الكشاف - ج2

- ابو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المزيد...
750 /
3

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة الأنعام‏

مكية[إلا الآيات 20 و 23 و 91 و 93 و 114 و 141 و 151 و 152 و 153 فمدنية] و عن ابن عباس: غير ست آيات، و آياتها 165[نزلت بعد الحجر] بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

جَعَلَ يتعدّى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث و أنشأ، كقوله وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ و إلى مفعولين إذا كان بمعنى صير، كقوله‏ وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً و الفرق بين الخلق و الجعل: أن الخلق فيه معنى التقدير (1) و في الجعل معنى التضمين، كإنشاء شي‏ء من شي‏ء، أو تصيير شي‏ء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان. و من ذلك‏ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا ، وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ : لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، و النور من النار وَ خَلَقْنََاكُمْ أَزْوََاجاً أَ جَعَلَ اَلْآلِهَةَ إِلََهاً وََاحِداً . فإن قلت: لم أفرد النور (2) ؟قلت: للقصد إلى الجنس،

____________

(1) . قال محمود: «الفرق بين الجعل و الخلق أن الخلق فيه معنى التقدير... الخ» قال أحمد: و قد وردت «جعل» و «خلق» موردا واحدا فورد وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا و ورد وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا و ذلك ظاهر في الترادف، إلا أن للخاطر ميلا إلى الفرق الذي أبداه الزمخشري. و يؤيده أن «جعل» لم يصحب السموات و الأرض، و إنما لزمتها «خلق» و في إضافة الخلق في هذه الآية إلى السموات و الأرض، و الجعل إلى الظلمات و النور مصداق للمميز بينهما، و اللََّه أعلم.

(2) . عاد كلامه. قال: فإن قلت: لم أفرد النور؟قلت: للقصد... الخ» قال أحمد: و قد سبق للزمخشري الاستدلال يجمع الجنس على التكثير، و اعتقاد أنه أدل على الكثرة من الافراد. و قد قدمنا ما في ذلك من النظر، و أسلفنا الاستدلال بقول حبر الأمة: كتابه أكثر من كتبه، على خلاف ذلك» و هو رأى الامام أبى المعالي.

و لو قال الزمخشري. إن جمع الظلمات لاختلافها بحسب اختلاف ما ينشأ عنه من أجناس الأجرام، و إفراد النور لاتحاد الجنس الذي ينشأ عنه و هو النار لكان أولى، و اللّه أعلم.

4

كقوله تعالى‏ وَ اَلْمَلَكُ عَلى‏ََ أَرْجََائِهََا أو لأن الظلمات كثيرة، لأن ما من جنس من أجناس الأجرام إلا و له ظل، و ظله هو الظلمة، بخلاف النور فإنه من جنس واحد و هو النار. فإن قلت: علام عطف قوله ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) ؟قلت: إما على قوله اَلْحَمْدُ لِلََّهِ على معنى أن اللّه حقيق بالحمد على ما خلق، لأنه ما خلقه إلا نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكافرون نعمته و إما على قوله خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شي‏ء منه. فإن قلت: فما معنى ثم؟قلت: استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، و كذلك‏ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم و مميتهم و باعثهم.

ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً أجل الموت وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أجل القيامة. و قيل: الأجل الأوّل:

ما بين أن يخلق إلى أن يموت. و الثاني: ما بين الموت و البعث و هو البرزخ. و قيل: الأوّل النوم.

و الثاني: الموت. فإن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره‏ (2) فلم جاز تقديمه

____________

(1) . عاد كلامه. قال: «فان قلت علام عطف ثم الذين كفروا بربهم يعدلون... الخ» ؟قال أحمد: و في هذا الوجه الثاني نظر من حيث أن عطفه على الصلة يوجب دخوله في حكمها. و لو قال‏ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي ، اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ لم يسند، لخلو الجملة من العائد. و يمكن أن يقال: وضع الظاهر الذي هو بِرَبِّهِمْ موضع المضمر تفخيما و تعظيما. و أصل الكلام: الذي يعدل به الذين كفروا، أو الذي الذين كفروا يعدلون به، باتساع وقوعها صلة، رعاية لهذا الأصل، فهذا نظر من حيث الاعراب. و نظيره قوله تعالى‏ وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمََا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتََابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ فيمن جعل «ما» موصولة لا شرطية، فان دخول جاءكم و ما بعده في حكم الصلة يستدعى ضميراً عائداً إلى الموصول، و هو مفقود لفظاً، لأن الظاهر وضع فيه موضع المضمر. و الأصل:

ثم جاءكم رسول مصدق له، فاستقام عطفه و دخوله في حكم الصلة بهذه الطريقة، لكن بقي في آية الأنعام هذه نظر في المعنى على الاعراب المذكور، و هو أنه يصير التقدير: الحمد للّه الذي، الذين كفروا يعدلون، و وقوع هذا عقيب الحمد غير مناسب كما ترى. فالوجه-و اللّه أعلم-عطفه على أول الكلام، لا على الصلة، و اللّه الموفق.

(2) . قال محمود: «إن قلت المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب... الخ» قال أحمد: و ليس في إرادة هذا المعنى موجب للتقديم. و قد ورد وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ في سياق التعظيم لها، و هو مع ذلك مؤخر عن الخبر في قبله‏ وَ تَبََارَكَ اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمََا وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالظاهر-و اللّه أعلم- أن التقديم إنما كان لأن الكلام منقول من كلام آخر، و كان الأصل-و اللّه أعلم-ثم قضى أجلا و أجل مسمى عنده، إذ كلاهما مقضي. فلما عدل بالكلام عن العطف الافرادى تمييزا بين الأجلين رفع الثاني بالابتداء و أقر بمكانه من التقديم و اللّه أعلم.

5

في قوله وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ؟قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله‏ وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ . فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد، ولى عبد كيس، و ما أشبه ذلك، فما أوجب التقديم؟قلت: أوجبه أن المعنى: و أى أجل مسمى عنده تعظيما لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم.

فِي اَلسَّمََاوََاتِ متعلق بمعنى اسم اللّه، (1) ، كأنه قيل و هو المعبود فيما. و منه قوله‏ وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلََهٌ أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالالهية فيها، أو هو الذي‏ (2) يقال له-اللّه-فيها لا يشرك به في هذا الاسم. و يجوز أن يكون اَللََّهُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ خبراً بعد خبر، على معنى: أنه اللّه-و أنه في السموات و الأرض، بمعنى: أنه عالم بما فيهما لا يخفى عليه منه شي‏ء، كأن ذاته فيهما. فإن قلت: كيف موقع قوله يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ ؟قلت: إن أردت المتوحد بالإلهية كان تقريراً له، لأن الذي استوى في علمه السر و العلانية هو-اللّه-وحده، و كذلك إذا جعلت في السموات خبراً بعد خبر، و إلا فهو كلام مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم و جهركم. أو خبر ثالث وَ يَعْلَمُ مََا تَكْسِبُونَ من الخير و الشر، و يثبت عليه، و يعاقب.

مِنْ في مِنْ آيَةٍ للاستغراق. و في مِنْ آيََاتِ رَبِّهِمْ للتبعيض. يعنى: و ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر و الاستدلال و الاعتبار، إلا كانوا عنه معرضين: تاركين للنظر لا يلتفتون إليه و لا يرفعون به رأساً، لقلة خوفهم و تدبرهم للعواقب‏} فَقَدْ كَذَّبُوا مردود على كلام محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات، فقد كذبوا بما هو أعظم آية و أكبرها

____________

(1) . قال محمود: «في السموات متعلق بمعنى اسم اللّه... الخ» قال أحمد: و ما الآيتان الكريمتان إلا توأمتان، فان التمدح في آية الزخرف وقع بما وقع التمدح به هاهنا، من القدرة على الاعادة و الاستنثار بعلم الساعة و التوحد في الألوهية، و في كونه تعالى المعبود في السموات و الأرض.

(2) . عاد كلامه. قال: أو هو المعروف بالألوهية أو هو الذي يقال له-اللّه-فيهما... الخ» قال أحمد: و هذه الوجوه كلها كأن التعبير وقع فيها بالملزوم عن لوازمه المشهورة به، كما وقع ذلك في قوله:

أنا أبو النجم و شعري شعري‏

أى المعروف المشهور، لأنه بنى على أنه متى ذكر شعره فهم السامع عند ذكره خواصه من الجودة و البلاغة و سلامة النسج، لاشتهاره بذلك، فاقتصر على قوله «شعري» اتكالا على فهم السامع.

6

و هو الحق لَمََّا جََاءَهُمْ يعني القرآن الذي تحدّوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبََاءُ الشي‏ء الذي كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ و هو القرآن، أى أخباره و أحواله، بمعنى:

سيعلمون بأى شي‏ء استهزءوا. و سيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، و ذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام و علوّ كلمته.

مكن له في الأرض: جعل له مكانا فيها. و نحوه: أرّض له. و منه قوله‏ إِنََّا مَكَّنََّا لَهُ فِي اَلْأَرْضِ أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ و أمّا مكنته في الأرض فأثبته فيها. و منه قوله‏ وَ لَقَدْ مَكَّنََّاهُمْ فِيمََا إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ و لتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ و المعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً و ثمود و غيرهم، من البسطة في الأجسام، و السعة في الأموال و الاستظهار بأسباب الدنيا. و السماء المظلة، لأن الماء ينزل منها إلى السحاب، أو السحاب أو المطر. و المدرار: المغزار. فإن قلت: أى فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟قلت: الدلالة على أنه لا يتعاظمه أن يهلك قرنا و يخرب بلاده منهم؟فإنه قادر على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، كقوله تعالى: وَ لاََ يَخََافُ عُقْبََاهََا

كِتََاباً مكتوبا فِي قِرْطََاسٍ في ورق فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ و لم يقتصر بهم على الرؤية، لئلا يقولوا (1) سكرت أبصارنا، و لا تبقى لهم علة. لقالوا إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ تعنتا و عناداً

____________

(1) . قال محمود: «و لم يقتصر بهم على الرؤية لئلا... الخ» قال أحمد: و الظاهر أن فائدة زيادة لمسهم له بأيديهم تحقيق القراءة على قرب، أى فقرءوه و هو في أيديهم لا بعيدا عنهم لما آمنوا، و إلا فالحظ لا يدرك باللمس حتى يجعل فائدة زيادته إدراكه بوجهين، كما يفهم من كلام الزمخشري.

7

للحق بعد ظهوره‏} لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ لقضى أمر إهلاكهم ثُمَّ لاََ يُنْظَرُونَ بعد نزوله طرفة عين‏ (1) . إما لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في صورته‏ (2)

و هي آية لا شي‏ء أبين منها و أيقن، ثم لا يؤمنون كما قال: وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتى‏ََ لم يكن بدّ من إهلاكهم، كما أهلك أصحاب المائدة. و إما لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة (3) فيجب إهلاكهم. و إما لأنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون. و معنى ثُمَّ بعد ما بين الأمرين: (4) قضاء الأمر، و عدم الإنظار. جعل عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر، لأنّ مفاجأة الشدّة أشدّ من نفس الشدّة وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً و لو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا لأنهم كانوا يقولون: لو لا أنزل على محمد ملك. و تارة يقولون: مََا هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ* ، لَوْ شََاءَ رَبُّنََا لَأَنْزَلَ مَلاََئِكَةً ، لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً لأرسلناه في صورة رجل، كما كان ينزل جبريل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في أعلم الأحوال في صورة دحية (5) لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم وَ لَلَبَسْنََا عَلَيْهِمْ

____________

(1) . قال محمود: «يعنى لا ينظرون بعد نزوله طرفة عين... الخ» قال أحمد: لا يحسن أن يجعل سبب مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في نزول الملك، فانه ربما يفهم هذا الكلام أن الآيات التي لزمهم الايمان بها دون نزول الملك في الوضوح، و ليس الأمر كذلك. فالوجه-و اللّه أعلم-أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك، و عدم إيمانهم أنهم اقترحوا مالا يتوقف وجوب الايمان عليه، إذ الذي يتوقف الوجوب عليه، المعجز من حيث كونه معجزاً، لا المعجز الخاص. فإذا أجيبوا على وقف مقترحهم فلم ينجع فيهم، كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المناسب لعدم النظرة، و اللّه أعلم.

(2) . متفق عليه من روآية مسروق عن عائشة: أن النبي صلى اللّه عليه و سلم رأى جبريل في صورته مرتين.

و في روآية لها: رأى جبريل له ستمائة جناح.

(3) . عاد كلامه. قال: «و إما لأنه يزول الاختيار الذي قاعدة التكليف مبنية عليه عند نزول الملك فيجب إهلاكهم و إما لأنهم إذا شاهدوا الملك في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون» قال أحمد: و يقوى هذا الوجه قوله: و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا. قال ابن عباس: ليتمكنوا من رؤيته و لا يهلكوا من مشاهدة صورته.

(4) . عاد كلامه. قال: «و معنى-ثم-بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر... الخ» قال أحمد: و هذه النكتة من محاسن، تنبيهاته.

(5) . متفق عليه من روآية أبى عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال «نبئت أن جبريل أتى النبي صلى اللّه عليه و سلم و عنده أم سلمة، فجعل يتحدث، ثم قام فقال نبى اللّه لأم سلمة: من هذا؟فقالت: دحية الكلبي... الحديث» و للحاكم من روآية مسروق عن عائشة قالت: «لقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يناجى في حجري رجلا شبهته بدحية الكلبي. فقال لي: هذا جبريل، و هو يقرئك السلام» و للطبراني من روآية قتادة عن أنس «أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان يقول: يأتينى جبريل على صورة دحية الكلبي» قال أنس «و كان دحية رجلا جسيما جميلا أبيض» و في إسناده عفير بن سعدان و هو ضعيف و لأبى نعيم في الدلائل من روآية صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال «رأيت جبرئيل في خلقه الذي خلق عليه، و كنت أراه قبل ذلك في صور مختلفة و أكثر ما كنت أراه في صورة دحية الكلبي» رجاله ثقات، إلا أنه مرسل و روى ابن سعد من طريق يحيى بن يعمر عن ابن عمر «كان جبريل يأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في صورة دحية الكلبي» .

8

و لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، فإنهم يقولون. إذا رأوا الملك في صورة إنسان: هذا إنسان و ليس بملك، فإن قال لهم: الدليل على أنى ملك أنى جئت بالقرآن المعجز، و هو ناطق بأنى ملك لا بشر-كذبوه كما كذبوا محمداً صلى اللّه عليه و سلم، فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن، فهو ليس اللّه عليهم. و يجوز أن يراد: وَ لَلَبَسْنََا عَلَيْهِمْ حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات اللّه البينة: و قرأ ابن محيصن: و لبسنا عليهم، بلام واحدة. و قرأ الزهري: و للبسنا عليهم ما يلبسون، بالتشديد.

وَ لَقَدِ اُسْتُهْزِئَ تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عما كان يلقى من قومه فَحََاقَ بهم فأحاط بهم الشي‏ء الذي كانوا يستهزؤن به و هو الحق، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به‏

فإن قلت: أى فرق بين قوله‏ فَانْظُروا* و بين قوله ثُمَّ اُنْظُرُوا (1) قلت: جعل النظر (2) مسبباً عن السير في قوله‏ فَانْظُروا* فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، و لا تسيروا سير الغافلين. و أما قوله سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة و غيرها من المنافع و إيجاب النظر في آثار الهالكين. و نبه على ذلك بثم، لتباعد ما بين الواجب و المباح.

لِمَنْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ سؤال تبكيت، و قُلْ لِلََّهِ تقرير لهم، أى هو-اللّه- لا خلاف بيني و بينكم، و لا تقدرون أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره كَتَبَ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ أى أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، و نصب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون

____________

(1) . قال محمود: «إن قلت أى فرق بين قوله فانظروا و بين قوله ثم انظروا... الخ» قال أحمد: و أظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحداً، ليكون ذلك سبباً في النظر، فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية، و حيث دخلت «ثم» فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، و أن السير وسيلة إليه لا غير. و شتان بين المقصود و الوسيلة و اللّه أعلم.

(2) . قوله «النظر» لعله «بالنظر» . (ع)

9

به من خلق السموات و الأرض، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر و إشراكهم به من لا يقدر على خلق شي‏ء بقوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فيجازيكم على إشراككم. و قوله اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ نصب على الذم، أو رفع: أى أريد الذين خسروا أنفسهم، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم. فإن قلت: كيف جعل عدم إيمانهم مسبباً عن خسرانهم، و الأمر على العكس؟قلت:

معناه: الذين خسروا أنفسهم في علم اللّه: لاختيارهم الكفر. فهم لا يؤمنون.

وَ لَهُ عطف على اللّه مََا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ من السكنى و تعديه بفي كما في قوله وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسََاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ يسمع كل مسموع و يعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شي‏ء مما يشتمل عليه الملوان.

أوَلى غَيْرَ اَللََّهِ همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو أَتَّخِذُ لأنّ الإنكار في اتخاذ غير اللّه ولياً، لا في اتخاذ الولي، فكان أولى بالتقديم. و نحوه‏ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ . و قرئ فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ بالجرّ صفة للّه، و بالرفع على المدح. و قرأ الزهري: فطر. و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: ما عرفت ما فاطر السموات و الأرض، حتى أتانى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها (1) أى ابتدعتها وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاََ يُطْعَمُ و هو يرزق و لا يرزق، كقوله‏ مََا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ مََا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ و المعنى: أن المنافع كلها من عنده، و لا يجوز عليه الانتفاع. و قرئ: و لا يطعم، بفتح الياء. و روى ابن المأمون عن يعقوب: و هو يطعم و لا يطعم، على بناء الأول للمفعول و الثاني للفاعل، و الضمير لغير اللّه.

