تسديد القواعد في حاشية الفرائد

- محمد الإمامي الخوانساري المزيد...
719 /
1

[مقدمة الشارح‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه الّذى عرّفنا قواعد شريعة سيّد المرسلين و انار لنا مناهج الحقّ و معارج اليقين و هذا الى معرفة اصول معالم الدّين نحمدك اللّهم على عظيم نعمائك و جسيم اياديك و آلائك و لطائف مننك و احسانك و دقايق دلائلك و براهينك سبحانك سبحانك لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك و فوق ما يقول القائلون و الصّلاة و السّلام على سيّد الاوّلين و الآخرين المبعوث بكتاب هدى و بشرى للمسلمين نزل به الرّوح الأمين بلسان عربىّ مبين المصطفى من عباد اللّه تعالى يوم اخذ الميثاق من ذريّة آدم و نوره الّذى قهر سبحانه به بواسق الظلم و جرى بمدحه القلم الّذى قرّب؟؟؟ البعيد و سهّل لدينا العسير الشّديد الرسول الامين و النّبى المكين و آله و عترته الاطياب الأنجاب الّذين هم للدّين مصابيح و حصون و ابواب و بهم التمسّك و الاشتغال و الاستصحاب اولى الحجّة القاطعة الظّاهرة و وسائل النّجاة فى الدّار الآخرة ما تفرّعت الفروع على الاصول و ما دامت الشّمس فى الطّلوع و الافول و بعد فيقول العبد الفقير الى غفران ربّه البارى عماد الدّين ابو جعفر محمّد بن محمّد على الإماميّ الخوانسارىّ (قدّس اللّه تعالى روحه و نوّر ضريحه) انّ علم اصول الفقه بين العلوم الشرعيّة من اجلّها شأنا و ارفعها مكانا و اسناها قدرا و احلاها ذكرا اذ هو قاعدة الاحكام الشرعيّة و اساس المسائل الفرعيّة و احكام الشّرع بمبانيه منوطة و اعلام الفقه بمقاصده مربوطة و لذا ترى علمائنا المحقّقين (رضوان اللّه عليهم اجمعين) لمّا رأوه لاحكام دين اللّه قواما و لمعرفة الحلال و الحرام عماد او نظاما متكفّلا لتفسير المبانى و دقايق النّكات و تقرير المعانى و فتح المغلقات و استكشاف الدّلائل و استنباط المسائل لم يألو جهدهم فى تحقيق مباحثه و مقاصده و تنقيح دلائله و قواعده فكم من فصول مهذّبة و قوانين محكمة وافية و تمهيدات لقواعد و فوائد و عوائد و فرائد ثمينة شافية و ذريعة و عدّة و معارج و كفاية غالية كافية و ممّا صنّف فيه و دوّن لطالبيه كتاب الفرائد تضيف المولى الأجلّ افضل المحقّقين و اكمل المدقّقين من عكف على منشوراته و مصنّفاته و تحقيقاته كلّ من نشاء بعده مسترشدا من ضيائها نور الحقّ و رشده من فقهائنا الكرام و علمائنا الأعلام‏

2

التعيّنين فى زمانهم و المبرّزين على اقرانهم و صرفوا هممهم اليها و بذلوا مجهودهم فيها و حبسوا افكارهم و انظارهم عليها و رأوا انّ درسها شفاء من اسقام الجهالات و فى كلّ كلمة منها اشارات الى مناهج الدّلالات و هم بعد معترفون بالعجز عن بلوغ مرامه فضلا عن الوصول الى رفيع مقامه قدوة الانام وحيد الايّام علم الهدى و الورع و التّقى مولانا الشيخ مرتضى تغمّده اللّه تعالى برحمته و اسكنه بحبوحة جنّته و جزاه عز الاسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين و قد علّق عليه ممّن جاء بعده الكثير و خرج عنهم الجمّ الغفير رفع الله قدرهم و اعلى ذكرهم و انّى كنت قد اقيّد بالكتابة ما استفدته من الأساتيد و ما سنح فى خاطرى اثناء البحث ممّا يستحقّ التّقييد من نكت قيّمة ألفيتها جالبة للنّظر فى صناعة الاجتهاد و عوائد ثمينة قادنى اليها الدّليل و قوى عليها الاعتماد حذرا من شرودها عند اختلال البال و ذهابها عن ذهنى عند طروّ الحوادث و اكراث الاحوال فخالج فكرى تنظيمها على نمط الحاشية و التّعليق و جمع شملها و اعادة النّظر فيها على حسب ما ساعدنى التّوفيق شارحا لما اكتفى فى المتن باقصر اشارة و مشيرا عند تراكم الوجوه الى ما هو الرّاجح باتمّ عبارة لا ترى حشوا و لا اطالة و لا سأما و لا ملالة يتضمّن بسط ما تظنّه موجزا و تفصيل ما كان مجملا و حلّ ما تجده ملغزا و تقييد ما كان مرسلا و بالجملة من قصدى إن شاء الله اللّه تعالى و منه استمدّ فانّه نعم المولى ان اصنع ما يرفع عن دقايق الرسائل استارها و يدفع عن غير الجلىّ منها غبارها يذلّل صعابها و يحلّ عقد مشكلاتها و يبرز مخدّراتها و يفتح ابواب معضلاتها و انّى بالعجز و قصر الباع معترف و من بحار فضل اللّه و منّه و احسانه مغترف و نحن فى زمان انقطعوا عن مناهل عين اليقين و الشّراب المعين و اذا رأوا طالبا للحقّ قالوا من هذا الّذى هو مهين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا و قد سلب عنهم نور الهداية فلم يكونوا له اهلا بل ذهب الطالبون عن طرق البراهين و الدّلالات و حادوا عن النّظر فى وجوه الاستدلالات و قصرت هممهم عن طلب الحقائق و تناهت افكارهم عن فهم الغوامض و الدّقائق و قلّ من اقبل على الطلب بكليّته و كان حريصا على الفضيلة بخلوص نيّته و الى اللّه المشتكى فمنه المبدا و اليه المنتهى و منه العصمة و الرّشاد و السّداد و بلوغ المراد و ان شئت فسمّه تسديد القواعد فى حاشية الفرائد اللّهم اهدنا الصّراط المستقيم و اجعل نيّاتنا خالصة لوجهك الكريم و سهّل لنا فمنك العون و التيسير و ما ذلك على اللّه بعسير

[فى مجارى الاصول‏]

[اقسام المكلف الملتفت‏]

قوله (اعلم ان المكلّف اذا التفت الى حكم شرعىّ)

اذا كان المراد من المكلّف من تنجّز عليه التّكليف باجتماع شرائطه كان قيد الالتفات مستدركا فانّه كالبلوغ و العقل من شرائط التّكليف و يكون ذكر المكلّف بهذا المعنى مغنيا عن ذكر الالتفات و كونه قيدا توضيحيّا خلاف الاصل فالاولى ان يكون المراد من المكلّف فى العبارة

3

المكلّف الواقعى اعنى من توجّه عليه التّكليف فى الواقع سواء التفت اليه ام لا و يكون ذكر الالتفات للاحتراز عن الغافل و يرشد إلى هذا انّ الالفاظ موضوعة للمعانى النّفس الأمريّة فيكون المراد من لفظ المكلّف ما ذكرنا مضافا إلى انّ المصنّف ره جعل من اقسام المكلّف الملتفت الشاكّ فى الحكم الشرعى و من الواضح انّ الشاكّ ليس بمكلّف مطلقا و لم يتنجّز عليه التّكليف كذلك و ان كان مكلّفا واقعيّا فلا يكون الشاكّ مطلقا قسما لمن تنجّز عليه التّكليف و كان مكلّفا فعليّا و المكلّف الواقعي ليس تكليفه مشروطا بالالتفات و العلم بل يكفى فيه البلوغ و العقل و القدرة و لو كان مشروطا به لزم الدّور لانّ العلم و الالتفات يتوقّفان على المعلوم و الملتفت اليه و هو التّكليف و لو كان ذلك مشروطا بالعلم و الالتفات لزم توقّف التّكليف على ما يتوقّف عليه فإن قلت كما انّ الاصل و الظاهر من القيدان يكون احترازيّا كذلك الظاهر من التّكليف هو الفعلى منه و يتعارض الظّهوران و لا وجه لتقديم احدهما على الآخر قلت نعم و لكن لا بدّ من تقديم الظّهور الاوّل على الثّانى لانّ ظهور القيد فى الاحتراز وضعىّ و ظهور لفظ التّكليف فى الفعلى اطلاقىّ و الظّهور الوضعى مقدّم على الاطلاقى ثمّ إنّ المراد من الالتفات هو التوجّه الى الحكم لا العلم به و ذلك واضح بعد تقسيمه الى الاحوال الثّلاثة كما أنّ المراد من المكلّف فى العبارة هو الاعمّ من المجتهد و المقلّد و ان كان المقصود و المهمّ من البحث بعد ذلك ما هو وظيفة المجتهد و بيان من يكون ظنّه حجّة ام لا و يجرى الاصول مع الشّك و اجرائها موقوف على معرفة مجاريها و فقدان الأدلّة فيها و ايضا المراد من الحكم الشّرعى الاعمّ من الكلّى فى الشّبهات الحكميّة و الجزئى فى الشّبهات الموضوعيّة و المصاديق الخارجيّة و ان لم يكن بيان الجزئيّات و احكامها من وظيفة الاصولى لانّ الأصول علم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الاحكام الشرعيّة الفرعيّة و القواعد الممهّدة لا تكون الّا قضايا كليّة تقع فى طريق استنباط احكام كليّة و المراد منه‏أيضا فى عبارة المتن هو الحكم الواقعى لا الاعمّ منه و من الظّاهرى لوضوح انّ الاحكام الملتفت اليها لا تكون الّا واقعيّة و الالتفات اليها سبب لاثبات الاحكام الظّاهرية الّتى هى مؤدّى الاصول و الأمارات و قبل اجرائها لا يكون حكم ظاهرىّ حتّى يكون الالتفات اليه سببا لاجراء الاصول و بعبارة أوضح انّ الالتفات الى الاحكام سبب لجعل الاحكام الظّاهريّة فجعلها يتوقّف على الالتفات و الالتفات يتوقّف على الملتفت اليه و لو كان الملتفت اليه هو الاحكام الظاهريّة الّتى تتوقّف على الالتفات لزم الدّور و ما ذكرنا من كون المراد من الحكم هو الواقعى لا الأعمّ هو الظّاهر من كلمات غير المصنّف ايضا عند ذكر ما يتعلّق بالقطع و الظنّ و الشكّ من الاحكام بل الأخبار الدالّة على البراءة و الاحتياط ظاهرة الورود فيما كان الحكم الواقعى محجوبا و غير معلوم و ان كان الحكم الظّاهرى المستفاد من الدّليل او الأصل ايضا يمكن ان يتعلّق به الاحوال الثّلاثة كما هو واضح‏

[تقييد الحكم الشرعى بالفعلى بناء على مختار صاحب الكفاية فى مرحلة ثبوته‏]

ثمّ انّه لا وجه لتقييد الحكم الشرعى الملتفت اليه بالفعلى الّا على ما اختاره صاحب الكفاية من انّ الحكم الشّرعى بعد

4

ما لم يكن شيئا يكون له مراتب من الثّبوت‏

[مراتب ثبوت الحكم الشرعى‏]

الأولى ثبوته بمجرّد مقتضيه‏

من دون انشائه و تشريعه‏

الثانية ان يكون له وجود انشاء من دون ان يكون له بعث‏

او زجر او ترخيص فعلا و ذلك لقصور فى الاجراء و الإنفاذ

الثّالثة ان يكون له وجود كذلك مع فعليّة البعث‏

او الزّجر من دون قيام حجّة عليه فلا يكون على مخالفته استحقاق ذمّ من العقلاء و لا عقوبة من المولى‏

الرّابعة ان يكون له وجود كذلك مع قيام الحجّة عليه‏

فيستحقّ على مخالفته الذمّ و العقوبة فإنّ على هذا المسلك ما لم يصل الحكم الى المرتبة الثّالثة لا يكون مقتض لوجوب الاطاعة و الموافقة لكونه فى تلك المرتبتين فاقدا لما به قوام الحكم و حقيقته و يكون فيهما داخلا فيما سكت اللّه تعالى عنه رحمة للعباد و الّذي يتعلّق به العلم او الظنّ او الشكّ ليس الحكم باحدى المرتبتين خصوصا الأولى بالقطع و اليقين و لم يؤمر السّفراء بتبليغهما و ليس الحكم باحد المعنيين مدلول الخطابات الواقعيّة الصّادرة من الشّارع و أمّا على مسلك الشّيخ (قدّس سرّه) من نفى الحكم الانشائى و مجرّد ثبوت المقتضى فى مقابل الحكم الفعلى و انّه ليس فى الواقع حكم باحد المعنيين بل الّذى يكون هو انشاء الحكم و تشريعه على موضوعه بجميع ما اعتبر فيه من القيود و الشّرائط و عند تحقّق ذلك الموضوع يكون الحكم فعليّا و مع عدم تحقّقه لا يكون فى الواقع حكم اصلا فليس متعلّق القطع و اخويه الّا الحكم الفعلى و تمام الكلام فى محلّه و الحاصل انّ المكلّف امّا ان لا يلتفت الى حكم شرعىّ اصلا او يلتفت اليه باحد قسميه من الحكم الكلّى او الجزئىّ و الاوّل لا يقبل التّقسيم لانّ المفروض عدم التفاته و يستحيل حصول الاحوال الثّلاثة له و الثّانى اى الملتفت الى انّ له حكما فى الواقعة فامّا ان يحصل له القطع او الظنّ او الشكّ و الوهم يدخل فى الظنّ لانّه ان تعلّق بالوجود فهو ظنّ بالعدم و ان كان بالعكس فبالعكس مضافا الى انّه لا معنى للبحث عنه لعدم ترتّب اثر عليه من حيث انّه وهم أصلا و الكلام في الاوّل اى الغافل الغير الملتفت يبحث عنه فى باب الاجتهاد و التّقليد و المراد من القطع هو مطلق الاعتقاد الجازم الاعمّ من المطابق للواقع و المخالف له فيشمل الجهل المركب ايضا و ان كان داخلا من وجه فى الغافل اى غير الملتفت‏

[اقسام الاعتقاد الجازم‏]

و الاعتقاد الجازم على قسمين‏

الاوّل ما يكون ثابتا

اى لا يزول بتشكيك المشكّك لكونه حاصلا من الادلّة القطعيّة و يسمّى باليقين و العلم الاجتهادي‏

الثّانى ما لا يكون ثابتا

لعدم استناده الى دليل قطعىّ و يسمّى بالعلم التّقليدى لكونه ناشيا عنه و المراد من الظنّ هو الاعتقاد الرّاجح الغير المانع من النّقيض و له مراتب شتّى لا يضبطها مرتبة معيّنة و المراد من الشكّ هو تساوى الاحتمالين‏

قوله (فان حصل له الشكّ فالمرجع فيه هى القواعد الشرعيّة الخ)

اعلم انّ ما يقع فى طريق استنباط الاحكام امّا ان يكون ناظرا الى الواقع ام لا و كلّ منهما امّا ان يكون فى الاحكام الكليّة

5

ام فى الجزئيّة و الاوّل و هو ما يكون ناظرا الى الواقع و المناط فيه هو الكشف و الطريقيّة الى الواقع و يكون فى الكليّات يسمّى بالدّليل و الثّانى و هو ما يكون ناظرا اليه و يكون فى الجزئيّات يسمّى بالأمارة و الثّالث و هو ما لا يكون ناظرا الى الواقع و يكون فى الجزئيّات يسمّى بالاصول الموضوعيّة و الرّابع و هو ما لا يكون ناظرا اليه و يكون فى الكليّات يسمّى بالاصول العمليّة امّا تسميتها بالاصول فلانّها قواعد كليّة و الاصول مأخوذة من الاصل بمعنى القاعدة و أمّا تسميتها بالعمليّة فلأنّ ما يستفاد منها حكم متعلّق بعمل المكلّف حسب من دون ان يكون كاشفا عن الواقع و ناظرا إليه فالمراد من القواعد الشرعيّة فى عبارة المتن هى الاحكام الشرعيّة المتعلّقة بالموضوعات العامّة الكليّة سواء كان الدّليل على ثبوتها حكم العقل و الشّرع فيعمّ الاصول الشرعيّة و العقليّة

[حصر الاصول العملية فى اربعة]

قوله (و تسمّى بالاصول العمليّة و هى منحصرة فى اربعة)

