقهم‏ (3).

و أنت ترى: أن الأشعري التزم بهذه الصفة للبرهان العقلي، و إلا فلا منع من قبله- عند فساده- من إنكار مرامه، كما عرفت: أنه يريد إثبات أمر غير الإرادة في موقفها، لا مجامعا لها، و أن المسألة عقلية، لا لغوية، و أنه لا يمكن الإصلاح بين الفرق المذكورة، بحمل حديث الاتحاد و العينية، على العينية مفهوما و مصداقا و إنشاء، و حمل حديث المغايرة و الاثنينية على اثنينية الإنشائيّ من الطلب، كما هو المتبادر منه بدوا، و الحقيقي من الإرادة كما هو المراد غالبا منها حين إطلاقها،

____________

(1)- كفاية الأصول: 84- 87.

(2)- مقالات الأصول 1: 216، نهاية الأفكار 1: 168- 169.

(3)- لاحظ كفاية الأصول: 88، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 199- 200.

30

فيرجع النزاع لفظيا. فما في «الكفاية» و غيره من إصلاح ذات البين‏ (1) حسن، و لكنه ليس بمصيب، فلا تغفل.

أقول: قد عرفت أن إرادة الأمر ليست متعلقة بالضرب و القتل و بالصوم و الصلاة، بل إرادة متعلقة بالبعث إليها و الزجر عن المحرمات، و عند ذلك لا يتخلف المراد عن الإرادة، بل هو حاصل.

و أما ما قيل: «بأن الإرادة متعلقة بصدور الفعل من المكلف عن اختيار» (2) فهو- مضافا إلى بطلانه كما مر- يلزم منه صدور الفعل مسبوقا بالاختيار، لعدم إمكان تخلف المراد عنها بالنسبة إلى إرادته تعالى، دون إرادتنا، فإنها ليست علة تامة، و لا جزءها الأخير فينا، و سيأتي الإيماء إليه إن شاء اللَّه تعالى.

و يمكن تقريب هذا البرهان بوجه آخر: و هو أنه تعالى و كل مولى إذا كان عالما بالكفر و العصيان، لا يتمكن من تشريح الإرادة الجدية بالنسبة إلى العبد المزبور، كما لا يعقل ترشيح الإرادة بالنسبة إلى بعث الحجر و العاجز و الجاهل و الناسي، مع حفظ العناوين، فإذن يلزم عدم استحقاق هؤلاء الكفرة الفجرة للعقوبة، لعدم إمكان تعلق الإرادة بالبعث أيضا، فلا بدّ من الالتزام بالطلب الّذي هو محقق استحقاق العقوبة، و لا إرادة بعد ذلك رأسا.

و عند ذلك تحصل المغايرة بين الطلب و الإرادة بالضرورة، فإنه إذا سئل عنه:

«هل يريد ذلك» أو «أراده» فلا جواب إلا: «أنه لم يرده» لعدم الأمر به، و عدم إظهاره، بعد كون الإرادة هي الفعل النفسانيّ، و من مقولة الفعل تسامحا، و إذا سئل‏

____________

(1)- كفاية الأصول: 85- 87، حاشية كفاية الأصول، المشكيني 1: 327، حاشية كفاية الأصول، القوچاني 1: 55.

(2)- كشف المراد: 307، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203.

31

عنه: «هل يطلبه و يشتهيه، و يميل إليه» فالجواب: «نعم».

فيعلم: أن هذا الطلب غير الإرادة المصطلحة قطعا، و إن أطلق على كل واحد منهما مفهوم الآخر، و لكن الغرض إثبات أمر آخر وراء صفة الإرادة و العلم و القدرة و الكراهة، و هو صفة الطلب الّذي هو من مقولة الانفعال، أو الكيف النفسانيّ، و لا يعقل اتحادهما مع اختلافهما بحسب المقولة.

فتحصل: أن تصحيح العقوبة لا ينحصر بالإرادة المظهرة، أو الإرادة نفسها، أو الطلب الإنشائيّ، بل ربما يكون تصحيح العقوبة بأمر آخر و هو الطلب، بل و الاشتهاء النفسانيّ غير البالغ إلى حد الإرادة، لأجل الموانع الراجعة إلى امتناع العبيد عن الإطاعة و الامتثال.

و لعمري، إنه بعد هذا التقريب، لا يتمكن الأعلام من حل هذا الإعضال، و هذا من غير فرق بين ما ذكرناه في مصب الإرادة التشريعية، و بين كون مصبها صدور الفعل عن الغير اختيارا، و بين كون مصبها إيصال الغير إلى الفائدة.

أقول: الخلط بين الخطابات الشخصية و الكلية القانونية، يورث إشكالات، و أوقع الأصحاب في انحرافات، و تفصيل ذلك يطلب من محاله، و لعل ذلك يأتي في مباحث الترتب‏ (1).

و إجماله: أن من شرائط الخطاب الشخصي، احتمال تأثير الأمر في المخاطب و المأمور، و إلا فلا تصدر الإرادة الجدية مع فقد الاحتمال، و لعل لذلك قال اللَّه تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً (2) لعدم إمكان أمره تعالى جدا، لعلمه بعدم انبعاثه مثلا.

____________

(1)- يأتي في الجزء الثالث: 437 و ما بعدها.

(2)- طه (20): 44.

32

و من شرائط الخطاب القانوني، احتمال تأثير القانون في المجتمع البشري، من غير ملاحظة الأفراد و الأشخاص، و من غير انحلال الخطاب إلى الخطابات، فإذا كان جميع المجتمع و الأمة، كافرين و متمردين و عاصين، فلا يعقل الخطاب القانوني الجدي أيضا، إلا من الغافل غير الملتفت.

