إعراب القرآن - ج4

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
312 /
3

الجزء الرابع‏

39 شرح إعراب سورة الزّمر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ رفع بالابتداء، و خبره مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ أي أنزل من عند اللّه جلّ و عزّ، و يجوز أن يكون مرفوعا بمعنى: هذا تنزيل الكتاب. و أجاز الكسائي و الفراء تَنْزِيلُ‏ (1) اَلْكِتََابِ بالنصب على أنه مفعول. قال الكسائي: أي اتّبعوا و اقرءوا تنزيل الكتاب. و قال الفراء: على الإغراء مثل‏ كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ [النساء: 24]أي الزموا كتاب اللّه.

أَلاََ لِلََّهِ اَلدِّينُ اَلْخََالِصُ أي الذي لا يشوبه شي‏ء، و في حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول اللّه إنّي أتصدّق بالشّي‏ء و أصنع الشي‏ء أريد به وجه اللّه جلّ و عزّ و ثناء الناس. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «و الذي نفس محمد بيده لا يقبل اللّه جلّ ثناؤه شيئا شورك فيه ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أَلاََ لِلََّهِ اَلدِّينُ اَلْخََالِصُ » (2) . وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ في موضع رفع بالابتداء، و التقدير: و الذين اتّخذوا من دونه أولياء قالوا: مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ و يجوز أن يكون «الذين» في موضع رفع بفعلهم أي و قال «زلفى» في موضع نصب بمعنى المصدر أي تقريبا.

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/414.

(2) انظر تفسير الطبري 23/190.

4

لَوْ أَرََادَ اَللََّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفى‏ََ مِمََّا يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ أي لو أراد ذلك أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله إليهم. سُبْحََانَهُ مصدر أي تنزيها له من الولد.

قال الضحاك: أي يلقي هذا على هذا و هذا على هذا. قال أبو جعفر: و هذا معنى التكوير في اللغة. و قد روي عن ابن عباس غير هذا في معنى الآية، قال: ما نقص من الليل دخل في النهار و ما نقص من النهار دخل في الليل.

أي لا تمنعه الظلمة كما تمنع المخلوقين.

وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أي يرض الشكر لكم أن تشكروا يدلّ على الشكر.

دَعََا رَبَّهُ مُنِيباً على الحال.

أَمَّنْ‏ (1) هُوَ قََانِتٌ قراءة الحسن و أبي عمرو و أبي جعفر و عاصم و الكسائي. و قرأ

____________

(1) انظر تيسير الداني 153.

5

نافع و ابن كثير و يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة أَمَّنْ هُوَ (1) و حكى أبو حاتم عن الأخفش قال: من قرأ في الزمر أَمَّنْ هُوَ بالتخفيف فقراءته ضعيفة لأنه استفهام ليس معه خبر. قال أبو جعفر: هذا لا يلزم و قد أجمعوا جميعا على أن قرءوا «أ فمن شرح اللّه صدره للإسلام» و هو مثله. و في القراءة بالتخفيف وجهان حسنان في العربية، و ليس في القراءة الأخرى إلا وجه واحد. فأحد الوجهين أن يكون نداء، كما يقال: يا زيد أقبل، و يقال: أزيد أقبل. حكى ذلك سيبويه و جميع النحويين كما قال: [الكامل‏] 386-

أبني لبينى لستم بيد # إلاّ يدا ليست لها عضد

(2)

و كما يقال: فلان لا يصلّي و لا يصوم أمن يصلّي و يصوم أبشر، و الوجه الآخر أن يكون في موضع رفع بالابتداء و المعنى معروف أي: أمن هو قانت اناء الليل أفضل أم من جعل للّه أندادا؟و التقدير: الّذي هو قانت. و من قرأ أَمَّنْ هُوَ فتقديره أم الذي هو قانت أفضل ممّن ذكر و «أم» بمعنى «أبل» . فأما معنى قانت فيما رواه عمرو بن الحارث عن درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة للّه جلّ و عزّ» (3) .. و روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أنه قال:

«سئل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أي الصلاة أفضل، قال: طول القنوت» (4) فتأوّله جماعة من أهل العلم على أنه طول القيام. و روى عبد اللّه عن نافع عن ابن عمر سئل عن القنوت قال: ما أعرف القنوت إلاّ طول القيام و قراءة القرآن، و قال مجاهد: من القنوت طول الركوع، و غضّ البصر. و كان العلماء إذا وقفوا في الصلاة غضّوا أبصارهم و خضعوا، و لم يلتفتوا في صلاتهم، و لم يعبثوا، و لم يذكروا شيئا من أمر الدنيا إلاّ ناسين. قال أبو جعفر:

أصل هذا أن القنوت الطاعة، و كل ما قيل فيه فهو طاعة اللّه جلّ و عزّ و هذه الأشياء كلّها داخلة في الطاعة و ما هو أكثر منها، كما قال نافع و قال لي ابن عمر: قم فصلّ فقمت أصلّي و كان عليّ ثوب حلق فدعاني فقال لي: أ رأيت لو وجّهتك في حاجة وراء الجدار أ كنت تمضي هكذا، فقلت: لا كنت أتزيّن، قال: فاللّه أحقّ أن يتزيّن له.

قال الحسن: آنََاءَ اَللَّيْلِ ساعاته أوّله و أوسطه و اخره.

و عن ابن عباس قال: آنََاءَ اَللَّيْلِ جوف الليل. قال سعيد بن جبير: يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ أي عذاب الآخرة. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ قال أبو إسحاق: أي

____________

(1) البحر المحيط 7/402.

(2) الشاهد لأوس بن حجر في ديوانه ص 21، و شرح أبيات سيبويه 2/68، و لطرفة بن العبد في ديوانه ص 45، و شرح المفصّل 2/90، و بلا نسبة في الكتاب 2/328، و أمالي ابن الحاجب ص 441، و المقتضب 4/421، و معاني الفراء 1/317.

(3) مرّ الحديث في إعراب الآية 26-الروم.

(4) أخرجه الترمذي في سننه-الصلاة 2/178، و ابن ماجة في إقامة الصلاة حديث رقم (1421) .

6

كما لا يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون كذا لا يستوي الطائع و العاصي. و قال غيره: الذين يعلمون هم الذي ينتفعون بعلمهم و يعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه و لم يعمل به فبمنزلة من لم يعلم. إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ أي إنما ينتفع بذكره و ينتفع به و يعتبر أولو العقول الذين ينتفعون بعقولهم فهؤلاء ينتفعون و يمدحون بعقولهم لأنهم انتفعوا بها.

} قُلْ يََا عِبََادِ اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ قيل معناه اتّقوا معاصيه و التاء مبدلة من واو.

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا حَسَنَةٌ يجوز أن يكون في الدنيا داخلا في الصلة أي لهم حسنة في الآخرة و إن لم يكن داخلا في الصلة فالمعنى للذين أحسنوا حسنة في الدنيا.

فالحسنة التي لهم في هذه الدنيا موالاة اللّه جلّ و عزّ إيّاهم و ثناؤه عليهم و تسميته إياهم بالأسماء الحسنة. وَ أَرْضُ اَللََّهِ وََاسِعَةٌ في معناه قولان: أحدهما أنه يراد بها أرض الجنة، و الآخر أن معناه أن أرض اللّه واسعة فهاجروا فيها و لا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي.

إِنَّمََا يُوَفَّى اَلصََّابِرُونَ أَجْرَهُمْ صابر يمدح به، إنّما هو لمن صبر عن المعاصي، فإن أردت أنه صابر على المعصية قلت صابر على كذا. بِغَيْرِ حِسََابٍ قيل: بغير تقدير، و قيل: يراد على الثواب، لأنه لو أعطي بقدر ما عمل لكان بحساب، و قيل معنى «بغير حساب» بغير متابعة و لا مطالبة كما تقع المطالبة بنعم الدنيا.

قُلِ اَللََّهَ أَعْبُدُ نصب بأعبد، و سيبويه يجيز الرفع على حذف الهاء، و لا نعلم أحدا من النحويين وافقه على ذلك في الاسم العلم.

اَلَّذِينَ في موضع رفع على خبر إِنَّ و أَهْلِيهِمْ في موضع نصب معطوفون على أنفسهم و علامة النصب الياء. و قال ميمون بن مهران عن ابن عباس: ليس من أحد إلاّ و قد خلق اللّه جلّ و عزّ له زوجة في الجنة فإذا دخل النار خسر نفسه و أهله.

لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ اَلنََّارِ الواحدة ظلّة و هو ما ارتفع فوقهم من النار و ثبت.

وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ مجاز أي مثل ذلك من تحتهم، و قيل: هو حقيقة أي من تحتهم ظلل‏

7

لمن هو أسفل منهم من أهل النار. ذََلِكَ في موضع رفع بالابتداء أي ذلك الذي ذكرناه من العذاب يخوّف اللّه به عباده يََا عِبََادِ فَاتَّقُونِ بحذف الياء من عبادي؛ لأن النداء موضع حذف، و يجوز إثباتها على الأصل، و يجوز فتحها.

وَ اَلَّذِينَ اِجْتَنَبُوا اَلطََّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهََا قال الأخفش: الطاغوت جمع، و يجوز أن يكون واحدة مؤنّثة.

وَعْدَ اَللََّهِ نصب على المصدر لأن معنى لَهُمْ غُرَفٌ وعدهم اللّه جلّ و عزّ ذلك وعدا، و يجوز الرفع بمعنى ذلك وعد اللّه.

فَسَلَكَهُ يَنََابِيعَ فِي اَلْأَرْضِ واحدها ينبوع، و يقال: ينبع و جمعه ينابيع و قد نبع الماء ينبع و ينبع. و حكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر: [الكامل‏] 387-

ينباع من ذفرى غضوب جسرة

(1)

إنّ معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا. ثُمَّ يَهِيجُ قال محمد بن يزيد: قال الأصمعي يقال: هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها و ولى. قال: و كذلك قال غير الأصمعي. ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطََاماً قال: من تحطيم العود إذا تفتّت من اليبس. إِنَّ فِي ذََلِكَ لَذِكْرى‏ََ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ واحدها ذو، و هو اسم للجمع، و زيد في كتابها واو عند بعض أهل اللغة فرقا بينها و بين إلى.

أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ قال أبو إسحاق: هذه الفاء فاء المجازاة. فَوَيْلٌ لِلْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ

____________

(1) الشاهد لعنترة في ديوانه 204، و الإنصاف 1/26، و خزانة الأدب 1/122، و الخصائص 3/121، و سرّ صناعة الإعراب 1/338، و شرح شواهد الشافية ص 24، و لسان العرب (غضب) و (نع) و (زيف) ، و المحتسب 1/258، و بلا نسبة في الخصائص 3/193، و رصف المباني 11، و شرح شافية ابن الحاجب 1/70، و لسان العرب (بوع) ، و (تنف) ، و (دوم) ، (خظا) ، و مجالس ثعلب 2/539، و المحتسب 1/78.

8

قال محمد بن يزيد: يقال: قسا إذا صلب، قال: و كذلك عتا و عسا مقاربة لها، و قلب قاس أي صلب لا يرقّ و لا يلين. أُولََئِكَ في موضع رفع بالابتداء أي أولئك الذين قست قلوبهم فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ .

اَللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتََاباً مُتَشََابِهاً على البدل من أحسن. مَثََانِيَ نعت لكتاب.

و لم ينصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد تَقْشَعِرُّ مِنْهُ في موضع نصب على أنه نعت لكتاب ذََلِكَ في موضع رفع بالابتداء أي ذلك الخوف و الرجاء و لين القلوب هُدَى اَللََّهِ .

أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ اَلْعَذََابِ حذف الجواب. قال الأخفش سعيد: أي أ فمن يتّقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد.

فَأَذََاقَهُمُ اَللََّهُ قال محمد بن يزيد: يقال لكل ما نال الجارحة من شي‏ء قد ذاقته أي قد وصل إليها كما تصل الحلاوة و المرارة إلى ذائقهما، قال: و الخزي المكروه و الخزاء إفراط الاستحياء.

قُرْآناً عَرَبِيًّا نصب على الحال. قال الأخفش: لأن قوله جلّ و عزّ في هذا القرآن معرفة. و قال علي بن سليمان: «عربيا» نصب على الحال و قرانا توطئة الحال، كما تقول: مررت بزيد رجلا صالحا، فقولك صالحا هو المنصوب على الحال. قال أبو إسحاق: «قرانا عربيا» على حال، و قال: «قرانا» توكيد. غَيْرَ ذِي عِوَجٍ نعت. أحسن ما قيل فيه ما قاله الضحاك قال مختلف.

ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكََاءُ مُتَشََاكِسُونَ قال الفراء: أي مختلفون. قال محمد بن‏

9

يزيد: أي متعاسرون، من شكس يشكس فهو شكس مثل عسر يعسر عسرا فهو عسر.

وَ رَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هذه قراءة أهل المدينة و أهل الكوفة، و قرأ ابن عباس و الحسن و مجاهد و الجحدري و أبو عمرو و ابن كثير. وَ رَجُلاً سَلَماً فسّرها ابن عباس قال:

خالصا. قال أبو جعفر: و مال أبو عبيد إلى هذه القراءة قال: لأن السالم ضد المشرك، و السلم ضد الحرب و لا معنى للمحارب هاهنا. قال أبو جعفر: و هذا الاحتجاج لا يلزم لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلاّ على أولاهما فهذا و إن كان السلم ضد الحرب فله موضع أخر، كما يقال: كان لك في هذا المنزل شركاء فصار سلما لك و يلزمه أيضا في سالم ما لزمه في غيره؛ لأنه يقال: شي‏ء سالم لا عاهة به. و القراءتان حسنتان قد قرأ بهما الأئمة.

و قراءة ابن محيصن و ابن أبي إسحاق و عيسى إنّك مائت و إنّهم مائتون . قال أبو جعفر: و هي قراءة حسنة و مثل هذه الألف تحذف في السواد. و مائت في المستقبل كثير في كلام العرب، و مثله: ما كان مريضا و إنّه لمارض من هذا الطعام. و ميّت جائز أيضا و تخفيفه جائز عند غير أبي عمرو بن العلاء فإنه كان لا يجيز التخفيف في المستقبل.

