مأساة الزهراء عليها السلام - ج1

- السيد جعفر مرتضى العاملي المزيد...
390 /
5

الجزء الأول‏

تقديم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الحمد لله، و الصلاة و السلام على محمد رسول الله، و على آله الطاهرين.

و بعد.. غ فإن ما جرى على الزهراء من أحداث، و ما واجهته من بلايا، لم يكن يستهدف شخصها أو شخصيتها كفرد، بقدر ما كان يستهدف القفز فوق ثوابت إسلامية للوصول الى ما لم يكن صانعوا تلك الاحداث مؤهلين للوصول إليه، أو الحصول على ما لا يحق لهم الحصول عليه.

و ذلك لأن الزهراء كانت-في واقع الامر-ذلك السد المنيع و القوي الذي يعترض سبيل تحقيق طموحات غير مشروعة و لا مبررة.

و هي تلك القوة المؤثرة و الحاسمة في إظهار زيف تلك الطموحات، و تأكيد و ترسيخ بطلانها، و عدم مشروعيتها في وعي الامة، و في وجدانها، و في ضميرها الاسلامي و الانساني.

و قد يجد الانسان في سياق الفهم التاريخي ان البعض يتظاهر بأنه يعيش حالة من التردد أو الترديد في أن يكون ثمة مبررات معقولة،

6

أو فقل: فرصا موضوعية تمكّن لتلك الاحداث و الوقائع، من أن تنطلق على أرض الواقع، و ذلك ما يثير لديه أكثر من سؤال حول دقة أو حتى صدق النقل الحديثي و التاريخي لأحداث كهذه.

و لأجل ذلك، فهو لا يجد حرجا في التشكيك في ذلك كله، إن لم يمكن له رفضه و إدانته بصورة علنية و صريحة.

على أن موقف هذا النمط من الناس يختزن في داخله أيضا مسلّمة لا مراء فيها، تقول: إن الاجابة على تلك التساؤلات، ثم التثبت من صحة تلك الوقائع بجدية و حسم، سوف يعني بالضرورة إدانة قاطعة، و رفضا صريحا لشرعية كل الواقع الذي نشأ، و تخطئة صريحة و مرّة لصانعي تلك الاحداث، و المتسببين بتلك البلايا التي حاقت بالصدّيقة الطاهرة صلوات الله و سلامه عليها. و هذا ما يريدون تلافيه، و الابتعاد عن الوقوع فيه.

و ما تهدف إليه هذه المطالعة الموجزة هو عرض تلك التساؤلات التي أنتجت نوعا من الشك و التشكيك لدى هذا البعض. ثم تسجيل ملاحظات، و تقديم إيضاحات تضع الامور في نصابها، و تسهم-إن شاء الله-في جلاء الصورة الصحيحة، و في استكمالها ملامحها الضرورية، مع تقديم ايضاحات أو إجابات أخرى على أسئلة، أو شبهات طرحت حول قضايا أخرى تتعلق بالزهراء عليها السلام..

فنحن نقدم ذلك مع التأكيد على أننا نحترم و نقدر الميزات الشخصية للجميع، و على أن اختلاف الرأي و تسجيل الموقف في مسائل بهذا المستوى من الاهمية و الخطورة لا ينبغي أن يفسد في الود قضية.

7

و من الله نستمد القوة و العون، و نسأله تعالى أن يلهمنا سداد و صواب القول، و صحة القصد، و خلوص النية، و طهر و صفاء العمل.

و هو ولينا، و الهادي الى سواء السبيل.

بيروت: 10 شعبان 1417 هـ. ق. غجعفر مرتضى العاملي‏غ

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد بداية و توطئة:

قد تعرض هذا الكتاب الى أمور أثيرت في الآونة الاخيرة، حول مأساة الزهراء (عليها السلام) ، و ما جرى عليها بعد وفاة رسول الله (ص) ، و حول أمور أخرى لها نوع ارتباط بها صلوات الله و سلامه عليها-أثيرت-بطريقة تطلبت منا توضيحا، أو تنقيحا.

و قد أحببنا قبل الدخول في ما هو المهم: ان نذكّر القارئ العزيز بأمور و بنقاط، يرتبط اكثرها بإثارات في دائرة البحث العلمي لا بد له من الاطلاع عليها، كنا قد أوردنا قسما منها في مقال لنا نشر قبل أشهر بعنوان: «لست بفوق أن أخطئ» .

و نعيد عرض بعضها للقارئ الكريم في هذا التمهيد أيضا لأهميتها، و لانه قد لا يتيسر له المراجعة إليها في ذلك المقال، فإلى ما يلي من نقاط معادة أو مزادة، و الله ولي التوفيق:

نقاط لا بد من ملاحظتها:

1-لقد وردت النقاط التي ألمحنا إليها و ناقشناها في هذا الكتاب في مؤلفات، و مقالات، و محاضرات، و مقابلات صحافية، أو إذاعية، أو تلفزيونية.

10

و قد حرصنا على أن لا نصرح باسم قائلها من أجل الحفاظ على المشاعر، حيث لم نرد أن نتسبب بأدنى دغدغة للخواطر، و قد كنا و لا نزال نحرص على صداقتنا مع الجميع، و حبنا لهم، و إرادة الخير لكل الناس. و لو لا اننا رأينا ان من واجبنا المبادرة الى توضيح بعض الامور، لكنا أعرضنا عن نشر هذه المطالعة من الاساس.

فإذا ما أراد شخص أن يعتبر ان ما يرد في هذا الكتاب يعنيه دون سواه، على قاعدة: «كاد المريب أن يقول: خذوني» ، فذلك شأنه، و لكننا نسدي له النصح بأن لا يفعل ذلك، لأننا، إنما نقصد بذلك نفس القول من أي قائل كان.

2-قد تصادف في حياتك العلمية بعض المتطفلين على الثقافة و المعرفة، ممن قد يحملون بعض الالقاب أو العناوين يشن حملة تشهيرية ضد من يخالفه في الرأي أو يناقشه فيه، و لو على القاعدة التي أطلقها بعض هؤلاء بالذات منتصرا ليزيد بن معاوية، حين اعتبر لعنه سقوطا، فقال: «و لكن تلك المحافل سقطت في جوانب منها الى السباب و اللعن، فلم تكتف بالشمر اللعين، بل طالت فيمن طالت معاوية و يزيد و بني أمية» (1) .

فاذا واجهنا نحن أيضا هذا النوع من الناس، فان ذلك لن يرهبنا، و لن يمنعنا من اتباع هذا الكتاب بنظائر له، تناقش شتى الموضوعات المطروحة بطريقة علمية و موضوعية، و هادئة، إذا كان ثمة ضرورة لمناقشتها، أو إذا تبلور لدينا شعور بالتكليف الشرعي الملزم باتخاذ موقف تجاهها، إذ قد بات من الواضح: انه لا مجال للمجاملة أو المهادنة في أمر الدين، و قضايا العقيدة، و ما يتعلق بأهل البيت (ع) .

____________

(1) جريدة السفير: 27/6/1996 م من مقال لاحد الاساتذة.

11

و لن نلتفت الى مهاترات بعض هؤلاء، أو أولئك. فما ذلك إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء..

و ليحق الله الحق بكلماته، و يبطل كيد الخائنين.

3-و بعد.. فقد يقول البعض: إن مناقشة الافكار و نقدها يعتبر تشهيرا بصاحب الفكرة، مع ان اللازم هو حفظه، و التستر على أخطائه، و عدم الاعلان بها.

و نقول: 1-أولا: إذا كانت مناقشة الافكار و نقدها تشهيرا، فاللازم هو إغلاق أبواب المعرفة و العلم، و منع النقد البنّاء من الاساس، مع ان نقد أفكار حتى كبار العلماء عبر التاريخ هو الصفة المميزة لأهل الفكر و العلم، خصوصا أتباع مدرسة أهل البيت (ع) .

2-ثانيا: إن التشهير الممنوع هو ذلك الذي يتناول الامور الشخصية، و ليس النقد البناء و الموضوعي و تصحيح الخطأ في الامور العقيدية، و الايمانية و الفكرية، معدودا في جملة ما يجب فيه حفظ الاشخاص، ليكون محظورا و ممنوعا.

لا سيما إذا كان هذا الخطأ سينعكس خطأ أيضا في عقائد الناس، و في قضاياهم الدينية و مفاهيمهم الايمانية، فإنها تبقى القضية الاكثر إلحاحا، و إن حفظ الناس في دينهم هو الاولى و إلا وجب من حفظ من يتسبب بالمساس بذلك، أو يتطاول إليه.

و لا بد للإنسان أن يعرف حده فيقف عنده، و لا يحاول النيل من قضايا و ثوابت الدين و العقيدة، و الايمان.

12

3-و ثالثا: ان المبادرة الى نقد الفكرة ليس تجنيا و لا تشهيرا، بل إن الاصرار على طرح الامور التي تمس الثوابت الدينية أو المذهبية أو التاريخية، أو غيرها بطريقة خالية من الدقة العلمية، و تجاوز الحدود الطبيعية هو الذي يؤدي إلى التشهير بصاحبها.

4-قد يرى البعض ان التعرض الى بعض الثوابت يمثل نوعا من التجديد في الفكر، أو في الثقافة الاسلامية أو التاريخية، و ما الى ذلك.

و لكن الحقيقة هي أن ما قد اعتبر من هذا القبيل هو-على العموم-يمثل عودة الى طرح أمور سبق الآخرون الى طرحها في عصور سلفت، بل لا يزال كثير منهم يذكرون أبعاضا منها في مناقشاتهم مع الشيعة الإمامية الى يومنا هذا، و هو مبثوث في ثنايا كلماتهم، و احتجاجاتهم الكلامية و المذهبية في مؤلفاتهم.. كما لا يخفى على المتتبع الخبير. و قد أجاب عنها الشيعة الامامية و لا يزالون، بكل وضوح و دقة، و مسئولية، و وعي، و لله الحمد.

5-هناك مقولة سمعناها و قرأناها أكثر من مرة تفيد: أن علينا أن لا نخشى من طرح القضايا على الناس، فإن القرآن قد نقل لنا أفكار المشككين في النبي:

«و كيف لنا أن نعرف ما قالوه فيه (ص) من أنه مجنون، و ساحر، و كاذب لو لم يستعرض القرآن مواقفهم المعادية» .

