إعراب القرآن - ج5

- احمد بن محمد النحاس المزيد...
200 /
3

الجزء الخامس‏

68 شرح إعراب سورة ن (القلم)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

ن في هذه الكلمة نيف و ثلاثون جوابا منها ستة معان و ستّ قراءات في إحداهنّ ستة أجوبة. روى الحكم بن ظهير عن أبيه عن أبي هريرة قال:

الأرضون على نون و نون على الماء و الماء على الصخرة و الصخرة لها أربعة أركان على كلّ ركن منها ملك قائم في الماء. و روى يزيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: المر و حم و ن حروف الرحمن مقطّعة. و في حديث معاوية بن قرّة عن أبيه مرفوعا قال: ن لوح من نور. و قال قتادة: نون الدواة. قال أبو جعفر: فهذه أربعة أقوال، و قيل: التقدير و ربّ نون، و قيل: هو تنبيه كما تقدّم في «ألم» . و أما القراءات فهي ستّ كما ذكرنا. قرأ أكثر الناس ن وَ اَلْقَلَمِ (1) ببيان نون، و قرئ بإخفائها، و قرئ بإدغامها بغنّة و بغير غنّة، و روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ «ن و القلم» و قرأ ابن إسحاق «نون و القلم» بالخفض. فهذه ستّ قراءات، في المنصوبة منها ستة أجوبة: منها أن تكون منصوبة بوقوع الفعل عليها أي أذكر نون.

و لم تنصرف لأنها اسم للسورة، و جواب ثان أن تكون لم تنصرف لأنها اسم أعجميّ هذان جوابان عن الأخفش سعيد، و قول سيبويه‏ (2) إنها شبّهت بأين و كيف و قول الفراء (3) إنها شبهت بثمّ، و قيل: شبّهت بنون الجميع، و قال أبو حاتم: حذفت منها واو القسم فانتصبت بإضمار فعل، كما تقول: اللّه لقد كان كذا. قال أبو جعفر:

فهذه ثمانية عشر جوابا. و في إسكانها قولان فمذهب سيبويه‏ (4) أن حروف المعجم إنما سكّنت لأنها بعض حروف الأسماء فلم يجز إعرابها كما لا يعرب وسط الاسم، و ردّ عليه هذا القول بعض الكوفيين فقال: إذا قلت زاي فقد زدت على الحرف ألفا

____________

(1) انظر تيسير الداني ص 148.

(2) انظر الكتاب 3/286.

(3) انظر معاني الفراء 1/368.

(4) انظر الكتاب 3/294.

4

و ياء، و قال أصحّ من هذا قول الفراء (1) قال: لم تعرب حروف المعجم لأنك إنما أردت تعليم الهجاء. قال أبو جعفر: و هذا قول صحيح؛ لأنك إذا أردت تعليم الهجاء لم يجز أن تزيد الإعراب فيزول ذلك عن معنى الهجاء إلا أن تنعت أو تعطف فتعرب. و من بيّن النون قال: سبيل حروف الهجاء أن يوقف عليها، و أيضا فإن النون بعيدة المخرج من الواو فأشبهت حروف الحلق، و لهذا لم يقرأ أحد بتبيين النون في «كهيعص» لقرب الصاد من النون فأدغمها الكسائي؛ لأنه بنى الكلام على الوصل، و من أدغم بغنّة أراد ألا يزيل رسم النون، و من حذف الغنة قال؛ المدغم قد صار حكمه حكم ما أدغم فيه، و من قرأ «نون و القلم» كسر لالتقاء الساكنين. قال أبو حاتم: أضمر واو القسم. و إن جمعت نون قلت:

نونات على أنه حرف هجاء، فإن جمعته على أنه اسم للحوت قلت في الجمع الكثير:

نينان، و في القليل: أنوان، و يجوز نونة مثل كوز و كوزة وَ اَلْقَلَمِ خفض بواو القسم، و هو القلم الذي يكتب به غير أن التوقيف جاء أنه القلم الذي كتب به في اللّوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة روى ذلك القاسم بن أبي بزّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس و معاوية بن قرّة عن أبيه يرفعه وَ مََا يَسْطُرُونَ واو عطف لا واو قسم، و ما و الفعل مصدر، و يجوز أن يكون بمعنى الذي، و جواب القسم‏} مََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أي ما أنت بما أنعم اللّه عليك من العقل و الفهم إذا كان أعقل أهل زمانه بِمَجْنُونٍ ، و هو المستور العقل. و من هذا جنّ عليه الليل و أجنّه، و منه قيل: جنين و للقبر جنن و للترس مجنّ. قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل‏] 496-

و كان مجنّي دون من كنت أتّقي # ثلاث شخوص كاعبان و معصر (2)

و قيل: جنّ لأنهم مستترون عن أعين الناس مسموع من العرب على غير قياس:

أجنّ فهو مجنون، و القياس مجنّ. قال أبو جعفر: و حكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد أنه كان يذهب إلى القياس في هذا كأنه يقال: مجنون من جنّ.

وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً أي على أداء الرسالة غَيْرَ مَمْنُونٍ قيل: لا يمنّ به عليك و قيل:

غير مقطوع.

____________

(1) انظر معاني الفراء 1/368.

(2) الشعر لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 100، و الكتاب 4/45، و الأشباه و النظائر 5/48، و الأغاني 1/ 90، و أمالي الزجاجي 118، و الإنصاف 2/770، و خزانة الأدب 5/320، و الخصائص 2/417، و شرح التصريح 2/271، و شرح شواهد الإيضاح 313 و لسان العرب (شخص) ، و المقاصد النحوية 4/483، و بلا نسبة في الأشباه و النظائر 2/104، و شرح الأشموني 3/620، و شرح التصريح 2/ 275، و شرح عمدة الحافظ 519، و عيون الأخبار 2/174، و المقتضب 2/148، و المقرّب 1/307.

5

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس. قال: على دين. قال أبو جعفر: فيكون هذا مثل قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» (1) أي أحسنهم دينا و طريقة و مذهبا و طاعة. و سئلت عائشة رضي اللّه عنها ما الخلق العظيم الذي كان عليه؟قالت: القرآن، و قيل: هو ما كان فيه من البشاشة و السعي في قضاء حاجات الناس و إكرامهم و الرفق بهم.

فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ أي يوم القيامة. قال محمد بن يزيد: سألت أبا عثمان المازني عن هذا فقال: هذا التمام. و قال الأخفش: المعنى: فستبصر و يبصرون بأيكم الفتنة.

و قال محمد بن يزيد: التقدير: بأيّكم فتنة المفتون. و قال الفراء (2) : الباء بمعنى «في» .

قال أبو جعفر: فهذه أقوال النحويين مجموعة. و نذكر أقوال أهل التأويل. روى سفيان عن خصيف عن مجاهد} بِأَيِّكُمُ اَلْمَفْتُونُ قال: بأيّكم المجنون. و قال الحسن و الضحاك: بأيّكم الجنون، و قول قتادة: أيّكم أولى بالشيطان. فهذه ثلاثة أقوال لأهل التأويل. فقول مجاهد تكون الباء فيه بمعنى «في» كما يقال: فلان بمكة و في مكة و المعنى عليه فستعلم و سيعلمون في أي الفريقين المجنون الذي لا يتّبع الحقّ أفي فريقك أم في فريقهم. و على قول‏ (3) الحسن و الضحاك فستعلم و سيعلمون بأيكم الفتنة.

و المفتون بمعنى الفتنة و الفتون، كما يقال: ليس له معقول و لا معقود رأي. قال أبو جعفر: و هذا من أحسن ما قيل فيه، و قول قتادة أن الباء زائدة.

أي هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله من كفار قريش. وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ بك و بمن اتّبعك.

معطوف، و ليس بجواب و لو كان جوابا حذفت منه النون. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏} وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال يقول: لو ترخّص لهم فيرخّصون. و المعنى

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه رقم (4682) ، و أحمد في مسنده 2/250، و ذكره الحاكم في المستدرك 1/ 3، و الهيثمي في مجمع الزوائد 4/303، و ابن حجر في المطالب العالية (2541) ، و أبو نعيم في الحلية 9/248، و التبريزي في مشكاة المصابيح (3264) .

(2) انظر معاني الفراء 3/173.

(3) انظر البحر المحيط 8/303.

6

على هذا: ودّوا لو تلين لهم فلا تنكر عليهم الكفر و المعاصي فيلينون لك و ينافقونك و يجترءون على المعاصي، و في اللين في مثل هذا فساد الدين، و هو مأخوذ من الدّهن شبّه التليّن به.

أي كل معروف بالحلف على الكذب فإذا كان كذلك كان مهينا عند اللّه جلّ و عزّ و عند المؤمنين. قال مجاهد: مَهِينٍ ضعيف. قال أبو جعفر: يكون مهين فعيل على بابه من هذا القول فيجوز أن يكون بمعنى مهان.

هَمََّازٍ من همزه إذا عابه و أصل الهمز الغمز. مَشََّاءٍ بِنَمِيمٍ «مشّاء» ممدود، لأنها ألف بعدها همزة فالألف خفيّة و الهمزة لبعد مخرجها تخفى فقوّيت بالمدة و كذا الواو إذا كان ما قبلها مضموما مثل السّوأى، و كذلك الياء إذا كان ما قبلها مكسورا نحو: سي‏ء بهم. هذا في المتصل، فللنحويين فيه ثلاثة أقوال: منهم من قال: لا مدّ فيه إذا كان منفصلا، و منهم من قال: هو ممدود بمنزلة المتصل، و إلى هذا كان يذهب أبو إسحاق، و منهم من قال: المدّ في المنفصل أولى منه في المتصل ليبيّن بالمد انفصال الحرف من الآخر نحو قوله جلّ و عزّ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ* [البقرة: 4]و كذا فَلَمََّا أَنْ جََاءَ اَلْبَشِيرُ [يوسف: 96]و في الواو و الياء قُوا أَنْفُسَكُمْ [التحريم: 6] وَ فِي أَنْفُسِكُمْ [الذاريات: 21]و القراء من أحوج الناس إلى معرفة هذا. و ربما وقع الغلط فيه فكان ذلك لحنا فمن قرأ دََائِرَةُ اَلسَّوْءِ* [التوبة: 98]لم يجز له أن يمدّ هذا؛ لأن الواو ما قبلها مفتوح، و من قرأ «دائرة السّوء» مدّ؛ لأن الواو ما قبلها مضموم، و إنما وجب هذا في الواو إذا انضمّ ما قبلها و الياء إذا انكسر ما قبلها لأنهما أشبهتا الألف فصارتا حرفي مدّ و لين كالألف فوجب فيهما المد كما كان في الألف و لما انضمّ ما قبل الواو و انكسر ما قبل الياء فصارت الحركة التي قبلهما منهما ضعفتا فقوّيتا بالمدّة و من قرأ وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا [البقرة: 103]لم يجز له أن يمدّ هذا لانفتاح ما قبل الواو، و يقال: إنّ أكثر من يغلط في هذا من القرّاء الذين يقرءون بقراءة حمزة. قال أبو جعفر: من قال: نميم قال: قد نمّ ثلاثة أنمة، و من قال: نميمة قال: نمائم.

مَنََّاعٍ نعت و كذا مُعْتَدٍ و لو كانا منصوبين لجاز على النعت لكلّ أي معتد على الناس في معاملاتهم. أَثِيمٍ مخالف لربّه في أمره و نهيه، كما قال قتادة: أثيم بربه.

7

عُتُلٍّ قال أهل التأويل منهم أبو رزين و الشعبي: العتلّ الشديد، و قال الفراء:

أي شديد الخصومة بالباطل، و قال غيره: هو شديد الكفر الجافي و جمعه عتالّ. بَعْدَ ذََلِكَ قيل: أي مع ذلك. زَنِيمٍ نعت أيضا.

أَنْ في موضع نصب أي بأن كان، و قرأ الحسن و أبو جعفر و حمزة «أ أن كان ذا مال و بنين» (1) قال أبو جعفر: هذا على التوبيخ أي الآن كان ذا مال و بنين يكفر أو تطيعه.

استهزاء و إنكارا.

قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه أقوالا منها ما رواه معمر عن قتادة قال: على أنفه و مما يذكره أن سعيدا روى عن قتادة سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ (16) قال شين لا يفارقه، و هذا من أحسن ما قيل فيه أي سنبيّن أمره و نشهره حتى يتبيّن ذلك و يكون بمنزلة الموسوم على أنفه على أنه قد روي عن ابن عباس سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ قال: قاتل يوم بدر فضرب بسيف ضربة فكانت سمة له.

إِنََّا بَلَوْنََاهُمْ أي تعبّدناهم بالشكر على النّعم و إعطاء الفقراء حقوقهم التي أوجبناها في أموالهم. كَمََا بَلَوْنََا أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ . قال ابن عباس: هم أهل كتاب إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهََا أي ليجذنّها. و الجذاذ القطع و منه صرم فلان فينا و سيف صارم. مُصْبِحِينَ نصب على الحال. و أصبح دخل في الإصباح.