فلا ينبغي توهم انحلاله إلى الكثير (1)، و شرطية احتمال الانبعاث في كل مخاطب بالخطاب العام بعد الانحلال، ضرورة أن الخطاب كالإخبار، فكما أن «كل نار حارة» لا يكون إخبارات كثيرة و إن كان ينحل إلى الإخبارات المتعددة، كذلك الإنشاء الكلي القانوني واحد، و المنشأ منحل إلى الكثير، و لذلك صح الخطاب لجميع الطوائف المشار إليها، بما فيهم العالم و القادر و الذاكر و غير المتمرد و المؤمن، و غير ذلك، بمقدار يصح جعل القانون، و يمكن ترشح الإرادة الجدية متعلقة بمثل هذا القانون الكلي العام، فافهم و اغتنم، فإنه مزال الأقدام. و هذا ما أفاده السيد الوالد المحقق- مد ظله- في المسائل الآتية (2)، و إن تغافل عنه هنا، و الأمر سهل.

و يمكن أن يقال: بأن قضية البرهان المزبور عدم صدور التكليف رأسا، لا كون الطلب مبدؤه.

الثالث: قضية البراهين مجبورية العباد و المكلفين في أفعالهم و أعمالهم، و لا تأثير لقدرتهم في شي‏ء منها، فلا معنى لتعلق إرادة اللَّه تعالى التشريعية و المولى الحقيقي بهذه الأعمال العاجز عنها العباد، فيلزم عدم تعلق التكاليف بهم، و هو خلاف الضرورة، فيعلم أن مبدأ هذه التكاليف ليس الإرادة، فليسم ذلك «الطلب» (3).

أقول: أما مقالة الجبر فهي سخيفة، و تفصيلها في مقام آخر، لخروج الكلام‏

____________

(1)- لاحظ ما علقناه في الجزء الثالث: 341، هامش 3.

(2)- مناهج الوصول 1: 25- 27 و 60- 61، تهذيب الأصول 1: 307- 309 و 339- 342.

(3)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 199.

33

عن وضع الكتاب و طلابه، و يكفي لفسادها- بعد فساد التوهمات الباعثة عليها، و قيام البراهين القطعية على امتناعها، و لزوم إمكان الواجب جل اسمه، و كونه في معرض الحوادث و التغييرات، و غير ذلك من التوالي الفاسدة شهادة الوجدان السليم و الطبع المستقيم، على أن الناس و الحيوانات مختارون في جميع شئونهم و أفعالهم و أقوالهم، و أن الكل مشتركون في القيام بالإيجاد بعد الترجيح و الاصطفاء و أن حركة يد الكاتب الخبير غير حركة يد المرتعش القصير، و لا حاجة في مقابل هذا الوجدان إلى إقامة البرهان.

و ربما يقال: بأن البراهين لا تفيد أكثر من ذلك، و ما كان مخالفا ففيه جهة القصور و النقصان‏ (1).

و لكن في نفسي شي‏ء، لاحتمال دعوى أن الجبار على الإطلاق، كما هو الفاعل على الإطلاق، و مباشر جميع الأفعال و الأعمال، قادر على إيجاد هذا الوهم، و هو مختارية العباد، فمجرد الوجدان بلا ضم البرهان غير سديد، إلا لبعض النفوس الصافية الخالية عن الشوائب و الأوهام.

ثم إنه لا معنى للأشعري من الالتزام بالتكليف، لأنه لو فرضنا وجود الطلب وراء الإرادة المسمى ب «الكلام النفسيّ» فلا يمكن لنا الالتزام بالتكليف مع فقد القدرة المعتبرة.

و لو التزم بعدم اعتبارها، فلا وجه لعدم التزامه بصحة العقوبة في مورد دون مورد، بل هو من المنكرين للحسن و القبح، و يقول بصحة عقوبة كل أحد بلا وجه، لأنه تصرف في سلطانه، و صحة إنعام كل أحد، لأنه مختار في مملكته‏ (2). فهذا النحو من الاستدلال، غريب عما وصل منهم من المباني الفاسدة، و العقائد الكاسدة.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203.

(2)- لاحظ كشف المراد: 318، شرح المقاصد 4: 282، شرح المواقف 8: 181.

34

هذه هي الأدلة الناهضة على إثبات أمر آخر و صفة أخرى نفسانية مسماة ب «الطلب» التي تكون بمنزلة الإرادة في مبدئيتها للأوامر و النواهي، و المقصود الأصلي إثباتها في المبدأ الأعلى، و لكن الأدلة تورث ثبوتها في غيره تعالى.

إفادة فيها فائدة: مغايرة الطلب النفسيّ للكلام النفسيّ‏

ربما يستظهر من بعض الكلمات: أن القول بالطلب قبال الإرادة، هو القول بالكلام النفسيّ‏ (1).

و لكن الحق خلافه، فإن مسألة الكلام النفسيّ، نشأت من اختلاف الأشاعرة و المعتزلة في كيفية توصيفه تعالى بالتكلم، و لا نظر عندئذ إلى مبادئ الأوامر و النواهي. كما أن أدلة الكلام النفسيّ، غير أدلة الطلب النفسانيّ الّذي هو مبدأ التكاليف الإلهية بالنسبة إلى العصاة و الكفار، دون غيرهم، أو الكل بناء على مقتضى البرهان الأخير.