قيل: يعني في المظالم، و في الحديث المسند «أول ما تقع فيه الخصومات الدماء» (1) .

أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكََافِرِينَ مَثْوىً في موضع رفع و لم يتبيّن فيه الإعراب؛ لأنه مقصور. و هو مشتق من ثوى يثوي، و لو كان من أثوى لكان مثوى، و هذا يدلّ على أنّ ثوى هو اللغة الفصيحة. و قد حكى أبو عبيدة أثوى، و أنشد: [الكامل‏] 388-

أثوى و قصّر ليلة ليزوّدا

(2)

____________

(1) أخرجه الترمذي في الديات 6/173.

(2) الشاهد للأعشى في ديوانه 277، و لسان العرب (خلف) و (ثوا) ، و جمهرة اللغة ص 615، و مقاييس اللغة 1/393، و مجمل اللغة 2/213، و ديوان الأدب 4/109، و تهذيب اللغة 15/167، و تاج العروس (خلف) ، و (ثوى) ، و بلا نسبة في المخصّص 13/262. و عجزه:

«فمضت و أخلف من قتيله مواعدا»

10

و الأصمعي لا يعرف إلاّ ثوى و يرويه أثوى.

وَ اَلَّذِي جََاءَ بِالصِّدْقِ في موضع رفع بالابتداء، و خبره أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ و تأوّله إبراهيم النخعي على أنه للجماعة، و قال: اَلَّذِي جََاءَ بِالصِّدْقِ المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة فيقولون هذا الذي أعطيتمونا قد اتّبعنا ما فيه، فيكون الذي على هذا بمعنى جمع كما يكون «من» بمعنى جمع. و قيل بل حذفت النون لطول الاسم. و تأوله الشّعبي على أنه واحد، و قال: الذي جاء بالصدق محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و صدق به أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، و الصحابة فيكون على هذا خبره جماعة كما يقال لمن يعظّم: هم فعلوا كذا و كذا. و جواب أخر أن يكون له و لمن اتّبعه صلّى اللّه عليه و سلّم و في قراءة ابن مسعود و الذين جاءوا بالصدق و صدّقوا به فهذه قراءة على التفسير، و في قراءة أبي صالح الكوفي وَ اَلَّذِي جََاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ (1) (2) مخفّفا يكون معناه-و اللّه أعلم-و صدق فيه كما يقال: فلان بمكّة و في مكّة.

أَ لَيْسَ اَللََّهُ بِكََافٍ عَبْدَهُ حذفت الياء لسكونها و سكون التنوين بعدها، و كان الأصل ألاّ تحذف في الوقف لزوال التنوين إلاّ أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في الوصل، و من العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول: كافي عبده.

هَلْ هُنَّ كََاشِفََاتُ ضُرِّهِ (3) بغير تنوين قراءة أبي جعفر و نافع و ابن كثير و يحيى بن و ثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي، و قرأ أبو عمرو و شيبة و هي المعروفة من قراءة الحسن و عاصم هَلْ هُنَّ كََاشِفََاتُ ضُرِّهِ و مُمْسِكََاتُ رَحْمَتِهِ بالتنوين على الأصل لأنه لما لم يقع بعد و لو كان ماضيا لم يجز فيه التنوين. و حذف التنوين على التخفيف فإذا حذف التنوين لم يبق بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. و حذف التنوين

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/419.

(2) انظر البحر المحيط 7/412.

(3) انظر تفسير الداني 154.

11

كثير في كلام العرب موجود حسن. قال اللّه جلّ و عزّ: هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ ، [المائدة:

95]و كذا هََذََا عََارِضٌ مُمْطِرُنََا [الأحقاف: 24]، و كذا إِنََّا مُرْسِلُوا اَلنََّاقَةِ [القمر: 27].

قال سيبويه: مثل ذلك كثير مثله‏ غَيْرَ مُحِلِّي اَلصَّيْدِ [المائدة: 1]لأن معناه كمعنى‏ وَ لاَ آمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرََامَ [المائدة: 2]، و أنشد سيبويه: [البسيط].

389-

هل أنت باعث دينار لحاجتنا # أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق‏

(1)

و قال النابغة: [البسيط] 390-

و احكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت # إلى حمام شراع وارد الثمد

(2)

معناه وارد الثّمد فحذف التنوين مثل «كاشفات ضرّه» .

قُلْ يََا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى‏ََ مَكََانَتِكُمْ إِنِّي عََامِلٌ على مكانتي أي على جهتي التي تمكّنت عندي.

قيل: معناه لنبيّنه للناس بالحقّ الذي أمروا به فيه.

فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ و قراءة يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ (3) على ما لم يسمّ فاعله، و المعنى واحد غير أن القراءة الأولى أبين و أشبه بنسق الكلام لأنهم قد جمعوا على «و يرسل» و لم

____________

(1) الشاهد لجابر بن رألان أو لجرير أو لتأبط شرا، أو هو مصنوع في خزانة الأدب 8/215، و لجرير بن الخطفى أو لمجهول أو هو مصنوع في المقاصد النحوية 3/513، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/ 256، و الدرر 6/192، و الكتاب 1/227، و شرح أبيات سيبويه 1/395، و شرح الأشموني 2/344، و المقتضب 4/151، و همع الهوامع 2/145.

(2) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه 23، و الكتاب 1/223، و أدب الكاتب ص 25، و الحيوان 3/221، و الدرر 1/217، و شرح أبيات سيبويه 1/33، و لسان العرب (حكم) و (حمم) ، و بلا نسبة في شرح التصريح 1/225.

(3) انظر تيسير الداني 154.

12

يقرءوا و يرسل و قد مرّ في الكتاب الذي قبل هذا العلّة في فتح الواو في قوله جلّ و عزّ:

أَ وَ لَوْ كََانُوا لاََ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لاََ يَعْقِلُونَ .

نصب على الحال، فإن قيل: جميع إنّما يكون للاثنين فصاعدا و الشفاعة واحدة.

فالجواب أن الشفاعة مصدر، و المصدر يؤدّي عن الاثنين و الجميع.

وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ نصب على المصدر عند الخليل و سيبويه‏ (1) ، و على الحال عند يونس قال محمد بن يزيد: اِشْمَأَزَّتْ أي انقبضت.

قُلِ اَللََّهُمَّ فََاطِرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ نصب لأنه نداء مضاف، و كذا عََالِمَ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ و لا يجوز عند سيبويه أن يكون نعتا.

من أجلّ ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالا توهّموا أنها حسنات فإذا هي سيئات، و قيل: عملوا أعمالا سيئة و توهّموا أنهم يتوبون قبل الموت فأدركهم الموت، و قد كانوا ظنوا أنّهم ينجون بالتوبة فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون، و يجوز أن يكونوا توهّموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون، من دخول النار.

وَ بَدََا لَهُمْ سَيِّئََاتُ أي عقاب سيّئات أو ذكر سيئات.

قََالَ إِنَّمََا أُوتِيتُهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ قال أبو إسحاق: أي على شرف و فضل يجب لي به هذا

____________

(1) انظر الكتاب 1/442.

13

الذي أعطيته فقد علمت أنّي سأعطى هذا بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ قال الفراء: أنّث لتأنيث الفتنة و لو كان بل هو فتنة لجاز. قال أبو جعفر: التقدير: بل أعطيته فتنة. وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أنّ إعطاءهم المال اختبار، و قيل: عملهم عمل من لا يعلم.

قَدْ قََالَهَا اَلَّذِينَ على تأنيث الكلمة.

قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ و إن شئت حذفت الياء لأن النداء موضع حذف. و من أجلّ ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال:

لما اجتمعنا على الهجرة اتّعدت أنا و هشام بن العاصي بن وائل السّهمي و عيّاش بن عتبة فقلنا الموعد أضاة غفر، و قلنا من تأخر منّا فقد حبس فأصبحت أنا و عيّاش بن عتبة بها، و لم يواف هشام و إذا به قد فتن ففتن. و كنا نقول بالمدينة هؤلاء قوم قد عرفوا اللّه جلّ و عزّ و آمنوا به و برسوله صلّى اللّه عليه و سلّم ثم افتتنوا ببلاء لحقهم لا نرى لهم توبة و كانوا هم أيضا يقولون هذا فأنزل اللّه جلّ و عزّ قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إلى أخر القصة. و روى عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا و زنوا فأكثروا فقالوا للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أو بعثوا إليه إنّ ما تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لنا توبة فأنزل اللّه جلّ و عزّ: قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ إلى أخر الآيات، قال عبد اللّه بن عمر: هذه أرجى آية في القرآن فردّ عليه ابن عباس فقال:

بل أرجى آية في القرآن‏ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ [الرعد: 6]. و روى حمّاد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء أنها سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يقرأ:

قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً و لا يبالي إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ و في مصحف ابن مسعود (1) إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعا لمن يشاء و هاتان القراءتان على التفسير أي يغفر لمن يشاء، و قد عرّف اللّه جلّ و عزّ من يشاء أن يغفر له، و هو التائب أو من عمل صغيرة و لم يكن له كبيرة و دلّ على أنه يريد التائب ما بعده.

وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ فالتائب مغفور له ذنوبه جميعا. يدل على ذلك‏ وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ [طه: 82]. فهذا الإشكال فيه وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ قال الضحاك:

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/421.

14

أي «أنيبوا» ارجعوا إلى طاعته جلّ و عزّ و أمره. قال أبو جعفر: ثم تواعد ما لم يثب فقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَذََابُ ثُمَّ لاََ تُنْصَرُونَ أي فلا يدفعه أحد عنكم.

أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ في موضع نصب أي كراهة أن تقول، و عند الكوفيين بمعنى لئلا تقول نفس يََا حَسْرَتى‏ََ و الأصل: يا حسرتي أي يا ندمي، فأبدل من الياء ألفا لأنها أخفّ فالفائدة في نداء الحسرة أنّ في ذلك معنى أنّها لازمة موجودة فهذا أبلغ من الخبر. و أجاز الفراء (1) في الوصل: يا حسرتاه على كذا: و يا حسرتاه على كذا، و ذكر هذا القول في الآية و شبّهه بالندبة. و إثبات الهاء في الوصل خطأ عند جميع النحويين غيره، و ليس هذا موضع ندبة و لا في السّواد هاء و لا قرأ به أحد عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ قال الضحاك: أي في ذكر اللّه قال: يعني القرآن و العمل به. و في حديث ابن عجلان عن سعيد المقبريّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «ما جلس رجل مجلسا و لا مشى مشيا و لا اضطجع مضطجعا لم يذكر اللّه جلّ و عزّ فيه إلاّ كانت عليه ترة يوم القيامة» (2) أي حسرة. قال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي أتاه اللّه إيّاه يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه فعمل فيه بالحقّ، و كان له أجره، و على الآخر وزره. و من الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوّله اللّه إياه جلّ و عزّ في الدنيا أقرب منزلة من اللّه جلّ و عزّ، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة و عمي هو. وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ اَلسََّاخِرِينَ قال أبو إسحاق: أي ما كنت إلاّ من المستهزئين.

قيل: معناه لو هداني إلى النجاة من النار، و ردّني إلى التكليف. لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ المعاصي. و قيل: لو أن اللّه هداني في الدنيا، فردّ عليه فقيل بَلى‏ََ قَدْ جََاءَتْكَ آيََاتِي أي قد هديتك بالبيّنات.

أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى اَلْعَذََابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ نصب على جواب التمني، فإن شئت كان معطوفا على كرة لأن معناه أن أكون كما قال: [الوافر] 391-

للبس عباءة و تقرّ عيني # أحبّ إليّ من لبس الشّفوف‏

(3)

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/422.

(2) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال (25461) .

(3) مرّ الشاهد رقم (123) .

15

بَلى‏ََ قَدْ جََاءَتْكَ آيََاتِي بفتح الكاف، و النفس مؤنّثة لأن المعنى للمذكر، و قرأ (1)

عاصم الجحدري بالكسر على تأنيث النفس و القراءة بالكسر تروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم.

وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ مبتدأ و خبره في موضع نصب، و يجوز النصب على أن تكون وجوههم بدلا من الذين. أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ و بيّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم معنى الكبر فقال: الكبر سفه الحقّ و غمس الناس أي احتقارهم. و في حديث عبد اللّه بن عمر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة كهيئة الذّرّ يلحقهم الصّغار حتّى يؤتى بهم إلى سجن في جهنّم» (2) .

وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ لاََ يَمَسُّهُمُ اَلسُّوءُ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ (61) وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ هذه قراءة أكثر الناس على التوحيد لأنها مصدر.

و قرأ الكوفيون (بمفازاتهم) (3) و هو جائز كما تقول: بسعاداتهم و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم تفسير هذه الآية من حديث أبي هريرة قال: «يحشر اللّه جلّ و عزّ مع كلّ امرئ عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة فكلّما كان رعب أو خوف قال له: لا ترع فما أنت بالمراد به، و لا أنت بالمعنيّ به فإذا كثر ذلك عليه قال له: ما أحسنك فمن أنت؟ فيقول، أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فو اللّه لأحملنّك اليوم و لأدفعنّ عنك فهي التي قال: وَ يُنَجِّي اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفََازَتِهِمْ لاََ يَمَسُّهُمُ اَلسُّوءُ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ » (4) .

أي هو حافظه و القائم به.

لَهُ مَقََالِيدُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ واحدها مقليد و أكثر ما يستعمل فيه إقليد وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ مبتدأ أُولََئِكَ هُمُ مبتدأ ثان: اَلْخََاسِرُونَ خبر الثاني «و هم» فاصلة، و يجوز أن يكون «أولئك» بدلا من الذين و «هم» مبتدأ و «الخاسرون» خبره و الجملة خبر الذين.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/419.