و لا يقولون: إن شاء اللّه فذمّوا بهذا؛ لأن الإنسان إذا قال: لأفعلنّ كذا لم يأمن أن يصرم عن ذلك فيكون كاذبا فعليه أن يقول إن شاء اللّه.

قيل: أرسلت عليها نار فأحرقت حروثهم. وَ هُمْ نََائِمُونَ في موضع الحال.

____________

(1) انظر تيسير الداني 173 (و هذه قراءة أبي بكر أيضا، و قراءة ابن عامر بهمزة و مدّة، و ابن زكوان في المدّ، و الباقون بهمزة واحدة مفتوحة على الخبر) .

8

أي كالشي‏ء المصروم المقطوع. و صريم بمعنى مصروم مثل قتيل بمعنى مقتول.

نصب على الحال.

أَنِ في موضع نصب أي بأن، و يجوز أن يكون لا موضع لها تفسيرا إِنْ كُنْتُمْ صََارِمِينَ كنتم في موضع جزم بالشرط استغني عن الجواب بما تقدّم؛ لأنه فعل ماض.

في موضع الحال.

الجواب في أَنْ كما تقدّم و في قراءة عبد اللّه بغير «أن» لأن معنى يَتَخََافَتُونَ يقولون سرا.

أصحّ ما قيل في معناه على قصد، كما قال مجاهد: قد أسّسوا ذلك بينهم أي عملوه على قصد و تأسيس و مؤامرة بينهم قادرين عليه عند أنفسهم.

أي قد ضللنا الطريق، و ليست هذه جنّتنا لمّا رأوها محترقة.

قيل: فقال من يعرفها و يعلم أنهم لم يضلّوا الطريق، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) أي حرمنا ثمارها لما فعلنا.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قََالَ أَوْسَطُهُمْ أي أعدلهم أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لاََ تُسَبِّحُونَ أي هلاّ.

9

قََالُوا سُبْحََانَ رَبِّنََا نصب على المصدر إِنََّا كُنََّا ظََالِمِينَ أي جعلنا الشي‏ء في غير موضعه بمنعنا ما يجب علينا، و كذا الظلم في اللغة وضع الشي‏ء في غير موضعه.

في موضع نصب على الحال.

قََالُوا يََا وَيْلَنََا نداء مضاف و الفائدة فيه أنّ معناه هذا وقت حضور الويل. إِنََّا كُنََّا طََاغِينَ أي في مخالفتنا أمر ربّنا و تجاوزنا إياه.

و حكى سيبويه‏ (1) ، أنّ من العرب من يحذف «أن» مع عسى تشبيها بلعل إِلى‏ََ رَبِّنََا رََاغِبُونَ أي في أن يبدلنا خيرا منها.

كَذََلِكَ اَلْعَذََابُ مبتدأ و خبره، و كذا وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَكْبَرُ و سمّيت آخرة لأنها آخرة بعد أولى و قيل: لتأخرها على الناس لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ «لو» لا يليها إلاّ الفعل لشبهها بحروف الشرط.

جَنََّاتِ نصب بإن و علامة النصب كسرة التاء إلاّ أنّ الأخفش كان يقول: هي مبنية غير معربة في موضع النصب.

كَالْمُجْرِمِينَ الكاف في موضع نصب مفعول ثان.

مََا في موضع رفع بالابتداء، و هي اسم تام و لَكُمْ الخبر و كَيْفَ في موضع نصب بتحكمون.

____________

(1) انظر الكتاب 1/92.

10

أي هل لكم كتاب جاءكم من عند اللّه تدرسون فيه.

إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمََا تَخَيَّرُونَ (38) أي لأنفسكم علينا. و كسرت «إن» لمجي‏ء اللام بعدها، و كذا} أَمْ لَكُمْ أَيْمََانٌ عَلَيْنََا بََالِغَةٌ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ أي أم لكم أيمان حلفنا لكم بها منتهية إلى يوم القيامة إنّ لكم حكمكم. و في قراءة الحسن «بالغة» (1) بالنصب. قال الفراء (2) : على المصدر أي حقا، و قال غيره: على الحال من المضمر الذي في علينا.

زَعِيمٌ أي ضمين.

أي شركاء يعينونهم و يشهدون لهم.

يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ هذه القراءة التي عليها جماعة الحجة و ما يروى من غيرها يقع فيه الاضطراب، و كذا أكثر القراءات الخارجة عن الجماعة، و إن وقعت في الأسانيد الصحاح إلا أنها من جهة الآحاد. فمن ذلك ما قرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ «يوم تكشف عن ساق» (3) يريد القيامة و الساعة لشدّتها. قال أبو جعفر:

و هذا إسناد مستقيم ثم وقع فيه ما ذكرناه، كما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن أبي عبد اللّه المخزومي و جماعة من أصحاب سفيان قالوا: حدّثنا سفيان عن عمرو عن ابن عباس أنه قرأ «يوم نكشف عن ساق» بالنون. و روى سفيان الثوري عن سلمة كهيل عن أبي صادق عن ابن مسعود أنه قرأ: «يوم نكشف عن ساق» بالنون. و روى سفيان الثوري عن سلمة أيضا عن أبي الزعراء عن ابن مسعود أنه قرأ «يوم يكشف عن ساق» بفتح الياء و كسر الشين. و الذي عليه أهل التفسير أن المعنى يوم يكشف عن شدّة. و ذلك معروف في كلام العرب، و يجوز أن يكون المعنى يوم يكشف الناس عن

____________

(1) و هذه قراءة زيد بن علي أيضا، انظر البحر المحيط 8/308.

(2) انظر معاني الفراء 3/176.

(3) انظر البحر المحيط 8/309 (قرأ الجمهور «يكشف» بالياء مبنيا للمفعول، و قرأ عبد اللّه بن أبي عبلة بفتح الياء مبنيا للفاعل، و ابن عباس و ابن مسعود و ابن هرمز بالنون، و ابن عباس «يكشف» بفتح الياء مبنيا للفاعل و عنه أيضا بالياء مضمومة) .

11

سوقهم لشدّة ما هم فيه، ذلك مستعمل في كلام العرب، و ساق مؤنّثة تصغّر بالهاء.

وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ قيل: إنما يدعون إلى السجود ليوبّخوا بذلك فيقال لهم:

قد دعيتم إلى السجود الذي ينفعكم في الدنيا فأبيتم فهلمّ فاسجدوا الساعة لأنها ليست دار محنة و لا ينفع فيها السجود فيكون المعنى على هذا و هم لا يستطيعون أن يسجدوا سجودا ينتفعون به، و قيل: بل تجفّ أصلابهم عقوبة فلا يستطيعون السجود.

خََاشِعَةً نصب على الحال. أَبْصََارُهُمْ رفع بالخشوع، و يجوز رفعهما جميعا على المبتدأ و خبره. تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ في موضع نصب أيضا على الحال، و يجوز قطعه من الأول. وَ قَدْ كََانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سََالِمُونَ أي في الدنيا.

مَنْ في موضع نصب عطف، و إن شئت كان مفعولا معه اَلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ في معناه قولان: أحدهما سنمتّعهم و نوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيرا و يغتروا بما هم فيه من النعمة و السّرور فنأخذهم بغتة كما روى أبو موسى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن اللّه عزّ و جلّ ليمهل الظّالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ:

وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرى‏ََ وَ هِيَ ظََالِمَةٌ (1) و قيل: سنستدرجهم من قبورهم إلى النار.

وَ أُمْلِي لَهُمْ بإسكان الياء و الأصل ضمها؛ لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة لثقلها. إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي قوي شديد.

و قراءة نافع بضم الميم الأولى و إسكان الثّانية. قال أبو جعفر: جاء بالأولى على الأصل فاختار هذا لأنها إذا لقيت ألف وصل ضمّت لا غير فأجرى ألف القطع مجراها، و قيل: جاء باللغتين جميعا كما قرأ مِنْ بَعْدِ مََا قَنَطُوا [الشورى: 28]و قرأ: لاََ تَقْنَطُوا [الزمر: 53]و قل من يحتجّ له من أصحابه أو غيرهم.

____________

(1) ذكره البغوي في شرح السنة 14/358، و البيهقي في الأسماء و الصفات 41، و المتقي الهندي في كنز العمال (21398) ، و العجلوني في كشف الخفاء 2/65.

12

قال أبو جعفر: و هذه الآية من أشكل ما في السورة و تحصيل معناها فيما قيل و اللّه أعلم: أم عندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه ما يجادلونك به و يدّعون أنهم مع كفرهم باللّه جلّ و عزّ و ردّهم عليك بعد البراهين خير منك و أنهم على الحقّ.

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي اصبر على أداء الرسالة و احتمل أذاهم و لا تستعجل لهم العذاب وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ في ما عمله من خروجه عن قومه و غمّه بتأخر العذاب عنهم إِذْ نََادى‏ََ وَ هُوَ مَكْظُومٌ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس وَ هُوَ مَكْظُومٌ قال:

مغموم. قال أبو جعفر: و المكظوم في كلام العرب الذي قد اغتمّ لا يجد من يتفرّج إليه فقد كظم غيظه أي أخفاه.

لَوْ لاََ أَنْ تَدََارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ و في قراءة ابن مسعود «لو لا أن تداركته» (1) على تأنيث النعمة و التذكير: لأنه تأنيث غير حقيقي و روي عن الأعرج «لو لا أن تدّاركه» بتشديد الدال، و الأصل تتداركه أدغمت التاء في الدال. لَنُبِذَ بِالْعَرََاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ في موضع نصب على الحال.

قيل: المعنى فوصفه جلّ و عزّ أنه من الصالحين. و قد حكى سيبويه جعل بمعنى وصف، و قيل: فَجَعَلَهُ مِنَ اَلصََّالِحِينَ وفّقه اللّه تعالى لطاعته حتى صلح.

الكوفيون يقولون: إِنْ بمعنى «ما» و اللام بمعنى إلاّ، و البصريون يقولون:

هي إن المشدّدة لما خفّفت وقع بعدها الفعل و لزمته لام التوكيد ليفرق بين النّفي و الإيجاب. و ذكر بعض النحويين الكوفيين أن هذا من إصابة العين، و استجهله بعض العلماء و قال: إنما كانوا يقولون: إنّا نصيب بالعين ما نستحسنه و نتعجّب من جودته. و هذا ليس من ذاك إنّما كانوا ينظرون إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم نظر الإبغاض و النفور.

فالمعنى على هذا أنهم لحدّة نظرهم إليه يكادون يزيلونه من مكانه. يقال: أزلق

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/311 (قرأ الجمهور «تداركه» ماضيا و لم تلحقه علامة التأنيث، و قرأ عبد اللّه و ابن عباس «تداركته» بتاء التأنيث، و ابن هرمز و الحسن و الأعمش بشدّ الدال) .

13

الحجّام الشّعر و زلّفه إذا حلقه، و قد قرئ‏ لَيُزْلِقُونَكَ (1) من أزلق و زلق أي باللغتين جميعا.

مبتدأ و خبره، و الضمير يعود على الذكر المتقدّم.

____________

(1) انظر تيسير الداني 173، و البحر المحيط 8/311.

14

69 شرح إعراب سورة الحاقة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

رفع بالابتداء.

مَا اَلْحَاقَّةُ (2) مبتدأ و خبره و هما خبر عن الحاقة، و فيه معنى التعظيم. و التقدير:

الحاقة ما هي؟إلا أن إعادة الاسم أفخم، و كذا} وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْحَاقَّةُ (3) .

عََادٌ منوّن لخفته و ثَمُودُ لا ينوّن على أنه اسم للقبيلة، و ينوّن على أنه اسم للحي. قال قتادة: بالقارعة أي بالساعة. قال غيره: لأنها تقرع قلوب الناس بهجومها عليهم.

و قال قتادة: بعث اللّه جلّ و عزّ عليهم صيحة فأهدتهم، و قيل: فأهلكوا بالطغيان، و قيل: بالجماعة الطاغية. قال أبو جعفر: و قول قتادة أصحّها أخبر اللّه بالمعنى الذي أهلكهم به لا بالسبب الذي أهلكهم من أجله كما أخبر في قصة عاد فقال جلّ ثناؤه:

وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ قال قتادة: أي باردة، و قال غيره: أي شديد الصوت عََاتِيَةٍ زائدة على مقدار هبوبها.