و قرأ الأشهب. و هو يطعم و لا يطعم، على بنائهما للفاعل. و فسر بأن معناه: و هو يطعم، و لا يستطعم. و حكى الأزهرى: أطعمت، بمعنى استطعمت. و نحوه: أفدت. و يجوز أن يكون

____________

(1) . أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث، و في فضائل القرآن بإسناد حسن، ليس فيه إلا إبراهيم بن مهاجر و سيأتى في تفسير فاطر.

10

المعنى: و هو يطعم تارة و لا يطعم أخرى على حسب المصالح، كقولك: و هو يعطى و يمنع، و يبسط و يقدر، و يغنى و يفقر أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ لأنّ النبي سابق أمته في الإسلام، كقوله وَ بِذََلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُسْلِمِينَ و كقول موسى‏ سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لاََ تَكُونَنَّ و قيل لي لا تكونن مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ و معناه: أمرت بالإسلام و نهيت عن الشرك. و} مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ العذاب يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ اللّه الرحمة العظمى و هي النجاة، (1)

كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه؟تريد: فقد أتممت الإحسان إليه أو، فقد أدخله الجنة، لأن من لم يعذب لم يكن له بدّ من الثواب. و قرئ: من يصرف عنه، على البناء للفاعل، و المعنى: من يصرف اللّه عنه في ذلك اليوم فقد رحمه، بمعنى: من يدفع اللّه عنه.

و يحفظه، و قد علم من المدفوع عنه. و ترك ذكر المصروف، لكونه معلوما أو مذكورا قبله و هو العذاب. و يجوز أن ينتصب يومئذ بيصرف انتصاب المفعول به، أى من يصرف اللّه عنه ذلك اليوم: أى هو له، فقد رحمه. و ينصر هذه القراءة قراءة أبىّ رضى اللّه عنه: من يصرف اللّه عنه،

وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اَللََّهُ بِضُرٍّ من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه، فلا قادر على كشفه إلا هو وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ من غنى أو صحة فَهُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فكان قادراً على ادامته أو إزالته.

فَوْقَ عِبََادِهِ تصوير للقهر و العلوّ بالغلبة و القدرة، كقوله‏ وَ إِنََّا فَوْقَهُمْ قََاهِرُونَ الشي‏ء

____________

(1) . قال محمود: «المراد الرحمة العظمى و هي النجاة من النار... الخ» قال أحمد: و إنما يلجئ إلى تخصيص الرحمة، إما بكونها العظمى، و إما برحمة الثواب أنه لو بقيت على إطلاقها، لما زاد الجزاء على الشرط إذ من المعلوم ضرورة أن صرف العذاب رحمة ما. و العجب أن الزمخشري يصحح تخصيصها برحمة الثواب بأن صرف العذاب يستلزم الثواب و لا بد، و غيره يصحح هذا التخصيص بأنه لا يلزم من صرف العذاب حصول الثواب، لجواز أن يصرف عنه العذاب و لا يثاب، فأفاد الجزاء إذاً فائدة لم تفهم من الشرط. هكذا صححه القونوى. و لعمري إن قاعدة المعتزلة تلجئ إلى ما ذهب إليه الزمخشري، لانقسام المكلفين عندهم إلى مستوجب للجنة فالثواب قطعا، و إلى مستوجب للنار فالعذاب قطعا، و يسندون ذلك إلى العقل لا إلى السمع.

11

أعم العام‏ (1) لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم و يخبر عنه، فيقع على القديم و الجرم و العرض و المحال و المستقيم. و لذلك صحّ أن يقال في اللّه عزّ و جلّ: شي‏ء لا كالأشياء، كأنك قلت: معلوم لا كسائر المعلومات، و لا يصح: جسم لا كالأجسام‏

و أراد: أى شهيد أَكْبَرُ شَهََادَةً فوضع شيئاً مقام شهيد ليبالغ في التعميم قُلِ اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله قُلِ اَللََّهُ بمعنى اللّه أكبر شهادة، ثم ابتدئ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ أى هو شهيد بيني و بينكم، و أن يكون اَللََّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ هو الجواب، لدلالته على أنّ اللّه عزّ و جلّ إذا كان هو الشهيد بينه و بينهم، فأكبر شي‏ء شهادة شهيد له وَ مَنْ بَلَغَ عطف على ضمير المخاطبين من أهل مكة. أى: لأنذركم به و أنذر كل من بلغه القرآن من العرب و العجم. و قيل: من الثقلين. و قيل: من بلغه إلى يوم القيامة. و عن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى اللّه عليه و سلم أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ تقرير لهم مع إنكار و استبعاد قُلْ لاََ أَشْهَدُ شهادتكم‏

اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يعنى اليهود و النصارى يعرفون رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بحليته و نعته الثابت في الكتابين معرفة خالصة كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمُ بحلاهم و نعوتهم لا يخفون

____________

(1) . قال محمود: «الشي‏ء أعم العام، لوقوعه على كل ما يصح... الخ» قال أحمد و تفسيره الشي‏ء يخالف الفريقين الأشعرية، فإنهم فسروه بالموجود ليس إلا، و المعتزلة فإنهم قالوا: و المعلوم الذي يصح وجوده، فاتفقوا على خروج المستحيل. و على الجملة فهذه المسألة معدودة من علم الكلام باعتبار ما. و أما هذا البحث فلغوى و التحاكم فيه لأهل اللغة، و ظاهر قولهم غضبت من لا شي‏ء، و إذا رأى غير شي‏ء ظنه رجلا-أن الشي‏ء لا ينطلق إلا على الموجود إذ لو كان الشي‏ء كل ما يصح أن يعلم عدما كان أو وجوداً أو ممكنا أو مستحيلا، لما صدق على أمر ما أنه ليس بشي‏ء و الأمر في ذلك قريب.

12

عليهم و لا يلتبسون بغيرهم. و هذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به و بصحة نبوّته. ثم قال اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ من المشركين و من أهل الكتاب الجاحدين فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ به، جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على اللّه بما لا حجة عليه، و كذبوا بما ثبت بالحجة البينة و البرهان الصحيح، حيث قالوا: لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا أَشْرَكْنََا وَ لاََ آبََاؤُنََا . و قالوا: وَ اَللََّهُ أَمَرَنََا بِهََا و قالوا: الملائكة بنات اللّه و هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا عِنْدَ اَللََّهِ و نسبوا إليه تحريم البحائر و السوائب، و ذهبوا فكذبوا القرآن و المعجزات، و سموها سحراً، و لم يؤمنوا بالرسول صلى اللّه عليه و سلم.

وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ناصبه محذوف تقديره: و يوم نحشرهم كان كيت و كيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف أَيْنَ شُرَكََاؤُكُمُ أى آلهتكم التي جعلتموها شركاء للّه.

و قوله: اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ معناه تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان. و قرئ: يحشرهم ثم يقول، بالياء فيهما. و إنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ، و يجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم و لا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة. فكأنهم غيب عنهم، و أن يحال بينهم و بينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم و حسرتهم فِتْنَتُهُمْ كفرهم. و المعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم‏ (1) -الذي لزموه أعمارهم، و قاتلوا عليه و افتخروا به، و قالوا دين آبائنا-إلا جحوده و التبرؤ منه، و الحلف على الانتفاء من التدين به. و يجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمى فتنة، لأنه كذب. و قرئ: تكن، بالتاء و فتنتهم، بالنصب. و إنما أنث‏} أَنْ قََالُوا لوقوع الخبر مؤنثاً، كقولك: من كانت أمّك؟ و قرئ بالياء و نصب الفتنة. و بالياء و التاء مع رفع الفتنة. و قرئ: ربنا، بالنصب على النداء

____________

(1) . قال محمود: «فتنتهم كفرهم، و المعنى ثم لم تكن عاقبة كفرهم... الخ» قال أحمد: و في الآية دليل بين على أن الاخبار بالشي‏ء على خلاف ما هو به كذب، و إن لم يعلم المخبر مخالفة خبره لمخبره. ألا تراه جعل إخبارهم و تبريهم كذبا مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون، أى سلبوا علمه حينئذ دهشا و حيرة، فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم.

13

وَ ضَلَّ عَنْهُمْ و غاب عنهم مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ أى يفترون إلهيته و شفاعته. فإن قلت:

كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور و على أن الكذب و الجحود لا وجه لمنفعته؟قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه و بما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة و دهشاً: ألا تراهم يقولون‏ رَبَّنََا أَخْرِجْنََا مِنْهََا فَإِنْ عُدْنََا فَإِنََّا ظََالِمُونَ و قد أيقنوا بالخلود و لم يشكوا فيه، وَ نََادَوْا يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ و قد علموا أنه لا يقضى عليهم. و أما قول من يقول:

معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا و ما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، و حملُ قوله اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ يعنى في الدنيا فتمحل و تعسف و تحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عىّ و إقحام، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه و لا منطبق عليه، و هو نابٍ عنه أشدّ النبوّ. و ما أدرى ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمََا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكََاذِبُونَ بعد قوله‏ وَ يَحْلِفُونَ عَلَى اَلْكَذِبِ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حين تتلوا القرآن. روى أنه اجتمع أبو سفيان و الوليد و النضر و عتبة و شيبة و أبو جهل و أضرابهم يستمعون تلاوة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟فقال: و الذي جعلها بيته-يعنى الكعبة-ما أدرى ما يقول، إلا أنه يحرّك لسانه و يقول أساطير الأوّلين، مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية. فقال أبو سفيان:

إنى لأراه حقا. فقال أبو جهل: كلا، فنزلت. و الأكنة على القلوب، و الوقر في الآذان: مثل في نبوّ قلوبهم و مسامعهم عن قبوله‏ (1) و اعتقاد صحته. و وجه إسناد الفعل إلى ذاته و هو قوله

____________

(1) . قال محمود: «الأكنة على القلوب و الوقر في الآذان، مثل في نبو قلوبهم و مسامعهم عن قبوله... الخ» قال أحمد رحمه اللّه: و هذه الآية حسبنا في رد معتقد القدرية الذين يزعمون أن اللّه تعالى أراد من هؤلاء المستمعين أن يعوا القرآن و يفقهوه، و أنه لم يمنعهم من ذلك، و محال على زعمهم أن يمنعهم من ذلك و يريد أن لا يفقهوه، لأن ذلك عندهم قبيح. فانظر كيف تكافحهم هذه الآية بالرد و تنادى عليهم بالخطإ، إذ قوله أَنْ يَفْقَهُوهُ معناه كراهة أن يفقهوه، و بين الارادة على زعمهم، و الكراهة على ما أنبأت عنه الآية. بون بعيد، و اللّه الموفق.

14

وَ جَعَلْنََا للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم، كأنهم مجبولون عليه. أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم‏ وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ، وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ و قرأ طلحة: و قرا بكسر الواو حَتََّى إِذََا جََاؤُكَ يُجََادِلُونَكَ هي حتى التي تقع بعدها الجمل. و الجملة قوله إِذََا جََاؤُكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و يُجََادِلُونَكَ موضع الحال. و يجوز أن تكون الجارة و يكون إذا جاؤك في محل الجرّ بمعنى حتى وقت مجيئهم، و يجادلونك حال، و قوله: يقول الذين كفروا. تفسير له. و المعنى: أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك و يناكرونك. و فسر مجادلنهم بأنهم يقولون إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ فيجعلون كلام اللّه و أصدق الحديث، خرافات و أكاذيب، و هي الغاية في التكذيب‏} وَ هُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن القرآن أو عن الرسول عليه الصلاة و السلام و اتباعه، و يثبطونهم عن الإيمان به وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ بأنفسهم فيضلون و يضلون وَ إِنْ يُهْلِكُونَ بذلك إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ و لا يتعداهم الضرر إلى غيرهم، و إن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. و قيل: هو أبو طالب لأنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ينأى عنه و لا يؤمن به.

و روى أنهم اجتمعوا إلى أبى طالب و أرادوا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سوءاً. فقال: (1)

وَ اللََّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِم # حَتَّي أُوَسَّدَ فِى التُّرَابِ دَفِينَا

فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ # وَ أَبْشِرْ بِذَاكَ وَ قَرَّ مِنْهُ عُيُونَا

و دَعَوْتَنِى وَ زَعَمْتَ أنَّكَ نَاصِحٌ # وَ لَقَدْ صَدَقْتَ وَ كُنْتَ ثَمَّ أمِينَا

وَ عَرَضْتَ دِيناً لاَ مَحَالَةَ أنَّهُ # مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا

لَوْ لاَ الْمَلاَمَةُ أوْ حذَارِىَ سُبَّةٌ # لَوَجَدْتَنِى سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا (2)

فنزلت.

____________

(1) . أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتيبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا قالت لأبى طالب هذه المقالة فذكر القصة» قال ابن إسحاق: ثم قال: فذكر هذا الشعر.

(2) . لأبى طالب، لما اجتمع عنده قريش و أرادوا قتل النبي صلى اللّه عليه و سلم. «فاصدع» أى اجهر بأمرك حتى تؤثر في القلوب، كصدع الزجاج، أى شقه و كسره. و غض منه يغض-بالضم-غضاضة: وضع و نقص من قدره. و غضغضت الماء و تغضغض هو: نقصته و انتقص. أى ما عليك مذلة و منقصة من أمرك. و بشر يبشر -بالضم-سر و فرح. و أبشر إبشارا: سر و استبشر. و بشرته و أبشرته أفرحته. أى: افرح و انسر بذلك.

و قرت عينه. بردت سرورا، أى افرح بذلك و انسر. فهو توكيد لأبشر، إلا أنه بطريق الكناية المفيدة للمبالغة.

و عيونا تمييز محول عن الفاعل، أى لتقر عيونك. و المراد بالجمع ما فوق الواحد، أو المبالغة، أو عيونه هو أو عيونه هو و المؤمنين. و يروى «منه» أى من ذلك الأمر. و «لن» حرف لتوكيد النفي كما تشهد به مواضع الاستعمال.

و نفى الوصول: كناية عن نفى المضرة على وجه أبلغ. و الباء للملابسة. و «حتى أوسد» غاية مفيدة للتوكيد و التأييد و التوسيد: كناية عن الموت، فيجعل له و سادة تحت رأسه في رمسه. و «دفينا» أى مدفونا حال. و مجي‏ء المضارع المنفي بلن جوابا للقسم لا يجوز إلا في الضرورة كما هنا. و زعمت: أى قلت عند من لا يصدقك، و لقد صدقت في دعواك أنك ناصح للناس، و «كنت ثم» أى عند قولك «أمينا» فيما ادعيت و عرضت علينا دينا صادقا أنه من خير أديان البرية دينا، أى من جهة الديانة، أو من جهة الجزاء. و قيل: قد يراد من التمييز مجرد التوكيد و هذا منه لا محالة في ذلك، فقوله «لا محالة» جملة اعتراضية للتوكيد. و الحذار: مصدر بمعنى الحذر من مسبتهم لي. و يروى أو حذارى سبة. و السب أبلغ من اللوم «لوجدتني» يا محمد راضياً بذاك الدين، مظهراً له. و سمح سماحة فهو سمح، كضخم ضخامة فهو ضخم: إذا جاد و لم يبخل.

15

وَ لَوْ تَرى‏ََ جوابه محذوف تقديره. و لو ترى لرأيت أمراً شنيعاً وُقِفُوا عَلَى اَلنََّارِ أروها حتى يعاينوها. أو اطلعوا عليها اطلاعا هي تحتهم، أو أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها من قولك: وقفته على كذا إذا فهمته و عرفته، و قرئ: وقفوا، على البناء للفاعل، من وقف عليه وقوفا يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ تم تمنيهم. ثم ابتدءوا وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ واعدين الإيمان، كأنهم قالوا: و نحن لا نكذب و نؤمن على وجه الإثبات. و شبهه سيبويه بقولهم:

دعني و لا أعود، بمعنى دعني و أنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني. و يجوز أن يكون معطوفا على نردّ، أو حالا على معنى: يا ليتنا نردّ غير مكذبين و كائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني.

فإن قلت: يدفع ذلك قوله‏} وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ لأنّ المتمنى لا يكون كاذبا. قلت: هذا تمنّ قد تضمن معنى العدة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل: ليت اللّه يرزقني مالا فأحَسن إليك و أكافئك على صنيعك، فهذا متمنّ في معنى الواعد، فلو رزق مالا و لم يحسن إلى صاحبه و لم يكافئه كذب، كأنه قال: إن رزقني اللّه مالا كافأتك على الإحسان. و قرئ: و لا نكذب و نكون، بالنصب بإضمار أن على جواب التمني‏ (1) و معناه: إن رددنا لم نكذب و نكن من المؤمنين بَلْ بَدََا لَهُمْ مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ من قبائحهم و فضائحهم في صحفهم و بشهادة جوارحهم عليهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجراً، لا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا. و قيل: هو

____________

(1) . قال محمود: «و قرئ و لا نكذب و نكون بالنصب بإضمار أن على جواب التمني... الخ» قال أحمد:

و كثيراً ما تتناوب صيغة التمني و الخبر. ألا ترى: إلى قوله تعالى‏ وَ بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ في قوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ عََاهَدَ اَللََّهَ لَئِنْ آتََانََا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلصََّالِحِينَ إلى قوله‏ وَ بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ و هذه المعاهدة إنما كانت تمنيا بصيغة الخبر، و اللّه أعلم. و أبين من ذلك قوله تعالى في آية أخرى‏ وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهََا رَبَّنََا أَخْرِجْنََا نَعْمَلْ صََالِحاً غَيْرَ اَلَّذِي كُنََّا نَعْمَلُ فهذا هو التمني بعينه، و لكن بصيغة الوعد و الخبر الصريحة، و اللّه الموفق.

16

في المنافقين و أنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه. و قيل: هو في أهل الكتاب و أنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم وَ لَوْ رُدُّوا إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ من الكفر و المعاصي وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ فيما و عدوا من أنفسهم لا يفون به.