نعم، يمكن دعوى: أن الطلب النفسانيّ و الكلام النفسيّ في المبدأ الأعلى واحد، لأنه تعالى يوصف بالتكلم لتلك الصفة، و هي مبدأ كلامه من الأمر و النهي، و غير ذلك من الكلمات الصادرة عنه تعالى وحيا و إيحاء من الكتب السماوية و الأصوات الحاصلة في اسماع الأنباء من الأشجار و غيرها، فعليه ترجع المسألتان في الحقيقة إلى جهة واحدة، فلذلك يصح الاستدلال لهم بالأدلة الأخرى المذكورة في المفصلات حول إثبات الكلام النفسيّ، و نحن نشير إلى أمتنها و هو:

الرابع: لا شبهة في توصيفه تعالى و تقدس بصفة «المتكلم» و لا إشكال في أن الاتصاف و الحمل، لا يعقل إلا بنحو من الارتباط بين مبدأ المشتق و الموضوع، و ذلك المبدأ إما يكون الألفاظ الصادرة من الفاعل و المتكلم، أو تكون محكياتها القائمة

____________

(1)- بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 206- السطر 35، منتهى الأصول: 116.

35

بنفس المتكلم، فإن كان تلك الصوادر فهو غير معقول، فيتعين الثاني، و هو المطلوب.

و أما عدم معقولية الأول، فلأن قيام تلك الألفاظ ليس قيام حلول، لا في المبدأ الأعلى، و لا في سائر الموصوفين بالتكلم، لأنها متصرمة الذات، متقضية الحقيقة، ربما تعد من مقولة الكيف، فتكون صادرة من المتكلم و إن كانت قائمة بالهواء، فليست هي حالة في نفس المتكلم، و لا جسمه، فتعين كونها قائمة بالمتكلم قيام صدور، كالضرب و القتل، و يوصف المتكلم بها، لتلك الجهة. و لكنه في المبدأ الأعلى ممتنع، لأن هذا الصادر منه تعالى ليس بلا واسطة، للزوم كونه منقضي الذات، و متصرم الصفات، و متجدد الأحوال، و ملازما للمواد و الهيولى، تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا.

و ما ترى في بعض كتب فضلاء العصر في غاية التأسف، و نهاية الترحم.

و لعمري، إن عدم تعرضهم لمثل هذه المسائل، كان أولى بديانتهم المقدسة و مذهبهم المنزه، و لكن التعرض لما لا يعلمون، و الغور فيما هم جاهلون به جدا و حقيقة، يورث جواز تفسيقهم، بل و أحيانا تكفيرهم، فإن هذه الاعتقادات الفاسدة الكاسدة من المتفقهين في الشريعة المقدسة، تستلزم انحراف جماعة من الحق إلى الضلال، و من النور إلى الظلمة، و اللَّه هو المستعان.

فإنه صرح بعدم لزوم كونه تعالى ذا كمالات قديمة، أخذا بظواهر بعض النصوص، و اتكالا على عقول المتكلمين. و لا يسعني الآن الغور في هذه البحار التي لا ساحل لها، و قد حرر المحقق الوالد- مد ظله- مسائل هذه المسألة في رسالة على حدة (1)، أعانني اللَّه تبارك و تعالى على طبعها في الوقت المناسب.

فبالجملة: لو كانت عليه الذات مع الواسطة كافية للتوصيف، للزم صدق هيئات جميع المشتقات على المبدأ الأعلى، من ( (النائم، و المستيقظ، و الضارب،

____________

(1)- و هي رسالة الطلب و الإرادة.

36

و القاتل» و غير ذلك، لأن جميع الأشياء ليست خارجة عن حيطة قدرته، و لا عن مدار حكومته و إرادته، بالضرورة من العقل و النقل.

و من عجيب ما قيل في المسألة: «إن عدم صدق بعض الهيئات، لقصور في الوضع، أو لعدم حسن الاستعمال» (1).

و أنت خبير: بأن وضع الهيئات نوعي، و لا وجه لعدم حسن الاستعمال إلا لإشكال يجده الطبع و العقل، لا عدم سماع الاستعمال فقط، فلا تخلط، و لا تكن من الجاهلين المبعدين، غفر اللَّه لهم و لنا يوم الدين.

ف «التكلم» الّذي هو مبدأ حمل المشتق في المبدأ الأعلى، هو الأمر المتحد معه تعالى، بناء على اتحاد الذات و الصفات، أو حال فيه، كما يقول به المتكلم، و حيث إن المبدأ في توصيف الممكنات، ليس إلا ما هو المبدأ في توصيف الواجب، فلا منع من دعوى: أن الكلام اللفظي، ليس هو سبب الحمل و اتصاف الممكن ب «المتكلم» بل في جميع الموضوعات أمر واحد، و هو الكلام النفسيّ، و هو المطلوب.

و هذا الكلام النفسيّ ليس التصور، و لا التصديق، و لا القدرة، و لا العلم، بل هو روح الكلام اللفظي، ضرورة أن هذه التراكيب الصادرة، كالبناء الصادر من المهندس، فكما أن رسمه البناء قبل تحققه في الخارج، تقدر في النّفس، و تحدد فيها، و هو أمر وراء تصور مفهوم البناء، و التصديق بلزوم وجوده في الخارج و العين، فكذلك الكلمات و الحروف تصب في القوالب الجملية، ثم تنشأ في النشأة العينية، و توجد في خارج الأذهان، فالجمل الخبرية و الإنشائية، حاكيات عن الجمل الذهنية و المنشآت النّفس الأمرية.

و لعل ما سلكه بعض أعلام العصر: من أن الإنشاء هو إبراز المعتبرات‏

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه 2: 30.

37

النفسانيّة (1)، يرجع إلى القول بالكلام النفسيّ، لأن هذه المعتبرات الموجودة في النّفس، قد حصلت بالتصور و التصديق، و لكنها بعد كونها موجودة في الذهن و باقية فيه، ليست في عالم البقاء تصديقا، و لا تصورا، بل هي وجود ذهني باعتبار، و خارجي باعتبار، فكما أن الوجودات الخارجية ليست من التصور و التصديق، كذلك الوجودات الذهنية.

نعم، هي علوم، و لكنها علوم بمعنى الحاصل من المصدر، و لا مشاحة في كونها بهذا المعنى من العلم، و لكنها في الحقيقة تركيبات نفسانية مسماة ب «الكلام النفسيّ» فافهم و تدبر.