وَ ثَمََانِيَةَ أنثت الهاء في ثمانية، و حذفت من سبع فرقا بين المذكر و المؤنّث‏

15

حُسُوماً أصحّ ما قيل فيه متتابعة لصحّته عن ابن مسعود و ابن عباس، «و حسوم» نعت و من قال: معناه أتباع جعله مصدرا فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعى‏ََ في موضع نصب على الحال. كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ قال قتادة: أصول النخل، و قال غيره: كأنهم أسافل النخل قد تأكّلت و خوت و تبدّدت خََاوِيَةٍ على تأنيث النخل.

أي من جماعة باقية، و قيل: من بقاء.

وَ جََاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ (1) قراءة الحسن و أبي رجاء و عاصم الجحدري و أبي عمرو و الكسائي، و هو اختيار أبي عبيد، و قراءة أبي جعفر و شيبة و نافع و ابن كثير و الأعمش و حمزة وَ مَنْ قَبْلَهُ و هما منصوبان على الظرف قال الحسن: «و من قبله» و من معه. ورد أبو عبيد على من قرأ «و من قبله» لأنه قد كان فيهم مؤمنون.

قال أبو جعفر: و هذا لا يلزم لأنه قد عرف المعنى بقوله جلّ و عزّ وَ اَلْمُؤْتَفِكََاتُ بِالْخََاطِئَةِ .

نعت أي زائدة.

مجاز لأن الجارية سفينة نوح صلى اللّه عليه و سلم، و المخاطبون بهذا إنما حمل أجدادهم فيها فكانوا بمنزلة من حمل معهم.

لِنَجْعَلَهََا لَكُمْ تَذْكِرَةً قال قتادة: بقيت السفينة عظة و آية و تذكرة حتى راها أوائل هذه الأمة. وَ تَعِيَهََا أي التذكرة، و يروى عن عاصم أنه قرأ «و تعيّها» (2) و هو لحن لأنه من وعى يعي، و عن طلحة أنه قرأ: «و تعيها» بإسكان العين حذف الكسرة لثقلها، و هو مثل‏ أَرِنِي* [البقرة 260 و الأعراف: 143]. أُذُنٌ وََاعِيَةٌ و يقال: أذن و هي مؤنثة تصغيرها أذينة.

____________

(1) انظر تيسير الداني 173.

(2) انظر البحر المحيط 8/317، و تيسير الداني 173.

16

نَفْخَةٌ وََاحِدَةٌ لمّا نعت المصدر حسن رفعه، و لو كان غير منعوت كان منصوبا لا غير.

لأنهما جمعان، و لو قيل: فدككن أو فدكّت في الكلام لجاز.

العامل في الظرف وقعت.

مبتدأ و خبره.

وَ اَلْمَلَكُ عَلى‏ََ أَرْجََائِهََا أي على أرجاء السماء و الرجا الناحية مقصور يكتب بالألف، و الرجاء من الأمل ممدود، وَ اَلْمَلَكُ بمعنى الملائكة يدلّك على ذلك وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمََانِيَةٌ روى السديّ عن أبي مالك عن ابن عباس قال: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلاّ اللّه جلّ و عزّ، و كذا قال الضحاك، و قال ابن إسحاق و ابن زيد: ثمانية أملاك و هم اليوم أربعة.

على تأنيث اللفظ، و قراءة الكوفيين «يخفى» (1) لأنه تأنيث غير حقيقي، و قد فصل بينه و بين فعله.

فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ .

رفع بالابتداء، و خبره فَيَقُولُ هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ قال بعض أهل اللغة: الأصل هاكم ثم أبدل من الكاف. و روى ابن طلحة عن ابن عباس إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاََقٍ حِسََابِيَهْ (20) قال:

أيقنت. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ (21) على النسب أي ذات رضىّ.

____________

(1) انظر تيسير الداني 173، و البحر المحيط 8/318 (قرأ الجمهور «لا تخفى» بتاء التأنيث و علي و ابن وثاء و طلحة و الأعمش و حمزة و الكسائي و غيرهم بالياء) .

17

بدل بإعادة الحرف.

روى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: يأكل من فواكهها و هو قائم.

و هي أيام الدنيا من «خلا» إذا مضى.

و من العرب من يقول: ليتني فيحذف النون كما يحذفها في «إن» .

بإثبات الهاء في الوقف، و كذا ما لبيان الحركة و إثباتها في الوصل لحن لا يجوز عند أحد من أهل العربية علمته. و من اتّبع السواد و أراد السلامة من اللّحن وقف عليها فكان مصيبا من الجهتين.

يََا لَيْتَهََا كََانَتِ اَلْقََاضِيَةَ اسم كان فيها مضمر، و التاء ليست باسم إنما هي علامة للتأنيث.

مََا أَغْنى‏ََ عَنِّي مََالِيَهْ «ما» في موضع نصب بأغنى، و يجوز أن تكون نافية لا موضع لها.

(1)

كما تقدّم في حسابيه.

ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) و يجوز إثبات الواو على الأصل و من حذفها فلسكون الواو، و الهاء ليست بحاجز حصين‏ (2) .

____________

(1) انظر تيسير الداني 174.

(2) الرجز لحميد الأرقط في شرح شواهد الإيضاح 341، و المقاصد النحوية 4/504، و شرح التصريح 2/ 286، و بلا نسبة في ديوان الأدب 1/118، و إصلاح المنطق ص 310، و أوضح المسالك 4/286، و جمهرة اللغة 1314، و خزانة الأدب 1/214، و المخصّص 1/167، و مقاييس اللغة 1/26، و شرح عمدة الحافظ ص 576، و الخصائص 2/307، و لسان العرب (ذرع) و (فرع) و (رمى) ، و أدب الكاتب 507، و الأزهيّة 276، و الأشباه و النظائر 5/219 و قبله:

«ما لك لا ترمي و أنت أنزع # أرمي عليها و هي فرع أجمع»

18

الذراع مؤنثة كما قال:

497-و هي ثلاث أذرع و إصبع‏ (1)

و حكى الفراء (2) : إن بعض عكل يذكّرها، و قد حكى ذلك غيره. } إِنَّهُ كََانَ لاََ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ اَلْعَظِيمِ (33) في موضع نصب، و رفع لأنه فعل مستقبل و كذا} وَ لاََ يَحُضُّ عَلى‏ََ طَعََامِ اَلْمِسْكِينِ (34) .

قال أبو زيد: الحميم القريب في كلام العرب.

يجوز أن يكون استثناء من الأول.

و قراءة موسى بن طلحة إِلاَّ اَلْخََاطِؤُنَ على إبدال الهمزة و هي لغة شاذة.

وَ مََا لاََ تُبْصِرُونَ (39) «لا» زائدة للتوكيد.

قيل: هو مجاز لأنه سمعه منه الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم.

نصب قَلِيلاً لأنه نعت لمصدر أو لظرف و كذا. } وَ لاََ بِقَوْلِ كََاهِنٍ قَلِيلاً مََا تَذَكَّرُونَ .

____________

(1) انظر المذكر و المؤنّث للفراء 77.

(2) انظر البحر المحيط 8/321، و المحتسب 2/329.

19

على إضمار مبتدأ.

أي من الباطل.

في معناه قولان: أحدهما بالقوة، و الآخر: أهنّاه كما تقول: خذ بيده فأقمه.

فأخبر اللّه جلّ و عزّ بحكمه في أوليائه و من يعز عليه ليعتبر غيرهم.

نعت لأحد على المعنى.

قال قتادة: القرآن.

اسم «أنّ» .

أي يتحسرون يوم القيامة على تركهم الإيمان به.

أي محضه و خالصه. و الكوفيون يقولون: هذا إضافة الشي‏ء إلى نفسه.

أي نزّهه و برّئه مما نسب إليه من الأنداد و الأولاد و الشّبه «العظيم» الذي كلّ شي‏ء صغير دونه.

20

70 شرح إعراب سورة سأل سائل (المعارج)

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

سَأَلَ سََائِلٌ هذه قراءة أهل الكوفة و أهل البصرة يهمزها جميعا، و قرأ أبو جعفر و الأعرج و نافع سَأَلَ سََائِلٌ (1) الأول بغير همز و الثاني مهموز، و هذه القراءة لها وجهان: أحدهما أن يكون «سال» من السيل أي انصبّ، و الآخر أن يقال: سال بمعنى سأل لا أنه منه لأن هذا ليس بتخفيف الهمز لو كان منه إنما يكون على البدل من الهمز، و ذلك بعيد شاذّ. قال أبو جعفر: و رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أنه من الهمز، و إنه إنما غلط فيه على نافع و إنه إنما كان يأتي بالهمزة بين بين. قال أبو جعفر:

و هذا تأويل بعيد و تغليط لكل من روى عن نافع، و القول فيه أن سيبويه حكى: سلت أسأل بمعنى سألت فالأصل في سال سول فلما تحركت الواو و تحرك ما قبلها قلبت ألفا، و مثله خفت. و سائل مهموز على أصله إن كان من سأل و إن كان من سال فالأصل في ساول فاعل فقلبت الواو ألفا و قبلها ألف ساكنة و لا يلتقي ساكنان فأبدل من الألف همزة مثل صائم و خائف بِعَذََابٍ وََاقِعٍ .

لِلْكََافِرينَ قول الفراء (2) أن التقدير بعذاب للكافرين، و لا يجوز عنده أن يكون للكافرين متعلقا بواقع. قال أبو جعفر: و ظاهر القرآن على غير ما قال و أهل التأويل على غير قوله. قال مجاهد: و واقع في الآخرة، و قال الحسن: أنزل اللّه جلّ و عزّ:

سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ فقالوا لمن هو على من يقع؟فأنزل اللّه تعالى: لِلْكََافِرينَ لَيْسَ لَهُ دََافِعٌ .

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/326، و تيسير الداني 174.

(2) انظر معاني الفراء 3/183.

21

قيل: المعارج درج الجنّة، و روى ابن نجيح عن مجاهد قال: السماء.

و في قراءة عبد اللّه «يعرج» (1) على تذكير الجميع. فِي يَوْمٍ كََانَ مِقْدََارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه أقوالا، و أعلى ما قيل فيه عن ابن عباس أنه قال: هو يوم القيامة، و أن المعنى مقدار محاسبة اللّه جلّ و عزّ الخلق فيه و إثابته و معاقبته إياهم مقدار ذلك خمسون ألف سنة لو كان غيره المحاسب، و يدلّ على هذا حديث أبي سعيد الخدري قيل: يا رسول اللّه ما أطول هذا اليوم فقال: «إنّه على المؤمن أخفّ من صلاة مكتوبة يصلّيها» (2) .

فَاصْبِرْ على أذاهم. صَبْراً جَمِيلاً لا جزع فيه.

لأنهم لا يؤمنون به. قيل: الضمير في «إنهم» للكافرين و في «يرونه» للعذاب.

لأنه كائن، و كلّ كائن قريب.

يكون التقدير: يقع هذا أو يبصرونهم يوم تكون السّماء كالمهل، و أضيف يوم إلى الفعل، لأنه بمعنى المصدر و عطف عليه.

جمع عهنة، و يقال عهون.

يُبَصَّرُونَهُمْ في هذا المضمر اختلاف عن العلماء فعن ابن عباس يبصّر الحميم حميمه أي يراه و يعرفه ثم يفرّ منه. فهذا قول، و روى ابن أبي نجيح عن مجاهد يبصر

____________

(1) انظر تيسير الداني 174، و معاني الفراء 3/184، و البحر المحيط 8/327.

(2) انظر البحر المحيط 8/327.

22

المؤمنون الكافرين و عن ابن زيد يبصّر في النار التابعون للمتبوعين. قال أبو جعفر:

و أولى هذه الأقوال بالصواب القول الأول؛ لأنه قد تقدّم ذكر الحميم فيكون الضمير راجعا عليه أولى من أن يعود على ما لم يجر له ذكر يَوَدُّ اَلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذََابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ بنيت «يومئذ» (1) لمّا أضيفت إلى غير معرب، و إن شئت خفضتها بالإضافة فقرأت مِنْ عَذََابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ .

وَ فَصِيلَتِهِ و الجمع فصائل و فصل و فصلان.

أي ثم ينجيه الافتداء لأن يَفْتَدِي يدلّ على الافتداء.

كَلاََّ تمام حسن إِنَّهََا لَظى‏ََ نَزََّاعَةً لِلشَّوى‏ََ بين النحويين في هذا اختلاف تكون لظى في موضع نصب على البدل من قولك «ها» و نزّاعة خبر «إنّ» ، و قيل: لَظى‏ََ في موضع رفع على خبر «إن» و نَزََّاعَةً خبر ثان أو بدل على إضمار مبتدأ، و قيل: إنّ «ها» كناية عن القصة و لَظى‏ََ`نَزََّاعَةً مبتدأ و خبره و هما خبر عن «إنّ» و أجاز أبو عبيد نَزََّاعَةً (2) بالنصب، و حكى أنه لم يقرأ به. قال أبو جعفر: و أبو العباس محمد بن يزيد لا يجيز النصب في هذا؛ لأنه لا يجوز أن يكون إلا نزاعة للشوى، و ليس كذا سبيل الحال.