و نقول: أولا: ان قولهم: ساحر، و كاذب، و مجنون، ليس أفكارا للمشككين، بل هو مجرد سباب و شتائم، و إهانات منهم لرسول الله‏

13

(ص) ، في نطاق الحرب الاعلامية ضد الرسول (ص) ، و الذين قالوا ذلك أنفسهم كانوا يعرفون كذبها و زيفها أكثر من غيرهم.

ثانيا: ان إثارة التساؤلات و إلقاء التشكيكات و السباب، و كيل التهم للنبي (ص) أو لغيره لا يعتبر فكرا، فضلا عن أن يكون تجديدا في الفكر، أو حياة له و فيه.

ثالثا: ان القرآن حين تحدث عن مقولات هؤلاء فإنما تحدث عنها في سياق الرد عليها، و تهجينها فلم يكتف بمجرد إثارتها و لا تركها معلقة في الهواء، لتتغلغل و تستحكم في نفوس الناس الذين لا يملكون من أسباب المعرفة ما يمكنهم من محاكمتها بدقة و وعي و عمق.

6-يقول البعض: ان مسئولية العالم أن يظهر علمه إذا ظهرت البدع في داخل الواقع الاسلامي و خارجه، و إذا لم يفعل ذلك «فعليه لعنة الله» كما يقول النبي (ص) ، و الله تعالى قال: إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلْنََا مِنَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ اَلْهُدى‏ََ، مِنْ بَعْدِ مََا بَيَّنََّاهُ لِلنََّاسِ، فِي اَلْكِتََابِ أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللََّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ (1) .

و نقول: اننا عملا بهذه المقولة بالذات، قد ألزمنا أنفسنا في كل حياتنا العلمية بالتصدي العلمي لأي تساؤل يثار في داخل الواقع الاسلامي و خارجه، إذا كان يمثل إدخالا لشي‏ء جديد في تراثنا الفكري، أو في الدين الحنيف، أو في المذهب الحق الذي حقق حقائقه رموز الاسلام، و روّاد التشيع الاصيل، و أساطين العلم و جهابذته، بالادلة الواضحة و البراهين اللائحة.

____________

(1) سورة البقرة: 159.

14

7-قد يجعل بعض الناس دعواه هي نفسها دليله القاطع عليها، فليتأمل المتأمل في ذلك، و ليلتفت إليه.

8-إذا كان ثمة من يحاول هدم الادلة التي أقامها العلماء على قضية عقيدية أو غيرها، فبقطع النظر عن فشله أو نجاحه في ذلك، فإنه حين لا يقدّم الدليل البديل، فإنه يكون بذلك قد قرر التخلّي عن تلك العقيدة التي زعم أنه هدم دليلها، حيث لا يمكنه ان يلتزم بعقيدة ليس له دليل عليها، إلا إذا كان مقلدا في الامور العقائدية، و هو أمر غير مقبول من أحد من الناس.

9-و قد يقول البعض: انه ليس من حق أحد أن ينصحه، بأن لا يطرح على الناس العاديين بعض آرائه و تساؤلاته حول الامور العقيدية، و الايمانية، و التاريخية التي يخالف فيها ما أجمع عليه علماء المذهب، و رموزه و جهابذته، حتى لو كانت هذه النصيحة تهدف الى صيانته عن الوقوع في المحذور الكبير اذا كان ما سيطرحه يمثل خروجا خطيرا، يفرض على العلماء الذين يحرم عليهم كتمان العلم و البينات مواجهته بالدليل القاطع، و بالحجة البالغة، و بالاسلوب المماثل، بل بأي أسلوب مشروع يجدي في التوضيح و التصحيح.

هذا عدا عن أنه يستتبع أيضا أمورا خطيرة فيما يرتبط بآثار هذه المخالفات و تبعاتها، و ما يفرضه على الآخرين من طريقة تعامل معه، و أسلوب التعرض لتساؤلاته و آرائه و طروحاته.

10-و يقول أيضا: «يخاف البعض أن يؤدي طرح المسائل الفكرية و العقائدية الى مسّ أفكار متوارثة قد تكون صحيحة، و قد لا تكون» .

15

ثم يتوجه الى الناس بقوله: «لا تبيعوا عقولكم لأحد، و لا تبقوا على جمودكم على غرار ما ذكرته الآية الكريمة: إِنََّا وَجَدْنََا آبََاءَنََا عَلى‏ََ أُمَّةٍ، وَ إِنََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمْ مُقْتَدُونَ (1) ، لأن كل جيل يجب أن ينفتح على الحقيقة وفق ما عقله، و فكر به» .

ثم يستدل على لزوم طرح أفكاره و تساؤلاته بحديث: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه و إلا فعليه لعنة الله، و بالآية الكريمة المتقدمة إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلْنََا مِنَ اَلْبَيِّنََاتِ وَ اَلْهُدى‏ََ... الخ...

و نقول: إننا لا ندري ما هو المبرر لهذا التصريح الخطير الذي ضمنه اتهاما بأن بعض أفكار و عقائد مذهبنا الحق قد لا تكون صحيحة!!

و ما كنا نظن أن اتباع هذا المذهب يتوارثون أفكارهم و عقائدهم من دون دليل و حجة، و إنما لمجرد التقليد الاعمى غير المقبول و لا المعقول!!و لم نكن نحسب أن أتباع هذا المذهب قد أصبحوا موردا لقوله تعالى: إنا وجدنا آبائنا على أمة الخ.. !!

و الأدهى من ذلك كله: تصنيف عقائدنا (المتوارثة!!) على حد تعبيره في عداد البدع التي ظهرت. فاحتاج الى إظهار علمه انطلاقا من حديث: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه!!

11-و ربما يلجأ البعض إلى اظهار أية معالجة علمية للمقولات التي تصدر عنه، على أنها تتصل بدوافع شخصية، ثم تبدأ التحليلات،

____________

(1) سورة الزخرف: 13.

16

و التكهنات، و تصاغ التهم؛ فينشغل الناس بها، و ينسوا ما وراء ذلك.

و نحن لا نريد أن نفرض على أحد أن يحسن ظنه بأي كان، و إن كنا نعتقد: أن إحسان الظن-خصوصا-على المستوى العلمي هو ما تدعو إليه الاخوة الاسلامية و الايمانية.

و لكننا نذكّر المشتغلين بالشأن العلمي بأمر يوجبه الله سبحانه و تعالى على الجميع، و هو أن عليهم أن ينأووا بأنفسهم عن التكهنات، و التهم و الرجم بالغيب، مع ما يتضمن ذلك من تعد على كرامات الناس من دون اثبات له بالطرق الشرعية. و هذا التعدي مرفوض، و يعد مخالفة لاحكام الشرع و الدين، و للضمير و الوجدان.

ثم إننا نذكّر أيضا بأمرين: أحدهما: ان هذا النوع من الفهم للامور، لا يقلل من قيمة الطرح العلمي أو الفكري الذي تقدمه تلك المعالجة، التي ربما يراد حجب تأثيرها بأساليب كهذه، بل تبقى الروح العلمية، و متانة الدليل هي المعيار و الميزان في الرد أو في القبول، إذا اقتضى الأمر أيا من هذين الامرين في أي مسألة من المسائل التي هي في صلب اهتماماتنا، و تقع في سلّم الاولويات عندنا.

الثاني: اننا قد لا نجد مبررا لإساءة الظن هذه، لأن المعايير الشرعية هي التي يجب أن تحكم أي موقف أو سلوك، لا سيما إذا كانت العلاقة فيما بين طرفي الحوار حميمة و سليمة على مدى حين طويل من الدهر، لو لا هذه المعارضة للافكار، يريد أن يروّج لها، و يستظهر بها، و ينتصر لها بقوة و بحماس، فحرك الطرف الآخر شعوره بالمسؤولية العلمية أو الشرعية لبيان ما يراه حقا و صدقا، و لا حرج و لا غضاضة في ذلك، بل انه لو لم يفعل ذلك لكان للريب في صلاحه

17

و استقامته مجال و مبرر، مقبول و معقول.

12-يقول البعض: ان ما يصدر عنه من مقولات هو مجرد اجتهاد، و يحق لكل أحد أن يمارس الاجتهاد، و يخالف الآخرين في آرائهم..

و نقول: لا حرج في أن يجتهد فلان من الناس، و يخالف الآخرين في آرائهم أو يوافقهم.. إذا كان الامر يقتصر عليه هو، و ينحصر به، و يمثل عقيدة شخصية له، لا تتعداه الى غيره.

أما إذا كان هذا الشخص يريد أن ينشر بين الناس اجتهاده المخالف لثوابت المذهب التي قامت عليها، البراهين القاطعة، و دلت عليها النصوص الصريحة و الصحيحة و المتواترة، فيدعوا الناس إلى مقالاته المخالفة لها، فالموقف منه لا بد أن يختلف عن الموقف من ذاك، حيث لا بد من التصدي له، و تحصين الناس عن الانسياق معه، في أفكاره التي تخالف حقائق الدين و ثوابته التي حققها رموز المذهب و أعلامه، و لا بد من وضع النقاط على الحروف، و توضيح التفاوت و الاختلاف فيما بينه و بينهم.

و يتأكد لزوم مواجهة طروحاته حين نجده يقدمها للناس بعنوان أنها هي الفكر المنسجم مع ما تسالم عليه علماؤنا تحت شعار التجديد و العصرنة، و لا يعترف أبدا بأنها تختلف مع كثير من الحقائق الثابتة في النواحي العقيدية و الايمانية، الامر الذي لا ينسجم مع الأمانة الفكرية و لا مع خلقية الانسان الناقل و الناقد.

13-قد يلاحظ على البعض إيغاله في الاعتماد على عقله،

18

و في إعطائه الدور الرئيس، و القرار الحاسم، حتى في أمور ليس للعقل القدرة على الانطلاق في رحابها، بل ربما جعل من عقله هذا معيارا و مقياسا، مدعيا أنه يدرك علل الاحكام، فيعرض النصوص عليه، فإن أدرك مغزاها، و انسجم مع محتواها قبلها و رضيها، و إلا فلا يرى في رفضها، و الحكم عليها بالوضع و الدس أي حرج أو جناح.

