إعراب القرآن - ج1

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
293 /
3

الجزء الأول‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

كلام الناشر

أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحّاس (ت 338 هـ)

اسمه و لقبه و نشأته:

أبو جعفر، أحمد بن محمد بن إسماعيل، المصري النحوي، ابن النحّاس:

العلاّمة، إمام العربية.

ولد في مصر، و نشأ فيها ثم ارتحل إلى بغداد فأخذ عن المبرّد، و الأخفش علي ابن سليمان، و نفطويه، و الزّجّاج و غيرهم. ثم عاد إلى مصر و تصدّر للتدريس، و كانت مصر خلال النصف الثاني من القرن الثالث و النصف الأول من الرابع للهجرة حلقة الوصل بين المغرب و المشرق، و قد قصده طلاّب المعرفة، كما قصدوا غيره، من المغرب و أخذوا عنهم صنوف علوم اللغة و القرآن، و عادوا بها إلى بلادهم. و بذلك انتقلت مصنّفات هؤلاء العلماء المصريين إلى هناك.

نشأ ابن النحاس محبّا للعلم و كان لا يتوانى أن يسأل أهل العلم و الفقه و يفاتشهم بما يشكل عليه في تصانيفه.

كتبه‏

و قد صنّف كتبا حسنة مفيدة منها:

كتاب الأنوار.

و كتاب الاشتقاق لأسماء اللّه عزّ و جلّ.

و كتاب معاني القرآن.

و كتاب اختلاف الكوفيين و البصريين سمّاه «المقنع» .

و كتاب أخبار الشعراء.

و كتاب أدب الكتّاب.

و كتاب الناسخ و المنسوخ.

و كتاب الكافي في النحو.

و كتاب صناعة الكتاب.

و كتاب إعراب القرآن.

4

و كتاب شرح السبع الطّوال.

و كتاب شرح أبيات سيبويه.

و كتاب الاشتقاق.

و كتاب معاني الشعر.

و كتاب التفّاحة في النحو.

و كتاب أدب الملوك.

أهمية كتاب «إعراب القرآن» لابن النحّاس:

أهمية هذا الكتاب أنه أول كتاب وصل إلينا بهذا العمق و هذه المادة العلمية الغزيرة. حيث حشد ابن النحّاس الكثير من أقاويل علماء اللغة التي أخذها عن مشايخه أو من الكتب التي كانت بين يديه لمن سبقه.

و أهم الكتب التي اعتمدها:

كتاب سيبويه، و كتاب العين، و كتاب المسائل الكبير للأخفش سعيد بن مسعدة، و كتاب معاني القرآن للزجاج، و كتاب ما ينصرف و ما لا ينصرف للزجاج، و كتاب معاني القرآن للفرّاء، و كتاب المصادر في القرآن للفرّاء، و المقصور و الممدود للفراء، و كتاب القراءات لأبي عبيد القاسم بن سلام، و كتاب القراءات لابن سعدان النحوي، و كتاب الغريب المصنّف لأبي عبيد. و قد اشتمل كتابه «إعراب القرآن» على آراء أعلام المذهب البصري في النحو و اللغة و القراءات مثل: أبي عمرو بن العلاء، و يونس، و قطرب، و الأخفش سعيد بن مسعدة، و أبي عبيدة، و أبي عمرو الجرمي، و ابن الأعرابي، و المازني، و أبي حاتم السجستاني، و المبرّد و محمد ابن الوليد ولاّد، و أبي إسحاق الزجاج بالإضافة إلى الخليل بن أحمد و أبي الخطّاب الأخفش و سيبويه. و كذلك عرض ابن النحاس آراء النحاة و اللغويين الكوفيين فكان يعرض آراء هؤلاء إلى جانب آراء البصريين فيرجّح مرّة و يترك الآراء دون ترجيح أحيانا.

و من الكوفيين: الكسائي و ثعلب و الفراء و محمد بن حبيب و محمد بن سعدان و ابن السكيت و نفطويه و ابن رستم. أما الحفّاظ و المحدّثون من شيوخه فهم يؤلّفون جانبا من مصادر كتابه، و من شيوخه:

بكر بن سهل الدمياطي، و أبي بكر جعفر بن محمد الفريابي و النّسائي أحمد بن شعب، و الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، و الحسن بن غليب المصري، و أبي الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي و أبي القاسم عبد اللّه بن محمد البغوي، و الطبري في تفسيره.

5

الشواهد الواردة في كتاب «إعراب القرآن» : اعتمد ابن النحاس الأنواع الثلاثة من الشواهد و هي:

1-الشعر (عدد الشواهد 602) و هي موزّعة على العصر الجاهلي و الإسلامي و الأموي.

2-الحديث النبوي (عدد الشواهد 167) .

3-الأمثال و الأقوال الأخرى.

وفاته:

توفّي ابن النحاس يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة 338 هـ أو 337 هـ... و قد رويت حكاية محزنة لموته، و هي أنه كان جالسا على درج المقياس (و هو عمود من رخام قائم وسط بركة على شاطئ النيل له طريق يدخل إلى النيل يدخل الماء إذا زاد عليه و في ذلك العمود خطوط يعرفون بوصول الماء إليها مقدار الزيادة) و كان النيل في أيام زيادته، و كان ابن النحاس يقطّع شيئا من الشعر عروضيا، فسمعه أحد العوام فظنّه يسحر النيل حتى لا يزيد فتغلو الأسعار فدفعه برجله فوقع في النيل فلم يعرف له خبر.

مصادر ترجمته:

النجوم الزاهرة 3/300.

البداية و النهاية 11/222.

إنباه الرواة 1/101.

آداب اللغة 2/182.

سير أعلام النبلاء 12/71 (دار الفكر) .

المنتظم لابن الجوزي 6/364.

بغية الوعاة 1/362.

وفيات الأعيان 1/82.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

لمحة تاريخية عن مباحث إعراب القرآن‏

كان القرآن الكريم على الدوام دليل المسلمين و قبلتهم و مثابة اجتهادهم، لذلك ما انفكّوا يعكفون عليه حفظا و درسا و تمثّلا، و لا ينون يصرفون جهدا كبيرا متّصلا لتبيان معانيه و أحكامه، و ناسخه و منسوخه، و وجوه قراءته، و دقائق بلاغته، و آيات إعجازه، و سوى ذلك من النواحي التي يشتمل عليها موضوع علوم القرآن و مباحثه القديمة المتجددة.

و من المباحث الأساسية في هذا المجال إعراب القرآن، ألفاظا و جملا. و لا يخفى ما لهذا المبحث من أهمية كبرى في الكشف عن معاني القرآن للارتباط الوثيق القائم بين المعنى و المبنى في اللغة العربية، أو بالأحرى بين اللفظ و إعرابه بحيث يتلوّن المعنى بتلوّن الإعراب. و قد قيل: الإعراب فرع المعنى. و لعل ما يميز اللغة العربية عن معظم اللغات الأخرى هو هذا الارتباط الوثيق بين المعنى و الإعراب، و بهذا الترتيب:

فالنصّ العربي يفهم أولا، ثم يقرأ قراءة صحيحة أي معربة على الوجه الصحيح.

و القارئ مهما بلغ من التمكّن في علم النحو، لا يستطيع أن يقرأ نصّا عربيّا لأول وهلة و على النحو الصحيح إن لم يكن متمثلا المعنى المراد أولا، خصوصا عند ما تغيب علامات الإعراب أو الشكل. هذا بخلاف ما يحصل بإزاء نص فرنسي مثلا، إذ يستطيع قراءته قراءة صحيحة حتى من دون أن يسبق له علم بالمعنى الموجود فيه. فالنص الفرنسي يقرأ ثم يفهم. من هنا يمكن القول إن اللغة العربية ما تزال لغة شفوية في المقام الأول.

إن العلاقة بين «علم إعراب القرآن» و علم النحو لا تحتاج إلى إيضاح.

و بالتالي فقد اعتبر جمهور العلماء أن إعراب القرآن هو من علم النحو. و لكن العلاقة وثيقة أيضا بين إعراب القرآن و تفسيره، و لذلك ذهب البعض، و منهم طاش كبري زادة في كتابه «مفتاح السعادة» ، إلى أنه من فروع علم التفسير.

و الحقيقة أن إعراب القرآن ضروري للتفسير و لا ينفصل عن علم القراءات. و عليه ثمّة علوم ثلاثة مترابطة هي: علم التفسير (التأويل) و علم الإعراب و علم القراءات. من هنا نلاحظ أن معظم كتب التفسير لا تخلو من إشارات إلى وجوه القراءة المختلفة و بالتالي إلى وجوه الإعراب.

8

و قد نشأ إعراب القرآن مع نشوء علم النحو و تطوّره، ثم أخذ يستقل شيئا فشيئا حتى صار غرضا قائما بذاته. علما أن مباحث النحو اعتمدت بشكل أساسي على شواهد القرآن الكريم، إلى شواهد الشعر الجاهلي و صدر الإسلام، لتقعيد قواعدها و تأييد مذاهبها. و العلماء الذين اشتغلوا بالكشف عن وجوه إعراب القرآن كانت لهم اتجاهات مختلفة: فبعضهم جمع بين أوجه القراءات و الإعراب مثل الفرّاء في «معاني القرآن» و ابن جنّي في «المحتسب» و ابن فارس في «الحجة» . و منهم من اقتصر على إعراب مشكله مثل مكّي، أو إعراب غريبه كابن الأنباري في كتابه «البيان في إعراب غريب القرآن» . و منهم من انتقى فأعرب سورا و أجزاء كابن خالويه. و منهم من اختار ظاهرة محددة مثل الألفاظ التي تقرأ بالتثليث (بالضمة و الفتحة و الكسرة) كما فعل أحمد ابن يوسف الرعيني الأندلسي في كتابه «تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من القرآن» .

و منهم من أعربه كله كالعكبري.

و أشهر من صنّف في إعراب القرآن و القراءات في بابين مستقلين أو في باب واحد هم على التوالي:

1-يحيى بن زياد الفرّاء المتوفى سنة 207 هـ: «إعراب القرآن» في أوجه القراءات و الإعراب.

2-أبو مروان عبد الملك بن حبيب المالكي القرطبي المتوفى سنة 239 هـ: «إعراب القرآن» و «الواضحة في إعراب الفاتحة» .

3-أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني (248 هـ) : «إعراب القرآن» و «كتاب القراءات» .

4-أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد (286 هـ) : «إعراب القرآن» و «احتجاج القرّاء» .

5-أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (291 هـ) : «غريب القرآن» و «كتاب إعراب القرآن» و «كتاب القراءات» .

6-أبو البركات عبد الرحمن بن أبي سعيد الأنباري (328 هـ) : «البيان في إعراب غريب القرآن» .

7-أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحّاس، (338 هـ) :

«إعراب القرآن» ، و هو كتابنا هذا.

8-إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجّاج (311 هـ) : «إعراب القرآن» و «مختصر إعراب القرآن و معانيه» .

9

9-الحسين بن أحمد، أبو عبد اللّه المعروف بابن خالويه (370 هـ) : «كتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن» من الطارق إلى آخر القرآن و الفاتحة.

10-عثمان بن جنّي (392 هـ) : «المحتسب» في شرح الشواذ لابن مجاهد في القراءات.

11-أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي (430 هـ) : «إعراب القرآن» .

12-مكّي بن أبي طالب القيسي القيرواني (437 هـ) : «مشكل إعراب القرآن» و «الكشف عن وجوه القراءات و عللها» و «الموجز» في القراءات.

13-يحيى بن علي بن محمد، الخطيب التبريزي (502 هـ) : «المخلص في إعراب القرآن» .

14-إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني (535 هـ) : «إعراب القرآن» .

15-أبو البقاء عبد اللّه بن الحسين العكبري (616 هـ) : «التبيان في إعراب القرآن» و «إعراب الشواذ في القرآن» .

16-عبد اللطيف بن يوسف البغدادي (629 هـ) : «الواضحة في إعراب الفاتحة» .

17-المنتجب بن أبي العز الهمداني (643 هـ) : «المفيد في إعراب القرآن المجيد» .

18-إبراهيم بن محمد السفاقسي (742 هـ) : «المجيد في إعراب القرآن المجيد» .

19-أحمد بن يوسف المعروف بابن السمين الحلبي (756 هـ) : «الدرّ المصون في علم الكتاب المكنون» في إعراب القرآن.

20-أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني الأندلسي (777 هـ) : «تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من القرآن» .

21-أحمد بن محمد، الشهير بنشانجي زادة (986 هـ) : «إعراب القرآن» إلى سورة الأعراف-حاشية على أنوار التنزيل للبيضاوي.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المصطلحات المستخدمة في الكتاب‏

1-اسم ما لم يسمّ فاعله: النائب عن الفاعل 2-الإشمام: إشمام الحرف هو أن تشمّه الضمّة أو الكسرة، و هو أقلّ من روم الحركة لأنه لا يسمع و إنما يتبيّن بحركة الشّفة، و لا يعتدّ بها حركة لضعفها، و الحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن.

3-الإمالة: هي أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة و بالألف نحو الياء، أو هي إحدى الظواهر الخاصة بنطق الفتحة الطويلة نطقا يجعلها بين الفتحة الصريحة و الكسرة الصريحة.

4-البيان و التفسير: التمييز 5-التبرئة: النفي للجنس.

6-الترجمة و التكرير: هو البدل عند البصريين.

7-الحذف: حين تتجاوز أصوات متماثلة أو متقاربة تميل بعض اللهجات إلى حذف أحدها طلبا للتخفيف، و قد يكون هذا الحذف في الحروف و قد يكون في الحركات التي هي في بنية الكلمة أو للإعراب.

8-حروف الخفض: حروف الجرّ.

9-حروف اللّين: هي حروف المدّ التي يمدّ بها الصوت، و هي الألف، و الواو، و الياء.

10-الرّوم: هو تضعيف الصوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فيسمع لها صوتا خفيا يدركه الأعمى بحاسة السمع.

11-العماد: الفاصلة عند البصريين.

12-القطع: الحال.

13-المخالفة: هي ظاهرة صوتية تكون لميل بعض اللهجات العربية إلى السهولة بأن يجتمع صوتان متماثلان فيقلب أحدهما إلى صوت لين طويل.

14-المكنّى: الضمير.

12

15-المماثلة بين الحركات: الإتباع: هو تجاوز حركتين في كلمة أو كلمتين و تأثّر إحداهما بالأخرى.

16-المماثلة بين الحروف: الإدغام: هو ضرب من التأثير الذي يقع في الأصوات المتجاورة إذا كانت متماثلة أو متجانسة أو متقاربة فيختفي أحد الصوتين بالآخر.

17-النعت: و هو الصفة عند البصريين.

13

[1] شرح إعراب سورة أمّ القرآن‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الحمد للّه وحده و صلواته على سيدنا محمد و آله قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحوي المعروف بالنحاس:

هذا كتاب أذكر فيه إن شاء اللّه إعراب القرآن، و القراءات التي تحتاج أن يبيّن إعرابها و العلل فيها و لا أخليه من اختلاف النحويين، و ما يحتاج إليه من المعاني و ما أجازه بعضهم و منعه بعضهم و زيادات في المعاني و شرح لها، و من الجموع و اللغات، و سوق كلّ لغة إلى أصحابها و لعلّه يمرّ الشي‏ء غير مشبع فيتوهّم متصفّحه أنّ ذلك لإغفال و إنما هو لأنّ له موضعا غير ذلك. و مذهبنا الإيجاز و المجي‏ء بالنكتة في موضعها من غير إطالة، و قصدنا في هذا الكتاب الإعراب و ما شاكله بعون اللّه و حسن توفيقه. قال أبو جعفر: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدّمشقي‏ (1) عن عبد الخالق عن أبي عبيد (2) قال: حدّثنا عبّاد بن عبّاد المهلّبي عن واصل‏ (3) مولى أبي عيينة قال:

قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: تعلّموا إعراب القرآن كما تتعلّمون حفظه. فمن ذلك:

(اسم) مخفوض بالباء الزائدة، و قال أبو إسحاق‏ (4) : و كسرت الباء ليفرّق بين ما

____________

(1) أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي: نزل بغداد و حدّث بها عن هشام بن عمار و طبقته و كان مؤدّبا لعبد اللّه بن المعتز. روى عن إسماعيل بن محمد الصفّار (ت 306 هـ) ترجمته في تاريخ بغداد 4/172.