مجاز لأنه يروى أن خزنتها ينادون: ائتونا بمن أدبر و تولّى عن طاعة اللّه، و روى سعيد عن قتادة: تدعو من أدبر عن طاعة اللّه و تولّى عن كتابه و حقّه.

أي جعل المال في وعاء و لم يؤدّ منه الحقوق. و يقال: وعيت العلم و أوعيت المتاع.

____________

(1) انظر تيسير الداني 174 (قرأ نافع و الكسائي بفتح الميم و الباقون بخفضها) .

(2) انظر تيسير الداني 174، و البحر المحيط 8/328.

23

خُلِقَ في موضع خبر «إنّ» و نصبت هَلُوعاً على الحال المقدّرة و الهلوع فيما حكاه أهل اللغة الذي يستعمل في حال الفقر ما لا ينبغي أن يستعمله من الجزع و قلة التأسّي و في الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحقّ الواجب و قلة الشكر. و قد بين هذا بقوله: } إِذََا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً } وَ إِذََا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً و نصبت جَزُوعاً و مَنُوعاً على النعت لهلوع، و يجوز أن يكون التقدير صار كذا.

نصب على الاستثناء.

نعت.

عطف عليه روى سعيد بأن قتادة قال: الصدقة المفروضة، و روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قال: يقول سوى الصدقة يصل بها رحما و يقوّي بها ضعيفا أو يحمل بها كلاّ أو يعين بها محروما.

قال أبو جعفر: صح عن ابن عباس قال: المحروم المحارف، و عن قتادة السائل الذي يسأل بكفّه، و المحروم المتعفّف أي الذي لا يسأل، و لكل عليك حقّ يا ابن آدم، و عن ابن زيد «المحروم» الذي احترق زرعه.

وَ اَلَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذََابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ في موضع نصب كله معطوف على نعت المصلين و كذا} وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ و كذا} وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِشَهََادََاتِهِمْ قََائِمُونَ قال أبو جعفر و قراءة أبي عبد الرحمن و الحسن بِشَهََادََاتِهِمْ (1) قال أبو جعفر: شهادة مصدر فذلك قرأها جماعة على التوحيد، و يجوز أن يكون واحدا يدل على جمع، و كذا} وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ يُحََافِظُونَ .

____________

(1) انظر تيسير الداني 174.

24

مبتدأ و خبره.

نصب على الحال و كذا عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ عِزِينَ جمع عزة جمع بالواو و النون و فيه علامة التأنيث عوضا مما حذف منه، و فيه لغة أخرى يقال: مررت بقوم عزين، يجعل الإعراب في النون.

و قراءة الحسن و طلحة أَنْ يُدْخَلَ (1) بفتح الياء و ضم الخاء. قال أبو جعفر:

و الآية مشكلة. فمما قيل فيها إن المعنى فما للذين كفروا قبلك مسرعين بالتكذيب لك، و قيل: بالاستماع منك ليعيبوك عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ عِزِينَ أي متفرّقين في أديانهم و هم مخالفون للإسلام أ يطمع كل امرئ منهم أن يثاب على هذا فيدخل الجنة، و قيل:

أ يطمع كلّ امرئ منهم أن ينجو من العذاب على هذا الفعل؛ لأن معنى يدخل الجنة ينجو من العذاب.

كَلاََّ ردّ عليهم إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِمََّا يَعْلَمُونَ ذكّرهم مهانتهم و أنهم إنما خلقوا من نطفة فكيف يستحقّون الثواب إذا لم يعملوا عملا صالحا، كما قال قتادة: خلقت من قذر يا ابن آدم فاتّق اللّه جلّ و عزّ.

فَلاََ أُقْسِمُ بِرَبِّ اَلْمَشََارِقِ وَ اَلْمَغََارِبِ . قال أبو ظبيان عن ابن عباس: للشمس كلّ يوم مشرق و مغرب لم يكونا لها بالأمس فذلك قوله جلّ و عزّ: فَلاََ أُقْسِمُ بِرَبِّ اَلْمَشََارِقِ وَ اَلْمَغََارِبِ و لا زائدة للتوكيد لا نعلم في ذلك اختلافا فإنما اختلفوا في «لا أقسم» لأنه أول السورة فكرهوا أن يقولوا: زائد في أول السورة و قد أجمع النحويون أنه لا تزاد «لا» و «ما» في أول الكلام فكان الكلام في هذا أشدّ، و جواب القسم: إِنََّا لَقََادِرُونَ .

أي ليس يعجزوننا و لا يفوتوننا؛ لأن من فاته الشي‏ء و لم يلحقه فقد سبقه.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/186، و البحر المحيط 8/330.

25

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا جواب، و فيه معنى الشرط و في موضع آخر ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: 91]لأن هذا ليس بجواب، و زعم الأخفش سعيد أن الفرق بينهما أنه إذا كان بالنون فهم في تلك الحال و إذا لم يكن بالنون فهو للمستقبل يَوْمَهُمُ اَلَّذِي يُوعَدُونَ .

يَوْمَ يَخْرُجُونَ بدل منه. مِنَ اَلْأَجْدََاثِ سِرََاعاً نصب على الحال. كَأَنَّهُمْ إِلى‏ََ نُصُبٍ يُوفِضُونَ و قراءة الحسن إِلى‏ََ نُصُبٍ (1) و كذا يروى عن زيد بن ثابت و أبي العالية: أي إلى غايات يستبقون، و قال الحسن: كانوا يجتمعون غدوة فيجلسون فإذا طلعت الشمس تبادروا إلى أنصابهم. فقال الأعرج: إلى نصب إلى علم. قال أبو جعفر: و تقديره في العربية إلى علم قد نصب نصبا.

خََاشِعَةً أَبْصََارُهُمْ أي ذليلة خاضعة لما نزل بهم و نصب خاشعة بترهقهم أو بيخرجون تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي تغشاهم ذََلِكَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي كََانُوا يُوعَدُونَ (2) قيل: الذي كانوا مشركو قريش يوعدون به فلا يصدّقون ذلك.

____________

(1) انظر تيسير الداني 174 (قرأ ابن عامر و حفص بضم النون و الصاد و الباقون بفتح النون و إسكان الصاد) .

(2) انظر البحر المحيط 8/330 (قرأ الجمهور «ذلة» منوّنا، و «ذلك اليوم» برفع الميم مبتدأ و خبره، و قرأ عبد الرحمن بن خلاد عن داود بن سالم عن يعقوب و الحسن بن عبد الرحمن عن التمار «ذلة» بغير تنوين مضافا إلى «ذلك» ، و اليوم بخفض الميم) .

26

71 شرح إعراب سورة نوح عليه السّلام‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

إِنََّا الأصل إنّنا حذفت النون تخفيفا أَرْسَلْنََا سكّنت اللام في الأصل لاجتماع الحركات و أنه مبنيّ نُوحاً اسم أعجمي انصرف لأنه على ثلاثة أحرف. إِلى‏ََ قَوْمِهِ اسم للجمع، و قيل: قوم جمع قائم مثل تاجر و تجر أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ «أن» بمعنى التبيين تقول: أي أنذر قومك، و يجوز أن يكون في موضع نصب، و يكون المعنى بأن أنذر قومك مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ خفضت قبل بمن و أعربتها لأنها مضافة إلى «أن» .

أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ يكون أن أيضا بمعنى «أي» ، و يكون بمعنى نذير بأن اعبدوا اللّه وصلتها اعبدوا} وَ اِتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ عطف عليه.

يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ جزم لأنه جواب الأمر وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى عطف عليه إِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ إِذََا جََاءَ لاََ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لم يجزم بلو الفعل المستقبل لمخالفتها حروف الشرط في أنها لا تردّ الماضي إلى المستقبل.

على الظرف.

مفعول ثان.

27

وَ إِنِّي كُلَّمََا دَعَوْتُهُمْ منصوب على الظرف و «ما» متصلة مع «كل» إذا كانت بمعنى إذا، و الجواب جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ الواحدة إصبع مؤنثة و يقال: إصبع.

وَ اِسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ وَ أَصَرُّوا عطف عليه قال الفراء (1) : أَصَرُّوا سكتوا على الكفر.

وَ اِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبََاراً مصدر فيه معنى التوكيد، و كذا} ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهََاراً و يجوز أن يكون التقدير: ذا جهار.

إِسْرََاراً مصدر أيضا فيه معنى التوكيد.

فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي استدعوا منه المغفرة. إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً أي ستّارا على عقوبات الذنوب لمن تاب.

يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ جواب الأمر. مِدْرََاراً نصب على الحال من السماء، و مفعال للمؤنّث بغير هاء؛ لأنه جار على الفعل يقال: امرأة مذكار و مئناث بغير هاء.

يروى أنهم قيل لهم هذا؛ لأنهم كانوا شديدي المحبة للمال.

قد ذكرناه.

أكثر أهل التفسير على أن الأطوار خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة، و قيل:

اختلاف المناظر؛ لأنك ترى الخلق فتميّز بينهم في الصور و الكلام، و لا بدّ من فرق و إن اشتبهوا. و ذلك دالّ على مدبر و صانع.

طِبََاقاً مصدر، و يجوز أن يكون نعتا لسبع، و أجاز الفراء (2) الخفض في غير القرآن.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/188.

(2) انظر معاني الفراء 3/188.

28

وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً قال أبو جعفر: أجلّ ما روي فيه قول عبد اللّه بن عمرو:

إنّ وجه القمر إلى السموات فهو فيهن على الحقيقة وَ جَعَلَ اَلشَّمْسَ سِرََاجاً مفعولان...

و مصدر أنبت إنبات إلاّ أن التقدير فنبتهم نباتا قيل: هذا لأن آدم صلّى اللّه عليه و سلّم خلق من طين، و قيل: النطفة مخلوقة من تراب.

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهََا بالإقبار وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرََاجاً إلى البعث.

و يجوز بصاد؛ لأن بعدها طاء.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس سُبُلاً فِجََاجاً قال: طرقا مختلفة.

و قرأ الكوفيون و أبو عمرو وَ وَلَدُهُ (1) و يجوز والده مثل «أقّتت» و روى شبل عن مجاهد قال: ولده زوجه و أهله و روى خارجة عن أبي عمرو بن العلاء قال: ولده عشيرته و قومه. قال أبو جعفر: أما أهل اللغة سوى هذه الرواية عن أبي عمرو فيقولون: ولد و ولد مثل بخل و بخل و فلك و فلك، و يجوز عندهم أن يكون ولد جمع ولد وثن و وثن.

و كُبََّاراً (2) هي قراءة بمعنى واحد.

وَ قََالُوا لاََ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لاََ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاََ سُوََاعاً . هذه قراءة أهل المدينة، و قرأ الكوفيون

____________

(1) انظر تيسير الداني 174، و البحر المحيط 8/334.

(2) انظر معاني الفراء 3/189، و البحر المحيط 8/325 (قرأ الجمهور بتشديد الباء و هو بناء فيه مبالغة، و قرأ عيسى و ابن محيصن و أبو السمال بتخفيف الباء، و قرأ زيد بن علي و ابن محيصن «كبارا» بكسر الكاف و فتح الباء) .

29

و أبو عمرو وَدًّا بفتح الواو و هو اختيار أبي عبيد و احتجّ بقولهم عبد ودّ و أن الصنم اسمه ودّ. قال أبو جعفر: و هذا من الاحتجاجات الشاذة، و المتعارف عكس ما قال إنما يقال: عبد ودّ فإن كان من جهة التعارف فهو هذا، و إن كان من جهة الأشبه فالأشبه أن يسمّى بودّ مشتقّ من الوداد، و هو السهولة و اللين، و منه وددت الرجل أحببته و وددته إذا بررته، و وددت أن ذلك الشي‏ء لي أي تمنيت بسهولة و تسميتهم الصنم ودّا من هذا وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً لم ينصرف يغوث و يعوق لشبههما الفعل المستقبل، و قرأ الأعمش «و لا يغوث و يعوق» بالصرف، و في حرف عبد اللّه فيما روى وَ لاََ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاََ سُوََاعاً وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً قال أبو جعفر: هذا عند الخليل و سيبويه لحن و هو أيضا مخالف للسواد الأعظم و زعم الفراء (1) : أنّ ذلك يجوز صرفه لكثرته أو كأنه نكرة، و هذا ما لا يحصل؛ لأنه ليس إذا كثر الشي‏ء صرف فيه ما لا ينصرف على أنه لا معنى لقوله:

لكثرته في اسم صنم، و لا معنى لأن يكون نكرة ما كان مخصوصا مثل هذا. و قد زاد الكسائي على هذا فقال: العرب تصرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك. قال محمد بن يزيد: هذا خطأ لأنهم قد صرفوا خيرا منك و شرّا منك و معها منك.

وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً و يجوز في غير القرآن و قد أضللن و قد أضلّت وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ ضَلاََلاً قيل: المعنى: لا توفقهم، و قيل: إلا ضلالا عن الثواب و طريق الجنة.

«ما» زائدة للتوكيد، و لا يجوز عند البصريين غير ذلك، و الكوفيون يقولون:

صلة ثم يرجعون في بعض المواضع إلى الحقّ و هذا منها زعم الفراء (2) أن «ما» هاهنا تفيد؛ لأن المعنى من أجل خطيئاتهم أغرقوا؛ و احتجّ بأنّ «ما» تدل على المجازاة، و ذكر حيثما تكن أكن، و ذكر كيف و أين هذا في كتابه «في معاني القرآن» و مذهبه في هذا حسن لو لا ما فيه من التخطيط. ذكر حيثما و هي لا يجازى بها إلاّ و معها «ما» و ذكر «كيف» و هي لا يجازى بها البتة، و ذكر «أين» و هي يجازى بها مع «ما» و بغير «ما» ، فجمع بين ثلاثة أشياء مختلفة.

أي أحدا و هو من دار يدور أي أحدا يدور، و قيل: ديّار صاحب دار.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/189.

(2) انظر معاني الفراء 3/189.

30

إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ شرط يُضِلُّوا عِبََادَكَ مجازاة وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً عطف عليه.

رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ بفتح الياء؛ لأنها ياء النفس لا يجوز كسرها و هي نظيرة بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: 22]و كذا قراءة من قرأ «و لوالدي» (1) و من قرأ «و لوالدي» جاز أن يسكن الياء و أن يفتحها. وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ عطف بإعادة الحرف وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ عطف بغير إعادة الحرف وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ تَبََاراً قال الفراء (2) : إلاّ ضلالا، و أولى منه قول مجاهد: إلاّ هلاكا، مشتق من التّبر و تبرت الشي‏ء و تبرته كسرته.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/337.

(2) انظر معاني الفراء 1/190.

31

72 شرح إعراب سورة الجنّ‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

قرأ جويّة بن عائذ الأسدي «قل أحي إليّ» (1) قال أبو جعفر: هذا على لغة من قال: وحى يحي. قال العجاج: [الرجز] 498-وحى لها القرار فاستقرّت‏ (2)

و الأصل: وحي إليّ فأبدل من الواو همزة مثل‏ أُقِّتَتْ «أنه» في موضع رفع اسم ما لم يسمّ فاعله. و النفر ثلاثة و أكثر. فَقََالُوا إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً كسرت «إن» لأنها بعد القول فهي مبتدأة. و معنى عجب عجيب في اللغة على ما ذكره محمد بن يزيد أنه الشي‏ء يقلّ و لا يكاد يوجد مثله.

«لن» تدلّ على المستقبل، و الأصل فيهما عند الخليل‏ (3) : لا أن، و زعم أبو عبيدة أنه قد يجزم بها.

وَ أَنَّهُ تَعََالى‏ََ جَدُّ رَبِّنََا هذه قراءة المدنيين‏ (4) في السورة كلّها إلاّ في قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ و في وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ [الآية: 18]و في و أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ [الآية: 16]. و قد زعم بعض أهل اللغة قراءة المدنيين لا يجوز غيرها، و طعن على من قرأ بالفتح لأنه توهم أنه معطوف على أَنَّهُ اِسْتَمَعَ . قال أبو جعفر: و ذلك غلط لأنه

____________

(1) انظر البحر المحيط 8: 339، معاني الفراء 3/190.

(2) مرّ الشاهر رقم (398) .

(3) انظر الكتاب 3/3.

(4) انظر تيسير الداني 175، و البحر المحيط 8/341.

32

قد قرأ بالفتح من تقوم الحجة بقراءته. روى الأعمش عن إبراهيم بن علقمة أنه قرأ و «أن» في السورة كلها. و قرأ يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة و الكسائي بالفتح في السورة كلها إلى قوله: قُلْ إِنَّمََا أَدْعُوا رَبِّي [الواقعة: 20]فلمّا أشكل عليه هذا عدل إلى قراءة أهل المدينة؛ لأنها بينة واضحة. و القول في الفتح أنه معطوف على المعنى، و التقدير فآمنّا به و آمنّا أنه تعالى جدّ ربنا فإنه في موضع نصب. و أحسن ما روي في معنى «جدّ ربّنا» قول ابن عباس: إنه الغنى و العظمة و الرفعة، و أصل الجدّ في اللّغة الارتفاع. من ذلك الجدّ أبو الأب. و منه الجدّ الحظ و باللغة الفارسية البخت. و يقال:

إنّ الجنّ قصدوا إلى هذا و أنهم أرادوا الرفعة و الحظ أي ارتفع ربنا عن أن ينسب إلى الضعف الذي في خلقه من اتّخاذ المرأة و طلب الولد و الشهوة. يدلّ على هذا أن بعده مَا اِتَّخَذَ صََاحِبَةً وَ لاََ وَلَداً و قد زعم بعض الفقهاء أنه يكره أن تقول: و تعالى جدّك، و احتجّ بأن هذا إخبار عن الجنّ. و ذلك غلط لأنه قد صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ذلك و لم يذمّ اللّه الجنّ على هذا القول. و روي عن عكرمة: «و أنه تعالى جدّا ربّنا» .

السّفه رقة الحلم، و ثوب سفيه أي رقيق، و فتح أن أيضا حملا على المعنى أي صدّقنا و شهدنا. و الشطط البعد، كما قال: [الكامل‏] 499-شطّت مزار العاشقين فأصبحت‏ (1)

لاستعظامهم ذلك، و الظنّ هاهنا الشك.

اسم كان و خبرها يَعُوذُونَ بِرِجََالٍ مِنَ اَلْجِنِّ فَزََادُوهُمْ رَهَقاً مفعول ثان.

وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمََا ظَنَنْتُمْ و إن فتحت أن حملته أيضا على المعنى أي علمنا أنهم ظنوا كما ظننتم أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اَللََّهُ أَحَداً «أن» و ما بعدها في موضع المفعولين لظننتم إن أعملته و إن أعملت الأول نويت بها التقدّم.

____________

(1) الشاهد لعنترة في ديوانه 109، و لسان العرب (زأر) و (زور) و (شطط) ، و تاج العروس (زور) و (شطط) و (ركل) ، و بلا نسبة في مقاييس اللغة 3/42. و عجزه:

عسرا عليّ طلابها ابنة مخرم»

33

إن عدّيت وجدنا إلى مفعولين فملئت في موضع المفعول الثاني و إن عديتهما إلى واحد أضمرت «قد» . قال أبو جعفر: و الأول أولى و شهب في الكثير، و في القليل أشهبة.

وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ لم ينصرف لأنه لا نظير له في الواحد و هو نهاية الجمع. فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً شرط و مجازاة.

أحسن ما قيل فيه إن المعنى: لا ندري أ شرّا أراد اللّه بمن في الأرض حين منعنا الاستماع من السماء أم أراد بهم ربهم أن يرسل إليهم رسولا فيرشدهم هذا مذهب ابن زيد، و كانت هذه من علامات نبوته صلّى اللّه عليه و سلّم أنه شدّد على الشياطين في استماعهم من السماء و رموا بالشهب.

لمّا سكنت النون من «من» استغنيت عن زيادة نون أخرى فإذا قلت: منّي فالاسم الياء و زدت النون لئلا تكسر نون «من» كُنََّا طَرََائِقَ قِدَداً الواحدة طريقة و يقال: طريق و طريقة، و فلان على طريقة فلان: و فلان طريقة القوم أي رئيسهم و القوم طريقة أيضا، و إن شئت جمعت.

وَ أَنََّا ظَنَنََّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اَللََّهَ فِي اَلْأَرْضِ الظن هاهنا يقين. وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً مصدر في موضع الحال.

وَ أَنََّا لَمََّا سَمِعْنَا اَلْهُدى‏ََ آمَنََّا بِهِ على تذكير الهدى، و هي اللغة الفصيحة. و قد تؤنث فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاََ يَخََافُ بَخْساً وَ لاََ رَهَقاً و قراءة يحيى بن وثاب و الأعمش فَلاََ يَخََافُ (1)

على النهي.

وَ أَنََّا مِنَّا اَلْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا اَلْقََاسِطُونَ قسط إذا جار، هذا الأصل ثم يزاد عليه الألف فيقال: أقسط إذا أزال القسوط أي عدل.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/344.

34

و قراءة يحيى بن وثاب و الأعمش وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا بضم الواو لالتقاء الساكنين و لأن الضمة تشبه الواو إلا أن سيبويه‏ (1) لا يجيز إلا الكسر في الواو الأصلية فرقا بينها و بين الزائد لَأَسْقَيْنََاهُمْ مََاءً غَدَقاً حكى أبو عبيدة (2) سقيته و أسقيته لغة، و أما الأصمعي فقال: سقيته لفيه و أسقيته جعلت له شربا. قال أبو جعفر: و على ما قال الأصمعي اللغة الفصيحة، منها لأسقيناهم أي أدمنا لهم ذلك، غير أن أبا عبيدة أنشد للبيد و هو غير مدافع عن الفصاحة: [الوافر] 500-

سقى قومي بني مجد و أسقى # نميرا و القبائل من هلال‏ (3)

فسئل الأصمعي عن هذا البيت فقال: هو عندي معمول و لا يكون مطبوع يأتي للغتين في بيت واحد.

لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ حكى أبو زيد و أبو عبيدة: فتنته و أفتنته. قال أبو زيد: لغة بني تميم أفتنته. قال الأصمعي: فتنه يفتنه فهو فاتن و فتان قال اللّه جلّ و عزّ مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفََاتِنِينَ [الصافات: 162]قال: و لا يقال: أفتنه و أنكر هذه اللغة و لم يعرفها، فأنشدهم: [الطويل‏] 501-

لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت # سعيدا فأمسى قد قلا كلّ مسلم‏ (4)

قال أبو جعفر: و هذا شعر قديم، غير أن الأصمعي قال: لا بأس هذا قد سمعناه من مخنّث فلا يلتفت إليه، و إن كان قد قيل قديما. قال أبو جعفر: قد حكى الجلّة من أهل اللغة ممن يرجع إلى قوله في الصدق فتنه و أفتنه غير أن سيبويه فرّق بينهما فذهب إلى أن المعتدي أفتن، و أن معنى فتنه جعل فيه فتنة، كما تقول: كحلّه. وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذََاباً صَعَداً و قرأ مسلم بن جندب‏ نَسْلُكُهُ (5) بضم النون. قال أبو جعفر: سلكه و أسلكه لغتان عند كثير من أهل اللغة، و قال الأصمعي: سلكه بغير

____________

(1) انظر الكتاب 4/268.

(2) انظر مجاز القرآن 1/349.

(3) مرّ الشاهد رقم/239) .

(4) الشاهد لأعشى همدان في لسان العرب (فتن) و المخصّص 4/62، و تاج العروس (فتن) ، و لابن قيس الرقيات في الخصائص 3/315، و ليس في ديوانه، و بلا نسبة في لسان العرب (فتن) ، و تهذيب اللغة 14/289، و جمهرة اللغة 406، و مقاييس اللغة 4/473، و ديوان الأدب 2/334، و كتاب العين 8/ 128.

(5) انظر تيسير الداني 175 (قرأ الكوفيون بالياء و الباقون بالنون) .

35

ألف. قال اللّه جلّ و عزّ مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: 42]و كما قال الشاعر:

[البسيط] 502-

أمّا سلكت سبيلا كنت سالكها # فاذهب فلا يبعدنك اللّه منتشر (1)

و سلك و سلكته مثل رجع و رجعته و أسلكته لغة معروفة أنشد أبو عبيدة و غيره لعبد مناف بن ربع: [البسيط] 503-

حتّى إذا أسلكوهم في قتائدة # شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا (2)

و لم يطعن الأصمعي في هذا البيت غير أنه قال: أسلكه حمله على أن يسلك، و زعم أبو عبيدة أن الجواب محذوف و خولف في هذا، و قيل: الجواب شلّوا و شلاّ يقوم مقامه.

وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ «أنّ» في موضع نصب بمعنى و لأن و على قول بعضهم في موضع رفع عطفا على قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ . فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً نهي لجماعة و حذفت منه النون للجزم.

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «لبدا» أعوانا، و قال مجاهد: وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ يَدْعُوهُ كََادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) لبدا جماعات و مالا لبدا كثيرا. قال أبو جعفر: و هذا قول بيّن و إن كان هذا قد قرئ لِبَداً (3) فهو بعيد، و المعنى على الجماعة الأعلى الكثرة كما قال مجاهد: من تلبد الشي‏ء على الشي‏ء إذا تجمّع عليه و لصق به و عليه لبدة أي شعر و ما أشبهه كما قال: [الطويل‏] 504-

لدى أسد شاكي السّلاح مقاذف # له لبد أظفاره لم تقلّم‏ (4)

____________

(1) الشاهد لأعشى باهلة في الأصمعيات 93، و الخزانة 1/97.