و نوضح ذلك في ضمن فرضيتين يظهر منهما موضع الخلل:

إحداهما: ان ظاهر النص قد يتناقض مع حكم العقل، تناقضا ظاهرا و صريحا في أمر هو من شئون العقل، و يكون للعقل فيه مجال، و له عليه إشراف. ففي هذه الحالة لا بد من تأويل النص بما يتوافق مع العقل، و ينسجم مع قواعد التعبير.

فإن لم يمكن ذلك فلا بد من رده، و رفضه، و هذه الفرضية هي الصحيحة و المقبولة لدى العلماء.

الثانية: ان يعجز عقل الفرد عن إدراك وجه الحكمة أو العلة في ما تحدث عنه النص، كما لو تحدث النص عن أن المرأة الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة، أو تحدث عن ان الله سبحانه سيرجع في آخر الزمان أناسا من الاولياء، و أناسا من الاشقياء، فينال الاولياء الكرامة و الزلفى، و يعاقب الاشقياء ببعض ما اقترفوه، و يشفي بذلك صدور المؤمنين.

فإذا عجز عقله عن تفسير ذلك الحكم، أو هذا الحدث الذي أخبر عنه النص، رأيته يبادر الى رفضه، أو يطالب بتأويله، و يقول: ان المراد هو رجعة الدولة و النفوذ مثلا.

مع انه لا مورد لذلك الرفض، و لا لتلك المطالبة بالتأويل.

19

إذ ليس من المفترض أن يدرك عقل هذا الشخص جميع العلل و الحكم لكل ما صدر أو يصدر عن الله سبحانه.

كما انه إذا لم يستطع عقله أن يدرك بعض الامور و الاسرار اليوم، فقد يدرك ذلك غدا، بل قد لا يتمكن الآن أحد من إدراكها، ثم تدركها أجيال سوف تأتي بعد مئات السنين، كما هو الحال بالنسبة لكثير مما تحدث عنه القرآن من أسرار الكون و الحياة التي عرفنا بعضها في هذا القرن.

و حتى لو لم ندرك ذلك، و بقي في دائرة ما استأثر الله لنفسه بمعرفته، و ربما علّمه أنبياءه و أولياءه، فما هو الاشكال في ذلك؟!

و يبدو لنا أن الاسراف في تقديس العقل، باعتباره هو مصدر المعرفة الاوحد، و جعله مقياسا لرد أو قبول النصوص حتى في هذه الفرضية الاخيرة-ان ذلك-مأخوذ من المعتزلة، و قد كان هو الداء الدوي لهم، و من اسباب انحسار تيارهم، و خمود نارهم في العصور السالفة.

و ها هو التاريخ يعيد نفسه، حيث نشهد العودة الى نفس مقولتهم، التي أثبت الدليل بطلانها، كما عادت مقولات أخرى أكل الدهر عليها و شرب لتطلع رأسها من خبايا التاريخ و زواياه؛ لتطرح من جديد باسم التجديد، تارة، و باسم العصرنة و الفكر الجديد أخرى، و الله هو الذي يبدئ و يعيد، و هو الفعّال لما يريد.

14-قد يحاول البعض ان يدعي: ان السبب في نقد افكار هذا الشخص أو ذاك هو إرادة إثارة الاجواء ضده، لأنه يحتل موقعا متميزا، فتحركت العصبيات في هذا الاتجاه أو ذاك، بهدف اسقاطه..

20

و نقول:

اولا: ان من الواضح: ان الكثيرين ممن أعلنوا رفضهم لتلك الاقاويل و يناقشونها لا يعيشون فكرة أو هاجس «المقامات، و العناوين» ، حتى و لو كان هو عنوان او فكرة المرجعية بالذات، و لا يقع ذلك كله في دائرة اهتماماتهم.

ثانيا: اننا قد نجد أن أصحاب تلك الاقاويل المتهمة نفسها هم الذين يبادرون الى طرح الامور المثيرة، و يعيشون هاجس نشر طروحاتهم بكل الوسائل، و يرفعون من مستوى التوتر و الحماس تارة، و يخفضونه أخرى. و قد أثبتت الوقائع ذلك.

ثالثا: عدا عن ذلك كله، فإن المعيار و الميزان في الفكرة المطروحة هو عناصر الاقناع فيها، و حظها في ميزان الخطأ و الصواب، و مدى قربها و بعدها عن حقائق الدين و المذهب.

و ليس لاحد أن يدعي علم الغيب بما في ضمائر الناس، و حقيقة دوافعهم، فلتكن دوافعهم هذه أو تلك، فإن ذلك لا يؤثر في تصحيح أو تخطئة الفكرة، و لا يقلل أو يزيد من خطورتها.

15-ما زلنا نسمع البعض يطرح مسائل في مجالات مختلفة، لا تلتقي مع ما قرره العلماء، و لا تنسجم مع كثير مما تسالموا عليه استنادا الى ما توفر لديهم من أدلة قاطعة تستند الى قطعي العقل، أو صريح النقل أو ظاهره..

و قد بذلت محاولة تهدف الى بحث هذه الامور مع نفس أولئك الذين بادروا الى إثارتها، و طلب منهم في أكثر من رسالة، و عبر أزيد من رسول الدخول في حوار علمي مكتوب و صريح، توضع فيه‏

21

النقاط على الحروف، و يميز فيه الحق من الباطل بالدليل القاطع، و بالحجة الدامغة.

و ذلك على أمل أن يؤدي ذلك لو حصل الى أن تجنّب الساحة سلبيات إعلانهم المستمر بما لا يحسن الاعلان به، قبل التثبت و اليقين، و سد جميع الثغرات فيه.

و لكن-للاسف الشديد-قد جاءنا الجواب منهم برفض الحوار، إلا أن يكون ذلك بين جدران أربع، و خلف الابواب، و هذا ما يسمونه بالحوار!!

لقد أبوا أن يكتبوا لنا و لو كلمة واحدة تفيد في وضع النقاط على الحروف، متذرعين بعدم توفر الوقت لديهم، للكتابة، رغم أنهم قد كتبوا و ما زالوا يكتبون حتى هذه المسائل بالذات، و يوزعون ذلك في أكثر من اتجاه، لا ناس بأعيانهم تارة، و للناس عامة أخرى... و في مقالاتهم، و خطاباتهم، و محاضراتهم عبر وسائل الاعلام المختلفة ثالثة.

و حين لمسوا منّا الاصرار على موقفنا، لم يتحرجوا من العودة الى قواميسهم ليتحفونا بما راق لهم منها، مما له لون، و طعم، و رائحة، من قواذع القول، و عوار الكلم، و توجيه سهام الاتهام.

و كأن طلبنا للحوار العلمي كان كفرا بالله العظيم. أو ربما أقبح لو كان ثمة ما هو أقبح.

و لعل أيسر ما سمعناه و أخفه و أهونه هو أننا نتحرك بالغرائز، أو نعاني من التخلف و العقد، و الوقوع تحت تأثير هذا و ذاك، هذا عدا عن وصفنا بالذهنية الايرانية، و بالتعصب. و هذه هي التهمة المحببة إلينا، لأننا إنما نتعصب للحق، و ندافع عنه، و هو أمر ممدوح و مرضي عند الله‏

22

و رسله، و عند أوليائه و أصفيائه صلوات الله عليهم أجمعين.

هذا، مع العلم: اننا كنا و ما زلنا الى ما قبل أشهر يسيرة من تاريخ كتابة هذه الكلمات من خير الاحباب و الاصحاب لهم و معهم، و لم يعكر صفو هذه المحبة و المودة إلا أننا اكتشفنا في هذه الآونة الاخيرة ما رأينا ان تكليفنا الشرعي يفرض علينا أن نطلب منهم الحوار العلمي الهادئ و الرصين لحل معضلته.

16-إن هذا الكتاب الماثل أمام القارئ الكريم يقدم قدرا كبيرا من النصوص المأخوذة من عشرات بل مئات المصادر، رغم أنه أنجز في أشهر لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، و هي مدة قصيرة، لا تسمح بكثير من التنقيب و التقصي، لا سيما مع وجود كثير من الصوارف عن القيام بأدنى جهد في الايام ذات العدد، خلال تلك المدة..

و نجدنا بحاجة الى تذكير القارئ الكريم، بأن المصادر الموضوعة في هوامش الكتاب كانت كثيرة الى درجة بتنا نخشى معها أن نكون قد وقعنا في أخطاء في أرقام الاجزاء و الصفحات، كما اننا أخذنا في موارد كثيرة من طبعات عدد للكتاب الواحد فليلاحظ ذلك..

هذا.. و إن اهتمامنا بالمصادر-كما هو ديدننا-يأتي على قاعدة وضع القارئ أمام أدق جزئيات الحدث و تفاصيله ليكون هو الذي يوازن، و يفكر، ثم يستنتج و يقرر، من خلال تشبثه بأسباب المعرفة، و إشرافه المباشر على الامور المطروحة، و اطلاعه على ما لها من مناخات و ظروف و أحوال، لتكون نظرته الى الامور-من ثم- تتّسم بالدقة، و العمق، و من منطلق الوعي و الاحاطة، و تمتاز

23

بالاصالة و الثبات.

و هذه الطريقة قد لا يستسيغها بعض الناس، الذين قد تقرأ لهم مئات بل آلاف الصفحات، فتجدهم يستغرقون بالانشائيات، التي تعتمد على الكلمة الرنانة، و على الدعاوى العريضة، من دون أن يوثق ذلك بالنص الصريح، أو أن يفتح لك آفاق المعرفة المباشرة و الشاملة، إلا نزرا يسيرا مما يتداوله عامة الناس أو خصوص ما يؤيد فكرته منها!!

إنه يكتم عنك الكثير مما يرى ان من المصلحة أن لا تهتدي إليه، أو أن تطلع عليه، و إن أردت شيئا من ذلك فلن تجد في نفسك معطيات التفكير فيه، حيث لن تملك من وسائله شيئا، و لن يجعلك- إن استطاع-تحصل على شي‏ء يمكنك أن تمسك به، و تطبق يدك عليه.