وَ قََالُوا عطف على لعادوا. أى و لو ردّوا لكفروا و لقالوا إِنْ هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة. و يجوز أن يعطف على قوله: و إنهم لكاذبون، على معنى:

و إنهم لقوم كاذبون في كل شي‏ء، و هم الذين قالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا. و كفى به دليلا على كذبهم‏

وُقِفُوا عَلى‏ََ رَبِّهِمْ مجاز عن الحبس للتوبيخ و السؤال، كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاتبه. و قيل: وقفوا على جزاء ربهم. و قيل عرفوه حق التعريف قََالَ مردود على قول قائل قال: ما ذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه فقيل: قال أَ لَيْسَ هََذََا بِالْحَقِّ و هذا تعيين من اللّه تعالى لهم على التكذيب. و قولهم-لما كانوا يسماعون من حديث البعث و الجزاء-: ما هو بحق و ما هو إلا باطل بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بكفركم بلقاء اللّه ببلوغ الآخرة و ما يتصل بها. و قد حقق الكلام فيه في مواضع أخر. و} حَتََّى غاية لكذبوا لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له. أى ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجي‏ء الساعة. فإن قلت: أما يتحسرون عند موتهم؟قلت: لما كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة و مقدّماتها، جعل من جنس الساعة و سمى باسمها، و لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من مات فقد قامت قيامته‏ (1) » . أو جعل مجي‏ء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة بَغْتَةً فجأة و انتصابها على الحال بمعنى باغتة، أو على المصدر

____________

(1) . أخرجه أبو شجاع الديلمي في الفردوس عن أنس بلفظ «إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته» للطبري من حديث زياد من علاقة عن المغيرة بن شعبة قال «يقولون القيامة القيامة، و إنما قيامة الرجل موته» و من رواية سفيان عن أبى قيس قال «شهدت جنازة فيها علقمة. فما دفن قال: أما هذا فقد قامت قيامته.

17

كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة فَرَّطْنََا فِيهََا الضمير للحياة الدنيا، جي‏ء بضميرها و إن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة، أو للساعة على معنى: قصرنا في شأنها و في الإيمان بها، كما تقول: فرّطت في فلان. و منه فرّطت في جنب اللّه يَحْمِلُونَ أَوْزََارَهُمْ عَلى‏ََ ظُهُورِهِمْ كقوله‏ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور، كما ألف الكسب بالأيدى سََاءَ مََا يَزِرُونَ بئس شيئا يزرون وزرهم، كقوله‏ سََاءَ مَثَلاً اَلْقَوْمُ .

جعل أعمال الدنيا لعباً و لهواً و اشتغالا بما لا يعنى و لا يعقب منفعة، كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة. و قوله لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ دليل على أن ما عدا أعمال المتقين لعب و لهو. و قرأ ابن عباس رضى اللّه عنه: و لدار الآخرة. و قرئ: تعقلون بالتاء و الياء.

قَدْ في قَدْ نَعْلَمُ بمعنى «ربما» الذي يجي‏ء لزيادة الفعل و كثرته‏ (1) ، كقوله:

أَخُو ثِقَةٍ لاَ تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَهُ # وَ لَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ‏ (2)

____________

(1) . قال محمود: «قد في قد نعلم بمعنى ربما الذي يجي‏ء لزيادة الفعل و كثرته كقوله: و لكنه قد يهلك المال نائله» قال أحمد: و مثلها في قوله‏ وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ فانه يكثر علمهم برسالته و يؤكده بظهور آياته، حتى يقيم عليهم الحجة في جمعهم بين متناقضين: أذيته، و رسوخ علمهم برسالته، و اللّه أعلم. و منه أيضا قوله:

قد أترك القرن مصفراً أنامله‏

و الغرض التعبير عن المعنى بما يشعر بعكسه، تنبيها على أنه بلغ الآية التي ما بعدها إلا الرجوع إلى الضد. و ذلك من لطائف لغة العرب و غرائبها.

(2) .

أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله # و لكنه قد يهلك المال نائله

تراه إذا ما جئته متهللا # كأنك تعطيه الذي أنت سائله

و لو لم يكن في كفه غير نفسه # لجاد بها فليتق اللّه سائله

فمن مثل حصن في الحروب و مثله # لانكار ضيم أو لخصم يحاوله‏

لزهير بن أبى سلمي يمدح حصن بن أبى حذيفة. و الثقة من وثق، كالعدة من وعد. و إن كان الفعل الأول مكسورا و الثاني مفتوحا، فأصلها «وثق» حذفت الواو و خلفتا التاء، و المراد بها ما يتوثق به، أو المصدر هو التوثق، أى هو ملازم لما يتوثق به من مكارم الأخلاف، لا ينفك عنه كأنه أخوه أو ملازم للتوثق به. و إسناد الإهلاك إلى الخمر مجاز عقلى، لأنه سببه، و كذلك إسناده إلى النائل، أى العطاء. و «قد» هنا للتكثير، و إلا لم يكن مدحا، (2-كشاف-2) تراه متهللا مستبشر الوجه إذا جئته سائلا، فكأنك تعطيه المال الذي أنت طالبه منه. و بالغ في وصفه بالكرم حتى أنه يجود بروحه إن لم يملك غيرها، و بنى على ذلك أمر سائله بالتقوى من اللّه، لئلا يأخذ روحه فيميته.

فسائله الأول مضاف لمفعوله الثاني. و الثاني مضاف للأول. و قوله «فمن» استفهام إنكارى، أى ما مثله أحد في الحروب، و ما مثله أحد معد لانكار الظلم و إبائه و المحاولة و المعالجة و الطلب. و ضمير يحاوله للضيم، أو لحصن، أو لمن. و يروى الشعر برواية أخرى، على أنه وصف لمعن بن زائدة و هي:

يقولون معن لا زكاة لماله # و كيف يزكى المال من هو باذله

إذا حال حول لم تجد في دياره # من المال إلا ذكره و جمائله

تراه إذا ما جئته متهللا # كأنك تعطيه الذي أنت نائله

تعود بسط الكف حتى لو انه # أراد انقباضا لم تطعه أنامله

فلو لم يكن......... # ......... البيت‏

و رفع جمائله، ذهابا إلى المعنى، لأن المعنى لم يبق إلا جمائله و نائله: آخذه منه. و بسط الكف: كناية عن كثرة الكرم. و أنامله: أجزاء أصابعه.

18

و الهاء في إِنَّهُ ضمير الشأن لَيَحْزُنُكَ قرئ بفتح الياء و ضمها. و اَلَّذِي يَقُولُونَ هو قولهم ساحر كذاب لاََ يُكَذِّبُونَكَ قرئ بالتشديد و التخفيف، من كذبه إذا جعله كاذبا في زعمه‏ (1)

و أكذبه إذا وجده كاذبا. و المعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى اللّه، لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة و إنما يكذبون اللّه بجحود آياته، فاله عن حزنك لنفسك و إن هم كذبوك و أنت صادق، و ليشغلك عن ذلك ما هو أهمّ و هو استعظامك بجحود آيات اللّه تعالى و الاستهانة بكتابه. و نحوه قول السيد لغلامه-إذا أهانه بعض الناس-: إنهم لم يهينوك و إنما أهانونى. و في هذه الطريقة قوله تعالى‏ إِنَّ اَلَّذِينَ يُبََايِعُونَكَ إِنَّمََا يُبََايِعُونَ اَللََّهَ و قيل: فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، و لكنهم يجحدون بألسنتهم. و قيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، و لكنهم يجحدون بآيات اللّه. و عن ابن عباس رضى اللّه عنه:

كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يسمى الأمين‏ (2) فعرفوا أنه لا يكذب في شي‏ء، و لكنهم كانوا يجحدون. و كان أبو جهل يقول: ما نكذبك لأنك عندنا صادق، و إنما نكذب ما جئتنا به. و روى أنّ الأخنس بن شريق قال لأبى جهل: يا أبا الحكم، أخبرنى عن محمد، أ صادق هو أم كاذب، فإنه ليس عندنا أحد غيرنا؟فقال له: و اللّه إن محمداً لصادق

____________

(1) . عاد كلامه. قال: «و قرئ يكذبونك بالتشديد و التخفيف من كذبه إلى قوله وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ ... الخ» قال أحمد: و في هذا النوع من إقامة الظاهر مقام المضمر فنان من نكت البيان، إحداهما: الإسهاب في ذمهم و هذه النكتة يستقل بها الظاهر من حيث كونه ظاهرا، حتى لو كان لقبا جامدا، و الأخرى زيادة منه تؤكد ذمهم، تفهم من اشتقاق الظاهر.

(2) . لم أجده عنه و في الطبقات من حديث يعلى بن أمية قال «بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خمسا و عشرين سنة و ليس له بمكة اسم إلا الأمين» و رواه أيضا من حديث على ابن أبى طالب نحوه.

19

و ما كذب قط، و لكن إذا ذهب بنو قصىّ باللواء و السقاية و الحجابة و النبوّة، فما ذا يكون لسائر قريش، فنزلت، و قوله وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ من إقامة الظاهر مقام المضمر، للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.

وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) و هذا دليل على أن قوله‏ فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ ليس بنفي لتكذيبه، و إنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك و لكنهم أهانونى عَلى‏ََ مََا كُذِّبُوا وَ أُوذُوا على تكذيبهم و إيذائهم وَ لاََ مُبَدِّلَ لِكَلِمََاتِ اَللََّهِ لمواعيده من قوله‏ وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنََا لِعِبََادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ `إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ وَ لَقَدْ جََاءَكَ مِنْ نَبَإِ اَلْمُرْسَلِينَ بعض أنبائهم و قصصهم و ما كابدوا من مصابرة المشركين.

كان يكبر على النبي صلى اللّه عليه و سلم كفر قومه و إعراضهم عما جاء به فنزل‏ لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ* ، إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، } وَ إِنْ كََانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرََاضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ منفذاً تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها أَوْ سُلَّماً فِي اَلسَّمََاءِ فَتَأْتِيَهُمْ منها بِآيَةٍ فافعل. يعنى أنك لا تستطيع ذلك. و المراد بيان حرصه على إسلام قومه و تهالكه عليه، و أنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم. و قيل: كانوا يقترحون الآيات فكان يورّ أن يجابوا

____________

(1) . عاد كلامه. قال: «و قوله و لقد كذبت رسل من قبلك تسلية... الخ» قال أحمد: و لا دلالة فيه لأنه مؤتلف مع نفى التكذيب أيضا، و موقعه حينئذ من الفضيلة أبين، أى هؤلاء لم يكذبوك فحقك أن تصبر عليهم و لا يحزنك أمرهم، و إذا كان من قبلك من الأنبياء قد كذبهم قومهم فصبروا عليهم، فأنت إذ لم يكذبوك أجدر بالصبره فقد ائتلف كما ترى بالتفسيرين جميعا، و لكنه من غير الوجه الذي استدل به فيه تقريب لما اختاره: و ذلك أن مثل هذه التسلية قد وردت مصرحا بها في نحو قوله‏ وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فسلاه عن تكذيبهم له بتكذيب غيرهم من الأمم لأنبيائهم و ما هو إلا تفسير حسن مطابق للواقع مؤيد بالنظائر، و اللّه أعلم.

20

إليها لتمادى حرصه على إيمانهم. فقيل له: إن استطعت ذلك فافعل، دلالة على أنه بلغ من حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون. و يجوز أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآيات، كأنه قيل: لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقى إلى السماء لفعلت، لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها.

و حذف جواب «أن» كما تقول: إن شئت أن تقوم بنا إلى فلان نزوره وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اَلْهُدى‏ََ بأن يأتيهم بآية ملجئة، و لكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ من الذين يجهلون ذلك و يرومون ما هو خلافه‏ 1 إِنَّمََا يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعنى أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسماعون، و إنما يستجيب من يسمع، كقوله‏ إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ* وَ اَلْمَوْتى‏ََ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ للجزاء فكان قادراً على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان. و أنت لا تقدر على ذلك. و قيل معناه: و هؤلاء الموتى-يعنى الكفرة-يبعثهم اللّه. ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسماعون. و أما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم‏ (2) و قرئ: يرجعون، بفتح الياء.

لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ نزل بمعنى أنزل. و قرئ أن ينزل بالتشديد و التخفيف. و ذكر الفعل و الفاعل مؤنث، لأن تأنيث آية غير حقيقى، و حسن للفصل. و إنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل من الآيات على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، كأنه لم ينزل عليه شي‏ء من الآيات عناداً منهم قُلْ إِنَّ اَللََّهَ قََادِرٌ عَلى‏ََ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً تضطرهم إلى الإيمان.

كنتق الجبل على بنى إسرائيل و نحوه، أو آية إن جحدوها جاءهم العذاب وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ

____________

(1) . قال محمود: «بأن يأتيهم بآية ملجئة و لكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ من الذين يجهلون ذلك و يرومون ما هو خلافه» قال أحمد: و هذه الآية أيضا كافلة بالرد على القدرية في زعمهم أن اللّه تعالى شاء جمع الناس كلهم على الهدى فلم يكن. ألا ترى أن الجملة مصدرة بلو، و مقتضاها امتناع جوابها لامتناع الواقع بعدها، فامتناع اجتماعهم على الهدى إذاً إنما كان لامتناع المشيئة، فمن ثم ترى الزمخشري يحمل المشيئة على قهرهم على الهدى بآية ملجئة لا يكون الايمان معها اختيارا، حتى يتم له أن هذا الوجه من المشيئة لم يقع، و إن مشيئة اجتماعهم على الهدى على اختيار منهم ثابتة غير ممتنعة و لكن لم يقع متعلقها، و هذه من خباياه و مكامنه فاحذرها، و اللّه الموفق.

(2) . قوله «إلى استماعهم» لعله: إسماعهم. (ع)

21

أنّ اللّه قادر على أن ينزل تلك الآية، و أن صارفا من الحكمة يصرفه عن إنزالها.

أُمَمٌ أَمْثََالُكُمْ مكتوبة أرزاقها و آجالها و أعمالها كما كتبت أرزاقكم و آجالكم و أعمالكم مََا فَرَّطْنََا ما تركنا و ما أغفلنا فِي اَلْكِتََابِ في اللوح المحفوظ مِنْ شَيْ‏ءٍ من ذلك لم نكتبه و لم نثبت ما وجب أن يثبت مما يختص به ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعنى الأمم كلها من الدواب و الطير فيعوضها و ينصف بعضها من بعض، كما روى أنه يأخذ للجماء من القرناء. فإن قلت: كيف قيل: إِلاََّ أُمَمٌ مع إفراد الدابة و الطائر؟فإن قلت: لما كان قوله تعالى وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ طََائِرٍ دالا على معنى الاستغراق و مغنيا عن أن يقال: و ما من دواب و لا طير، حمل قوله إِلاََّ أُمَمٌ على المعنى، فإن قلت، هلا قيل: و ما من دابة و لا طائر (1)

إلا أمم أمثالكم؟و ما معنى زيادة قوله فِي اَلْأَرْضِ و يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ قلت: معنى ذلك زيادة التعميم و الإحاطة، كأنه قيل: و ما من دابة فقط في جميع الأرضين السبع، و ما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها. فإن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك؟قلت: الدلالة على عظم قدرته، و لطف علمه، و سعة سلطانه و تدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، و هو حافظ لما لها و ما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، و أنّ المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان. و قرأ ابن أبى عبلة: و لا طائر، بالرفع على المحل، كأنه قيل:

و ما دابة و لا طائر. و قرأ علقمة: ما فرطنا، بالتخفيف.

فإن قلت: كيف أتبعه قوله وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا ؟قلت: لما ذكر من خلائقه و آثار قدرته ما يشهد لربوبيته و ينادى على عظمته قال: و المكذبون صُمٌّ لا يسماعون كلام المنبه

____________

(1) . قال محمود: «إن قلت هلا قبل: و ما من دابة و لا طائر... الخ» قال أحمد: و لم يبين وجه زيادتها للتعميم.

و لقائل أن يقول: يلزم من العموم في أجناس الطير دخول كل طائر في الجو في العموم و إن لم يذكر في الجو، و كذلك يلزم من عموم الدواب في سائر أصنافها أن يندرج في ذلك كل دابة في الأرضين و إن لم يذكر في الأرض، فلا بد من بيان وجه الزيادة فنقول: موقع قوله‏ فِي اَلْأَرْضِ و يَطِيرُ بِجَنََاحَيْهِ موقع الوصف العام، و صفة العام عامة ضرورة المطابقة، فكأنه مع زيادة الصفة تظافرت صفتان عامتان، و اللّه أعلم.

22

بُكْمٌ لا ينطقون بالحق، خابطون في ظلمات الكفر، فهم غافلون عن تأمل ذلك و التفكر فيه، ثم قال إيذاناً بأنهم من أهل الطبع‏ (1) مَنْ يَشَأِ اَللََّهُ يُضْلِلْهُ أى يخذله و يخله و ضلاله لم يلطف به، (2) لأنه ليس من أهل اللطف وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ أى يلطف به لأنّ اللطف يجدى عليه.

أَ رَأَيْتَكُمْ أخبرونى. و الضمير الثاني لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أ رأيتك زيداً ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك تقول: أ رأيت نفسك زيدا ما شأنه؟و هو خلف من القول و متعلق الاستخبار محذوف، تقديره: إن أتاكم عذاب انّه‏ (3) أَوْ أَتَتْكُمُ اَلسََّاعَةُ من تدعون. ثم بكتهم بقوله أَ غَيْرَ اَللََّهِ تَدْعُونَ بمعنى أ تخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ، أم تدعون اللّه دونها} بَلْ إِيََّاهُ تَدْعُونَ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فَيَكْشِفُ مََا تَدْعُونَ إِلَيْهِ أى ما تدعونه إلى كشفه إِنْ شََاءَ إن أراد أن يتفضل عليكم و لم يكن مفسدة وَ تَنْسَوْنَ مََا تُشْرِكُونَ و تتركون آلهتكم، (4) أو لا تذكرونها في ذلك الوقت، لأنّ أذهانكم في ذلك الوقت مغمورة بذكر ربكم وحده، إذ هو القادر على كشف الضر دون غيره. و يجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله أَ غَيْرَ اَللََّهِ تَدْعُونَ (5) كأنه قيل:

____________

(1) . قوله «إيذانا بأنهم من أهل الطبع» أى الختم على القلوب. و قوله «أى يخذله... الخ» فسر الإضلال بذلك، لأنه تعالى لا يخلق الشر عند المعتزلة، أما عند أهل السنة فيخلق الشر كالخير، فالاضلال على ظاهره عندهم بمعنى خلق الضلال في القلب. (ع)

(2) . قال محمود: «معنى يضلله يخذله و لم يلطف به... الخ» قال أحمد: و هذا من تحريفاته للهداية و الضلالة اتباعا لمعتقده الفاسد في أن اللّه تعالى لا يخلق الهدى و لا الضلال، و أنهما من جملة مخلوقات العباد. و كم تخرق عليه هذه العقيدة فيروم أن يرقعها، و قد اتسع الخرق على الراقع، و اللّه الموفق.