(2) الشاهد لعبد مناف بن ربع الهذليّ في الأزهيّة 203، و الإنصاف 2/461، و جمهرة اللغة 854، و خزانة الأدب 7/39، و الدرر 3/104، و شرح أشعار الهذليين 2/675، و شرح شواهد الإيضاح ص 431، و لسان العرب (شرد) و (قتد) ، و (سلك) ، و (إذا) ، و مراتب النحويين ص 85، و لابن أحمر في ملحق ديوانه 179، و لسان العرب (حمر) ، و بلا نسبة في أدب الكاتب 434، و الأشباه و النظائر 5/25، و جمهرة اللغة 390، و الصاحبي في فقه اللغة 139، و همع الهوامع 1/207.

(3) انظر تيسير الداني 175، و البحر المحيط 8/346.

(4) الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 24، و لسان العرب (قذف) و (مكن) ، و تهذيب اللغة 9/76، و جمهرة اللغة 974، و تاج العروس (قذف) .

36

و يقرأ قُلْ إِنَّمََا أَدْعُوا رَبِّي (1) و القراءة يقال متّسقة و يقال منقطعة، و المعنيان صحيحان أي قل لهم فقال: إنما أدعو ربي وَ لاََ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً نسق و يجوز أن يكون مستأنفا.

أي لا أملك أن أضرّكم في دينكم و لا دنياكم إلا أن أرشدكم كرها أي إلاّ أن أبلغكم، و فيه قول آخر يكون نصبا على إضمار فعل، و يكون مصدرا أي: قل إني لن يجيرني من اللّه أحد إلا أن أبلغ رسالته فيكون «أن» منفصلة من لا. و المعنى: إلاّ بلاغا ما أتاني من اللّه و رسالاته. وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً شرط و مجازاة، و هو في كلام العرب عام لكل من عصى اللّه جلّ و عزّ إلاّ من استثني بآية من القرآن أو توقيف من الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم أو بإجماع من المسلمين، و الذي جاء مستثنى منه من تاب و آمن و من عمل صغيرة و اجتنب الكبائر و سائر ذلك داخلون في الآية إلاّ ما صحّ عن النبي من خروج الموحّدين من النار.

لَنْ تجعل الفعل مستقبلا لا غير وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي ملجأ ألجأ إليه و أميل. و اللحد في القبر من هذا؛ لأنه مائل ناحية منه، و يمال الميت إليه.

إِلاََّ بَلاََغاً مِنَ اَللََّهِ نصب على الاستثناء، و المعنى فيه إذا كان استثناء.

إذا ظرف و لا تعرب لشبهها بالحروف بتنقّلها و أن فيها معنى المجازاة، و جوابها فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نََاصِراً «من» في موضع رفع لأنها استفهام، و لا يعمل في الاستفهام ما قبله هذا الوجه و إن جعلتها بمعنى الذي كانت في موضع نصب و أضمرت مبتدأ؛ و كان أَضْعَفُ خبره وَ أَقَلُّ عطف عليه عَدَداً نصب على البيان.

أَدْرِي في موضع رفع حذفت الضمة منه، و من نصبه فقد لحن لحنا لا يجوز أَمْ يَجْعَلُ لَهُ عطف عليه.

____________

(1) انظر تيسير الداني 175.

37

عََالِمُ اَلْغَيْبِ نعت فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً .

إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ في موضع نصب على الاستثناء من أحد لأن أحدا بمعنى جماعة فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً بمعنى جماعة أي ذوي رصد من الملائكة يحفظونه و يحفظون ما ينزل من الوحي لا يغيّر و لا يسترق.

لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسََالاََتِ رَبِّهِمْ قد ذكرناه وَ أَحََاطَ بِمََا لَدَيْهِمْ عطف جملة؛ لأن الذي قبله مستقبل و هو ماض و كذا وَ أَحْصى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً .

38

73 شرح إعراب سورة المزّمّل‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الأصل المتزمّل أدغمت التاء في الزاي، و في معناه ثلاثة أقوال. فمذهب الزهري أنه تزمّل من فزع أصابه أول ما رأى الملك، و مذهب قتادة أنه تزمّل متأهّبا للصلاة، تأوّلا على قتادة و ليس بنصّ قوله، و مذهب عكرمة أن المعنى: يا أيها المتزمّل النبوة و الرسالة مجازا و تأوّلا على عكرمة، و نصّ قوله: قد زمّلت هذا الأمر فقم به. قال أبو جعفر: و البيّن قول الزهري. قال إبراهيم النخعيّ: كان متزمّلا في قطيفة.

كسرت الميم لالتقاء الساكنين و لم تردد الواو لأن الحركة ليست بلازمة. في معنى قُمِ اَللَّيْلَ إِلاََّ قَلِيلاً ثلاثة أقوال: إنّ هذا ليس بفرض. يدلّ على ذلك أن بعده‏} نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً و ليس كذلك تكون الفروض، و القول الثاني إنه منسوخ، نسخه آخر السورة و هذا قول ابن عباس، و القول الثالث إنه كان فرضا فالمخاطب به النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، و لم يقل عزّ و جلّ قوموا، «نصفه» منصوب على إضمار فعل أي قسم نصفه، أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ضمّت الواو لالتقاء الساكنين و إن شئت كسرت على الأصل.

أَوْ زِدْ عَلَيْهِ تخيير وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً حقيقته في كلام العرب تلبّث في قراءته و افصل الحرف من الحرف الذي بعده، و لا تستعجل فيدخل بعض الحروف في بعض.

مشتقّ من الرتل. قال الأصمعي: و في الأسنان الرتل؛ و هو أن يكون بين الأسنان الفرج، لا يركب بعضها بعضا، يقال ثغر رتل. قال أبو جعفر: و هذا قول صحيح بيّن، و قيل: هو من الرّتل الذي هو الضعف و اللين. فالمعنى: ليّن القراءة و لا تستعجل بالانكماش.

39

في معناه قولان: قال عروة: كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم إذا أوحي إليه و هو على ناقته ثقل عليها حتى تضع جرانها، و قيل: لما فيه من الفرائض و المنع من الشهوات كما قال قتادة: ثقله في الميزان كثقله على الإنسان في الدنيا.

إِنَّ نََاشِئَةَ اَللَّيْلِ من نشأ إذا ابتدأ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً (1) كذا يقرأ أكثر القراء، و هذا نصب على البيان. و وطأ مصدر واطأ مواطأة و وطاء وَ أَقْوَمُ قِيلاً بيان أيضا.

و عن يحيى بن يعمر أنه قرأ «سبخا» (2) بخاء معجمة أي راحة و نوما. و في الحديث «لا تسبّخي عنه» أي لا تخفّفي.

تبتيل مصدر بتّل؛ لأن المعنى واحد، و قد تبتّل تبتّلا.

رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ بالرفع و الكوفيون يقرءون «رب المشرق و المغرب» (3)

بالخفض. و الرفع حسن؛ لأنه أول الآية بمعنى هو ربّ المشرق و يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء و خبره لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ و لو كان خبره فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً لكان النصب أولى به.

وَ اِصْبِرْ عَلى‏ََ مََا يَقُولُونَ أي مما يؤذيك. وَ اُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً و هو الهجر في ذات اللّه جلّ و عزّ، كما قال: وَ إِذََا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: 68].

وَ ذَرْنِي وَ اَلْمُكَذِّبِينَ . عطف على النون و الياء، و يجوز أن يكون مفعولا معه أُولِي اَلنَّعْمَةِ كتبت بزيادة واو بعد الألف فرقا بين أولي و إلى وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً نعت لمصدر أو ظرف.

____________

(1) انظر تيسير الداني 175.

(2) انظر البحر المحيط 8/355 (و هذه قراءة عكرمة و ابن أبي عبلة أيضا) .

(3) انظر تيسير الداني 175، و البحر المحيط 8/355.

40

إِنَّ لَدَيْنََا أَنْكََالاً اسم «إنّ» الواحد نكل وَ جَحِيماً وَ طَعََاماً ذََا غُصَّةٍ وَ عَذََاباً أَلِيماً (13) نسق كلّه، و المعنى عندنا هذا.

قال الفراء (1) : هلت التراب إذا حرّكت أسفله فسقط أعلاه، و قال أبو عبيد: يقال لكلّ شي‏ء أرسلته، إرسالا من رمل أو تراب أو طعام أو نحوه: قد هلته أهيله هيلا إذا أرسلته فهو مهيل. قال أبو جعفر: الأصل مهيول فاعلّ فألقيت حركة الياء على الهاء فالتقى ساكنان، و اختلف النحويون بعد هذا فقال الخليل و سيبويه‏ (2) : حذفت الواو لالتقاء الساكنين لأنها زائدة و كسرت الهاء لمجاورتها الياء فقيل: مهيل، و زعم الكسائي و الفراء و الأخفش أن هذا خطأ؛ و الحجة لهم أن الواو جاءت لمعنى فلا تحذف و لكن حذفت الياء فكان يلزمهم على هذا أن يقولوا: مهول فاحتجّوا بأن الهاء كسرت لمجاورتها الياء فلمّا حذفت الياء انقلبت الواو ياء لمجاورتها الكسرة. قال أبو جعفر:

و هذا باب التصريف و غامض النحو، و قد أجمعوا جميعا على أنه يجوز مهيول و مبيوع و مكيول و مغيوم.

قال أبو زيد: هي لغة لتميم، و قال علقمة بن عبدة: [البسيط] 505-يوم رذاذ عليه الدّجن مغيوم‏ (3)

فهذا جائز في ذوات الياء، و لا يجيزه البصريون في ذوات الواو، و لا يجوز عندهم خاتم مصووغ و لا كلام مقوول، لثقل هذا لأنه قد اجتمعت واوان و ضمة، و هم يستثقلون الواحدة و يفرّون منها. قال جلّ و عزّ: وَ إِذَا اَلرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: 11] كذا في المصحف المجتمع عليه. قال الشاعر: [الرجز] 506-لكلّ دهر قد لبست أثؤبا (4)

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/198.

(2) انظر الكتاب 4/491.

(3) الشاهد لعلقمة بن عبدة في ديوانه 59، و جمهرة اللغة 963، و خزانة الأدب 11/295، و الخصائص 1/261، و شرح المفصّل 10/78، و المقتضب 1/101، و الممتع في التصريف 2/460، و المنصف 1/286، و بلا نسبة في شرح الأشموني 3/866.

(4) الرجز لمعروف بن عبد الرّحمن في شرح أبيات سيبويه 2/390، و لسان العرب (ثوب) ، و له أو لحميد بن ثور في شرح التصريح 2/301 و المقاصد النحوية 4/522، و بلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب 2/804، و الكتاب 4/65، و شرح الأشموني 3/672، و لسان العرب (ملح) ، و مجالس ثعلب 439، و المقتضب 1/29، و الممتع في التصريف 1/336، و المنصف 1/284.

41

فأبدل من الواو همزة، و أجاز النحويون رمل مهول و ثوب مبوع ينوه على بوع الثوب فأبدل من الياء واو لضمة ما قبلها، و أنشد الفراء: [الطويل‏] 507-

ألم تر أنّ الملك قد شون وجهه # و نبع بلاد اللّه قد صار عوسجا (1)

يريد «شين» ، و أنشد الكسائي و الفراء: [الطويل‏] 508-

و يأوي إلى زغب مساكين دونهم # فلا لا تخطّاه الرّكاب مهوب‏ (2)

و اللغة العالية التي جاء بها القرآن. قال عائذ بن محصن بن ثعلبة:

[الوافر] 509-

فأبقى باطلي و الحدّ منها # كدكّان الدّرابنة المطين‏ (3)

إِنََّا أَرْسَلْنََا إِلَيْكُمْ رَسُولاً النون و الألف الثانية في موضع رفع و الأولى في موضع نصب و اتّفق المكنيان؛ لأنهما غير معربين شََاهِداً عَلَيْكُمْ نعت لرسول. كَمََا أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ رَسُولاً الكاف في موضع نصب.