فما ترى في كتب جماعة من تحليل مفاد الهيئات في الجملة الاسمية و الإخبارية، و الجمل الإنشائية: بأن موادها لا تدل و لا تحكي إلا عن المتصورات، و هيئاتها إلا عن العلم التصديقي و الاعتقاد بذلك‏ (2)، أو تكون هيئاتها حاكية عن قصد الحكاية عن النسبة التصديقية (3)، أو موضوعة للحكاية عن الهوهوية- الواقعية (4)، أو الادعائية- الصادقة أو الكاذبة، و لا شي‏ء وراء هذه الأمور، كي يكون محكيات هذه الكلمات و مداليلها، أو لا حاكي وراء المواد و الهيئات، حتى تكون حاكية عن الأمر الثالث، فالقصور إما في مرحلة الثبوت، كما في كلام جملة من الفضلاء (5)، و لو فرضنا وجود مثله فالقصور في مرحلة الإثبات، كما هو مختار العلامة المحشي (رحمه اللَّه)(6).

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 26، محاضرات في أصول الفقه 1: 88.

(2)- منتهى الأصول 1: 116- 117.

(3)- محاضرات في أصول الفقه 1: 85.

(4)- مناهج الوصول 1: 120.

(5)- منتهى الأصول 1: 116، محاضرات في أصول الفقه 2: 20- 22.

(6)- نهاية الدراية 1: 264- 266.

38

غير سديد، و ناشئ بالنسبة إلى مرحلة الثبوت، عن قصور التأمل في الوجودات الذهنية، و في التصور و التصديق اللذين هما غير المتصور و المصدق به، كما لا يخفى في التفكيك العقلي.

و بالنسبة إلى مرحلة الإثبات، ناشئ عن أن الأشعري لا يريد إثبات كون الكلام النفسيّ، مدلول الكلام اللفظي بالمطابقة، بل ربما يمكن أن يكون مدعي الكلام النفسيّ، ناظرا إلى أنه مدلول الكلام اللفظي بالالتزام، فأوامره تعالى و نواهيه و كتبه، كلها تحكي- بالملازمة- عن ذلك الوصف النفسانيّ في الإخبار و الإنشاء.

هذا غاية ما يمكن أن يقال بتقريب منا، مع قصور أفهام الأشاعرة عن الوصول إلى هذه المراحل من التدقيق و التحقيق بالضرورة، و لا سيما على القول: بأن الكلام النفسيّ، هو كمال الوجود الّذي لا بد منه في أصل الوجود، و إلا يلزم التركيب من النقص و الكمال الّذي هو شر التراكيب، فإنه خارج عن أفق أفهام علماء الأمة نوعا.

و ربما يؤيد الكلام النفسيّ بالشواهد اللغوية، كقوله تعالى: يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ‏ (1) و القول و الكلام واحد، و كما يقال: «كلام في نفسي» و هكذا.

و أما الاستشهاد لهم بقوله تعالى: فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ‏ (2) و قوله تعالى:

إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏ (3) فلا يخلو من غرابة.

أقول: الالتزام بمثل هذا الكلام النفسيّ، لا يستلزم سقوط الإرادة عن المبدئية للتكاليف الإلهية، التي هي مقصودنا في مسألة الطلب و الإرادة، فإنه لا مانع من‏

____________

(1)- المجادلة (58): 8.

(2)- يوسف (12): 77.

(3)- البقرة (2): 284.

39

اختيار أن الكلمات التي تصدر من الإنسان في النوم، ليست من الصوت الّذي يحصل من القرع و القلع، و لا يسمع بالأذن و السمع، و لكنه أنى لك من كونها مبدأ الأمر و النهي؟! ضرورة أن هذه الوجودات النورية الذهنية الحاصلة في صقع النّفس، ليست هي نفس التصور و التصديق، و لكنها إذا اشتهينا وجودها في الأعيان، فلا بدّ لنا من التصور و التصديق المتعلقين بإيجادها، ثم الإرادة المتعلقة بالإيجاد، و هكذا في الأوامر و النواهي في المبدأ الأعلى.

فنفس الكلام النفسيّ غير كاف، فلا بدّ للأشعري من الالتزام بالكلام النفسيّ في توصيفه تعالى بالتكلم، و بالطلب النفسانيّ في تصديه تعالى للأمر و النهي. و هذا في نفسه بعيد عن كلماتهم، و إن كان يمكن دعوى: أن في المقام ثلاث مسائل:

مسألة الطلب و الإرادة، و مسألة الكلام النفسيّ، و مسألة الجبر و التفويض، و على كل تقدير الأمر سهل جدا.

ثم إن توصيفه تعالى ب «المتكلم» ليس لأجل قيام الأمر الحلولي أو الصدوري، لفساد كل واحد منهما:

أما الثاني: فهو واضح كما مر.

و أما الأول: فلأن الحلول يستلزم التركيب، و هو في حقه تعالى ممتنع، لبساطته جلت آلاؤه و عظم كبرياؤه. فيكون وجه اتصافه ب «المتكلم» أن الكلام هو المعرب عما في الذات و جميع العالم كلامه تعالى و آياته تعالى و تقدس و قد ورد في الحديث الشريف: «إن كلامه تعالى ليس بصوت يقرع، و لا بكلام يسمع» (1) فكلامه تعالى فعله، و هو الوجود المنبسط على الماهيات الإمكانية، فالكلام النفسيّ في حقه تعالى يستلزم المحال، إلا برجوعه إلى كمال الوجود.

و أما مسألة اختصاص الكتب السماوية بكلامه تعالى، فمع أن قضية ما مر

____________

(1)- نهج البلاغة: 368.