إنه يريد منك أن تقرأ ثقافته هو، و تجربته كفرد، و تهوّم في آفاقه، و تتلمّس آلامه، و آماله، و أحلامه، و حتى تخيلاته و أوهامه، و ليس ثمة شي‏ء وراء ذلك إلا السراب، و السراب فقط.

17-و بعد، إننا نأسف كل الاسف إذا قلنا: إن هذا الكتاب لم يقدّر له أن يعالج موضوعا محددا له بداية و نهاية، و عناصر لها ما يجمع بين متفرقاتها، و يؤلف بين مختلفاتها، بل هو يعالج شتاتا من المسائل المختلفة، استخدمها البعض للتشكيك في أحداث جرت على الزهراء (ع) ، أو أثارها في مناسبة الحديث عنها (ع) ، لسبب أو لآخر. غ

24

النقاط المعادة

و من النقاط التي ذكرناها في مقال سابق، و نشرناها، نختار ما يلي:

1-إن طرح الاحاديث المتشابهة، أو التي يصعب فهمها على الناس، ثم الاصرار على الاستمرار في هذا الطرح، من دون تقديم التفسير المعقول و المقبول، ليس بالامر المرضي، و لا هو محمود العواقب، خصوصا إذا كان ذلك من قبل أناس يتوقع الناس منهم حلّ المشكلات، و توضيح المبهمات.

و على الاخص إذا كانت هذه الاحاديث، أو القضايا المشكلة لا تطرح على أهل الاختصاص من أهل الفكر، و إنما على الناس السذّج و البسطاء، بمن فيهم الصغير و الكبير، و المرأة و الرجل، و العالم و الجاهل. و ذلك عبر وسائل الاعلام العامة، و في الهواء الطلق.

2-إن إثارة المسائل الحسّاسة، و طرح التساؤلات على أولئك الذين لا يملكون من أسباب المعرفة ما يمكّنهم من حل العقدة بصورة سليمة و قويمة. و من دون تقديم إجابات كافية، أو حتى من دون إجابات أصلا، إن ذلك يفرض على العلماء المخلصين أن يبادروا الى رفع النقيصة، و سد الثغرات، و تقديم الاجوبة الصحيحة، بكل ما يتوافر لديهم من وسائل، لئلاّ يقع الناس الابرياء الغافلون في الخطأ الكبير و الخطير.

مع الحرص الاكيد على الاقتصار على نقد الفكرة، و دون أن تصدر أية إساءة، أو تجريح شخصي، أو انتقاص لاي كان من الناس.

25

و إنما مع حفظ الكرامة و السؤدد، و بالاسلوب العلمي المهذّب و الرصين.

مع التذكير و الإلماح الى أن تبعة إثارة هذا المواضيع تقع على عاتق مثيرها الاول. لا على الذين تصدوا للتصحيح و التوضيح.

و ليس من الانصاف أن تثار هذه الامور في الهواء الطلق، ثم يطلب من الآخرين أن يسكتوا عن التعرّض لها، إلاّ في الخفاء، و بين جدران أربع، و خلف أبواب مغلقة أو مفتوحة، فإن طلبا كهذا لا بد أن يفهم على أنه أمر بالسكوت، بصورة جبرية، بل هو ابتزاز و حصر لحق الكلام بصاحب السيادة أو السماحة دون سواه.

3-إنه لا مجاملة في قضايا الدين و العقيدة، فلا يتوقعنّ ذلك أحد من أي كان من الناس، حتى لو كان قريبا و حبيبا، و مهما كان موقعه و دوره، فإن الحق و الدين فوق كل الاعتبارات.

4-إن قضايا الدين و العقيدة ليست حكرا على فريق بعينه، بل هي تعني كل الناس على اختلاف حالاتهم و مستوياتهم، فمن حق كل أحد أن يظهر حساسية تجاه أي مقولة تمس هذه القضايا، و لا بد أن يلاحق ذلك باهتمام بالغ و مسئول، ليحدد موقفه. و لكن ضمن حدود الاتزان، و بالاسلوب العلمي الموضوعي و الرصين و المسئول.

و يتأكد هذا الامر إذا عرفنا: أ-ان قضايا العقيدة لا يجوز التقليد فيها، بل لا بد لكل فرد من الناس أن يلتمس الدليل المقنع و المقبول.. فليست مسائل العقيدة على حد مسائل الفقه التي يرجع فيها الجاهل الى العالم ليأخذ الفتوى.

استنادا الى الادلة العامة على لزوم التقليد.

26

و ليس من الجائز منع الناس من التعرض لمثل هذه القضايا، و لا يصح أن يطلب منهم مجرد الاخذ الاعمى لها، و تقليد الآباء و الاجداد، أو هذا العالم أو ذاك بها. كما لا يصح، بل لا يجوز استغلال غفلتهم، و طهرهم و عرض هذه القضايا لهم بصورة ناقصة، و غير متوازنة، فان ذلك لا يتوافق مع الامانة العلمية و الشرعية التي لا بد من مراعاتها.

ب-إن تحسّس الناس لقضايا الدين و العقيدة، و متابعتهم لها بحيوية و حماس لهو من علامات العافية، و دلائل السلامة، و من المفترض تشجيعه و تنميته فضلا عن لزوم الحفاظ عليه.

و لا يصح مهاجمته، و مواجهته بالاتهامات الكبيرة، و الخطيرة، بهدف كبته و القضاء عليه، بل اللازم هو تأكيده، و تحصينه، و توجيهه بصورة قويمة و سليمة، لتصبح تلك العقيدة أكثر رسوخا، و أعمق تأثيرا في السلوك و في الموقف، لا سيما في مواجهة التحديات.

5-إن العلوم الاسلامية كثيرة، و فيها سعة و شمولية ظاهرة، بالاضافة الى أنها بالغة الدقّة في كثير من تفاصيلها، فلا غضاضة على العالم أن يتريّث في الاجابة على كثير من الاسئلة التي توجه إليه في كافة العلوم، إذ ليس بمقدوره الاجابة على جميع الاسئلة، إلا أن يكون في مستوى الأنبياء و الائمة. و قد قيل: رحم الله امرأ عرف حدّه فوقف عنده.

فإذا كان المسئول لم ينجز بحث تلك المسائل و تحقيقها، و دراستها بصورة دقيقة و وافية، تمكنه بعد ذلك من أن يعرضها على الناس بدقة و شمولية فليس له ان يصدر فيها أحكاما قاطعة. و لا يجوز له أن يتصدى للاجابة عنها، و إن كان لا بد من ذلك؛ فعليه أن يلتزم

27

حدود العرض و البراءة من العهدة، و تقديم العذر بعدم التوفر على دراستها و تمحيصها.

و لا غضاضة عليه لو اكتفى بعرض ما توافق عليه أعاظم علماء المذهب و أساطينه، من دون التفات الى ما تفرّد به هذا العالم أو ذاك، حيث لا يمكن التزام الشاذ، و ترك المشهور و المنصور.

أما أن يثير كل ما يخطر على باله، أو يجيب على كل سؤال بطريقة تشكيكية، تحقق له الهروب‏ (1) ، و توحي للناس بأنه عالم بكل تفاصيل القضايا، و بأنه يثير التساؤلات حولها من موقع الخبرة، و المسئولية، و الاطلاع الدقيق، و الفكر العميق، مع أنه ربما لم يطلع على النص أصلا، فضلا عن أن يكون قد درسه أو حقق فيه-إن هذا الاسلوب-غير مقبول، و غير منطقي و لا معقول.

6-انه ليس من حق أحد أن يطلب من الناس أن يقتصروا في ما يثيرونه من قضايا على ما ورد عن النبي (ص) و الأئمة (ع) بأسانيد صحيحة، وفق المعايير الرجالية في توثيق رجال السند... لأن ذلك معناه أن يسكت الناس كلهم عن الحديث في جل القضايا و المسائل، دينية كانت أو تاريخية أو غيرها.

بل ان هذا الذي يطلب ذلك من الناس، لو أراد هو أن يقتصر في كلامه على خصوص القضايا التي وردت بأسانيد صحيحة عن المعصومين، فسيجد نفسه مضطرا الى السكوت، و الجلوس في بيته، لأنه لن يجد إلا النزر اليسير الذي سيستنفده خلال أيام أو أقل من ذلك.

____________

(1) كقوله: إذا سئل عن أمر ورد في نص: هذا غير ثابت. أو صحة الرواية غير معلومة. أو يوجد أحاديث لم تثبت صحتها.

28

على أننا نقول، و هو أيضا يقول: ان ثبوت القضايا لا يتوقف على توفر سند صحيح لها برواية عن المعصومين، فثمة قرائن أخرى تقوي من درجة الاعتماد أحيانا، ككون الرواية الضعيفة قد عمل بها المشهور، و استندوا إليها مع وجود ذات السند الصحيح أمام أعينهم، ثم لم يلتفتوا إليها و كذا لو كان النص يمثل اقرارا من فاسق بأمر يدينه أو يناقض توجهاته، فانه لا يصح ان يقال: إن هذا فاسق فلا يقبل قوله.

و على هذا، فلا بد من ملاحظة القرائن المختلفة في قضايا الفقه، و الاصول، و العقيدة و التاريخ و غيرها من قبل أهل الاختصاص، حيث يستفيدون منها في تقوية الضعيف سندا، أو تضعيف القوي، بحسب الموارد و توفر الشواهد.

7-إنه ليس أسهل على الانسان من أن يقف موقف المشكك و النافي للثبوت، و المتملص من الالتزام بالقضايا، و الهروب من تحمل مسئولياتها. و ليس ذلك دليل علمية و لا يشير الى عالمية في شي‏ء.

و العالم المتبحر، و الناقد، و المحقق هو الذي يبذل جهده في تأصيل الاصول، و تأكيد الحقائق. و إثبات الثابت منها، و إبعاد المزيف.

8-إن نسبة أي قول إلى فئة أو طائفة، إنما تصح إذا كان ذلك القول هو ما ذهب إليه، و صرح به رموزها الكبار، و علماؤها على مر الاعصار، أو أكثرهم، و عليه استقرّت آراؤهم، و عقدوا عليه قلوبهم.