فَعَصى‏ََ فِرْعَوْنُ اَلرَّسُولَ رسول الأول نكرة لأنه لم يتقدّم ذكره و الثاني معرفة لأنه قد تقدّم ذكره و لهذا يكتب في أول الكتب «سلام عليك» و في آخرها «و السّلام» ، و لهذا اختار بعض العلماء في التسليمة الأولى من الصلاة: سلام عليكم، و في الثانية: السّلام عليكم و ذلك المختار في كلام العرب فَأَخَذْنََاهُ أَخْذاً وَبِيلاً نعت لأخذ. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «وبيلا» أي شديدا. قال أبو جعفر: يقال كلأ مستوبل أي لا يستمرأ. قال الفراء (4) : و في قراءة ابن مسعود: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً قال أبو جعفر: و هذه القراءة على التفسير، و في يجعل ضمير يعود على اليوم،

____________

(1) البيت غير موجود في معاني الفراء، و لم أجده في المصادر التي بين يديّ.

(2) الشاهد لحميد بن ثور في ديوانه ص 54، و لسان العرب (هيب) و (فلا) ، و التنبيه و الإيضاح 1/153، و بلا نسبة في تاج العروس (هيب) و (فلا) .

(3) الشاهد للمثقّب العبدي في ديوانه 200، و لسان العرب (دكك) ، و (دربن) و (طين) ، و جمهرة اللغة 1324، و تاج العروس (دكك) و (دربن) ، و (طين) ، و شرح اختيارات المفضّل ص 1264، و مقاييس اللغة 2/258، و بلا نسبة في تهذيب اللغة 14/247، و مجمل اللغة 2/282، و المخصص 14/42، و جمهرة اللغة 680.

(4) انظر معاني الفراء 3/198.

42

و يجوز أن يكون الضمير يعود على اسم اللّه و يكون في الكلام حذف أي يجعل الولدان فيه شيبا.

اَلسَّمََاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ و لم يقل: منفطرة و السماء مؤنثة في هذا ثلاثة أقوال: قال الخليل رحمه اللّه: و هو كما تقول معضّل يريد على النسب، و قيل: حمل التذكير على معنى السقف، و القول الثالث قول الفراء (1) إن السماء تؤنث و تذكّر فجاء هذا على التذكير، و أنشد: [الوافر] 510-

فلو رفع السّماء إليه قوما # لحقنا بالنّجوم مع السحاب‏ (2)

كََانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً أي ليس لوعده خلف، و قد وعد بكون هذه الأشياء في القيامة.

إِنَّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ أي هذه الأشياء التي تكون في القيامة عظة و قال قتادة: يعني القرآن. فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ سَبِيلاً قال: أي بطاعتهم.

مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ عطف على ثلثي الليل، و هي قراءة الحسن و أبي عمرو و أبي جعفر و شيبة و نافع، و قرأ عاصم و الأعمش و حمزة و الكسائي نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ (3)

عطفا على أدنى، و قرأ ابن كثير وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ حذف الضمة لثقلها و اختار أبو عبيد الخفض و احتجّ أن بعده عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال: فكيف يقومون نصفه؟قال أبو جعفر:

القراءتان قد قرأ بهما الجماعة، و تقدير الخفض و يا قوم أدنى من نصفه و أدنى من ثلثه.

و تقدير النصب أدنى من ثلثي الليل و ذلك أكثر من النصف مرة و تقوم نصفه مرة و تقوم ثلثه مرة و الاحتجاج بعلم أن لن تحصوه لا معنى له لأنه لم يخبر أنّهم قالوا: قمنا نصفه

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/199.

(2) مرّ الشاهد رقم 466.

(3) انظر تيسير الداني 175، و البحر المحيط 8/358.

43

و إنما أخبر بحقيقة ما يعلمه، و قد عكس الفراء (1) قوله فاختار النصب؛ لأن المعنى عنده عليه أولى لأنه يستبعد و أقلّ من نصفه: لأنه إنما يبين القليل عنده لا أقلّ القليل، و لو كان كما قال لكان نصفه بغير واو حتى يكون تبيينا لأدنى، و السلامة من هذا عند أهل الدين إذا صحّت القراءتان عن الجماعة أن لا يقال إحداهما أجود من الأخرى لأنهما جميعا عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيأثم من قال ذلك. و كان رؤساء الصحابة رحمهم اللّه ينكرون مثل هذا و قد أجاز الفراء (2) . إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ََ مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ نصب «ثلثه» عطفا على «أدنى» و خفض نِصْفَهُ عطفا على ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ و احتجّ بالحديث:

انتهت صلاة النبي إلى ثلث الليل‏ (3) و هذا أيضا مما يكره أن تعارض به قراءة الجماعة بما لم يقرأ به و بحديث إن صح لم تكن فيه حجّة وَ طََائِفَةٌ مِنَ اَلَّذِينَ مَعَكَ احتجّ بعض العلماء بهذا و استدل على أن صلاة الليل ليست بفرض. قال: و لو كانت فرضا لقاموا كلّهم. وَ اَللََّهُ يُقَدِّرُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ أي يقدّر ساعاتهما و أوقاتهما عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ قال الحسن و سعيد بن جبير: أن لن تطيقوه، و قال الفراء: أن لن تحفظوه فَتََابَ عَلَيْكُمْ رجع لكم إلى ما هو أسهل عليكم. و التوبة في اللغة الرجوع فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ََ و التقدير عند سيبويه أنّثه و ذكّر سيكون؛ لأنه تأنيث غير حقيقي وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي اَلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ عطف على «مرضى» و كذا وَ آخَرُونَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنْهُ فلهذا استحبّ جماعة من العلماء من العلماء قيام الليل، و لو كان أدنى شي‏ء و الحديث فيه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم مؤكد. وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ وَ أَقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً قال ابن زيد: النوافل سوى الزكاة. وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً أي مما أنفقتم و نصبت «خيرا» لأنه خبر «تجدوه» و هُوَ زائدة للفصل وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللََّهَ أي من ذنوبكم و تقصيركم إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ أي على سائر عقوبة من تاب رَحِيمٌ به لا يعذّبه بعد التّوبة.

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/199.

(2) انظر معاني الفراء 3/199.

(3) انظر تفسير الطبري 19/33.

44

74 شرح إعراب سورة المدّثّر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الأصل المتدثر أدغمت التاء في الدال؛ لأنها من موضع واحد. قال إبراهيم النخعي: كان متدثّرا بقطيفة. و قال عكرمة: أي دثّرت هذا الأمر فقم به.

قال قتادة: أي أنذر عذاب اللّه وقائعه بالأمم. قال أبو جعفر: فالتقدير على قول قتادة فأنذرهم بهذه الأشياء ثم حذف هذا للدلالة.

أي عظّمه بعبادته وحده، و هو نصب بكبّر.

وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ (4) نصب بطهّر} وَ اَلرُّجْزَ نصب بـ فاهجر و لو كانت في الأفعال الهاء لكان النصب أولى أيضا؛ لأن الأمر بالفعل أولى.

وَ لاََ تَمْنُنْ جزم بالنهي، و أظهرت التضعيف لسكون الثاني و لو كان في الكلام لجاز لا تمنّ بفتح النون و كسرها و ضمها، و روى حصيف عن مجاهد قال: لاََ تَمْنُنْ لا تضعف، قال أبو جعفر: و يكون مأخوذا من المنين و هو الضعيف، و يكون التقدير و لا تضعف أن تستكثر من الخير فحذفت «أن» و رفع الفعل، و قال ابن زيد: و لا تمنن على الناس بتأدية الرسالة لتستكثر منهم. قال أبو جعفر: و أولى ما قيل في المعنى و اللّه جلّ و عزّ أعلم-و لا تَمْنُنْ بطاعتك و تأديتك الرسالة تَسْتَكْثِرُ ذلك، و هذا معنى‏

45

قول الحسن‏ (1) . قال أبو جعفر: فقلنا: هذا أولى؛ لأنه أشبه بسياق الكلام؛ لأن في الكلام تحذيرا و أمرا بالصبر و الجدّ في الطاعة.

أي على طاعته.

اسم ما لم يسمّ فاعله على قول سيبويه: في الناقور، و على قول أبي العباس مضمر دل عليه الفعل.

فَذََلِكَ مبتدأ يَوْمَئِذٍ يكون بدلا منه و فتح لأنه مبني كما قرئ‏ مِنْ عَذََابِ يَوْمِئِذٍ [المعارج: 11]، و يجوز أن يكون منصوبا بمعنى أعني، يَوْمٌ خبر الابتداء عَسِيرٌ من نعته و كذا} غَيْرُ يَسِيرٍ .

مَنْ في موضع نصب على أنها مفعول معه أو عطف على النون و الياء وَحِيداً نصب على الحال.

لَهُ في موضع المفعول الثاني.

لما تحرّكت حذفت ألف الوصل، و على هذا قالوا: في النسب بنويّ و أجاز سيبويه‏ (2) : «ابنيّ» ، و منعه بعض الكوفيين.

مصدر مؤكّد.

كَلاََّ ردّ لطعمه و ردع له‏} إِنَّهُ كََانَ لِآيََاتِنََا عَنِيداً بمعنى معاند.

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/364.

(2) انظر الكتاب 3/395.

46

روى عطية عن أبي سعيد عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «يكلّف صعود عقبة إذا جعل يده عليها ذابت و إذا جعل رجله عليها ذابت» (1) .

إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ (18) أي فكّر في ردّ آيات اللّه جلّ و عزّ، و قد رجع مرة بعد مرة ينظر هل يقدر أن يردّها و هو الوليد بن المغيرة بلا اختلاف. قال قتادة: زعموا أنه فكر فيما جاء به النبي فقال: و اللّه ما هو بشعر، و إن له لحلاوة و إنّ عليه لطلاوة و ما هو عندي إلا سحر. فأنزل اللّه تعالى: } فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) قال أبو جعفر: قول الفراء قتل بمعنى لعن. قال أبو جعفر: هذا يجب على كلام العرب أن يكون قتل بمعنى أهلك؛ لأن المقتول مهلك.

أي قبض بين عينيه و قطّب لمّا عسر عليه الردّ على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم.

ثُمَّ أَدْبَرَ عن الحق وَ اِسْتَكْبَرَ فأخبر اللّه بجهله أنه تكبّر أن يصدّق بآيات اللّه و رسوله بعد أن يتهيأ له ردّ ما جاء به، و لم يتكبّر أن يسجد لحجارة لا تنفع و لا تضر.

فَقََالَ إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) لما لم يجد حجّة كفر ثم قال‏} إِنْ هََذََا إِلاََّ قَوْلُ اَلْبَشَرِ (25) فزاد في جهله ما لم يخف؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قد تحدّاهم و هم عرب مثله على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك، و لو كان قول البشر لساغ لهم ما ساغ له.

قيل: لم ينصرف لأنها اسم لمؤنث، و قيل: إنها اسم أعجمي و الأول الصّواب لأن الأعجمي إذا كان على ثلاثة أحرف انصرف و إن كان متحرّك الأوسط، و أيضا فإنه اسم عربيّ مشتقّ يقال: سقرته الشمس إذا أحرقته، و السّاقور حديدة تحمى و يكوى بها الحمار.

الجملة في موضع نصب بإدراك إلاّ أن الاستفهام لا يعلم فيه ما قبله.

يقال: لم حذفت الواو من «تذر» ؟و إنما تحذف في «يذر» ؟فإن قيل: أصله يفعل

____________

(1) انظر البحر المحيط 8/366.

47

قيل: فتح و ليس فيه حرف من حروف الحلق؟فالجواب قاله ابن كيسان: لمّا كان يذر بمعنى يدع في أنه لا ينطق منه بماضي و معناهما واحد اتبعوه إياه.

على إضمار مبتدأ أي هي لوّاحة للبشر أي للخلق، و يجوز أن يكون جمع بشرة.

في موضع رفع بالابتداء إلا أنه فتح لأن واو العطف حذفت منه فحرّك بحركتها، و قيل: ثقل فأعطي أخفّ الحركات لأنهما اسمان في الأصل و اختلف النحويون في النسب إليهما فمذهب سيبويه‏ (1) و جماعة من النحويين أنك إذا نسبت إليهما حذفت الثاني و نسبت إلى الأول فقلت: تسعيّ، و أحدي إلى أحد عشر و بعلي في النسب إلى بعلبكّ، و القول الآخر أن النسب إليهما جميعا لا غير و أنه يقال تسعة عشريّ و بعلبكيّ و ردّ أبو العباس أحمد بن يحيى القول الأول و قال: هما اسمان يؤدّيان عن معنى فإذا أسقطت الثاني ذهب معناه و لم يجز إلا النسب إليهما جميعا، و احتجّ بما أجمع عليه النحويون من قولهم: هذا حبّ رمانيّ و جحر ضبيّ فأضاف إلى الثاني و لم يحذف، و كذا هذا أبو عمريّ. قال أحمد بن يحيى: فهذا في النسب أوكد. يعني هذا تسعة عشريّ و معدي‏كربيّ و بعلبكيّ. و أجاز الفراء (2) : جاءني أحد عشر بإسكان العين، و كذا ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، و لا يجيز هذا في اثني عشر لئلا يجمع بين ساكنين، و لا يجيزه في المؤنّث لئلا يجمع بين ساكنين. قال أبو جعفر: و الذي قاله لا يبعد قد روي عن أبي جعفر أنه قرأ عَلَيْهََا تِسْعَةَ عَشَرَ (3) .