(3) . قال محمود: «متعلق الاستخبار محذوف تقديره... الخ» قال أحمد: هو لا يدع أن يحجر واسعا فيوجب على اللّه رعاية المصالح بناء على القاعدة الفاسدة من مراعاة الصلاح و الأصلح.

(4) . عاد كلامه. قال: «و تنسون ما تشركون: أى و تتركون آلهتكم... الخ» قال أحمد: و إنما يلقى الاختصاص حيث يقول: معناه أ تخصون آلهتكم، ثم قال: بل تخصون اللّه بالدعاء من حيث تقدم المفعول على الفعل في قوله أَ غَيْرَ اَللََّهِ تَدْعُونَ و قوله بَلْ إِيََّاهُ تَدْعُونَ و تقديم المفعول عنده يفيد الاختصاص و الحصر. و قوله تعالى‏ إِيََّاكَ نَعْبُدُ في قوة قولك: لا نعبد إلا إياك. و قد مضى الكلام عليه.

(5) . عاد كلامه. قال: «و يجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله أ غير اللّه تدعون... الخ» قال أحمد: و لقد سدد النظر لو لا أنه نغص ذلك بما يفهم وجوب مراعاة المصالح. و أن مشيئة اللّه تعالى تابعة للمصلحة، و قد تقدم آنفا فاحذره. و عليك بما سواه فانه من بديع النظر، و اللّه الموفق.

23

أ غير اللّه تدعون إن أتاكم عذاب اللّه. فإن قلت: إن علقت الشرط به فما تصنع بقوله:

فَيَكْشِفُ مََا تَدْعُونَ إِلَيْهِ مع قوله أَوْ أَتَتْكُمُ اَلسََّاعَةُ و قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين؟قلت: قد اشترط في الكشف المشيئة، و هو قوله: إِنْ شََاءَ إيذاناً بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة، إلا أنه لا يفعل لوجه آخر من الحكمة أرجح منه.

البأساء، و الضراء: البؤس، و الضر. و قيل البأساء: القحط و الجوع. و الضراء: المرض و نقصان الأموال و الأنفس. و المعنى: و لقد أرسلنا إليهم الرسل فكذبوهم فأخذناهم لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يتذللون و يتخشعون لربهم و يتوبون عن ذنوبهم‏} فَلَوْ لاََ إِذْ جََاءَهُمْ بَأْسُنََا تَضَرَّعُوا معناه: نفى التضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. و لكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم و قسوة قلوبهم، و إعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم‏} فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ من البأساء و الضراء: أى تركوا الاتعاظ به و لم ينفع فيهم و لم يزجرهم فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ من الصحة و السعة و صنوف النعمة، ليزاوج عليهم بين نوبتي الضراء و السراء، كما يفعل الأب المشفق بولده يخاشنه تارة و يلاطفه أخرى، طلباً لصلاحه حَتََّى إِذََا فَرِحُوا بِمََا أُوتُوا من الخير و النعم، لم يزيدوا على الفرح و البطر، من غير انتداب لشكر و لا تصدّ لتوبة و اعتذار أَخَذْنََاهُمْ بَغْتَةً فَإِذََا هُمْ مُبْلِسُونَ واجمون‏ (1) متحسرون آيسون فَقُطِعَ دََابِرُ اَلْقَوْمِ آخرهم لم يترك منهم أحد، قد استؤصلت شأفتهم‏ (2) وَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ

____________

(1) . قوله « واجمون» في الصحاح «الواجم» الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام. (ع)

(2) . قوله «شأفتهم» قرحة تخرج من أسفل القدم فتكوى فتذهب، ثم ضربت مثلا في الاستئصال. أوده الصحاح. (ع)

24

إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة (1) و أنه من أجلّ النعم و أجزل القسم. و قرئ «فتحنا» بالتشديد.

إِنْ أَخَذَ اَللََّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصََارَكُمْ بأن يصمكم و يعميكم وَ خَتَمَ عَلى‏ََ قُلُوبِكُمْ بأن يغطى عليها ما يذهب عنده فهمكم و عقلكم يَأْتِيكُمْ بِهِ أى يأتيكم بذاك، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة أو بما أخذ و ختم عليه يَصْدِفُونَ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها.

لما كانت البغتة أن يقع الأمر من غير أن يشعر به و تظهر أماراته، قيل بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً و عن الحسن: ليلا أو نهاراً. و قرئ بغتة أو جهرة (2) هَلْ يُهْلَكُ أى ما يهلك هلاك تعذيب و سخط إلا الظالمون. و قرئ. هل يهلك بفتح الياء.

مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ من آمن بهم و بما جاءوا به و أطاعهم، و من كذبهم و عصاهم و لم يرسلهم ليتلهى بهم و يقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم بالبراهين القاطعة وَ أَصْلَحَ ما يجب عليه إصلاحه مما كلف.

____________

(1) . قال محمود: «الحمد هاهنا إيذان بوجوب الحمد عند هلاك... الخ» قال أحمد: و نظيرها قوله تعالى‏ وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسََاءَ مَطَرُ اَلْمُنْذَرِينَ* ، قُلِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ وَ سَلاََمٌ عَلى‏ََ عِبََادِهِ اَلَّذِينَ اِصْطَفى‏ََ فيمن وقف هاهنا و جعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين. و منهم من وقف على المنذرين و جعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية اللّه تعالى، و أنه جل جلاله خير مما يشركون، فعلى الأول يكون الحمد حتما، و على الثاني فاتحة، و هو مستعمل فيهما شرعا، و لكنه في، آية النمل أظهر في كونه مفتتحا لما بعده، و في آية الأنعام ختم لما تقدمه ختما، إذ لا يقتضى السياق غير ذلك، و اللّه أعلم.

(2) . قوله «بغتة أو جهرة» كذا في أبى السعود و البيضاوي. و في بعض نسخ هذا الكتاب بغتة أو جهرة، و كتب عليه: أى بتحريك الغين و الهاء. اهـ (ع)

25

جعل العذاب ماسا، كأنه حىّ يفعل بهم ما يريد من الآلام. و منه قولهم: لقيت منه الأمرّين و الأقورين‏ (1) حيث جمعوا جمع العقلاء: و قوله‏ إِذََا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهََا تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً .

أى لا أدعى ما يستبعد في العقول‏ (2) أن يكون لبشر من ملك خزائن اللّه-و هي قسمه بين الخلق و إرزاقه، و علم الغيب، و أنى من الملائكة الذين هم أشرف جنس‏ (3) خلقه اللّه تعالى و أفضله و أقربه منزلة منه. أى لم أدّع إلهية و لا ملكية، لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي و تستنكرونها. و إنما أدّعى ما كان مثله لكثير من البشر و هو النبوّة هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ مثل للضالّ و المهتدى‏ (4) و يجوز أن يكون

____________

(1) . قوله «الأمرين و الأقورين» الأمرين-بنون الجمع-: الدواهي. و الأقورين-بكسر الراء-: الدواهي العظام، كذا في الصحاح. (ع)

(2) . قال محمود: «أى لا أدعى ما يستبعد في العقول... الخ» قال أحمد رحمه اللّه: هو ينبنى على القاعدة المتقدمة له في تفضيل الملائكة على الأنبياء. و لعمري إن ظاهر هذه الآية يؤيده، فلذلك انتهز الفرصة في الاستدلال بها و لمخالفة أن يقول: إنما وردت الآية رداً على الكفار في قولهم‏ مََا لِهََذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعََامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْوََاقِ لَوْ لاََ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً `أَوْ يُلْقى‏ََ إِلَيْهِ كَنْزٌ... الآية فرد قولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، بأنه بشر و ذلك شأن البشر، و لم يدع أنه ملك حتى يتعجب من أكله للطعام، و حينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء لأنه لا خلاف أن الأنبياء يأكلون الطعام و أن الملائكة ليسوا كذلك، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها، و لا يوجب ذلك اتفاقا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء. و كذلك رد قولهم. أو يلقى إليه كنز، بأنه لا يملك خزائن اللّه تعالى حتى يأتيهم بكنز منها على وفق مقترحهم، و لا قال لهم ذلك حتى يقام عليه الحجة به. و هذه الآية جاء الترتيب فيها مخالفاً لترتيب قوله‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلََّهِ وَ لاَ اَلْمَلاََئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ قال الزمخشري: لأنهم أعلى من الأنبياء، و قد أخر هاهنا دعوى الملكية عن دعوى الالهية، إذ الالهية أجل و أعلى، و الملكية أدنى، و لا محل لذلك إلا التمهيد الذي أسلفته و قد جعلت الأمر في التقديم و التأخير تبعا للسياق، فقد تقضى البلاغة في بعضه عكس ما تقتضيه في الآخر. و لم يحسن الزمخشري في قوله: ليس يعد الالهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة، فانه جعل الالهية من جملة المنازل كالملكية. و مثل هذا الإطلاق لا يسوغ. و المنزلة عبارة عن المحل الذي ينزل اللّه فيه العبد من علو و غيره، فاطلاقها على الالهية تحريف، و اللّه الموفق للصواب.

(3) . قوله «من الملائكة الذين هم أشرف جنس» أى عند المعتزلة، أما عند أهل السنة، فالبشر أشرف، على ما تقرر في التوحيد. (ع)

(4) . عاد كلامه. قال: و الأعمى و البصير مثل للضال و المهتدى... الخ» قال أحمد: قوله أو ادعى المحال يعنى المستحيل، و لذلك قابله بالمستقيم يريد الممكن، و ذلك مسبب عن دعوى الالهية، إذ ادعاؤها لا يجوز عقلا. و أما مدعى الملكية فلا يقاس بمدعي الالهية في الاستحالة العقلية. و يجوز في القدرة أن يجعل البشر ملكا و الملك بشراً، كما يجوز أن يجعل البشر أنبياء. و يدل على هذا الجواز قوله‏ وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنََاهُ رَجُلاً هذا مع أن العقل يجيزه في قدرة اللّه تعالى، لأن الجواهر متماثلة، و المعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقوم بكلها فالمعاني التي بها كان الملك ملكا يجوز أن يخلقها اللّه تعالى للبشر و بالعكس. و عدم وقوعه لا يأبى استقامته و إمكانه، و اللّه الموفق.

26

مثلا لمن اتبع ما يوحى إليه. و من لم يتبع. أو لمن ادّعى المستقيم و هو النبوة، و المحال و هو الإلهية أو الملكية أَ فَلاََ تَتَفَكَّرُونَ فلا تكونوا ضالين أشباه العميان. أو فتعلموا أنى ما ادعيت ما لا يليق بالبشر. أو فتعلموا أن أتباع ما يوحى إلىَّ مما لا بدّ لي منه. فإن قلت: أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ ما محله من الإعراب؟قلت: النصب عطفاً على قوله عِنْدِي خَزََائِنُ اَللََّهِ ، لأنه من جملة المقول كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول و لا هذا القول.

وَ أَنْذِرْ بِهِ الضمير راجع إلى قوله‏ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ و اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إمّا قوم داخلون في الإسلام مقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل‏ (1) فينذرهم بما يوحى إليه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أى يدخلون في زمرة المتقين من المسلمين. و إمّا أهل الكتاب لأنهم مقرّون بالبعث. و إما ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا، فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار، دون المتمرّدين منهم، فأمر أن ينذر هؤلاء. و قوله لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لاََ شَفِيعٌ في موضع الحال من يحشروا، بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين و لا مشفوعا لهم، و لا بدّ من هذه الحال، لأن كلا

____________

(1) . قال محمود: «الذين يخافون إما قوم آمنوا إلا أنهم مفرطون... الخ» قال أحمد: و إنما كانت هذه الحال لازمة لو قيل: و أنذر به الذين يحشرون، لأنه لو لا الحال لعم الأمر بالإنذار كل أحد و المقصود تخصيصه بالبعض.

و أما و قد قيل وَ أَنْذِرْ بِهِ اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى‏ََ رَبِّهِمْ فهذا الكلام مستقل برأسه. و مضمونه تخصيص الانذار المأمور به بالقوم الخائفين من البعث، إما لأنهم مقرون به. و إما لأنهم يحتاطون لأنفسهم فيحملهم الخوف على النظر المقضى إلى اليقين، دون العتاة المصممين على الجحد و ليس كل خائف من البعث لا شفيع له، فان الموحدين أجمعين خائفون و هم مشفوع لهم، و إن عنى باللازمة التي لا ينفك ذو الحال عنها، كالتي في قوله‏ وَ هُوَ اَلْحَقُّ مُصَدِّقاً قائما هو حينئذ يبتنى على قاعدته في إنكار الشفاعة، فكل خائف عنده لا شفيع له إذ لا يخاف إلا أصحاب الكبائر غير التائبين أو الكفار. و الكل عنده سواء لا شفيع لهم. و حيث أثبتت الشفاعة، جعلها خاصة بزيادة الثواب، فلا ينالها إلا من يستوجب على زعمه الثواب بعمله الصالح، و تكون الشفاعة مفيدة للمزيد على ما يرضيه. فهذا عنده لا يخاف من البعث، لأنه يستوجب الجنة. فمن ثم جعل الحال لازمة إذ الناس قسمان: غير مخالف، فلا تتناوله الآية.

و خائف، فذاك إنما خاف لأنه استوجب العقاب فلا شفاعة تناله. و هذه من دفائنه الخفية، و مكامنه المزوية، فتفطن لها، و اللّه الموفق برحمته.

27

محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال.

ذكر غير المتقين من المسلمين و أمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم و أمره بتقريبهم و إكرامهم، و أن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، و أثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أى عبادته و يواظبون عليها. و المراد بذكر الغداة و العشى: الدوام. و قيل معناه: يصلون صلاة الصبح و العصر، و وسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله يُرِيدُونَ وَجْهَهُ و الوجه يعبر به عن ذات الشي‏ء و حقيقته. روى أن رؤسا من المشركين قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: لو طردت عنا هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين، و هم عمار و صهيب و بلال و خباب و سلمان و أضرابهم رضوان اللّه عليهم، و أرواح جبابهم-و كانت عليهم جباب من صوف-جلسنا إليك و حادثناك، فقال عليه الصلاة و السلام: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت. فقال: نعم، طمعاً في إيمانهم‏ (1) . و روى أن عمر رضى اللّه عنه قال:

لو فعلت حتى ننظر إلى ما يصيرون. قال فاكتب بذلك كتابا، فدعا بصحيفة و بعلىّ رضى اللّه عنه ليكتب، فنزلت. فرمى بالصحيفة، و اعتذر عمر من مقالته‏ (2) . قال سلمان و خباب: فينا نزلت فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقعد معنا و يدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته. و كان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت‏ (3) : و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم، فترك القيام عنا إلى أن تقوم

____________

(1) . رواه البيهقي في الشعب في أواخره و الواحدي في الأسباب من رواية أبى مشجعة بن ربعي عن سلمان قال «جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: عيينة بن بدر و الأفرع بن حابس و ذووهم فقالوا يا رسول اللّه، إنك لو جلست في صدر المسجد و نفيت عنا هؤلاء و أرواح جبابهم يعنون أبا ذر و سلمان و فقراء المسلمين، و كانت عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك و حادثناك و أخذنا عنك. فأنزل اللّه تعالى‏ وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ -إلى قوله- لِلظََّالِمِينَ نََاراً فقام النبي صلى اللّه عليه و سلم يلتمسهم. الحديث» و لابن ماجة و ابن أبى شيبة و الطبراني و أبو نعيم في ترجمة خباب. و إسحاق و أبو يعلى و البزار و البيهقي أيضا و الواحدي من طريق أبى الكنود عن خباب في قوله تعالى وَ لاََ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدََاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ -الآية إلى اَلظََّالِمِينَ قال: جاء الأفرع و عيينة فوجدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مع صهيب و بلال و عمار و خباب، قاعداً في ناس من ضعفاء المؤمنين. فذكره مطولا.

(2) . قلت هو في حديث خباب المذكور آنفا دون مشورة عمر. و اعتذاره.

(3) . قلت أما حديث خباب فمن أوله إلى قوله «أن تقوم» في حديثه المذكور آنفا. و أما حديث سلمان فقد ذكرته أولا. و أما قوله «و قال الحمد للّه... إلى آخره» فهو في حديث سلمان وحده.

28

عنه و قال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتى أمرنى أن أصبر نفسي مع قوم من أمتى. معكم المحيا و معكم الممات مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ كقوله‏ إِنْ حِسََابُهُمْ إِلاََّ عَلى‏ََ رَبِّي و ذلك أنهم طعنوا في دينهم و إخلاصهم، فقال مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ بعد شهادته لهم بالإخلاص و بإرادة وجه اللّه في أعمالهم على معنى: و إن كان الأمر على ما يقولون عند اللّه، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر و الاتسام بسيمة (1) المتقين، و إن كان لهم باطن غير مرضى فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعدّاهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدّاك إليهم، كقوله‏ وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ* . فإن قلت:

أما كفى قوله مََا عَلَيْكَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ حتى ضم إليه وَ مََا مِنْ حِسََابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ ؟ قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، و قصد بهما مؤدى واحد و هو المعنىّ في قوله وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ* و لا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت و لا هم بحساب صاحبه. و قيل: الضمير للمشركين. و المعنى: لا يؤاخذون بحسابك و لا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم و يحرّك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي فَتَكُونَ مِنَ اَلظََّالِمِينَ جواب النهى. و يجوز أن يكون عطفا على فَتَطْرُدَهُمْ على وجه التسبيب، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم. و قرئ: بالغدوة و العشى.