40

لزوم كون كل شي‏ء كتابه، فهو بحث آخر خارج عن نطاق الكلام في المقام، و داخل في مسألة كيفية نزول الوحي و التنزيل، و كيفية تنزل الملائكة و الروح، فليطلب من كتابنا الآخر (1).

تنبيهات:

الأول: في بيان حقيقة الإرادة و ماهيتها

قد اشتهر بين الأفاضل و الأعلام: أن الإرادة هي الشوق المؤكد (2)، بل المعروف في كتب المعقول تفسيرها و تعريفها بذلك، و جعلها مقابل الكراهة في مبدئيتها في الأوامر، و مبدئية الكراهة في النواهي و الزواجر (3).

فقالوا: «إنا إذا تصورنا شيئا ثم صدقنا بفائدته، فيحصل إليه الاشتياق، فيشتد الشوق حتى يحصل العزم و الجزم على إيجاده، فيوجده و يأتي به، و هذا الجزم و الاهتمام الشديد، ليس إلا الميل النفسانيّ، فإن كان قاصرا فلا يتحقق بعده الفعل.

و إذا كمل و اشتد يحصل بعده المشوق و المشتاق إليه.

و في مقابلها الكراهة، فإنها الباعثة على الترك. و تلك الإرادة و الكراهة هي المبدأ في الأمر و النهي» (4).

أقول: لا شبهة في أن الأفعال الاختيارية الصادرة من الإنسان، تحتاج إلى‏

____________

(1)- المراد من «كتابنا الآخر» على ما صرح به في الصفحة 71، هو القواعد الحكمية و هي مفقودة.

(2)- كفاية الأصول: 86، فوائد الأصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 132، نهاية الدراية 1: 279، منتهى الأصول 1: 115، محاضرات في أصول الفقه 2: 38.

(3)- المبدأ و المعاد، صدر المتألهين: 99- السطر 7.

(4)- كفاية الأصول: 86، أجود التقريرات 1: 88، بحوث في الأصول، رسالة في الطلب و الإرادة: 4.

41

المبادئ، و هي أولا: التصور، و ثانيا: التصديق، و لا يعتبر التصديق بالفائدة، ضرورة أن كثيرا ما يصدر الفعل مع التردد في فائدته.

نعم، أصل التصديق بلزوم وجوده- مما يترتب عليه بعض الأغراض الاخر- مما لا بد منه.

و بعبارة أخرى: التصديق بفائدة في المفعول، ليس شرطا في صدور الفعل، و لذلك يصدر من السفهاء و الغافلين ذلك الفعل بدونها، و أما التصديق الأعم منه و من الفائدة في التصدي للفعل و إيجاده المصدري، فلا بد منه. فما يظهر من القوم من جعلها من المقدمات‏ (1)، يرجع إلى ذلك، كما أن نفيه الأعم كما في كلام الوالد المحقق‏ (2)، ناظر إلى ما ذكرناه.

و أما الشوق و الميل و موافقة الطبع، فهو ليس من المقدمات الحتمية، فكيف تكون الإرادة، الشوق المؤكد؟! ضرورة إقدام الإنسان على الأمور غير الملائمة للطيب النفسانيّ، و إن كانت موافقة للطيب العقلائي، كما في شرب الأدوية، و عمل الانتحار، و قطع الأعضاء، و غير ذلك.

فليس الاشتياق و الشوق بمعناهما المعروف، من المبادئ قطعا، فضلا عن كون الإرادة من تلك المقولة، ضرورة أن الإرادة من أفعال النّفس، و من مخلوقاتها القائمة بها قيام صدور، فليست من مقولة أصلا، أو لو كانت فهي من مقولة المضاف، أي هي نفس الإضافة الموجودة بين النّفس و المراد، قائمة بهما قيام الإضافة بالطرفين، و الشوق من مقولة الكيف النفسانيّ، و يكون من حالاتها، و قائما بها. و ما ذكرناه موافق للوجدان و البرهان.

____________

(1)- كفاية الأصول: 86، أجود التقريرات 1: 88، نهاية الدراية 1: 279، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 207.

(2)- الطلب و الإرادة: 39.

42

فالإرادة فعل اختياري، و الشوق ميل طبيعي، ضرورة أنه كثيرا ما يتفق الشوق الأكيد إلى شي‏ء، و لكنه لا يورث وجود الشي‏ء في الخارج، لما لا يجد في ذلك بعض المصالح العقلائية، و ربما لا شوق له أو له الشوق القصير، و يريد المشتاق إليه، لما فيه بعض المنافع العقلائية.

و أما جعل الكراهة مقابلها كما في الكتب العقلية (1) أيضا، فهو من الخلط بين الإرادة التي هي مقصودنا هنا، و بين مطلق الميل و الاشتياق.

و من العجيب توهم: أن الكراهة مبدأ النهي!! (2) فإن النهي و الأمر متفقان في الحاجة إلى تعلق الإرادة بإيجادهما الاعتباري، فما ترى في كتب الأصوليين اغترارا بظواهر صدرت من أرباب الحكمة، خال من التحصيل.

كما أن توهم: أنها من مقولة الفعل و الانفعال، غفلة عن حقيقة تلك المقولة، و هو أنهما من أوصاف الجواهر و لواحقها، و أما نفس الحرارة في تأثير النار و تأثر الماء، فهي- كالإرادة هنا- خارجة عن المقولتين، فلا تخلط، مع أنا أنكرنا هاتين المقولتين و بعضها الاخر في «القواعد الحكمية» (3).

فما هو حدها و ماهيتها: أنها ليست من مقولة، لكونها من المضاف الإشراقي، ضرورة أن تحقق المراد بالإرادة، و ما كان شأنه ذلك يعد من الوجود و إشراقه، و لا ينسلك في عداد الماهيات.