و يعلم ذلك بالمراجعة الى مجاميعهم، و مؤلفاتهم، و كتب عقائدهم، و تواريخهم.

أما لو كان ثمة شخص، أو حتى أشخاص من طائفة، قد شذوا في بعض آرائهم، فلا يصح نسبة ما شذوا به الى الطائفة بأسرها، أو

29

الى فقهائها، و علمائها. فكيف إذا كان هؤلاء الذين شذوا بأقوالهم من غير الطليعة المعترف بها في تحقيق مسائل المذهب.

و كذا الحال لو فهم بعض الناس قضية من القضايا بصورة خاطئة و غير واقعية و لا سليمة، فلا يصح نسبة هذا الفهم الى الآخرين بطريقة التعميم، لكي تبدأ عملية التشنيع بالكلام الملمع و المزوّق و المرصّع و المنمق، مع تضخيم له و تعظيم، و تبجيل و تفخيم، يؤدي إلى احتقار علماء المذهب و تسخيف عقولهم، بلا مبرر أو سبب. ثم هو يقدم البديل الذي أعدّه و مهد له بالكلام المعسول مهما كان ذلك البديل ضعيفا و هزيلا.

9-إن طرح القضايا التي يطلب فيها الوضوح، على الناس العاديين بأساليب غائمة، و إن كان ربما يسهّل على من يفعل ذلك التخلّص و التملص من تبعة طروحاته الى حد ما..

و لكنه لا يعفيه من مسئولية تلقي الناس العاديين للفكرة على أنها هي كل الحقيقة، و هي الرأي الصواب الناشى‏ء عن البحث و الدراسة، و ما عداه خطأ.

نعم، لا يعفيه من مسئولية ذلك، ما دام ان الكل يعلم: ان الناس يفهمون الامور ببساطة، فلا يلتفتون الى كلمة: ربما، لعل، لنا أن نتصور، يمكن أن نفهم، نستوحي، علينا أن ندرس، و ما الى ذلك..

و بعد... غ فإننا نحترم و نقدر جهود العاملين و المخلصين، و ندعو لهم بالتوفيق و التسديد، و نشكر كل الاخوة العاملين المخلصين الذين بذلوا جهدا في سبيل انجاح هذا الكتاب، و أخص منهم بالذكر الاخ العلامة

30

الجليل الشيخ رضوان شرارة، فشكر الله سعي الجميع، و حفظهم و رعاهم. و وفقنا و اياهم لسداد الرأي، و خلوص العمل. و هو ولينا، و هو الهادي الى الرشاد و السداد. غ

31

الباب الأول الزهراء و مأساتها

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الفصل الأول:

الزهراء (ع) مقامها و عصمتها

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

بداية و توطئه:

سنبدأ حديثنا في هذا الفصل عن تاريخ ميلاد الزهراء (ع) لأن البعض يحاول ان يتحاشى، بل يأبى الالزام أو الالتزام بما ورد عن النبي الكريم (ص) ، و عن الائمة الطاهرين عليهم السلام، من انها (ع) قد ولدت من ثمر الجنة بعد الاسراء و المعراج، أو يحاول تحاشي الالتزام بأنها عليها السلام قد تزوجت من علي (ع) في سن مبكر، لأنه يشعر بدرجة من الاحراج على مستوى الاقناع، يؤثر أن لا يعرّض نفسه له.. و قد لا يكون هذا و لا ذاك، بل ربما أمر آخر، هو الذي يدعوه الى اتخاذ هذا الموقف و الله هو العالم بحقائق الامور، و المطلع على ما في الصدور.

ثم نتحدث بعد ذلك‏ ، عن أمور لها ارتباط قريب بشأن عصمة الأنبياء، و الأوصياء، و الأولياء عليهم السلام لا سيما عصمة الصديقة الطاهرة صلوات الله و سلامه عليها.

و سيكون حديثنا هذا عن العصمة مدخلا مقبولا و تمهيدا لعرض بعض الحديث عن منازل الكرامة، و درجات القرب و الزلفى لسيدة نساء العالمين عليها الصلاة و السلام، في ظل الرعاية الربانية، و التربية الالهية، دون أن نهمل الاشارة الى موضوع ارتباطها بالغيب، الذي تمثّل بما حباها الله سبحانه و تعالى به من صفات و خصوصيات،

36

و كرامات ميزتها عن سائر نساء العالمين. فكانت المرأة التي تحتفل السماء قبل الارض بزواجها من علي عليه الصلاة و السلام، و كانت أيضا المرأة الطاهرة المطهّرة عن كل رجس و دنس و نقص، حتى لقد نزهها الله عما يعتري النساء عادة من حالات خاصة بهنّ دون أن يكون لذلك أي تأثير سلبي على شخصيتها فيما يرتبط بشأن الحمل، و الولادة.

ثم إننا: قبل أن نخرج من دائرة كراماتها الجلي، و ميزاتها و صفاتها الفضلى، كانت لنا إلمامة سريعة بما حباها الله به من علم متصل بالغيب، أتحفها الله به بواسطة ملك كريم كان يحدثها و يسليها بعد وفاة أبيها، الأمر الذي أنتج كتابا هاما جدا، كان الائمة الاطهار عليهم الصلاة و السلام يهتمون، بل و يعتزون به، و كانوا يقرءون فيه، و ينقلون عنه و هو ما عرف بـ «مصحف فاطمة» عليها السلام، بالاضافة الى كتب أخرى اختصت بها صلوات الله و سلامه عليها.

إننا سنقرأ لمحات عن ذلك كله في هذا الفصل، مع توخي سلامة الاختيار و مراعاة الاختصار قدر الامكان.. و بالله التوفيق، و منه الهدى و الرشاد.

متى ولدت الزهراء عليها السلام؟

ان أول ما يطالعنا في حياة الصدّيقة الطاهرة هو تاريخ ولادتها عليها السلام. حيث يدعي البعض أنها عليها السلام قد ولدت قبل البعثة بخمس سنوات؟!

37

و نقول: ان ذلك غير صحيح. و الصحيح هو ما عليه شيعة أهل البيت (ع) ، تبعا لأئمتهم (ع) (1) -و أهل البيت أدرى بما فيه-و قد تابعهم عليه جماعة آخرون، و هو: أنها عليها السلام قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات، أي في سنة الهجرة الى الحبشة، و قد توفيت و عمرها ثمانية عشر عاما. و قد روي ذلك عن أئمتنا (ع) بسند صحيح‏ (2) .

مضافا الى هذا: فمن الممكن الاستدلال على ذلك أو تأييده بما يلي:

1-ما ذكره عدد من المؤرخين من أن جميع أولاد خديجة رحمها الله قد ولدوا بعد البعثة (3) ، و فاطمة (ع) كانت أصغرهم.

2-الروايات الكثيرة المروية عن عدد من الصحابة، مثل:

عائشة و عمر بن الخطاب و سعد بن مالك و ابن عباس و غيرهم، التي تدل على أن نطفتها عليها السلام قد انعقدت من ثمر الجنة، الذي

____________

(1) راجع ضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 2 «مخطوط» و جامع الأصول لابن الأثير:

ج 12 ص 9 و 10.

(2) البحار: ج 43 ص 1. 10 عن الكافي بسند صحيح، و عن المصباح الكبير، و دلائل الامامة و مصباح الكفعمي، و الروضة، و مناقب ابن شهرآشوب، و كشف الغمة: ج 2 ص 75 و إثبات الوصية و راجع: ذخائر العقبى: ص 52 و راجع أيضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 278 عن كتاب تاريخ مواليد أهل البيت للامام أحمد بن نصر بن عبد الله الدراع، و راجع: مروج الذهب ج 2 ص 289 و غير ذلك.

(3) راجع: البدء و التاريخ: ج 5 ص 16 و المواهب اللدنية: ج 1 ص 196 و تاريخ الخميس: ج 1 ص 272.

38

تناوله النبي (ص) حين الاسراء و المعراج‏ (1) ، الذي أثبتنا أنه قد حصل في أوائل البعثة (2) .

و إذا كان في الناس من يناقش في أسانيد بعض هذه الروايات

____________

(1) تجد هذه الروايات في كتب الشيعة، مثل:

البحار: ج 43 ص 4 و 5 و 6 عن أمالي الصدوق، و عيون أخبار الرضا، و معاني الاخبار، و علل الشرائع، و تفسير القمّي، و الاحتجاج. و غير ذلك، و راجع: الانوار النعمانية: ج 1 ص 80. و أي كتاب حديثي أو تاريخي تحدث عن تاريخ الزهراء (عليها السلام) .

و تجدها في كتب غيرهم، مثل: المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 156 و تلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) نفس الجزء و الصفحة، و نزل الابرار: ص 88 و الدر المنثور: ج 4 ص 153 و تاريخ بغداد: ج 5 ص 87 و مناقب الامام علي بن أبي طالب لابن المغازلي: ص 357 و تاريخ الخميس:

ج 1 ص 277 و ذخائر العقبى: ص 36 و لسان الميزان: ج 1 ص 134 و اللآلئ المصنوعة: ج 1 ص 392 و الدرة اليتيمة في بعض فضائل السيدة العظيمة:

ص 31.

و نقله في إحقاق الحق (قسم الملحقات) : ج 10 ص 1-10 عن بعض من تقدم و عن ميزان الاعتدال، و الروض الفائق، و نزهة المجالس، و مجمع الزوائد، و كنز العمال، و منتخب كنز العمال، و محاضرة الاوائل، و مقتل الحسين للخوارزمي، و مفتاح النجاة، و المناقب لعبد الله الشافعي، و إعراب ثلاثين سورة، و أخبار الدول.

و قد تحدث في كتاب ضياء العالمين: ج 4 ص 4 و 5 «مخطوط» عن هذا الأمر، و ذكر طائفة كبيرة من المصادر الأخرى.

و ثمة مصادر أخرى ذكرناها حين الحديث حول الاسراء و المعراج في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) ، فراجع.

(2) راجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) : ج 3 مبحث الاسراء و المعراج.