وَ كَذََلِكَ فَتَنََّا و مثل ذلك الفتن العظيم، فتنا بعض الناس ببعض، أى ابتليناهم بهم. و ذلك أنّ المشركين كانوا يقولون للمسلمين أَ هََؤُلاََءِ الذين مَنَّ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنََا أى أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق و لما يسعدهم عنده من دوننا، و نحن المقدمون و الرؤساء، و هم العبيد و الفقراء، إنكاراً لأن يكون أمثالهم على الحق و ممنونا عليهم من بينهم بالخير، و نحوه‏ أَ أُلْقِيَ اَلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنََا ، لَوْ كََانَ خَيْراً مََا سَبَقُونََا إِلَيْهِ . و معنى فتناهم ليقولوا ذلك: خذلناهم‏ (2)

فافتتنوا، حتى كان افتتانهم سببا لهذا القول، لأنه لا يقول مثل قولهم هذا إلا مخذول مفتون أَ لَيْسَ اَللََّهُ بِأَعْلَمَ بِالشََّاكِرِينَ أى اللّه أعلم بمن يقع منه الإيمان و الشكر فيوفقه للإيمان. و بمن يصمم على كفره فيخذله و يمنعه التوفيق.

____________

(1) . قوله «بسيمة» لعله «بسمة» . (ع)

(2) . قوله «خذلناهم فافتتنوا» فسر بهذا على مذهب المعتزلة: أنه تعالى لا يخلق الشر. و عند أهل السنة يخلق الشر كالخير. (ع)

29

فَقُلْ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام اللّه إليهم. و إما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم و تطييبا لقلوبهم. و كذلك قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ََ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ من جملة ما يقول لهم ليسرهم و يبشرهم بسعة رحمة اللّه و قبوله التوبة منهم. و قرئ: إنه، فإنه بالكسر على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ و بالفتح على الإبدال من الرحمة بِجَهََالَةٍ في موضع الحال، أى عمله و هو جاهل. و فيه معنيان، أحدهما: أنه فاعل فعل الجهلة لأنّ من عمل ما يؤدى إلى الضرر في العاقبة و هو عالم بذلك أو ظانّ فهو من أهل السفه و الجهل، لا من أهل الحكمة و التدبير. و منه قول الشاعر:

على أنّها قالت عشيّة زرتها # جهلت على عمد و لم تك جاهلا (1)

و الثاني: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه و المضرة. و من حق الحكيم أن لا يقدم على شي‏ء حتى يعلم حاله و كيفيته. و قيل: إنها نزلت في عمر رضى اللّه عنه حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوا و لم يعلم أنها مفسدة.

و قرئ وَ لِتَسْتَبِينَ بالتاء و الياء مع رفع السبيل لأنها تذكر و تؤنث. و بالتاء على خطاب الرسول مع نصب السبيل. يقال: استبان الأمر و تبين و استبنته و تبينته. و المعنى: و مثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن و نلخصها في صفة أحوال المجرمين، من هو مطبوع على قلبه لا يرجى إسلامه، و من يرى فيه أمارة القبول و هو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة، و من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده، و لتستوضح سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يجب أن يعامل به، فصلنا ذلك التفصيل.

____________

(1) . «على» بمعنى «مع» أى قالت عشية زيارتي إياها «جهلت» أى فعلت فعل الجاهل، أو تجاهلت و ادعيت الجهل، مع تعمدك و لم تك جاهلا حين الفعل. أو لم تك فيما مضى جاهلا بشي‏ء. (ع)

30

نُهِيتُ صرفت و زجرت، بما ركب فىّ من أدلة العقل، و بما أوتيت من أدلة السمع عن عبادة ما تعبدون مِنْ دُونِ اَللََّهِ و فيه استجهال لهم و وصف بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة قُلْ لاََ أَتَّبِعُ أَهْوََاءَكُمْ أى لا أجرى في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، و هو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال، و تنبيه لكل من أراد إصابة الحق و مجانبة الباطل قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً أى إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال و ما أنا من الهدى في شي‏ء يعنى أنكم كذلك. و لما نفى أن يكون الهوى متبعا نبه على ما يجب اتباعه بقوله‏} قُلْ إِنِّي عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي و معنى قوله إِنِّي عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ : إنى من معرفة ربى و أنه لا معبود سواه، على حجة واضحة و شاهد صدق وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ أنتم حيث أشركتم به غيره. يقال: أنا على بينة من هذا الأمر و أنا على يقين منه، إذا كان ثابتا عندك بدليل. ثم عقبه بما دل على استعظام تكذيبهم باللّه و شدة غضبه عليهم لذلك و أنهم أحقاء بأن يغافصوا (1) بالعذاب المستأصل فقال مََا عِنْدِي مََا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعنى العذاب الذي استعجلوه في قولهم‏ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاََّ لِلََّهِ في تأخير عذابكم يَقُصُّ اَلْحَقَّ أى القضاء الحق في كل ما يقضى من التأخير و التعجيل في أقسامه وَ هُوَ خَيْرُ اَلْفََاصِلِينَ أى القاضين. و قرئ: يقص الحق‏ (2) أى يتبع الحق و الحكمة فيما يحكم به و يقدّره، من قصر أثره‏} لَوْ أَنَّ عِنْدِي أى في قدرتي و إمكانى مََا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي و امتعاضا (3) من تكذيبكم به. و لتخلصت منكم سريعا وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِالظََّالِمِينَ و بما يجب في الحكمة من كنه عقابهم. و قيل عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي على حجة من جهة ربى و هي القرآن وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ أى بالبينة. و ذكر الضمير على تأويل البيان أو القرآن. فإن قلت: بم انتصب الحق؟قلت: بأنه صفة لمصدر يقضى، أى يقضى القضاء الحق. و يجوز أن يكون مفعولا به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها، أى يصنع الحق و يدبره. و في قراءة عبد اللّه: يقضى بالحق. فإن قلت: لم أسقطت الياء في الخط؟قلت: اتباعا للخط اللفظ، و سقوطها في اللفظ لالتقاء الساكنين.

____________

(1) . قوله «يغافصوا» أى يؤاخذوا على غفلة. يقال: غافصت الرجل أخذته على غرة اهـ (ع)

(2) . قوله «و قرئ يقص الحق» ظاهره أن قراءة يَقُصُّ من القضاء، هي المشهورة. فليحرر. (ع)

(3) . قوله «و امتعاضا» الامتعاض: امتداد الغضب. أفاده الصحاح. (ع)

31

جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة، لأنّ المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن‏ (1)

المتوثق منها بالأغلاق و الأقفال. و من علم مفاتحها و كيف تفتح، توصل إليها، فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن و يعلم فتحها، فهو المتوصل إلى ما في المخازن. و المفاتح: جمع مفتح و هو المفتاح. و قرئ مفاتيح، و قيل: هي جمع مفتح-بفتح الميم-و هو المخزن. } وَ لاََ حَبَّةٍ ... وَ لاََ رَطْبٍ وَ لاََ يََابِسٍ عطف على ورقة (2) و داخل في حكمها، كأنه قيل: و ما يسقط من شي‏ء من هذه الأشياء إلا يعلمه. و قوله إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ كالتكرير لقوله إِلاََّ يَعْلَمُهََا لأنّ معنى إِلاََّ يَعْلَمُهََا و معنى إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ واحد. و الكتاب المبين: علم اللّه تعالى، أو اللوح: و قرئ: و لا حبة. و لا رطب.

و لا يابس، بالرفع. و فيه وجهان: أن يكون عطفاً على محل مِنْ وَرَقَةٍ و أن يكون رفعاً على الابتداء و خبره إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ : كقولك: لا رجل منهم و لا امرأة إلا في الدار.

وَ هُوَ اَلَّذِي يَتَوَفََّاكُمْ بِاللَّيْلِ الخطاب للكفرة، أى أنتم منسدحون‏ (3) الليل كله

____________

(1) . قال محمود: «المفاتح استعارة، لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن... الخ» قال أحمد: إطلاق التوصل على اللّه تعالى ليس سديدا فانه يوهم تجدد وصول بعد تباعد إذ قول القائل توصل زيد إلى كذا يفهم أنه وصل بعد تكلف و بعد و اللّه تعالى مقدس عن ذلك و الغائب كالحاضر في علمه و العلم بالكائن هو العلم بما سيكون لا يتغاير و لا يختلف و ليس لما أن نطلق مثل هذا الإطلاق إلا عن ثبت، و اللّه الموفق.

(2) . عاد كلامه. قال: «و لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس، عطف على ورقة و داخل في حكمها... الخ» قال أحمد: و فائدة هذا التكرير التطرية لما بعد عهده، لأنه لما عطف على ورقة بعد أن سلب الإيجاب لمقصود للعلم في قوله‏ إِلاََّ يَعْلَمُهََا و كانت هذه المعطوفات داخلة في إيجاب العلم و هو المقصود و طالت، و بعد ارتباط آخرها بالإيجاب السالف كان ذلك جديراً بتجديد العهد بالمقصود، ثم كان اللائق بالبلاغة المألوفة في القرآن التجديد بعبارة أخرى، ليتلقاها السامع غضة جديدة غير مملولة بالتكرير. و هذا السر إنما ينقب عنه المسيطر في علم البيان و نسكت اللبان، و اللّه الموفق.

(3) . قوله «منسدحون» أى منسطحون على القفا، أو منقلبون على الوجه أفاده الصحاح. (ع)

32

كالجيف وَ يَعْلَمُ مََا جَرَحْتُمْ بِالنَّهََارِ ما كسبتم من الآثام فيه ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل، و كسب الآثام بالنهار، و من أجله، كقولك: فيم دعوتني؟فتقول: (1) في أمر كذا لِيُقْضى‏ََ أَجَلٌ مُسَمًّى و هو الأجل الذي سماه و ضربه لبعث الموتى و جزائهم على أعمالهم. ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ و هو المرجع إلى موقف الحساب ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في ليلكم و نهاركم.

حَفَظَةً ملائكة حافظين لأعمالكم و هم الكرام الكاتبون. و عن أبى حاتم السجستاني كان يكتب عن الأصمعى كل شي‏ء يلفظ به من فوائد العلم، حتى قال فيه. أنت شبيه الحفظة، تكتب لغط اللفظة: فقال أبو حاتم: و هذا أيضاً مما يكتب. فإن قلت: اللّه تعالى غنىّ بعلمه عن كتبة الملائكة، فما فائدتها؟قلت: فيها لطف للعباد، لأنهم إذا علموا أن اللّه رقيب عليهم و الملائكة الذين هم أشرف خلقه موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم و يكتبونها في صحائف تعرض على رؤس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح و أبعد عن السوء تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا أى استوفت روحه و هم ملك الموت و أعوانه. و عن مجاهد: جعلت الأرض له مثل الطست يتناول من يتناوله. و ما من أهل بيت إلا و يطوف عليهم في كل يوم مرّتين. و قرئ:

توفاه. و يجوز أن يكون ماضياً و مضارعا بمعنى تتوفاه. و يُفَرِّطُونَ بالتشديد و التخفيف، فالتفريط التواني و التأخير عن الحدّ، و الإفراط مجاوزة الحدّ أى لا ينقصون مما أمروا به أو لا يزيدون فيه‏} ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ أى إلى حكمه و جزائه مَوْلاََهُمُ مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم اَلْحَقِّ العدل الذي لا يحكم إلا بالحق أَلاََ لَهُ اَلْحُكْمُ يومئذ لا حكم فيه لغيره وَ هُوَ أَسْرَعُ اَلْحََاسِبِينَ لا يشغله حساب عن حساب. و قرئ اَلْحَقِّ بالنصب على المدح كقولك: الحمد للّه الحق.

____________

(1) . قوله «فتقول في أمر كذا» لعله: فيقول. (ع)

33

ظُلُمََاتِ اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ مجاز عن مخاوفهما و أهوالهما. يقال لليوم الشديد: يوم مظلم، و يوم ذو كواكب، أى اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، و يجوز أن يراد. ما يشفون‏ (1) عليه من الخسف في البر و الغرق في البحر بذنوبهم، فإذا دعوا و تضرعوا كشف اللّه عنهم الخسف و الغرق فنجوا من ظلماتهما لَئِنْ أَنْجَيْتَنََا على إرادة القول مِنْ هََذِهِ من هذه الظلمة الشديدة. و قرئ يُنَجِّيكُمْ بالتشديد و التخفيف. و أنجانا. و خفية، بالضم و الكسر.

هُوَ اَلْقََادِرُ هو الذي عرفتموه قادراً و هو الكامل القدرة عَذََاباً مِنْ فَوْقِكُمْ كما أمطر على قوم لوط و على أصحاب الفيل الحجارة، و أرسل على قوم نوح الطوفان أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كما أغرق فرعون و خسف بقارون، و قيل من فوقكم: من قبل أكابركم و سلاطينكم.

و من تحت أرجلكم: من قبل سفلتكم و عبيدكم. و قيل: هو حبس المطر و النبات أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً أو يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. و معنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا و يشتبكوا في ملاحم القتال، من قوله:

و كتيبة لبستها بكتيبة # حتّى إذا التبست نفضت لها بدى‏ (2)

____________

(1) . قوله «ما يشفون عليه» أى يشرفون و يقربون. أفاده الصحاح. (ع)

(2) .

و كتيبة لبستها بكتيبة # حتى إذا التبست نفضت لها يدي

فتركتهم تقص الرماح ظهورهم # من بين منعقر و آخر مسند

ما كان ينفعني مقال نسائهم # و قتلت دون رجالها لا تبعد

للفرار السلمي، يمدح نفسه بأنه مهياج للشر يعرف مداخله و مخارجه. يقول: رب جماعة خلطتها بأخرى، حتى إذا تم اختلاطهما تخلصت منهما و تركتهما في حيص بيص، لكن فيه إثبات طرف من اللؤم، و نفض اليد: كناية عن التخلص. و الوقص: الدق و الكسر. و المنعقر: المجروح بالسهم، فتنقطع قوته من العقر و هو القطع. و يروى:

منعفر، بالفاء أى متعفر بالتراب. و المسند: اسم مفعول، أى دابرين بين ساقط و متكئ على غيره، و لا تبعد:

مقول المقال، و هو بفتح العين أى لا تهلك، و هي كلمة تقولها النساء عند المصيبة. و قوله «و فتلت» حال، أى و الحال أنى قد قتلت دون رجال تلك النساء، أى أمامهم، أو من بينهم لكفايتى عنهم. أى لو صبرت لقتلت، و لم يحينى كلام نسائهم و تفجعهم على مع سلامة رجالهن. (3-كشاف-2)

34

و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «سألت اللّه أن لا يبعث على أمتى عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطانى ذلك، و سألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، و أخبرنى جبريل أنّ فناء أمتى بالسيف» (1) و عن جابر بن عبد اللّه لما نزل مِنْ فَوْقِكُمْ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «أعوذ بوجهك» فلما نزل أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ. أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً قال «هاتان أهون» (2)

و معنى الآية: الوعيد بأحد أصناف العذاب المعدودة. و الضمير في قوله‏} وَ كَذَّبَ بِهِ راجع إلى العذاب وَ هُوَ اَلْحَقُّ أى لا بدّ أن ينزل بهم قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ بحفيظ و كل إلىَّ أمركم أمنعكم من التكذيب إجباراً، إنما أنا منذر} لِكُلِّ نَبَإٍ لكل شي‏ء ينبأ به، يعنى إنباءهم بأنهم يعذبون و إيعادهم به مُسْتَقَرٌّ وقت استقرار و حصول لا بدّ منه. و قيل: الضمير في بِهِ للقرآن.

يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا في الاستهزاء بها و الطعن فيها، و كانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فلا تجالسهم و قم عنهم حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فلا بأس أن تجالسهم حينئذ وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطََانُ و إن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهى عن مجالستهم‏ (3)

____________

(1) . كذا ذكره الثعلبي بغير سند. و هو في عدة أحاديث دون خبر جبريل. فروى ابن مردويه من حديث عمرو بن قيس عن رجل عن ابن عباس قال «لما نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ اَلْقََادِرُ عَلى‏ََ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذََاباً مِنْ فَوْقِكُمْ... الآية قال: فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم فتوضأ ثم قال: اللهم لا ترسل على أمتى عذابا من فوقهم و لا من تحت أرجلهم، و لا تلبسهم شيعا. فأتاه جبريل. فقال: يا محمد إن اللّه قد أجار أمتك أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم» و له شواهد: منها في مسلم عن سعد مرفوعا «سألت ربى أن لا يهلك أمتى بالغرق فأعطانيها. و سألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها» و عند مسلم من حديث ثوبان مطولا. و عند عبد الرزاق من حديث شداد بن أوس مطولا أيضا و في الموطأ عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «دعا لأمته أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم و لا يهلكهم بالسنين فأعطيها و دعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها» و لابن ماجة من حديث معاذ نحو حديث سعد و النسائي من حديث أنس نحوه و للترمذي من حديث خباب بن الأرت نحوه، و عند أحمد من حديث أبى بصرة الغفاري نحوه و في الطبراني من حديث ابن عباس، و قوله «أن فناء أمتى بالسيف» رواه من حديث‏

(2) . أخرجه البخاري من حديث جابر

(3) . قال محمود: «معناه و إن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهى... الخ» قال أحمد: و هذا التأويل الثاني يروم تنزيله على قاعدة التحسين و التقبيح بالعقل، و أنه كاف و إن لم يرد شرع في التحريم و غيره من الأحكام إذا كانت واضحة للعقل، كمجالسته المستهزئين فان قبحها بين العقل فهو مستقل بتحريمها، و حيث ورد الشرع بذلك فهو كاشف لحكمها و مبنية عليه، لا منشئ فيها حكما. و قد علمت فساد هذه القاعدة و مخالفتها للعقائد السنية، على أن الآية تنبو عنه فانه لو كان النسيان المراد هاهنا نسيان الحكم الذي يدل عليه العقل قبل ورود هذا النهى، لما عبر بالمستقبل في قوله وَ إِمََّا يُنْسِيَنَّكَ فأما و قد ورد بصيغة الاستقبال فلا وجه لحمله على الماضي، و اللّه الموفق.