قد يتخيّل من ظاهر العبارة انّ غرض المصنّف ره حصر الاصول فى الاربعة عقلا فانّ الامر الدّائر بين النّفى و الأثبات لا يكون الّا حصرا عقليّا اذ ليس بينهما واسطة مع انّه لا يمتنع عقلا ان يكون بين البراءة و الاستصحاب اصل آخر غيرهما و كذلك بين التّخيير و الاحتياط و حصر الاصول فى الأربعة استقرائى لا عقلىّ فانّا بالتّصفّح لم نجد اصلا غيرها فغرضه ره حصر مجارى الأصول اى الشكّ مطلقا فى الأربعة لا حصر الاصول بنفسها و لا اشكال فى ذلك لانّ المجرى امّا ان يلاحظ فيه الحالة السّابقة ام لا و على الثّانى فامّا ان يكون شكّا فى التّكليف ام لا و على الثّانى امّا ان يمكن الاحتياط ام لا و على كلّ تقدير لا يكون بين النّفى و الأثبات واسطة عقلا و قد صرّح ره في ذيل الكلام بانّ المراد من الاصول مجاريها و مواردها و قال ايضا فى بحث اصل البراءة ثمّ انّ انحصار موارد الاشتباه فى الأصول الأربعة عقلىّ و لا يخفى انّ انكار الحصر العقلى فى الاصول الأربعة انّما هو فى الشرعيّة منها و امّا حصر الاصول العقليّة بالنّسبة الى الشكّ فى الثّلاثة و هى البراءة و التّخيير و الاحتياط فهو عقلىّ بلا اشكال لأنّ مع الشك امّا ان يراعى جهة الامتثال ام لا و هو منحصر فى البراءة و على الاوّل فامّا ان يراعى من كلّ وجه و هو الاحتياط ام فى الجملة و هو التّخيير و بالجملة حصر الأصول الشرعيّة فى الاربعة استقرائىّ و حصر مجاريها فيها عقلىّ و يبقى الأشكال فى الحصر الاستقرائيّ للأصول فى الاربعة لأنّ هناك غير الاربعة اصولا كثيرة مسلّمة عندهم كاصالة الاباحة و اصالة الحلّ و اصالة الحظر و الإباحة فى الاشياء قبل الشّرع و اصالة الاشتغال و اصالة الطّهارة و اصالة عدم التّذكية و اصالة العدم و اصالة عدم الدّليل دليل العدم و اصالة الصّحة و اصالة اللّزوم و اصالة الحقيقة و اصالة عدم السّهو و الخطأ و النّسيان و اصالة العمل بالقرعة فى كلّ امر مشتبه و اصالة العمل باليد فى الملك و اصالة العمل بسوق المسلم فى الطّهارة و غيرها و اصالة نفى الاكثر عند دوران الامر بينه و بين الاقلّ و اصالة اولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة و اصالة الحرّية فى الانسان و اصالة النّسب فى الفراش الى غير ذلك‏

6

و يجاب عن هذا الاشكال بانّ هذه الأصول منها ما يكون من الاصول الموضوعيّة و يكون مختصّا بالشّبهة فى موضوع الحكم و قد عرفت انّه خارج عن الاصول العمليّة و ما هو محلّ البحث و منها ما يكون المناط فيه الكشف و الطريقيّة و يكون ناظرا الى الواقع فيدخل فى الادلّة و الأمارات و منها ما يكون الموضوع فيه هو الواقع لا الواقع المشكوك فيخرج عن الحكم الظاهرى و منها ما يكون راجعا الى احد الاصول الأربعة و بيانه امّا اصالة الإباحة فهى راجعة الى اصالة البراءة لانّ معنى الإباحة هو الأمن من العقاب فى فعله او تركه و هذا معنى اصالة البراءة المبحوث عنها فى المقام فانّ المقصود من البراءة ايضا هو الأمن من العقاب فى فعل مشكوك الحرمة او ترك مشكوك الوجوب و قد يقال ان اصالة الإباحة تطلق فى الشّبهة التحريميّة و اصالة البراءة فى الشّبهة الوجوبيّة و امّا أصالة الحلّ فان كان المراد منها ما هو مفاد الادلّة الاجتهاديّة كقوله تعالى‏ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ* وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ و نحو ذلك فهى خارجة عن الاصول المبحوث عنها فانّها ح يكون حكما للموضوع لا بوصف الشكّ و إن كان المراد الحلّية الظاهريّة فهى من الاحكام الوضعيّة لا التّكليفيّة العمليّة و بناء على مسلك المصنّف من انّ الاحكام الوضعيّة منتزعة من الاحكام التّكليفيّة ترجع الى اصالة البراءة اذ لا معنى للحليّة حينئذ الّا جواز الفعل و التّرك و عدم العقاب على استعمال الشّي‏ء و قد يقال انّ اصالة الحلّ تطلق فى مقام حكم الشّبهة التّحريميّة الموضوعيّة و أمّا أصالة الحظر و الإباحة قبل الشرع فبناء على كون النّزاع فى الواقعيّين منهما كما هو مقتضى بعض ادلّتهم فهما خارجان عن الاصول العمليّة و يكونان من الاحكام المجعولة للموضوعات لا بوصف الشكّ و بناء على كون النّزاع فى الظّاهريّين منهما يرجعان الى الاحتياط و البراءة حيث يقول القائل بالاوّل انّ الاحتياط يقتضى فيما لم يثبت الاذن فى ارتكابه الحظر منه و القائل بالثّانى بعدمه و أمّا أصالة الاشتغال فترجع ايضا الى الاحتياط لانّ الاحتياط يقتضى فيما ثبت اشتغال ذمّة المكلّف به الاتيان به حتّى يتيقّن بالبراءة و رفع الشّغل و قد يقال انّ اصالة الاشتغال ترجع الى استصحاب الاشتغال و ليس بشي‏ء كما ستطّلع عليه فى محلّه إن شاء الله اللّه تعالى و أمّا أصالة الطّهارة فبناء على ما ذهب اليه بعض من اختصاصها بالشّبهة فى الموضوع فهى من الاصول الموضوعيّة و خارجة عن الاصول العمليّة و بناء على المشهور من جريانها فى الشّبهة الحكميّة و الموضوعيّة معا فهى من الاحكام الوضعيّة المجعولة و بناء على عدم جعلها فهى راجعة الى اصالة البراءة و ان كان مدركها اخبارا خاصّة غير مدارك الاصول الاربعة كقوله (ع) كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم انّه قذر و المراد منها ليس الّا اصالة اباحة التّصرّفات و اصالة البراءة عن وجوب الاجتناب و لك ان تقول بانّ البناء على كون اصالتى الحلّ و الطّهارة من الاحكام الوضعيّة لا يرفع الاشكال فانّهما ح ايضا حكمان مجعولان من الشّارع للشّاك فى مقام العمل و يكونان ممّا ينتهى اليه الفقيه بعد الفحص و اليأس عن الظّفر بالدّليل الاجتهادى و ان لم يكونا من الاحكام الخمسة التّكليفيّة إلّا أن يقال بانّ هذين‏

7

الاصلين لمّا لم يكونا مسلّمين عند الكلّ بحيث يكونان قاعدتين مقرّرتين فى جميع ابواب الفقه لم يذكرا فى المقام بخلاف الاصول الاربعة فانّها مسلّمة عند الكلّ و غير مختصّة بباب مضافا الى انّ تنقيح مجاريها و توضيح ما هو حكم العقل او النّقل فيها يحتاج الى مزيد بحث و بيان و مئونة حجّة و برهان فاختصّوا البحث بهذه الأربعة و أمّا أصالة عدم التّذكية فهى من الاستصحاب العدمى كما هو واضح و أمّا أصالة العدم فهى من باب الاستصحاب العدمى ايضا و قد يقال انّها من باب الكشف الظنّ النّوعى و الظّهور من حيث بناء العرف و العقلاء عليها و أمّا عدم الدّليل دليل العدم فهى ايضا قد يكون من الاستصحاب العدمى فانّ الدّليل امر حادث و كلّ حادث مسبوق بالعدم و كان عدمه متيقّنا فى السّابق و مع الشّك فى حدوثه فهو محكوم بالعدم و قد يكون مستندها حصول القطع منها و قد يكون حصول الظنّ بناء على حجّية مطلق الظنّ و قد يقال باعتبارها من باب التعبّد و الكشف النّوعى من حيث بناء العرف و العقلاء و أمّا أصالة الصّحة فى فعل النّفس و الغير فهى تختصّ بالشّبهة الموضوعيّة و أمّا اصالة اللّزوم فهى من باب الاستصحاب فانّ البيع الواقع مثلا جامعا لشرائطه المعتبرة يكون لزومه متيقّنا و اذا حدث عيب و شكّ فى ارتفاع اللّزوم يحكم ببقائه بالاستصحاب و أمّا أصالة الحقيقة و اصالة عدم السّهو و الخطأ و النّسيان فهى اصول لفظيّة جارية فى مداليل الالفاظ و تعيين المراد منها فاذا قال احد افعل يحمل على الوجوب لانّه حقيقة فيه و احتمال ارادة المعنى المجازى منفىّ بالاصل و كذلك احتمال السّهو و النّسيان و الخطأ منفيّة بالاصول المذكورة فهى ليست من الاصول العمليّة و أمّا أصالة القرعة و اصالة اليد و السّوق و اصالة الحرّية و اصالة النّسب فهى باجمعها من الأصول الموضوعيّة المختصّة بالشّبهة فى موضوع الحكم و أمّا أصالة نفى الاكثر فمدركه امّا الاستصحاب و امّا اصالة البراءة و الّا فليس بشي‏ء و أمّا أصالة اولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة فهى نوع من الاحتياط

قوله (و ما ذكرناه هو المختار فى مجارى الأصول)

اذا كان المراد من المجرى ما يمكن ان يكون مجرى لاحد الاصول المذكورة و ان لم يجر فيه فعلا لمانع لزم ان يكون المشتبه بالشّبهات البدويّة مجرى للاحتياط لامكان جريان الاحتياط فيه مع انّه خلاف اجماع الاصوليّين و اذا كان المراد منه ما يكون كذلك فعلا لزم ان لا يكون المجرى مجرى للاصل اذا منعه مانع كوجود معارض للاستصحاب او البراءة مثلا مع انّه مجرى له سواء جرى فعلا ام لا و يدلّ على ذلك تعبيرهم عند ذلك بوجود المعارض للاصل و المانع عنه لا التّعبير بعدم وجود المقتضى لجريان الاصل الّذى هو اقوى فى المنع عن الجريان فالاولى ان يكون المراد من المجرى ما قام الدّليل على كونه كذلك سواء جرى فعلا او لم يجر لمانع مثل ما قام الدّليل على انّه اذا كان للشّي‏ء حالة سابقة معلومة و شكّ فى زوالها كان مجرى للاستصحاب و هذا اعمّ من جريانه فعلا لعدم‏

8

المانع عنه و من عدمه لوجود المانع‏

و لا بأس بذكر امور

الأوّل انّ المجارى المذكورة للأصول الأربعة هو مختار المصنّف (قدّس سرّه) و جماعة من الأصوليّين‏

و من الأخباريّين من صرّح بعدم جريان البراءة فى الشّبهات الحكميّة التّحريميّة و عمل فيها بالاحتياط و منهم من انكر الاستصحاب فى الاحكام التّكليفيّة و من الاصوليّين من أنكره مطلقا و منهم من انكره فى الشّك فى المقتضى و من هذه الجهة قيّد فى المتن مجرى الاستصحاب بلحاظ الحالة السّابقة فانّ المنكرين على اختلاف اقوالهم لا ينكرون وجود الحالة السّابقة و انّما ينكرون لحاظها و منهم من انكروا وجوب الاحتياط فى جملة من مسائل الشكّ فى المكلّف به و ستطّلع على تفاصيل ذلك فى محلّه إن شاء الله اللّه تعالى‏

الثّانى انّ الحكم الظّاهرى عندهم ما يكون مستفادا من الادلّة المقرّرة للمكلّف من حيث جهله بالحكم الواقعى‏

سواء كان ناظرا الى الواقع ام كان اصلا عمليّا و تخصيصه بالثّانى كما عن بعض الاجلّة لا وجه له و الوجه فى ذلك واضح‏

الثّالث انّ الايراد على الرّجوع الى البراءة و كلّ اصل عملىّ غير الاحتياط باشتراط الفحص عن الدّليل المزيل للشك فى الشّبهة الحكميّة مع انّ مقتضى عبارة المتن فى المقام هو جواز الرّجوع الى الاصل مطلقا فى غير محلّه‏

و كذلك الايراد على خصوص اصل البراءة تارة بانّهم اوجبوا النّظر الى المعجزة مع انّ التّمسك بالأصل يقتضى البراءة و تكذيب مدّعى النّبوة و أخرى بأنّهم صرّحوا بعدم جواز ضرب شبح من بعيد لاحتمال ان يكون محقون الدّم و هذا خلاف جواز التّمسّك بالبراءة

[مناقشة الامور المذكورة]

امّا الاوّل‏ فلانّ المراد من الشكّ فى المقام هو الشّك الثابت المحقّق و من الواضح انّه لا يثبت الّا بعد الفحص عن الحكم الشّرعى فى مظانّه و يرشد الى هذا حكم الاصحاب فى الشكّ فى عدد الرّكعات بالبناء على الاقلّ او الاكثر بعد التروّى و معلوم انّ التّقييد بالتروّى لاحراز ثبوت الشكّ فانّ الشكّ البدوى لا يعتدّ به و هو فى معرض الزّوال‏ و امّا الثّانى‏ فلأنّ المراد من الحكم المبحوث عنه هو الحكم الّذى من شأنه ان يؤخذ من الشّارع و النّظر فى المعجزة ليس كذلك فانّه لو كان من شأنه ان يؤخذ من الشّارع لزم الدّور لتوقّف الشّارعيّة على النظر فى المعجزة و لو توقّف النّظر على حكم الشّارع لزم ذلك و تلك المسألة ليست موردا للرّجوع الى البراءة اصلا و لو بعد النّظر و الفحص لحصول العلم حينئذ بصدق المدّعى عند اظهار المعجزة و كذبه مع غيره‏ و امّا الثّالث‏ فلأنّ الكلام كما مرّ الاشارة اليه انّما هو فى الشّبهات الحكميّة و هذه شبهة فى الموضوع مضافا الى ملاحظة شدّة اهتمام الشّارع بما يتعلّق بالنّفوس و الفروج و يدلّ عليه قولهم بانّ الحدود تدرأ بالشّبهات‏ الرّابع‏ قد مرّ انّ المراد من الحكم الملتفت اليه فى عبارة المتن هو الحكم الواقعى لا الاعمّ منه و من الظّاهرى و قد عدل صاحب الكفاية (قدّس سرّه) الى جعله اعمّ و عدل عن التّقسيم الثّلاثى الى الثّنائى و قال ما هذا لفظه انّ البالغ الّذى وضع عليه القلم اذا التفت الى حكم فعلىّ واقعىّ او ظاهرىّ تعلّق به‏

9

او بمقلّديه فامّا ان يحصل له القطع به أو لا و على الثّانى لا بدّ من انتهائه الى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظنّ لو حصل له و قد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة و الّا فالرّجوع الى الأصول العقليّة من البراءة و الاشتغال و التّخيير انتهى و ما دعاه الى العدول امران‏ الأوّل‏ انّ ما يبحث عنه فى مقصد القطع من لزوم العمل على طبقه و المؤاخذة على تقدير التّرك و غير ذلك حتّى عدم الاجزاء فى صورة انكشاف الخلاف ليس مختصّا بالقطع بالحكم الواقعى بل يجرى فى القطع بالحكم الظّاهرى ايضا كالظنّ بالواقع الحاصل من الادلّة الشّرعيّة الثّابتة حجيّتها حتّى الظنّ فى حال الانسداد على طريق الكشف اذ هو حينئذ طريق شرعىّ و مفاده حكم كذلك و ان كان ثابتا من العقل و الاصول الّتى تكون كذلك كالاستصحاب و البراءة الشرعيّين‏ الثّانى‏ انّ التّقسيم الثّلاثى يوجب تداخل الظنّ و الشكّ فى الاحكام فانّ الظنّ الّذى لم يساعد على اعتباره دليل ملحق بالشّك بماله من الحكم من الرّجوع الى الاصول العمليّة و كذا الشّكّ فى الحكم الواقعى القائم فى مورده دليل معتبر من دون حصول ظنّ منه اصلا ملحق بالظنّ و لا مجال معه للرّجوع الى الأصول فالقطع بالحكم الظاهرىّ الحاصل من الادلّة حتّى الظنّ فى حال الانسداد على طريق الكشف و الاصول الشرعيّة جميعا داخل فى مسائل القطع بالحكم و مع عدم حصول القطع كذلك و حصول الظنّ و تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة كان ذلك جاريا مجرى القطع بالحكم فى الآثار الثّابتة له و ليس قطعا بالحكم الشّرعى لأنّ المقطوع ح هو لزوم الاتّباع و عدم المؤاخذة على طبقه لا كون مفاد الظنّ حكما شرعيّا و لا يخفى استقامة التّقسيم الثّلاثى و قد تقدّم انّ الملتفت اليه اوّلا هو الحكم الواقعى و لا يمكن ان يكون غيره و الغرض من البحث عن احكام الظنّ ليس الّا تمييز ما هو المعتبر منه الملحق بالعلم عن غيره الملحق بالشّك فاللّازم اوّلا تثليث الاقسام ثمّ البحث عن حكم الظنّ من حيث الاعتبار و عدمه‏

[المقصد الاول فى مبحث القطع‏]

قوله (لا اشكال فى وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا)

قد عرفت فيما مرّ معنى القطع و لا اشكال فى انّه اذا حصل القطع بالحكم سيّما اذا كان موافقا للواقع فلا يبقى بعده للمكلّف من امر ينتظره من قبل المولى او غيره و ليس وراء القطع مرتبة أخرى يتصوّر لتنجّز الحكم فيجب العمل على وفق القطع بحكم العقل و يلزم الحركة على طبقه بالجزم و يترتّب عليه ايضا ما للواقع من الآثار لو كان مطابقا فانّ بعض الآثار يختصّ بالواقع كادراك المصالح و عدم الوقوع فى المفاسد فتلك الآثار الثّابتة للمقطوع يترتّب على القطع فى صورة الموافقة و كانت مقطوعا بها لامتناع تعلّق القطع بشي‏ء دون اثره و بعض الآثار يختصّ بالقطع ككونه موجبا للتّنجّز و مورثا لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع بالفعل‏