(2) أخرجه أحمد في مسنده 2/178، و الترمذي رقم الحديث (2492) ، و المنذري في الترغيب و الترهيب 4/388 انظر رقم 19 و الزبيدي في إتحاف السادة المتّقين 1/309.

(3) انظر البحر المحيط 7/420.

(4) ذكره القرطبي في تفسيره 15/274.

16

غير نصب بأعبد، و الكسائي يذهب إلى أن التقدير: أن أعبد ثم حذف أن فرفع الفعل، و هو أحد قولي سيبويه‏ (1) في أَعْبُدُ هذا، و قوله الآخر أنّ التقدير؛ «أ فغير اللّه أعبد فيما تأمروني» و هذا قول بيّن أي أ فغير اللّه أعبد أنتم تأمرونّي، و في هذا معنى في أمركم. و الأخفش سعيد يقول: تأمرونني ملغى كما تقول: قال ذلك زيد بلغني. و هذا هو قول سيبويه بعينه فأما أن يكون الشي‏ء يعمل نصبا فإذا حذف كان عمله أقوى فعمل رفعا فبين الخطأ، و لو أظهرت «أن» هاهنا لم يجز و كان تفريقا بين الصلة و الموصول، و الأصل: تأمرونني أدغمت النون في النون فأما «تأمروني» بنون واحدة مخفّفة فإنما يجي‏ء مثله شاذّا في الشعر، و أبو عمرو بن العلاء رحمه اللّه يقول لحن، و قد أنشد سيبويه في مثله: [الوافر] 392-

ترعاه كالثّغام يعلّ مسكا # يسوء الفاليات إذا فليني‏

(2)

و سمعت علي بن سليمان يقول: كان النحويون من قبل يتعجّبون من فصاحة جرير و قوله على البديه إنهم يبدؤوني. فأما حذف الياء من «تأمروني» فسهل لأنّ النون كأنها عوض منها و الكسرة دالّة عليها.

وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ قال محمد بن يزيد:

ليفسدنّ و ذهب إلى أنّه من قولهم حبط بطنه يحبط و حبج يحبج إذا فسد من داء بعينه.

بَلِ اَللََّهَ فَاعْبُدْ قال أبو جعفر: في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم اللّه جلّ و عزّ منصوب بأعبد، قال: و لا اختلاف في هذا عند البصريين و الكوفيين. قال أبو جعفر:

و قد قال الفراء (3) : يكون نصبا بإضمار فعل لأنه أمر. فأمال الفاء فقال أبو إسحاق: إنها للمجازاة، و غيره يقول بأنها زائدة.

وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ قال محمد بن يزيد: أي عظّموه من قولك فلان عظيم

____________

(1) انظر الكتاب 3/116.

(2) مرّ الشاهد رقم (134) .

(3) انظر معاني الفراء 2/242.

17

القدر. قال أبو جعفر: فالمعنى على هذا: و ما عظّموا اللّه حقّ عظمته إذ عبدوا معه غيره، و هو خالق الأشياء و مالكها وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ مبتدأ و خبره، و أجاز الفراء (1) : «قبضته» بالنصب بمعنى في قبضته. قال أبو إسحاق: لم يقرأ به، و هو خطأ عند البصريين لا يجوز لا يقولون: زيد قبضتك و لا المال قبضتك أي في قبضتك، قال: و لو جاز هذا لجاز: زيد دارك، أي في دارك. وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ مبتدأ و خبره، و أجاز الكسائي و الفراء (2) و أبو إسحاق: «مطويّات» بكسر التاء، قال أبو إسحاق: على الحال.

ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ و أجاز الكسائي: قياما بالنصب، كما تقول:

خرجت فإذا زيد جالسا. قال زيد بن أسلم في قوله جلّ و عزّ: } وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ الشهداء الحفظة.

وَ سِيقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ََ جَهَنَّمَ زُمَراً نصب على الحال. حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا (3) جواب إذا. و في قصّة أهل الجنة. } وَ فُتِحَتْ بالواو. فالكوفيون يقولون:

الواو زائدة، و هذا خطأ عند البصريين لأنها تفيد معنى و هي العطف هاهنا و الجواب محذوف قال محمد بن يزيد: أي سعدوا. و حذف الجواب بليغ في كلام العرب و أنشد: [الطويل‏] 393-

فلو أنّها نفس تموت سويّة # و لكنّها نفس تساقط أنفسا

(4)

فحذف جواب «لو» ، و التقدير: لكان أروح. فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني و حذفها من الأول فقد تكلّم فيه بعض أهل العلم، يقول: لا أعلم أنه سبقه إليه

____________

(1) انظر معاني الفراء 2/425.

(2) انظر معاني الفراء 2/425.

(3) انظر تيسير الداني 154.

(4) مرّ الشاهد رقم (284) .

18

أحد، و هو أنه قال: لمّا قال اللّه جلّ و عزّ في أهل النار حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا دلّ بهذا على أنها كانت مغلقة، و لما قال في أهل الجنة حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا دلّ بهذا على أنها كانت مفتّحة قبل أن يجيئوها. و اللّه جلّ و عزّ أعلم.

وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشََاءُ قد ذكرنا قول قتادة إنها أرض الجنة، و قد قيل: إنها أرض الدنيا على التقديم و التأخير.

حَافِّينَ قال الأخفش: واحدهم حافّ، و قال الفراء: لا يفرد لهم واحد لأن هذا الاسم لا يقع لهم إلاّ مجتمعين وَ قِيلَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ أي يقول المؤمنون: الحمد للّه الذي أثابنا فله الحمد على ما أثابنا من نعمه و إحسانه و نصرنا على من ظلمنا.

19

40 شرح إعراب سورة الطول (غافر)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

بإسكان الميم الآخرة لأنها حروف هجاء فحكمها السكون لأنها يوقف عليها.

و أما قراءة عيسى بن عمر حاميم تنزيل (1) فمفتوحة لالتقاء الساكنين، و يجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل و لم ينصرف لأنها اسم المؤنث، أو لأنها أعجمية مثل هابيل و قابيل.

تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ على إضمار مبتدأ و «تنزيل» في موضع منزّل على المجاز، و يجوز أن يكون تنزيل رفعا بالابتداء و الخبر مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ .

غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ شَدِيدِ اَلْعِقََابِ قال الفراء (2) : جعلتها كالنعت للمعرفة و هي نكرة. و قال أبو إسحاق: هي خفض على البدل. قال أبو جعفر: و تحقيق الكلام في هذا و تلخيصه أن غافر الذنب و قابل التوب يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، و يجوز أن يكونا للمستقبل و الحال فيكونا نكرتين، و لا يجوز نعتين على هذا و لكن يكون خفضهما على البدل، و يجوز النصب على الحال. فأما شَدِيدِ اَلْعِقََابِ فهو نكرة فيكون خفضه على البدل. و التواب: جمع توبة أو مصدر. و قال أبو العباس: الذي يسبق إلى القلب أن يكون مصدرا أي يقبل هذا الفعل، كما تقول: قال يقول قولا. و إذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات. ذِي اَلطَّوْلِ على البدل لأنه نكرة و على النعت لأنه معرفة.

____________

(1) انظر تيسير الداني 155.

(2) انظر معاني الفراء 3/5.

20

مََا يُجََادِلُ فِي آيََاتِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مجاز أي في دفع آيات اللّه جلّ و عزّ. فَلاََ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي اَلْبِلاََدِ قال أبو العباس: أي تصرّفهم، كما يقال: فلان يتقلب في ماله.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ على تأنيث الجماعة أي كذّبت الرسل. قال أبو العباس: لِيُدْحِضُوا ليزيلوا. و منه مكان دحض أي مزلقة.

قال وَ كَذََلِكَ حَقَّتْ وجبت و لزمت؛ لأنه مأخوذ من الحقّ لأنه اللازم. أَنَّهُمْ قال الأخفش: أي لأنهم و بأنهم. قال أبو إسحاق: و يجوز «إنّهم» بكسر الهمزة أَصْحََابُ اَلنََّارِ المعذبون بها.

اتّصل هذا بذكر الكفار لأن المعنى-و اللّه أعلم-الذين يحملون العرش و من حوله ينزّهون اللّه جلّ و عزّ عمّا يقوله الكفار. وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا و قد غفر لهم لأن اللّه جلّ و عزّ يحبّ ذلك فهم مطيعون للّه جلّ و عزّ بذلك رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً منصوبان على البيان. فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ و لا يجوز إدغام الراء في اللام لأن في الراء تكريرا.

مَنْ في موضع نصب معطوف على الهاء و الميم التي في وَعَدْتَهُمْ ، أو على الهاء و الميم في أَدْخِلْهُمْ .

سمّى العقاب سيئات مجازا لأنه عقاب على السيئات.

21

قال الأخفش: لَمَقْتُ هذه لام الابتداء و وقعت بعد يُنََادَوْنَ لأن معناه يقال لهم و النداء قول. و قال غيره المعنى يقال لهم: لمقت اللّه إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقت بعضكم بعضا يوم القيامة لأن بعضهم عادى بعضا و مقته يوم القيامة فأذعنوا عند ذلك و خضعوا، و طلبوا الخروج من النار فقالوا} رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنََا بِذُنُوبِنََا فَهَلْ إِلى‏ََ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ و «من» زائدة للتوكيد.

ذََلِكُمْ في موضع رفع أي الأمر ذلكم أي ذلكم العذاب بِأَنَّهُ إِذََا دُعِيَ اَللََّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ أي لأنه إذا وحّد اللّه كفرتم و أنكرتم، و إن أشرك به مشرك صدّقتموه و امنتم به و الهاء كناية عن الحديث فَالْحُكْمُ لِلََّهِ أي للّه جلّ و عزّ وحده لا لما تعبدونه من الأصنام اَلْعَلِيِّ اَلْكَبِيرِ .

فادعوه أي من أجل ذلك ادعوه مُخْلِصِينَ على الحال.

رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ ذُو اَلْعَرْشِ على إضمار مبتدأ. قال الأخفش: يجوز نصبه على المدح، و قرأ الحسن لتنذر يوم التلاق (1) و هي مخاطبة للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و تأوّل أبو عبيد قراءة من قرأ لينذر بالياء أنّ المعنى: لينذر اللّه. و قال أبو إسحاق: الأجود أن يكون للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لأنه أقرب و حذفت الياء من «التلاق» لأنه رأس آية.

يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ هُمْ في موضع رفع بالابتداء و بََارِزُونَ خبره، و الجملة في موضع خفض بالإضافة؛ فلذلك حذفت التنوين من يوم و إنما يكون في هذا عند سيبويه‏ (2) إذا كان كان الظرف بمعنى «إذ» تقول: لقيتك يوم زيد أمير، فإذا كان بمعنى إذا لم يجز نحو: أنا ألقاك يوم زيد أمير لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ أصحّ ما

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/437.

(2) انظر الكتاب 3/138.

22

قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود، قال: يحشر النّاس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص اللّه جلّ و عزّ عليها فيؤمر مناد أن ينادي لمن الملك اليوم؟فهذا قول بيّن. فأما أن يكون هذا و الخلق غير موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه. و القول الأول صحيح عن ابن مسعود، و ليس هو مما يؤخذ بالقياس، و لا بالتأويل و المعنى على قوله فينادي مناد يوم القيامة ليقرّر الناس لمن الملك اليوم فيقول العباد مؤمنهم و كافرهم: للّه الواحد القهّار فيقول المؤمنون هذا سرورا و تلذاذا، و يقول الكافرون هذا رغما و انقيادا و خضوعا.

إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى اَلْحَنََاجِرِ كََاظِمِينَ نصبت كاظمين على الحال و هو محمول على المعنى. قال أبو إسحاق: المعنى: إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم، و أجاز الفراء (1) أن يكون التقدير: و أنذرهم كاظمين على أنه خبر القلوب، و قال: لأن المعنى إذ هم كاظمين. و قال الكسائي: يجوز رفع كاظمين على الابتداء مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ أي قريب وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ من نعت شفيع أي و لا شفيع يسأل فيجاب.

يَعْلَمُ خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ . قال أبو إسحاق: أي من نظر و نيّته الخيانة، و قال الفراء: يعلم خائنة الأعين النظرة الثانية وَ مََا تُخْفِي اَلصُّدُورُ النظرة الأولى.

إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ «هو» زائدة فاصلة، و يجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء و ما بعدها خبر عنها و الجملة خبر «إنّ» .

أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا عطف على يسيروا في موضع جزم، و يجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، و الجزم و النصب في التثنية و الجمع واحد. كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اسم كان و الخبر في كيف. وََاقٍ في موضع خفض معطوف على اللفظ، و يجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه و خفضه واحد لأن الياء تحذف و تبقى الكسرة دالّة عليها.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/6.

23

في قوله جلّ و عزّ وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسى‏ََ تِسْعَ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ [الإسراء: 101] «و سلطان مبين» «السلطان» الحجّة و هو يذكّر و يؤنّث.

إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ قََارُونَ أسماء أعجمية لا تنصرف و هي معارف، فإن نكّرتها انصرفت. فَقََالُوا سََاحِرٌ كَذََّابٌ مرفوع على إضمار مبتدأ أي هو ساحر.

قََالُوا اُقْتُلُوا أَبْنََاءَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جمع ابن على الأصل و الأصل فيه بني. و قال قتادة: هذا القتل الثاني فهذا على قوله إنه معاقبة لهم، و القتل الأول كان لأنه قيل لفرعون: إنّه يولد في بني إسرائيل ولد يكون زوال ملكك على يده فأمر بقتل أبنائهم و استحياء نسائهم ثم كان القتل الثاني عقوبة لهم ليمتنع الناس من الإيمان. قال اللّه جلّ و عزّ مََا كَيْدُ اَلْكََافِرِينَ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ أي إنّه لا يمتنع النّاس من الإيمان، و إن فعل بهم مثل هذا فكيف يذهب باطلا.