(2) أبو إسحاق الزّجاج، إبراهيم بن السري، بصريّ المذهب من أصحاب سيبويه و شيخ النحاس، له من التصانيف: معاني القرآن، الاشتقاق، خلق الإنسان، مختصر النحو، شرح أبيات سيبويه، القوافي، العروض، النوادر، و تفسير جامع المنطق، (ت 316 هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة 1/411، و تاريخ بغداد 6/91، و طبقات الزبيدي 21) . و القول في إعراب القرآن و معانيه ص 12.

(3) الفرّاء: أبو زكريا يحيى بن زياد: أخذ علمه عن الكسائي، و كان أعلم الكوفيين بعد الكسائي، كان يميل إلى الاعتزال و يسلك ألفاظ الفلاسفة. و كان زائد العصبية على سيبويه. صنّف: معاني القرآن، البهاء فيما تلحن به العامة، اللغات، المصادر في القرآن، الجمع و التثنية في القرآن، آلة الكتاب، النوادر، المقصور و الممدود، فعل و أفعل، المذكر و المؤنث، الحدود و غير ذلك. (ت 207 هـ) . ترجمته في (بغية الوعاة 2/333، و طبقات الزبيدي 143) .

(4) علي بن حمزة الكسائي: أحد القرّاء السبعة، و إمام الكوفيين في النحو، صنّف: معاني القرآن، القراءات، النوادر الكبير، الأوسط، الأصغر، العدد، المصادر، الحروف، أشعار المعاياة و غيرها، (ت 189 هـ) . ترجمته في (غاية النهاية 1/535، و بغية الوعاة 2/164) .

14

يخفض و هو حرف لا غير و بين ما يخفض و قد يكون اسما نحو الكاف، و يقال: لم صارت الباء تخفض؟فالجواب عن هذا و عن جميع حروف الخفض أنّ هذه الحروف ليس لها معنى إلاّ في الأسماء و لم تضارع الأفعال فتعمل عملها فأعطيت ما لا يكون إلاّ في الأسماء و هو الخفض و البصريون القدماء يقولون: الجرّ، و موضع الباء و ما بعدها عند الفرّاء (1) نصب بمعنى ابتدأت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أو أبدأ بسم اللّه الرّحمن الحريم، و عند البصريين رفع بمعنى ابتدائي بسم اللّه، و قال عليّ بن حمزة الكسائي‏ (2) :

الباء لا موضع لها من الإعراب و المرور واقع على مجهول إذا قلت: مررت بزيد.

و الألف في «اسم» (3) ألف وصل لأنّك تقول: سميّ فلهذا حذفت من اللفظ، و في حذفها من الخط أربعة أقوال: قال الفراء (4) : لكثرة الاستعمال، و حكي لأنّ الباء لا تنفصل، و قال الأخفش سعيد (5) : حذفت لأنها ليست من اللفظ، و القول الرابع أن الأصل سم و سم أنشد أبو زيد (6) : [الرجز] 1-

بسم الذي في كلّ سورة سمه‏ (7)

بالضمّ أيضا، فيكون الأصل سما ثم جئت بالباء فصار بسم ثم حذفت الكسرة فصار بسم، فعلى هذا القول لم يكن فيه ألف قطّ و الأصل في اسم فعل لا يكون إلا ذلك لعلّة أوجبته و جمعه أسماء، و جمع أسماء أسامي. و أضفت اسما إلى اللّه جلّ

____________

(1) أبو عبيد: القاسم بن سلاّم الأنصار، أول من جمع القراءات في كتاب، أخذ عن ابن الأعرابي و الكسائي و الفرّاء و غيرهم. له من التصانيف: الغريب المنصف، غريب القرآن، غريب الحديث، معاني القرآن، المقصور و الممدود، القراءات، المذكر و المؤنث... و غيرها. (ت 224 هـ) . ترجمته في (طبقات الزبيدي 217، و بغية الوعاة 2/252) .

(2) و اصل مولى أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة البصري. روى عن الحسن و رجاء بن حيوة. ترجمته في تهذيب التهذيب 11/105.

(3) انظر الإنصاف لابن الأنباري المسألة (1) .

(4) انظر معاني الفرّاء: 1/2.

(5) الأخفش: أبو الحسن سعيد بن مسعدة، قرأ النحو على سيبويه في البصرة و كان معتزليا، صنّف:

الأوساط في النحو، معاني القرآن، المقاييس في النحو، الاشتقاق، المسائل، الكبير الصغير، العروض، القوافي، الأصوات و غيرها. (ت 211 أو 215 هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة 1/590، و طبقات الزبيدي 74، و إنباه الرواة 1/36) .

(6) أبو زيد الأنصاري: سعيد بن أوس بن ثابت، روى القراءة عن أبي عمرو و أبي السمال (ت 215 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/305.

(7) الشاهد في نوادر أبي زيد 166، و نوادر أبي مسحل: 1/95، و الإنصاف 1/10، و أسرار العربية 8، و اللسان (سا) .

15

و عزّ، و الألف في اللّه جلّ و عزّ ألف وصل على قول من قال: الأصل لاه. و من العرب من يقطعها فيقول: بسم اللّه، للزومها كألف القطع. اَلرَّحْمََنِ نعت للّه تعالى و لا يثنّى و لا يجمع لأنه لا يكون إلاّ للّه جلّ و عزّ، و أدغمت اللاّم في الراء لقربها منها و كثرة لام التعريف. اَلرَّحِيمِ نعت أيضا، و جمعه رحماء. و هذه لغة أهل الحجاز و بني أسد و قيس و ربيعة، و بنو تميم يقولون: رحيم و رغيف و بعير، و لك أن تشمّ‏ (1) الكسر في الوقف و أن تسكّن، و الإسكان في المكسور أجود و الإشمام في المضموم أكثر.

و يجوز النصب في اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ على المدح، و الرفع على إضمار مبتدأ، و يجوز خفض الأول و رفع الثاني، و رفع أحدهما و نصب الآخر.

____________

(1) إشمام الحرف: أن تشمّه الضمّة أو الكسرة، و هو أقلّ من روم الحركة لأنه لا يسمع و إنما يتبيّن بحركة الشفة و لا يعتدّ بها حركة لضعفها، و الحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن. (تاج العروس شمم) .

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رفع بالابتداء على قول البصريين‏ (1) ، و قال الكسائي‏ (2) : «الحمد» رفع بالضمير الذي في الصفة، و الصفة اللام، جعل اللام بمنزلة الفعل. و قال الفراء (3) :

«الحمد» رفع بالمحل و هو اللام. جعل اللام بمنزلة الاسم، لأنها لا تقوم بنفسها و الكسائي يسمي حروف الخفض صفات، و الفراء يسمّيها محال، و البصريون يسمّونها ظروفا. و قرأ ابن عيينة و رؤبة بن العجّاج‏ (4) اَلْحَمْدُ لِلََّهِ على المصدر و هي لغة قيس و الحارث بن سامة. و الرفع أجود من جهة اللفظ و المعنى، فأما اللفظ: فلأنه اسم معرفة خبّرت عنه، و أما المعنى: فإنّك إذا رفعت أخبرت أنّ حمدك و حمد غيرك للّه جلّ و عزّ، و إذا نصبت لم يعد حمد نفسك و حكى الفراء: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ و الحمد للّه (5) .

قال أبو جعفر: و سمعت عليّ بن سليمان‏ (6) يقول: لا يجوز من هذين شي‏ء عند البصريين. قال أبو جعفر: و هاتان لغتان معروفتان و قراءتان موجودتان في كل واحدة منهما علة، روى إسماعيل بن عياش‏ (7) عن زريق عن الحسن‏ (8) أنّه قرأ

____________

(1) انظر الإنصاف مسألة (5) ، و البحر المحيط 1/131.

(2) انظر الإنصاف مسألة (6) .

(3) انظر الإنصاف مسألة (6) .

(4) رؤبة بن العجاج التميمي الراجز من أعراب البصرة و كان رأسا في اللغة (ت 145 هـ) ، ترجمته في (السير 6/ 162، و لسان الميزان 2/264، و معجم الأدباء 11/149) .

(5) انظر معاني الفراء 1/3.

(6) علي بن سليمان الأخفش الصغير، أبو الحسن، سمع ثعلبا، و المبرد (ت 215 هـ) و هو من شيوخ النحاس.

ترجمته في طبقات الزبيدي 125.

(7) إسماعيل بن عياش: أبو عتبة العنسي الحمصي، روى عن شرحبيل بن مسلم و محمد بن زياد (ت 182 هـ) ترجمته في تذكرة الحفاظ 253.

(8) الحسن، أبو سعيد، الحسن بن أبي سعيد بن أبي الحسن بن يسار البصري، إمام أهل البصرة، قرأ على حطان ابن عبد اللّه الرقاشي و على أبي العالية. (ت 110 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 1/235.

18

اَلْحَمْدُ لِلََّهِ (1) ، و قرأ إبراهيم بن أبي عبلة اَلْحَمْدُ لِلََّهِ (2) و هذه لغة بعض بني ربيعة، و الكسر لغة تميم. فأما اللغة في الكسر فإنّ هذه اللفظة تكثر في كلام الناس و الضمّ ثقيل و لا سيّما إذا كانت بعده كسرة فأبدلوا من الضمة كسرة و جعلوها بمنزلة شي‏ء واحد، و الكسرة مع الكسرة أخفّ و كذلك الضمة مع الضمة فلهذا قيل: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ . لِلََّهِ خفض باللام الزائدة. و زعم‏ (3) سيبويه‏ (4) أنّ أصل اللام الفتح يدلّك على ذلك أنك إذا أضمرت قلت: الحمد له فرددتها إلى أصلها إلاّ أنها كسرت مع الظاهر للفرق بين لام الجر و لام التوكيد.

رَبِّ مخفوض على النعت للّه. اَلْعََالَمِينَ خفض بالإضافة و علامة الخفض الياء لأنها من جنس الكسرة، و النون عند سيبويه‏ (5) كأنها عوض لما منع من الحركة و التنوين و النون عند أبي العباس‏ (6) عوض من التنوين، و عند أبي إسحاق‏ (7) عوض من الحركة و فتحت فرقا بينها و بين نون الاثنين، و قال الكسائي: يجوز رَبِّ اَلْعََالَمِينَ كما تقول:

الحمد للّه ربّا و إلها أي على الحال، و قال أبو حاتم‏ (8) : النصب بمعنى أحمد اللّه ربّ العالمين، و قال أبو إسحاق‏ (9) : يجوز النصب على النداء المضاف، و قال أبو الحسن بن كيسان‏ (10) : يبعد النصب على النداء المضاف لأنه يصير كلامين و لكن نصبه على المدح، و يجوز الرفع أي هو ربّ العالمين. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا في الكتاب المتقدم: أنه يقال على التكثير: ربّاه و ربّه و ربّته. و شرحه أن الأصل ربّبه ثم تبدل من الباء ياء كما يقال:

قصّيت أظفاري و تقصّيت ثم تبدل من الياء تاء كما تبدل من الواو في تاللّه‏ (11) .

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 1، و المحتسب لابن جني 1/37.

(2) انظر مختصر ابن خالويه 1.

(3) انظر الكتاب 2: 400.

(4) سيبويه: عمرو بن قنبر، رأس مدرسة البصرة في النحو (ت 180 هـ) . ترجمته في طبقات الزبيدي 66.

(5) انظر الكتاب.

(6) أبو العباس: محمد بن يزيد المبرد، من تلاميذ أبي عثمان المازني، كان رأس نحاة البصرة (ت 285 هـ) .

ترجمته في: طبقات الزبيدي 108.

(7) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجّاج 7.

(8) أبو حاتم: سهل بن محمد السجستاني، روى علم سيبويه عن الأخفش سعيد بالبصرة (ت 255 هـ أو 265 هـ) ترجمته في طبقات الزبيدي 100، و مراتب النحويين 80.

(9) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 4.

(10) أبو الحسن بن كيسان: محمد بن إبراهيم بن كيسان، أخذ عن المبرد و ثعلب و حفظ المذهب البصري و الكوفي في النحو، و لكنه كان إلى مذهب البصريين أميل. من تصانيفه: المهذّب في النحو، و غلط أدب الكاتب، و اللامات، و البرهان، و غريب الحديث، و غيرها. (ت 299 هـ) . ترجمته في بغية الوعاة 1/18، و معجم الأدباء 17/138، و تاريخ بغداد 1/335.

(11) انظر الكتاب: 1/44، و المقتضب 1/246.

19

و يجوز اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ على المدح، و يجوز رفعهما على إضمار مبتدأ، و يجوز رفع أحدهما و نصب الآخر، و يجوز خفض الأول و رفع الثاني و نصبه.

و قرأ محمد بن السّميفع‏ (1) اليمانيّ مالك يوم الدّين بنصب مالك. و فيه أربع لغات: مالك و ملك و ملك و مليك. كما قال لبيد: [الكامل‏] 2-

فاقنع بما قسم المليك فإنّما # قسم المعايش بيننا علاّمها (2)

و فيه من العربية خمسة و عشرون وجها (3) : يقال «ملك يوم الدين» على النعت، و الرفع على إضمار مبتدأ، و النصب على المدح و على النداء و على الحال و على النعت و على قراءة من قرأ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ فهذه ستة أوجه، و في «مالك» مثلها و في «ملك» مثلها، و في «مليك» مثلها. هذه أربعة و عشرون و الخامس و العشرون روى عن أبي حيوة شريح بن يزيد (4) أنه قرأ ملك يوم الدّين (5) و قد روي عنه أنه قرأ ملك يوم الدين . قال أبو جعفر: جمع مالك و ملاّك و ملّك، و جمع ملك أملاك و ملوك، و جمع ملك أملك و ملوك فهذا على قول من قال: «ملك» لغة و ليس بمسكّن من ملك، و جمع مليك ملكاء. يَوْمِ مخفوض بإضافة مالك إليه، و اَلدِّينِ مخفوض بإضافة يوم إليه. و جمع يوم أيّام و الأصل: أيوام أدغمت الواو في الياء و لا يستعمل منه فعل.

و زعم سيبويه أنه لو استعمل منه فعل لقيل: يمت. و جمع الدين أديان و ديون.

إِيََّاكَ (6) نصب بوقوع نَعْبُدُ عليه و قرأ الفضل بن عيسى الرّقاشي إِيََّاكَ فتح الهمزة، و قرأ عمرو بن فائد إِيََّاكَ مخفّفا و الاسم من إيّاك عند الخليل‏ (7)

____________

(1) ابن السميفع اليماني: محمد بن عبد الرّحمن، له اختيار في القراءة ينسب إليه، شذّ فيه، قرأ على أبي حيوة. ترجمته في غاية النهاية 2/150.

(2) البيت للبيد في ديوانه ص 320، و لسان العرب (خلق) ، و تاج العروس (خلق) ، و هو في الديوان: «قسم الخلائق بيننا» .

(3) (مالك) : قراءة عاصم و الكسائي و خلف و يعقوب، و هي قراءة العشرة إلا طلحة و الزبير، و قرأ (ملك) باقي السبعة و زيد و أبو الدرداء و ابن عمر و المسور و كثير من الصحابة، و قرأ (ملك) : أبو هريرة و عاصم الجحدري انظر البحر المحيط 1/133.

(4) أبو حيوة: شريح بن يزيد هو صاحب قراءة شاذّة، و مقرئ الشام، روى القراءة عن الكسائي (ت 203 هـ) .

ترجمته في غاية النهاية 1/325.

(5) انظر: إعراب ثلاثون سورة لابن خالويه 23.

(6) انظر البحر المحيط 1/139، و همع الهوامع 1/61، و الكتاب 2/355، و سرّ صناعة الإعراب 1/311.

(7) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، عالم بالعربية، بصري (ت 170 هـ أو 175 هـ) ترجمته في: طبقات الزبيدي 43، و إنباه الرواة 1/341.