10

او التّرك على حسب اختلاف متعلّقه من الايجاب و التّحريم فى صورة الاصابة و كونه مؤمّنا من ذمّ المولى و استحقاق العقوبة فى صورة الخطإ فالقطع تمام الموضوع لحكم العقل بترتيب جميع تلك الآثار و السّبب التامّ له عند القاطع و هذا الحكم من لوازمه و آثاره عقلا فانّ القطع بنفسه مرآة تحكى عن الواقعيّات اذا تعلّق بها و يكشف عنها تمام الانكشاف بحيث يراها القاطع من دون ستر و حجاب و لا يحتاج تنجّز الاحكام الواقعيّة و ترتيب آثارها عليها بعد القطع بها الى توسيط القطع و جعله واسطة فى ترتّبها و ثبوتها على متعلّقه كما هو شأن الأمارات الظنّية فانّ قولنا الظنّ حجّة او البيّنة حجّة او فتوى المفتى حجّة يراد به كون هذه الامور اوساطا لاثبات احكام متعلّقاتها و هذا بعد جعلها الشّارع او العقل حجّة و القطع بنفسه علّة تامّة لذلك فلو قطعنا بانّ هذا خمر نقول هذا خمر و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه و لا حاجة الى درج القطع فى القياس بان يقال هذا مقطوع الخمريّة و كلّ مقطوع الخمريّة الخ و انتظر لتمام الكلام فى معنى الوسط و بما ذكرنا يشهد صريح الوجدان و يحكم فانّ الانسان اذا قطع بحكم المولى من الإيجاب او التّحريم انقدح فى نفسه ملزم و محرّك عقلى نحو فعل ما قطع بوجوبه و ترك ما قطع بحرمته بحيث يرى نفسه مذموما على ترك الاوّل و فعل الثّانى و مستحقّا للمثوبة على فعل الاوّل و للعقاب على الثّانى و ينقدح فى نفسه ما يؤمّنه من الذّم و العقوبة و استحقاق المولى للذّم على مؤاخذته مع القطع بموافقة امره و نهيه و من اجل ذلك اجمعوا فى مسئلة الاجزاء على عدمه و وجوب الاعادة فى صورة القطع بالواقع و انكشاف الخلاف و اختلفوا فيما لو كان العمل على طبق ظنّ من الظّنون المعتبرة و السرّ فيه انّ الظنّ ح لمّا كان مجعولا من الشارع كان المكلّف مامورا و مكلّفا بالعمل على طبقه فيأتى فيه انّ الامر يقتضى الاجزاء و امّا العلم فحيث لم يكن مجعولا لا يكون معه امر حتّى يقتضى ذلك و لا فرق فيما ذكرنا من انّ القطع يكشف عن الواقع تمام الانكشاف بين ان يكون لمتعلّقه اثر ام لا و ان يكون من الاحكام ام لا و ان يكون ممّا تعلّق به احد الاحكام ام لا نعم كونه تمام الموضوع لحكم العقل بالاطاعة و استحقاق العقوبة فى المخالفة و المعذوريّة و كونه علّة تامّة لذلك انّما هو فيما اذا تعلّق بالواقع الّذى يكون بنفسه من احد الاحكام او يكون ممّا تعلّق به الحكم و لأجل ما أوضحناه تعلم انّ الآيات و الأخبار الكثيرة الظّاهرة فى ابتداء النّظر فى وجوب العمل بالعلم شرعا و حرمة العمل بالمظنّة و انّ الشّارع اوجب العمل على طبق العلم حتّى قال بعض الأخباريّين انّ الآيات فى ذلك تبلغ مأتين و الاخبار خمسمائة و يقال انّه كيف يمكن انكار كونه مجعولا لا بدّ من حملها على ارشاد الشّارع الى حكم العقل و الّا كان مستلزما لتحصيل الحاصل و ان ليس المقصود منها الّا بيان انّ العمل بالظنّ يوجب الوقوع فى الهلكة لبعده عن الواقع المطلوب بخلاف العلم فانّه مرآة ذاتيّة و كاشف عن الواقع و انّ العمل به موجب للنّجاة و الحاصل يدلّ على‏

11

كون العلم بنفسه مرآة لمتعلّقه امور الأوّل‏ ما عرفت من عدم الحاجة الى جعله حجّة اعنى وسطا لمتعلّقه و انّ العقل يحكم بوجوب موافقته و الاوامر الشرعيّة بوجوب متابعته انّما هى على وجه الإرشاد الثّانى‏

انّه لا يكون قابلا لجعل الشّارع لأنّ الجعل امّا بسيط او مركّب و الاوّل باصطلاح الحكماء هو الايجاد و الخلق الّذى هو مفاد كان التّامّة كما قال تعالى‏ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ و بعبارة النّحاة ما يتعدّى الى مفعول واحد و الثّانى هو التّصيير اى صيرورة الشّى‏ء شيئا آخر و بعبارة النّحاة ما يتعدّى الى مفعولين فان أريد من مجعوليّة القطع المعنى الاوّل كان صحيحا بناء على اطلاق الشّارع على اللّه تعالى لانّ القطع من مخلوقاته و لكن لا يثمر فيما نحن فيه لانّ الكلام فى حجيّته لا فى وجوده و إن اريد من الجعل المعنى الثّانى فلا يصحّ لانّ هذا المعنى انّما يصحّ بين الشي‏ء و ما يمكن ثبوته له كعوارضه المفارقة و امّا بينه و بين ما كان ضرورىّ الثّبوت له فلا و حجّية القطع و تنجّز الواقع به انّما هو كالزّوجيّة للأربعة فكما لا يكون الزّوجيّة مجعولة لها بهذا الجعل فكذلك حجّية القطع لانّه امّا مرآة للواقع او يكون الواقع لازما لمؤدّى القطع و على كلا التّقديرين لا يصحّ الجعل بهذا المعنى لانّ جعل الحجّية حينئذ بمعنى تصيير الشّي‏ء نفسه او لازمه لا شيئا آخر نعم يكون الحجّية مجعولة له بتبع جعله و ايجاده كما انّ الزّوجيّة مجعولة كذلك للأربعة بالعرض و من هذا يظهر انّ سلب صفة الحجّية عن القطع غير ممكن و يمتنع المنع عن تاثيره فانّ نفى الحجّية و تنجّز التّكليف عن القطع بالحكم مستلزم لنفى الملازمة و كما لا يمكن للشّارع نفى ذاتىّ الشّي‏ء عنه لاستلزامه تخلّف الذّاتى كذلك لا يمكن له النّفى عن لازم الشّي‏ء و سلبه و الّا لزم الخلف مع انّه يلزم منه التّناقض حقيقة او اعتقادا على اختلاف القطع من جهة كونه مطابقا للواقع و عدمه فانّ حكم الشّارع بوجوب الاجتناب عن البول مناقض للنّهى عن اجتناب مقطوع البول لانّ القاطع يقطع بالبوليّة فيرد عليه وجوب الاجتناب و اذا نهاه عنه لزم التّناقض فى مرتبة واحدة و هى مرتبة الحكم الواقعى لانّ الواقع بحاقّه الكشف ببركة القطع من دون توقّف لمرتبة اخرى غير تلك المرتبة فلا يتوهّم انّ الحكم فيها ظاهرىّ لا ينافى ما فى المرتبة الاخرى فانّ القطع كما عرفت يوصل الاحكام الخمسة التّكليفيّة بل الوضعيّة الواقعيّة كالطّهارة و النّجاسة الى مرتبة لا يتصوّر لها مرتبة اخرى و يصير علّة تامّة لموضوع حكم العقل بالتّنجيز و إذا لا يمكن سلب صفة الحجّية عنه تكون حجّية واجبة و لا يمكن اثباتها له لانّ الشّي‏ء ما لم يكن ممكنا لا يكون مقدورا و اذا لم يكن مقدورا لا يصحّ اثباته و نفيه لانّ القدرة بالنّسبة الى الوجود و العدم سواء و اذا لا يمكن نفى شي‏ء لا يمكن اثباته‏ الثّالث‏ انّ حجّية القطع لو كان بالجعل احتاج الى دليل و من ذلك الدّليل امّا يحصل القطع او الظنّ فان حصل منه الظنّ فالعمل عليه دون القطع و ذلك ترجيح المرجوح على الرّاجح و ان حصل منه القطع فهذا القطع ايضا لا بدّ له من دليل يقوم على حجّيته و هكذا فيلزم التّسلسل‏ الرّابع‏ ما ستسمعه فى المتن من انّ الحجّة ما

12

يوجب القطع بالمطلوب فلا يطلق على نفس القطع‏ الخامس‏ انّ على تقدير الجعل امّا ان يكون هناك جعلان و حكمان‏ احدهما لمتعلّق العلم فى الواقع‏ و الآخر له بنفسه باعتبار كونه كاشفا و طريقا كما هو الحال فى الظنّ المجعول و الأمارات المعتبرة الّا انّ الحكم الفعلى تابع للأمارة و ليس للحكم الواقعى الّا مجرّد الشّأنيّة و لا ضير فيه لاحتمال الخلاف و عدم انكشاف الواقع و امّا ان يكون جعل واحد لمتعلّق العلم فقط و لم يكن العلم الّا طريقا ذاتيّا للواقع الّذى تعلّق به الجعل او لنفس العلم خاصّة دون الواقع بحيث لا يكون له مع قطع النّظر عن العلم حكم اصلا و الأوّل‏ باطل لانّه يستلزم ثوابين او عقابين فى حقّ القاطع فى صورة الإطاعة او المعصية لأنّ المفروض فعليّة التّكليفين لاحراز الواقع بواسطة القطع و هذا لا يلتزم به احد بخلاف الأمارات الظنّيّة اذ ليس هناك تكليف فعلىّ سوى التّكليف الظّاهرى و لا يلزم مع تعدّد الجعل الّا ثواب واحد او عقاب كذلك‏ و الثّانى‏ عين ما قلناه‏ و الثّالث‏ مستلزم للدّور لأنّ العلم الطّريقى لا بدّ له من حكم و متعلّق سابقين عليه فهو واقع فى المرتبة الثّالثة ففى الفرض و هو ما كان العلم طريقا و كاشفا يكون القطع موقوفا على سبق الحكم و الحكم موقوف على وجود القطع لأنّ المفروض وحدة الجعل و انّه تابع للقطع و مترتّب عليه فيلزم تقدّم الشّى‏ء و هو الحكم على نفسه و هو محال و نظير ذلك ما قيل فى مسئلة الحسن و القبح فانّ القائلين بتبعيّة الأوامر و النّواهى للحسن و القبح خلافا للأشاعرة المنكرين لذلك اختلفوا فبعضهم قال بالحسن و القبح الذّاتى مطو بعضهم قال بانّهما بالوجوه و الاعتبارات و بعضهم فرّق بين المقامات و انّهما قد يكونان ذاتيّين و قد يكونان بالوجوه و هو الصّواب ثمّ إنّ بعض القائلين بالتّبعيّة بالاعتبار استثنوا من جملة الاعتبارات صفتى العلم و الجهل نظرا الى انّ تبعيّة الاحكام لهذين الوصفين مضافا الى التّصويب المجمع على بطلانه مستلزمة للدّور لانّ العلم بالحكم الإيجابي مثلا يقتضى سبق الحكم عليه و ثبوت الحكم لموضوعه يقتضى سبق الحسن فالعلم بالحكم متأخّر عن الحسن و لو كان الحسن ناشئا من العلم لزم تقدّم العلم عليه و كذلك فى العلم بالحكم الغير الايجابى فيستحيل ان يكون للعلم مدخل فى الاحكام الكلّية النّفس الأمريّة لانّها تابعة للحسن و القبح و لو بالاعتبار و كيف يصير العلم بالحكم محسّنا او الجهل مقبّحا و بهذا يردّ القول بالتّصويب ايضا ثمّ لا يخفى انّ لزوم الدّور انّما هو لو اخذ القطع بالحكم فى موضوع نفس هذا الحكم و امّا لو اخذ فى مثله او ضدّه لزم اجتماع المثلين او الضّدّين و كلاهما محالان ايضا فظهر من جميع ما ذكرنا أنّ القطع يستحيل ان يجعل موضوعا للقضيّة او جزء موضوع و لا يكون الّا من جهات القضيّة كالضّرورة مثلا فى القضايا الموجّهة و يمتنع القول بكونه حجّة لأنّ من شأنها ان تكون داخلة فى القضيّة و مكرّرة فى القياس و القطع بملاحظة الاحكام المترتّبة على متعلّقه ليس كذلك فانّه دليل على ثبوت الحكم لمتعلّقه لا على اتيانه له فوجوب متابعة القطع باعتبار كونه طريقا صرفا و مرآة للواقع و حاكيا عنه يرجع الى‏

13

وجوب متابعة المقطوع و لزوم العمل به و طريقيّة القطع ذاتيّة لا تنالها يد الجعل من غير فرق بين القول بصحّة جعل الحجّية و الطريقيّة الّتى هى من احكام الوضع و القول بعدمها و انّ المجعول فيها هو منشأ الانتزاع كما عليه المصنّف ره فإنّ هذا الاختلاف انّما هو فى غير القطع ممّا لا يكون حجّيته ذاتيّة و امكن ان تكون داخلة فى القضيّة و من هنا ترى العلّامة ره يجيب عن دليل القائلين بطهارة المسكرات بأنّ المسكر لا يجب ازالته عن الثّوب و البدن بالإجماع لوقوع الخلاف فيه و كلّ نجس يجب ازالته عن الثّوب و البدن بالإجماع اذ لا خلاف فى وجوب ازالة النّجاسة عنهما عند الصّلاة و ينتج انّ المسكر ليس بنجس بأنّ هذا القياس مغالطة لانّ القياس انّما ينتج اذا تكرّر فيه حدّ الوسط و هذا ليس كذلك لانّ الإجماع فى القضيّة الأولى جزء للقضيّة و المقصود انّ كلّ مسكر وجوب ازالته عن الثّوب و البدن مختلف فيه و كلمة اجماعا من اجزاء المنفىّ لا النّفى و فى القضيّة الثّانية من جهات القضيّة فحدّ الوسط ليس مكرّرا حتّى ينتج و بالجملة القطع و كلّ أمارة قطعيّة كالخبر المتواتر و الإجماع المحقّق ليس الّا دليلا على ثبوت الحكم لمتعلّقه فى الواقع لا على اثباته له فانّ حجّيتهما امّا من جهة الكشف عن قول المعصوم و امّا من جهة حصول القطع بالحكم و على اىّ حال فهما دليلان كما ذكرنا و ليسا من الحجّة المجعولة كخبر الواحد و البيّنة و اليد و ظاهر الكتاب و غير ذلك‏

قوله (و من هنا يعلم انّ اطلاق الحجّة عليه ليس كاطلاق الحجّة على الأمارات)

انّ الحجّة باصطلاح المنطقيّين و جمع من الحكماء و المتكلّمين هى قولان فصاعدا يستلزم لذاتهما قولا آخر او يكون عندهما قول آخر على اختلاف التّعريفين فانّ الاوّل وقع ممّن يقول بأنّ النّتيجة لازمة للمقدّمتين بعد التّرتيب بحيث لا يمكن التّخلّف و الثّانى ممّن يقول بان النّتيجة ليست لازمة لهما بل حصولهما من باب جرى العادة بخلق شي‏ء عقيب شي‏ء كما هو مذهب الأشاعرة و الدّليل باصطلاح الاصوليّين ما يمكن التوصّل بصحيح النّظر فيه الى مطلوب خبرى او العلم بمطلوب خبرىّ و النّسبة بين الاصطلاحين العموم و الخصوص المطلق فانّ الحجّة باصطلاح المنطقيّين اخصّ من الدّليل باصطلاح الأصوليّين اذ ما يمكن التوصّل به اعمّ من ان يكون مفردا او مركّبا بخلاف الاوّل فانّه مختصّ بالمركّب حيث عبّروا بالقولين فصاعدا و من اجل اطلاق الدّليل على المفرد عند الاصوليّين جعلوا الكتاب و السنّة و الاجماع و العقل من اقسام الدّليل و الدّليل عندهم مرادف للحجّة و اعلم انّ قولهم ما جنس كما هو واضح و قولهم يمكن التوصّل فصل يخرج به ما لا يمكن التوصّل به من القضايا الباطلة و قيد الامكان لادخال الادلّة المغفول عنهما و الأدلّة الّتى وقع التّرتيب و النّظر فيها و الادلّة المتعدّدة فانّها لا توصل الى النّتيجة فعلا و لكن يمكن التوصّل بصحيح النّظر فيها الى النّتيجة المطلوبة بعد فرض انتفاء الغفلة و التّرتيب و النّظر و التّعدد عنها و بقولهم بصحيح النّظر يخرج الادلّة الفاسدة و الادلّة الضّروريّة و النّظر ترتيب امور معقولة للتوصّل الى مجهول او ملاحظة المعقول لتحصيل‏