أَقْتُلْ جزم لأنه جواب الأمر وَ لْيَدْعُ جزم لأنه أمر و ذَرُونِي ليس بمجزوم و إن كان أمرا، و لكن لفظه لفظ المجزوم و هو مبني، و قيل: هذا يدلّ على أنّه قيل لفرعون: إنّا نخاف أن ندعو عليك فيجاب، فقال وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ (1) هذه قراءة المدنيين و أبي عبد الرحمن و ابن عامر و أبي عمرو، و قراءة الكوفيين أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسََادَ (2) و كذا في مصاحف الكوفيين «أو» بألف و إليه يذهب أبو عبيد، قال: لأن «أو» قد تكون بمعنى الواو لأن في ذلك بطلان المعاني، و لو جاز أن يكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا هاهنا لأن معنى الواو إني أخاف الأمرين جميعا، و معنى «أو» لأحد الأمرين أي إنّي أخاف أن يبدّل دينكم فإن أعوزه ذلك أفسد في الأرض.

____________

(1) انظر تيسير الداني 155، و البحر المحيط 7/441.

(2) انظر تيسير الداني 155، و البحر المحيط 7/441.

24

أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللََّهُ في موضع نصب أي لأن يقول. وَ إِنْ يَكُ كََاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ و لو كان «يكن» جاز و لكن حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه، و لأنها نون الإعراب على قول أبي العباس.

ظََاهِرِينَ نصب على الحال. و قد ذكرنا ما بعده‏} مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَحْزََابِ يعني به من أهلك و اللّه أعلم.

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ على البدل. وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لم ينصرف ثمود؛ لأنه اسم للقبيلة و صرفه جائز على أنه اسم للحيّ. وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ في موضع خفض على النسق.

و قراءة الضحاك يَوْمَ اَلتَّنََادِ (1) بالتشديد، و قد رويت عن ابن عباس إلاّ أنها من رواية الكلبي عن أبي صالح. قال أبو جعفر: يقال: ندّ البعير يندّ إذا نفر من شي‏ء يراه ثم يستعار ذلك لغير البعير. و في القراءة جمع بين ساكنين إلا أنه جائز.

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ على البدل من‏ يَوْمَ اَلتَّنََادِ . مُدْبِرِينَ على الحال. وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ هََادٍ في موضع خفض بمن و من و ما بعدها في موضع رفع، و رفع هاد و خفضه واحد.

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/444، و المحتسب 2/243.

25

وَ لَقَدْ جََاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنََاتِ من قبل موسى صلّى اللّه عليهما فذكر وهب بن منبّه أن فرعون موسى هو فرعون يوسف صلّى اللّه عليه و سلّم عمّر، و غيره يقول: هو أخر و ليس في هذه الآية دليل على أنه هو لأنه إذا أتى بالبيّنات فهي لمن معه، و لمن بعده، و قد جاءهم جميعا بها و عليهم أن يصدقوه بها. كَذََلِكَ يُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتََابٌ .

اَلَّذِينَ يُجََادِلُونَ في موضع نصب على البدل من «من» ، و يجوز أن يكون في موضع رفع على معنى هم الذين يجادلون في آيات اللّه أو على الابتداء. مَقْتاً على البيان أي كبر جدالهم مقتا. كَذََلِكَ يَطْبَعُ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبََّارٍ و قراءة أبي عمرو عَلى‏ََ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبََّارٍ (1) بالتنوين. قال أبو جعفر: قال أبو إسحاق:

الإضافة أولى لأن المتكبّر هو الإنسان و قد يقال: قلب متكبر يراد به الإنسان.

أَسْبََابَ اَلسَّمََاوََاتِ بدل من «الأسباب» . } فَأَطَّلِعَ عطف على أَبْلُغُ و قرأ الأعرج فأطلع (2) بالنصب. قال أبو عبيد: على الجواب. قال أبو جعفر: معنى النصب خلاف معنى الرفع؛ لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطّلعت و معنى الرفع لعليّ أبلغ الأسباب ثم لعليّ أطّلع بعد ذلك إلا أنّ ثم أشدّ تراخيا من الفاء. وَ كَذََلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ (3) عَنِ اَلسَّبِيلِ و قراءة الكوفيين و صدّ (4) و يجوز على هذه القراءة و صدّ (5) تقلب كسرة الدال على الصاد، و قراءة ابن أبي إسحاق و عبد الرحمن بن أبي بكرة و صدّ عن السبيل .

و قراءة معاذ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ اَلرَّشََادِ (6) . قال أبو جعفر: و قد ذكرناه.

____________

(1) انظر تيسير الداني 155.

(2) انظر تيسير الداني 155، و البحر المحيط 7/446.

(3) انظر تيسير الداني 155.

(4) انظر البحر المحيط 7/446، و هذه قراءة الجمهور.

(5) انظر البحر المحيط 7/446، و هذه قراءة الجمهور.

(6) انظر البحر المحيط 7/446.

26

لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ قال أبو إسحاق: أي ليس له استجابة دعوة تنفع، و قال غيره:

ليس له دعوة توجب له الألوهة في الدنيا و في الآخرة.

فَسَتَذْكُرُونَ مََا أَقُولُ لَكُمْ أي في الآخرة. وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اَللََّهِ قيل: هذا يدلّ على أنهم أرادوا قتله. قال الكسائي: يقال: حاق يحيق حيقا و حيوقا إذا نزل و لزم.

اَلنََّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا فيه ستة أوجه تكون النار بدلا من سوء، و يكون بمعنى هو النار، و تكون بالابتداء، و قال الفرّاء (1) : تكون مرفوعة بالعائد فهذه أربعة أوجه و أجاز الفرّاء النصب لأن بعدها عائدا و قبلها ما تتّصل به و أجاز الأخفش: الخفض على البدل من العذاب، و احتجّ بعض أهل اللغة في تثبيت عذاب القبر بقوله جلّ و عزّ: اَلنََّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا قال فهذا في الدنيا، و في الحديث عن ابن مسعود قال: «إن أرواح ال فرعون و من كان مثلهم من الكفار يعرضون على النار بالغداة و العشيّ فيقال هذه داركم» (2) و في حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم «إنّ الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة و العشيّ ثم تلا اَلنََّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهََا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا و إن المؤمن إذا مات عرضت روحه على الجنة بالغداة و العشي» (3) . قال الفرّاء (4) : في الغداة و العشيّ أي بمقادير ذلك في الدنيا. قال أبو جعفر: غدوّ مصدر جعل ظرفا على السعة وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ نصبت يوما بقوله أَدْخِلُوا (5) و قراءة الحسن و أبي الحسن و أبي عمرو و عاصم ادخلوا آل فرعون أشد العذاب تنصب ال فرعون في هذه القراءة على النداء المضاف و من قرأ أدخلوا ال فرعون نصبهم بوقوع الفعل عليهم و آلَ فِرْعَوْنَ من كان على دينه و على مذهبه و إذا كان من كان على دينه

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/9.

(2) انظر الطبري 24/46، و تفسير عبد الرزاق 3/192، و البغوي 4/99، و ابن كثير 4/82، و الدر المنثور 5/352.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه 3/243، و مسلم في صحيحه 4/2199.

(4) انظر معاني الفراء 3/9.

(5) انظر تيسير الداني 155.

27

و على مذهبه في أشدّ العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. و روى قتادة عن أبي حسّان الأعرج عن ناجية بن كعب عن عبد اللّه بن مسعود عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّ العبد يولد مؤمنا و يحيا مؤمنا و يموت مؤمنا، منهم يحيى بن زكريا صلّى اللّه عليهما و سلّم ولد مؤمنا و حيي مؤمنا و مات مؤمنا. و إن العبد يولد كافرا و يحيا كافرا و يموت كافرا، منهم فرعون ولد كافرا و حيي كافرا و مات كافرا» .

فَيَقُولُ اَلضُّعَفََاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا كُنََّا لَكُمْ تَبَعاً مصدر فلذلك لم يجمع، و لو جمع لقيل: أتباع.

قََالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا كُلٌّ فِيهََا قال الأخفش: كل مرفوع بالابتداء، و أجاز الفرّاء (1) و الكسائي إنّا كلا فيها بالنصب على النعت. قال أبو جعفر: و هذا من عظيم الخطأ أن ينعت المضمر، و أيضا فإنّ «كلاّ» لا تنعت و لا ينعت بها. هذا قول سيبويه نصا. و أكثر من هذا أنّه لا يجوز أن يبدل من المضمر هاهنا؛ لأنه مخاطب، و لا يبدل من المخاطب و لا المخاطب؛ لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما. هذا قول محمد بن يزيد نصا. إِنَّ اَللََّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ اَلْعِبََادِ أي حكم بينهم ألا يؤاخذ أحدا بذنب غيره.

اَلَّذِينَ في موضع رفع، و من العرب من يقول: اللذون على أنه جمع مسلّم معرب و من قال: الذين في موضع الرفع بناه، كما كان في الواحد مبنيا. و قال سعيد الأخفش: ضمّت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني على الفتح. و خزنة جمع خازن، و يقال: خزّان و خزّن. اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ جواب مجزوم، و إذا كان بالفاء كان منصوبا إلاّ أن الأكثر في كلام العرب في الأمر و ما أشبهه أن يكون بغير فاء، على هذا جاء القرآن بأفصح اللغات، كما قال: [الطويل‏] 394-قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل‏ (2)

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/10.

(2) مرّ الشاهد رقم (308) .

28

و في الحديث عن أبي الدرداء قال: «يلقى على أهل النار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن و لا يغني من جوع فيأكلون فلا يغني عنهم شيئا فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصّة فيغصّون به فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء فيستغيثون بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب فإذا دنا من وجوههم شواها فإذا وقع في بطونهم قطّع أمعاءهم و ما في بطونهم فيستغيثون بالملائكة فيقولون «ادعوا ربكم يخفّف عنا يوما من العذاب» (1) فيجيبونهم‏} أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنََاتِ قََالُوا بَلى‏ََ قََالُوا فَادْعُوا وَ مََا دُعََاءُ اَلْكََافِرِينَ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ .

إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا و يجوز حذف الضمة لثقلها فيقال: رسلنا. وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب عطفا على الرسل. و في الحديث عن أبي الدرداء و بعض المحدثين يقول عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «من ردّ عن عرض أخيه المسلم كان حقّا على اللّه جلّ و عزّ أن يردّ عنه نار جهنّم» (2) ثم تلا إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا و روى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «من حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث اللّه جلّ و عزّ ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من النار، و من ذكر مسلما بشي‏ء ليشينه به وقفه اللّه جلّ و عزّ على جسر جهنّم حتّى يخرج مما قال» (3) . وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهََادُ قال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الأشهاد فقال: الملائكة صلّى اللّه عليه و سلّم، و قال زيد بن أسلم‏ (4) : الأشهاد: الملائكة و النبيون و المؤمنون و الأجساد. قال أبو إسحاق:

الأشهاد: جمع شاهد مثل صاحب و أصحاب، قال أبو جعفر: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال و لا يقاس عليه، و لكن ما جاء منه مسموعا أدّى كما سمع و كان على حذف الزائد. و أجاز الأخفش و الفرّاء (5) : و يوم تقوم الأشهاد بالتاء على تأنيث الجماعة.

و قرأ أبو عمرو و ابن كثير لا تنفع الظالمين معذرتهم (6) قال بعض أهل اللغة: كان الأولى به أن يقرأ و يوم تقوم الأشهاد لأن الفعل يلي الأسماء، و أن يقرأ

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه في صفة جهنم 10/54.

(2) أخرجه الترمذي في سننه-البرّ و الصلة 8/118.

(3) أخرجه أبو داود في سننه-الأدب-الحديث رقم (4883) .

(4) زيد بن أسلم أبو أسامة، مولى عمر بن الخطاب، وردت عنه الـ في حروف القرآن، أخذ عنه شيبة ابن نصاح (136 هـ) ، ترجمته في غاية النهاية 1/296.

(5) انظر معاني الفراء 3/10.

(6) انظر تيسير الداني 155.

29

لاََ يَنْفَعُ اَلظََّالِمِينَ بالياء؛ لأنه قد حال بين الفعل و بين الاسم. قال أبو جعفر: هذا لا يلزم لأن الأشهاد واحدهم شاهد مذكّر فتذكير الجميع فيهم حسن، و معذرة مؤنّثة في اللفظ فتأنيثها حسن.

هُدىً في موضع نصب إلاّ أنه يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور. وَ ذِكْرى‏ََ معطوف عليه و نصبهما على الحال.

وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِبْكََارِ مصدر جعل ظرفا على السعة، و الأبكار جمع بكر.

قال أبو إسحاق: المعنى أنّ الذين يجادلون في دفع آيات اللّه و قدره مثل‏ وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]و قال سعيد بن جبير بِغَيْرِ سُلْطََانٍ بغير حجة. و السلطان يذكّر و يؤنّث و لو كان بغير سلطان أتتهم، لكان جائزا. أَتََاهُمْ من نعت سلطان و هو في موضع خفض. إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاََّ كِبْرٌ مََا هُمْ بِبََالِغِيهِ قال أبو إسحاق: المعنى:

ما في صدورهم إلاّ كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه فقدره على الحذف. و قال غيره:

المعنى ببالغي الكبر على غير حذف؛ لأنّ هؤلاء قوم رأوا أنهم إن اتّبعوا النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قلّ ارتفاعهم و نقصت أحوالهم و أنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا فأعلم اللّه جلّ و عزّ أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أمّلوه بالتكذيب فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ أي من شرّهم.

لَخَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ مبتدأ و خبره و هذه لام التوكيد، و سبيلها أن تكون في أول الكلام لأنها تؤكّد الجملة إلاّ أنها تزحلف عن موضعها. كذا قال سيبويه: تقول:

إن عمرا لخارج و إنما أخّرت عن موضعها لئلاّ يجمع بينها و بين «إنّ» لأنهما يؤديان عن معنى واحد، كذلك لا يجمع بين إنّ و أنّ عند البصريين. و أجاز هشام: إنّ أنّ زيدا منطلق حقّ، فإن حذفت حقّا لم يجز عند أحد من النحويين علمته و مما دخلت اللام في خبره قوله جلّ و عزّ بعد هذا إِنَّ اَلسََّاعَةَ لَآتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا .

30

اُدْعُونِي أمر غير معرب و لا مجزوم عند البصريين إلاّ أن تكون معه اللام، و عند الفراء مجزوم على حذف اللام «أستجب» مجزوم عند الجماعة؛ لأنه بمعنى جواب الشرط و هذه الهمزة مقطوعة لأنها بمنزلة النون في نفعل، و سقطت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها.

جَعَلَ هاهنا بمعنى خلق و العرب تفرق بين «جعل» إذا كانت بمعنى خلق و بين «جعل» إذا لم تكن بمعنى خلق، فلا تعديها إلاّ إلى مفعول واحد، و إذا لم تكن بمعنى خلق عديتها إلى مفعولين نحو قوله جلّ و عزّ: إِنََّا جَعَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] وَ اَلنَّهََارَ عطف عليه مُبْصِراً على الحال.

وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ و تروى عن ابن رزين فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بكسر الصاد و قد بيّن هذا سيبويه‏ (1) ، و ذكر أن الكسرة مجاورة للضمة لأن العرب تقول: ركبة و ركبات و يحذفون الضمة فيقولون: ركبات و كذلك هند و هندات و يحذفون الكسرة فيقولون: هندات، فتجاورت الضمة و الكسرة فجمعوا فعلة على فعل رشوة و رشى، فكذا عنده صورة و صور و هذا من أحسن كلام في النحو و أبينه، و نظيره أنهم يقولون‏ (2) : فخذ و فخذ و عضد و عضد، فيحذفون الكسرة و الضمة و لا يقولون: في جمل جمل فيحذفون الفتحة لخفتها، و يقولون: سورة و سورة و لا يقولون: في فعلة مفتوحة اللام إلا فعال نحو: جفنة و جفان و فعلة مثل: فعلة يقولون: فيها فعل. ألا ترى إلى تجانس فعلة و فعلة و مباينة فعلة لهما.

مُخْلِصِينَ على الحال. لَهُ اَلدِّينَ بوقوع الفعل عليه، و التقدير: قولوا الحمد للّه ربّ العالمين.

____________

(1) انظر الكتاب 3/440.

(2) انظر 4/228.

31

ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً و هذا جمع الكثير، و يقال: شيوخا، و في العدد القليل أشياخ و الأصل: أشيخ مثل فلس و أفلس إلاّ أن الحركة في الياء ثقيلة و قد كان فعل يجمع على أفعال و ليست فيه ياء تشبيها بفعل، قالوا: زند و أزناد، فلما استثقلت الحركة في الياء شبّهوا فعلا بفعل فقالوا: شيخ أشياخ، و إن اضطرّ شاعر جاز أن يقول: أشيخ مثل: عين أعين إلاّ أنه حسن في عين لأنها مؤنثة، و الشيخ من جاوز أربعين سنة.

وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفََّى مِنْ قَبْلُ قال مجاهد: أي من قبل أن يكون شيخا. قال أبو جعفر:

و لهذا الحذف ضمّت قبل، و قد ذكرنا العلة في اختيارهم الضمّ لها. قال مجاهد:

وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى الموت للكلّ.

إِذِ اَلْأَغْلاََلُ فِي أَعْنََاقِهِمْ وَ اَلسَّلاََسِلُ عطف على الأغلال. قال أبو حاتم يُسْحَبُونَ مستأنف على هذه القراءة، و قال غيره: هو في موضع نصب على الحال و التقدير: إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل مسحوبين. و روى أبو الجوزاء (1) عن ابن عباس أنه قرأ وَ اَلسَّلاََسِلُ (2) بالنصب يُسْحَبُونَ و التقدير في قراءته: و يسحبون السلاسل. قال أبو إسحاق: من قرأ وَ اَلسَّلاََسِلُ (3) بالخفض فالمعنى عنده و في السلاسل يسحبون و في الحميم و السلاسل. و هذا في كتاب أبي إسحاق «في القرآن» كذا، و الذي يبين لي أنه غلط لأن البيّن أنه يقدّره يسحبون في الحميم و السلاسل تكون السلاسل معطوفة على الحميم، و هذا خطأ لا نعلم أحدا يجيز: مررت و زيد بعمرو، و كذا المخفوض كلّه و إنما أجازوا ذلك في المرفوع أجازوا: قام و زيد عمرو، و هو بعيد في المنصوب نحو:

رأيت و زيدا عمرا، و في المخفوض لا يجوز لأن الفعل غير دال عليه.

أي ذلكم العذاب بما كنتم تفرحون بالمعاصي. و في بعض الحديث لو لم يعذّب اللّه جلّ و عزّ إلاّ على فرحنا بالمعاصي و استقامتها لنا. فهذا تأويل، و قيل: إن فرحهم

____________

(1) أبو الجوزاء: أوس بن عبد اللّه الربعي البصري، أخذ عن عائشة و ابن عباس (ت 83 هـ) . ترجمته في (خلاصته تذهيب الكمال 35) .

(2) انظر البحر المحيط 7/454.

(3) انظر البحر المحيط 7/454.

32

بما عندهم أنهم قالوا للرسل عليهم السلام: نحن نعلم أنا لا نبعث و لا نعذّب. و كذا قال مجاهد في قوله جلّ و عزّ: فَلَمََّا جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَرِحُوا بِمََا عِنْدَهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ قال بِمََا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أي بما كنتم تأشرون وَ بِمََا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي تبطرون.

فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ في موضع رفع أي قبحت مثوى المتكبرين.

فَإِمََّا نُرِيَنَّكَ في موضع جزم بالشرط و «ما» زائدة للتوكيد و كذا النون و زال الجزم و بني الفعل على الفتح لأنه بمنزلة الشيئين الذي يضمّ أحدهما، إلى الآخر أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ عطف عليه. فَإِلَيْنََا يُرْجَعُونَ الجواب‏} مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنََا عَلَيْكَ «من» في موضع رفع بالابتداء، و كذا وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ .

اَللََّهُ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَنْعََامَ قال أبو إسحاق: الأنعام هاهنا الإبل. لِتَرْكَبُوا مِنْهََا وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ فاحتجّ من منع أكل الخيل و أباح أكل الجمال بأنّ اللّه تعالى قال في الأنعام وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ ، و قال في الخيل و البغال و الحمير. وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا [النحل: 8]و لم يذكر إباحة أكلها.

فَأَيَّ آيََاتِ اَللََّهِ تُنْكِرُونَ نصبت أيّا بتنكرون لأن الاستفهام يعمل فيه ما بعده، و لو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار الرفع في أيّ، و لو كان الاستفهام بالألف أو بهل و كان بعدها اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب.

كََانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ خبر كان و لم ينصرف لأنه على أفعل و زعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف يجوز أن ينصرف إلاّ أفعل من كذا لا يجوز صرفه بوجه في شعر و لا غيره إذا كانت معه «من» . قال أبو العباس: و لو كانت «من» المانعة لصرفه لوجب أن لا

33

تقول: مررت بخير منك و شر من عمرو، و كيف يجوز صرف ما لا ينصرف و فيه العلل المانعة من الصرف، و إذا كان ينصرف فما معنى قولنا لا ينصرف لعلة كذا.

في معناه ثلاثة أقوال: قول مجاهد: إنّ الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم، و قالوا: نحن أعلم منهم لن نعذّب و لن نبعث و قيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو يَعْلَمُونَ ظََاهِراً مِنَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا [الروم: 7]. و قيل: الذين فرحوا الرّسل لمّا كذبهم قومهم أعلمهم اللّه جلّ و عزّ أنه مهلك الكافرين و منجيهم و المؤمنين ففرحوا بما عندهم من العلم بنجاء المؤمنين، و حاق بالكفار ما كانوا يستهزئون أي عقاب استهزائهم بما جاءت به الرسل.

فَلَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا قََالُوا آمَنََّا بِاللََّهِ وَحْدَهُ } سُنَّتَ اَللََّهِ مصدر أي سنّ اللّه عزّ و جلّ في الكافرين أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وَ خَسِرَ هُنََالِكَ اَلْكََافِرُونَ قال أبو إسحاق: و قد كانوا خاسرين قبل ذلك إلا أنه تبين لهم الخسران لمّا رأوا العذاب.

34

41 شرح إعراب سورة السجدة (فصّلت)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قال أبو إسحاق: تَنْزِيلٌ رفع بالابتداء و خبره‏} كِتََابٌ فُصِّلَتْ آيََاتُهُ قال: و هذا قول البصريين. قال الفراء (1) يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا قُرْآناً عَرَبِيًّا قال الكسائي و الفراء (2) : يكون منصوبا بالفعل أي فصّلت كذلك قال: و يجوز أن يكون منصوبا على القطع. و قال أبو إسحاق يكون منصوبا على الحال أي فصّلت آياته في حال جمعه. و قول أخر: يكون منصوبا على المدح أي أعني قرانا عربيا.

بَشِيراً وَ نَذِيراً قال الكسائي و الفراء (3) : و يجوز قرآن عربي بالرفع يجعلانه نعتا لكتاب، قالا مثل‏ وَ هََذََا كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ مُبََارَكٌ [الأنعام: 92، 155]و قال غيرهما: دلّ قوله جلّ و عزّ: قُرْآناً عَرَبِيًّا على أنه لا يجوز أن يقال فيه شي‏ء بالسريانية و النبطية، و دل أيضا على أنه يجب أن يطلب معانيه و غريبه من لغة العرب و كلامها، و دلّ أيضا على بطلان قول من زعم أن ثمّ معنيين معنى ظاهرا و معنى باطنا لا يعرفه العرب في كلامها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فدلّ بهذا على أنه إنما يخاطب العقلاء البالغين، و إن من أشكل عليه شي‏ء من القرآن فيجب أن يسأل من يعلم. فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاََ يَسْمَعُونَ في معناه قولان: أحدهما لا يقبلون و كلّهم كذا إلاّ من آمن و الآخر يجتنبون سماع القرآن.

وَ قََالُوا قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ جمع كنان أي عليها حاجز لا يصل إليها ما يقوله، و كذا

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/11.

(2) انظر معاني الفراء 3/12.

(3) انظر البحر المحيط 7/465.

35

وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ أي صمم و الوقر الحمل. وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ قال أبو إسحاق: أي حاجز لا يجامعك على شي‏ء مما تقوله فَاعْمَلْ إِنَّنََا عََامِلُونَ على الأصل، و من قال: إنّا حذف النون تخفيفا.

يُوحى‏ََ إِلَيَّ أَنَّمََا في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله.

اَلَّذِينَ في موضع خفض نعت «للمشركين» . لاََ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ في معناه أقوال: فمن أصحّ ما روي فيه و أحسنه استقامة إسناد ما رواه عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر قال: التوحيد للّه جلّ و عزّ. و روى الحكم بن أبان عن عكرمة لاََ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ قال لا يقولون لا إله إلا اللّه. و قال الربيع بن أنس: لا يزكّون أعمالهم فينتفعون بها.

و روى إسماعيل بن مسلم عن الحسن اَلَّذِينَ لاََ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ . قال: عظم اللّه جلّ و عزّ شأن الزكاة فذكرها فالمسلمون يزكون و الكفار لا يزكون و المسلمون يصلّون و الكفار لا يصلّون.

قال محمد بن يزيد: في معناه قولان يكون غَيْرُ مَمْنُونٍ غير مقطوع من قولهم مننت الحبل أي قطعته، و قد منّه السفر، أي قطعه و يكون معناه لا يمنّ عليهم.

قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ اَلْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قال عبد اللّه بن سلام و كعب: هما يوم الأحد و يوم الاثنين. و قال مجاهد: كلّ يوم بألف سنة مما تعدون. و قال غيره: لو أراد عزّ و جلّ أن يخلقها في وقت واحد لفعل، و لكنه أراد ما فيه الصلاح ليتبين ملائكته أثر صنعته شيئا بعد شي‏ء فيزداد في بصائرها. الأصل: أ إنّكم، فإن خفّفت الهمزة الثانية جعلتها بين بين، و كتابه بألفين لا غير؛ لأن الهمزة الثانية مبتدأة، و المبتدأة لا تكون إلا ألفا، و دخلت عليها ألف الاستفهام. فقولك أ إنّكم كقولك هل إنّكم و أم إنّكم لا تكتب إلاّ بألف.

وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدََاداً قال الضحاك: تتّخذون معه أربابا والهة. قال أبو جعفر: واحد الأنداد ندّ و هو المثل أي تجعلون له أمثالا لاستحقاق. ذََلِكَ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ أي ذلك الذي خلق الأرض في يومين و الذي جعلتم له أندادا ربّ العالمين. قال الضحاك: العالمون‏

36

الجنّ و الإنس و الملائكة، و هذا من أحسن ما قيل في معناه لأن سبيل ما يجمع بالواو و النون و الياء و النون أن يكون لما يعقل فهذا للملائكة و الإنس و الجن.

وَ جَعَلَ فِيهََا رَوََاسِيَ مِنْ فَوْقِهََا قال كعب: مادت الأرض فخلق اللّه فيها الجبال يوم الثلاثاء، و خلق الرياح و الماء الملح، و خلق من الملح العذب، و خلق الوحش و الطير و الهوام و غير ذلك يوم الأربعاء. قال أبو جعفر: واحد الرواسي راسية، و يقال: واحد الرواسي راس. و قيل للجبال: رواس لثباتها على الأرض. وَ بََارَكَ فِيهََا أي زاد فيها من صنوف ما خلق من الأرزاق و ثبتها فيها و البركة: الخير الثابت وَ قَدَّرَ فِيهََا أَقْوََاتَهََا قال عكرمة: جعل في كلّ بلد ما يقوم به معيشة أهله فالسابري بسابور، و الهروي بهراة، و القراطيس بمصر. فِي أَرْبَعَةِ أَيََّامٍ قال محمد بن يزيد: أي ذا و ذاك في أربعة أيام. و قال أبو إسحاق: أي في تمام أربعة أيام. سَوََاءً مصدر عند سيبويه أي استوت استواء. قال سيبويه: و قد قرئ سَوََاءً لِلسََّائِلِينَ جعل سواء في موضع مستويات، كما تقول: في أربعة أيام تمام أي تامة، و مثله: رجل عدل أي عادل و سواء من نعت أيام، و إن شئت من نعت أربعة. و القراءة بالخفض مرويّة عن الحسن، و بالرفع عن أبي جعفر أي هي سواء. لِلسََّائِلِينَ فيه قولان: قال الضحاك: أي لمن سأل عن خلق هذا في كم كان هذا؟و القول الآخر و قدّر فيها أقواتها للسائلين أي لجميع الخلق لأنّهم يسألون القوت.

ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ قالوا: في يوم الخميس فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً و عن سعيد بن جبير أنه قرأ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي أعطيا الطاعة. و قرأ قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ (1) و لم يقل: طائعات ففي هذا ثلاثة أجوبة للكسائي قال: يكون أتينا بمن فينا طائعين يكون لما خبّر عنهن بالإتيان أجرى عليهن ما يجري على من يعقل من الذكور، و الجواب الثالث أنه رأس آية.

فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ فِي يَوْمَيْنِ على قول من أنّث السماء، و من ذكّر قال: سبعة سموات فأما قول بعض أهل اللغة أنه ما جمع بالتاء فهو بغير هاء، و إن كان الواحد

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/466، و مختصر ابن خالويه 133.

37

مذكرا، و حكى أخذت منه أربع سجلاّت، بغير هاء فخطأ لا يعرفه أهل الإتقان من أهل العربية و قد حكوا: هذه أربعة حمّامات لأن الواحد حمّام مذكر، هكذا قال الأخفش سعيد وَ أَوْحى‏ََ فِي كُلِّ سَمََاءٍ أَمْرَهََا قيل: أمرها ملائكتها، و قيل: ما صنع فيها و عن حذيفة ما يدلّ على الجوابين، قال: و أوحى في كل سماء أمرها قال للسماء الدنيا:

كوني زمردة خضراء، و جعل فيها ملائكة يسبّحون. وَ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ وَ حِفْظاً قال الأخفش: أي و حفظناها حفظا.

و قرأ أبو عبد الرحمن و النخعي صََاعِقَةً مِثْلَ صََاعِقَةِ و لم تأتهم الصاعقة؛ لأنهم لم يعرضوا كلهم و أعرضوا للكل، و كل من خوطب بهذا أسلم إلاّ من قتل منهم.

و قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على عتبة بن الوليد كما قرئ على أحمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأجلح بن عبد اللّه عن الذيّال بن حرملة عن جابر بن عبد اللّه قال: قال أبو جهل يوما، و الملأ من قريش: إنه قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالسحر و الكهانة و الشعر فأتاه فكلّمه ثم أتانا ببيان من أمره فقال عتبة بن ربيعة: و اللّه لقد سمعت السحر و الكهانة و الشعر و علمت من ذلك علما و ما يخفى عليّ إن كان كذلك فأتاه عتبة فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إليه، فقال له عتبة: يا محمّد أ أنت خير أم هاشم؟أ أنت خير أم عبد المطلب؟أ أنت خير أم عبد اللّه؟لم يأتوا بمثل ما أتيت به فبم تشتم الهتنا و تضلّل آباءنا؟فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا لك اللواء بيننا بالرئاسة فكنت ما بقيت، و إن كان بك الباءة زوّجناك عشر نسوة تختار هن من أي بنات قريش شئت، و إن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت و عقبك من بعدك و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ساكت لا يتكلّم فلما فرغ عتبة من كلامه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصّلت آياته قرانا عربيا» ثمّ قرأ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صََاعِقَةً مِثْلَ صََاعِقَةِ عََادٍ وَ ثَمُودَ (13) فأمسك عتبة على فيه و ناشده الرحم أن يكفّ ثم رجع إلى أهله و لم يخرج إلى قريش فاحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش و اللّه ما نرى عتبة إلاّ قد صبأ إلى محمد و أعجبه طعامه و ما ذاك إلاّ من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه فأتوا عتبة فخرج إليهم فقال له أبو جهل و اللّه يا عتبة ما نظنّك إلاّ قد صبأت إلى محمد و أعجبك أمره، و ما نرى ذلك إلاّ من حاجة أصابتك فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة و أقسم ألاّ يكلّم محمدا أبدا، و قال لهم: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا و لكنّي أتيته فقصّ عليهم ما قال له: و ما قال لرسول اللّه، ثم قال: جاءني و اللّه بشي‏ء ما هو بسحر و لا كهانة قرأ علي «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصّلت آياته قرانا عربيا» إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ‏

38

أَنْذَرْتُكُمْ صََاعِقَةً مِثْلَ صََاعِقَةِ عََادٍ وَ ثَمُودَ (13) فأمسكت على فيه، و ناشدته الرحم أن يكفّ، و قد علمتم أنّ محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب فناشدته الرحم أن يكفّ. قال الضحاك: صََاعِقَةً مِثْلَ صََاعِقَةِ عََادٍ وَ ثَمُودَ أي عذابا-و قال محمد بن يزيد: الصاعقة معناها في كلام العرب المبيدة المهلكة المخمدة فربّما استعملت للإخماد من غير إهلاك و منه سمّي الصّعق بن حرب لأنه ضرب ضربة فخمد ثم أفاق.

إِذْ جََاءَتْهُمُ اَلرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ في معناه ثلاثة أقوال: مذهب الضحاك: أن الرسل الذين بين أيديهم من قبلهم، و الذين من خلفهم الذين بحضرتهم.

قال أبو جعفر: فيكون الضمير الذي في خلفهم يعود على الرسل، هذا قول و هو مذهب الفراء. و قيل: من بين أيديهم الذين بحضرتهم، و من خلفهم الذين من قبلهم. و قيل:

هما على التكثير أي جاءتهم الرسل من كلّ مكان بشي‏ء واحد، و هو ألا يعبدوا إلاّ اللّه.

قرأ أبو عمرو و نافع فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ (1) بإسكان الحاء، و أكثر القراء بكسرها فيقول: نَحِسََاتٍ و احتجّ أبو عمرو في التسكين على إجماعهم بتسكين الحاء في قولهم: نحس و في قوله جلّ و عزّ: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [القمر: 19]و ردّ عليه أبو عبيد هذا الاحتجاج لأن معنى‏ فِي يَوْمِ نَحْسٍ في يوم شؤم و أن معنى فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ في أيام مشؤومات، و القول كما قال أبو عبيد.

روى جويبر عن الضحّاك «في أيام نحسات» قال: مشؤومات عليهم، و يحتمل قراءة من قرأ فِي أَيََّامٍ نَحِسََاتٍ بإسكان الحاء أن يكون الأصل عنده نحسات ثم حذف الكسرة فيكون كمعنى نحسات، و يحتمل أن يكون وصفها بما هو فيها مجازا و اتساعا.

وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ رفعت ثمود بالابتداء و لم تصرفه على أنه اسم للقبيلة

____________

(1) انظر تيسير الداني 156.

39

و المعروف من قراءة الأعمش وَ أَمََّا ثَمُودُ (1) بالصرف على أنه اسم للحيّ إلاّ أن أبا حاتم روى عن أبي زيد عن المفضّل عن الأعمش و عاصم أنهما قرا و أمّا ثمودا بالنصب. و هذه القراءة معروفة عن عبد اللّه بن أبي إسحاق، و النصب بإضمار فعل على قول يونس قال: زيدا ضربته، و ذلك بعيد عند سيبويه. و على ذلك أنشد: [المتقارب‏] 395-

فأمّا تميم تميم بن مر # فألفاهم القوم روبى نياما

(2)

قال الضحاك: وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ أخرجنا لهم الناقة تبيانا و تصديقا لصالح صلّى اللّه عليه و سلّم. فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ قال: أي استحبّوا الكفر على الإيمان.

و يوم نحشر أعداء اللّه إلى النّار هذه قراءة نافع، و أما سائر القراء أبو عمرو و أبو جعفر و الأعمش و عاصم و حمزة و الكسائي فقرؤوا وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدََاءُ اَللََّهِ (3)

على ما لم يسمّ فاعله. و هذا اختيار أبي عبيد و عارض نافعا في قراءته منكرا فقال بعده فَهُمْ يُوزَعُونَ و لم يقل نزعهم أي يحشر أولى. قال أبو جعفر: و هذه المعارضة لا تلزم، و القراءتان حسنتان، و المعنى فيهما واحد غير أن قائلا لو قال قراءة نافع أولى بما عليها من الشواهد؛ لأنه قد أجمع القراء على النون في قوله جلّ و عزّ: يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمََنِ وَفْداً`وَ نَسُوقُ اَلْمُجْرِمِينَ إِلى‏ََ جَهَنَّمَ وِرْداً [مريم: 85]و من الدليل على أن معارضته لا تلزم قول اللّه جلّ و عزّ: وَ حَشَرْنََاهُمْ فَلَمْ نُغََادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف: 47]و لم يقل: و حشروا، و بعده وَ عُرِضُوا لما لم يسمّ فاعله. فهذا مثل قراءة نافع و يوم نحشر أعداء اللّه إلى النار فهم يوزعون و الإمالة في قوله جلّ و عزّ:

إِلَى اَلنََّارِ حسنة لأن الراء مكسورة و كسرتها بمنزلة كسرتين لأن فيها تكريرا. هذا قول الخليل و سيبويه‏ (4) فحسن معها إمالة الألف للمجانسة. فأما قول من يقول: تمال الراء و تمال الدال فلا تخلو من إحدى جهتين من الخطأ و التساهل: لأن الإمالة إنما تقع على الألف لأنها حرف هوائي فيتهيأ فيه ما لا يتهيأ في غيره. و يقال: وزعته أزعه و الأصل أوزعه فحذفت الواو و فتحت لأن فيه حرفا من حروف الحلق. قال الضحاك:

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/14، و البحر المحيط 7/47.

(2) الشاهد لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص 190، و الأزهيّة ص 146، و جمهرة اللغة 1021، و شرح أبيات سيبويه 1/280، و الكتاب 1/134، و لسان العرب (روب) ، و بلا نسبة في أدب الكاتب ص 7، و أمالي ابن الحاجب 1/334، و مجالس ثعلب ص 230، و المحتسب 1/189، و المعاني الكبير 937.

(3) انظر البحر المحيط 7/471.

(4) انظر الكتاب 4/575.

40

يُوزَعُونَ يدفعون. و قال مجاهد و أبو رزين: يُوزَعُونَ يحبس أولهم على اخرهم.

و يروى عن ابن عباس يُوزَعُونَ ، قال: يحبس أولهم على اخرهم حتّى يتتامّوا فيرمى بهم في النار. قال أبو جعفر: و الدليل على هذا الجواب أنّ بعده‏} حَتََّى إِذََا مََا جََاؤُهََا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصََارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ و هذا من معجز القرآن لأن فيه حذفا و اختصارا قد دلّ عليه المعنى، و المعنى حتّى إذا جاءوا النار و صاروا بحضرتها سئلوا عن كفرهم و معاصيهم فأنكروها بعد أن شهد عليهم النبيون و المؤمنون. شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصََارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ قال الفرّاء (1) : الجلد هاهنا الذكر كنّى اللّه جلّ و عزّ عنه كما كنّى في قوله جلّ و عزّ وَ لََكِنْ لاََ تُوََاعِدُوهُنَّ سِرًّا [البقرة: 235]أي نكاحا، و قال غيره: هي جلودهم بعينها جعل اللّه عزّ و جلّ فيها ما ينطق فشهدت عليهم، }قال جلّ و عزّ: وَ مََا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لاََ أَبْصََارُكُمْ وَ لاََ جُلُودُكُمْ أي ما كنتم تقدرون على أن تستروا معاصيكم عن سمعكم و أبصاركم و جلودكم لأنكم بهن تعملون المعاصي و «أن» في موضع نصب أي من أن.

وَ ذََلِكُمْ ظَنُّكُمُ اَلَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدََاكُمْ ابتداء و خبر، و يجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلكم و أَرْدََاكُمْ خبر ذلكم، و على الجواب الأول أرداكم خبر ثان فأما قول الفرّاء: يكون أرداكم في موضع نصب مثل: هذا زيد قائما، فغلط لأن الفعل الماضي لا يكون حالا. قال أبو العباس: أرداكم من الردى و هو الهلاك.

فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنََّارُ مَثْوىً في موضع جزم بالشرط، و جوابه الجملة الفاء و ما بعدها، و كذا وَ إِنْ يَسْتَعْتِبُوا .

وَ قَيَّضْنََا لَهُمْ قُرَنََاءَ عن ابن عباس أن القرناء الشياطين. و هي آية مشكلة فمن الناس من يقول: معنى هذا التحلية للمحنة و قيل: قيضنا لهم قرناء من الشياطين في النار فَزَيَّنُوا لَهُمْ أعمالهم في الدنيا. فإن قيل: فكيف يصحّ هذا و الفاء تدلّ على أن الثاني بعد الأول؟قيل: يكون المعنى: قدّرنا عليهم هذا و حكمنا به. و من أحسن ما قيل في الآية أن المعنى أحوجناهم إلى الإقرار و الاقتران فأحوجنا الغنيّ إلى الفقير

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/16.