ـ

35

فَلاََ تَقْعُدْ معهم بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ بعد أن تذكر النهى. و قرئ: ينسينك. بالتشديد.

و يجوز أن يراد: و إن كان الشيطان ينسينك قبل النهى‏ (1) قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فَلاََ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى‏ََ بعد أن ذكرناك قبحها و نبهناك عليه معهم‏} وَ مََا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسََابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ و ما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شي‏ء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم وَ لََكِنْ عليهم أن يذكروهم ذِكْرى‏ََ إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، و إظهار الكراهة لهم، و موعظتهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم. و يجوز أن يكون الضمير للذين يتقون، أى يذكرونهم إرادة أن يثبتوا على تقواهم و يزدادوها. و روى أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام و أن نطوف، فرخص لهم. فإن قلت: ما محل ذِكْرى‏ََ ؟قلت: يجوز أن يكون نصباً على: و لكن يذكرونهم ذكرى، أى تذكيراً. و رفعا على: و لكن عليهم ذكرى.

و لا يجوز أن يكون عطفاً على محل مِنْ شَيْ‏ءٍ ، كقولك: ما في الدار من أحد و لكن زيد، لأنّ قوله مِنْ حِسََابِهِمْ يأبى ذلك.

اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً أى دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لعباً و لهواً. و ذلك أن عبدة الأصنام و ما كانوا عليه من تحريم البحائر و السوائب و غير ذلك، من باب اللعب و اللهو و اتباع هوى النفس و العمل بالشهوة، و من جنس الهزل دون الجد. و اتخذوا ما هو لعب و لهو من عبادة الأصنام و غيرها ديناً لهم. أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه و دعوا إليه و هو دين

____________

(1) . قوله «كان الشيطان ينسينك قبل النهى» بناء على أن هناك حكما قبل الشرع و هو مذهب المعتزلة، و لا حكم قبل الشرع عند أهل السنة. (ع)

36

الإسلام لعباً و لهواً، حيث سخروا به و استهزؤا. و قيل: جعل اللّه لكل قوم عيداً يعظمونه و يصلون فيه و يعمرونه بذكر اللّه و الناس كلهم من المشركين و أهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعباً و لهواً، غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه اللّه. و معنى «ذرهم» اعرض عنهم، و لا تبال بتكذيبهم و استهزائهم و لا تشغل قلبك بهم وَ ذَكِّرْ بِهِ أى بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ مخافة أن تسلم إلى الهلكة و العذاب و ترتهن بسوء كسها. و أصل الإبسال المنع، لأن المسلم إليه يمنع المسلم، قال:

و إبسالى بنىَّ بغير جرم # بعوناه و لا بدم مراق‏ (1)

و منه: هذا عليك بسل، أى حرام محظور. و الباسل: الشجاع لامتناعه من قرنه، أو لأنه شديد البسور. يقال: بسر الرجل إذا اشتدّ عبوسه، فإذا زاد قالوا: بسل. و العابس:

منقبض الوجه وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاََ يُؤْخَذْ مِنْهََا و إن تفد كل فداء، و العدل الفدية (2)

لأن الفادي يعدل المفدى بمثله. و كلّ عدل: نصب على المصدر. و فاعل يُؤْخَذْ قوله مِنْهََا لا ضمير العدل لأنّ العدل هاهنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ. و أما في قوله تعالى‏ وَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ فبمعنى المفدىّ به، فصحّ إسناده إليه أُولََئِكَ إشارة إلى المتخذين دينهم لعباً و لهواً. قيل: نزلت في أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأوثان‏ (3) .

____________

(1) . لعوف بن الأحوص الباهلي. و الابسال: التسليم للباسل أى الشجاع المانع العابس. و البعو: بالعين المهملة-الجناية. يتحسر على تسليم أبنائه لبنى قشير رهنا في دم رجل منهم اسمه أبو الصحيفة، بغير جرم: أى ذنب جنيناه أنا و أولادى، و لا بدم مراق أى مسال منا، كناية عن القتل.

(2) . قال محمود: «معناه و إن تفد كل فداء و العدل الفدية... الخ» قال أحمد: و هذا أيضا من عيون إعرابه و نكت إغرابه التي طالما ذهل عنها غيره، و هو من جنس تدقيقه في منع عود الضمير من قوله‏ فَتَنْفُخُ فِيهََا إلى الهيئة من قوله كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ* مع أنه السابق إلى الذهن، و إنما حمله على القول بأن العدل هاهنا مصدر أن الفعل تعدى إليه بغير واسطة، و لو كان المراد المفدى به لكان مفعولا به، فلم يتعد إليه الفعل إلا بالباء، و كان وجه الكلام: و إن تعدل بكل عدل، فلما عدل عنه علم أنه مصدر، و اللّه أعلم.

(3) . قال محمود: «نزلت في أبى بكر رضى اللّه عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأوثان... الخ» قال أحمد: و من أنكر الجن و استيلاءها على بعض الأناسى بقدرة اللّه تعالى حتى يحدث من ذلك الخبطة و الصرع و نحوهما، فهو ممن استهوته الشياطين في مهامه الضلال الفلسفي، حيران له أصحاب من الموحدين يدعونه إلى الهدى الشرعي ائتنا، و هو راكب في ضلالة التعاسيف لا يلوى عليهم و لا يلتفت إليهم، فمرة يقول: إن الوارد في الشرع من ذلك تخييل، كما تقدم في سورة البقرة. و مرة يعده من زعمات العرب و زخارفها. و قد أسلفنا ذلك في البقرة و آل عمران قولا شافيا بليغا، فجدد به عهداً، و اللّه الموفق.

37

قُلْ أَ نَدْعُوا أ نعبد مِنْ دُونِ اَللََّهِ الضارّ النافع ما لا يقدر على نفعنا و لا مضرتنا وَ نُرَدُّ عَلى‏ََ أَعْقََابِنََا راجعين إلى الشرك بعد إذ أنقذنا اللّه منه و هدانا للإسلام كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ اَلشَّيََاطِينُ كالذي ذهبت به مردة الجن و الغيلان فِي اَلْأَرْضِ المهمه‏ (1) حَيْرََانَ تائهاً ضالا عن الجادة لا يدرى كيف يصنع لَهُ أى لهذا المستهوى أَصْحََابٌ رفقة يَدْعُونَهُ إِلَى اَلْهُدَى إلى أن يهدوه الطريق المستوى. أو سمى الطريق المستقيم بالهدى، يقولون له اِئْتِنََا و قد اعتسف المهمه تابعاً للجن لا يجيبهم و لا يأتيهم. و هذا مبنى على ما تزعمه العرب و تعتقده: أن الجنّ تستهوى الإنسان، و الغيلان تستولى عليه، كقوله‏ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ فشبه الضالّ عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان و المسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم قُلْ إِنَّ هُدَى اَللََّهِ و هو الإسلام هُوَ اَلْهُدى‏ََ وحده و ما وراءه، ضلال و غىّ‏ وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً . فَمََا ذََا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاََلُ . فإن قلت: فما محل الكاف في قوله كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ ؟قلت النصب على الحال من الضمير في نُرَدُّ عَلى‏ََ أَعْقََابِنََا أى: أ ننكص مشبهين من استهوته الشياطين؟فإن قلت: ما معنى اِسْتَهْوَتْهُ ؟قلت: هو استفعال، من هوى في الأرض إذا ذهب فيها، كأن معناه: طلبت هويه و حرصت عليه. فإن قلت: ما محل أُمِرْنََا قلت: النصب عطفاً على محل قوله إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ على أنهما مقولان، كأنه قيل: قل هذا القول و قل أمرنا لنسلم. فإن قلت: ما معنى اللام في لِنُسْلِمَ ؟قلت:

هي تعليل للأمر، بمعنى: أمرنا و قيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. فإن قلت: فإذا كان هذا وارداً في شأن أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه‏ (2) فكيف قيل للرسول عليه الصلاة و السلام قل أ ندعوا؟

____________

(1) . قوله «الأرض المهمه» أى المفازة المتسعة. أفاده الصحاح. (ع)

(2) . عاد كلامه. قال: «فان قلت إذا كان هذا وارداً في أبى بكر فكيف قيل للرسول عليه الصلاة و السلام قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ... الخ؟قال أحمد: هو مبنى على أن الأمر هو الارادة، أو من لوازمه إرادة المأمور به، و هذا الاعراب منزل على معتقده هذا. و أما أهل السنة فكما علمت أن الأمر عندهم غير الارادة و لا يستلزمها.

و قولهم في هذه اللام كقولهم‏ وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ من نفى كونها تعليلا. و الوجه في ذلك أنهم لما أوضحت لهم الآيات البينات و أزيحت عنهم العلل و تمكنوا من الإسلام و العبادة امتثالا للأمر جعلوا بمثابة من أريد منهم ذلك تمكيناً لحضهم على الامتثال و لقطع أعذارهم إذا فعل بهم فعل المراد منهم ذلك، و ما شأن المريد للشي‏ء إذا كان قادراً على حصوله أن يزيح العلل و يرفع الموانع، و كذلك فعل مع المكلفين و إن لم تكن الطاعة مرادة من جميعهم، و أما إذا كانت اللام هي التي تصحب المصدر كما يقول الزجاج: تقديره الأمر للإسلام و كذلك يقول في قوله تعالى‏ يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ الارادة للبيان و هي اللام التي تصحب المفعول عند تقدمه في قولك: لزيد ضربت، فهي على هذا الوجه غير محتاجة للتأويل. و قد قيل إنها بمعنى أن كأنه قيل: و أمرنا أن نسلم قال هذا القائل. و كى و لام كى في أمرت و أردت خاصة، بمعنى «أن» لا على بابها من التعليل. و الغرض من دخولها إفادة الاستقبال على وجه أوثق و أبلغ، إذ لا يتعلق هذان المعنيان-أعنى الأمر و الارادة-إلا بمستقبل، و قد جمع بين

الثلاثة اللام و كى و أن، في قوله # أردت لكيما أن يطير...

«البيت» و هذا الوجه أيضا سالم المعنى من الخلل الذي يعتقده الزمخشري، و المحافظة على العقيدة. و قد وجدنا السبيل إلى ذلك بحمد اللّه متعينة، و اللّه الموفق.

38

قلت: للاتحاد الذي كان بين رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و المؤمنين، خصوصاً بينه و بين الصديق أبى بكر رضى اللّه تعالى عنه.

فإن قلت: علام عطف قوله وَ أَنْ أَقِيمُوا (1) ؟قلت: على موضع‏ لِنُسْلِمَ كأنه قيل:

و أمرنا أن نسلم، و أن أقيموا. و يجوز أن يكون التقدير: و أمرنا لأن نسلم، و لأن أقيموا: أى للإسلام و لإقامة الصلاة} قَوْلُهُ اَلْحَقُّ مبتدأ. و يوم يقول: خبره مقدّما عليه، و انتصابه بمعنى الاستقراء، كقولك: يوم الجمعة القتال. و اليوم بمعنى الحين. و المعنى: أنه خلق السموات و الأرض قائما بالحق و الحكمة، و حين يقول لشي‏ء من الأشياء كُنْ فيكون ذلك الشي‏ء قوله الحق و الحكمة، أى لا يكون شيأ من السموات و الأرض و سائر المكونات إلا عن حكمة و صواب. و يَوْمَ يُنْفَخُ ظرف لقوله وَ لَهُ اَلْمُلْكُ كقوله‏ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ؟و يجوز أن يكون قَوْلُهُ اَلْحَقُّ فاعل يكون، على معنى: و حين يقول لقوله الحق، أى لقضائه الحق كُنْ فيكون قوله الحق. و انتصاب اليوم لمحذوف‏ (2) دلّ عليه قوله بِالْحَقِّ كأنه قيل: و حين يكوّن و يقدّر يقوم بالحق عََالِمُ اَلْغَيْبِ هو عالم الغيب، و ارتفاعه على المدح.

____________

(1) . عاد كلامه. قال: «فان قلت علام عطف قوله: و أن أقيموا... الخ» ؟قال أحمد: و هذا مصداق القول بأن لنسلم معناه أن نسلم، و أن اللام فيه رديفة «أن» لا يراد عطفها عليها، فذلك هو الوجه الصحيح إن شاء اللّه.

و في ورود أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ محكيا بصيغته، و ورود «نسلم» محكيا بمعناه، إذ الأصل المطابق لأقيموا: أسلموا، مصداق لما قدمته عند قوله تعالى‏ مََا قُلْتُ لَهُمْ إِلاََّ مََا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ و بينت ثم أن ذلك جائز على أن يكون عيسى عليه السلام حكى قول اللّه تعالى: اعبدوا اللّه ربكم و رب عيسى بمعناه فقال: اعبدوا اللّه ربى و ربكم، فهذا مثله حكاية المعنى دون اللفظ، و اللّه أعلم.

(2) . قوله «لمحذوف» لعله «بمحذوف» . (ع)

39

آزَرَ اسم أبى إبراهيم عليه السلام. و في كتب التواريخ أنّ اسمه بالسريانية تارح. و الأقرب أن يكون وزن آزَرَ فاعل مثل تارح و عابر و عازر و شالخ و فالغ و ما أشبهها من أسمائهم، و هو عطف بيان لأبيه. و قرئ «آزر» بالضم على النداء. و قيل «آزر» اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيس بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل ابن قيس الرقيات. و في شعر بعض المحدثين:

أدعى بأسماء نبزا في قبائلها # كأن أسماء أضحت بعد أسمائى‏ (1)

أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه. و قرئ ءأزر تتخذ أصناما آلهة بفتح الهمزة و كسرها بعد همزة الاستفهام و زاى ساكنة وراء منصوبة منونة، و هو اسم صنم. و معناه: أتعبد آزراً على الإنكار؟ثم قال: تتخذ أصناما آلهة تثبيتا لذلك و تقريرا، و هو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له‏} فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ عطف على قال إبراهيم لأبيه‏ (2)

____________

(1) . يقول: ينادوننى بلفظ «أسماء» شتما لي بين قبائلها: أى قبائل المحبوبة. ففيه استخدام. كأن أسماء، أى هذا اللفظ، أضحت: أى صارت بعض أسمائى. و أصل أسماء عند سيبويه: و سماء، من الوسامة و هي الحسن و الجمال. قلبت و اوه همزة على غير قياس. كما في أحد. و عند المبرد جمع اسم. و بين أسماء و أسمائى الجناس التام.

و على اعتبار ياء المتكلم فهو من الناقص.

(2) . قال محمود: «قوله فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ عطف على قََالَ إِبْرََاهِيمُ لِأَبِيهِ ... الخ» قال أحمد: و في الاعتراض بهذه الجملة تنويه بما سيأتى من استدلال إبراهيم عليه السلام و أنه تبصير له من اللّه تعالى و تسديد.

40

و قوله‏} وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ جملة معترض بها بين المعطوف و المعطوف عليه. و المعنى: و مثل ذلك التعريف و التبصير نعرف إبراهيم و نبصره. ملكوت السموات و الأرض: يعنى الربوبية و الإلهية و نوفقه لمعرفتها و نرشده بما شرحا صدره و سدّدنا نظره و هديناه لطريق الاستدلال.

و ليكون من الموقنين: فعلنا ذلك. و نرى: حكاية حال ماضية، و كان أبوه و قومه يعبدون الأصنام و الشمس و القمر و الكواكب‏ (1) ، فأراد أن ينبههم على الخطإ في دينهم، و أن يرشدهم إلى طريق النظر و الاستدلال، و يعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيأ منها لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، و أن وراءها محدثا أحدثها، و صانعا صنعها، و مدبراً دبر طلوعها و أفولها و انتقالها و مسيرها و سائر أحوالها} هََذََا رَبِّي قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه. لأنّ ذلك أدعى إلى الحق و أنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى مكان، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام بََازِغاً مبتدئا في الطلوع لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي تنبيه لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلها و هو نظير الكوكب في الأفول، فهو ضال، و أنّ الهداية إلى الحق بتوفيق اللّه و لطفه‏} هََذََا أَكْبَرُ من باب استعمال النصفة (2) أيضاً مع خصومه إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أى للذي دلت هذه المحدثات عليه و على أنه مبتدؤها و مبتدعها. و قيل: هذا كان نظره و استدلاله في نفسه، فحكاه اللّه.

____________

(1) . عاد كلامه قال: «و كان أبوه آزر و قومه يعبدون الأصنام و الشمس و القمر و الكواكب... الخ» قال أحمد: و التعريض بضلالهم ثانياً أصرح و أقوى من قوله أولا لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ إنما ترقى إلى ذلك لأن الخصوم قد أقامت عليه الاستدلال الأول حجة، فأنسوا بالقدح في معتقدهم. و لو قيل هذا في الأول، فلعلهم كانوا ينفرون و لا يصغون إلى الاستدلال، فما عرض صلوات اللّه عليهم بأنهم في ضلالة، إلا بعد أن وثق باصغائهم إلى تمام المقصود و استماعهم إلى آخره. و الدليل على ذلك أنه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم و التقريع بأنهم على شرك، حين قيام الحجة عليهم و تبلج الحق و بلغ من الظهور غاية المقصود، و اللّه أعلم.