20

و سيبويه إيّا، و الكاف موضع خفض و عند الكوفيين إيّاك اسم بكمالها، و زعم الخليل رحمه اللّه أنه اسم مضمر. قال أبو العباس: هذا خطأ لا يضاف المضمر و لكنه مبهم مثل «كلّ» أضيف إلى ما بعده. نَعْبُدُ فعل مستقبل و هو مرفوع عند الخليل و عند سيبويه لمضارعته الأسماء، و قال الكسائي: الفعل المستقبل مرفوع بالزوائد التي في أوله، و قال الفراء: هو مرفوع بسلامته من الجوازم و النواصب. و إِيََّاكَ منصوب بنستعين عطف جملة على جملة، و قرأ يحيى بن وثّاب‏ (1) و الأعمش نَسْتَعِينُ (2)

بكسر النون و هذه لغة تميم و أسد و قيس و ربيعة، فعل ذلك ليدلّ على أنه من استعون يستعين و الأصل في «نستعين» نستعون قلبت حركة الواو على العين فلما انكسر ما قبل الواو صارت ياء و المصدر استعانة و الأصل استعوان قلبت حركة الواو على العين فلما انفتح ما قبل الواو صارت ألفا، و لا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة و قيل الأولى لأن الثانية لمعنى و لزمت الهاء عوضا.

إِنََّا هُدْنََا دعاء و طلب في موضع جزم عند الفراء (3) و وقف عند البصريين و لذلك حذفت الياء و الألف ألف وصل لأنّ أول المستقبل مفتوح، و كسرتها لأنه من يهدي، و النون و الألف مفعول أول. و اَلصِّرََاطَ مفعول ثان. و جمعه في القليل أصرطة و في الكثير صرط قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الصراط و قرأ ابن عباس‏ (4)

السراط (5) بالسين و بعض قيس يقولها بين الصاد و الزاي و لا يجوز أن يجعل زايا إلاّ أن تكون ساكنة قال قطرب‏ (6) : إذا كان بعد السين في نفس الكلمة طاء أو قاف أو خاء أو غين فلك أن تقلبها صادا. اَلْمُسْتَقِيمَ نعت للصراط.

صِرََاطَ اَلَّذِينَ بدل. و اَلَّذِينَ في موضع خفض بالإضافة و هو مبنيّ لئلا

____________

(1) يحيى بن وثّاب الأسدي الكوفي، تابعي ثقة، روى عن ابن عباس و ابن عمر (ت 103 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 2/380.

(2) و هذه قراءة عبيد بن عمير الليثي و زرّ بن جيش و النخعي أيضا، انظر البحر المحيط 1/141.

(3) انظر معاني القرآن للفراء 2/403، و الإنصاف مسألة 214.

(4) ابن عباس: عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، روى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و الصحابة. قرأ عليه مجاهد و سعيد ابن جبير (ت 98 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 1/425.

(5) انظر الحجة لابن خالويه 38، و البحر المحيط 1/143.

(6) قطرب: محمد بن المستنير، أخذ عن سيبويه و عيسى بن عمر (ت 206 هـ) . ترجمته في تاريخ بغداد 3/ 298، و طبقات النحويين 106.

21

يعرب الاسم من وسطه. أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ داخل في الصلة و الهاء و الميم يعود على الذين. و في «عليهم» خمس لغات قرئ بها كلّها. قرأ ابن أبي إسحاق‏ (1) أنعمت عليهمو (2) بضم الهاء و إثبات الواو، و هذا هو الأصل أن تثبت الواو كما تثبت الألف في التثنية. و قرأ الحسن أنعمت عليهمي (3) بكسر الهاء و إثبات الياء و كسر الهاء لأنه كره أن يجمع بين ياء و ضمة، و الهاء ليس بحاجز حصين و أبدل من الواو ياء لما كسر ما قبلها، و قرأ أهل المدينة عَلَيْهِمْ (4) بكسر الهاء و إسكان الميم، و هي لغة أهل نجد، و قرأ حمزة (5) و أهل الكوفة عَلَيْهِمْ بضم الهاء و إسكان الميم فحذفوا الواو لثقلها و إنّ المعنى لا يشكل إذ كان يقال في التثنية: عليهما، و اللغة الخامسة قرأ بها الأعرج عليهمو بكسر الهاء و الواو، و حكي لغتنا شاذّتان و هما ضمّ الهاء و الميم بغير واو و كسرهما بغير ياء. و قال محمد بن يزيد: و هذا لا يجوز لأنه مستقبل فإن قيل: فلم قيل: منه فضمّت الهاء؟فالجواب أن النون في «منه» ساكنة. قال أبو العباس: و ناس من بني بكر بن وائل يقولون: عليكم فيكسرون الكاف كما يكسرون الهاء لأنها مهموسة مثلها و هي إضمار كما أنّ الهاء إضمار، و هذا غلط فاحش لأنها ليست مثلها في الخفاء. غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ خفض على البدل من الذين و إن شئت نعتا. قال ابن كيسان: و يجوز أن يكون بدلا من الهاء و الميم في عليهم، و روى الخليل رحمه اللّه عن عبد اللّه بن كثير (6) غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ (7) بالنصب قال الأخفش: هو نصب على الحال، و إن شئت على الاستثناء قال أبو العباس: هو استثناء ليس من الأول. قال الكوفيون: لا يكون استثناء لأن بعده «و لا» ، و لا تزاد «لا» في الاستثناء. قال أبو جعفر: و ذا لا يلزم لأن فيه معنى النفي، و قال: «غير المغضوب عليهم» و لم يقل:

المغضوبين لأنه لا ضمير فيه. قال ابن كيسان: هو موحّد في معنى جمع و كذلك كل فعل المفعول إذا لم يكن فيه خفض مرفوع، نحو المنظور إليهم و المرغوب فيهم، و اَلْمَغْضُوبِ بإضافة غير إليه و عَلَيْهِمْ في موضع رفع لأنه اسم ما لم يسمّ فاعله.

____________

(1) ابن أبي إسحاق: عبد اللّه بن زيد بن الحارث الحضرمي البصري، أحد الأئمة في القراءات و العربية.

أخذ القراءة عن يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم. (ت 127 هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة 2/42، و غاية النهاية 1/410) .

(2) انظر مختصر في شواذ القرآن 1، و المحتسب 1/44. و البحر المحيط 1/146.

(3) انظر الحجة لابن خالويه 39، و الحجة للفارسي 1/42.

(4) حمزة بن حبيب أبو عمارة الكوفي، أحد القرّاء السبعة (ت 156 هـ) . ترجمته في (غاية النهاية 1/261) .

(5) انظر معاني الفراء 1/5.

(6) عبد اللّه بن كثير: أبو معبد عبد اللّه المكي الداري، إمام أهل مكة في القراءات و أحد السبعة (ت 120 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/443.

(7) انظر الحجة للفارسي 1/105.

22

وَ لاَ زائدة عند البصريين و بمعنى غير عند الكوفيين‏ (1) . و اَلضََّالِّينَ عطف على «المغضوب عليهم» و الكوفيون يقولون: نسق‏ (2) ، و سيبويه‏ (3) يقول: إشراك. و الأصل في الضّالين: الضاللين ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان و جاز ذلك لأن في الألف مدّة و الثاني مدغم، إلاّ أنّ أيّوب السّختياني‏ (4) همز فقرأ وَ لاَ اَلضََّالِّينَ (5) .

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/8.

(2) النّسق: العطف.

(3) انظر الكتاب 3/41.

(4) أيوب السختياني: هو فقيه أهل البصرة (ت 131 هـ) . ترجمته في شذرات الذهب 1/181.

(5) انظر مختصر ابن خالويه 1، و المحتسب 1/46، و البحر المحيط 1/151.

23

[2] شرح إعراب سورة البقرة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

من ذلك قوله عزّ و جلّ: الم... مذهب الخليل و سيبويه‏ (1) في «الم» و ما أشبهها أنها لم تعرب لأنها بمنزلة حروف التهجّي فهي محكيّة و لو أعربت ذهب معنى الحكاية و كان قد أعرب بعض الاسم، و قال الفراء: (2) إنما لم تعرب لأنك لم ترد أن تخبر عنها بشي‏ء، و قال أحمد بن يحيى‏ (3) : لا يعجبني قول الخليل فيها لأنك إذا قلت: زاي فليست هذه الزاي التي في زيد لأنك قد زدت عليها. قال أبو جعفر: هذا الرّدّ لا يلزم لأنك لا تقدر أن تنطق بحرف واحد حتى تزيد عليه. قال ابن كيسان:

«الم» في موضع نصب بمعنى اقرأ «الم» أو عليك «الم» و يجوز أن يكون موضعه رفعا بمعنى: هذا الم أو هو أو ذاك. ثم قال عزّ و جلّ:

ذََلِكَ فيه ستة أوجه: يكون بمعنى هذا ذلك الكتاب، فيكون خبر هذا و يكون بمعنى «الم ذلك» هذا قول الفراء (4) أي حروف المعجم ذلك الكتاب و اجتزئ ببعضها من بعض، و يكون هذا رفعا بالابتداء و اَلْكِتََابُ خبره، و الكوفيون يقولون: رفعنا هذا بهذا و هذا بهذا، و يكون «الكتاب» عطف البيان الذي يقوم مقام النعت و هُدىً

____________

(1) انظر الكتاب 3/284.

(2) انظر معاني الفراء 1/9.

(3) أحمد بن يحيى ثعلب: إمام الكوفيين في النحو و اللغة، حفظ كتب الفرّاء، و لازم ابن الأعرابي بضع عشرة سنة و اعتمد عليه في اللغة، و على سلمة بن عاصم في النحو. صنّف: المصون في النحو، و اختلاف النحويين، و معاني القرآن، معاني الشعر، القراءات، التصغير، الوقف و الابتداء، الهجاء، الأمالي، غريب القرآن، و غيره (ت 291 هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة 1/396، و طبقات الزبيدي 155) .

(4) انظر معاني الفراء 1/10.

24

خبرا، و يكون‏ لاََ رَيْبَ فِيهِ الخبر، و الكوفيون يقولون: الهاء العائدة الخبر. و الوجه السادس: أن يكون الخبر «لا ريب فيه» لأن معنى لا شكّ: حقّ، و يكون التمام على هذا لا ريب، و يقال: ذلك، و لغة تميم ذاك. و لم تعرب ذلك و لا هذا لأنها لا يثبتان على المسمّى. قال البصريون: اللاّم في ذلك توكيد، و قال الكسائي و الفراء: جي‏ء باللاّم في ذلك لئلا يتوهّم أنّ ذا مضاف إلى الكاف، و قيل: جي‏ء باللاّم بدلا من الهمزة و لذلك كسرت، و قال علي بن سليمان: جي‏ء باللاّم لتدل على شدة التراخي. قال أبو إسحاق‏ (1) : كسرت فرقا بينها و بين لام الجرّ و لا موضع للكاف. و الاسم عند البصريين «ذا» و عند الفراء (2) الذال. ثم قال اللّه جلّ و عزّ لاََ رَيْبَ فِيهِ نصب «ريب» لأن «لا» عند البصريين مضارعة لأنّ فنصبوا بها و أنّ «لا» لم تعمل إلاّ في نكرة لأنها جواب نكرة فيها معنى «من» بنيت مع النكرة فصيّرا شيئا واحدا، و قال الكسائي: سبيل النكرة أن يتقدمها أخبارها فتقول: قام رجل، فلما تأخّر الخبر في التبرئة (3) نصبوا و لم ينوّنوا لأنه نصب ناقص، و قال الفراء: سبيل «لا» أن تأتي بمعنى غير، تقول: مررت بلا واحد و لا اثنين، فلما جئت بها بغير معنى «غير» و ليس، نصبت بها و لم تنوّن لئلا يتوهّم أنك أقمت الصفة مقام الموصوف، و قيل: إنّما نصبت لأن المعنى: لا أجد ريبا، فلما حذفت الناصب حذفت التنوين، و يجوز لاََ رَيْبَ فِيهِ (4) تجعل «لا» بمعنى ليس.

و أنشد سيبويه: [مجزوء الكامل‏] 3-

من صدّ عن نيرانها # فأنا ابن قيس لابراح‏ (5)

فِيهِ هُدىً الهاء في موضع خفض بفي، و في الهاء خمسة أوجه: أجودها «فيه هدى» و يليه فِيهِ هُدىً (6) بضم الهاء بغير واو، و هي قراءة الزهري‏ (7) و سلاّم أبي المنذر (8)

____________

(1) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج ص 28.

(2) انظر الإنصاف مسألة 95، و البحر المحيط 1/154.

(3) التبرئة: النفي للجنس.

(4) انظر مختصر ابن خالويه 2، و البحر المحيط 1/160.

(5) الشاهد لسعد بن مالك في الأشباه و النظائر 8/109، و خزانة الأدب 1/467، و الدرر 2/112، و شرح أبيات سيبويه 2/8، و شرح التصريح 1/199، و شرح شواهد المغني ص 582، و شرح المفصل 1/ 109، و الكتاب 1/58، و المقاصد النحوية 2/150، و بلا نسبة في الإنصاف ص 367، و أوضح المسالك 1/285، و شرح الأشموني 125، و مغني اللبيب ص 239، و المقتضب 4/360.

(6) انظر مختصر ابن خالويه (2) ، و الحجة للفارسي 1/142.

(7) الزهري: أبو بكر محمد بن مسلم المدني، أحد الأئمة الكبار، تابعي، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، قرأ على أنس (ت 124 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 2/262.

(8) سلاّم بن سليمان أبو المنذر المزنيّ، ثقة و مقرئ كبير، أخذ القراءة عن عاصم و أبي عمرو. و قرأ عليه يعقوب الحضرمي. (ت 171 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/309.

25

و يليه فيهي هدى بإثبات الياء و هي قراءة ابن كثير، و يجوز فيهو هدى بالواو و يجوز فِيهِ هُدىً مدغما و الأصل «فيهو هدى» الاسم الهاء و زيدت الواو عند الخليل لأن الهاء خفيّة فقويت بحرف جلد متباعد منها و تبدل منها ياء لأن قبلها ياء أو يحذف لاجتماع الواو و الياء عند سيبويه‏ (1) ، و لاجتماع الساكنين عند أبي العباس، و كذا الياء، و يدغم لاجتماع هاءين و ليس بجيد، لأنّ حروف الحلق ليست أصلا بالإدغام و يجتمع ساكنان، و قال سيبويه:

إنّما زيدت الواو كما زيدت الألف في المؤنث. و في «هدى» ستة أوجه: تكون في موضع رفع خبرا عن ذلك، و على إضمار مبتدأ و على أن تكون خبرا بعد خبر، و على أن تكون رفعا بالابتداء. قال أبو إسحاق: يكون المعنى فيه هدى و لا ريب. فهذه أربعة أوجه. في الرفع، و يكون على وجه خامس و هو أن يكون، على موضع لا ريب فيه أي حق هدى، و يكون نصبا على الحال من ذلك و الكوفيون يقولون: قطع‏ (2) ، و يكون حالا من الكتاب و تكون حالا من الهاء، قال الفرّاء: بعض بني أسد يؤنّث الهدى فيقول: هذه هدى حسنة، و لم يعرب لأنه مقصور و الألف لا يحرّك. ثم قال جلّ و عزّ لِلْمُتَّقِينَ مخفوض باللاّم الزائدة، و لغة أهل الحجاز: فلان موتق. و هذا هو الأصل و التّقيّة أصلها الوقيّة من وقيت أبدلت من الواو تاء لأنها أقرب الزوائد إليها و قد فعلوا ذلك من غير أن يكون ثمّ تاء، كما حدّثنا عليّ بن سليمان عن محمد بن يزيد عن المازني قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر: [الرجز] 4-

فإن يكن أمسى البلى تيقوري‏ (3)

و قلت له: قال الخليل: هو فيعول من الوقار فأبدل من الواو تاء فقال: هذا قول الأشياخ و الأصل للمتّقين بياءين مخفّفتين و حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثم قال جلّ و عزّ:

اَلَّذِينَ : في موضع خفض نعت للمتقين و يجوز أن يكون نصب بمعنى أعني، و رفعا من جهتين بالابتداء، و الخبر أُولََئِكَ عَلى‏ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ و على إضمار «هم» .

يُؤْمِنُونَ بالهمز لأن أصل آمن: أأمن كره الجمع بين همزتين فأبدلت من الثانية ألف

____________

(1) انظر الكتاب 4/305.

(2) انظر معاني الفراء 1/12.

(3) الشاهد من أرجوزة للعجاج في ديوانه 1/340، و لسان العرب (هير) ، و شرح أبيات سيبويه 2/423، و الكتاب 4/332، و التنبيه و الإيضاح 2/229، و تهذيب اللغة 9/281، و كتاب المعين 5/207، و بلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب 1/146، و شرح المفصل 10/38، و المنصف 1/227، و المخصص 3/ 18، 7؛ 182.