نعم، بما أن المراد كان موجودا بالتصور قبل الإرادة، ثم تعلق به الإرادة، يعتبر تحققه قبلها، فينسلك في الإضافة المقولية التي توجدها النّفس، فتكون ربطا بينها و بين المراد، فهي نفس المقولة الحقيقية، و الطرفان يعدان من المضاف المشهوري، كما لا يخفى على أهله.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 4: 113.

(2)- كفاية الأصول: 320، نهاية الأصول: 252، تهذيب الأصول 2: 67.

(3)- القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة).

43

الثاني: في إمكان الإرادة و وقوعها

ربما يخطر بالبال شبهات في أصل وجود الإرادة، و كان الأولى تقديمها، لأن «ما» الحقيقية متأخرة عن «هل» البسيطة، إلا أن مفروغية وجودها حدانا إلى الغور في ماهيتها أولا.

و من تلك الشبهات: أنها لا أصل لها، بل هي العلم بالصلاح.

أما في إله العالم، فهو صريح كلمات الفلاسفة و أرباب الحكمة المتعالية (1)، فهي فيه علمه بنظام العالم على الوجه الأتم الأكمل، فإن هذا العلم من حيث أنه كاف في وجود النظام الأتم، و مرجح لطرف وجوده على عدمه، إرادة.

و أما فينا، فإنا إذا أدركنا لزوم وجود شي‏ء، تتحرك القوة المنبثة بعد ذلك الإدراك نحوه، و أما إذا قصر إدراكنا عن لزومه، و ضعف عن لا بدية تحققه لجهة من الجهات، فلا حركة عقيبه.

بل في كلامهم: «إن العلم إذا تأكد، يصير سببا للوجود الخارجي، كالماشي على شاهق جدار ضيق عرضه، إذا غلبه توهم السقوط، يصير سببا لسقوطه فلا يستبعد أن يكون العلم الأزلي سببا لوجود الكائنات» (2).

أقول: الحق أن الإرادة غير العلم حتى فيه تعالى، و ذلك لأن الخلط في كفاية إحدى الصفات عن الصفة الأخرى في حقه، كالخلط الّذي ابتلي به المتكلم في القول بعدم وجود الأوصاف فيه تعالى، لكفاية الذات، فإنه باطل إذا رجع إلى فقد كمال الوصف، و صحيح إذا رجع إلى الوحدة المحضة في حقه تعالى و تقدس،

____________

(1)- إلهيات الشفاء: 362- 370، المبدأ و المعاد، صدر المتألهين: 99- السطر 8، الحكمة المتعالية 4: 114 و 6: 331- 354، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 184.

(2)- الحكمة المتعالية 4: 114.

44

ضرورة أنه تعالى لكونه صرف الوجود، صرف كل كمال و جمال، لأن جميع الكمالات ترجع إلى كمال الوجود و أصل الوجود، و إلا يلزم التركب في البسيط الحقيقي.

و إذا كان الاختيار و الإرادة من كمالات الوجود، فهما- كالعلم و القدرة- ثابتان في حقه تعالى، فهو في ذاته مختار و مريد بالاختيار الذاتي و الإرادة الذاتيّة، فإذا صح أن يقال: علمه بالنظام الأتم الإلهي الرباني كاف في تحقق النظام الأكمل الكياني، صح أن يقال: ذاته كافية، لأنه عينها.

و لكن كفاية ذلك، لأجل أنه ذات مستجمعة لجميع الكمالات اللازمة في تحقق العالم من الواجب الوجود، و بما إنه إذا قيس العالم إليه تعالى، و أنه مختار في ذاته يقال: «هذا العالم صادر عن اختيار» و بما أنه عالم و قدير يقال: «هو صادر عن علة عالم و قادر» و بما أنه مريد يصح أن يقال: «هذا العالم صادر عن المريد بالإرادة الذاتيّة».

نعم، هذا النظام و العالم قضه و قضيضه، و من صدره إلى ذيله، نفس الإرادة الفعلية، لاتحاد الإرادة الفعلية و المراد، و هي الماهيات الإمكانية. كما يكون الأمر كذلك في الحيوان و الإنسان، فإن النّفس ذات علم ذاتي، و قدرة ذاتية، و إرادة ذاتية، تكون منشأ التصورات و العلوم في صقعها، و تكون منشأ الإرادة في محيطها، و تكون ذات اختيار ذاتي يكون سببا لاختيارية هذه الأمور، فيريد بالاختيار الذاتي، و يوجد الإنسان في صقعه ذا رءوس كثيرة، و يخلق بهمته في صقعه ما يشاء من التخيلات بالاختيار و الإرادة الذاتيّة، و هكذا.

نعم، بين الكائنات من الحيوانات و الأناسي، و بينه تعالى و من في صقعه تعالى، فرق في أن لمرادنا و معلومنا الذاتي، مرادا و معلوما عرضيا خارجيا، و أن‏

45

إرادتنا قد تتخلف عن المراد، كما يأتي‏ (1)، دون إرادته تعالى.

فما ورد: من «أن إرادته فعله» (2) في مقام نفي المراد الآخر وراء نفس تلك الإرادة، و لا يكون في مقام أن الذات الأحدية الجمعية، خالية عن الإرادة الذاتيّة، حتى يلزم إما دعوى كفاية العلم، أو دعوى إجباره تعالى في خلق الأشياء، و كل ذلك سيئة عليه تقدس و تعالى، يغفرها لمن يشاء، و اللَّه الهادي إلى الصواب.

ثم إنه إذا راجعنا وجداننا، نجد أن العلم و مقولته، من الأوصاف الثابتة الحاصلة من الحواس الظاهرة بالعلية، أو الإعداد، على اختلاف المسالك في المسألة (3).