14

المجهول و بقولهم إلى مطلوب خبرىّ يخرج الحدود و الرّسوم لانّ المطلوب فيها شي‏ء واحد و هو المحدود و المعرّف و اورد على هذا التّعريف بامور الأوّل انّ بقيد الامكان لا يدخل المرتّب لانّه لا يمكن الّا فى ظرف ترتيبه لا فعلا و لأنّ الامكان مناقض للفعليّة و القضايا المرتّبة اذا حصلت بالفعل سلب عنها الإمكان و الّا يلزم اجتماع المتناقضين فلا يصحّ دخولها بقيد الامكان الثّانى انّه لا يصحّ ادخال الادلّة المغفول عنها بقيد الامكان لانّها مع قيد الغفلة لا يمكن التوصّل بها و بعد رفع الغفلة تكون كغيرها الثّالث انّه لا يصحّ ادخال الادلّة المنظور فيها و الأدلّة المتعدّدة لانّ ما وقع النّظر فيه لا يمكن وقوعه فيه ثانيا الرّابع انّ حصول التوصّل الى مطلوب خبرىّ و هو الحكم الشّرعى غير معلوم لأنّ الادلّة اغلبها ظنّية فيحصل التوصّل ظنّا لا علما و الجواب امّا عن الاوّل فبانّ الامكان على قسمين عامّ و خاصّ و الخاصّ هو سلب الضّرورة عن الطّرفين اى الوجود و العدم و العامّ هو سلب الضّرورة عن الطّرف المخالف للحكم بمعنى انّه اذا كان الحكم مثبتا يكون لسلب ضرورة السّلب فيكون مقابلا للامتناع فيشمل الواجب و الممكن و اذا كان منفيّا يكون لسلب ضرورة الايجاب فيكون مقابلا للواجب فيشمل الممتنع و الممكن الخاص كليهما و المراد من الامكان فى التّعريف هو الامكان العامّ المثبت و علمت انّه مقابل للامتناع و يشمل الواجب فيشمل الادلّة المترتّبة حين حصولها و امّا عن الثّانى فبالفرق بين الحكم بشرط الغفلة و فى حال الغفلة و الادلّة المغفول عنها اذا كانت بشرط الغفلة فلا يمكن التوصّل بها الى المطلوب و امّا اذا كانت فى حال الغفلة فلا بأس لامكان زوالها و هذا نظير ما قالوا من انّ الكفّار مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأصول مع انّ التّكليف بشرط الكفر محال بخلاف التّكليف حال الكفر فانّ زوال الكفر ممكن فيمكن تكليفهم لامكان زوال الكفر و امّا عن الثالث فأوّلا بما عرفت من الفرق بين اشتراط النّظر و حال النّظر و يصحّ على الثّانى دون الأوّل و ثانيا بأنّ الباء في بصحيح النّظر سببيّة فالمعنى انّ التوصّل بسبب صحّة النّظر و الادلّة المنظور فيها اسباب للتوصّل و ان لم يمكن النّظر فيها للنّاظر سابقا و امّا عن الرّابع فقد اجيب بانّ المراد من الحكم المتوصّل اليه الحكم الظّاهرى و هو معلوم و ان كانت الادلّة ظنّية كما عن العلّامة انّ ظنّية الطّريق لا ينافى قطعيّة الحكم و يردّ بأنّ الاحكام الظاهريّة ايضا غير مقطوع بها فانّ الفقيه اذا استنبط من الأدلّة حكما يحتمل غيره ايضا نعم يحصل له القطع بعدم العقاب و هذا غير القطع بالحكم فالصّواب ان يقال امّا بناء على عدم اعتبار العلم فى التّعريف كما هو المشهور من انّ التوصّل اعمّ من ان يكون قطعيّا او ظنّيا فيصحّ اطلاق التوصّل على الظنّى منه حقيقة و امّا بناء على اعتباره فى التّعريف كما عن بعض فبأنّ العلم يطلق على المعنى الاعمّ و هو الطّرف الرّاجح سواء كان مانعا عن النّقيض ام لا

قوله (لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الّذى به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر)

لمّا أفاد (رحمه الله) امتناع تصرّف الشّارع فى العلم اثباتا و نفيا اشار الى‏

15

مسئلة لفظيّة و هى صحّة اطلاق لفظ الحجّة على القطع الطّريقى و عدمها و قد يقال أوّلا انّ اختصاص اطلاق الحجّة بالوسط لا يصحّ على الاصطلاحين امّا على اصطلاح المنطقيّين فلما عرفت انّهم يطلقون الحجّة على القولين فصاعدا فلا يصحّ اطلاقها على الوسط و امّا على اصطلاح الاصوليّين فلما عرفت من انّهم يطلقون الدّليل المرادف للحجّة على الاعمّ من المفرد و المركّب لتعبيرهم بما الّذى هو من الفاظ العموم فلا يختصّ بالوسط الّذى هو المفرد و ثانيا أنّ على فرض اختصاص الدّليل بالمفرد لا يطلق على الوسط بل يطلق على الأصغر كما قال المحقّق القمّى ره و العالم عند الأصوليّين دليل على اثبات الصّانع انتهى و من الواضح انّ العالم يكون أصغر و كذا صرّح به الفاضل الصّالح حيث قال انّ المراد بصحيح النّظر فيه اى فى نفسه او فى احواله فيتناول المقدّمات الّتى بحيث اذا رتّبت ادّت الى المطلوب انتهى و المفرد الّذى يكون من شأنه ان ينظر فى احواله و صفاته انّما هو الأصغر كالعالم لا غير و قال فى الفصول انّ المراد بالنّظر فيه ما يعمّ النّظر فى نفسه و صفاته و احواله فدخل المفرد كالعالم و المركّب و ثالثا أنّ على فرض اطلاقه على الوسط لا يصحّ ان يكون هو الوسط لاثبات حكم متعلّقه لانّه يوجب خروج اكثر القضايا مثل العالم متغيّر و كلّ متغيّر حادث لظهور انّ ثبوت حكم الحدوث ليس لمتعلّق الوسط و هو المتغيّر بل لفرد من ذلك و هو العالم و يمكن ان يجاب أمّا عن الاوّل فبعدم الاختلاف بين الاصطلاحين لانّ الدّليل فى اللّغة نصب شي‏ء يدلّ على امر و عنه اخذ التّعريفان فانّهم عرّفوا الدّلالة بكون الشّى‏ء بحالة يلزم من العلم به العلم بشي‏ء آخر و يحصل من ذلك انّ الدليل باصطلاح المنطقيّين نصب شي‏ء يفيد العلم به العلم بشي‏ء آخر و هذا ايضا هو المراد من قول الاصوليّين من انّ الدّليل ما يمكن التوصّل بصحيح النّظر فيه الى مطلوب خبرىّ فلا فرق فى المعنى بين الاصطلاحين و يكون الدّليل عندهما نفس الوسط الّذى بسببه يوصل الى المطلوب بجعله موضوعا فى الصّغرى و محمولا فى الكبرى فى الشّكل الرابع او بالعكس فى الشّكل الاوّل او محمولا فيهما فى الشّكل الثّانى او موضوعا فيهما فى الشّكل الثّالث إلّا أنّ المنطقيّين لما كان نظرهم فى كيفيّة الاستدلال و لا تحصل تلك الكيفيّة الّا من جعل الوسط صغرى و كبرى قالوا انّ الدّليل قولان فصاعدا فاطلاق الحجّة و الدّليل على الوسط يصحّ على كلا الاصطلاحين و عن الثّانى بانّ اطلاق الدّليل على الاصغر فى كلمات بعضهم من باب المسامحة فى التّعبير و الإطلاق و المراد من النّظر فيه عندهم النّظر فى صفاته و احواله الّتى منها التغيّر و الّا فنفس العالم او المتغيّر ليس مؤدّيا الى وجود الصّانع الّا من حيث جعل العالم فردا من افراد المتغيّر و جعل المتغيّر من افراد الحادث و احتياج الحادث الى المؤثّر و لعمرى انّ هذا واضح و عن الثالث بأنّ المراد من الدّليل و ان كان هو مطلق الوسط الّا انّ المعنى الشّائع الظّاهر للفظ الحجّة عند الإطلاق كلّما استعمل فى كلمات الاصوليّين هو الوسط لاثبات حكم المتعلّق‏

16

الّذى هو قسم من الوسط بقول مطلق فالحجّة فى باب الأدلّة باصطلاح الاصولى ما يحمل عليه وجوب ترتيب جميع احكام متعلّقه عند وجوده فى مرحلة الظّاهر و من اجل انّ هذا المعنى لا يتحقّق فيما كان للعلم دخل فى موضوع الحكم الشرعى يقول ره عند تعرّضه للقطع المأخوذ على وجه الموضوعيّة فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم و ان لم يطلق عليه الحجّة اذ المراد بالحجّة فى باب الادلّة ما كان وسطا لثبوت حكم متعلّقه شرعا لا لحكم آخر انتهى اذا عرفت ذلك كلّه فاعلم أنّ اطلاق الحجّة على القطع الطريقى ليس من الحجّة باصطلاح الاصولى و هى الوسط لاثبات حكم متعلّقه لوضوح عدم كون القطع واسطة فى العروض فانّ الحرمة ثابتة للخمر اوّلا و بالذّات لا بواسطة القطع حتّى يكون واسطة فى عروض الحكم له و عدم كونه واسطة فى الثّبوت لانّه ليس علّة لحرمة الخمر فانّ الحرمة ثابتة للخمر سواء قطع بالخمريّة أو لا و العلّة هى الاسكار او المفاسد الاخرى و عدم كونه واسطة فى الاثبات لانّه ليس علّة للعلم بالحرمة و انّما العلّة هى الآيات و الاخبار الدّالة على الحرمة لا القطع بالخمريّة فالقطع الطريقى ليس وسطا اصلا و لا يطلق عليه الحجّة حقيقة باىّ معنى كانت و ان صحّ اطلاقها عليه بمعنى وجوب العمل على طبقه نعم بالقطع يثبت الموضوع كما انّك عرفت انّ البحث فى هذا الامر ليس بمهمّ فانّه مسئلة لفظيّة جزئيّة و ذكرها انّما هو بمناسبة طريقيّة العلم و اعتباره ذاتا و انّ لاجل ذلك لا يؤخذ العلم وسطا لترتيب احكام الواقع على المعلوم بل القاطع يرتّب القياس قهرا و يجعل الوسط نفس الواقع لا العلم به و هذا بخلاف غير العلم فانّه لا بدّ من توسيطه لمكان عدم تبيّن الواقع به و بعبارة أوضح ليس فى القطع الطريقى الّا قضيّة واحدة و هو الحكم لذات الشّي‏ء مع قطع النّظر عن تعلّق العلم به و من غير مدخليّة له فيه فثبوته النّفس الامرى تابع لتحقّق موضوعه فى نفس الامر و اذا علم المكلّف بثبوت هذه القضيّة و علم بتحقّق موضوعها يقطع بترتّب المحمول قهرا من دون توسيط للقطع و أمّا في الظنّ الثابت حجّيته فهناك قضيّتان واقعيّة ثابتة فى نفس الامر مع قطع النّظر عن تعلّق الظنّ به و ظاهريّة بملاحظة الظنّ و يكون الظنّ موضوعا لها و يختلف باختلاف المكلّفين فى الظّنون بحسب المؤدّى لا يقال يلزم على ما ذكرتم ان لا يكون الظّن الطّريقى ايضا كالقطع حجّة و وسطا لانّ بالظّن اذا كان طريقا لا يثبت الّا الموضوع و هو انّ مظنون الخمريّة خمر لا انّ مظنون الخمريّة حرام حتّى يكون وسطا لثبوت الحكم فإنّه يقال المجعول فى القضيّة الثّانية فى الظنّ الطريقى هو الطريقيّة التّامة و لازمه عقلا من دون جعل هو الطريقيّة النّاقصة كما انّ اللّازم عقلا للقطع هو الطّريقيّة التّامة و المراد بالتّمام و النّقص احتمال الخلاف و عدمه فى مؤدّى الطّريق فانّ مع احتمال الخلاف يكون الطريقيّة ناقصة و مع عدمه يكون تامّة و لمّا كان القطع طريقا تامّا عقلا امتنع جعله حجّة و وسطا لاثبات حكم متعلّقه او سلبه بخلاف الظنّ فانّه طريق ناقص و يصحّ جعله طريقا تامّا كذلك بايجاب ترتيب جميع آثار الواقع على مؤدّاه لا يقال سلّمنا كون الظنّ وسطا لكن لا يصحّ اطلاق الحجّة عليه لانّ الحكم‏

17

المجعول حينئذ لا يكون لمتعلّقه بل يكون له و لمتعلّقه معا لانّ الظّن له دخل فى ثبوت الحكم فانّ الشّارع رتّب الآثار على المظنون بوصف المظنونيّة فلا يكون الظنّ وسطا لثبوت حكم متعلّقه لأنّا نقول هذا انّما يتمّ بناء على كون الاحكام الظاهريّة مجعولة فى عرض الواقع و امّا بناء على انّها فى طول الأحكام الواقعيّة كما هو الصّواب فلا يكون الظنّ موضوعا بل يكون طريقا محضا لأنّ الظنّ امّا ان يلحظ بالنّسبة الى اصل التّكليف و امّا ان يلحظ بالنّسبة الى تنجّزه و على الاوّل يكون طريقا محضا اذ لو توقّف الحكم على الظنّ لزم التّصويب و الدّور و كلاهما باطلان و على الثّانى يكون الظنّ جزء موضوع لتوقّف التّنجّز على حصول الظنّ و بالاعتبار الاوّل و هو كونه طريقا يطلق عليه الوسط و الحجّة و ان كان بالاعتبار الثّانى لا يطلق عليه لانّه جزء موضوع و يكون التّنجّز موقوفا على الظنّ و بعبارة اخرى لمّا كان من الواضح المستبين امتناع جعل الحكم الظاهرى و الظنّ الطريقى بالقضيّة الاولى كامتناع جعل الحكم الواقعى بالقضيّة الثانية و كان المجعول فى القضيّة الثانية الظاهريّة حكما غير الحكم الواقعى المجعول للموضوع النّفس الأمرى كان معنى كون الظنّ حجّة و وسطا لاثبات احكام متعلّقه ثبوتها فى مرحلة الظّاهر بواسطة الظنّ او الحكم ظاهرا بثبوتها فى نفس الامر الرّاجع الى المعنى الاوّل و بعبارة ثالثة المجعول فى القضيّة الثّانية احكام شرعيّة من سنخ الاحكام الواقعيّة مترتّبة على الظنّ من حيث كشفه عن الاحكام المجعولة فى الواقع كشفا ناقصا و الحاصل انّ العلم طريق تامّ بذاته و لا يمكن جعله طريقا بخلاف الظنّ فانّه طريق ناقص و يصحّ للشّارع جعله طريقا تامّا

قوله (و الحاصل انّ كون القطع حجّة غير معقول)

قد يتخيّل فى المقام ورود مناقشات هى فى غاية الضّعف نذكرها تشريحا للذّهن الأولى انّ هذا دليل آخر على عدم اطلاق الحجّة على القطع و ليس حاصل ما سبق و مفاده انّ الحجّة واسطة لثبوت حكم متعلّقه و به يحصل القطع بالمطلوب فلا يصدق على نفس القطع و الّا كان السّبب و المسبّب شيئا واحدا و ان شئت قلت انّ كلّ ما بالغير لا بدّ و ان ينتهى الى ما بالذّات و الّا لزم التّسلسل الثّانية أنّ اطلاق الحجّة على القطع و عدمه ليس من الامور العقليّة حتّى يحكم بالامتناع لأنّها مجرّد اصطلاح و مع قطع النّظر عنه فاطلاقها على القطع امر معقول الثّالثة أنّه يمكن بملاحظة علم الشّارع بمخالفة قطع القاطعين للواقع كثيرا ان ينهى المكلّف عن العمل بقطعه و يقول لا تعملوا بعقولكم النّاقصة و اعتقاداتكم الفاسدة لكثرة مخالفتها للواقع بل لكم العمل بما يقوله امنائى كما نهى عن العمل بالقياس مع حصول القطع منه احيانا فلا يصحّ ما أفاده (رحمه الله) من أنّ طريقيّة القطع ليست قابلة لجعل الشّارع اثباتا و نفيا الرّابعة إنّه لو امتنع تصرّف الشّارع فى قطع القاطع لزم ان يكون الكفّار غير معاقبين فانّهم قاطعون غالبا بمذاهبهم الفاسدة فلا يمكن للشّارع المنع و ليس كذلك قطعا لضرورة خلودهم فى النّار الخامسة أنّه لا اشكال فى علم الانبياء و الائمّة (عليهم السلام)