41

ليستعين به و أحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، و كذا الزوجان كل واحد منهما محتاج إلى صاحبه فهذا معنى الاقتران و حاجة بعضهم إلى بعض. قيض اللّه جلّ و عزّ لهم ذلك ليتعاونوا على طاعته فزيّن بعضهم لبعض المعاصي قال جلّ و عزّ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ فيه أقوال: يروى عن ابن عباس مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ التكذيب بالآخرة و البعث و الجنة و النار، وَ مََا خَلْفَهُمْ الترغيب في الدنيا و التسويف بالمعاصي، و قيل فَزَيَّنُوا لَهُمْ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي ما تقدّمهم من المعاصي وَ مََا خَلْفَهُمْ ما يعمل بعدهم أو بحضرتهم، و قيل: مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما هم فيه وَ مََا خَلْفَهُمْ ما عزموا أن يعملوه، و هذا من أبينها. وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ و هو أن اللّه جلّ و عزّ يعذّب من عمل مثل عملهم فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ أي هم داخلون في أمم قد حقّ عليهم هذا القول. فهذا قول بين، و قد قيل: «في» بمعنى مع كما قال: [الطويل‏] 396-

و هل ينعمن من كان أخر عهده # ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال‏

(1)

وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ و هذا من لغي يلغى، و هي اللغة الفصيحة، و يقال: لغى يلغى لأن فيه حرفا من حروف الحلق، و لغا يلغو، و على هذه اللغة قرأ ابن أبي إسحاق و عيسى وَ اِلْغَوْا فِيهِ بضم الغين. قال محمد بن يزيد: اللغو في كلام العرب ما كان على غير وجهه، و منه‏ وَ إِذََا سَمِعُوا اَللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: 55]إنما هو ما يصدّ عن الخير و يدعو إلى الشر أي هو مما ينبغي أن يطّرح، و لا يعرّج عليه كما أن اللغو في الكلام ما لا يفيد معنى. و يروى عن عبد اللّه بن عباس في معنى وَ اِلْغَوْا فِيهِ أن أبا جهل هو الذي قال هذا، قال: فإذا رأيتم محمدا يصلّي فصيحوا في وجهه، و شدّوا أصواتكم بما لا يفهم حتّى لا يدري ما يقول، و يروى أنهم إنّما فعلوا هذا لما أعجزهم القرآن، و رأوا من تدبّره آمن به لإعجازه بفصاحته و كثرة معانيه و حسنه و نظمه و رصفه فقالوا: إذا سمعتموه يقرأ فخلّطوا عليه القراءة بالهزء و ما لا يحصل، و ذلك اللغو لعلكم تغلبونه.

ذََلِكَ جَزََاءُ أَعْدََاءِ اَللََّهِ اَلنََّارُ قال أبو إسحاق: النار بدل من جزاء قال: و يجوز أن يكون رفعها بإضمار مبتدأ أيضا تبيينا عن الجزاء.

____________

(1) الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 27، و أدب الكاتب ص 518، و جمهرة اللغة 1315، و خزانة الأدب 1/62، و الجنى الداني 252، و جواهر الأدب ص 230، و تاج العروس (حول) و (في) ، و الدرر 4/ 149، و شرح شواهد المغني 1/486، و بلا نسبة في الخصائص 2/313، و رصف المباني ص 391، و شرح الأشموني 2/292، و لسان العرب (فيا) و مغني اللبيب 1/169، و همع الهوامع 2/30.

42

إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةُ و يجوز في غير القرآن حذف إحدى التاءين و لا يجوز الإدغام للبعد. و «أن» في موضع نصب أي بأن لا تخافوا و لا تحزنوا. و يروى عن ابن عباس أن هذا في يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: هذا عند الموت قال: و البشارة في ثلاثة مواطن عند الموت و في القبر و عند البعث.

نَحْنُ أَوْلِيََاؤُكُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ أي نحوطكم و نحفظكم بأمر اللّه عزّ و جلّ، و في الآخرة نطامنكم و نرشدكم. وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَدَّعُونَ . قال عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أراد أحدهم الشي‏ء و اشتهاه في نفسه وجده حيث تناله يده.

نُزُلاً قال الأخفش: هو منصوب من جهتين: إحداهما أن يكون مصدرا أي أنزلهم اللّه ذاك نزلا، و الأخرى أن يكون في موضع الحال أي منزلين نزلا.

وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً منصوب على البيان. و قد ذكرنا فيه أقوالا فمن أجمعها ما قاله الضحاك قال: هو النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه و من اتّبعهم إلى يوم القيامة إلاّ أن الحديث عن عائشة رضي اللّه عنها فيه توقيف أنّ هذه الآية نزلت في المؤذنين، و هي لا تقول إلاّ ما تعلم أنّه كما قالت؛ لأن مثل هذا لا يؤخذ بالتأويل إذا قيل نزل في كذا، كما قرئ على أبي بكر محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف القطّان قال: حدّثنا عبيد اللّه بن الوليد عن محمد بن نافع عن عائشة قالت: نزلت في المؤذنين يعني قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعََا إِلَى اَللََّهِ . و قرئ على أحمد بن محمد الحجاج عن يحيى بن سليمان عن وكيع قال: حدّثنا عبيد اللّه بن الوليد الوصّافي عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير الليثي و محمد بن نافع عن عائشة في هذه الآية قالت: نزلت في المؤذّنين وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعََا إِلَى اَللََّهِ وَ عَمِلَ صََالِحاً وَ قََالَ إِنَّنِي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ قال يحيى بن سليمان:

و حدّثنا حفص بن عمر قال: حدّثنا الحكم بن أبان عن عكرمة يرفعه قال: أول من يقضى له بالرحمة يوم القيامة المؤذّنون و أول المؤذّنين مؤذّنو مكّة، قال: و المؤذّنون أطول الناس‏

43

أعناقا يوم القيامة و المؤذّنون إذا خرجوا من قبورهم أذّنوا فنادوا بالأذان، و المؤذنون لا يدوّدون في قبورهم. قال عكرمة: و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه قال: ما أبالي لو كنت مؤذّنا أن لا أحجّ و لا أعتمر و لا أجاهد في سبيل اللّه عزّ و جلّ، قال: و قالت الملائكة عليهم السلام لو كنّا نزولا في الأرض ما سبقنا إلى الأذان أحد، و بإسناده عن عكرمة في قوله جلّ و عزّ: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعََا إِلَى اَللََّهِ يعني المؤذنين وَ عَمِلَ صََالِحاً قال: صلّى و صام. قال يحيى بن سليمان: و حدّثنا جرير عن فضيل بن أبي رفيدة قال: قال لي عاصم بن هبيرة و كان من أصحاب ابن مسعود، و كنت مؤذنا: إذا فرغت من الأذان و قلت لا إله إلاّ اللّه فقل و أنا من المسلمين ثم قرأ هذه الآية: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعََا إِلَى اَللََّهِ وَ عَمِلَ صََالِحاً وَ قََالَ إِنَّنِي مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ . إنّني على الأصل، و من قال: «إنّي» حذف لاجتماع النونات، و التقدير عند جماعة من أهل العربية: و قال إنني مسلم من المسلمين، و كذا قال هشام في‏ وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ أي ناصح من الناصحين. و قال بعض أهل النظر: دلّ هذا من قوله جلّ و عزّ أنه حسن أن يقول أنا مسلم بلا استثناء أي قد استسلمت للّه جلّ و عزّ و قبلت أمره فحكم لي بأنّي مسلم.

وَ لاََ تَسْتَوِي اَلْحَسَنَةُ وَ لاَ اَلسَّيِّئَةُ قال عطاء: الحسنة لا إله إلاّ اللّه، و السيئة الشّرك اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالحال التي هي أحسن كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . قال أبو زيد:

«الحميم» عند العرب: القريب. و قال محمد بن يزيد: «الحميم» الخاص و منه قول العرب عنده: الخاصة و العامة.

وَ مََا يُلَقََّاهََا إِلاَّ اَلَّذِينَ صَبَرُوا الكناية عن الحال و عن هذه الكلمة.

وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اَلشَّيْطََانِ نَزْغٌ في موضع جزم بالشرط و دخلت النون توكيدا. }و قد ذكرنا خَلَقَهُنَّ و على أي شي‏ء يعود الضمير.

قال محمد بن يزيد: يَسْأَمُونَ يملّون، و أنشد بيت زهير: [الطويل‏]

44

397-

و من لا يزل يستحمل النّاس أمره # و لا يعفها يوما من الدّهر يسأم‏

(1)

أي يملّ.

إِنَّ في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه: (2) و إن كان لا يجيز أن يكون «أن» في أول الكلام و لكن لمّا كان قبلها شي‏ء صلح الابتداء بها و الرفع عند المازني بإضمار فعل فيما لا يجوز أن يبتدأ به كما تقول: كيف زيد؟و التقدير عنده: كيف استقرّ زيد.

«خاشعة» منصوبة على الحال: فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ من ربا يربو فحذفت الألف لسكونها و سكون التاء بعدها، و يقال: في تثنية ربا ربوان كذا قال سيبويه‏ (3)

نصا، و الكوفيون يقولون: ربيان بالياء، و يكتبون ربا بالياء. قال أبو جعفر: و سمعت أبا إسحاق يقول: ليس يكفيهم أن يغلطوا في الخطّ حتّى يتجاوزوا ذلك إلى التثنية. قال أبو جعفر: و القرآن يدلّ على ما قال البصريون قال اللّه جلّ و عزّ: وَ مََا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوََالِ اَلنََّاسِ [الروم: 39]و قراءة أبي جعفر اهتزّت و ربأت و هو مأخوذ من الربيئة، يقال: ربأ يربأ فهو رابئ و ربؤ يربؤ فهو ربي‏ء و ربيئة على المبالغة إذا ارتفع إلى موضع عال يرقب، فمعنى و ربأت ارتفعت. إِنَّ اَلَّذِي أَحْيََاهََا لَمُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ حذفت الضمة من الياء لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين.

و يُلْحِدُونَ من ألحد و هي بالألف أكثر و أشهر.

إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمََّا جََاءَهُمْ في خبر «إنّ» هاهنا أقوال فمن مذاهب الكسائي أنه قد يقدم قبلها ما يدلّ على الخبر من قوله جلّ و عزّ: أَ فَمَنْ يُلْقى‏ََ فِي اَلنََّارِ خَيْرٌ و غيره، و قيل الخبر أُولََئِكَ يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ و قيل المعنى: إنّ الّذين كفروا بالذكر لما جاءهم قد كفروا بمعجز و دلّ على هذا أنّ بعده وَ إِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ و هذا مذهب الفراء (4) على معنى قوله، و قيل الخبر محذوف فمعناه أهلكوا.

____________

(1) الشاهد لزهير في ديوانه 32، و الكتاب 3/99، و خزانة الأدب 9/90، و الدرر 5/91، و شرح أبيات سيبويه 2/64، و لسان العرب (حمل) ، و همع الهوامع 2/63، و بلا نسبة في المقتضب 2/65.

(2) انظر الكتاب 3/141.

(3) انظر الكتاب 3/428.

(4) انظر معاني الفراء 3/19.

45

لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ مذهب الضحاك و سعيد بن جبير أن معناه لا يأتيه كتاب من قبله فيبطله و لا من بعده. قال أبو جعفر: و التقدير على هذا لا يأتيه الأمر بالباطل من هاتين الجهتين أو لا يأتيه البطول، و يكون فاعل بمعنى المصدر مثل عافاه اللّه جلّ و عزّ عافية، و قيل: الباطل هاهنا الشيطان و قد ذكرنا هذا القول تَنْزِيلٌ نعت لكتاب أو بإضمار مبتدأ.

مََا يُقََالُ لَكَ إِلاََّ مََا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ قال أبو صالح أي من الأذى.

وَ لَوْ جَعَلْنََاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا جعلنا هاهنا متعدّية إلى مفعولين و قد ذكرنا هذه الآية قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفََاءٌ «هدى» في موضع رفع على أنه خبر هو «و شفاء» معطوف عليه وَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ فِي آذََانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى . حدّثنا محمد بن الوليد عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد عن حجاج عن شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قتّة عن ابن عباس رحمه اللّه و معاوية و عمرو بن العاص رحمهم اللّه أنّهم قرءوا و هو عليهم عم (1) و قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن أبي إسحاق قال: حدثنا علي بن عبد اللّه قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يحدث عن ابن عباس أنه قرأ و هو عليهم عم (2) هذه القراءة مخالفة للمصحف فإن قال قائل: الإسناد صحيح، قيل له: الإجماع أولى على أنّ الإسناد فيه شي‏ء و ذلك أنّ عمرو بن دينار لم يقل: سمعت ابن عباس فيخاف أن يكون مرسلا، و سليمان بن قتّة ليس بنظير عمرو بن دينار على أن يعقوب القارئ على محله من الضبط قد قال في هذا الحديث: ما أدري أ قرءوا و هو عليهم عم أو وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى على أنه فعل ماض. و مع إجماع الجمع سوى من ذكرناه. و الذي في المصحف أنّ المعنى بعمى أشبه لأنه قال جلّ و عزّ: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفََاءٌ فالأشبه بهذا أعمى، وَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ فِي آذََانِهِمْ وَقْرٌ «الذين» في موضع رفع بالابتداء و خبره في الجملة. و من العرب من يقول: اللذون في موضع الرفع. و الذين أكثر و قد ذكرنا

____________

(1) انظر البحر المحيط 7/481، و معاني الفراء 3/20.

(2) انظر البحر المحيط 7/481، و معاني الفراء 3/20.

46

العلة (1) فيه. وَ شِفََاءٌ في موضع رفع بالابتداء، و الجملة خبره يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ على التمثيل أي لا يتفهّمون ما يقال لهم و العرب تقول لمن يتّفهم: هو يخاطب من قريب. قال مجاهد: مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ أي بعيد من قلوبهم.

وَ لَقَدْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ مفعولان. فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ «كلمة» مرفوعة بالابتداء عند سيبويه‏ (2) ، و الخبر محذوف لا يظهر. و بعض الكوفيين يقول: لولا من الحروف الرافعة. فأما معنى كلمة: فقيل: إنّها تأخير عقوبتهم إلى يوم القيامة و ترك أخذهم على المعصية لمّا علم اللّه عزّ و جلّ في ذلك من الصلاح؛ لأنهم لو أخذوا بمعاصيهم في وقت العصيان لانتهوا و لم يكونوا مثابين و لا ممتحنين على ذلك و في الحديث المسند «لولا أنكم تذنبون لأتى اللّه بقوم يذنبون فيغفر لهم» (3)

أي أنتم تمتحنون و تؤخّر عقوبتكم لتتوبوا.