(2) . عاد كلامه. قال: و «قوله هََذََا أَكْبَرُ من باب استعمال النصفة أيضاً مع الخصوم... الخ» قال أحمد:

و صدق الزمخشري، بل ذلك متعين. و قد ورد الحديث الوارد في الشفاعة أنهم يأتون إبراهيم عليه السلام فيلتمسون منه الشفاعة، فيقول: نفسي نفسي لا أسأل أحداً غيرى، و يذكر كذباته الثلاث و يقول: لست لها، يريد قوله لسارة «هي أختى» و إنما عنى في الإسلام. و قوله «إنه سقيم» و إنما عنى همه بقومه و بشركهم، و المؤمن يبقمه ذلك. و قوله «بل فعله كبيرهم» و قد ذكرت فيه وجوه من التعريض، فإذا عد صلوات اللّه عليه و سلامه على نفسه هذه الكلمات مع العلم بأنه غير مؤاخذ بها، دل ذلك على أنها أعظم ما صدر منه، فلو كان الأمر على ما يقال من أن هذا الكلام محكي عنه على أنه نظر لنفسه، لكان أولى أن يعده أعظم مما ذكرناه لأنه حينئذ يكون شكا بل جزما، على أن الصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك.

41

و الأوّل أظهر، لقوله لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي و قوله يََا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تُشْرِكُونَ . فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ‏ (1) ، و كلاهما انتقال من حال إلى حال؟قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاء و احتجاب. فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله هََذََا رَبِّي و الإشارة للشمس؟قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شي‏ء واحد، كقولهم:

ما جاءت حاجتك، و من كانت أمك، لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا و كان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة التأنيث. ألا تراهم قالوا في صفة اللّه «علام» و لم يقولوا «علامة» و إن كان العلامة أبلغ، احترازا من علامة التأنيث. و قرئ: ترى إبراهيم ملكوت السموات و الأرض، بالتاء و رفع الملكوت. و معناه: تبصره دلائل الربوبية.

____________

(1) . عاد كلامه. قال: فان قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ و كلاهما انتقال... الخ» قال أحمد:

و هذه أيضاً من عيون نكتة و وجوه حسناته.

42

وَ حََاجَّهُ قَوْمُهُ قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ و كانوا حاجوه في توحيد اللّه و نفى الشركاء عنه منكرين لذلك وَ قَدْ هَدََانِ يعنى إلى التوحيد وَ لاََ أَخََافُ مََا تُشْرِكُونَ بِهِ و قد خوفوه أنّ معبوداتهم تصيبه بسوء إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ رَبِّي شَيْئاً إلا وقت مشيئة ربى‏ (1) شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعنى لا أخاف معبوداتكم في وقت قط، لأنها لا تقدر على منفعة و لا مضرة، إلا إذا شاء ربى أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ذنبا أستوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمنى بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو يجعلها قادرة على مضرتى وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً أى ليس بعجب و لا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بى من جهتها أَ فَلاََ تَتَذَكَّرُونَ فتميزوا بين الصحيح و الفاسد و القادر و العاجز} وَ كَيْفَ أَخََافُ لتخويفكم شيئا مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه وَ أنتم لاََ تَخََافُونَ ما يتعلق به كل مخوف و هو إشراككم باللّه ما لم ينزل باشراكه سُلْطََاناً أى حجة، لأن الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، كأنه قال: و ما لكم تنكرون علىّ الأمن‏ (2) في موضع الأمن، و لا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف. و لم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ يعنى فريقى المشركين و الموحدين. ثم استأنف الجواب عن السؤال

____________

(1) . قال محمود: « إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ معناه إلا وقت مشيئة ربى شيئاً فحذف الوقت... الخ» قال أحمد: هو بمعنى يجعلها قادرة، على أن المضرة خلق قدرة يخلق بها المضرة لمن يريد، بناء على قاعدته. و قد علمت أن عقيدة أهل السنة أن ذلك لا يجوز عقلا أن يخلق غير اللّه و لا يقدر قدرة مؤثرة في المقدور إلا هو، و إن كان الزمخشري لم يصرح هاهنا من عقيدته، فإنما يعنى حيث يصرح أو يكنى ما يلائمها و يتنزل عليها، و غاية خوف إبراهيم منها المعلق على مشيئة اللّه لذلك، خوف الضرر عندها بقدرة اللّه تعالى لأنها. و كأنه في الحقيقة لم يخف إلا من اللّه، لأن الخوف الذي أثبته منها معلق بمشيئة اللّه و قدرته، و هو كلامه خوف منها، و اللّه أعلم.

(2) . عاد كلامه. قال: «و معنى و كيف أخاف ما أشركتم... الخ» ما لكم تنكرون على الأمن... الخ» قال أحمد: و يحتمل أن يكون العدول إلى ذلك ليعم بالأمن كل موحد، و بالخوف كل مشرك، و يندرج هو في حكم الموحدين و قومه في حكم المشركين. و أحسن الجواب ما أفاد و زاد.

43

بقوله‏} اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ أى لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم‏ (1) . و أبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس‏} وَ تِلْكَ إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله‏ فَلَمََّا جَنَّ عَلَيْهِ اَللَّيْلُ إلى قوله وَ هُمْ مُهْتَدُونَ . و معنى آتَيْنََاهََا أرشدناه إليها و وفقناه لها نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ يعنى في العلم و الحكمة. و قرئ بالتنوين‏} وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الضمير لنوح أو لإبراهيم. و دََاوُدَ عطف على نوحا، أى و هدينا داود} وَ مِنْ آبََائِهِمْ في موضع النصب عطفاً على كلا، بمعنى: و فضلنا بعض آبائهم‏} وَ لَوْ أَشْرَكُوا مع فضلهم و تقدّمهم و ما رفع لهم من الدرجات. لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى و تقدّس‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . } آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ يريد الجنس فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا بالكتاب و الحكمة و النبوّة. أو بالنبوّة هََؤُلاََءِ يعنى أهل مكة قَوْماً هم الأنبياء المذكورون و من تابعهم، بدليل قوله‏} أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ و بدليل وصل قوله فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا هََؤُلاََءِ بما قبله. و قيل:

هم أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم و كل من آمن به. و قيل: كل مؤمن من بنى آدم. و قيل: الملائكة و ادّعى الأنصار أنها لهم. و عن مجاهد: هم الفرس. و معنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها و القيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشي‏ء ليقوم به و يتعهده و يحافظ عليه. و الباء في بِهََا صلة كافرين. و في بِكََافِرِينَ تأكيد النفي. فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ فاختص هداهم بالاقتداء، و لا تقتد إلا بهم. و هذا معنى تقديم المفعول، و المراد بهداهم طريقتهم في الإيمان باللّه و توحيده و أصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة و هي هدى، ما لم تنسخ. فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبدا. و الهاء في اِقْتَدِهْ للوقف تسقط في الدرج. و استحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف‏

____________

(1) . قال محمود: «و المراد بقوله‏ وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ أى لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم. و أبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس» قال أحمد: و قد وارد أن الآية لما نزلت عظمت على الصحابة، و قالوا أينا لم يظلم نفسه.

فقال عليه الصلاة و السلام «إنما هو الظلم في قول لقمان: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» و إنما هو يروم بذلك تنزيله على معتقده في وجوب وعيد العصاة، و أنهم لاحظ لهم في الأمن كالكفار، و يجعل هذه الآية تقتضي تخصيص الأمر بالجامعين الأمرين: الايمان و البراءة من المعاصي، و نحن نسلم ذلك، و لا يلزم أن يكون الخوف اللاحق العصاة هو الخوف اللاحق الكفار، لأن العصاة من المؤمنين إنما يخافون العذاب المؤقت و هم آمنون من الخلود. و أما الكفار، فغير آمنين بوجه ما، و اللّه الموفق.

44

وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ و ما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده و اللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل و الوحى إليهم، و ذلك من أعظم رحمته و أجلّ نعمته‏ وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ أو ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين و شدّة بطشه بهم، و لم يخافوه حين جسروا على تلك المقالة العظيمة من إنكار النبوّة. و القائلون هم اليهود، بدليل قراءة من قرأ: تَجْعَلُونَهُ بالتاء. و كذلك تُبْدُونَهََا وَ تُخْفُونَ و إنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فألزموا ما لا بدّ لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى عليه السلام، و أدرج تحت الإلزام توبيخهم و أن نعى عليهم‏ (1) سوء جهلهم لكتابهم و تحريفهم، و إبداء بعض و إخفاء بعض فقيل: جََاءَ بِهِ مُوسى‏ََ و هو نور و هدى للناس، حتى غيروه و نقصوه و جعلوه قراطيس مقطعة و ورقات مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من الإبداء و الإخفاء. و روى أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود و رؤسائهم قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أنّ اللّه يبغض الحبر السمين؟فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود (2) . فضحك القوم، فغضب، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل اللّه على بشر من شي‏ء، فقال له قومه: ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟قال: إنه أغضبنى، فنزعوه و جعلوا مكانه كعب بن الأشرف. و قيل القائلون قريش‏ (3) و قد ألزموا إنزال التوراة، لأنهم كانوا يسماعون من اليهود بالمدينة ذكر موسى و التوراة، و كانوا يقولون لو أنا أنزل علينا الكتاب، لكنا أهدى منهم وَ عُلِّمْتُمْ مََا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَ لاََ آبََاؤُكُمْ الخطاب لليهود، أى علمتم على لسان محمد صلى اللّه عليه و سلم مما أوحى إليه ما لم تعلموا أنتم، و أنتم حملة التوراة، و لم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم‏ إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَكْثَرَ اَلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ و قيل الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله تعالى: لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم. قُلِ اَللََّهُ أى أنزله اللّه، فإنهم لا يقدرون أن ينا كروك ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ في باطلهم الذي يخوضون فيه، و لا عليك بعد إلزام الحجة.

و يقال لمن كان في عمل لا يجدى عليه: إنما أنت لاعب. و يَلْعَبُونَ حال من ذرهم، أو من خوضهم، و يجوز أن يكون فِي خَوْضِهِمْ حالا من يلعبون، و أن يكون صلة لهم أو لذرهم

____________

(1) . قال محمود: «و أدرج تحت الإلزام توبيخهم و أن نعى عليهم... الخ» قال أحمد: و هذا أيضا من دقة نظره في الكتاب العزيز و التعمق في آثار معادنه، و إبراز محاسنه.

(2) . أخرجه الواحدي في الأسباب من طريق سعيد بن جبير «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لمالك بن الصيف فذكره إلى قوله-فغضب ثم قال: ما أنزل اللّه على بشر من شي‏ء» و كذلك أخرجه الطبري من رواية جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير.

(3) . قوله «و قيل القائلون قريش» أخرجه الطبري عن مجاهد.

45

مُبََارَكٌ كثير المنافع و الفوائد و التنذير معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب، كأنه قيل: أو أنزلناه للبركات، و تصديق ما تقدمه من الكتب و الإنذار. و قرئ و لينذر بالياء و التاء. و سميت مكة أُمَّ اَلْقُرى‏ََ لأنها مكان أول بيت وضع للناس، و لأنها قبلة أهل القرى كلها و محجهم، و لأنها أعظم القرى شأناً لبعض المجاورين:

فمن يلق في بعض القريّات رحله # فأمّ القرى ملقى رحالي و منتابى‏ (1)

وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يصدّقون بالعاقبة و يخافونها يُؤْمِنُونَ بهذا الكتاب. و ذلك أنّ أصل الدين خوف العاقبة، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. و خصّ الصلاة لأنها عماد الدين. و من حافظ عليها كانت لطفاً في المحافظة على أخواتها.

اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً فزعم أن اللّه بعثه نبياً أَوْ قََالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ و هو مسيلمة الحنفي الكذاب. أو كذاب صنعاء الأسود العنسي. و عن النبىّ صلى اللّه عليه و سلم:

رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يدىّ سوارين من ذهب فكبرا علىّ و أهمانى فأوحى اللّه إلىّ أن انفخهما، فنفختهما فطارا عنى، فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما: كذاب اليمامة مسيلمة، و كذاب صنعاء الأسود العنسي‏ (2) وَ مَنْ قََالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ هو عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح القرشي، كان يكتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فكان إذا أملى عليه سميعاً عليما، كتب

____________

(1) . للزمخشري يفتخر بمكة و سكانها. و القريات-بالتشديد-: للتصغير. و رحل الشخص مسكنه و لو من شعر، أى: فمن يلق رحله في بعض القرى الصغيرة. فلا فخر له على، فان مكة محط رحالي و منتابى، أى محل انتيابى أى دخولى فيها توبة بعد أخرى، و إلقاء الرحل: كناية عن الاقامة، لأنها تلزمه عرفا. و ملقى على زنة اسم المفعول اسم لمكان الإلقاء، كمتاب لمكان الانتياب.

(2) . متفق عليه من حديث ابن عباس.

46

هو: عليما حكيما. و إذا قال عليما حكيما، كتب: غفورا رحيما. فلما نزلت‏ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ إلى آخر الآية، عجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان: فقال تبارك اللّه أحسن الخالقين. فقال عليه الصلاة و السلام اكتبها: فكذلك نزلت، فشك عبد اللّه و قال: لئن كان محمداً صادقاً لقد أوحى إلىّ مثل ما أوحى إليه. و لئن كان كاذباً فلقد قلت كما قال، فارتدّ عن الإسلام و لحق بمكة، ثم رجع مسلماً قبل فتح مكة (1) . و قيل: هو النضر بن الحرث و المستهزءون وَ لَوْ تَرى‏ََ جوابه محذوف، أى رأيت أمراً عظيما إِذِ اَلظََّالِمُونَ يريد الذين ذكرهم من اليهود و المتنبئة، فتكون اللام للعهد. و يجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله. و غَمَرََاتِ اَلْمَوْتِ شدائده و سكراته، و أصل الغمرة: ما يغمر من الماء (2)

فاستعيرت للشدّة الغالبة بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم. و هذه عبارة عن العنف في السياق، و الإلحاح، و التشديد في الإرهاق، من غير تنفيس و إمهال، و أنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط يبسط يده إلى من عليه الحق، و يعنف عليه في المطالبة و لا يمهله، و يقول له: أخر إلىّ مالى عليك الساعة، و لا أريم‏ (3) مكاني، حتى أنزعه من أحداقك. و قيل. معناه باسطو أيديهم عليهم بالعذاب‏ (4) أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ خلصوها من أيدينا، أى لا تقدرون على الخلاص اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ يجوز أن يريدوا وقت الإماتة و ما يعذبون به من شدة النزع، و أن يريدوا الوقت

____________

(1) . أخرجه الواحدي عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس إلى قوله «فارتد عن الإسلام» و قد رواه الطبري مختصرا من رواية أسباط عن السدى من قوله تعالى وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً -الآية قال:

نزلت في عبد اللّه بن سعد بن أبى سرح. أسلم و كان يكتب للنبي صلى اللّه عليه و سلم، فكان إذا أملى عليه سميعا عليما كتب هو عليما حكيما و إذا قال عليما حكيما كتب سميعا عليما. فشك و كفر، و قال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحى إلى، و إن كان اللّه ينزله فلقد أنزلت مثل ما أنزل اللّه. فلحق بالمشركين «تنبيه» قوله القرظي غلط بين فان ابن أبى سرح قرشي عامرى. قوله «ثم رجع مسلما قبل فتح مكة. قوله و قيل: هو النضر بن الحارث «فائدة» روى أن هذه القصة كانت لابن خطل. أخرج ابن عدى في ترجمة أصرم بن حوشب أحد المتروكين من حديث على، قال «كان ابن خطل يكتب للنبي صلى اللّه عليه و سلم فكان إذا نزل غفور رحيم كتب رحيم غفور-فذكر الحديث.

و فيه: ثم كفر و لحق بمكة فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: من قتل ابن خطل فله الجنة» و أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من هذا الوجه. و نقل عن ابن معين تكذيب أصرم.

(2) . قال محمود: «أصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة... الخ» قال أحمد: هو يجعله من مجاز التمثيل، و لا حاجة إلى ذلك. و الظاهر أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة على الصور المحكية، و إذا أمكن البقاء على لحقيقة فلا معدل عنها.

(3) . قوله «و لا أريم مكاني» أى أبرح. و في الصحاح: رامه يريمه أى برحه. (ع)

(4) . عاد كلامه. قال: «و قيل معناه باسطو أيديهم عليهم بالعذاب... الخ» قال أحمد: و مثله‏ وَ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ .

47

الممتدّ المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ و القيامة. و الهون: الهوان الشديد، و إضافة العذاب إليه كقولك: رجل سوء يريد العراقة في الهوان و التمكن فيه عَنْ آيََاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ فلا تؤمنون بها.

فُرََادى‏ََ منفردين عن أموالكم و أولادكم و ما حرصتم عليه، و آثرتموه من دنياكم، و عن أوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم و شركاء للّه كَمََا خَلَقْنََاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد وَ تَرَكْتُمْ مََا خَوَّلْنََاكُمْ ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة وَرََاءَ ظُهُورِكُمْ لم ينفعكم و لم تحتملوا منه نقيراً و لا قدّمتموه لأنفسكم فِيكُمْ شُرَكََاءُ في استعبادكم، لأنهم حين دعوهم آلهة و عبدوها، فقد جعلوها للّه شركاء فيهم و في استعبادهم.

و قرئ: فرادى، بالتنوين. و فراد، مثل ثلاث. و فردي، نحو سكرى: فإن قلت: كما خلقناكم، في أى محل هو؟قلت: في محل النصب صفة لمصدر جئتمونا، أى مجيئا مثل خلقنا لكم تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل: و من رفع فقد أسند الفعل إلى الظرف، كما تقول: قوتل خلفكم و أمامكم. و في قراءة عبد اللّه: لقد تقطع ما بينكم.