18

بجميع الموجودات الكونيّة و كيفيّاتها على ما هى عليها مع انّهم لم يكونوا عاملين بعلمهم بل كانوا يعملون بما جعله اللّه تعالى طريقا فهذا يدلّ على انّه يصحّ منع الشّارع عن العمل بالقطع السّادسة أنّ معاشرة النّبى (ص) مع المنافقين مع علمه بكفرهم و شركهم يدلّ على جواز العمل على خلاف القطع و الاعتقاد السّابعة انّه يدلّ ايضا على جواز المنع عن العمل بالقطع عدم جواز عمل القاضى و المفتى بقطعهما الحاصل من غير الطّرق المقرّرة مط او فى حقوق اللّه تعالى و يمكن دفع الأولى بانّ هذا و ان كان دليلا آخر على عدم اطلاق الحجّة على القطع الّا انّ هذا الدّليل يحصل و يستفاد ممّا سبق من انّ الحجّة عبارة عن الوسط الّذى به يتوصّل الى حكم الأصغر و يحصل القطع به و يصير واسطة للقطع بثبوت الحكم له فالحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب بل التامّل الصّادق يشهد بانّ هذا ليس دليلا آخر بل المجموع دليل واحد و يكون الحاصل دفعا لتوهّم كون الحجّة عبارة عن الوسط لا ينافى اطلاقه على القطع و الثّانية بأنّه لمّا علم ممّا سبق انّ القطع ليس من افراد الحجّة بالمعنى المعهود عند الاصوليّين و المنطقيّين فلا يصحّ اطلاق الحجّة عليه لا حقيقة و لا مجاز العدم الفرديّة و عدم العلاقة فاطلاق الحجّة عليه وضعا غير معقول و الثّالثة بأنّ الشّارع امّا ان يطلب الواقع من المكلّف مط من اىّ طريق حصل او يطلبه من طريق خاصّ و فى الاوّل اذا حصل للمكلّف القطع بالواقع لا يجوز للشّارع المنع عنه للزوم التّناقض و لو فى نظر المكلّف و فى الثّانى يجوز ذلك لانّ المفروض كون القطع موضوعا و ما ذكرتم من جواز منع الشّارع اذا علم بالمخالفة انّما يصحّ اذا كان المطلوب هو الواقع مقيّدا بطريق خاصّ و ما ذكره المصنّف من عدم الجواز انّما هو فى القطع الطريقى المبحوث عنه و الرابعة بانّ الكلام انّما هو فى كون حجّية القطع ذاتيّة دون الظنّ بمعنى انّ انكشاف الواقع و لزوم العمل على طبقه يحصل من نفس القطع بحيث لا يحتاج الى شي‏ء آخر و امّا الظنّ فلا يحصل به المطلوب الّا بدليل شرعىّ او عقلىّ ينزّل الظنّ منزلة القطع و امّا انّ العامل بالقطع هل يكون مأجورا او معاقبا فهو خارج عمّا نحن فيه و مبنىّ على انفتاح باب العلم فى الاصول و الاعتقادات و انسداده و على الاوّل يكون المعتقد بالخلاف معاقبا لتقصيره و على الثّانى فان كان قاصرا لا يكون معاقبا كما هو كذلك بالنّسبة الى كثير منهم و ان كان مقصّرا فهو معاقب على ما هو المقرّر فى باب اصول الدّين و الخامسة بأنّ دعوى كونهم (عليهم السلام) غير عاملين بعلمهم فى حيّز المنع لا شاهد لها و القول بعدم اجتنابهم مثلا عمّا يعلمون من النّجاسات غير مسموع لانّ للنّجاسات خباثات ذاتيّة و حاشاهم عن عدم الاجتناب بل المعلوم من الاخبار اجتنابهم (عليهم السلام) عن امثال ذلك كما فى خبر ارسال الوجوه الى العسكرى (عليه السلام) و ردّ الحجّة (عليه السلام) بعضا منها و غير ذلك و لو سلّم عدم اجتنابهم عمّا يعلمون بخباثته فمن الجائز أن يكون هذا من خواصّهم او لمصالح أخر كعدم نفورهم عن حول النّبى (ص) و تضعيفهم للدّين و السّادسة بأنّ هذا العلّة كان من خصائصه (ص) مضافا الى وضوح الفرق بين صدر الاسلام‏

19

و بعده فى الاحكام و الظّاهر انّ الاسلام فى الصّدر الاوّل كان هو مجرّد الاقرار بالتّوحيد كما هو المنقول عنه (ص) قولوا لا إله الّا اللّه تفلحوا بل لعلّه كان مجرّد التّلفظ بالشّهادتين و ان علم عدم الاعتقاد منهم كافيا فى الإسلام و السّابعة بأنّ العلم فى باب القضاء موضوعىّ مثل العلم فى اجراء الحدود و اذا كان كذلك جاز للشّارع التصرّف فيه كيف شاء

قوله (و امّا بالنّسبة الى حكم آخر فيجوز ان يكون القطع مأخوذا فى موضوعه)

قد ظهر انّ القطع اذا تعلّق بحكم من الاحكام الواقعيّة او بموضوع من الموضوعات الّتى لها اثر شرعىّ او عقلىّ فهو كاشف محض عن متعلّقه من دون ان يكون له دخل فى ذلك الحكم او الموضوع و يكون تمام الموضوع لحكم العقل بوجوب الاتّباع و تنجّز التّكليف و ترتّب المثوبة على الموافقة و العقوبة على المخالفة و انّ فى صورة الخطأ يكون عذرا ان كان الخطأ عن قصور و لكن من الواضح انّ القطع فى هذه الصّورة ليس سببا لذلك فانّ الاستحقاق يحتاج الى السّبب و امّا عدم استحقاق العقاب فيكفى فيه عدم وجود سببه و هذا كما فى الغافل فكما يقال انّ الجهل عن قصور فى الغافل يكون منشأ لعدم الاستحقاق فكذلك العلم اذا أخطأ و كان عن قصور فانّه فى الواقع جهل مركّب و اذا عرفت ذلك فنقول انّ القطع قد يؤخذ فى الخطاب او فى الموضوع على نحو يكون تمام الموضوع لحكم آخر من الاحكام شرعيّة او عقليّة يخالف حكم متعلّقه لا يماثله و لا يضادّه و ممّا ذكرنا يتّضح ان ليس المراد من الجواز فى عبارة المتن هو الجواز الشرعى بل ما يقابل الامتناع و هو الامكان العامّ و لا فرق فى ذلك بين ان يؤخذ المتعلّق حكما من الاحكام او موضوعا فانّ القطع على كلا التّقديرين يمكن ان يكون تمام الموضوع و السّبب التامّ لحدوث حكم آخر كما فى بعض اقسام الشّك كقوله اذا شككت فابن على الاكثر او اسجد سجدتى السّهو او صلّ ركعتين على اختلاف المقامات فكما انّ الشّك فى هذه الاحكام يكون تمام الموضوع لحكم آخر كذلك يمكن ان يكون العلم تمام الموضوع بحيث يدور الحكم مدار العلم وجودا و عدما صادف الواقع او خالف كان يقول النّاذر للّه علىّ كذا لو علمت بمجي‏ء زيد من السّفر و كترتّب المدح و الذّم على العمل بالقطع و ان خالف الواقع كما فى الجهل المركّب فانّ المدح و الذّم انّما يترتّبان على نفس الاعتقاد و العمل عليه من دون اعتبار مطابقة الواقع و عدمها و كترتّب الثّواب و العقاب على نفس العلم فى موارد الانقياد و التّجرى بناء على القول بحرمته و انّ من اعتقد و علم بوجوب شي‏ء يجب عليه الاتيان بالواجب المعتقد انقياد او كذا فيما علم حرمته حرم الاتيان به للتّجرى و عليه يكون العلم موضوعا لترتّب الثّواب و العقاب فى صورة الإتيان بما يعتقد وجوبه و الاحتراز عمّا يعلم حرمته او ترك الواجب و فعل الحرام المعلومين و ان لم يكن فى الواقع كذلك و كترتّب جواز الافتاء شرعا بالمعلوم و لو بالمعنى الشّامل للظنّ المعلوم حجّية

20

بالخصوص كخبر الواحد على القول به فانّه لا يجوز شرعا فيما لا يعلم و قد يؤخذ في الخطاب او الموضوع على نحو الجزئيّة و القيديّة مثل صفة الايمان المأخوذة فى العبد المعتق بان يكون القطع فى صورة الإصابة موجبا لحكم فلا يكون الواقع موجبا له مطلقا و لا القطع كذلك بل القطع بالواقع حقيقة موجب لذلك فالموضوع مركّب من القطع و الواقع و ينتفى الحكم قهرا بانتفاء احدهما كترتّب الثّواب و العقاب على العمل بمقتضى الاعتقاد و ترك العمل بمقتضاه فيما اذا كان مطابقا للواقع بناء على عدم القول بحرمة التّجرى فانّ تحقّق الموافقة و المخالفة اللّتين هما المنشئان للثّواب و العقاب انّما يترتّبان على الاعتقاد لكن لا عليه فقط بل عليه مع انضمام كونه متّصفا بمطابقته للواقع و قد علم انّ القطع قد يكون موضوعا او جزء موضوع للآثار الشرعيّة او العقليّة الخارجة عن متعلّقه فهو بالنّسبة الى متعلّقه طريق و موضوعيّة بملاحظة الآثار المترتّبة عليه شرعا او عقلا و على كلّ من التّقديرين ذكر جمع من الاساتيد تبعا لظاهر عبارة المتن انّه قد يؤخذ فى الموضوع بما هو صفة من الصّفات القائمة بنفس القاطع و بما هو كيفيّة نفسانيّة لديه بالغاء جهة كشفه كسائر الكيفيّات النّفسانيّة من الحزن و الفرح و الخوف فكما يمكن ان يؤخذ واحد منها فى خطاب فكذلك القطع و كما يجوز ان يقال اذا حصل لك الخوف فافعل كذا و يكون الخوف تمام الموضوع لهذا الحكم يجوز ان يقال اذا حصل لك القطع بكذا فافعل كذا و يكون الكيفيّة موجبة لحدوث مصلحة فى هذا الفعل او فى انشاء حكمه و قد يؤخذ في الموضوع بما هو مرآة و حال عن متعلّقه فيكون حصول هذه المرأة موجبا لحدوث هذا الحكم و قد علم فى محلّه انّ القطع له جهتان إحداهما الصّورة الحاصلة من الشّى‏ء عند النّفس و هى الّتى تسمّى بالمعلوم بالذّات و الأخرى تطابق هذه الصّورة مع ذيها المسمّى بالمعلوم بالغير و بالعرض فانّه من الصّفات الحقيقيّة ذات الاضافة و هو من الجهة الاولى و هى جهة الحقيقيّة قائم بنفس العالم من حيث قيام الصورة بنفسه و من الجهة الثّانية و هى جهة الاضافة قائم بذى الصّورة من حيث كونه مظهر او كاشفا له فيمكن ان يصير المعلوم بالذّات سببا لحدوث مصلحة لحكم آخر و لو كان معه المعلوم بالغير الّا انّه لم يلحظ ذلك معه فى حدوث هذا الحكم و يكون لنفس هذه الكيفيّة دخل فى موضوع الحكم على نحو تمام الموضوع او جزئه كما انّ سائر الكيفيّات من الخوف و الحزن و الفرح و نحوها قد يكون لها دخل فى موضوع حكم مع عدم كونها حاكيات عن الشّى‏ء أصلا فلا اشكال فى انّ القطع بما هو معلوم بالذّات و من هذه الجهة يجوز ان يكون من سبب خاصّ او شخص خاصّ دخيلا بنحو تمام الموضوع او جزئه فى حدوث حكم و هو المراد من اخذه على نحو الصفتيّة كما انّه يمكن على ما قالوا ان يكون للمعلوم بالغير دخل فى موضوع الحكم على احد الوجهين و هو المراد من اخذه على نحو الطريقيّة و قد علم انّ اقسام القطع خمسة الاوّل ما يكون كاشفا محضا عن متعلّقه من دون ان يكون له دخل فى‏

21

القضيّة فى الخطاب او الموضوع الثّانى ما يكون مأخوذا فى القضيّة على نحو تمام الموضوع باعتبار كشفه عن متعلّقه لحكم آخر بان يكون لكشف المتعلّق به بما هو كشف دخل فى تمام الموضوع الثّالث ما يكون مأخوذا فى القضيّة كذلك باعتبار كونه صفة من الصّفات القائمة بالنّفس على وجه القيام الصّدورى او الحلولى الرّابع ما يكون مأخوذا على نحو جزء الموضوع و قيده باعتبار كشفه عن متعلّقه لحكم آخر الخامس ما يكون مأخوذا كذلك باعتبار كونه صفة من الصّفات القائمة بنفس القاطع و لكن لا يخفى انّ فى تصوير القسم الثّانى و الرّابع و امكانهما اشكال فانّ اخذ العلم فى الموضوع بتمامه او جزئه يستدعى عدم لحاظ الواقع و اخذه على وجه الكشف عن متعلّقه يستدعى لحاظ ذلك و عدم لحاظه بنفسه موضوعا لوضوح انّ لحاظ الطريقيّة و الكشف بمعنى لحاظ المتعلّق و ذى الصّورة و اللحاظان متنافيان فلا يجتمعان و الّذي يقوى فى نفسى انّه ليس للقطع الماخوذ فى الموضوع فى الحقيقة عند المصنّف ره قسمان و انّما ينقسم ما كان مأخوذا فى الموضوع فى ظاهر الدّليل الى ما يرجع الى القطع الطريقى و الى ما يرجع الى القطع الموضوعى على وجه الصفتيّة بكلا قسميه و على اىّ حال فقد ظهر ممّا مرّ عليك انّ القطع المتعلّق بموضوع خارجىّ فبالنّسبة الى ذلك الموضوع يكون طريقا محضا و بالنّسبة الى احكام ذلك الموضوع يجوز ان يكون طريقا و ان يؤخذ موضوعا على احد الوجوه السّابقة و امّا المتعلّق بحكم فبالنّسبة الى حكم آخر يجوز ان يكون دخيلا فى موضوعه على احد الوجوه و بالنّسبة الى حكم تعلّق به لا يصحّ ان يكون دخيلا فى موضوعه و لا يكون الّا طريقا و لكنّ الاستاد النائينى (قدّس سرّه) مع اعترافه بامتناع التقييد و اخذ القطع موضوعا لحكم متعلّقه و جعله حجّة و وسطا قد كان مصرّا بامكان ذلك اذا كان بنحو نتيجة التّقييد و قال انّ تقييد الحكم او اطلاقه بالعلم و الجهل به انّما يمتنع فى مقام الجعل و التّشريع لكن لا بدّ من نتيجة الاطلاق او التّقييد لانّ ملاك التّشريع فى عالم الثّبوت امّا يعمّ الحالتين و امّا يختصّ بحال العلم و اذا امتنع لحاظ هذا الاطلاق او التّقييد فى مقام جعل الحكم لاستلزامه الدّور فلا بدّ من جعل آخر يكون متكفّلا لبيان الاطلاق او التّقييد و نسمّيه متمّم الجعل و حاصل كلامه (قدّس سرّه) امكان استكشاف الاطلاق و التّقييد من دليل آخر و بهذا كان يدفع الاشكال عن الاعتبارات اللّاحقة للحكم كقصد القربة لكن لا يخفى عليك انّ هذا مضافا الى رجوعه الى ما ذكرنا فى ذيل مسئلة رجحان الاحتياط فى الشّبهة الوجوبيّة البدويّة فى تصحيح اخذ قصد القربة فى صحّة العبادات و رفع اشكال اخذ ذلك فى موضوع العبادة شطرا او شرطا من انّا علمنا من دليل خارج بعدم حصول الغرض من الامر العبادى الّا كذلك فراجع انّ تقييد الحكم بالعلم به بدليل آخر دالّ على اختصاص المناط و تحصيل الغرض منه بالعالم به كلام خارج عمّا نحن فيه فى المقام و هو امتناع اخذ العلم فى موضوع حكم متعلّقه لا يقال كيف تقولون بامتناع اخذ العلم فى موضوع‏