26

فلما قلت: يؤمنون فزالت إحدى الهمزتين همزت على الأصل، و إن خفّفت قلت: يؤمنون بغير همز. و يؤمنون مثل يكرمون الأصل فيه يؤكرمون لأن سبيل المستقبل أن يكون زائدا على الماضي حرفا إلاّ أنه حذف منه الزائد لأن الضمّة تدلّ عليه و لو جئت به على الأصل لاجتمعت الهمزات. و المضمر في يؤمنون يعود على الذين، و هذيل تقول: الّذون في موضع الرفع، و من العرب من يقول: الذي في الجمع كما قال: [الطويل‏] 5-

أو إنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (1)

بِالْغَيْبِ مخفوض بالباء الزائدة و الباء متصل بيؤمنون وَ يُقِيمُونَ معطوف على يؤمنون و الأصل يقومون قلبت كسرة على القاف فانقلبت ياء، اَلصَّلاََةَ منصوبة بيقيمون، و جمعها صلوات، و صلاءة، و صلاوة. وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ «ما» في موضع خفض بمن و هي مصدر لا يحتاج إلى عائد، و يجوز أن يكون بمعنى الذي و تحذف العائد، و النون و الألف رفع بالفعل و الهاء و الميم نصب به و من متصلة بينفقون أي و ينفقون مما رزقناهم.

وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عطف على الذين الأولين بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ «ما» خفض بالباء و الضمير الذي في أنزل يعود على «ما» و هو اسم ما لم يسمّ فاعله و الكاف خفض بإلى و الأصل الاك أبدل من الألف ياء للفرق بين الألفات المتمكّنة، و التي ليست بمتمكنة و يلزمها الإضافة، و أجاز الكسائي حذف الهمزة و أن يقرأ: و ما أنزلّيك ، و شبّهه بقوله لََكِنَّا هُوَ اَللََّهُ رَبِّي [الكهف: 38]قال ابن كيسان: ليس مثله لأنّ النون من لكن ساكنة و اللام من أنزل متحركة. وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ عطف. و قَبْلِكَ مخفوض بمن و الكاف خفض بإضافة قبل إليها. وَ بِالْآخِرَةِ خفض بالباء و الباء متعلقة بيوقنون و هُمْ رفع بالابتداء و يُوقِنُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر.

أُولََئِكَ ابتداء و الخبر عَلى‏ََ هُدىً و أهل نجد يقولون: ألاّك‏ (2) ، و بعضهم

____________

(1) الشاهد للأشهب بن رميلة في خزانة الأدب 6/7، و شرح شواهد المغني 2/517، و الكتاب 1/187، و لسان العرب (فلج) ، و المؤتلف و المختلف ص 33، و المحتسب 1/185، و المقاصد النحوية 1/ 482، و المقتضب 4/146، و المنصف 1/67، و للأشهب أو لحريث بن مخفض في الدرر 1/148، و بلا نسبة في الأزهية ص 99، و خزانة الأدب 2/315، و الدرر 5/131، و رصف المباني ص 342، و سرّ صناعة الإعراب 2/537، و شرح المفصل 3/155، و مغني اللبيب 1/194.

(2) انظر همع الهوامع 1/74.

27

يقول: ألا لك، و (هدى) خفض بعلى: مِنْ رَبِّهِمْ خفض بمن، و الهاء و الميم خفض بالإضافة و يقال: كيف قرأ أهل الكوفة (عليهم) و لم يقرءوا «من ربّهم» «و لا» «فيهم» ؟ و الجواب أنّ «عليهم» الياء فيه منقلبة من ألف و الأصل علاهم قال: [الرجز] 6-

طارت علاهنّ فطر علاها (1)

فأقرّت الهاء على ضمتها، و ليس هذا في «فيهم» «و لا من ربّهم» وَ أُولََئِكَ رفع بالابتداء هُمُ ابتداء ثان اَلْمُفْلِحُونَ خبر الثاني و الثاني و خبره خبر الأول، و يجوز أن يكون «هم» زيادة، يسميها البصريون فاصلة (2) و يسميها الكوفيون عمادا (3)

و اَلْمُفْلِحُونَ خبر أولئك.

إِنَّ اَلَّذِينَ اَلَّذِينَ : نصب بإن و عملت إنّ لأنها أشبهت الفعل في الإضمار و يقع بعدها اسمان و فيها معنى التحقيق. كَفَرُوا صلة «الذين» و المضمر يعود على الذين. قال محمد بن يزيد سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ رفع بالابتداء: أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ الخبر و الجملة خبر «إنّ» أي أنهم تبالهوا حتى لم تغن فيهم النذارة و التقدير سواء عليهم الإنذار و تركه، أي سواء عليهم هذان، و جي‏ء بالاستفهام من أجل التسوية. قال ابن كيسان: يجوز أن يكون سواء خبر إنّ و ما بعده، يقوم مقام الفاعل، و يجوز أن يكون خبر إنّ «لا يؤمنون» أي إنّ الذين كفروا لا يؤمنون أَ أَنْذَرْتَهُمْ (4) فيه ثمانية أوجه: أجودها عند الخليل و سيبويه‏ (5)

تخفيف الهمزة الثانية و تحقيق الأولى. و هي لغة قريش و سعد بن بكر و كنانة، و هي قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و الأعمش أَ أَنْذَرْتَهُمْ (6) ، قال ابن كيسان: و روي عن ابن محيصن‏ (7) أنّه قرأ بحذف الهمزة الأولى سواء عليهم أنذرتهم (8) فحذف لالتقاء

____________

(1) الشاهد لرؤبة في ديوانه ص 168، و له أو لأبي النجم أو لبعض أهل اليمن في المقاصد النحوية 1/ 133، و لبعض أهل اليمن في خزانة الأدب 7/133، و شرح شواهد المغني 1/128 و بلا نسبة في لسان العرب (طير، و علا، و نجا) و خزانة الأدب 4/105، و الخصائص 2/269، و شرح شواهد الشافيه 355، و شرح المفصل 3/34، و قبله: «نادية و ناديا أباها» .

(2) انظر المقتضب 4/103.

(3) انظر مجالس ثعلب 53.

(4) انظر البحر المحيط 1/174.

(5) انظر الكتاب 4/29.

(6) انظر التيسير الداني ص 36، باب ذكر الهمزتين المتلاحقتين في كلمة.

(7) ابن محيصن: محمد بن عبد الرّحمن السهمي، مولاهم، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير، ثقة، عرض على مجاهد و ابن جبير (ت 123 هـ) ترجمته في غاية النهاية 2/167.

(8) انظر مختصر ابن خالويه (2) ، و المحتسب 1/50.

28

الهمزتين، و إن شئت قلت: لأن «أم» تدلّ على الاستفهام كما قال: [المتقارب‏] 7-

تروح من الحيّ أم تبتكر # و ماذا يضرّك لو تنتظر (1)

و روي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ أَ أَنْذَرْتَهُمْ (2) حقّق الهمزتين و أدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما. قال أبو حاتم: و يجوز أن يدخل بينهما ألفا و يخفف الثانية و أبو عمرو و نافع يفعلان ذلك كثيرا، و قرأ حمزة و عاصم و الكسائي بتحقيق الهمزتين أَ أَنْذَرْتَهُمْ و هو اختيار أبي عبيد، و ذلك بعيد عند الخليل و سيبويه يشبهه الثقل بضننوا. قال سيبويه‏ (3) : الهمزة بعد مخرجها و هي نبرة تخرج من الصدر باجتهاد، و هي أبعد الحروف مخرجا فثقلت لأنها كالتهوّع.

فهذه خمسة أوجه، و السادس قاله الأخفش قال: يجوز أن تخفّف الأولى من الهمزتين و ذلك ردي‏ء لأنهم إنّما يخفّفون بعد الاستثقال و بعد حصول الواحدة. قال أبو حاتم: و يجوز تخفيف الهمزتين جميعا. فهذه سبعة أوجه، و الثامن يجوز في غير القرآن لأنه مخالف للسواد. قال الأخفش سعيد: تبدل من الهمزة هاء فتقول «هانذرتهم» كما يقال: إيّاك و هيّاك: و قال الأخفش: في قول اللّه عزّ و جلّ «هأنتم» إنّما هو أ أنتم. و التاء في «أ أنذرتهم» في موضع رفع و فتحتها فرقا بين المخاطب و المخاطب، و الهاء و الميم نصحب بوقوع الفعل عليهما «أم لم تنذرهم» جزم بلم و علامة الجزم حذف الضمة من الراء، و الهاء و الميم نصب أيضا، لاََ يُؤْمِنُونَ فعل مستقبل و لا موضع للا من الإعراب.

خَتَمَ اَللََّهُ خَتَمَ : فعل ماض و اسم اللّه جلّ و عزّ مرفوع بالفعل، عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ مخفوض بعلى و الهاء و الميم خفض بالإضافة. وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ مثله. و لم لم يقل و «على أسماعهم» و قد قال «على قلوبهم» ففيه ثلاثة أجوبة: منها أن السمع مصدر فلم يجمع، و قيل: هو واحد يؤدي عن الجميع، و قيل: التقدير و على موضع سمعهم. وَ عَلى‏ََ أَبْصََارِهِمْ غِشََاوَةٌ رفع بالابتداء، و عند الكوفيين بالصفة. و روى المفضّل‏ (4) عن عاصم بن

____________

(1) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 154، و الأزهيّة ص 37، و لسان العرب (عبد) ، و بلا نسبة في رصف المعاني ص 45.

(2) انظر الحجة للفارسي 1/205.

(3) انظر الكتاب 4/29.

(4) المفضّل الضبي الكوفي: مقرئ نحوي، أخباري موثّق، من أجلّة أصحاب عاصم (ت 168 هـ) ، ترجمته في معرفة القراء الكبار 18.

29

بهدلة وَ عَلى‏ََ أَبْصََارِهِمْ غِشََاوَةٌ (1) بالنصب أضمر و جعل، و قرأ الحسن غشاوة (2)

بضم العين، و قرأ أبو حيوة غشاوة (3) بفتح. قال أبو جعفر: و أجودها غِشََاوَةٌ بكسر الغين كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملا على الشي‏ء نحو عمامة و قلادة، روي عن الأعمش غشوة ردّه إلى أصل المصدر. قال ابن كيسان، و هو النحويّ، فكلما قلنا: قال ابن كيسان فإيّاه نعني: يجوز غشوة و غشوة فإن جمعت غشاوة تحذف الهاء قلت: غشاء، و حكى الفراء غشاوى مثل أداوى. وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ رفع بالابتداء. عَظِيمٌ من نعته.

وَ مِنَ اَلنََّاسِ خفض بمن و فتحت النون و أنت تقول. من الناس، لأن قبل النون في «من» كسرة فحرّكوها بأخفّ الحركات في أكثر المواضع و رجعوا إلى الأصل في الأسماء التي فيها ألف الوصل، و يجوز في كل واحد منهما ما جاز في صاحبه و «الناس» اسم يجمع إنسانا و إنسانة و الأصل عند سيبويه‏ (4) أناس. قال الفراء: الأصل الأناس خففت الهمزة ثم أدغمت اللام في النون، قال الكسائي: هما لغتان ليست إحداهما أولى من الأخرى. يدلّ على ذلك أن العرب تصغّر ناسا نويسا و لو كان ذلك الأصل لقالوا: أنيس. وَ مََا هُمْ على المعنى و «هم» اسم «ما» على لغة أهل الحجاز و مبتدأ على لغة بني تميم بِمُؤْمِنِينَ خفض بالباء، و هي توكيد عند البصريين و جواب لمن قال: إنّ زيدا لمنطلق عند الكوفيين.

يُخََادِعُونَ فعل مستقبل، و كذا وَ مََا يَخْدَعُونَ و لا موضع لها من الإعراب إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ مفعول. وَ مََا يَشْعُرُونَ مثل الأول.

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ رفع بالابتداء فَزََادَهُمُ اَللََّهُ مَرَضاً مفعولان، و بعض أهل الحجاز يميل «فزادهم» ليدلّ على أنه من زدت وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ جمع «أليم» إلام و ألماء مثل كريم و كرماء، و يقال: ألآم مثل أشراف. بِمََا كََانُوا «ما» خفض بالباء يَكْذِبُونَ في موضع نصب على خبر كان.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه (2) ، و معاني القرآن للفراء 1/13.

(2) انظر مختصر ابن خالويه (2) ، و البحر المحيط 1/177.

(3) انظر البحر المحيط 1/177 و هي قراءة الأعمش أيضا.

(4) انظر الكتاب 2/197.

30

وَ إِذََا في موضع نصب على الظرف. قِيلَ لَهُمْ فعل ماض، و يجوز قِيلَ لَهُمْ بالإدغام. و جاز الجمع بين ساكنين لأن الياء حرف مدّ و لين و الأصل: قول ألقيت حركة الواو على القاف فانكسر ما قبل الواو فقلبت ياء. قال الأخفش: و يجوز قيل بضم القاف و بالياء، و مذهب الكسائي إشمام القاف الضّم ليدلّ على أنّه لما لم يسمّ فاعله و هي لغة كثير من قيس، فأما هذيل و بنو دبير (1) من بني أسد و بنو فقعس فيقولون: قول بواو ساكنة «لهم» الهاء و الميم خفض باللام‏ (2) . لاََ تُفْسِدُوا جزم بلا و علامة الجزم حذف النون. فِي اَلْأَرْضِ خفض بفي، و إن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على اللام و حذفتها و لم تحذف ألف الوصل لأن الحركة عارضة فقلت: الأرض، و حكى الكسائي أللرض لمّا خفّفت الهمزة فحذفها أبدل منها لاما. قال الفراء: لمّا خفّفت الهمزة تحركت اللام فكره حركتها لأنّ أصلها السكون زاد عليها لاما أخرى ليسلم السكون. قََالُوا إِنَّمََا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ابتداء و خبر، و «ما» عند سيبويه‏ (3) كافّة لأنّ عن العمل، فأما ضمّ «نحن» ففيه أقوال للنحويين قال هشام‏ (4) : الأصل نحن قلبت حركة الحاء على النون و أسكنت الحاء، و قال محمد بن يزيد: نحن مثل قبل و بعد لأنها متعلقة بالإخبار عن اثنين و أكثر قال أحمد بن يحيى: هي مثل حيت تحتاج إلى شيئين بعدها. قال أبو إسحاق الزجاج‏ (5) : «نحن» للجماعة و من علامة الجماعة الواو، و الضمة من جنس الواو فلما اضطروا إلى حركة نحن لالتقاء الساكنين حرّكوها بما يكون للجماعة قال: و لهذا ضمّوا واو الجمع في قول‏ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدى‏ََ [البقرة: 16]و قال عليّ بن سليمان: نحن يكون للمرفوع فحرّكوها بما يشبه الرفع.

أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْمُفْسِدُونَ كسرت «إنّ» لأنها مبتدأة. قال عليّ بن سليمان: يجوز فتحها كما أجاز سيبويه‏ (6) : حقا أنّك منطلق بمعنى «ألا» و الهاء و الميم اسم «إنّ» و «هم» مبتدأ و «المفسدون» خبر المبتدأ، و المبتدأ و خبره خبر «إنّ» و يجوز أن يكون «هم»

____________

(1) بنو دبير: بطن من أسد من خزيمة من العدنانية (جمهرة أنساب العرب 195) .

(2) انظر: البحر المحيط 1/191.

(3) انظر الكتاب 3/149.

(4) هشام بن معاوية الضرير يكنى أبا عبد اللّه، صاحب الكسائي. (ت 209 هـ) ترجمته في غاية النهاية 2/ 354.

(5) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 51.

(6) انظر الكتاب 3/140.

31

توكيدا للهاء و الميم، و يجوز أن يكون فاصلة و الكوفيون يقولون: عماد.

وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا ألف قطع لأنك تقول: يؤمن كَمََا آمَنَ اَلنََّاسُ الكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف أي إيمانا كإيمان الناس. قََالُوا أَ نُؤْمِنُ كَمََا آمَنَ اَلسُّفَهََاءُ أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلسُّفَهََاءُ فيه أربعة أقوال أجودها أن تخفّف الهمزة الثانية فتقلبها واوا خالصة و تحقّق الأولى فتقول السّفهاء و لا (1) و هي قراءة أهل المدينة و المعروف من قراءة أبي عمرو، و إن شئت خفّفتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة و الألف و جعلت الثانية واوا خالصة، و إن شئت خفّفت الأولى و حقّقت الثانية و إن شئت حقّقتها جميعا.

وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا الأصل لقيوا حذفت الضمّة من الياء لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، و قرأ محمد بن السّميفع اليمانيّ و إذا لاقوا الذين آمنوا (2) ، و الأصل لاقيوا، فإن قيل: لم ضمّت الواو من «لاقوا» في الإدراج و حذفت من «لقوا» ؟فالجواب أنّ قبل الواو التي في لقوا ضمّة تدلّ عليها فحذفت لالتقاء الساكنين و حرّكت في «لاقوا» لأن قبلها فتحة. اَلَّذِينَ في موضع نصب بالفعل آمَنُوا داخل في الصلة. قََالُوا آمَنََّا جواب إذا. وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على الواو و حذفتها كما يقرأ أهل المدينة، «شياطينهم» خفض بإلى و هو جمع مكسر فلذلك لم تحذف منه النون بالإضافة، و الهاء و الميم خفض بالإضافة. قََالُوا إِنََّا مَعَكُمْ الأصل إنّنا حذفت منه لاجتماع النونات «معكم» نصب بالاستقرار و من أسكن العين جعل «مع» حرفا. إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ مبتدأ و خبر فإن خفّفت الهمزة فسيبويه‏ (3) يجعلها بين الهمزة و الواو و حجّته أنّ حركتها أولى بها، و زعم الأخفش أنه يجعلها ياء محضة فيقول:

مستهزيون (4) قال الأخفش: أفعل في هذا كما فعلت في قوله: «السفهاء و لا» قال محمد بن يزيد ليس كما قال الأخفش لأن قوله: «السفهاء الا» لو جئت بها بين بين كنت تنحو بها نحو الألف، و الألف لا يكون ما قبلها إلاّ مفتوحا فاضطررت إلى قلبها

____________

(1) انظر تيسير الداني ص 40.

(2) انظر مختصر ابن خالويه (2) .

(3) انظر الكتاب 4/24.

(4) انظر مختصر ابن خالويه (2) .

32

واوا و ليس كذا مستهزئون، و من أبدل الهمزة قال: مستهزون و على هذا كتبت في المصحف.

اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «يستهزئ» : فعل مستقبل في موضع خبر الابتداء، و الهاء و الميم في موضع خفض بالباء. وَ يَمُدُّهُمْ عطف على يستهزئ و الهاء و الميم في موضع نصب بالفعل فِي طُغْيََانِهِمْ يَعْمَهُونَ في موضع الحال.

أُولََئِكَ مبتدأ، اَلَّذِينَ خبر. اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدى‏ََ في صلة الذين و في ضم الواو أربعة أقوال، قول سيبويه‏ (1) : أنّها ضمّت فرقا بينها و بين الواو الأصلية نحو وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا عَلَى [الجن: 16]و قال الفراء: كان يجب أن يكون قبلها واو مضمومة لأنها واو جمع فلمّا حذفت الواو التي قبلها و احتاجوا إلى حركتها حرّكوها بحركة التي حذفت. قال ابن كيسان: الضمة في الواو أخفّ من غيرها لأنها من جنسها، قال أبو إسحاق‏ (2) : هي واو جمع حرّكت بالضم كما فعل في نحن، و قرأ ابن أبي إسحاق و يحيى بن يعمر (3) اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ (4) بكسر الواو و على الأصل لالتقاء الساكنين: و روى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السّمال‏ (5) العدويّ أنه قرأ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بفتح الواو (6) و لخفّة الفتحة و أنّ قبلها مفتوحا، و أجاز الكسائي اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بضم الواو (7) كما يقال: أُقِّتَتْ [المرسلات: 11]و أدؤر. قال أبو جعفر:

و هذا غلط لأن همزة الواو إذا انضمّت إنّما يجوز فيها إذا انضمّت لغير علّة. فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ رفع بربحت. وَ مََا كََانُوا مُهْتَدِينَ (8) نصب على خبر كان، و الفراء يقول:

حال غير مستغنى عنها. قال ابن كيسان: يجوز تجارة و تجاير و ضلالة و ضلايل.

____________

(1) انظر الكتاب 4/192، و هو قول الخليل.

(2) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 52.

(3) يحيى بن يعمر أبو سليمان العدواني البصري، تابعي فقيه أديب نحويّ أخذ النحو عن أبي الأسود، (ت 129 هـ) . ترجمته في (بغية الوعاة 2/345، و طبقات الزبيدي 21، و غاية النهاية 2/381) .

(4) انظر مختصر ابن خالويه (2) ، و المحتسب 1/54.

(5) قعنب بن أبي قعنب أبو السّمّال العدوي البصري، له اختيار في القراءة شاذ عن العامة، انظر غاية النهاية (2/27) .

(6) انظر البحر المحيط 1/204.

(7) انظر المحتسب 1/55، و مختصر ابن خالويه (2) .

(8) انظر البحر المحيط 1/207.

33

ابتداء. كَمَثَلِ اَلَّذِي خبره و الكاف بمعنى مثل و اَلَّذِي خفض بالإضافة.

اِسْتَوْقَدَ نََاراً صلته. فَلَمََّا أَضََاءَتْ مََا حَوْلَهُ «ما» : في موضع نصب بمعنى الذي و كذا إن كانت نكرة إلاّ أنّ النعت يلزمها إذا كانت نكرة و إن كانت زائدة فلا موضع لها.

و حَوْلَهُ : ظرف مكان و الهاء في موضع خفض بإضافته إليها. ذَهَبَ اَللََّهُ بِنُورِهِمْ و أذهب نورهم بمعنى واحد. وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ و قرأ أبو السّمال وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ (1)

بإسكان اللام حذف الضمة لثقلها، و من أثبتها فللفرق بين الاسم و النعت، و يقال:

«ظلمات» بفتح اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنّها أخفّ، و قال الكسائي: ظلمات جمع الجمع جمع ظلم: لاََ يُبْصِرُونَ فعل مستقبل في موضع الحال.

على إضمار مبتدأ أي هم صمّ: بُكْمٌ عُمْيٌ و في قراءة عبد اللّه‏ (2) و حفصة (3)

صمّا بكما عميا (4) لأنّ المعنى و تركهم غير مبصرين صما بكما عميا، و يكون أيضا بمعنى أعني.

الأصل عند البصريين‏ (5) صيوب ثم أدغم مثل ميّت، و عند الكوفيين الأصل صويب ثم أدغم و لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز إدغام طويل. و جمع صيّب صيايب و التقدير في العربية: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل صيب. فِيهِ ظُلُمََاتٌ ابتداء. وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ معطوف عليه. يَجْعَلُونَ مستأنف و إن شئت كان حالا من الهاء التي في «فيه» فإن قيل: كيف يكون حالا و لم يعد على الهاء شي‏ء؟فالجواب أنّ

____________

(1) انظر المحتسب 1/56، و مختصر ابن خالويه (2) .

(2) عبد اللّه بن مسعود بن الحارث الهذلي، أحد السابقين للإسلام و البدريين، عرض القرآن على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم (ت 32 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 1/458.

(3) حفصة بنت عمر بن الخطاب، جليلة، من أزواج الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم. روى لها البخاري و مسلم في الصحيحين (ت 45 هـ) . ترجمتها في الإصابة تر (296) ج 4/273.

(4) انظر مختصر ابن خالويه (2) ، و معاني الفراء 1/6.

(5) انظر الإنصاف مسألة 115، و البحر المحيط 1/218.

34

التقدير في صواعقه مثل‏ يُصْهَرُ بِهِ مََا فِي بُطُونِهِمْ وَ اَلْجُلُودُ [الحج: 20]. أَصََابِعَهُمْ في واحد الأصابع خمس لغات يقال: إصبع بكسر الهمزة و فتح الباء، و يقال إصبع بفتح الهمزة و كسر الباء، و يقال: بفتحهما جميعا و بكسرهما جميعا و بضمّهما جميعا. و هي مؤنّثة و كذلك الأذن. و روي عن الحسن أنه قرأ من الصّواقع (1) و هي لغة تميم و بعض ربيعة. حَذَرَ اَلْمَوْتِ و يقال: حذار قال سيبويه‏ (2) : هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله و حقيقته أنه مصدر، و أنشد سيبويه: [الطويل‏] 8-

و أغفر عوراء الكريم ادّخاره # و أعرض عن شتم اللّئيم تكرّما (3)

وَ اَللََّهُ مُحِيطٌ بِالْكََافِرِينَ ابتداء و خبره.

يَكََادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصََارَهُمْ و يجوز في غير القرآن يكاد أن يفعل كما قال: [الرجز] 9-

قد كاد من طول البلى أن يمصحا (4)

و في «يخطف» سبعة أوجه القراءة الفصيحة يَخْطَفُ ، و قرأ عليّ بن الحسين و يحيى بن وثّاب يَكََادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصََارَهُمْ (5) بكسر الطاء قال سعيد الأخفش:

هي لغة. و قرأ الحسن‏ (6) و قتادة (7) و عاصم الجحدري و أبو رجاء العطاردي‏ (8) يَكََادُ اَلْبَرْقُ يَخْطَفُ بفتح الياء و كسر الخاء و الطاء، و روي عن الحسن أنّه قرأ بفتح الخاء.

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 3.

(2) انظر الكتاب 1/435، و البحر المحيط 1/223.

(3) الشاهد لحاتم الطائي في ديوانه ص 224، و الكتاب 1/435، و خزانة الأدب 3/123، و شراح أبيات سيبويه 1/45، و شرح شواهد المغني 2/952، و شرح المفصل 2/54، و اللمع ص 141، و المقاصد النحوية 3/75؛ و نوادر أبي زيد ص 110، و بلا نسبة في أسرار العربية ص 187، و خزانة الأدب 3/ 115، و شرح ابن عقيل ص 296، و المقتضب 2/348.

(4) الشاهد لرؤبة في ملحق ديوانه ص 172، و الدرر 2/142، و شرح شواهد الإيضاح ص 99، و شرح المفصّل 7/121، و بلا نسبة في أدب الكاتب 419، و أسرار العربية ص 5، و تخليص الشواهد ص 329، و المقتضب 3/7 و همع الهوامع 1/130، و ديوان الأدب 2/198.

(5) انظر مختصر ابن خالويه 3، و البحر المحيط 1/227، و هي قراءة مجاهد أيضا.

(6) قراءة الحسن في البحر المحيط 1/227.

(7) قتادة: ابن دعامة السدوسي، أحد الأئمة في حروف القرآن، (ت 117 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 2/25.

(8) أبو رجاء العطاردي: عمران بن تيم البصري التابعي، أسلم في حياة الرسول و عرض القرآن على ابن عباس (ت 105 هـ) . ترجمته في (غاية النهاية 1/604) .

35

قال الفراء (1) : و قرأ بعض أهل المدينة بتسكين الخاء و تشديد الطاء، و قال الكسائي و الأخفش و الفراء: يجوز يَخْطَفُ بكسر الياء و الخاء و الطاء، فهذه ستة أوجه موافقة للسواد، و السابع حكاه عبد الوارث قال: رأيت في مصحف أبيّ‏ (2) يكاد البرق يتخطّف أبصارهم زعم سيبويه و الكسائي أنّ من قرأ يَخْطَفُ بكسر الخاء و الطاء فالأصل عنده «يختطف» ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان و كسر الخاء لالتقاء الساكنين. قال سيبويه‏ (3) : و من فتحها ألقى حركة التاء عليها، قال الفراء (4) : هذا خطأ و يلزم من قاله أن يقول في يمدّ: يمدّ لأن الميم كانت ساكنة و أسكنت الدال بعدها و في يعضّ يعضّ، قال الفراء (5) : و إنما الكسر لأن الألف في «اختطف» مكسورة. قال أبو جعفر: قال أصحاب سيبويه‏ (6) : الذي قال الفراء لا يلزم لأنه لو قيل: يمدّ و يعضّ لأشكل بيفعل، و يفتعل لا يكون إلاّ على جهة واحدة. قال الكسائي: من قال: يخطف كسر الياء لأن الألف في اختطف مكسورة. فأما ما حكاه الفراء (7) عن أهل المدينة من إسكان الخاء و الإدغام فلا يعرف و لا يجوز لأنه جمع بين ساكنين. كُلَّمََا :

منصوب لأنه ظرف و إذا كانت كلّما بمعنى إذا فهي موصولة. قال الفراء: يقال: أضاءك و ضاءك و يجوز «لذهب بسمعهم» مدغما. وَ أَبْصََارِهِمْ عطف عليه إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ اسم إنّ و خبرها.

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ ... يََا أَيُّهَا يا: حرف النداء، و أيّ: نداء مفرد ضمّ لأنه في موضع المكنيّ، و كان يجب أن لا يعرب فكرهوا أن يخلوه من حركة لأنه قد كان متمكنا فاختاروا له الضمة لأن الفتحة تلحق المعرب في النداء و الكسرة تلحق المضاف إليه، و أجاز أبو عثمان المازني «يا أيّها الناس» : على الموضع كما يقال: يا زيد الظّريف. و زعم الأخفش أن «الناس» في صلة أيّ و «هاء» للتنبيه إلا أنّها لا تفارق أيّا لأنها عوض من الإضافة. و لغة بعض بني مالك‏ (8) من بني أسد «يا أيه الرجل» بضم

____________

(1) انظر مختصر في شواذ القرآن 3، و معاني القرآن للفراء 1: 18.

(2) أبيّ بن كعب: من الخزرج، صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، و لما أسلم كان من كتّاب الوحي، شهد بدرا و أحدا و الخندق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. اشترك في جمع القرآن بتكليف من عثمان بن عفّان، و له في الصحيحين و غيرهما (164 حديثا) (ت 21 هـ/642 م) . ترجمته في (طبقات ابن سعد 3، و غاية النهاية 1/31، و صفة الصفوة 1/188، و حلية الأولياء 1/250) .

(3) انظر الكتاب 3/10.

(4) انظر معاني الفراء 1/18.

(5) انظر الكتاب 3/10.

(6) أصحاب سيبويه: هم تلاميذه و أشهرهم الأخفش سعيد بن مسعدة، و قطرب محمد بن المستنير.

(7) انظر معاني الفراء 1/18.

(8) انظر البحر المحيط 1/231.

36

الهاء لما كانت الهاء لازمة حركتها حرّكها بحركة أيّ اَلنََّاسُ تابع لأيّ كالنعت كما ينعت، لا يجوز نصبه عند أبي العباس لأنه لا يستغنى عنه فصار كما تقول: يا ناس، اُعْبُدُوا ألف وصل لأنه من يعبد و ضممتها و الأصل الكسر لئلا تجمع بين كسرة و ضمة. قال سيبويه‏ (1) : ليس في الكلام «فعل» و حذف النون للجزم عند الكوفيين و لأنه لم يضارع عند البصريين، رَبَّكُمُ نصب باعبدوا. اَلَّذِي نعت له. خَلَقَكُمْ في الصلة و الكاف و الميم نصب بالفعل. وَ اَلَّذِينَ عطف على الكاف و الميم. مِنْ قَبْلِكُمْ في الصلة. لَعَلَّكُمْ الكاف و الميم اسم لعلّ. تَتَّقُونَ فعل مستقبل علامة رفعه النون و هو في موضع خبر لعل.

اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً ... اَلَّذِي : نعت لربكم و إن شئت كان نعتا للذي خلقكم، و صلح أن يقال نعت للنعت لأن النعت هو المنعوت في المعنى، و يجوز أن يكون منصوبا بتتقون، و يجوز أن يكون بمعنى أعني، و أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف و يجوز «جعل لكم» (2) مدغما لأن الحرفين مثلان قد كثرت الحركات، و ترك الإدغام أجود لأنها من كلمتين. اَلْأَرْضَ فِرََاشاً مفعولان لجعل.

وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً عطف، و السماء تكون جمعا لسماوة و سماءة، و تكون واحدة مؤنّثة مثل عناق و تذكيرها شاذّ، و جمعها سماوات و سماءات و أسم و سمايا، وَ اَلسَّمََاءَ : المطر، مذكّر، و كذلك السقف في المستعمل، و جمعها أسمية و سميّ و سميّ‏ (3) . «و بناء» يقصر على أنه جمع بنية و مصدر، و يقال: بنيّ جمع بنية و في الممدود في الوقف خمس لغات: أجودها و «السماء بناء» بهمزة بين ألفين و يجوز تخفيف الهمزة حتى تضعف، و يجوز حذفها لقربها من الساكن و هي بين ساكنين فإذا حذفتها حذفت الألف بعدها فقلت: «بنا» لفظه كلفظ المقصور، و من العرب من يزيد بعده في صورته مدّة، و منهم من يعوض من الهمزة ياء فيقول: بنيت بنايا، و البصريون يقولون: هو مشبّه بخطايا، و الفراء يقول: ردت الهمزة إلى أصلها لأن أصلها الياء. وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً و الأصل في ماء موه قلبت الواو ألفا لتحرّكها و تحرّك ما قبلها فقلت: ماه، فالتقى حرفان خفيّان فأبدلت من الهاء همزة لأنها أجلد و هي بالألف أشبه فقلت: ماء؛ فالألف الأولى عين الفعل و بعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء و بعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو

____________

(1) الكتاب: 4/368.

(2) انظر البحر المحيط 1/237.

(3) اللسان (سما) .

37

الحس عليّ: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين و إن شئت بثلاث فإذا جمعوا أو صغّروا ردّوا إلى الأصل فقالوا: مويه و أمواه و مياه مثل: أجمال و جمال. فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ جمع ثمرة؛ و يقال: ثمر مثل شجر، و يقال: ثمر مثل خشب، و يقال ثمر مثل بدن و ثمار مثل إكام. رِزْقاً لَكُمْ مفعول. فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً «تجعلوا» جزم بالنهي فلذلك حذفت منه النون «أندادا» مفعول أول و «للّه» في موضع الثاني. وَ أَنْتُمْ مبتدأ. تَعْلَمُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر و الجملة في موضع الحال.

وَ إِنْ كُنْتُمْ في موضع جزم بالشرط. فِي رَيْبٍ خفض بفي مِمََّا نَزَّلْنََا «ما» خفض بمن و العائد عليها محذوف لطول الاسم أي ما نزّلناه. عَلى‏ََ عَبْدِنََا خفض بعلى.

فَأْتُوا جواب الشرط، و إن شئت قلت مجازاة. قال ابن كيسان: قصرت فأتوا لأنه من باب المجي‏ء، و حكى الفراء في قراءته فتوا فيجوز فتوا. بِسُورَةٍ خفض الباء. مِنْ مِثْلِهِ خفض بمن. وَ اُدْعُوا شُهَدََاءَكُمْ نصب بالفعل، جمع شهيد. يقال: شاهد و شهيد مثل قادر و قدير.

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يقال: كيف دخلت «إن» على «لم» و لا يدخل عامل على عامل؟ فالجواب أنّ «إن» هنا غير عاملة في اللفظ فدخلت على «لم» كما تدخل على الماضي لأنها لا تعمل في لم كما لا تعمل في الماضي فمعنى «إن لم تفعلوا» إن تركتم الفعل.

قال الأخفش سعيد: إنّما جزموا بلم لأنها نفي فأشبهت «لا» في قولك: لا رجل في الدار، فحذفت بها الحركة كما حذفت التنوين من الأسماء، و قال غيره: جزمت بها لأنها أشبهت إن التي للشرط لأنها تردّ المستقبل إلى الماضي كما تردّ «إن» فتحتاج إلى جواب فأشبهت الابتداء، و الابتداء يلحق به الأسماء الرفع و هو أولى بالأسماء فكذا حذف مع «إن» لأن أولى ما للأفعال السكون. وَ لَنْ تَفْعَلُوا نصب بلن و علامة نصبه حذف النون، و استوى النصب و الجزم في الأفعال لأنهما فرعان و هما بمنزلة النصب و الخفض في الأسماء و حكي عن الخليل رحمه اللّه: أن أصل «لن» «لا» . و إن ردّ عليه هذا سيبويه و قال: لو كان كذا لما جاز: زيدا لن أضرب‏ (1) . قال أبو عبيدة (2) : من

____________

(1) انظر الكتاب 1/190.

(2) أبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي، من اللغويين البصريين (ت 210 هـ) . ترجمته في طبقات الزبيدي 192، و نزهة الألباء 84.

38

العرب من يجزم بلن كما يجزم بلم. فَاتَّقُوا اَلنََّارَ جواب الشرط في الفاء و ما بعدها و لغة تميم و أسد «فتقوا النّار» ، و حكي سيبويه‏ (1) : تقى يتقي، اَلنََّارَ مفعوله. اَلَّتِي من نعتها. وَقُودُهَا مبتدأ. اَلنََّاسُ خبر وَ اَلْحِجََارَةُ عطف عليهم. أُعِدَّتْ فعل ماض و التاء علامة التأنيث أسكنت عند البصريين لأنها حرف جاء لمعنى، و عند الكوفيين أنك لمّا ضممت تاء المخاطب و فتحت تاء المخاطب المذكر و كسرت تاء المؤنث و بقيت هذه التاء كان ترك العلامة لها علامة، و اسم ما لم يسمّ فاعله مضمر في أعدّت. لِلْكََافِرِينَ خفض باللام الزائدة، و قرأ الحسن و مجاهد (2) و طلحة بن مصرّف‏ (3) اَلَّتِي وَقُودُهَا (4) ، بضمّ الواو. و قال الكسائي و الأخفش سعيد: الوقود بفتح الواو الحطب و الوقود بضمها الفعل، قال أبو جعفر يجب على هذا أن لا يقرأ إلاّ وقودها بفتح الواو لأنّ المعنى حطبها. إلا أنّ الأخفش قال: و حكي أنّ بعض العرب يجعل الوقود و الوقود جميعا بمعنى الحطب و المصدر، و ذهب إلى أن الأول أكثر قال:

كما أنّ الوضوء الماء و الوضوء المصدر.

أَنَّ : في موضع نصب و المعنى بأن لهم. قال الكسائي و جماعة من البصريين:

«أنّ» في موضع خفض بإضمار الباء. جَنََّاتٍ في موضع نصب اسم أنّ و كسرت التاء عند البصريين لأنه جمع مسلّم فوجب أن يستوي خفضه و نصبه كما كان في المذكر جائزا. تَجْرِي في موضع نصب نعت للجنات، و مرفوع لأنه فعل مستقبل، و حذفت الضمة من الياء لثقلها معها. اَلْأَنْهََارُ مرفوع بتجري. كُلَّمََا ظرف. قََالُوا هََذَا مبتدأ. و اَلَّذِينَ خبره، و يجوز أن يكون هذا هو الذي. رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ غاية (5) مبني على الضمّ لأنه قد حذف منه، و هو ظرف يدخله النصب و الخفض في حال سلامته فلما اعتلّ بالحذف أعطي حركة لم تكن تلحقه، و قيل: أعطي الضمة لأنها غاية الحركات وَ أُتُوا بِهِ فعلوا من أتيت مُتَشََابِهاً على الحال. أَزْوََاجٌ مرفوع بالابتداء.

____________

(1) انظر الكتاب 4/229، و البحر المحيط 1/249.

(2) مجاهد بن جبر مولى عبد اللّه بن السائب القارئ الفقيه الزاهد روى عن ابن عباس (ت 102 هـ) .

ترجمته في غاية النهاية 2/41.

(3) طلحة بن مصرف بن عمر الكوفي، تابعي، له اختيار في القراءة ينسب إليه، أخذ القراءة عرضا عن إبراهيم بن يزيد النخعي و الأعمش (ت 112 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/343.

(4) انظر مختصر ابن خالويه 4، و انظر البحر المحيط 1/249.

(5) انظر الكتاب 3/317.

39

مُطَهَّرَةٌ نعت و واحد الأزواج زوج. قال الأصمعي، و لا تكاد العرب تقول: زوجة.

قال أبو جعفر (1) : حكى الفراء أنه يقال: زوجة و أنشد: [الطويل‏] 10-

إنّ الذي يمشي يحرش زوجتي # كماش إلى أسد الشّرى يستبيلها (2)

وَ هُمْ مبتدأ، خََالِدُونَ خبره و الظرف ملغى، و يجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال.

إِنَّ اَللََّهَ اسم «إنّ» و الجملة الخبر. لغة تميم و بكر بن وائل. لا يستحى بياء واحدة و هكذا قرأ ابن كثير و ابن محيصن و شبل‏ (3) و فيه قولان: قال الخليل:

أسكنت الياء الأولى كما سكنت في «باع» و سكنت الثانية لأنها لام الفعل، قال سيبويه‏ (4) و قال غيره: لمّا كسر و كانتا ياءين حذفوها و ألقوا حركتها على الحاء. قال أبو جعفر: شرح قول الخليل أنّ الأصل استحيا فأعلّه من جهتين أعلّ الياء الأولى كما يقال: استباع، و أعلّ الثانية كما يقال: يرمي فحذف الأولى لئلا يلتقي ساكنان، و هذا بعيد جدا لأنهم يجتنبون الإعلال من جهتين. و القول الآخر هو قول سيبويه سمعت أبا إسحاق يقول: إذا قال سيبويه بعد قول الخليل: و قال غيره فإنما يعني نفسه و لا يسمّي نفسه بعد الخليل إجلالا منه له، و شرح قول سيبويه أنّ الأصل: استحيا كثر استعمالهم إيّاه فحذفوا الياء الأولى و ألقوا حركتها على الحاء فأشبه افتعل نحو اقتضى فصرفوه تصريفه فقالوا: استحى يستحي. أَنْ يَضْرِبَ في موضع نصب أي من أن يضرب.

مَثَلاً منصوب بيضرب. مََا بَعُوضَةً في نصبها ثلاثة أوجه: تكون «ما» زائدة و «بعوضة» بدلا من مثل، و يجوز أن تكون «ما» في موضع نصب نكرة و «بعوضة» نعتا لما، و صلح أن تكون نعتا لأنها بمعنى قليل، و الوجه الثالث قول الكسائي و الفراء (5)

قالا: التقدير: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة حذفت «بين» و أعربت بعوضة بإعرابها

____________

(1) انظر البحر المحيط 1/251.

(2) الشاهد للفرزدق في ديوانه 61، و لسان العرب (زوج) و (بول) ، و إصلاح المنطق 331، و بلا نسبة في ديوان الأدب 3/308 و المذكّر و المؤنث للأنباري ص 375، و المذكر و المؤنث للفراء ص 95، و في الديوان:

«و إنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي»

(3) شبل بن عياد أبو داود المكي، مقرئ مكة، ثقة، هو أجلّ أصحاب ابن كثير (ت 160 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 1/323.

(4) انظر الكتاب 4/540.

(5) انظر معاني الفراء 1/22.

40

و الفاء بمعنى «إلى» أي إلى ما فوقها، و معنى ضربت له مثلا مثّلت له مثلا و هذه الأبنية على ضرب واحد أي على مثال واحد فَمََا فَوْقَهََا عطف على «ما» الأولى، و حكي أنه سمع رؤبة يقرأ إنّ اللّه لا يستحي أن يضرب مثلا مّا بعوضة (1) بالرفع و هذه لغة تميم، جعل «ما» بمعنى الذي و رفع بعوضة على إضمار ابتداء و الحذف في «ما» أقبح منه في الذي لأن الذي إنّما له وجه واحد و الاسم معه أطول. فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا «الذين» :

رفع بالابتداء و خبره ما بعد الفاء فلا بدّ من الفاء في جواب أَمَّا لأن فيها معنى الشرط أي مهما يكن من شي‏ء فالأمر كذا. فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ «أنّ» في موضع نصب بيعلمون و الهاء اسمها و الحق خبرها. مِنْ رَبِّهِمْ خفض بمن. وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا و لغة تميم و بني عامر «أيما» يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف و على هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة: [الطويل‏] 11-

رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت # فيضحى و أيما بالعشيّ فيخصر (2)

فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً إن شئت جعلت «ما» و «ذا» شيئا واحدا في موضع نصب بأراد. قال ابن كيسان: و هو أجود و إن شئت جعلت «ما» اسما تاما في موضع رفع بالابتداء و «ذا» بمعنى الذي هو خبر الابتداء، و يكون التقدير: ما الذي أراد اللّه بهذا مثلا. قال أحمد بن يحيى ثعلب: «مثلا» منصوب على القطع و قال ابن كيسان: هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال. يُضِلُّ فعل مستقبل.

كَثِيراً مفعول به. وَ يَهْدِي أسكنت الياء فيه استثقالا للجمع بينها و بين ياء و كسرة. وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ بوقوع الفعل عليهم، و التقدير و ما يضلّ به أحدا إلاّ الفاسقين، و لا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلاّ بعد تمام الكلام.

اَلَّذِينَ : في موضع نصب على النعت للفاسقين و إن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف أي هم الذين. يَنْقُضُونَ فعل مستقبل و المضمر الذي فيه

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 4، و البحر المحيط 1/266.

(2) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 94، و الأزهية ص 148، و الأغاني 1/81، و خزانة الأدب 5/ 315، و الدرر 5/108، و شرح شواهد المغني ص 174، و المحتسب 1/284، و مغني اللبيب 1/55، و بلا نسبة في تذكرة النحاة ص 120، و الجنى الداني ص 527، و رصف المباني ص 99، و شرح الأشموني 3/608، و همع الهوامع 2/67.

41

يعود على الذين. عَهْدَ اَللََّهِ مفعول به. مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ خفضت بعدا بمن و ميثاقه بعد إليه و هو بمعنى: إيثاقه. قال ابن كيسان: هو اسم يؤدي عن المصدر كما قال القطاميّ: [الوافر] 12-

أ كفرا بعد ردّ الموت عنّي # و بعد عطائك المائة الرّتاعا (1)

وَ يَقْطَعُونَ عطف على ينقضون. مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ «ما» في موضع نصب بيقطعون. و المصدر قطيعة و قطعت الحبل قطعا و قطعت النهر قطوعا و قطعت الطّير قطاعا و قطاعا. إذا خرجت من بلد إلى بلد، و أصاب الناس قطعة إذا قلّت مياههم و رجل به قطع أي انبهار. وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ عطف على يقطعون. أُولََئِكَ مبتدأ.

هُمُ ابتداء ثان. اَلْخََاسِرُونَ خبر الثاني و الثاني و خبره خبر الأول، إن شئت كانت هم زائدة و الخاسرون الخبر.

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ ... كَيْفَ اسم في موضع نصب و هي مبنية على الفتح، و كان سبيلها أن تكون ساكنة لأن فيها موضع الاستفهام فأشبهت الحروف و اختير لها الفتح من أجل الياء. تَكْفُرُونَ فعل مستقبل بِاللََّهِ خفض بالباء. وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً التقدير و قد كنتم أمواتا ثم حذفت قد. أَمْوََاتاً خبر كنتم فَأَحْيََاكُمْ الكاف و الميم في موضع نصب بالفعل و كذا. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فعل مستقبل.

هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ابتداء و خبر. مََا في موضع نصب. جَمِيعاً عند سيبويه‏ (2) نصب على الحال. ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ أهل الحجاز يفخّمون و أهل نجد يميلون ليدلّوا على أنه من ذوات الياء. إِلَى اَلسَّمََاءِ خفض بإلى. فَسَوََّاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ قال محمد بن الوليد: سبع منصوب على أنه بدل من الهاء و النون أي فسوّى سبع سموات، قال أبو جعفر: يجوز عندي أن يكون فسوّى منهن كما قال جلّ و عزّ: وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ

____________

(1) الشاهد للقطامي في ديوانه 37، و تذكرة النحاة 456، و خزانة الأدب 8/136، و شرح التصريح 2/64، و شرح شواهد المغني 2/849، و شرح عمدة الحافظ 695، و معاهد التنصيص 1/179، و المقاصد النحوية 3/505، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/411، و أوضح المسالك 3/211، و الدرر 5/ 262، و شرح الأشموني 2/336، و شرح شذور الذهب 528 و شرح ابن عقيل 414.

(2) انظر الكتاب: 1/445، و البحر المحيط 1/282.

42

[الأعراف: 155]أي من قومه. وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ مبتدأ و خبر.