فََالِقُ اَلْحَبِّ وَ اَلنَّوى‏ََ بالنبات و الشجر. و عن مجاهد: أراد الشقين الذين في النواة و الحنطة يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ أى الحيوان، و النامي من النطف. و البيض و الحب و النوى وَ مُخْرِجُ هذه الأشياء الميتة من الحيوان و النامي-فإن قلت: كيف قال مُخْرِجُ اَلْمَيِّتِ مِنَ اَلْحَيِّ بلفظ اسم الفاعل، بعد قوله يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ قلت: عطفه على فالق الحب و النوى، لا على الفعل، و يخرج الحىَّ من الميت: موقعه موقع الجملة المبينة لقوله فََالِقُ اَلْحَبِّ وَ اَلنَّوى‏ََ لأنّ فلق الحب و النوى بالنبات و الشجر النامين‏ (1) من جنس إخراج الحىّ من الميت، لأنّ النامي

____________

(1) . قال محمود: «معناه فالق الحب و النوى بالنبات و الشجر... الخ» قال أحمد رحمه اللّه: و قد ورد جميعاً بصيغة الفعل كثيراً في قوله: يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ وَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا وَ كَذََلِكَ تُخْرَجُونَ و قوله‏ أَمَّنْ يَمْلِكُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصََارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ عطف أحد القسمين على الآخر كثيراً دليل على أنهما توأمان مقرونان، و ذلك يبعد قطعه عنه في آية الأنعام هذه ورده إلى فالق الحب و النوى، فالوجه-و اللّه أعلم-أن يقال: كان الأصل وروده بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله فََالِقُ اَلْحَبِّ و فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ و جَعَلَ اَللَّيْلَ و مُخْرِجُ اَلْمَيِّتِ مِنَ اَلْحَيِّ إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، و هو قوله يُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت و استحضاره في ذهن السامع، و هذا التصوير و الاستحضار إنما يتمكن في أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل و الماضي. و قد مضى تمثيل ذلك بقوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَتُصْبِحُ اَلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً فعدل عن الماضي المطابق لقوله‏ أَنْزَلَ لهذا المعنى. و منه ما في قوله:

إنى قد لقيت الغول تسعى # بسيب كالصحيفة صحصحان

فآخذه فأضربه فخرت # صريعا اليدين و للجران‏

فعدل إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته و استحضارها لذعن السامع. و منه‏ إِنََّا سَخَّرْنَا اَلْجِبََالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرََاقِ `وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً فعدل عن مسبحات و إن كان مطابقا لمحشورة بهذا السبب و اللّه أعلم، ثم هذا المقصد إنما يجي‏ء فيما تكون العناية به أقوى، و لا شك أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه، و هو أيضا أول الحالين و النظر أول ما يبدأ فيه، ثم القسم الآخر و هو إخراج الميت من الحي ناشئ عنه، فكان الأول جديراً بالتصدير و التأكيد في النفس، و لذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذكر على حسب ترتيبهما في الواقع، و سهل عطف الاسم على الفعل، و حسنه أن اسم الفاعل في معنى الفعل المضارع «فكل واحد منهما يقدر بالآخر، فلا جناح في عطفه عليه. و اللّه أعلم.

48

في حكم الحيوان. ألا ترى إلى قوله‏ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا* ، ذََلِكُمُ اَللََّهُ أى ذلكم المحيي و المميت هو اللّه الذي تحق له الربوبية فَأَنََّى تُؤْفَكُونَ فكيف تصرفون عنه و عن توليه إلى غيره.

اَلْإِصْبََاحِ مصدر سمى به الصبح. و قرأ الحسن بفتح الهمزة جمع صبح و أنشد قوله:

أفنى رباحا و بنى رباح # تناسخ الإمساء و الإصباح‏ (1)

بالكسر و الفتح مصدرين، و جمع مساء و صبح. فإن قلت: فما معنى فلق الصبح، و الظلمة (2)

هي التي تنفلق عن الصبح، كما قال:

____________

(1) . «رباح» أبو حى من ير نوع، ثم صار اسما للحي. و روى بالتحتية بدل الموحدة. و الإمساء و الإصباح:

يرويان بكسر الهمزة على أنهما مصدران، و بفتحهما جمع مساء و صباح. و ظلام الليل ينسخ نور النهار و يزيله و بالعكس. و إسناد الافناء إلى التناسخ مجاز عقلى، من باب الاسناد الزمان، أو هو على اعتقاد الجاهلية فيكون حقيقة عندهم.

(2) . عاد كلامه. قال: «فان قلت ما معنى فلق الصبح و الظلمة و هي التي تنفلق... الخ» ؟قال أحمد: و قيل الخالق و الفالق بمعنى، فيكون المراد خالق الإصباح. و الأظهر ما فسره عليه المصنف، و اللّه أعلم.

49

تردّت به ثمّ انفرى عن أديمها # تفرّى ليل عن بياض نهار (1)

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد فالق ظلمة الإصباح، و هي الغبش في آخر الليل، و منقضاه الذي يلي الصبح. و الثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار و إسفاره. و قالوا: انشق عمود الفجر. و انصدع الفجر. و سموا الفجر فلقا بمعنى مفلوق.

و قال الطائي:

و أزرق الفجر يبدو قبل أبيضه # و أوّل الغيث قطر ثمّ ينسكب‏ (2)

و قرئ: فالق الإصباح، و جاعل الليل سكناً، بالنصب على المدح. و قرأ النخعي: فلق الإصباح و جعل الليل. و السكن: ما يسكن إليه الرجل و يطمئن استئناسا به و استرواحاً إليه، من زوج أو حبيب. و منه قيل للنار: سكن، لأنه يستأنس بها. ألا تراهم سموها المؤنسة، و الليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه و جمامه‏ (3) . و يجوز أن يراد: و جعل الليل مسكوناً فيه من قوله لتسكنوا فيه وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ قرئا بالحركات الثلاث، فالنصب على إضمار فعل دل عليه

____________

(1) .

كأن بقايا ما عفا من حبابها # تفاريق شيب في سواد عذار

تردت به ثم انفرى عن أديمها # تفرى ليل عن بياض نهار

لأبى نواس يصف الخمرة. يقول: كأن بقايا الذي هلك و ذهب من فقاقعها شيب أبيض متفرق في عذار أسود، لأن كلا منهما أبيض منتشر فيما يخالف لونه، و لا يلزم من ذلك أنها سوداء كما يدل عليه ما بعده، ثم قال: تردت، أى استترت بالحباب، فالتردى: استعارة التستر، ثم انفرى: انشق و زال عن أديمها أى وجهها كتفرى الليل و انشقاق ظلامه عن بياض النهار، و الجامع استتار كل بغيرها، ثم ظهوره بتفرق ذلك الغير فهو مركب. و لا يلزم من ذلك أن الحباب أسود كالليل، و الخمرة بيضاء كالنهار، و انظر كيف خيل أنه في الأول أبيض و في الثاني أسود و هي بالعكس. و هذا من العجب الداعي للطرب. و فيه أنه يرى في الأول أبيض معجبا، ثم تعرض عنه النفس و تريد الخمرة، فيتخيل أنه مظلم، ثم ينكشف و تظهر هي بيضاء ترهقها صفرة، كالسماء وقت الاسفار.

(2) .

هذى مخايل برق خلفه مطر # جود و روى زناد خلفه لهب

و أزرق الفجر يبدو قبل أبيضه # و أول الغيث قطر ثم ينسكب‏

لأبى تمام. و قيل للبحترى. و «مخايل» أضواء تتخيلها، أو تخيل إلينا المطر بعدها. و الجود-في الأصل-جمع جائد، كصحب و صاحب، و هو الكثير النافع. و الورى: قدح الزند، و الزناد جمعه، ككلب و كلاب، و قد يكون مفرداً ككتاب. يقول: إن أوائل الأمور تبدو قليلة ثم تكثر، فينبغي الحرص من أول الأمر قبل بلوغه غايته فيكثر الضرر و يعسر درؤه، أو المعنى أنه ينبغي التأنى إلى بلوغ المراد، فالكلام كله من باب التمثيل. و روى

و كاذب العمر يبدو قبل صادقه‏

و روى بعد هذا البيت:

و مثل ذلك وجد العاشقين هوى # بالمزح يبدو و بالادمان ينتهب‏

و نسبا لابن الرومي، أى الوجد في أوله هوى و في آخره نار، و الإدمان: الادامة.

(3) . قوله «و جمامه» أى راحته من التعب. و في الصحاح «الجمام» بالفتح-: الراحة. (ع)

50

جاعل الليل، أى و جعل الشمس و القمر حسباناً. أو يعطفان على محل الليل. فإن قلت كيف يكون لليل محل و الإضافة حقيقية، لأنّ اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضىّ، و لا تقول: زيد ضارب عمرا أمس؟قلت: ما هو في معنى المضىّ، و إنما هو دال على جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة، و كذلك فالق الحب، و فالق الإصباح، كما تقول: اللّه قادر عالم، فلا تقصد زماناً دون زمان، و الجر عطف على لفظ الليل، و الرفع على الابتداء، و الخبر محذوف تقديره: و الشمس و القمر مجعولان حسباناً، أو محسوبان حسباناً. و معنى جعل الشمس و القمر حسباناً: جعلهما على حسبان، لأنّ حساب الأوقات يعلم بدورهما و سيرهما. و الحسبان-بالضم-: مصدر حسب، كما أنّ الحسبان-بالكسر-مصدر حسب. و نظيره الكفران و الشكران ذََلِكَ إشارة إلى جعلهما حسبانا، أى ذلك التسيير بالحساب المعلوم تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ الذي قهرهما و سخرهما اَلْعَلِيمِ بتدبيرهما و تدويرهما.

فِي ظُلُمََاتِ اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ في ظلمات الليل بالبر و البحر، و أضافها إليهما لملابستها لهما، أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات.

من فتح قاف المستقر، كان المستودع اسم مكان مثله أو مصدراً. و من كسرها، كان اسم فاعل و المستودع اسم مفعول. و المعنى: فلكم مستقرّ في الرحم. و مستودع في الصلب، أو مستقر فوق الأرض و مستودع تحتها. أو فمنكم مستقرّ و منكم مستودع. فإن قلت: لم قيل‏ يَعْلَمُونَ مع ذكر النجوم‏ (1) و يَفْقَهُونَ مع ذكر إنشاء بنى آدم؟قلت كان إنشاء الإنس من نفس

____________

(1) . قال محمود: «إن قلت لم قيل مع ذكر النجوم يعلمون... الخ» قال أحمد: لا يتحقق هذا التفاوت و لا سبيل إلى الحقيقة، و ما هذا الجواب إلا صناعى. و التحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين في اللفظ، لما في ذلك من التكرار، فعدل إلى فاصلة مخالقة تحسينا للنظم و اتساقا في البلاغة. و يحتمل وجها آخر في تخصيص الأولى بالعلم و الثانية بالفقه، و هو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات اللّه و لا يعتبر بمخلوقاته، و كانت الآية المذكورة أولا خارجة عن أنفس النظار و منافية لها، إذ النجوم و النظر فيها و علم الحكمة الالهية في تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر، و لا كذلك النظر في إنشائهم من نفس واحدة و تقلباتهم في أطوار مختلفة و أحوال متغايرة، فانه نظر لا يعدو نفس الناظر و لا يتجاوزها، فإذا تمهد ذلك. فجهل الإنسان بنفسه و بأحواله و عدم النظر فيها و التفكر أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم و الأفلاك، و مقادير سيرها و تقلبها، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم، إذ هو عبارة عن الفهم نفى من أبشع القبيلين جهلا، و هم الذين لا يتبصرون في أنفسهم، و نفى الأدنى أبشع من نفى الأعلى درجة فخص به أسوأ الفريقين حالا، و يفقهون هاهنا مضارع فقه الشي‏ء بكسر القاف إذا فهمه و لو أدنى فهم، و ليس من فقه بضم القاف، لأن تلك درجة عالية. و معناه: صار فقيها. قاله الهروي في معرض الاستدلال على أن فقه أنزل من علم. و في حديث سلمان أنه قال-و قد سألته امرأة جاءته-: فقهت، أى فهمت، كالمتعجب من فهم المرأة عنه.

و إذا قيل فلان لا يفقه شيئا، كان أذم في العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئا، و كان معنى قولك: لا يفقه شيئا ليست له أهلية الفهم و إن فهم. و أما قولك: لا يعلم، فغايته نفى حصول العلم له. و قد يكون له أهلية الفهم و العلم لو يعلم. و الذي يدل على أن التارك للفكرة في نفسه أجهل و أسوأ حالا من التارك للفكرة في غيره قوله تعالى‏ وَ فِي اَلْأَرْضِ آيََاتٌ لِلْمُوقِنِينَ `وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ فخص التبصر في النفس بعد اندراجها فيما في الأرض من الآيات، و أنكر على من لا يتبصر في نفسه إنكاراً مستأنفا. و قولنا في أدراج الكلام أنه نفى العلم عن أحد الفريقين و نفى الفقه عن الآخر، يعنى بطريق التعريض، حيث خص العلم بالآيات المفصلة و التفقه فيها بقوم، فأشعر أن قوما غيرهم لا علم عندهم و لا فقه، و اللّه الموفق. فتأمل هذا الفصل و إن طال بعض الطول، فالنظر في الحسن غير مملول.

51

واحدة و تصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف و أدق صنعة و تدبيراً، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة و تدقيق نظر مطابقاً له.

فَأَخْرَجْنََا بِهِ بالماء نَبََاتَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ نبت كل صنف من أصناف النامي، يعنى أن السبب واحد و هو الماء. و المسببات صنوف مفتنة، كما قال‏ يُسْقى‏ََ بِمََاءٍ وََاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهََا عَلى‏ََ بَعْضٍ فِي اَلْأُكُلِ . فَأَخْرَجْنََا مِنْهُ من النبات خَضِراً شيئاً غضا أخضر. يقال أخضر و خضر، كأعور و عور، و هو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة نُخْرِجُ مِنْهُ من الخضر حَبًّا مُتَرََاكِباً و هو السنبل. و قِنْوََانٌ رفع بالابتداء. و مِنَ اَلنَّخْلِ خبره. و مِنْ طَلْعِهََا بدل منه، كأنه قيل: و حاصلة من طلع النخل قنوان. و يجوز أن يكون الخبر محذوفا لدلالة أخرجنا عليه، تقديره: و مخرجة من طلع النخل قنوان. و من قرأ: يخرج منه حب متراكب، كان قِنْوََانٌ عنده معطوفا على حب. و القنوان: جمع قنو، و نظيره: صنو و صنوان. و قرئ بضم القاف و بفتحها، على أنه اسم جمع كركب، لأنّ فعلان ليس من زيادة التكسير دََانِيَةٌ سهلة المجتنى

52

معرضة للقاطف، كالشى‏ء الداني القريب المتناول، و لأنّ النخلة و إن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتى بالثمر لا تنتظر الطول. و قال الحسن: دانية قريب بعضها من بعض. و قيل: ذكر القريبة و ترك ذكر البعيدة: لأنّ النعمة فيها أظهر و أدلّ بذكر القريبة على ذكر البعيدة، كقوله سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ . و قوله وَ جَنََّاتٍ مِنْ أَعْنََابٍ فيه وجهان، أحدهما: أن يراد: و ثم جنات من أعناب، أى مع النخل. و الثاني: أن يعطف على قِنْوََانٌ على معنى: و حاصلة، أو و مخرجة من النخل قنوان و جنات من أعناب، أى من نبات أعناب، و قرئ وَ جَنََّاتٍ بالنصب عطفاً على نَبََاتَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ أى: و أخرجنا به جنات من أعناب، و كذلك قوله وَ اَلزَّيْتُونَ وَ اَلرُّمََّانَ و الأحسن أن ينتصبا على الاختصاص، كقوله‏ وَ اَلْمُقِيمِينَ اَلصَّلاََةَ لفضل هذين الصنفين مُشْتَبِهاً وَ غَيْرَ مُتَشََابِهٍ يقال اشتبه الشيئان و تشابها، كقولك استويا و تساويا. و الافتعال و التفاعل يشتركان كثيراً. و قرئ: متشابها و غير متشابه. و تقديره: و الزيتون متشابها و غير متشابه، و الرمّان كذلك كقوله:

كُنْتُ مِنْهُ وَ وَالِدَىَّ بَرِيّا

و المعنى: بعضه متشابها و بعضه غير متشابه، في القدر و اللون و الطعم. و ذلك دليل على التعمد دون الإهمال اُنْظُرُوا إِلى‏ََ ثَمَرِهِ إِذََا أَثْمَرَ إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلا ضعيفاً لا يكاد ينتفع به. و انظروا إلى حال ينعه و نضجه كيف يعود شيئاً جامعاً لمنافع و ملاذ، نظر اعتبار و استبصار و استدلال على قدرة مقدّره و مدبره و ناقله من حال إلى حال. و قرئ وَ يَنْعِهِ بالضم. يقال: ينعت الثمرة ينعاً و ينعاً. و قرأ ابن محيصن: و يانعه. و قرئ: و ثمره، بالضم.

إن جعلت لِلََّهِ شُرَكََاءَ مفعولي جعلوا، نصبت الجن بدلا من شركاء، و إن جعلت لِلََّهِ لغوا كان شُرَكََاءَ اَلْجِنَّ مفعولين قدّم ثانيهما على الأول. فإن قلت: فما فائدة التقديم؟قلت:

فائدته استعظام أن يتخذ للّه شريك مَن كان ملكا أو جنياً أو إنسياً أو غير ذلك. و لذلك قدّم اسم اللّه على الشركاء. و قرئ الجن بالرفع، كأنه قيل: من هم؟فقيل: الجن. و بالجرّ على الإضافة التي للتبيين. و المعنى أشركوهم في عبادته، لأنهم أطاعوهم كما يطاع اللّه. و قيل: هم الذين زعموا أنّ اللّه خالق الخير و كل نافع، و إبليس خالق الشر و كل ضارّ وَ خَلَقَهُمْ و خلق الجاعلين للّه شركاء. و معناه: و علموا أن اللّه خالقهم دون الجن، و لم يمنعهم علمهم أن يتخذوا من لا يخلق‏