22

حكم متعلّقه و قد صرّحوا باجمعهم فى مسئلة شرائط التّكليف بشرطيّة العلم فى ثبوت الحكم و انّه من الشرائط الأربعة لأنّا نقول غرضهم من ذلك هو شرطيّته فى تنجّز التّكليف و فعليّته لا فى اصل ثبوته و من هنا يعلم انّ شرطيّة العلم للتّكليف ليس على حدّ الثّلاثة الأخرى فانّها شرائط لاصل التّكليف و ثبوته واقعا بخلاف العلم‏ و ينبغى التّنبيه على امور الأوّل انّ المدار فى التّمييز بين الموضوعات الخمسة المذكورة فى اقسام القطع المترتّبة عليها الآثار و الاحكام الشّرعية على الدّليل المثبت للحكم و لا بدّ من الرّجوع اليه فى مقام تميّزها و قد يشكّ فى بعض المقامات بين ان يكون القطع طريقا ساذجا و ان يكون موضوعا و على تقدير كونه موضوعا بين ان يكون كذلك على وجه الصفتيّة و ان يكون على وجه الطريقيّة فكثيرا ما يقع لفظ العلم و اليقين فى الدّليل الدالّ على الحكم الشّرعى و يجوز التّرديد فى بعض الموارد بين انّ ذكر الشّارع له هل هو من جهة تاكيده لحكم العقل و كونه طريقا الى الواقع او من جهة اعتباره موضوعا و على تقديره لا يعلم الوجه فى موضوعيّة على احد الوجهين لو سلّمنا امكانهما و ذلك كما فى اخبار الاستصحاب من وجوب نقض اليقين باليقين و عدم جواز نقضه بما عداه و كما فى مسئلة الشّهادة حيث دلّ بعض اخبارها على العلم بالمشهود عليه مثل العلم بالكفّ و الشّمس فانّه قال مشيرا الى كفّه مرّة و الى الشّمس اخرى على مثل ذلك فاشهد و كما فى مسئلة الشكّ بين الاثنتين و الثّلاث من الرّكعات فى الرباعيّات من وجوب تحصيل القطع بوقوع الشكّ بعد اكمال السجدتين و كما فى مسئلة وجوب الاجتناب عن النّجس حيث علّق على العلم يكون الشّى‏ء نجسا المدلول عليه بقوله (ع) كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم انّه قذر حيث رتّب (ع) حكم النّجاسة على العلم بقذارة الشّي‏ء نعم في مثل الاستصحاب لا يكون اليقين موضوعا على وجه الصّفتيّة من دون اشكال فانّ اخذه كذلك فيه غير معقول للزوم اللّغو فى كلام الحكيم لوضوح انتفاض صفة اليقين بالشّك فالمقصود عدم جواز نقض حكم اليقين باعتبار كونه مرآتا للمتيقّن و إنّما الشّك فى انّ اليقين المأخوذ هل هو طريق صرف و اخذ فى القضيّة مسامحة لكونه مرآتا للموضوع الواقعى ام له دخل فى الموضوع لكن من حيث كشفه عن حال المتيقّن و من هنا ظهر وجه ما استدلّ به صاحب الحدائق ره على ما حكى عنه حيث رتّب حكم النّجاسة على ما علم كونه كذلك و انّ الشّي‏ء ما لم يعلم نجاسته طاهر واقعا فإنّه (رحمه الله) غفل عمّا بيّنا و زعم انّ الحكم فى الحديث و امثاله محمول على نفس اليقين و اشتبه عليه ذكر القطع و اليقين فى الموضوع امّا تاكيد الحكم العقل و امكان كونه طريقا محضا و امّا لاخذه موضوعا حقيقة لكن على وجه الطريقيّة لو قلنا به و على اىّ حال ففى مقام الشّك و الترديد لا يمكن جعل ضابطة و التّمييز موكول الى نظر الفقيه و لا بدّ له فى مقام الفتوى من الرّجوع الى تمام الادلّة الموجبة للحكم فان كان فيها ما يدلّ على ثبوت الحكم بقيام الامارة فيبنى على كون القطع طريقا و انّ اسناد الحكم الى اليقين من باب المسامحة و التاكيد لحكم العقل كما فى قوله (ع) كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم انّه قذر فانّه ع‏

23

و ان علّق الحكم فيه على العلم لكنّا لمّا راجعنا سائر الادلّة المثبتة للحكم وجدناها دالّة على ثبوته لنفس الشّي‏ء و ان لم يعلم بنجاسته مثل قوله تعالى‏ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‏ و امثال ذلك و ان لم يظفر بدليل يستفيد منه التّمييز وجب عليه التّوقف و الرّجوع الى الاصول العمليّة و ذلك يختلف باختلاف الموارد ففى مسئلة الشّهادة يبنى على كونه موضوعا لانّ الطريقيّة يلزمها جواز سماع البيّنة و الاصل عدمه و فى الاستصحاب فى مسئلة ما اذا صلّى مع الوضوء المستصحب ثمّ انكشف كونه محدثا على الطريقيّة لانّه لو كان موضوعا يلزمه احتمال كون الأمر مقتضيا للأجزاء و الأصل عدمه توضيح ذلك انّ الامر قد يكون واقعيّا اختياريّا كالامر بالوضوء مع وجدان الماء و قد يكون واقعيّا اضطراريّا كالأمر بالتّيمم مع عدمه و قد يكون امرا ظاهريّا شرعيّا كالامر بالصّلاة مع الوضوء الاستصحابى بناء على كون اليقين السّابق الملحوظ فيه اخذ موضوعا للحكم و لو من جهة الكاشفيّة و قد يكون امرا ظاهريّا عقليّا كالمثال بناء على كون اليقين السّابق طريقا صرفا اخذ فى الموضوع مسامحة و الأمر معلّق فى الحقيقة بنفس المتعلّق و هو الوضوء و موافقة الامر الأوّل يقتضى الاجزاء قطعا لارتفاع الامر و سقوطه بالإتيان بالمأمور به على وجهه و لو كان الفعل مطلوبا ثانيا لزمه امر جديد و موافقة الامر الثّانى يحتمل فيها عدم الأسقاط لامكان ان يكون بدليّة المبدل موقوفة على عدم ظهور المبدل منه و التمكّن منه رأسا و لو فى آخر الوقت فاذا صلّى فى اوّل الوقت مثلا مع التيمّم ثمّ اصاب الماء لزم عليه اعادتها مع الوضوء و ان كان الظّاهر من الادلّة الدالّة على بدليّة التيمّم هو عموم البدليّة فانّ المستفاد من قوله تعالى‏ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا* انّ عدم وجدان الماء يوجب جواز التيمّم مطلقا سواء كان فى اوّل الوقت او آخره وجد بعده الماء ام لا و لكنّ المقصود هو الاشارة الى قابليّة المسألة للخلاف و احتمال عدم الأجزاء فيها و موافقة الامر الثالث فقد اختلفوا فيها من حيث كون الأمر يقتضى الأجزاء ام لا و المثال يكون من مصاديقه فلو صلّى مع الوضوء المستصحب ثمّ انكشف كونه محدثا جرى فيه الخلاف المذكور و يلزم عليه الاعادة بناء على عدم الإجزاء و موافقة الامر الرّابع ليس مجزيا بلا خلاف معروف و المفروض ح عدم تعلّق أمر الشّارع بنفس القطع و انّه طريق محض للمأمور به الواقعى و اذا انكشف الخلاف لزم الاعادة لعدم الامر ظاهرا و عدم الإتيان بالمأمور به و اذا وقع الشّك و التّرديد فى مثل المقام بين كون العلم و اليقين اخذ موضوعا حتّى يتبعه الاجزاء بناء على القول به و كونه طريقا صرفا حتّى لا يقتضى الاجزاء بنى على الثّانى لانّ الأجزاء خلاف الاصل فانّ اشتغال الذّمة بالتّكليف يقينىّ و لا يحصل العلم بالبراءة عنه الّا بالاتيان ثانيا الأمر الثّانى فى بيان ما لاقسام القطع من الاحكام و هى امّا اصوليّة او فقهيّة امّا الأولى‏ فمنها انّ القطع الطريقى لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته من حيث القاطع و

24

المقطوع به و اسباب القطع و ازمانه‏ و لا يمكن التصرّف فيه من الشّارع بالنّفى او الاثبات بخلاف القطع الموضوعى باقسامه فانّ للشّارع التصرّف فيه كيف شاء و منها ما عرفت من انّ القطع الطّريقى لا يكون وسطا بخلاف الموضوعىّ فانّه يكون وسطا و منها انّه اذا قام دليل على حجّية امارة و طريق فهل يقوم ذلك الطّريق بنفس دليل اعتباره مقام ما للقطع من الاقسام او يختصّ قيامه مقام القطع ببعض اقسامه‏ و اعلم اوّلا انّه قد يراد من قيام الأمارة مقام القطع كونها مرجعا عند عدم القطع بالواقع و هذا المعنى موجود فى الأمارات و جميع الأصول الّا انّ الأمارات مقدّمة على الأصول بالورود او الحكومة او الجمع العرفى و كذا الاصول يقدّم بعضها على بعض و يأتيك تفصيل ذلك إن شاء الله اللّه تعالى و على هذا المعنى يحمل عبارة المتن حيث يقول ثمّ من خواصّ القطع الّذى هو طريق الى الواقع قيام الأمارات الشّرعيّة و الأصول العمليّة مقامه فى العمل باسقاط لفظ بعض كما فى بعض نسخ الكتاب و قد يراد منه التّوسعة فى موضوع الحكم كما اذ اقام دليل على قيام امارة مقام القطع المأخوذ على وجه الصّفتيّة فانّ هذا تعميم فى الموضوع حقيقة و من هذا القبيل ما يقال الطّواف بالبيت صلاة و قد يراد منه ما ستعرفه من ترتيب ما للقطع من الآثار على الأمارة و هذا المعنى هو المقصود فى المقام فنقول لا اشكال فى قيام الطّرق و الأمارات كخبر الواحد و البيّنة مقام القطع الطريقى الصّرف بنفس دليل اعتبارها و تفيد فائدته فى ترتيب جميع ما له من الآثار من غير فرق فى ذلك بين القول بكون معنى الجعل فيها هو جعل الحجّية لها من دون ان يكون مستتبعة لانشاء احكام تكليفيّة فانّ جعل الحجّية حينئذ ليس الّا بمعنى القاء احتمال الخلاف بواسطة اخبار العادل مثلا بحكم او موضوع له اثر و بجعل الشّارع يكون كشف الطّريق عن الواقع حجّة و بمنزلة تمام الانكشاف كما انّ القطع يكون كاشفا ذاتا فيترتّب عليه ما للواقع من الآثار كالقطع و يكون هذا الطريق من جهة دليل الاعتبار موجبا لتنجّز التّكليف و استحقاق العقوبة على مخالفته فى صورة الاصابة و لصحّة الاعتذار به فى صورة الخطأ و يصير الأمارة بواسطة ذلك الدّليل تمام الموضوع لحكم العقل بما ذكرنا أو القول باستتباع جعل الأمارات لاحكام تكليفيّة كما هو المشهور أو القول بانّ التعبّد بالأمارات الغير العلميّة ليس الّا للإرشاد و من باب مجرّد الكشف عن الواقع كما فى امر المولى عبده عند تحيّره فى طريق بغداد بسؤال الأعراب عن الطريق و لا اشكال ايضا فى عدم قيامها مقام القطع المأخوذ فى الموضوع بكلا قسميه على وجه الصفتيّة و لا تفيد فائدته فانّ غاية دليل اعتبار الخبر هى دلالته على جعله كاشفا بعدم الاعتناء باحتمال خلافه و القاء احتمال الخلاف اتمام لجهة كشفه تعبّدا فيقوم مقام القطع و يفيد فائدته بما هو كذلك لا بما يفيده على نحو الصفتيّة فكما انّ اتمام جهة كشف الخبر لا يفيد فى قيامه مقام سائر الموضوعات و الصّفات فكذلك فى القطع المأخوذ

25

على وجه الصفتيّة و يتّضح ذلك فيما اذا ادرج خصوصيّة خارجيّة فيه كما اذا كان القطع الخاصّ الحاصل من السّبب الكذائى موضوعا لحكم ضرورة انّه لم يحصل من دليل اعتبار الخبر الجزء الآخر من الخصوصيّة الّتى اخذت مع القطع موضوعا للحكم الكذائى نعم لو قام دليل خارجى على انّ الأمارة الفلانيّة من الخبر او غيره يكون كالقطع موضوعا للحكم الفلانى افادت فائدته و ذلك لإمكان جعل موضوعات متباينة بحيث يقوم بعضها مقام بعض لحكم واحد و هذا كما يقال من انّ الطّواف بالبيت صلاة و يلتزم بسبب هذا التّنزيل بثبوت احكام الصّلاة من الطّهارة و السّتر و نحوهما للطّواف و هل يمكن ان يقوم الخبر او سائر الأمارات من البيّنة و اليد و نحوهما بمجرّد دليل اعتباره مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الكشف بكلا قسميه و هذا على تقدير الاغماض عمّا تقدّم من الأشكال فيه و فرض تصويره كما يقوم بواسطة ذلك الدّليل مقام القطع الطريقى الصّرف و يفيد فائدته فيكون الخبر الواحد مثلا بدليل اعتباره موجبا لترتيب آثار الواقع المقطوع و ترتيب الحكم الأخر المعلّق على صفة القطع ام لا قد يتراءى من المتن ذلك و غاية ما يمكن فى توجيهه انّ مفاد دليل الاعتبار هو اعتبار خبر العادل بكون مؤدّاه هو الواقع فى ترتيب آثار الواقع و كون الخبر كالقطع فى صيرورة الخبر ايضا موضوعا لذلك الحكم الأخر فيكون الجعل و التنزيل بلحاظ كونه موضوعا من الموضوعات لذلك الحكم و بلحاظ كونه حاكيا عن متعلّقه و كاشفا عنه فيكون المنزّل تارة هو المؤدّى و المنزّل عليه هو الواقع و ما به التّنزيل هو احكام الواقع و اخرى يكون المنزّل هو الخبر و المنزّل عليه هو القطع و ما به التّنزيل هو ما للقطع اذا كان له على نحو الكشف دخل فى الموضوع بتمامه او جزئه و قيده فالمائع المردّد اذا اخبر العادل بخمريّته يكون له ما للواقع من الآثار فى صورة الإصابة و يكون نفس الخبر سببا لحكم آخر يخالف متعلّقه و بالجملة مفاد دليل الاعتبار جعل الأمارة و تنزيلها بلحاظ كونها استقلاليّا و بلحاظ كونها آليّا و حاكية و لا يخفى انّ هذا التّوجيه غير سديد و يتّضح ذلك ببيان أمرين الأوّل انّ للقطع ماهيّة و وجودا و وجوده هو طريقيّته و مرآتيّته للخارج و عين نوريّته للمعلوم بالذّات و بالعرض و لا يتحصّل هذا الّا للقاطع حين قطعه و أمّا إذا اخذه الحاكم موضوعا لحكم آخر غير متعلّقه فهو يتصوّره فى ذهنه بماهيّته المعرّاة عن وجوده الخارجى و ينظر بها تارة إلى وجود القطع الّذى هو مرآة للخارج و كونه نورا مظهرا لغيره و اضافة إشراقيّة اليه و لازمه ح لحاظ ذى الطّريق و ذى الصّورة و يكون النّظر فى الحقيقة الى الواقع المستكشف بالقطع كما هو الشّأن فى كلّ طريق حيث يكون لحاظه فى الحقيقة لحاظا لذى الطّريق و أخرى الى القطع بنفسه من حيث انّه صفة خاصّة و كشف تامّ متفصّل بهذا الفصل و به يمتاز عن الظّن و الشّك و لازمه حينئذ لحاظ القطع بنفسه باللّحاظ الاستقلالى نعم القطع الطريقى الصّرف الموجود للقاطع‏

26

بوجوده الحقيقى لا يتّصف بالآليّة و الاستقلاليّة فانّه فان فى متعلّقه و ليس الملحوظ الّا المقطوع و ليس القطع شيئا وراء لحاظ المقطوع إلّا أنّ الكلام ليس فى ذلك بل فى ماهيّة القطع الموجود بوجوده الذّهنى عند الحاكم حين اخذه موضوعا لحكم و تكون تلك الماهيّة المتصوّرة ملحوظة و ما بها ينظر امّا الى القطع بما هو مرآة للخارج و امّا اليه بنفسه فلا تغفل الثّانى انّ فى مقام تنزيل الظنّ منزلة القطع لا بدّ من لحاظ الحاكم لماهيّتهما و لا يمكن جعل الماهيّتين ما بها ينظر على وجه المرآتيّة و ما بها ينظر اليهما بنفسهما على وجه الاستقلال و يمتنع الجمع بين اللحاظين توضيح ذلك انّه لا بدّ فى الامور التنزيليّة من اعتبار أمور الأوّل المنزّل و الثّانى المنزّل عليه و الثّالث ما به التّنزيل و فى الوجه المذكور يكون كلّ من هذه الثلاثة اثنين و من الواضح ح تغاير التنزيلين و اذا كان فى الخطاب الواحد جامع يكون بمفهومه العامّ متكفّلا لهذين التنزيلين فلا بأس به و امّا اذا لم يكن جامع كذلك فلا وجه لدعوى الامكان فضلا عن الوقوع لانّ الوجود الواحد لا يعقل ان يكون مجمعا لاثنين و لا يكاد يمكن سوق دليل الجعل كقوله صدّق العادل و الق احتمال الخلاف الدالّ على اتمام الطريقيّة تعبّدا الى كلا اللحاظين.