وَ إِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلاََئِكَةِ قال أبو عبيدة (1) : إِذْ اسم، و هو ظرف زمان ليس مما يزاد. قال أبو إسحاق‏ (2) ذكر اللّه عزّ و جلّ خلق الناس و غيرهم فالتقدير: ابتدأ خلقهم «إذ قال ربّك» . لِلْمَلاََئِكَةِ خفض باللاّم و الهاء لتأنيث الجماعة. إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ الياء في موضع نصب جاعل خبر إنّ. و الأصل إنني حذفت النون لاجتماع نونين فِي اَلْأَرْضِ خفض بفي. خَلِيفَةً نصب بجاعل، و لا يجوز حذف التنوين للفصل و لو وليه المفعول لجاز حذف التنوين. «خليفة» يكون بمعنى فاعل أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض أو من كان قبله من غير الملائكة كما روي و يجوز أن يكون «خليفة» بمعنى مفعول أي يخلف كما يقال ذبيحة بمعنى مفعولة. قََالُوا أَ تَجْعَلُ فقل مستقبل. فِيهََا مَنْ يُفْسِدُ في موضع نصب بتجعل و المفعول الثاني يقوم مقامه «فيها» «يفسد» على اللفظ، و يجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى.

وَ يَسْفِكُ (3) عطف عليه، و روي عن الأعرج وَ يَسْفِكُ اَلدِّمََاءَ (4) بالنصب يجعله جواب الاستفهام بالواو. و واحد الدماء دم و لا يكون اسم على حرفين إلا و قد حذف منه و المحذوف منه ياء و قد نطق به على الأصل قال الشاعر: [الوافر] 13-

فلو أنّا على حجر ذبحنا # جرى الدّميان بالخبر اليقين‏ (5)

وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ لا يجوز إدغام النون في النون لئلاّ يلتقي ساكنان. قََالَ إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ من حرّك الياء فقال «إنّي اعلم ما» كره أن يكون اسم على حرف واحد ساكنا، و من أسكنها قال: قد اتّصلت بما قبلها (أعلم) فعل مستقبل، و يجوز أن يكون

____________

(1) انظر مجاز القرآن 1/36، و البحر المحيط 1/284.

(2) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 30.

(3) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 1/290.

(4) هذه قراءة ابن هرمز، انظر البحر المحيط 1/290.

(5) الشاهد للمثقّب العبدي في ملحق ديوانه ص 283، و الأزهية 141، و المقاصد النحوية 1/192، و لعلي بن بدال في أمالي الزجاجي ص 20 و خزانة الأدب 1/267، و شرح شواهد الشافية ص 112، و للمثقب أو لعلي بن بدال في خزانة الأدب 7/482، و بلا نسبة في الإنصاف 1/357، و جمهرة اللغة ص 286، و رصف المباني ص 242، و سرّ صناعة الإعراب 1/395، و شرح الأشموني 3/669، و شرح شافية ابن الحاجب 2/64، و شرح شواهد الإيضاح ص 281، و شرح المفصل 4/151، و المقتضب 1/231، و المقرّب 2/44.

43

اسما بمعنى فاعل كما يقال: اللّه أكبر بمعنى كبير، و كما قال: [الطويل‏] 14-

لعمرك ما أدري و إنّي لأوجل # على أيّنا تغدو المنيّة أوّل‏ (1)

و يجوز إدغام الميم في الميم، و «ما» في موضع نصب بأعلم إذا جعلته فعلا و إن جعلته اسما جاز أن يكون «ما» في موضع خفض بالإضافة و في موضع نصب و تحذف التنوين لأنه لا ينصرف.

وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا آدَمَ و اَلْأَسْمََاءَ مفعولان لعلّم. و آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين لأنه على أفعل و هو معرفة، و لا يمتنع شي‏ء من الصرف عند البصريين إلاّ بعلّتين فإن نكّرت آدم و ليس بنعت لم يصرفه الخليل و سيبويه‏ (2) و صرفه الأخفش سعيد لأنه إنّما منعه من الصرف لأنه كان نعتا و هو على وزن الفعل فإذا لم يكن نعتا صرفه. قال أبو إسحاق‏ (3) : القول قول سيبويه لا يفرق بين النعت و غيره لأنه هو ذاك بعينه، و جمع آدم إذا كان صفة أدم فإن لم يكن نعتا فجمعه آدمون و أوادم و هكذا الباب كله. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا «عرضهم» في الكتاب الذي قبل هذا.

فَقََالَ أَنْبِئُونِي ألف قطع لأنها من أنبأ ينبئ فإن خفّفت الهمزة قلت أنبئوني بين بين فإن جعلتها مبدلة قلت أنبوني مثل أعطوني. بِأَسْمََاءِ هََؤُلاََءِ «بأسماء» : مخفوض بالباء و «هؤلاء» في موضع مخفوض بالإضافة إلاّ أنه مبني على الكسر لالتقاء الساكنين و هو مبني مثل هذا و فيه وجوه إذا مددته و إن شئت خفّفت الهمزة الثانية و حققت الأولى.

و هو أجود الوجوه عند الخليل و سيبويه. و هي قراءة نافع فقلت هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ و لا يجوز غير هذا في قول من خفّف الثانية، و الدليل على هذا أنّهم أجمعوا على القراءة في قوله جلّ و عزّ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ [النساء: 22]على وجه واحد عن نافع و لا فرق بينهما، و إن شئت خفّفت الأولى و حقّقت الثانية فقلت: هََؤُلاََءِ إِنْ كُنْتُمْ ، و إن شئت حقّقتهما جميعا فقلت «هؤلاء ان» ، و إن شئت خفّفتهما، و إن شئت

____________

(1) الشاهد لمعن بن أوس في ديوانه ص 39، و خزانة الأدب 8/244، و شرح التصريح 2/51، و لسان العرب (كبر) و (وجل) ، و المقاصد النحوية 3/493، و تاج العروس (و جل) ، بلا نسبة في الأشباه و النظائر 8/140، و أوضح المسالك: 161، و جمهرة اللغة ص 493، و خزانة الأدب 6/505، و شرح الأشموني 2/322، و شرح شذور الذهب 133، و شرح قطر الندى ص 23، و شرح المفصل 4/87، و المقتضب 3/246، و المنصف 3/135.

(2) انظر الكتاب 3/217، و البحر المحيط 1/295.

(3) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 77.

44

خفّفت‏ (1) الأولى فقلت «هؤلاء إن كنتم صادقين» و هو مذهب أبي عمرو بن العلاء في الهمزتين إذا اتفقتا. و تميم و بعض أسد و قيس يقصرون «هؤلا» فعلى لغتهم «هاؤلا إن كنتم» و قال الأعشى: [الخفيف‏] 15-

هؤلا ثمّ هؤلا كلاّ أعطيت # نعالا محذوّة بمثال‏ (2)

و من العرب من يقول: «هؤلا» فيحذف الألف و الهمزة، إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ :

«كنتم» في موضع جزم بالشرط و ما قبله في موضع جوابه عند سيبويه‏ (3) ، و عند أبي العباس الجواب محذوف، و المعنى إن كنتم صادقين فأنبئوني. قال أبو عبيد: و زعم بعض المفسرين أنّ «إن» بمعنى «إذ» ، و هذا خطأ إنما هي «أن» المفتوحة التي تكون بمعنى «إذ» فأمّا هذه فهي بمعنى الشرط.

قََالُوا سُبْحََانَكَ منصوب على المصدر عند الخليل. و سيبويه‏ (4) ، يؤدي عن معنى نسبّحك سبحانك تسبيحا، و قال الكسائي: هو منصوب لأنه لم يوصف قال: و يكون منصوبا على أنه نداء مضاف. لاََ عِلْمَ لَنََا مثل «لا ريب فيه» و يجوز لاََ عِلْمَ لَنََا يجعل «لا» بمعنى ليس المعنى ليس. إِلاََّ مََا عَلَّمْتَنََا «ما» في موضع رفع كما تقول «لا إلاه إلاّ اللّه» و خبر التبرية كخبر الابتداء، و يجوز النصب إذا تمّ الكلام على أصل الاستثناء. إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ «أنت» في موضع نصب توكيدا للكاف. و إن شئت كانت رفعا بالابتداء، و العليم: خبره، و الجملة خبر إنّ، و إن شئت كانت فاصلة لا موضع لها، و الكوفيون يقولون عماد الألف و اللام في موضع رفع. اَلْحَكِيمُ من نعت العليم.

قََالَ يََا آدَمُ نداء مفرد. أَنْبِئْهُمْ (5) : حذفت الضمة من الهمزة لأنه أمر و إن خفّفت الهمزة قلت: أنبيهم كما قلت: ذيب و بير و إن أبدلت منها قلت: أنبهم كما قال زهير: [الطويل‏]

____________

(1) انظر تيسير القراءات للداني ص 62.

(2) البيت للأعشى في ديوانه ص 61، و شرح المفصّل 3/137، و المقتضب 4/278.

(3) انظر الكتاب 3/78، و البحر المحيط 1/296.

(4) انظر الكتاب 1/413.

(5) انظر البحر المحيط 1/298.

45

16-

جري‏ء متى يظلم يعاقب بظلمه # سريعا و إن لا يبد بالظّلم يظلم‏ (1)

بِأَسْمََائِهِمْ خفض بالباء. فَلَمََّا أَنْبَأَهُمْ و إن خففت جعلتها بين الهمزة و الألف، و إن أبدلت قلت «أنباهم» بألف خالصة. قََالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ الأصل: أقول ألقيت حركة الواو على القاف فانضمّت القاف و حذفت الواو لسكونها و سكون اللام و أسكنت اللام للجزم. إِنِّي كسرت الألف لأن ما بعد القول مبتدأ، و زعم سيبويه‏ (2) أن من العرب من يجري القول مجرى الظن و هي حكاية أبي الخطاب فعلى هذا «أني أعلم» . قال الكسائي: رأيت العرب إذا لقيت الياء همزة، استحبوا الفتح فيقولون: «إنّي أعلم» و يجوز اعلم لأنه من علم. غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ نصب بأعلم و كذا مََا تُبْدُونَ وَ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ عطف عليه.

وَ إِذْ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ خفض باللاّم الزائدة. اُسْجُدُوا أمر فلذلك حذفت منه النون و ضممت الهمزة إذا ابتدأتها لأنه من يسجد. و روي عن أبي جعفر أنه قرأ للملائكة اسجدوا (3) و هذا لحن لا يجوز، و أحسن ما قيل فيه ما روي عن محمد بن يزيد قال:

أحسب أنّ أبا جعفر كان يخفض ثمّ يشمّ الضّمّة ليدلّ على أنّ الابتداء بالضم كما يقرأ وَ غِيضَ اَلْمََاءُ [هود: 44]فيشير إلى الضّمة ليدلّ على أنه لما لم يسمّ فاعله لِآدَمَ في موضع خفض باللام إلاّ أنه لا ينصرف، فَسَجَدُوا إِلاََّ إِبْلِيسَ نصب على الاستثناء لا يجوز غيره عند البصريين لأنه موجب، و أجاز الكوفيون‏ (4) الرفع. و «إبليس» اسم أعجمي فلذلك لم ينوّن، و زعم أبو عبيدة (5) أنّه عربي مشتقّ من أبلس إلاّ أنه لم ينصرف لأنه لا نظير له. أَبى‏ََ وَ اِسْتَكْبَرَ أبى يأبى إباء، و هذا حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق. قال أبو إسحاق: سمعت إسماعيل بن إسحاق‏ (6) يقول: القول فيه عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق. قال أبو جعفر:

____________

(1) الشاهد في ديوانه ص 24، و خزانة الأدب 3/17، و 7/13، و الدرر 1/165، و سرّ صناعة الإعراب 2/ 739، و شرح شواهد الشافية ص 10، و شرح شواهد المغني 1/385، و الممتع في التصريف 1/381، و بلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 1/26، و المقرب 1/50، و همع الهوامع 1/52.

(2) انظر الكتاب 1/178.

(3) انظر مختصر ابن خالويه 3، و المحتسب 1/71.

(4) انظر الإنصاف مسألة 35، و البحر المحيط 1/303.

(5) انظر اللسان (بلس) ، و تفسير الطبري 1/227.

(6) إسماعيل بن إسحاق القاضي البصري الفقيه المالكي، صاحب قالون، صنّف في القراءات و الحديث، و كان عالما في العربية (ت 282 هـ) . انظر: النشر لابن الجزري 1/34، و شذرات الذهب لابن العماد 2/177.

46

و لا أعلم أنّ أبا إسحاق روى عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف. وَ كََانَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ خفض بمن و فتحت النون لالتقاء الساكنين.

وَ قُلْنََا يََا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ «أنت» : توكيد المضمر، و يجوز في غير القرآن على بعد: قم و زيد. وَ كُلاََ مِنْهََا حذفت النون لأنه أمر و حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال فحذفها شاذ. قال سيبويه‏ (1) : و من العرب من يقول: أوكل فيتمّ. رَغَداً نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا. قال ابن كيسان: و يجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال. حَيْثُ شِئْتُمََا «حيث» مبنية على الضم لأنها خالفت أخواتها من الظروف في أنها لا تضاف فأشبهت قبل و بعد إذا أفردتا فضمّت. و حكى سيبويه‏ (2) : أنّ من العرب من يفتحها على كل حال. قال الكسائي‏ (3) : الضّمّ لغة قيس و كنانة و الفتح لغة بني تميم. قال الكسائي: و بنو أسد يخفضونها في موضع الخفض و ينصبونها في موضع النصب. قال‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ* [الأعراف: 182]و يضمّ و يفتح و يقال: حوث. وَ لاََ تَقْرَبََا نهي فلذلك حذفت النون. هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ في موضع نصب بتقربا و الهاء في هذه بدل من ياء، الأصل هذي، و لا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما قبلها إلاّ هاء هذه، و من العرب من يقول: هاتا هند و منهم من يقول: هاتي هند. و حكى سيبويه، هذه هند بإسكان الهاء. اَلشَّجَرَةَ نعت لهذه. فَتَكُونََا جواب النهي منصوب على إضمار «أن» عند الخليل و سيبويه‏ (4) ، و زعم الجرميّ: أنّ الفاء هي الناصبة، و يجوز أن يكون «فتكونا» جزما عطفا على تقربا.

فَأَزَلَّهُمَا من أزللته فزلّ، و فأزالها من أزلته فزال. اَلشَّيْطََانُ رفع بفعله. وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا حذفت الألف من اهبطوا لأنها ألف وصل و حذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها و سكون الهاء بعدها. بَعْضُكُمْ مبتدأ. عَدُوٌّ خبره و الجملة في موضع نصب على الحال، و التقدير و هذه حالكم و حذفت الواو لأن في الكلام عائدا كما يقال:

____________

(1) انظر الكتاب 4/341.

(2) انظر الكتاب 1/42.

(3) انظر البحر المحيط 1/306.

(4) انظر الكتاب 3/27، و معاني الفراء 1/26، و البحر المحيط 1/310.

47

رأيتك السّماء تمطر عليك، و يقال: كيف قال «عدوّ» و لم يقل: أعداء؟ففي هذا جوابان: أحدهما أنّ بعضا و كلاّ يخبر عنهما بالواحد و ذلك في القرآن قال اللّه جلّ و عزّ: وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ [مريم: 95]و قال: وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دََاخِرِينَ [النمل: 87] و الجواب الآخر أنّ عدوّا يفرد في موضع الجمع. قال اللّه جلّ و عزّ: وَ هُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظََّالِمِينَ [الكهف: 50]بمعنى أعداء وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ مرفوع بالابتداء.

وَ مَتََاعٌ عطف عليه.

فَتَلَقََّى آدَمُ رفع بفعله. كَلِمََاتٍ نصب بالفعل، و قرأ الأعمش: فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ مدغما. إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ «هو» : رفع بالابتداء و «التواب» خبره و الجملة خبر إنّ، و يجوز أن يكون هو توكيدا للهاء، و يجوز أن يكون فاصلة، و حكى أبو حاتم: أنّ أبا عمرو و عيسى و طلحة قرءوا إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ مدغما و إنّ ذلك لا يجوز لأن بين الهاءين واوا في اللفظ لا في الخط. قال أبو جعفر: أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو و أنشد: [الوافر] 17-

له زجل كأنّه صوت حاد # إذا طلب الوسيقة أو زمير (1)

فعلى هذا يجوز الإدغام.

قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْهََا جَمِيعاً نصب على الحال، و زعم الفراء (2) أنه يقال: إنّما خوطب بهذا آدم صلّى اللّه عليه و سلّم و إبليس بعينه و يعني ذرّيته فكأنه خاطبهم كما قال: قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [فصلت: 11]أي أتينا بما فينا، و قال غير الفراء: يكون مخاطبة لآدم عليه السلام و حواء و الحية، و يجوز أن يكون لآدم و حواء لأن الاثنين جماعة، و يجوز أن يكون إبليس ضمّ إليهما في المخاطبة. فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ «ما» زائدة، و الكوفيون يقولون صلة، و البصريون يقولون: فيها معنى التوكيد يَأْتِيَنَّكُمْ في موضع جزم بالشرط و النون مؤكدة و إذا دخلت «ما» شبهت بلام القسم فحسن المجي‏ء بالنون و جواب الشرط الفاء

____________

(1) الشاهد للشمّاخ في ديوانه ص 155، و الخصائص 1/371، و الدرر 1/181، و شرح أبيات سيبويه 1/ 437 و الكتاب 1/59، و لسان العرب (ها) ، و بلا نسبة في الإنصاف 2/561، و الأشباه و النظائر 2/ 379، و خزانة الأدب 2/388، 5/270، 271، و لسان العرب (زجل) ، و المقتضب 1/267، و همع الهوامع 1/59.

(2) انظر معاني الفراء 1/31.

48

في قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ و «من» في موضع رفع و «تبع» في موضع جزم بالشرط فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ جوابه، و قال الكسائي في «فلا خوف عليهم» جواب الشرطين جميعا، و قرأ عاصم الجحدري و عيسى و ابن أبي إسحاق فمن تبع هديّ (1) قال أبو زيد: هذه لغة هذيل يقولون: هديّ و عصيّ و أنشد النحويون: [الكامل‏] 18-

سبقوا هويّ و أعنقوا لهواهم # فتخرّموا و لكلّ جنب مصرع‏ (2)

قال أبو جعفر: العلّة في هذا عند الخليل و سيبويه‏ (3) و هذا معنى قولهما-أنّ سبيل ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها فلما لم يجز أن تتحرك الألف جعل قبلها ياء عوضا من التغيير. و قرأ الحسن و عيسى و ابن أبي إسحاق فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ و الاختيار عند النحويين الرفع و التنوين لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلاّ الرفع فاختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد.

وَ اَلَّذِينَ رفع بالابتداء. كَفَرُوا من صلته. وَ كَذَّبُوا عطف على كفروا.

بِآيََاتِنََا خفض بالباء. أُولََئِكَ مبتدأ. أَصْحََابُ اَلنََّارِ خبره و الجملة خبر الذين.

وَ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ ابتداء و خبر في موضع نصب على الحال.

يََا بَنِي نداء مضاف علامة النصب فيه الياء و حذفت منه النون للإضافة، الواحد ابن و الأصل فيه بني و قيل فيه بنو و لو لم يحذف منه لقيل بنا كما يقال: عصا فمن قال:

المحذوف منه واو احتجّ بقولهم: البنوّة و هذا لا حجّة فيه لأنهم قد قالوا الفتوّة. قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق يقول: المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت.

إِسْرََائِيلَ (4) في موضع خفض إلاّ أنه لا ينصرف لعجومته و يقال: إسرائل بغير ياء و بهمزة مكسورة و يقال اسراأل بهمزة مفتوحة، و تميم يقولون: اسرائين بالنون.

اُذْكُرُوا حذف النون منه لأنه أمر و حذفت الألف لأنها ألف وصل و ضممتها في

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه 5، و البحر المحيط 1/322.

(2) الشاهد لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين 1/7، و إنباه الرواة 1/52، و الدرر 5/51، و سرّ صناعة الإعراب 2/700، و شرح شواهد المغني 1/262، و شرح قطر الندى ص 191، و شرح المفصّل 3/33، و كتاب اللامات ص 98، و لسان العرب (هوا) ، و المحتسب 1/76، و المقاصد النحوية 3/ 493، و همع الهوامع 2/53، و بلا نسبة في أوضح المسالك 3/199، و شرح الأشموني 2/331، و شرح ابن عقيل ص 408، و المقرب 1/217 و كتاب العين 1/299.

(3) انظر الكتاب 3/458.

(4) انظر البحر المحيط 1/315.

49

الابتداء لأنه من يذكر نِعْمَتِيَ اَلَّتِي بتحريك الياء أكثر في كلام العرب إذا لقيها ألف و لام فإن أسكنتها حذفتها لالتقاء الساكنين.. «التي» في موضع نصب نعت لنعمتي.

أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ من صلتها. وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أمر أُوفِ بِعَهْدِكُمْ جواب الأمر مجزوم لأن فيه معنى المجازاة، و قرأ الزّهري أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (1) على التكثير، و يقال: و في بالعهد أيضا، وَ إِيََّايَ فَارْهَبُونِ وقع الفعل على النون و الياء و حذفت الياء لأنه رأس آية، و قرأ ابن أبي إسحاق «فارهبوني» بالياء و كذا فاتّقوني، «و إيّاي» منصوب بإضمار فعل و كذا الاختيار في الأمر و النهي و النفي و الاستفهام.

وَ آمِنُوا عطف. بِمََا خفض بالباء. أَنْزَلْتُ صلته و العائد محذوف لطول الاسم أي بما أنزلته. مُصَدِّقاً على الحال. لِمََا خفض باللام. مَعَكُمْ صلة لما.

وَ لاََ تَكُونُوا جزم بلا فلذلك حذفت منه النون. أَوَّلَ خبر تكونوا، و لم ينوّنه لأنه مضاف و لو لم يكن مضافا جاز فيه التنوين على أنه اسم ليس بنعت، و جاز الضمّ بغير تنوين على أنه غاية، و جاز ترك التنوين على أنه نعت قال كََافِرٍ و لم يقل: كافرين، فيه قولان:

زعم الأخفش و الفراء (2) أنه محمول على المعنى لأن المعنى أول من كفر به، و حكى سيبويه:

هو أظرف الفتيان و أجمله لأنه قد كان يقول كأنه يقول: هو أظرف فتى و أجمله، و القول الآخر أنّ التقدير: و لا تكونوا أول فريق كافر به، و الإمالة في كافر لغة تميم، و هي حسنة لأنه مخفوض و الراء بمنزلة حرفين و ليس فيه حرف مانع و الحروف الموانع‏ (3) الخاء و الغين و القاف و الصاد و الضاد و الطاء و الظاء. قال أبو جعفر: و في «أول» من العربية ما يلطف و نحن نشرحه إن شاء اللّه. «أول» عند سيبويه‏ (4) مما لم ينطق منه بفعل و هو على أفعل عينه و فاؤه واو. و إنما لم ينطق منه بفعل عنده لئلا يعتل من جهتين و هذا مذهب البصريين، و قال الكوفيون: هو من وأل، و يجوز أن يكون من أال فإذا كان من وأل فالأصل فيه أوأل ثم خفّفت الهمزة فقلت: أول كما تخفّف همزة خطيئة فتقول: خطيّة و إن كان من أال فالأصل فيه: أاول ثم أبدلت من الألف واوا لأنه لا ينصرف.

وَ لاََ تَلْبِسُوا نهي فلذلك حذفت منه النون. اَلْحَقَّ مفعول. بِالْبََاطِلِ خفض

____________

(1) انظر المحتسب 1/81، و البحر المحيط 1/330.

(2) انظر معاني الفراء 1/32، و البحر المحيط 1/332.

(3) الحروف الموانع: هي الحروف التي تمنع الإمالة.

(4) انظر الكتاب 3/219.

50

بالباء. وَ تَكْتُمُوا عطف على‏ تَشْتَرُوا و إن شئت كان جوابا للنهي في موضع نصب على إضمار أن عند البصريين‏ (1) ، و التقدير لا يكن منكم أن تشتروا و تكتموا، و الكوفيون‏ (2) يقولون: هو منصوب على الصّرف، و شرحه أنه صرف عن الأداة التي عملت فيما قبله و لم يستأنف فيرفع فلم يبق إلاّ النّصب فشبّهت الواو و الفاء بكي فنصبت بها كما قال: [الكامل‏] 19-

لا تنه عن خلق و تأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم‏ (3)

وَ أَنْتُمْ مبتدأ. تَعْلَمُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر و الجملة في موضع الحال.

وَ أَقِيمُوا أمر، و كذا وَ آتُوا وَ اِرْكَعُوا .

أَ تَأْمُرُونَ فعل مستقبل. وَ تَنْسَوْنَ عطف عليه. أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ مثله.

وَ اِسْتَعِينُوا أمر. بِالصَّبْرِ خفض بالباء قال أبو جعفر: و قد ذكرنا فيه أقوالا في الكتاب الذي قبل هذا، و أصحّها أن يكون الصبر عن المعاصي و يكون وَ اَلصَّلاََةِ مثل قوله‏ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [البقرة: 98]، يقال فلان صابر؛ أي عن المعاصي فإذا صبّر عن المعاصي فقد صبّر على الطاعة و قال جلّ و عزّ: إِنَّمََا يُوَفَّى اَلصََّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسََابٍ [الزمر: 10]و لا يقال لمن صبر على المصيبة: صابر إنّما يقال: صابر على كذا فإذا قلت: صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا، وَ إِنَّهََا لَكَبِيرَةٌ اسم «إنّ» و خبرها، و يجوز في غير القرآن و إنه، و يجوز و إنهما.

____________

(1) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 90، و البحر المحيط 1/335.

(2) انظر معاني الفراء 1/33.

(3) الشاهد لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه، ص 44، و الأزهية ص 234، و شرح التصريح 2/238، و شرح شذور الذهب ص 310، و همع الهوامع 2/13، و للمتوكل الليثي في الأغاني 12/156، و حماسة البحتري ص 117، و العقد الفريد 2/311، و المؤتلف و المختلف ص 179، و لأبي الأسود أو للمتوكل في اللسان (عظظ) ، و لأحدهما أو للأخطل في شرح شواهد الإيضاح ص 252، و لأبي الأسود أو للأخطل أو للمتوكل الكناني في الدرر 4/86، و المقاصد النحوية 4/393، و للأخطل في الردّ على النحاة ص 127، و شرح المفصل 2447، و لحسان بن ثابت في شرح أبيات سيبويه 2/188، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 6/294، و أمالي ابن الحاجب 2/864، و أوضح المسالك 4/181، و رصف المباني 424.

51

اَلَّذِينَ في موضع خفض على النعت للخاشعين. يَظُنُّونَ فعل مستقبل، و فتحت «أنّ» بالظن و اسمها الهاء و الميم و الخبر. مُلاََقُوا و الأصل ملاقون لأنه بمعنى تلاقون حذفت النون تخفيفا، وَ أَنَّهُمْ عطف على الأول، و يجوز «و أنّهم» بقطعه مما قبله.

يَوْماً منصوب باتّقوا، و يجوز في غير القرآن «يوم لا تجزي» على الإضافة.

و في الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف قال البصريون‏ (1) : التقدير يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، ثم حذف «فيه» قال الكسائي‏ (2) : هذا خطأ لا يجوز «فيه» و لو جاز هذا لجاز: الذي تكلمت زيد، بمعنى تكلمت فيه، قال: و لكن التقدير و اتقوا يوما لا تجزيه نفس، ثم حذف الهاء، و قال الفراء (3) : يجوز أن تحذف «فيه» و أن تحذف الهاء، قال أبو جعفر: الذي قاله الكسائي لا يلزم لأن الظروف يحذف منها و لا يحذف من غيرها. تقول: تكلّمت في اليوم و كلمت و تكلّمت اليوم. هذا احتجاج البصريين.

فأما الفراء فردّ على الكسائي بأن قال: فإذا قلت: كلّمت زيدا و تكلّمت في زيد، فالمعنيان مختلفان فلهذا لم يجز الحذف فينقلب المعنى و الفائدة في الظروف واحدة، و هذه الجملة في موضع نصب عند البصريين على نعت لليوم، و لهذا وجب أن يعود عليه ضمير، و عند الكوفيين صلة، وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ و يجوز «تقبل» (4) بالتاء لأنّ الشفاعة مؤنّثة و إنّما حسن تذكيرها لأنها بمعنى التّشفّع كما قال: [الكامل‏] 20-

إنّ السّماحة و المروءة ضمّنا # قبرا بمرو على الطريق الواضح‏ (5)

و قال الأخفش: حسن التذكير لأنك قد فرقت. قال سيبويه‏ (6) : و كلّما طال الكلام فهو أحسن و هو في الموات أكثر فرقوا بين الحيوان و الموات كما فرّقوا بين الآدميّين

____________

(1) انظر البحر المحيط 1/347، و إعراب القرآن و معانيه للزجاج 94.

(2) انظر معاني الفراء 1/32، و البحر المحيط 1/347.

(3) انظر معاني الفراء 1/32.

(4) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 95، و البحر المحيط 1/348، و هي قراءة ابن كثير و أبي عمرو.

(5) الشاهد لزياد الأعجم في ديوانه ص 54، و الأغاني 15/308، و أمالي المرتضى 1/72، و سمط اللآلي ص 921، و الشعر و الشعراء 1/438، و المقاصد النحوية 2/502، و للصلتان العبدي في أمالي المرتضى 2/199، و بلا نسبة في الإنصاف 2/763، و شرح شذور الذهب ص 220.

(6) انظر الكتاب 2/34.

52

و غيرهم في الجمع. شَفََاعَةٌ اسم ما لم يسمّ فاعله و كذا عَدْلٌ وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ ابتداء و خبر.

وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ «إذ» في موضع نصب عطفا على «اذكروا نعمتي» . مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قال الكسائي: إنّما يقال: آل فلان و آل فلانة، و لا يقال في البلدان لا يقال: هو من آل حمص و لا من آل المدينة، قال: إنّما يقال في الرئيس الأعظم نحو محمد عليه السلام أهل دينه و أتباعه، و آل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة، قال: و قد سمعناه في البلدان قالوا: أهل المدينة و آل المدينة، قال أبو الحسن بن كيسان: إذا جمعت آلا قلت: آلون فإن جمعت آلا الذي هو بمنزلة السراب قلت: أوآل مثل مال و أموال. قال أبو جعفر: الأصل في آل أهل ثم أبدل من الهاء ألف فإن صغّرت رددته إلى أصله فقلت أهيل. فِرْعَوْنَ في موضع خفض إلاّ أنه لا ينصرف لعجمته. قال الأخفش:

يَسُومُونَكُمْ في موضع رفع على الابتداء، و إن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم. قرأ ابن محيصن يُذَبِّحُونَ أَبْنََاءَكُمْ (1) و التشديد أبلغ لأن فيه معنى التكثير. وَ يَسْتَحْيُونَ عطف. وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ رفع بالابتداء. عَظِيمٌ من نعته.

وَ إِذْ فَرَقْنََا في موضع نصب، و حكى الأخفش فَرَقْنََا (2) ، اَلْبَحْرَ مفعول.

وَ إِذْ وََاعَدْنََا مُوسى‏ََ و قرأ أبو عمرو و أبو جعفر (3) و شيبة و إذا وعدنا (4) بغير ألف و هو اختيار أبي عبيد و أنكر «واعدنا» قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما اللّه جلّ و عزّ فإنما هو المنفرد بالوعد و الوعيد. على هذا وجدنا القرآن كقوله: وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ [إبراهيم: 22]و قوله: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ* [الفتح: 29]و قوله: وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللََّهُ إِحْدَى اَلطََّائِفَتَيْنِ أَنَّهََا لَكُمْ [الأنفال: 7]. قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أبي إسحاق‏ (5) في الكتاب الذي قبل هذا. و كلام أبي عبيد

____________

(1) انظر مختصر ابن خالويه (5) ، و البحر المحيط 1/351.

(2) انظر مختصر ابن خالويه (5) ، و المحتسب 1/82.

(3) أبو جعفر: يزيد القعقاع المخزومي المدني أحد القراء العشرة، تابعي، عرض على ابن عباس و غيره، و روى القراءة عن نافع (ت 130 هـ) ترجمة في غاية النهاية 2/382.

(4) انظر البحر المحيط 1/352.

(5) انظر إعراب القرآن و معانيه للزجاج 100، و البحر المحيط 1/357.