39

على طريقته الخاصة، فإن البعض الآخر منها لا مجال للنقاش فيه، حتى بناء على هذه الطريقة أيضا.

و اما ما يزعم من ان هذه الرواية لا تصح‏ ، لأن الزهراء قد ولدت قبل البعثة بخمس سنوات، فهو مصادرة على المطلوب، اذ ان هذه الروايات التي نحن بصدد الحديث عنها-و قد رويت بطرق مختلفة- أقوى شاهد على عدم صحة ذلك الزعم.

3-قد روى النسائي: انه لما خطب أبو بكر و عمر فاطمة (ع) ردّهما النبي (ص) متعللا بصغر سنها (1) .

فلو صح قولهم‏ : إنها ولدت قبل البعثة بخمس سنوات، فان عمرها حينما خطباها بعد الهجرة-كما هو مجمع عليه عند المؤرخين-يكون حوالي ثمانية عشر أو تسعة عشر سنة، فلا يقال لمن هي في مثل هذا السن: انها صغيرة.

4-قد روي: أن نساء قريش هجرن خديجة رحمها الله، فلما حملت بفاطمة كانت تحدثها من بطنها و تصبرها (2) .

و قد يستبعد البعض حمل خديجة بفاطمة (ع) بعد البعثة بخمس سنوات، لأن عمر خديجة (رض) حينئذ كان لا يسمح بذلك.

و لكنه استبعاد في غير محله، إذ قد حققنا في كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم) أن عمرها كان

____________

(1) راجع: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 228 بتحقيق المحمودي، و المناقب لابن شهر اشوب: ج 3 ص 393 (ط دار الأضواء) و تذكرة الخواص:

ص 306 و 307، و ضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 46 «مخطوط» .

(2) البحار: ج 43 ص 2.

40

حينئذ حوالي خمسين سنة، بل أقل من ذلك أيضا، على ما هو الاقوى، و إن اشتهر خلاف ذلك.

و احتمال ان يكون ذلك-اي ولادتها بعد سن اليأس-قد جاء على سبيل الكرامة لخديجة و لرسول الله (ص) على غرار قوله تعالى:

أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ .

غير وارد هنا، اذ لو كان الامر كذلك لكان قد شاع و ذاع، مع اننا لا نجد أية اشارة تدل على ذلك.

5-و يدل على ذلك أيضا الاحاديث الكثيرة التي ذكرت سبب تسميتها بفاطمة، و بغير ذلك من أسماء، حيث تشير و تدل على ان هذه التسمية قد جاءت من السماء بأمر من الله عز و جل.

و هي روايات كثيرة موجودة في مختلف المصادر، فلتراجع ثمة (1) .

____________

(1) راجع: ينابيع المودة و كنز العمال: ج 6 ص 219 و المناقب لابن المغازلي:

ص 221 و 229 و راجع كتاب ضياء العالمين «مخطوط» : ج 4 ص 6/9 ففيه بسط و تتبع، و البحار: ج 43 ص 13 و في هامشه عن علل الشرائع: ج 1 ص 178 و راجع: ذخائر العقبى: ص 26 و ميزان الاعتدال: ج 2 ص 400 و ج 3 ص 439 و لسان الميزان: ج 3 ص 267 و طوالع الأنوار: ص 112/113 ط سنة 1395 هـ تبريز ايران، و معرفة ما يجب لآل البيت النبوي، لأحمد بن علي المقريزي: ص 51 ط دار الاعتصام بيروت سنة 1392، و البتول الطاهرة لأحمد فهمي: ص 11/15.

غ

41

مريم أفضل أم فاطمة عليهما السلام؟

قد يجيب البعض عن سؤال: أيهما أفضل مريم بنت عمران (ع) أم فاطمة بنت محمد (ص) بقوله:

هذا علم لا ينفع من علمه و لا يضر من جهله، و إنما هو مجرد ترف فكري أحيانا، أو سخافة و رجعية و تخلّف أحيانا أخرى. ثم يقول:

و إذا كان لا خلاف بين مريم و فاطمة حول هذا الامر، فلما ذا نختلف نحن في ذلك؟فلفاطمة فضلها، و لمريم فضلها، و لا مشكلة في ذلك.

أما نحن فنقول: اولا: لا شك في أن الزهراء عليها السلام هي أفضل نساء العالمين، من الأولين و الآخرين، أما مريم فهي سيدة نساء عالمها. و قد روي ذلك عن رسول الله (ص) نفسه، فضلا عما روي عن الأئمة عليهم السلام‏ (1) .

و يدل على أنها أفضل من مريم كونها سيدة نساء أهل الجنة،

____________

(1) راجع: ذخائر العقبى: ص 43 و سير أعلام النبلاء: ج 2 ص 126 و الجوهرة:

ص 17 و الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) : ج 4 ص 376 و تاريخ دمشق (ترجمة الامام علي بتحقيق المحمودي) : ج 1 ص 247-248 و المجالس السنية:

ج 5 ص 63 عن أمالي الصدوق و الاستيعاب و شرح الاخبار: ج 3 ص 56 و مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1 ص 79 و نظم درر السمطين: ص 178 و 179 و معاني الاخبار: ص 107 و علل الشرائع: ج 1 ص 182، و البحار: ج 43 ص 37 و ج 39 ص 278 و ج 37 ص 68، و مناقب ابن شهرآشوب.

غ

42

و مريم من هؤلاء النسوة (1) .

و يدل على افضليتها أيضا، ما روي عن الصادق (ع) : لو لا ان الله تبارك و تعالى خلق أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على ظهر الارض من آدم و من دونه‏ (2) .

و هذا الخبر يدل على افضلية امير المؤمنين (عليه السلام) أيضا.

ثانيا: إن سؤالنا عن الافضلية لا يعني أننا نختلف في ذلك، بل هو استفهام لطلب المزيد من المعرفة بمقامات أولياء الله تعالى التي ورد الحث على طلب المزيد منها، لأنه يوجب مزيدا من المعرفة بالله تعالى.

و نحن لو اختلفنا في ذلك فليس هو خلاف الخصومة و العدوان، و إنما هو الخلاف في الرأي، الذي يأخذ بيدنا الى تقصي الحقيقة و ازدياد المعرفة، و تصحيح الخطأ و الاشتباه لدى هذا الفريق أو ذاك.

ثالثا: ان علينا ان ندرك-كل بحسب قدرته-ان كل ما جاء في كتاب الله تعالى، و كل ما قاله رسول الله (ص) و أوصياؤه عليهم السلام، و أبلغونا إياه، و كل ما ذكر في كتاب الله العزيز، لا بد أن نعرفه بأدق تفاصيله إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، و هو علم له أهميته، و هو يضر من جهله، و ينفع من علمه. و لا ينحصر ما ينفع علمه بما

____________

(1) راجع الرسائل الاعتقادية: ص 459 عن صحيح البخاري: ج 5 ص 36 و عن الطرائف: ص 262 عن الجمع بين الصحاح الستة و مرآة الجنان: ج 1 ص 61 و ضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 19/20 و 21.

(2) راجع الكافي: ج 1 ص 461 و البحار: ج 43 ص 10 و 107 و ضياء العالمين «مخطوط» : ج 2 ق 3 ص 11 عن عيون المعجزات: و ص 48 عن كتاب الفردوس.

43

يرتبط بالامور السياسية فقط، أو المالية، أو الاجتماعية، أو التنظيمية، و الممارسة اليومية للعبادات أو ما الى ذلك.

و ذلك لأن للانسان حركة في صراط التكامل ينجزها باختياره و جدّه، و بعمله الدائب، و هو ينطلق في حركته هذه من إيمانه، و يرتكز الى درجة يقينه، و هذا الايمان و ذلك اليقين لهما رافد من المعرفة بأسرار الحياة، و دقائقها، و بملكوت الله سبحانه، و بأسرار الخليقة، و من المعرفة بالله سبحانه، و بصفاته، و أنبيائه و أوليائه الذين اصطفاهم، و ما لهم من مقامات و كرامات، و ما نالوه من درجات القرب و الرضا، و ما أعده الله لهم من منازل الكرامة، كمعرفتنا بأن الله سبحانه هو الذي سمى فاطمة (1) ، و هو الذي زوجها في السماء قبل الارض‏ (2) ، و بأنها كانت تحدّث أمها و هي في بطنها (3) ، و غير ذلك.

و هذه المعرفة تزيد في صفاء الروح و رسوخ الايمان، و معرفة النفس الموصلة الى معرفة الرب سبحانه.

و من الواضح: أن مقامات الأنبياء و الاوصياء و الاولياء، و درجات فضلهم قد سمت و تفاوتت بدرجات تفاوت معرفتهم بذلك كله.

____________

(1) البحار: ج 43 ص 13 ح 7 عن علل الشرائع: ج 1 ص 178 ح 2.

(2) ذخائر العقبى: ص 31 و راجع كشف الغمة: ج 2 ص 98 و كنوز الحقائق للمناوي بهامش الجامع الصغير: ج 2 ص 75 و البحار: ج 43 ص 141 و 145.

(3) فاطمة الزهراء من المهد الى اللحد للقزويني: ص 39 و البحار: ج 43 ص 2 و نزهة المجالس: ج 2 ص 227 و ضياء العالمين: ج 2 ق 3 ص 27. 38 «مخطوط» .

44

غير ان بعض المعارف قد تحتاج الى مقدمات تسهّل علينا استيعابها، و تؤهلنا للاستفادة منها بالنحو المناسب، فتمس الحاجة الى التدرج في طي مراحل في هذا السبيل، تماما كطالب الصف الاول، فإنه لا يستطيع عادة أن يستوعب-بالمستوى المطلوب-المادة التي تلقى على طلاب الصف الذي هو في مرحلة أعلى كالطالب الجامعي مثلا، بل لا بد له من طي مراحل تعدّه لفهم و استيعاب ذلك كله تمهيدا للانتفاع به.

و كلما قرب الانسان من الله، زادت حاجته الى معارف جديدة تتناسب مع موقعه القربى الجديد، و احتاج الى المزيد من الصفاء، و الطهر، و الى صياغة مشاعره و أحاسيسه و انفعالاته، بل كل واقعه وفقا لهذه المستجدات.