و أما الإرادة، فهي من الأوصاف التي إذا تحققت إما تنتهي إلى المراد، بالتحرك نحوه، أو التحريك بالبعث و الزجر، أو لا تنتهي إليه، لإمكان التخلف الثبوتي. و لكن لا يمكن حصول هذا الوصف في النّفس مع عدم الجزم بتحققه إثباتا، أي لا يعقل حصول الإرادة إلا بعد العلم بأن طرفه- و هو المراد- يوجد و يتحقق، و هذا المعنى غير موجود في العلم بالضرورة.

فهي من مقولة أخرى، و قد مرت مقولتها (4)، فلا تخلط، فافهم و اغتنم، فإنه سيأتي بعض المباحث التي تنفعك في البيان المزبور (5)، و بها تنحل المعضلة المشهورة التي جعلت الأفهام حيارى، و الأفكار صرعى، و قد هرب القوم منها إلى كل مهرب، و لكن مع الأسف أرعدوا و أبرقوا و لم يأتوا بشي‏ء صالح، و الأمر إليك فتأمل.

____________

(1)- يأتي في الجزء الثالث: 111- 119.

(2)- الكافي 1: 110- 3، و فيه «فإرادة اللَّه الفعل».

(3)- الحكمة المتعالية 1: 299.

(4)- تقدم في الصفحة 42.

(5)- يأتي في الصفحة 47 و 64- 65.

46

و منها: أن العلم و القدرة كافيان في تحقق الفعل، و الأخيرة تنوب عن الإرادة، لأنها محققتها و ما تؤدي إلى الفعل أو الترك، فلا حاجة إلى ثالث وراءهما.

و أنت خبير: بأن القدرة فسرت ب «مشية الفعل أو الترك» (1) فلا بد من المشية.

هذا مع أنه لو كان تفسيرها: أنها القوة على الفعل أو الترك، فيكون المقدور بالنسبة إليها بالإمكان، مع أن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد، فالذي هو الشي‏ء بالنسبة إليه واجب، هي الإرادة التي تتعلق بعد الترجيح، فيصير جميع الأعدام الممكنة الطارئة عليه مسدودة من قبل علته، إلا العدم الممكن عليه من قبل عدم علته، و يصير واجبا فيوجد.

و قد يتوهم عدم تمامية هذه القاعدة، لأن الإرادة قد تتحقق و لا يوجد الشي‏ء، كما يأتي تحقيقه‏ (2).

و فيه: أنه يكشف به عدم وجوبه، لأن من شرائط تأثير الإرادة فينا، وجود القوة المنبثة في العضلات الممكنة للقبض و البسط بالإمكان الاستعدادي.

و هذا التوهم كتوهم: أن هذه القاعدة تستلزم الجبر (3)، و قد عرفت: أن الإرادة مسبوقة بالاختيار و الإرادة الذاتيّة، فلا شي‏ء خارجاً عن الاختيار، فإنّ اختيارية أحد المبادئ- و لا سيما مثل الإرادة- كافية في عدم الانتهاء إلى الجبر، فتدبر.

فتحصل إلى الآن: أن حقيقة الإرادة أمر وراء العلم بالصلاح، و وراء الشوق و الاشتياق.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 4: 111- 113 و 6: 307، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 177.

(2)- يأتي في الصفحة 50 و ما بعدها.

(3)- تقدم في الصفحة 43- 44.

47

و مما يشهد لذلك: أن الإرادة هي الأمر الاختياري، و الشوق و العلم من الأمور الطبيعية، و لهذا اشتهر القول بعقاب المكلف بإرادة المعاصي، و لا يعاقب باشتهائها (1).

و ربما إليه يرجع قوله تعالى: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ‏ (2) و منه يعلم أيضا: أن الإرادة من الهمة، و الهمة هي الحالة الحاصلة من فعالية النّفس و خلاقيتها، و ما كانت كذلك لا تكون داخلة في إحدى المقولات، لرجوعها إلى حقيقة الإضافة الإشراقية.

إفاضة فيها إضافة

اعلم: أن نسبة المعلوم إلى العلم، كنسبة المقدور إلى القدرة، فكما أن اشتداد القدرة، لا يورث تحقق المقدور بدون العلم في الفواعل الاختيارية، كذلك اشتداد العلم، لا يقتضي تحقق المعلوم بالعلم بدون القدرة، فما اشتهر بين الفلاسفة حتى أرباب الحكمة المتعالية (3)- كما أشير إليه-: «من أن العلم إذا كمل و اشتد، يصير سببا للتحقق» (4) غير صحيح، لأن ماهية العلم و حقيقته ليست لها هذه الوسعة و الاقتضاء، و طبيعته و ذاته لا تختلف باختلاف الأفق و الموضوعات. لست أقول: إنه من المقولات، بل المقصود بيان ما هو لازم هويته، و ثمرة وجوده، فلا تضطرب.

و من هنا يعلم: أن هذه الشبهة- و هي أن الإرادة ليست إلا إدراك لزوم الوجود- غير قابلة للتصديق، و إن كانت قوية جدا، و قريبة من أفق التحقيق،

____________

(1)- لاحظ الحكمة المتعالية 4: 113.

(2)- يوسف (12): 24.

(3)- إلهيات الشفاء: 414، شرح الإشارات 3: 318، الحكمة المتعالية 4: 114.

(4)- تقدم في الصفحة 43.

48

و لا سيما بعد ذهاب هؤلاء إلى ذلك في حقه تعالى و تقدس‏ (1)، و التفصيل يطلب من مقام آخر.

ثم اعلم: أنه لا ضير في الالتزام بعدم وجود صفة بعنوان «الإرادة» كما لا يدل على ذلك كتب اللغة، فإن المتبادر منها- حسب المراجعة إليها، و إلى مواقف الاستعمال في الكتاب و السنة- ليس إلا معنى يرادف الاشتهاء و الميل، أو المعنى المظهر كالطلب.