مَنْ عَمِلَ صََالِحاً فَلِنَفْسِهِ شرط و جوابه الفاء و ما بعدها.

وَ مََا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرََاتٍ هذه قراءة أهل المدينة (4) ، و قراءة أهل الكوفة من ثمرة (5)

و هو اختيار أبي عبيد؛ لأنّ ثمرة تؤدّي عن ثمرات هذا احتجاجه فحمل ذلك على المجاز، و الحقيقة أولى و أمضى. فإنه في المصاحف بالتاء. فالقراءة بثمرات أولى.

مِنْ أَكْمََامِهََا قال محمد بن يزيد: و هو ما يغطيها، قال: و الواحد كمّ و من قال في الجمع: أكمّة قال في الواحد: كمام. وَ يَوْمَ يُنََادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكََائِي أي على قولكم قََالُوا آذَنََّاكَ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس «آذنّاك» يقول أعلمناك. مََا مِنََّا مِنْ شَهِيدٍ «من» زائدة للتوكيد أي ما منا شاهد يشهد أنّ معك إلها.

____________

(1) مرّ في إعراب الآية 49-غافر.

(2) انظر الإنصاف مسألة (10) .

(3) أخرجه الترمذي في سننه-صفة الجنة 10/4.

(4) انظر تيسير الداني 157، و كتاب السبعة لابن مجاهد 577.

(5) انظر تيسير الداني 157، و كتاب السبعة لابن مجاهد 577.

47

وَ ظَنُّوا مََا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ قال الأخفش: ظنّوا استيقنوا. قال: و «ما» حرف فلذلك لا تعمل فيه ظنوا فلذلك ألغي. قال أبو عبيدة (1) : حاص يحيص إذا حاد، و قال غيره:

المحيص المذهب الذي ترجى فيه النجاة.

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ في الكلام حذف أي إن كان من عند اللّه ثم كفرتم به أ مصيبون أنتم في ذلك؟

سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ في معناه ثلاثة أقوال: منها سنريهم ما خبّرهم به النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه سيكون من فتن و فساد و غلبة الروم و فارس و غير ذلك من إخباره حتّى يتبيّن لهم أن كل ما أخبر به هو الحق، فذا قول، و قيل: المعنى: سنريهم اثار صنعتنا في الآفاق الدالة على أنّ لها صانعا حكيما وَ فِي أَنْفُسِهِمْ من أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن بلغوا و عقلوا و ميّزوا حتّى يتبين لهم أن اللّه هو الحق لا ما يعبدونه من دونه. و القول الثالث رواه الثوري عن عمرو بن قيس عن المنهال و بعض المحدثين يقول عن المنهال عن سعيد بن جبير أو غيره في قول اللّه جلّ و عزّ:

سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ قال: ظهور النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم على الناس «و في أنفسهم» قال: ظهوره عليهم. قال أبو جعفر: و أولى هذه الأقوال بالصواب هذا، و نسق الكلام يدلّ عليه، و القول الأول لا يصح؛ لأنه لم يتقدم للأخبار ذكر فيكنّى عنها أعني أَنَّهُ اَلْحَقُّ . و في المضمر ثلاثة أقوال سوى من قال: إنه للخبر: أحدها: أن يكون يعود على اسم اللّه جلّ و عزّ، و الثاني: أن يكون يعود على القرآن فقد تقدّم ذكره في قوله جلّ و عز: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ و الثالث: أن يعود على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و هذا أشبهها بنسق الكلام. أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ فيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون المعنى: أو لم يكف بربك بما دلّ به من حكمته و خلقه ففي ذلك كفاية، و الثاني: أو لم يكف بربك في معاقبته هؤلاء الكفّار المعاندين ففي اللّه جلّ و عزّ كفاية منهم، و الثالث: أن المعنى: أو لم يكفك يا محمّد ربك أنه شاهد على أعمال هؤلاء عالم بما يخفون فهذا يكفيك؛ و هذا أشبه الأقوال بنسق الآية، و اللّه جلّ و عزّ أعلم. و في موضع «أنه» من الإعراب ثلاثة أقوال: يجوز أن يكون في موضعها رفعا

____________

(1) انظر مجاز القرآن 2/198.

48

بمعنى أو لم يكف أنه على كلّ شي‏ء شهيد على البدل من ربك على الموضع، و الموضع موضع رفع بإجماع النحويين، و يجوز أن يكون موضعها خفضا على اللفظ، و يجوز أن يكون موضعها نصبا بمعنى لأنه على كل شي‏ء شهيد.

أَلاََ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقََاءِ رَبِّهِمْ أي هم في شكّ من لقاء ما وعدوا به من العقاب «و ألا» كلمة تنبيه يؤكد بها صحة ما بعدها أَلاََ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ أي قد أحاط به علما مما يشاهد و يغيب. و التقدير محيط بكلّ شي‏ء جلّ و عزّ.

قال في الأصل تمّ الجزء الحادي عشر من أجزاء إعراب القرآن الذي عني بجمعه و تبيينه و شرحه أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس رحمه اللّه و الحمد للّه رب العالمين.

49

42 شرح إعراب سورة حم عسق (الشورى)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

} حم‏`عسق كَذََلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اَللََّهُ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ الكاف من «كذلك» في موضع نصب نعت لمصدر، و اسم اللّه عزّ و جلّ مرفوع بيوحي. و أصح ما قيل في المعنى أنه كوحينا إليك و إلى الذين من قبلك يوحى إليك، و أبو عبيدة (1) يجيز أن يجعل ذلك بمعنى هذا؛ و من قرأ يُوحِي إِلَيْكَ (2) جعل الكاف في موضع رفع بالابتداء، و الجملة الخبر، و اسم ما لم يسمّ فاعله مضمر في يوحى، و اسم اللّه عزّ و جلّ مرفوع بالابتداء أو بإضمار فعل أي يوحيه إليك اللّه جلّ و عزّ. }و من قرأ نوحي (3)

بالنون رفع اسم اللّه جلّ و عزّ بالابتداء و «العزيز الحكيم» خبره، و يجوز أن يكون العزيز الحكيم نعتا و الخبر لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ .

تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ (4) أصحّ ما قيل فيه أن المعنى من أعلاهن، و قيل: من فوق الأرضين. و سمعت علي بن سليمان يقول: الضمير للكفار أي يتفطرن من فوق الكفار لكفرهن. قال أبو جعفر: و لا نعلم أحدا من النحويين أجاز في بني أدم رأيتهنّ إلاّ أن يكون للمؤنث خاصة. فهذا يدلّ على فساد هذا القول، و أيضا فلم

____________

(1) انظر مجاز القرآن 1/28.

(2) انظر البحر المحيط 7/486، و هذه قراءة مجاهد و ابن كثير و عباس و محبوب كلّهم عن أبي عمرو.

(3) انظر البحر المحيط 7/486.

(4) انظر تيسير الداني 157، و البحر المحيط 7/486.

50

يتقدّم للكفار ذكر يكنى عنهم. وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ يراد به خاصّ، و لفظه عامّ أي للمؤمنين، و دلّ عليه إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ .

وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ رفع بالابتداء اَللََّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ مبتدأ و خبره في موضع خبر «الذين» .

لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرى‏ََ وَ مَنْ حَوْلَهََا «من» في موضع نصب و المعنى لتنذر أهل أم القرى و من حولها وَ تُنْذِرَ يَوْمَ اَلْجَمْعِ أي يوم يجمع فيه الناس لاََ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ على الابتداء. و أجاز الكسائي و الفراء (1) نصب فريق بمعنى و تنذر فريقا في الجنة و فريقا في السعير يوم الجمع.

وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً أي مؤمنين قيل: المعنى لو شاء اللّه لألجأهم إلى الإيمان فلم يكن لهم ثواب فيه فامتحنهم بأن رفع عنهم الإلجاء وَ لََكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشََاءُ فِي رَحْمَتِهِ و هم المؤمنون وَ اَلظََّالِمُونَ مرفوعون بالابتداء، و في موضع أخر وَ اَلظََّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً [الإنسان: 31]و الفرق بينهما أنّ ذاك بعده أعدّ و ليس بعد هذا فعل أي لما أضمر لذاك فعل و واعد الظالمين.

فَاللََّهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ تكون هُوَ زائدة لا موضع لها من الإعراب، و يجوز أن تكون اسما مرفوعا بالابتداء و اَلْوَلِيُّ خبرها.

وَ مَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللََّهِ أي مردود إلى اللّه إمّا بنصّ و إمّا بدليل.

فََاطِرُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ يكون مرفوعا بإضمار مبتدأ و يكون نعتا. قال الكسائي:

و يجوز فََاطِرُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ بالنصب على النداء، و قال غيره: على المدح. و يجوز

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/22.

51

الخفض على البدل من الهاء الّتي في عليه يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ قال شعبة عن منصور: «يذرؤكم» يخلقكم، و قال أبو إسحاق: يذرؤكم يكثركم، و جعل «فيه» بمعنى به أي يكثركم بأن جعلكم أزواجا، و قال علي بن سليمان: «يذرؤكم» ينبتكم من حال إلى حال أي ينبتكم في الجعل. قال أبو جعفر: و أولى هذه الأقوال بالصواب الذي رواه شعبة عن منصور؛ لأن أهل اللغة المتقدمين منهم أبو زيد و غيره رووا عن العرب: ذرأ اللّه عزّ و جلّ الخلق يذرؤهم أي خلقهم، و قول أبي إسحاق و أبي الحسن على المجاز، و الحقيقة أولى و لا سيّما مع جلالة من قال به، و إنه معروف في اللغة. و يكون فيه على بابها أولى من أن تجعل بمعنى به، و إن كان يقال: فلان بمكة فيكون المعنى فاللّه جعل لكم من أنفسكم أزواجا يخلقكم في الأزواج، و ذكر على معنى الجمع. و يكون التقدير: و جعل لكم من الأنعام أزواجا أي ذكرانا و إناثا. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ أي لا يقدر أحد على هذا غيره و الكاف في كَمِثْلِهِ زائدة للتوكيد لا موضع لها من الإعراب لأنها حرف، و لكن موضع كَمِثْلِهِ موضع نصب. و التقدير: ليس مثله شي‏ء. وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ .

لَهُ مَقََالِيدُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لَهُ مَقََالِيدُ يقول مفاتيح. إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ خبر «إنّ» و التقدير: إنه عليم بكلّ شي‏ء.

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ مََا وَصََّى بِهِ نُوحاً «ما» في موضع نصب بشرع. وَ اَلَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ عطف عليها. وَ مََا وَصَّيْنََا في موضع نصب أيضا أي و شرع لكم. وَ مََا وَصَّيْنََا بِهِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ وَ عِيسى‏ََ أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ وَ لاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ «أن» في موضع نصب على البدل من «ما» أي شرع لكم أن أقيموا الدّين و يجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هو و أن أقيموا الدّين و يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من الهاء أي شرع لكم أن تقيموا للّه الدّين الّذي ارتضاه و لا تتفرّقوا فتؤمنوا ببعض الرسل و تكفروا ببعض فهذا الذي شرع لكم لجميع الأنبياء صلوات اللّه عليهم أن يقيموا الدّين الذي ارتضاه، و هو الإسلام و أمة محمّد صلّى اللّه عليه و سلّم مقتدون بهم. و في الحديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم «اقتدوا بالّذين من بعدي أبي بكر و عمر» (1) أي اعملوا كما يعملان من اتباع أمر اللّه جلّ و عزّ

____________

(1) أخرجه الترمذي في سننه-المناقب رقم الحديث 3662، و البيهقي في السنن الكبرى (97) ، و أحمد في مسنده 5/382، و أبو نعيم في الحلية 9/109، و الهيثمي في مجمع الزوائد 9/53، و المتقي في كنز العمال (3656) .

52

و ترك خلاف ما أمروا به، و ليس معناه في كلّ مسألة. أَنْ أَقِيمُوا اَلدِّينَ جاز أن يكون أقيموا و هو أمر داخلا في الصلة لأن معناه كمعنى الفعل المضارع. معناه أن تقيموا الدّين فلا تتفرّقوا فيه. و مذهب جماعة من أهل التفسير أنّ نوحا صلّى اللّه عليه و سلّم أول من جاء بالشريعة من تحريم الأمهات و البنات و الأخوات و العمات، و هذا القول داخل في معنى الأول. كَبُرَ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ مََا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي من إقامة الدّين للّه جلّ و عزّ وحده.

اَللََّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشََاءُ أي من يشاء أن يجتبيه ثم حذف هذا. وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ حذفت الضمّة من يهدي لثقلها، و أناب رجع أي تاب.

وَ مََا تَفَرَّقُوا إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ أي من بعد ما جاءهم القرآن. بَغْياً مفعول من أجله، و هو في الحقيقة مصدر.

فَلِذََلِكَ فَادْعُ وَ اِسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ الفراء (1) يذهب إلى أنّ معنى اللام معنى «إلى» و إلى أن معنى «ذلك» هذا أي فإلى هذا فادع أي إلى أن تقيموا الدّين و لا تتفرقوا فيه.

قال أبو جعفر: و اللام بمعنى إلى مثل قوله جلّ و عزّ: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ََ لَهََا [الزلزلة: 5]قال العجاج: [الرجز] 398-

وحى لها القرار فاستقرّت‏

(2)

قال أبو جعفر: و هو مجاز، و قد خولف الفراء فيه، و قيل: اللام على بابها.

و المعنى: للذي أوحى إليك من إقامة الدّين و ترك التفرّق فيه من أجل ذلك فادع فأما أن يكون ذلك بمعنى هذا فلا يجوز عند النحويين الحذّاق. قال محمد بن يزيد: هذا لمن

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/22.

(2) الرجز للعجاج في ديوانه 2/408، و لسان العرب (وحى) و تهذيب اللغة 5/296، و جمهرة اللغة ص 576، و كتاب العين 3/320، و تاج العروس (وحى) ، و بلا نسبة في مقاييس اللغة 6/93، و مجمل اللغة 4/512. و عجزه:

«و شدّها بالرّاسيات الثّبّت»