و هذا شأن له أصالته و واقعيته و لا يتناسب مع مقولة: هذا علم لا ينفع من علمه و لا يضر من جهله.

و إذا كان الامام الصادق عليه السلام لم يترفع عن الخوض في أمر كهذا، حين سئل عن هذا الموضوع فأجاب. فهل يصح منا نحن أن نترفع عن أمر تصدى للإجابة عنه الامام (ع) دون ما اضطرار، و هو الاسوة و القدوة؟!.

إذن.. نحن بحاجة لمعرفة ما لفاطمة (ع) من مقام علي و كرامة عند الله، و معرفة ما لها من فضل على باقي الخلائق، و بحاجة الى معرفة أنها سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين، و أنها أفضل من مريم (ع) ، و من كل من سواها، حتى لو كانت مريم (ع) سيدة نساء عالمها.

45

اننا بحاجة الى ذلك، لأنه يعمق ارتباطنا بفاطمة عليها السلام، و يدخل فاطمة الى قلوبنا، و يمزجها بالروح و بالمشاعر و بالاحاسيس، ليزداد تفاعلنا مع ما تقول و ما تفعل، و نحس بما تحس، و نشعر بما تشعر، و نحب من و ما تحب، و نبغض من و ما تبغض، و يؤلمنا ما يؤلمها و يفرحنا ما يفرحها، فيزيدنا ذلك خلوصا و طهرا و صفاء و نقاء، و من ثم هو يزيد في معرفتنا بحقيقة ظالميها و المعتدين عليها، و يعرّفنا حجم ما ارتكب في حقها، و مدى سوء ذلك و قبحه.

قيمة الزهراء عليها السلام:

قد يتساءل بعض الناس، و يقول: إن إشراك الزهراء (ع) في قضية المباهلة لا دلالة له على عظيم ما لها (ع) من قيمة و فضل، فإنه (ص) إنما جاء بأهل بيته (ع) ، لأنهم أعز الخلق عليه، و أحبهم إليه، ليثبت أنه على استعداد للتضحية حتى بهؤلاء من أجل هذا الدين، و لا دلالة في هذا على شي‏ء آخر.

و نقول في الجواب: لقد أشرك الله سبحانه الزهراء في قضية لها مساس ببقاء هذا الدين، و حقانيته، و هي تلامس جوهر الايمان فيه الى قيام الساعة، و ذلك لأن ما يراد اثباته بالمباهلة هو بشرية عيسى عليه السلام، و نفي ألوهيته.

و قد خلّد القرآن الكريم لها هذه المشاركة لكي يظهر أنها عليها السلام قد بلغت في كمالها و سؤددها و فضلها مبلغا عظيما، بحيث جعلها الله سبحانه و تعالى بالاضافة الى النبي و الوصي و السبطين، وثيقة على صدق النبي (ص) فيما يقول، حيث ان الله سبحانه هو

46

الذي أمر نبيه (ص) بالمباهلة بهؤلاء، و لم يكن ذلك في اساسه من تلقاء نفسه (ص) .

إذن، لم يكن ذلك لأنهم عائلته، و اهل بيته صلى الله عليه و آله و سلم، بل لأن فاطمة صلوات الله و سلامه عليها، و النبي (ص) و علي و الحسنان عليهم السلام، كانوا-و هم كذلك-أعز ما في هذا الوجود، و أكرم المخلوقات على الله سبحانه، بحيث ظهر أنه تعالى يريد أن يفهم الناس جميعا ان التفريط بهؤلاء الصفوة الزاكية هو تفريط بكل شي‏ء، و لا قيمة لأي شي‏ء في هذا الوجود بدونهم، و هو ما أشير إليه في الحديث الشريف‏ (1) .

ثم ان إخراج أكثر من رجل و حصر عنصر المرأة بالزهراء عليها السلام في هذه القضية انما يشير الى أن أيّا من النساء لم تكن لتداني الزهراء في المقام و السؤدد و الكرامة عند الله سبحانه و تعالى فلا مجال لادعاء أي صفة يمكن أن تجعل لغيرها عليها السلام امتيازا و فضلا على سائر النساء.

فما يدّعى لبعض نسائه (ص) -كعائشة-من مقام و فضل على نساء الأمة، لا يمكن ان يصح خصوصا مع ملاحظة ما صدر عنها بعد وفاة رسول الله (ص) من الخروج على الامام امير المؤمنين (ع) ، و التصدي لحرب وصي رسول رب العالمين، مما تسبب بازهاق عدد كبير جدا من الأرواح البريئة من أهل الايمان و الاسلام، فأطلع الشيطان قرنه من حيث أشار النبي (ص) و صدق الله العظيم

____________

(1) راجع الكافي: ج 1 ص 179 و 198 و الغيبة للنعماني: ص 139 و 138 و بصائر الدرجات: ص 488 و 489 و راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص) :

ج 8 ص 359 عنهم.

47

و صدق رسوله الكريم.

إذن، فلا يصح اعتبار ما صدر عنها من معصية اللّه مسوغا لممارسة المرأة للعمل السياسي-كما ربما يدعي البعض-و لا يكون قرينة على رضى الاسلام بهذا الأمر، او عدم رضاه.

اما ما صدر عن الزهراء (ع) فهو المعيار و هو الميزان لأنه كان في طاعة اللّه و هي المرأة المطهرة المعصومة التي يستدل بقولها و بفعلها على الحكم الشرعي، سياسيا كان أو غيره. غ

سيدة نساء العالمين:

من الواضح: أن التنظير، و اعطاء الضابطة الفكرية، أو إصدار الاحكام لا يعطي الحكم أو الفكرة او الضابطة من الثبات و القوة و التجذر في النفوس ما يعطيه تجسيدها، و صيرورتها واقعا حيا و متحركا، لأن الدليل العقلي أو الفطري مثلا قد يقنع الانسان و يهيمن عليه، و لكن تجسّد الفكرة يمنح الانسان رضا بها، و ثقة و سكونا إليها، على قاعدة: قََالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟قََالَ: بَلى‏ََ، وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (1) .

فالقناعة الفكرية و العقلية و العملية، التي تستند إلى البرهان و الحجة القاطعة متوفرة و ليس فيها أي خلل أو نقص؛ و لكن سكون النفس قد يحتاج الى تجسيد الفكرة في الواقع الخارجي ليتلاءم السكون النفسي و يتناغم مع تلك القناعة الفكرية و العقلية الراسخة، ليكونا معا الرافد الثر للمشاعر و الأحاسيس.

و قد كانت الزهراء عليها السلام أول امرأة تجسدت فيها الاسوة

____________

(1) سورة البقرة: 260.

48

و النموذج و المثل الاعلى لكل نساء العالمين، بعد مسيرة طويلة للإنسانية، كمل فيها عدد من النساء حتى كانت فاطمة ذروة هذا الكمال. و كما تجسّد الانسان الكامل بآدم عليه السلام أولا ليكون واقعا حيا، يعيش انسانيته بصورة متوازنة، لا عشوائية فيها، يعيشها بكل خصائصها و ميزاتها، و بكل خلوصها و صفائها و طهرها، و بكل طاقاتها: فكرا، و عقلا، و ادبا، و حكمة، و تدبيرا، حتى كان أسوة و قدوة للبشر كلهم من حيث هو آدم النبي و الانسان، لا آدم التراب من حيث هو تراب، بل التراب الذي اصبح انسانا كاملا بما لهذه الكلمة من معنى.

و استمرت المسيرة نحو الكمال في الانسانية، فكمل رجال انبياء (ع) كثيرون، و كملت أيضا نساء، مثل آسية بنت مزاحم، و مريم، و خديجة (ع) ، ثم بلغ الكمال أعلى الذرى في رسول الله صلى الله عليه و آله، الرجل، و في الزهراء المرأة، و لم تستطع أهواء النفس و شهواتها، و كذلك الطموحات و الغرائز و غير ذلك من مغريات و تحديات، بالاضافة الى الضغوطات البيئية و الاجتماعية و غيرها، ثم بغي و جبروت الطواغيت، لم يستطع ذلك كله ان يمنع الانسان من ان يجسد انسانيته، و يعيش حياة الايمان، و حياة الكمال و السلام الشامل.

و كانت اسوة بني البشر و قدوتهم هذه النماذج الماثلة أمامهم التي استطاعت ان تقنع الانسان بأن عليه ان يتحدى، و ان يواجه، و أن يقتحم، و أن باستطاعته ان ينتصر أيضا، و مثله الاعلى هم الأنبياء و الاولياء بدءا من آدم، و انتهاء برسول الله (ص) و أهل بيته الطاهرين؛ فهو لا يتلقى الفكرة فقط، بل هو يرى الحركة و الموقف في الرسول و الوصي، و الولي.

49

و لأجل ذلك فهو لم يقتصر على الامر و الزجر كما في قوله تعالى: وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1) ، بل تعداه ليقول: و لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (2) ، فهو يريه الحركة و الموقف و الصفاء و الطهر متجسدا أمامه في النبي و الوصي، و في نسوة واجهتهن أعظم المحن و البلايا كامرأة فرعون، و في الزهراء فاطمة (ع) ، حيث واجهتها أجواء الانحراف و الشدة و الظلم، و في مريم بنت عمران التي واجهت ضغوط البيئة في أشد الامور حساسية بالنسبة لجنس المرأة بصورة عامة.

النشاط الاجتماعي للزهراء عليها السلام:

قد يورد البعض ملاحظة ذات مغزى!تقول: «إننا لا نجد في التاريخ ما يشير الى نشاط اجتماعي للسيدة فاطمة الزهراء في داخل المجتمع الاسلامي إلا في رواية أو روايتين» .

و تعليقا على هذا نقول: كل زمان له متطلباته و تقنياته، و أطر نشاطه. و انما يطالب كل من الرجل و المرأة و يحاسب وفقا لذلك، و يتم تقويم نشاطاته أيضا على هذا الأساس، من حيث حجم تأثيرها في الواقع الإسلامي كله.

و بالنسبة لعصر النبوة، فإن تعليم الزهراء القرآن للنساء، و تثقيفهن بالحكم الشرعي، و بالمعارف الإلهية الضرورية. ثم مشاركتها الفاعلة و المؤثرة في الدعوة إلى الله سبحانه و تعالى في المواقع المختلفة،

____________

(1) سورة الحشر: 7.