فإذن إذا التزمنا بأن ما هو الجزء الأخير، هو الإدراك المتعقب بالإدراك- فإن التصور و التصديق بالفائدة و الصلاح الإجماليين، غير كافيين بالضرورة، كما يظهر بالوجدان- فبعد ذلك نحتاج إلى إدراك الصلاح المطلق، و إدراك لزوم وجوده، فإنه عند ذلك يتحرك العضلات نحوه، و تحصل الحركة عقيبه.

و هذا النحو من الإدراك قد يحصل بالاختيار، بأن يتصدى الإنسان للتأمل و الفكر في أطراف ما تصوره، و صدق بثمرته مثلا إجمالا، من دون تصديق بفائدته الفورية، و لزوم وجوده فورا.

و قد لا يحصل بالاختيار، لإمكان إدراك النّفس ذلك بلا حاجة إلى التأمل، فلا يمكن نفي الثالث، و دعوى كفاية العلم بالصلاح‏ (2) بنحو الإجمال في ذلك.

اللهم إلا أن يقال: في ذلك ضرر لا يمكن التخلص منه، و هو أن الإرادة اختيارية، و النّفس في إيجادها مختارة باختيارها الذاتي، و لو كان الجزء الأخير هو الإدراك، فيلزم خروج الفعل أحيانا عن الاختيار، ففي هذا أيضا شهادة قطعية على أن الصفة الأخيرة التي تحصل في النّفس هي الإرادة، لما نجد- وجدانا- لزوم ذلك، و أن إدراك لزوم الوجود غير كاف، فافهم و تدبر.

____________

(1)- لاحظ الحكمة المتعالية 4: 114.

(2)- إلهيات الشفاء: 362- 370، المبدأ و المعاد، صدر المتألهين: 99- السطر 8، الحكمة المتعالية 4: 114 و 6: 331- 354، كفاية الأصول: 90.

49

الثالث: في مبادئ وجود الإرادة

بعد الفراغ من الإرادة وجودا و ماهية، يقع البحث في مبادئ وجودها، و قد مر أيضا تحقيق ذلك‏ (1)، و عرفت أن منها: التصور، و منها: التصديق بلزوم وجوده، لا بالفائدة، فإنه كثيرا ما يشك في فائدة أمر و ثمرته، و لكن بالاحتمال يريد الإنسان إيجاده.

و لكن ليس معنى ذلك، أن مع التردد اللبي في النّفس، يتمكن النّفس من خلق الإرادة، بل لا بد من الجزم بلزوم ذلك، و أن وجوده و إن كان محتملا، لفائدة أحسن من عدمه، فما ترى في كتب القوم: من اعتبار التصديق بالفائدة (2)، إن كان معناه ذلك فهو، و إلا فهو ليس من المقدمات الحتمية.

و ليس منها الشوق و الميل النفسانيّ، لإقدام الإنسان على المضار التي بالقياس إلى الخيرات العالية أولى من الترك، كشرب الأدوية، و أمثال ذلك.

إن قلت: بعد إدراك توقف الخير الكثير على إرادة المكروه، يشتاق إليه النّفس، و تميل إليه و تطلبه.

قلت: قد أشير إلى أن ذلك ليس من الطيب النفسانيّ و الشوق الحيواني، بل هي الطيبة العقلائية و الميل الإدراكي‏ (3)، و لا يمكن إرادة الشوق العقلائي فيما ذكروه من مبادئ الإرادة، لأن ما جعلوه منها أعم من المبادئ لإرادة الإنسان أو الحيوان، و هذا الدرك العالي و الطيب العقلائي غير متصور فيه.

____________

(1)- تقدم في الصفحة 40.

(2)- كفاية الأصول: 86، أجود التقريرات 1: 88، نهاية الدراية 1: 279، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 204 و 207.

(3)- تقدم في الصفحة 41.

50

نعم، جعل الشوق المزبور أعم من الشوق الحيواني ممكن. و لكن الإنصاف عدم صدق «الشوق» على الدرك العقلي المزبور.

و من ذلك يعلم تصديق مقالتنا الماضية، من نفي إنكار تحديدها بالشوق المؤكد (1)، فافهم و اغتنم.

ثم إن من المبادئ لها هو القدرة على الفعل، أو احتمالها، و مع العلم بالعجز عن الفعل فلا يتمشى منه الإرادة، كما هو الظاهر.

الرابع: هل الإرادة جزء أخير من العلة التامة؟

قد اشتهر بين الأصوليين: «أن الإرادة هي الجزء الأخير من العلة التامة» (2).

و المشهور في الكتب العقلية: «أن من مبادئ الفعل، القوة المنبثة في العضلة القابلة للانعطاف، و ذات استعداد للقبض و البسط، فإنه كثيرا ما يتفق أن الإنسان يريد تحريك يده، و لكنها- لنومها، و غلبة الرطوبة على المراكز المسلطة عليها النّفس بتوسط الأرواح البخارية مثلا في الحيوانات التي لها الدم السيال- تتأبى عن قبول الحركة، و تتعصى عن الانقياد، و لا تطيع الأمر الصادر من سلطان النّفس ذات القدرة و الملكوت، فلا علية للإرادة» (3).

و الّذي هو الحق: أن القول بأنها الجزء الأخير من العلة التامة، لا ينافي شرطية الإمكان الاستعدادي في الآلة التي تفعل بها، لأنها من قبيل شرطية إمكان الماهية

____________

(1)- تقدم في الصفحة 41.

(2)- كفاية الأصول: 86، نهاية الدراية 1: 279، بحوث في الأصول، رسالة في الطلب و الإرادة: 4، محاضرات في أصول الفقه 2: 35.

(3)- شرح الإشارات 2: 411- 412، الحكمة المتعالية 2: 251 و 4: 114، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 294.