فان قلت إذا دلّ الدّليل على اتمام جهة كشف ذاك الكاشف النّاقص و كان بالتعبّد كاشفا تامّا ثبت له ما للكاشف التامّ الحقيقى و يقوم مقامه و يفيد فائدته فكما انّه يقوم مقام القطع الطريقى و يؤثّر أثره كان اللّازم ايضا ان يقوم مقام القطع الموضوعى الماخوذ على جهة الكشف و يؤثّر اثره و من هذه الجهة المشار اليها و هى اتمام جهة كشفه بالتّعبد و صيرورته كالكاشف الحقيقى لا يفيد فائدة القطع المأخوذ فى الموضوع بنحو الصفتيّة حيث انّ دليل الاعتبار لم يفد الّا فى جهة كشفه و القطع المأخوذ كذلك موضوع كسائر الموضوعات و دليل الاعتبار لم يتعرّض لكون هذا الكاشف ايضا موضوع لذلك الحكم الآخر حتّى يفيد فائدته قلت المهمّ فى مقام التنزيل امّا ان يكون تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بحيث لا يكون الملحوظ فى التّعبد باتمام الطريقيّة الّا تنزيل المخبر به منزلة الواقع و امّا ان يكون تنزيل نفس الخبر بمنزلة القطع بحيث لا يكون الملحوظ الّا ذلك و المفروض عدم قيام دليل الّا ما دلّ على اتمام الطريقيّة و القاء احتمال الخلاف و مع انحصار الدّليل بما يدلّ على اتمام جهة الكشف كيف يمكن لحاظ معنى آخر معه و قد اتّضح لك ممّا ذكرنا انّ الاشكال فى قيام الأمارة بدليل اعتباره الدالّ على اتمام جهة الطريقيّة و القاء احتمال الخلاف مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الكشف انّما هو لزوم لحاظ الامور الثّلاثة المتقدّمة فى التنزيل و لو لا هذا الاشكال و لم يكن اللّحاظ المذكور لازما امكن قيام الأمارة بدليل واحد دالّ على القاء احتمال الخلاف مقام القطع بتمام اقسامه حتّى فيما اخذ فى الموضوع بنحو الصفتيّة بكلا قسميه حيث انّه يكفى فى ذلك انشاء الالتزام بالأمارة و التعبّد بها كالقطع فى جميع ما له من الآثار و امّا مع‏

27

ملاحظة الامور الثّلاثة و دلالة دليل الاعتبار على مجرّد اتمام جهة الطريقيّة و الكشف فلا يمكن لحاظ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و تنزيل الأمارة منزلة القطع حيث انّ احدهما آليّ و الآخر استقلالىّ فان قلت إن كان الامر كذلك لما كان دليل الاعتبار دليلا على احد التنزيلين ما لم يكن هناك قرنية تدلّ على تعيين احدهما لانّه كما يحتمل ان يكون الدّليل مسوقا للتّنزيل من جهة المرآتيّة فكذلك يحتمل ان يكون مسوقا لتنزيل الأمارة منزلة القطع قلت لا اشكال فى ظهور الدّليل فى التنزيل من الجهة الأولى و التّأمل الصّادق يشهد بعدم خطور التنزيل من الجهة الثّانية بالبال حين الالتفات و النّظر الى دليل الاعتبار فلا بدّ حينئذ فى التنزيل من الجهة الثّانية من قرنية تدلّ عليه و من هنا يظهر أنّه لو سلّم امكان الجمع بين اللّحاظين فى انشاء واحد لكان للمنع عن قيام الأمارة مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على نحو الكشف بمجرّد دليل الاعتبار و التنزيل مجال لما عرفت من عدم ظهور دليل الاعتبار الّا فى جعل المؤدّى منزلة الواقع و مع هذا الظّهور لا يصحّ الالتزام بالتّنزيل الأخر ايضا فى مقام الأثبات و ان امكن ذلك فى مقام الثّبوت و كان مرادا فى الواقع و لا يتوهّم أنّه لو سلّم امكان اللّحاظين ثبوتا فلا بأس باجراء مقدّمات الحكمة و دعوى الظّهور الإطلاقي بالنّسبة اليهما و ذلك لأنّ من المقدّمات فقدان القدر المتيقّن و قد عرفت انّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع متيقّن فلا بدّ من ان يحمل عليه ثمّ لا يخفى عليك انّ بناء على كون المجعول هو مجرّد الحجّية فلا تنزيل فى مقام الجعل اصلا فانّ مقتضى الحجّية هو تنجّز الواقع فى صورة الإصابة و العذر عند الخطأ لا تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و دليل الحجّية حينئذ لا يفيد قيام الأمارة مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الكشف فضلا عن المأخوذ على وجه الصفتيّة و غاية ما يستفاد من الدّليل ح هو كون الأمارة كالقطع الطّريقى المحض الّذى هو حجّة بذاته تعبّداً و امّا الثّانية و هى الأثر الفقهى فالآثار الشرعيّة المترتّبة على الواقع لا يترتّب على ما قطع بوجوبه او حرمته الّا فى صورة الإصابة و مصادفة القطع للواقع فى القطع للواقع فى القطع الطريقى فالاجزاء و عدم الإعادة يدور مدار الواقع و لو لم يتعلّق به قطع و امّا القطع المأخوذ فى الموضوع فان كان على نحو الصفتيّة فالحكم يدور مداره و ان لم يكن متعلّقه متحقّقا و ان كان على نحو الطريقيّة دار الحكم مدار القطع و الواقع هذا و امّا الاصول فلا يفيد شي‏ء منها فائدة القطع من تنجّز التّكليف فى صورة الإصابة و صحّة الاعتذار فى صورة مخالفة الاصل للواقع غير الاستصحاب و الاحتياط أمّا عدم افادة غيرهما من الاصول كاصالة الطّهارة و الحليّة و البراءة و التّخيير فائدة القطع الطريقى فلمعلوميّة كونها احكاما فعليّة و وظايف مقرّرة للجاهل بالحكم الواقعى و لا معنى لافادتها فائدة القطع نعم هى قابلة لتعلّق القطع بها فكما انّ الاباحة الواقعيّة مثلا لا معنى لافادتها فائدة القطع فكذلك الإباحة الظّاهرية المجعولة للشّاك لا يقال انّ جعل الاصل كجعل الأمارات‏

28

فكما انّها وظايف مقرّرة لغير العالم بالواقع فكذلك الأصول و كما توجب الوظيفة المقرّرة فى مورد الأمارة تنجّز التّكليف و غيره ممّا هو من فوائد القطع فكذلك الوظيفة المقرّرة فى مورد الأصول فانّه يقال الوظائف المقرّرة فى مورد الأمارات انّما هى فى طول الواقع بمعنى لحاظ الواقع فيها و جعل مؤدّى الأمارة طريقا اليه بخلاف الأصول فانّ مؤدّيها هو الحكم فى مقام العمل من دون ان يكون ناظرا الى الواقع اصلا و يتّضح ذلك من ملاحظة الاصول العقليّة حتّى الاحتياط العقلى فانّ العقل فى مورد البراءة بعد الفحص يحكم بالإباحة لعدم اقامة البرهان و اتمام الحجّة على خلافها و كذلك فى حكمه بالاحتياط معلوميّة انّ العقل لمّا يرى تنجّز التّكليف و صحّة العقوبة على مخالفته لا يرى مناصا من اتيان جميع المحتملات فى الشّبهة الوجوبيّة و تركه فى الشّبهة التّحريميّة فالاحتياط العقلى انّما يكون لتحصيل العلم بالواقع المنجّز عند العقل فلا معنى لقيامه مقامه فى التنجّز و كذلك فى حكمه بالتّخيير فى المتباينين حيث انّه يرى تنجّز التّكليف فى موردهما و لا يرى بدّا من فعلهما الّا انّه لمّا كان الجمع غير ممكن يحكم بالتّخيير فى مقام العمل و ليس الشرعىّ منها الّا كالعقلى و امّا افادة الاستصحاب و الاحتياط الشرعى فائدة القطع الطريقى بمجرّد دليل اعتبارهما فلانّ الشّارع اذا حكم بابقاء ما شكّ فى بقائه و ارتفاعه من الموضوع او الحكم صار حكمه بذلك تمام الموضوع لحكم العقل بتنجّز التّكليف فيما اصاب و معذوريّة المكلّف فيما أخطأ من دون فرق بين ان يكون مفاد دليل الجعل و الاعتبار انشاء الحكم المماثل للمستصحب او جعل الحجّية فى مورده فانّه على التقديرين يوجب التنجّز و المعذوريّة و كون موافقته انقيادا فى صورة المخالفة مع الواقع و مخالفته تجرّيا كما هو شأن القطع مع المقطوع فيصير المحكوم بالبقاء حكما ظاهريّا طريقيّا كمؤدّى الأمارة و كذلك الاحتياط فانّه لرعاية الواقع كما هو الظّاهر من دليله و دليل الوقوف عند الشّبهة فيكون الحكم بالاحتياط حكما ظاهريّا طريقيّا كمؤدّى الأمارة و يفيد ما عرفت من فائدة القطع الطريقى الّا انّ الاحتياط الشّرعي الّذى قلنا انّه يفيد فائدة القطع ينحصر مورده بالشّبهة البدويّة بعد الفحص و لا نقول بوجوبه فيها و الاحتياط فيها قبل الفحص و فى المقرونة بالعلم الاجمالى لا يكون شرعيّا مولويّا بل العقل لمّا يرى استحقاق العقوبة فى مخالفة الأمر المشكوك الّذى لم يتفحّص عنه و فى مخالفة الامر المردّد بين المشتبهين يكون الاحتياط عنده من لوازم ذلك فحكم العقل بالاحتياط كحكمه بالإباحة فكما انّه حكم فعلىّ للجاهل فى مقام العمل فكذلك الاحتياط فلا يكون الّا كمؤدّى الاصول الأخر غير الاستصحاب و على هذا يكون الامر بالاحتياط فى الأخبار ارشادا الى حكم العقل فى هذين الموردين لا الزاما من الشّارع كما قرّر فى محلّه و المقصود هو التّنبيه على انّه لو امر الشارع بالاحتياط على وجه الالزام و كلفنا به فى مورد من الشّبهات كان التّكليف به مفيدا فائدة القطع و ذلك كما يقول به الأخبارى فى الشّبهة البدويّة التحريميّة بعد الفحص فحينئذ يكون كمؤدّى الأمارة و الحاصل انّ الاحتياط الشّرعى و الزام الشارع به امر طريقى مولوى‏

29

يقوم مقام القطع فى التنجّز و لكن ليس للشّارع عندنا امر الزامى بالاحتياط اصلا لا فى الشّبهات البدويّة و لا فى المقرونة بالعلم الإجمالي و الأمر الطريقى مغاير للامر النّفسى و قد ظهر من جميع ما ذكرنا انّ الأصول باجمعها غير الاستصحاب لا تفيد فائدة القطع من التّنجّز و صحّة الاعتذار لما عرفت من انّ الفائدة حاصلة قبل ذلك لأنّ فى مورد البراءة يكون العقل مستقلّا بمعذوريّة العبد بعد الفحص و فى غيرها من موارد الاشتغال و التّخيير يكون مستقلّا بصحّة المؤاخذة على المخالفة فمن ناحية تلك الأصول لا توجد هذه الآثار كما توجد من ناحية القطع و الأمارة بواسطة دليل التّنزيل فلا تكون الأصول بواسطة دليل جعلها تمام الموضوع لحكم العقل بوجوب الاطاعة و قبح المخالفة و لصحّة الاعتذار كما هو المقصود من افادتها فائدة القطع و بعبارة أخرى المراد من القيام ترتّب آثار الواقع على القائم كما فى صورة القطع به و من المعلوم انّ الاصول الّتى هى وظيفة للشاكّ فى مقام العمل بعد اليأس عن الحجّة على الواقع لا معنى لقيامها مقام القطع فيما ذكر من الآثار و هذا بخلاف الاستصحاب و الاحتياط فى الشّبهة البدويّة بعد الفحص لو قيل به فانّ العقل قبل الاطّلاع على دليليهما يحكم بالمعذوريّة و لا يحكم بشي‏ء آخر و بعد الاطّلاع على دليليهما يصير الدّليلان بانفسهما موضوعين لحكم العقل باستحقاق العقوبة و نحوها فانّ الملحوظ فى دليليهما هو رعاية الواقع فيكون مؤدّى كلّ منهما حكما ظاهريّا طريقيّا كمؤدّى الأمارات و امّا قيام الاستصحاب و الاحتياط مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على جهة الكشف فلا يثبت بدليل الجعل بل يحتاج قيامهما مقامه الى دليل آخر و قد عرفت وجهه مفصّلا و نزيد فى الكلام تتميما لما سبق و نقول انّه قد يتراءى من المتن قيام الامارات و الاستصحاب مقامه بمجرّد دليل اعتبارهما و لا وجه لذلك اصلا كما عرفت و للمحقّق الخراسانى صاحب الكفاية فى حاشيته على الكتاب توجيه لما يتراءى من ظاهر المتن و تخريج لقيام الطرق و الأصول مقام القطع بجميع اقسامه حتّى ما اخذ على وجه الصفتيّة و تقريره أنّ الظّاهر من دليل اعتبار الامارة هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الّا انّ نفس هذا التّنزيل يكفى فى افادة الأمارة فائدة القطع المأخوذ فى الموضوع فى كونه سببا لثبوت حكم آخر غير حكم متعلّقه فانّ موضوع الحكم بوجوب التّصدق مثلا هو القطع بالخمريّة و اذا اخبر العادل بخمريّة مائع فقد احرز ذلك الموضوع ببركة الأمارة بواسطة دليل جعلها فانّ الامارة يرشد الى كون هذا المائع خمرا و بعد قيام الأمارة على خمريّته يحصل القطع بالواقع الجعلىّ و يكون كالقطع بالواقع الحقيقى و يترتّب عليه آثاره فانّ الخمريّة قد ثبت بالأمارة و القطع بالوجدان و الموضوع حاصل بكلا جزأيه و يتّضح ذلك بمقايسة المقام على ساير الموضوعات المركّبة او المقيّدة فانّه كما يحرز مثلها بتمامها بالأمارة المتعلّقة بها كذلك يحرز جزئها او قيدها بالأمارة كما فى الشّك فى مائيّة كرّ مقطوع او فى كريّة ماء كذلك فانّ الموضوع للاحكام الخاصّة هو المركّب من كلّ منهما او المقيّد باحدهما و اذا صار احد جزئيه او قيده مشكوكا و قامت البيّنة على تحقّقه احرز ببركة تلك البيّنة تمام الموضوع لاحراز احد

30

جزئيه بالامارة و الأخر بالوجدان فيترتّب ما للموضوع المركّب من الآثار لا يقال انّ التّنظير بالمثالين فى غير محلّه و فى المقام لا يتحقّق الموضوع بكلا جزئيه بمجرّد جعل المؤدّى منزلة الواقع فانّ احد الجزءين و هو الواقع و ان ثبت بالتعبّد و كان واقعا جعليّا الّا انّ قيده و هو القطع قطعىّ الانتفاء لوضوح انّ القطع المتعلّق بالخمر الجعلىّ مغاير للقطع المتعلّق بالخمر الواقعى و لا اشكال فى بقاء الشّك فى كونه خمرا واقعيّا و المفروض انّ مفاد دليل الأمارة هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع من دون ان يكون ناظرا الى تنزيل القطع بالواقع الجعلى مقام القطع بالواقع الحقيقى و لا دليل آخر على هذا التّنزيل فانّه يقال الادلّة العامّة لحجيّة الطّرق و الأمارات تشمل بعمومها تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فيما اخذ العلم جزء للموضوع و حينئذ ينزّل العلم بالمؤدّى منزلة العلم بالواقع بالملازمة العرفيّة بين التّنزيلين فانّها ان دلّت و لو بعمومها على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع او المشكوك منزلة المتيقّن فلازم هذا التّنزيل هو التّنزيل الثّانى و الّا لكان التنزيل الأوّل خال عن الفائدة اذ المفروض انّه لا اثر للواقع الّا كونه جزء او متعلّقا للموضوع و مع شمول دليل التّنزيل له فلا بدّ من تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع و لأجل هذا لا يرى العرف تفكيكا بين التّنزيلين فكما لو دلّ دليل بالخصوص فيما اخذ العلم جزء الموضوع على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فلا بدّ بدلالة الاقتضاء و صون كلام الحكيم عن اللّغوية من تنزيل العلم بالمؤدّى منزلة العلم بالواقع اذ لا اثر للواقع الّا مع العلم فكذلك لو دلّ الدليل بعمومه على ذلك فلا بدّ من التّنزيل الثّانى بالملازمة العرفيّة و ان لم يدلّ بدلالة الاقتضاء لأنّ المفروض دلالة الدّليل على الجعل و التّنزيل فيما اخذ جزء للموضوع بالعموم لا بالخصوص و لو لم ينزّل العلم بالمؤدّى منزلة العلم بالواقع لا يلزم لغويّة الجعل لشمول دليله لما كان الاثر مترتّبا على نفس الواقع و كان الواقع بنفسه تمام الموضوع هذه غاية ما أفاده في الحاشية فى تقريب افادة الأمارة فائدة القطع بما له من الأقسام و قد عدل عنه فى الكفاية و استشكل بانّه و ان كان يندفع به محذور الجمع بين اللّحاظين الّا انّ الاكتفاء بلحاظ واحد لكلا التنزيلين كما هو المقصود فى هذا التوجيه مستلزم لامر محال و هو الدور و المستلزم للمحال محال و بيانه أنّ موضوع الحكم بالفرض هو القطع بالخمر الواقعى و فى المائع المشكوك لا يوجد الموضوع جزما لانّه لا قطع بالخمر قطعا و ان كان فى الواقع خمر او اصابت الأمارة اليه فانّ بعد تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يحصل القطع بالخمر التعبّدى لا الخمر الواقعى نعم يتحقّق الموضوع بدون لزوم الدّور لو كان دليل الجعل متكفّلا للتّنزيلين فى عرض واحد من دون ان يكون احدهما متفرّعا على الأخر كان يكون احد التنزيلين مدلولا مطابقيّا و الأخر مدلولا بدلالة الالتزام فيكون الدّليل الواحد كاشفا عن التّنزيلين من دون توقّف و لزوم دور كما اذا قال الشّارع القطع بالخمر موجب للتصدّق و اذا قامت البيّنة على خمريّة مائع فهو ايضا خمر فانّ بدلالة الاقتضاء صونا للكلام عن اللغويّة يدلّ على انّ القطع بالخمر الّذى قامت‏