(2) سورة الاحزاب: 21.

50

حتى في المباهلة مع النصارى. ثم دورها الرائد في الدفاع عن القضايا المصيرية، و منها قضية الإمامة. ثم خطبتها الرائعة في المسجد، التي تعتبر مدرسة و معينا يرفد الأجيال بالمعرفة...

هذا، عدا عن اسهامها المناسب لشخصيتها و لقدراتها، و لظروفها في حروب الإسلام المصيرية. و عدا عن طبيعة تعاملها مع الفئات المحتاجة الى الرعاية كاليتيم، و الأسير، و المسكين، و هو ما خلده الله سبحانه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة.

و أعظم من ذلك كله.. موقفها القوي و المؤثر، الذي وظفت فيه حتى فصول موتها و دفنها لصالح حفظ ثمرات الجهاد، في سبيل قضية الاسلام الكبرى، تماما كما فعلته ابنتها زينب (ع) في نطاق حفظها القوي و المؤثر لثمرات الجهاد و التضحيات الجسام للامام الحسين عليه السلام و صحبه في كربلاء..

نعم‏ ، إن ذلك كله، و نظائره، يدل على ان الزهراء (عليها السلام) ، قد شاركت في العمل الإنساني، و السياسي، و الثقافي، و الايماني بما يتناسب مع واقع، و حاجات، و ظروف عصرها. و في نطاق أطر نشاطاته، وفقا للقيم السائدة فيه..

و قد حققت انجازات أساسية على صعيد التأثير في حفظ الدعوة، و في نشرها، و تأصيل مفاهيمها، و سد الثغرات في مختلف المجالات التي تسمح لها ظروف ذلك العصر بالتحرك فيها.

و هذا الذي حققته قد لا يوازيه أي انجاز لأية امرأة عبر التاريخ، مهما تعاظم نشاطها، و تشعبت مجالاته، و تنوعت مفرداته؛ لأنه استهدف تأصيل الجذور. فكان الأبعد أثرا في حفظ شجرة الاسلام، و في منحها المزيد من الصلابة و التجذر، و القوة. و في جعلها اكثر غنى‏

51

بالثمر الجني، و الرضي، و الهني..

فيتضح مما تقدم: ان الاختلاف في مجالات النشاط و حالاته، و كيفياته بين عصر الزهراء عليها السلام و هذا العصر، لا يجعل الزهراء في دائرة التخلف و النقص و القصور. و لا يجعل إنجاز المرأة في هذا العصر أعظم أثرا، و أشد خطرا. حتى و لو اختلفت متطلبات الحياة، و اتسعت و تنوعت آفاق النشاط و الحركة فيها.. لأن من الطبيعي أن يكون عصر التأصيل لقواعد الدين. و التأسيس الصحيح لحقائق الايمان، و قضايا الإنسان المصيرية هو الأهم، و الأخطر، و الانجاز فيه لا بد أن يكون أعظم و أكبر..

و هكذا يتضح: أنه لا معنى للحكم على الزهراء عليها السلام بقلة النشاط الاجتماعي في عصرها قياسا على مجالات النشاط للمرأة في هذا العصر..

و بعد ما تقدم فاننا نذكر القارى الكريم بالامور التالية:
أولا: ليته ذكر لنا الرواية أو الروايتين لنعرف مقصوده من النشاط الاجتماعي. فان كان المقصود به هو أنها قد تخلفت عن وظيفتها و لم تقم بواجبها كمعصومة و بنت نبي، و زوجة ولي.

فقد كان على خصومها أن يعيبوها بذلك و كان على أبيها و زوجها أن يسددوها في هذا الأمر و ان كان المقصود بالنشاط في داخل المجتمع الإسلامي هو إنشاء المدارس، و المؤسسات الخيرية، أو تشكيل جمعيات ثقافية، أو خيرية، أو إقامة ندوات، و احتفالات، أو إلقاء محاضرات، و تأليف كتب تهدى أو تباع، فإن من الممكن ان لا تكون الزهراء (عليها السلام) قد قامت بالكثير من هذا النشاط كما يقوم به بعض النساء اليوم، و لا يختص ذلك بالزهراء عليها السلام، بل

52

هو ينسحب على كل نساء ذلك العصر، و العصور التي تلته. فإن طبيعة حياة المجتمع و امكاناته و كذلك طبيعة حياة المرأة آنذاك كانت تحدّ من النشاط الذي يمكنها أن تشارك فيه إلا في مجالات خاصة تختلف عن المجالات في هذه الايام، بقطع النظر عن المبررات الشرعية التي ربما يتحدث عنها البعض بطريقة أو بأخرى.

اما إذا كان المقصود هو أن التاريخ لم يذكر: أنها كانت تجهر بالحق، لمن أراد معرفة الحق، و لا تقوم بواجباتها في تعليم النساء و توجيههن و في صيانة الدين، و حياطته، على مستوى قضايا الاسلام الكبرى، و غيرها خصوصا ما أثير عنها من معارف نشرتها، حتى و لو في ضمن اعمالها العبادية و غيرها. فإن ما أنجزته في هذا المجال كالنار على المنار، و كالشمس في رابعة النهار.

و ان خطبتها في مسجد النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ، و مع نساء الأنصار تعتبر بحد ذاتها مدرسة للأجيال، و منبعا ثرا للمعرفة على مدى التاريخ لو احسن فهمها، و صحت الاستفادة منها.

هذا مع وجود أبيها رسول الله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ، و ابن عمها أمير المؤمنين عليه السلام، اللذين هما محور الحركة الاجتماعية، و الانسانية و الاسلامية و كان نشاطها (ع) جزءا من مجموع النشاط العام الذي كان آنئذ.

على أن قوله «الاّ في رواية أو روايتين» يبقى غير واضح و غير دقيق. فهناك العديد من الروايات التي ذكرت مشاركتها في أنشطة مختلفة، اجتماعية و سياسية و ثقافية و تربوية، و قد ذكرنا بعضا من ذلك فيما سبق، بل ان بعض الروايات تذكر: أنها كانت تشارك حتى في مناسبات غير المسلمين. و ذلك حينما دعاها بعض اليهود إلى‏

53

حضور عرس لهم.

و ثمة رواية تحدثت عن ذلك الأعرابي الذي أعطته عقدها، و فراشا كان ينام عليه الحسن و الحسين (ع) ، فاشتراهما عمار بن ياسر... في قصة معروفة.

بل إن الله سبحانه قد تحدث انها و أهل بيتها (ع) من طبيعتهم إطعام الطعام على حبه مسكينا و يتيما و أسيرا.

و حين خطبت خطبتها في المسجد جاءت في لمّة من النساء كانوا يؤيدونها في ما تطالب به، بل و يتحدث البعض عن وجود تكتل نسائي لها (ع) في مقابل تكتلات مناوئة.

هذا كله عدا عن أن اهتمامها «بالجار قبل الدار» يعطينا صورة عن طبيعة اهتماماتها، و أنها لو وجدت أية فرصة لأي نشاط اجتماعي أو نشاط إنساني أو ثقافي فستبادر إليه بكل وعي و مسئولية و حرص.

و ثانيا: إن تأكيدات النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) للمسلمين بصورة مستمرة قولا و عملا، على ما لها من مقام و دور، و موقع في الاسلام و الايمان، و المعرفة، قد جعل لها درجة من المرجعية للناس، و أصبح بيتها موئلا للداخلات و الخارجات‏ (1) و كان «.. يغشاها نساء المدينة، و جيران بيتها (2) » . و صار الناس يقصدونها لتطرفهم بما عندها من العلم و المعرفة (3) .

____________

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي: ج 9 ص 198.

(2) المصدر السابق: ج 9 ص 193.

(3) ستأتي حين الحديث عن «مصحف فاطمة» قصة مجي‏ء احدهم يطلب منها شيئا تطرفه به، فطلبت صحيفة كان رسول الله (ص) قد اعطاها اياها، فلم تجدها في بادئ الامر. فانتظر.

54

و كان النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) نفسه يوجّه حتى باصحاب الحاجات المادية إلى بيت فاطمة (عليها السلام) ، كما في قضية الاعرابي الذي أعطته عقدها، و فراشا للحسنين كما أسلفنا.

و كان الناس يترددون عليها لطلب المعرفة أيضا، و كل ذلك من شأنه ان يملأ حياتها عليها السلام بالحركة و النشاط، الذي يضاف إلى نشاطاتها البيتية، حيث كانت تطحن حتى مجلت يداها...

ثالثا: انه لا يمكن تقييم إنسان ما على اساس انجازاته و نشاطاته الاجتماعية، أو ذكائه السياسي، فهناك أذكياء سياسيون كثيرون، و لكنهم لا يتمتعون بالقيمة الحقيقة للإنسان، لأن النشاط الاجتماعي و الذكاء لا يعطي الموقف السياسي أو غيره قيمة، و انما تتقوم السياسة بمنطلقاتها و مبادئها، و هي انما تؤخذ من المعصوم:

كالنبي و الوصي، و من الزهراء أيضا. فهي عليها السلام تحدد لنا ما به تكون القيمة للسياسة، أو لأي عمل آخر، اجتماعيا كان أو غيره، و لا تكتسب الزهراء قيمتها من سياساتها، أو من نشاطاتها الاجتماعية، و الا لكان بعض المجرمين او المنحرفين أعظم قيمة حتى من الأنبياء، و الاولياء، و الاصفياء، إذا قام بنشاط اجتماعي أو سياسي كبير، بسبب توفر المال، أو الجاه، أو السلطة له، مع عدم توفر ذلك للنبي أو الولي عليهم السلام.

و الحقيقة: أن قيمة الانسان إنما تنبع من داخل ذاته، و من قيمه التي يجسدها، و من مثله و إنسانيته، و من علمه النافع المنتج للتقوى و الخشية من الله سبحانه، و ما سوى ذلك فهو في سياق الاسباب و النتائج، و قد يكون في الطرف الآخر من المعادلة.

رابعا: إننا لا بد أن نتحقق أولا من حقيقة موقع الزهراء عليها