أَصْحََابَ جمع صاحب على حذف الزائد؛ لأن أفعالا ليس بجمع فاعل بغير حذف، و أفعال جمع ثمانية أمثلة ليس منها فاعل و لا فعل وَ مََا جَعَلْنََا عِدَّتَهُمْ إِلاََّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي شدّة و تعبدا ليكفروا فيعلموا أن اللّه قادر على تقوية هؤلاء الملائكة و تأييدهم لِيَسْتَيْقِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ لام كي و أصلها أنها لام الخفض لأن المعنى: لاستيقان الذين

____________

(1) انظر الكتاب 3/412.

(2) انظر معاني الفراء 3/203.

(3) انظر المحتسب 2/338، و البحر المحيط 8/368.

48

أوتوا الكتاب وَ يَزْدََادَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِيمََاناً عطف على الأول، و كذا وَ لاََ يَرْتََابَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ ثم أعيدت اللاّم، و لو لم يؤت بها لجاز في وَ لِيَقُولَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْكََافِرُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً «ما» في موضع نصب بأراد، و هي و ذا بمنزلة شي‏ء واحد فإن جعلت «ذا» بمعنى الذي فما في موضع رفع بالابتداء و ذا خبره و ما بعده صلة له كَذََلِكَ يُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر. وَ مََا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاََّ هُوَ رفع بيعلم، و لا يجوز النصب على الاستثناء، و كذا وَ مََا هِيَ إِلاََّ ذِكْرى‏ََ لِلْبَشَرِ قال مجاهد: أي و ما النار إلا ذكرى للبشر، و ذكر محمد بن جرير أن التمام‏} كَلاََّ على أن المعنى ليس القول على ما قال المشرك لأصحابه المشركين أنا أكفيكم أمر خزنة النار} وَ اَلْقَمَرِ قسم أي و ربّ القمر.

(1)

قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و عمر بن عبد العزيز و أبي جعفر و شيبة و ابن كثير و أبي عمرو و عاصم، و قرأ الحسن و ابن محيصن و حمزة و نافع وَ اَللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ . قال أبو جعفر: الصحيح أن دبر و أدبر بمعنى واحد. على هذا كلام أهل التفسير و أكثر أهل اللغة. و «إذا» للمستقبل و «إذ» للماضي. و أما قول أبي عبيد أنه يختار «إذا دبر» لأن بعده‏} وَ اَلصُّبْحِ إِذََا أَسْفَرَ لأن اللّه تعالى يقسم بما شاء و لا يتحكّم في ذلك بأن يكونا جميعا مستقبلين أو ماضيين.

أن إن النار لإحدى الأمور العظام قال أبو رزين: «إنها» أي إن جهنّم و اَلْكُبَرِ بالألف و اللام لا يجوز حذفهما عند أحد من النحويين، و لم يجي‏ء في كلام العرب شي‏ء من هذا بغير الألف و اللام إلاّ أخر، و لذلك منعت من الصرف.

قال الحسن: ليس نذير أدهى من النار أو معنى هذا. قال أبو رزين: يقول اللّه تعالى أنا نذير للبشر، و قال ابن زيد: محمد صلّى اللّه عليه و سلّم نذير للبشر. قال أبو جعفر: فهذه أقوال أهل التأويل و قد يستخرج الأقراب منها. و في نصب نذير سبعة أقوال: يكون حالا من المضمر في «أنا» ، و يجوز أن يكون حالا من إحدى الكبر. و هذان القولان مستخرجان من قول الحسن لأنه جعل النار هي المنذرة، و يجوز أن يكون التقدير: و ما يعلم جنود ربّك إلا هو نذيرا للبشر، و يجوز أن يكون التقدير: صيّرها اللّه جلّ و عزّ

____________

(1) انظر تيسير الداني 176، و كتاب السبعة لابن مجاهد 659، و البحر المحيط 8/369.

49

كذلك نذيرا للبشر، و هذان القولان مستخرجان من قول أبي رزين و قال الكسائي: أي قم نذيرا. و هذا يرجع إلى قول ابن زيد. و يجوز أن يكون نذير بمعنى إنذار كما قال:

«فكيف كان نذير» (1) و يكون التقدير: و ما جعلنا أصحاب النار إلاّ ملائكة إنذارا. قال أبو جعفر: و سمعت علي بن سليمان يقول: يكون التقدير: أعني نذيرا. قال أبو جعفر: و حذف الياء من نذير إذا كان للنار بمعنى النسب.

بدل بإعادة اللام، و لو كان بغير اللام لجاز.

رَهِينَةٌ محمول على المعنى، و لو كان على اللفظ كان رهين.

نصب على الاستثناء و قد صحّ عن رجلين من أصحاب النبي أنه يراد بأصحاب اليمين هاهنا الملائكة و الأطفال، و يدلّ على هذا أن بعده‏} يَتَسََاءَلُونَ } عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ } مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ فهذا كلام من لم يعمل خطيئة، و روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت ابن الزبير يقرأ يَتَسََاءَلُونَ‏`عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ يا فلان ما سلكك في سقر و هذه القراءة على التفسير، و الإسناد بها صحيح.

وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ حذفت النون لكثرة الاستعمال و لو جي‏ء بها لكان جيدا في غير القرآن، و قال محمد بن يزيد: أشبهت النون التي تحذف في الجزم في قولنا:

يقومان و يقومون، و قال أحمد بن يحيى ثعلب: أخطأ، و لو كان كما قال لحذفت في قولنا: لم يصن زيد نفسه.

وَ كُنََّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخََائِضِينَ جي‏ء بالكاف مضمومة ليدلّ ذلك على أنها من ذوات الواو فنقل فعل إلى فعل، و كذا} وَ كُنََّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ‏} حَتََّى أَتََانَا اَلْيَقِينُ أي إلى أن و «أن» مضمرة بعد «حتى» .

أي ليس يشفع فيهم الشافعون و دلّ بهذا على أن الشفاعة تنفع غيرهم.

____________

(1) هذه ليست آية و إنما الآية فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك: 17].

50

منصوب على الحال.

قراءة أهل المدينة و الحسن، و قراءة ابن كثير و عاصم و الأعمش و حمزة و أبي عمرو مُسْتَنْفِرَةٌ (1) و عن الكسائي القراءتان جميعا. قال أبو جعفر: «مستنفرة» في هذا أبين أي مذعورة و مستنفرة مشكل؛ لأن أكثر ما يستعمل استفعل إذا استدعى الفعل، كما تقول: استسقى إذا استدعى أن يسقى و الحمر لا تستدعي هذا، و لكن مجاز القراءة أن يكون استنفر بمعنى نفر فيكون المعنى نافرة.

فعولة من القسر. قال أبو جعفر: و قد ذكرنا ما قال أهل التفسير فيها.

أَنْ يُؤْتى‏ََ صُحُفاً مُنَشَّرَةً على تأنيث الجماعة و وحّد لأنه أكثر في العدد.

لا يجوز إلا الإدغام؛ لأن الأول ساكن.

أي إنّ القرآن.

«و ما تذكرون» قراءة نافع على تحويل المخاطبة، و أكثر الناس يقرأ وَ مََا يَذْكُرُونَ ليكون مردودا على ما تقدّم و ما تشاؤون إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ على حذف المفعول لعلم السامع هُوَ أَهْلُ اَلتَّقْوى‏ََ مبتدأ و خبره وَ أَهْلُ اَلْمَغْفِرَةِ أعيدت «أهل» للتوكيد و التفخيم، و لو لم تعد لجاز.

____________

(1) انظر تيسير الداني 176، و البحر المحيط 8/74.

51

75 شرح إعراب سورة القيامة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

كذا يقرأ أكثر القراء، و عن الحسن و الأعرج «لأقسم بيوم القيامة» (1) على أنها لام قسم لا ألف فيها قال أبو جعفر: و هذا لحن عند الخليل و سيبويه و إنما يقال بالنون:

لأقومن و القراءة الأولى فيها أقوال منها أنّ «لا» زائدة للتوكيد مثل‏ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ [الأعراف: 12]و هذا القول عند الفراء (2) خطأ من جهتين: إحداهما أن «لا» إذا كانت زائدة لم يبتدأ بها، و الأخرى أنه أن «لا» إنما تزاد في النفي، كما قال: [البسيط] 511-

ما كان يرضى رسول اللّه فعلهما # و الطيّبان أبو بكر و لا عمر (3)

أي أبو بكر و عمر و «لا» زائدة. قال أبو جعفر: أما قوله إنّ «لا» لا تزاد في أول الكلام فكما قال، لا اختلاف فيه لأن ذلك يشكل و لكنه قد عورض فيما قال، كما سمعت علي بن سليمان يقول، إن هذا القول صحيح. يعني قول من قال؛ إن «لا» زائدة قال:

و ليس قوله بأنها في أول الكلام مما يردّ هذا القول؛ لأن القرآن كلّه بمنزلة سورة واحدة، و على هذا نظمه و رصفه و تأليفه. و قد صحّ عن ابن عباس: أن اللّه جلّ و عزّ أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان ثم نزل متفرّقا من السماء، و إنما يردّ هذا الحديث أهل البدع. قال أبو جعفر: و أما قول الفراء إنّ «لا» لا تزاد إلا في النفي فمخالف فيه. حكى ذلك من يوثق بعلمه من البصريين منهم أبو عبيدة (4) . و أنشد: [الرجز] 512-في بئر لا حور سرى و ما شعر (5)

____________

(1) انظر تيسير الداني 176، و المحتسب 2/341.

(2) انظر معاني الفراء 3/207.

(3) الشاهد لجرير في ديوانه 263، و الكامل 125، و بلا نسبة في رصف المباني 273 و لسان العرب (لا) .

(4) انظر مجاز القرآن 1/25.

(5) الرجز للعجاج في ديوانه 20، و الأزهيّة 154، و الأشباه و النظائر 2/164، و خزانة الأدب 4/51، و شرح المفصل 8/136 و تاج العروس (حور) و (لا) ، و تهذيب اللغة 5/228، و بلا نسبة في لسان العرب (حور) و (غير) ، و خزانة الأدب 11/224، و الخصائص 2/477، و جمهرة اللغة 525، و مجمل اللغة 2/120.

52

قال: يريد في بئر حور أي هلكة فزاد «لا» في الإيجاب، و خالفه الفراء في هذا فجعل «لا» نفيا هاهنا أي في بئر لا ترد شيئا و زعم الفراء (1) أن «لا» من قوله «لا أقسم» ردّ لكلامهم كما تقول: لا و اللّه ما أفعل فالوقوف عنده لاََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ (1) مستأنف.

لا اختلاف في هذا أن الألف فيه بعد «لا» فقول الحسن أنّ «لا» نافية و قد بيّنا قول غيره.

و قراءة الكوفيين أَ يَحْسَبُ و الماضي حسب بلا اختلاف فالقياس في المستقبل يحسب إلا أنه روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم الكسر (2) .

قََادِرِينَ في موضع نصب، و في نصبه أقوال: منها أنه قيل: التقدير: بلى نقدر فلمّا حوّل نقدر إلى قادرين نصب كما قال الفرزدق: [الطويل‏] 513-

على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما # و لا خارجا من فيّ زور كلام‏ (3)

بمعنى و لا يخرج فلما حوّل يخرج إلى خارج نصبه. و هذا خطأ لأن لكلّ إعرابه تقول: جاءني زيد يضحك، و جاءني زيد ضاحكا، و مررت برجل يضحك، و برجل ضاحك، «و لا خارجا» معطوف على موضع «لا أشتم» قال أبو جعفر: هذا أصحّ ما قيل فيه، و قيل التقدير: بلى نقوى على ذلك قادرين، هذا قول الفراء (4) و قال سيبويه: أي بلى نجمعها قادرين. و قول الفراء مستخرج من هذا، و بنان جمع بنانة. و من حسن ما قيل فيه قول ابن عباس: نحن نقدر أن نجعل بنانه شيئا واحدا كخفّ البعير و حافر

____________

(1) انظر معاني الفراء 3/207.

(2) انظر إعراب الآية 88-النمل.

(3) الشاهد للفرزدق في ديوانه 212، و الكتاب 1/411، و أمالي المرتضى 1/63، و تذكرة النحاة 85، و خزانة الأدب 1/223 و شرح أبيات سيبويه 1/170، و شرح المفصل 2/59، و لسان العرب (خرج) و المحتسب 1/57، و المقتضب 4/313 و بلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 1/177 و لسان العرب (رتج) ، و المقتضب 3/269.

(4) انظر معاني الفراء 3/208.