31

البيّنة عليه كالقطع بالخمر الواقعى فانّ فى عرض تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يدلّ على تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع و حصل الموضوع بتمامه و أمّا إذا لم يكن مثل هذا الدّليل و انحصر الدّليل بنفس دليل الاعتبار و الجعل من جهة عمومه او اطلاقه فلا يصحّ الركون اليه لأنّ دلالة الدّليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ح يتوقّف على دلالته على تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع بالملازمة المذكورة اذ المفروض انّ كلّا من القطع و الواقع يكون جزء للموضوع و لا اثر شرعىّ لمتعلّق القطع الّذى هو جزء للموضوع او متعلّق له و لا بدّ من ثبوت الجزء الأخر وجدانا او تنزيلا ليشمله دليل تنزيل المؤدّى و لا يدلّ الدليل على ذلك الّا بعد دلالته على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع حيث انّه لا بدّ من تحقّق الخمر التعبّدى حتّى يثبت التّلازم بين التنزيلين و الدّلالة على وجه الملازمة فرع الدّلالة على وجه المطابقة فيتوقّف تنزيل القطع بالواقع الجعلى منزلة القطع بالواقع الحقيقى على شمول عموم دليل التّنزيل لتنزيل المؤدّى لانّه مترتّب و متفرّع عليه و قد علم ممّا ذكرنا انّه لا يندفع الدّور المذكور بتعدّد دليل التنزيل بان يدلّ احدهما على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و الآخر على تنزيل الواقع الجعلى منزلة الواقع الحقيقى و ذلك لانّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يتوقّف على كونه ذا اثر شرعى و لا اثر له وحده و يمتنع التنزيل بدونه و كونه ذا اثر يتوقّف على تعلّق القطع و به تنزيله منزلة القطع بالواقع و هذا التّنزيل متاخّر رتبة عن تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و هذا هو الدّور المذكور و بالجملة بعد حصول الفرق بين الموضوع المركّب من القطع و نحوه من الأمور الوجدانيّة و الموضوع المركّب من الأمور الخارجيّة لا يسمع دعوى تحقّق الموضوع باحد جزئيه بقيام الأمارة و بجزئه الأخر بالوجدان اللزوم الدّور لما عرفت من انّ المفروض كون الموضوع فى القطع المأخوذ فى الموضوع هو القطع بالخمر الواقعى و لا قطع كذلك فى المائع الّذى قامت البيّنة على خمريّته نعم هو خمر تعبّد او يحصل القطع بالواقع التعبّدى و لا دليل على تنزيله منزلة القطع بالواقع الحقيقى و دلالة دليل اعتبار الأمارة عليه لا بدّ و ان يكون باحدى الدّلالات و من الواضح عدم الدّلالة على وجه المطابقة او التّضمّن و الدّلالة بالملازمة لا يتمّ الّا دورا و ممّا ذكرنا يظهر أنّ لزوم الدّور فى التنزيل المذكور ليس منحصرا بمقام الاثبات بل هو لازم فى مقام الثّبوت ايضا فلا يقال انّ دلالة دليل الجعل على التنزيل الثّانى انّما هى من جهة عموم الدّليل فانّ اجرائه على وجه العموم يكشف عن التنزيل الثّانى ايضا حيث انّ فى مقام الثّبوت التلازم بين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و تنزيل القطع بالواقع الجعلى مقام القطع بالواقع الحقيقى ثابت ففى مقام الأثبات يكفى سوق الدّليل على وجه العموم و يكون مقتضاه ثبوت التّنزيل فى كلا الجزءين و هذا كما يقال فى لعن اللّه بنى اميّة قاطبة انّ فلانا و ان شكّ فى ايمانه يجوز لعنه فانّ ايراد الكلام على هذا الوجه يقتضى ان لا يكون المشكوك فردا لما علم خروجه من عموم الحكم و كلّ من جاز لعنه فليس بمؤمن و ينتج انّه ليس بمؤمن وجه الظّهور أنّ القطع بالواقع الجعلى متأخّر

32

رتبة عن تنزيل المؤدّى منزلة الواقع مع قطع النّظر عن مقام الدّلالة و الأثبات كما انّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يتوقّف فى الحقيقة و فى عالم الثّبوت على كونه ذا اثر شرعى و هذا الفرد ما لم ينزّل القطع به منزلة القطع بالواقع الحقيقى لم يكن بذى اثر ففى عالم الثّبوت ايضا يتوقّف صيرورته ذا اثر على كون المؤدّى بمنزلة الواقع كى يتحقّق الموضوع التنزيلى و يحصل القطع به ثمّ ينزّل منزلة القطع بالموضوع الحقيقى ليصير ذا اثر و من المعلوم عدم امكان ذلك الّا على وجه دائر فتأمّل و لو سلّمنا ثبوت التّلازم فى عالم الثّبوت فذلك لا يكفى فى مقام الأثبات لسوق الدّليل على وجه العموم فانّ المورد الّذى يتمسّك بعموم العامّ لاثبات حكمه هو ما اذا كان من افراد الموضوع المذكور فى العامّ محقّقا و انّما شكّ فى كونه ممّا علم بخروجه عن حكم العامّ و عدم كونه منه فيتمسّك بعموم العامّ لاثبات حكمه له و هذا بخلاف المقام فانّ القطع بالواقع التّنزيلى قبل مجي‏ء دليل الاعتبار لم يكن فرد الموضوع العامّ الّا على وجه دائر و ما يقال فى دفع الدّور من كفاية الاثر التّعليقى و اعتبار دليل الجعل بنحو القضيّة الطبيعيّة حيث انّ دليل الجعل و التّنزيل ينزّل المؤدّى الّذى هو متعلّق القطع بمنزلة الواقع بلحاظ الأثر التّعليقى المتحقّق فيما بعد فيحصل القطع بالواقع التنزيلى و بالملازمة العرفيّة ينزّل هذا منزلة القطع بالواقع الحقيقى و يتحقّق الموضوع بكلا جزأيه فهو غير مقبول و لا يلتفت اليه لما ظهر لك فيما مرّ انّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع لا يصحّ الّا بلحاظ اثره فلا بدّ من فعليّة الاثر و ثبوته حين التنزيل و الأثر التّعليقى لا تحصّل له حين التنزيل فكيف يصحّ ان يكون التّنزيل بلحاظه فتدبّر و حاصل الكلام في هذا المقام انّ الخبر و غيره من الأمارات و كذا الأصول الّتى تقوم مقام القطع الطّريقى كالاستصحاب فلا يقوم مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على جهة الكشف بنفس دليل الجعل و الاعتبار لامتناع الجمع بين اللّحاظين و ما افاده المحقّق الخراسانى فى الحاشية فى توجيه قيامها مقام القطع بجميع اقسامه مستلزم للدّور و لأجل ذلك عدل عنه فى الكفاية و قد اتّضح لك الامر ان بما لا مزيد عليه فان قلت إنّ الامرين و هو الجمع بين اللّحاظين فى قيام الامارات مقام القطع الطّريقى و القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الطريقيّة بنفس دليل حجّية الأمارة و الدّور المذكور بالنّسبة الى ما ذكره صاحب الكفاية فى الحاشية من الالتزام بجعل المؤدّى و الدّلالة على جعل القطع بالمؤدّى منزلة القطع بالواقع بالملازمة العرفيّة انّما يلزمان على القول بجعل احكام تكليفيّة على طبق المؤدّيات و امّا لو قلنا بانّ المجعول فى باب الطّرق و الأمارات هو جهة كشفها عن الواقع و ذلك لأنّ فى القطع جهات ثلاث الأولى كونه صفة قائمة بنفس القاطع و مضافا إليه الثّانية جهة اضافة الصّورة الحاصلة لذى الصّورة و هى جهة كشفه عن المعلوم و محرزيّته له الثّالثة جهة الجرى العملى على وفق القطع حيث انّ العلم بوجود الأسد مثلا فى الطّريق يقتضى الفرار عنه و

33

هذه الجهات الثلاث من لوازم ذات العلم و ليس المجعول فى باب الامارات هو المؤدّى بحيث يتعلّق حكم بالمؤدّى غير ما له من الحكم الواقعى بل هو جهة كشفها و هو الجهة الثانية من جهات القطع و هو نفس الطريقيّة و المحرزيّة و الوسطيّة فى الاثبات و الكاشفيّة عن الواقع اى تتميم الكاشفيّة بعد ما كان فيها جهة كشف ناقص ليس ككاشفيّة العلم و من هنا يعتبر فى كون الشّي‏ء امارة ان يكون له فى حدّ ذاته جهة كشف و الشّارع تمّم كشفه و جعله محرزا للواقع و وسطا لاثباته فكانّ الشّارع فى عالم التّشريع جعل الظنّ علما من حيث الكاشفيّة بلا تصرّف فى الواقع و لا فى المؤدّى بل المؤدّى باق بحاله من حكمه الواقعى صادفت الأمارة للواقع او خالفت لانّه يكون من مصادفة الطريق او مخالفته لذى الطريق من دون توسعة فى الواقع و تنزيل شي‏ء منزلة الواقع بل المجعول هو نفس الطريقيّة و الكاشفيّة الّتى كان القطع واجدا لها بذاته و الظّن يكون واجدا لها بالتعبّد و الجعل الشّرعى و قلنا بأنّ المجعول فى الأصول التنزيليّة اى المتكفّلة لتنزيل المؤدّى منزلة الواقع كالاستصحاب و قاعدة التّجاوز هى الجهة الثّالثة من العلم و هو الجرى و البناء العملى على الواقع من دون ان يكون هناك جهة كشف و طريقيّة فالجرى العملى و البناء على ثبوت الواقع الّذى كان فى العلم قهرا ثبت فى الأصول تعبّد فيكون المجعول فى باب الطّرق و الأمارات و الاصول فى طول الواقع لا فى عرضه و ليس للشّارع حكمان حكم واقعىّ و حكم ظاهرىّ و يكون المراد من كون مؤدّيات الطّرق و الاصول احكاما ظاهريّة هو كونها مثبتة للواقع عند الجهل و الحكم بانّ مؤدّياتها هو الواقع لمكان كونها محرزة له و لا يلزم ما ذكر من الجمع بين اللّحاظ الآلى و الاستقلالي فى قيامها مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الطريقيّة لانّ بناء على عدم جعل المؤدّى و كون المجعول هو نفس الكاشفيّة يكون الواقع لدى من قامت عنده الامارة محرزا كما كان فى صورة العلم و المفروض انّ الاثر مترتّب على الواقع المحرز فانّ ذلك هو لازم اخذ العلم من حيث الكاشفيّة موضوعا و بنفس دليل حجّية الأمارات و الاصول يكون الواقع محرزا فتقوم مقامه بلا التماس دليل آخر و كما يرتفع على هذا المبنى محذور اجتماع اللّحاظين فكذا يرتفع محذور الدّور ايضا اذ لا تنزيل اصلا و انّما تمّم الشارع الكاشفيّة النّاقصة الّتى كانت للأمارة الظّنّية تعبّدا و جعلها كالقطع و اعطاها صفة المحرزيّة قلت إنّ مجرّد جعل الطريقيّة لا يرفع اشكال اجتماع اللّحاظين اذ ليس هناك الّا مجرّد جعل الظّن طريقا الى متعلّقه و المفروض انّه لا اثر شرعى للمتعلّق وحده و انّما هو جزء للموضوع المركّب منه و من القطع فالاثر مترتّب على الأحراز القطعى بمعنى انّ المكشوف بالقطع موضوع للاثر الشّرعى و الظّن الّذى لا يكون الّا كشفا ناقصا بتعلّق الجعل الشّرعى بطريقيّته لا يصير قطعا و كشفا تامّا تكوينا كى يصير الموضوع للأثر متحقّقا و من هذا البيان يظهر انّ انكار كون المجعول حكما على طبق المؤدّى و دعوى انّ المجعول هو مجرّد الطريقيّة و تتميم جهة الكشف لا يرفع اشكال الدّور ايضا لما عرفت من انّ الأمارة تقوم على متعلّق القطع سواء قلنا بانشاء حكم على طبق المؤدّى ام‏

34

قلنا بمجرّد جعل طريقيّتها ام قلنا بجعل الحجيّة لها فالأمارة على هذا القول طريق مجعول الى المتعلّق خاصّة و المفروض انّ الاثر الشرعىّ مترتّب على المركّب منه و من القطع و لا اثر للمتعلّق وحده كى يصحّ جعل الطّريق اليه خاصّة و تصحيح جعل الطريقيّة اليه موقوف على جعل طريق آخر للقطع و دلالة دليل اعتبار الأمارة على الجعل الثّانى يستلزم الدّور فتدبّر هذا مضافا الى انّ دعوى كون المجعول هو مجرّد الطريقيّة و تتميم جهة الكشف غير سديد فانّ التعبّد بالأمارات الغير العلميّة امّا ان يستتبع حكما على طبق المؤدّى و امّا ان يكون من باب الإرشاد و مجرّد الكشف عن الواقع فلا يلاحظ فى التعبّد بها الّا الإيصال الى الواقع و على الثّانى فامّا ان نقول بانّ الحكم الوضعى منتزع عن الحكم التّكليفى و لا يكون متاصّلا فى الجعل كما عليه المصنّف (قدّس سرّه) فلا بدّ من القول فى الأمارات بناء على كونها المجرّد الطريقيّة من دون انشاء حكم على طبق المؤدّى بانّ المجعول ح و لو امضاء لما عليه العقلاء حكم تكليفى يكون منشأ لانتزاع اعتبار طريقيّة الأمارة و حجيّتها و احسن ما يمكن ان يقال فى ذلك هو ما قاله المصنّف فى دليل الانسداد بعد نقل كلام المحقّق صاحب الحاشية فى بيان انّ مقدّمات دليل الانسداد لا يثبت الّا اعتبار الظّن بالطّريق لا فى نفس الحكم الفرعى و هو الوجه الثّانى من الوجهين المستدلّ بهما على ذلك بقوله فيه انّ تفريغ الذّمة عمّا اشتغلت به امّا بفعل نفس ما أراده الشّارع فى ضمن الأوامر الواقعيّة و امّا بفعل ما حكم حكما جعليّا بانّه نفس المراد و هو مضمون الطّرق المجعولة فتفريغ الذّمة بهذا على مذهب المخطئة من حيث انّه نفس المراد الواقعى بجعل الشّارع لا من حيث انّه شي‏ء مستقلّ فى مقابل المراد الواقعى فضلا عن ان يكون هو المناط فى لزوم تحصيل العلم و اليقين انتهى موضع الحاجة و حاصله أنّ المجعول هو الحكم بانّ المؤدّى هو الواقع فليس المجعول فى باب الامارات امرا مغايرا للواقع و لا ريب فى انّ للشّارع جعل الهوهويّة و الحكم بانّ المؤدّى هو الواقع فى صورة عدم العلم به و امّا ان نقول بانّ الحكم الوضعىّ متأصّل بالجعل و عليه فلا بدّ من القول بانّ المجعول بالامضاء هو الحجيّة كما عليه صاحب الكفاية لا الطريقيّة و الوسطيّة فى الاثبات و جعل الحجيّة للأمارة الّذى ليس الّا بمعنى القاء احتمال الخلاف بواسطة اخبار العادل مثلا بحكم او بموضوع له اثر امر معقول و يظهر ذلك من بناء العقلاء فى اثبات مقاصدهم على ما هو المفروض من انّ التعبّد بالأمارات الشرعيّة من باب الارشاد حيث انّ الامارات المقرّرة عندهم كالعلم لا يعتنون باحتمال مخالفة الطّريق للواقع و يشهد له ايضا ما تراه فى جعل الطّرق من الموالى العرفيّة حيث لا يستفاد منه الّا تنزيل احتمال المخالفة بمنزلة العدم كما يكون احتمال الخلاف ملقى فى العلم تكوينا و بالجملة فجعل الحجيّة هو الظّاهر ايضا من من ملاحظة ما ورد فى التّوقيع الشّريف بمضمون انّ الفقيه حجّتى عليكم و انا حجّة اللّه و ما ورد فى الاخبار من السّئوال مثلا عن انّ يونس بن عبد الرّحمن ثقة آخذ عنه معالم دينى فانّ السّئوال‏

35

يدلّ على انّ الاخذ بقول الثّقة و الاعتماد عليه فى معالم الدّين كان مفروغا عنه و الحجيّة أمر مستقلّ بالمفهوميّة قابلة للجعل الشرعىّ مثل الولاية و الحكومة و مفهومها فى الحجّة المجعولة هو المفهوم منها فى الحجّة المنجعلة من القطع و الظّن فى صورة الانسداد على تقدير الحكومة و قضيّتها أن يكون الطّريق عذرا فيما أخطأ و موجبا للتّنجّز و استحقاق العقوبة على مخالفته فيما اصاب و ان يكون موافقتها انقياد او مخالفتها تجرّيا و امّا جعل الطريقيّة فهو غير معقول لانّها منتزعة من مرآتيّة القطع و كاشفيّته الّتى هى عين وجوده الحقيقى فى الخارج و ليست مفهوما مستقلّا و الامر الانتزاعي تابع لمنشئه فى الجعل و الاعتبار و لا يتعلّق الجعل التشريعىّ بالوجود الحقيقى و هذا بخلاف الحجيّة فانّها ليست منتزعة عن وجود القطع بل هى من اللوازم المتأخّرة عنه و لها استقلال فى المفهوميّة و كذلك الظّن فانّ طريقيّته النّاقصة منتزعة عن كاشفيّته النّاقصة فليس لها مفهوم مستقلّ حتّى يتعلّق بها الجعل و حجيّة من المفاهيم المستقلّة و اللّوازم المتأخّرة عن وجوده التّكوينى و الفرق انّ حجيّة القطع بالذّات و حجيّة الظّن بالتّعبد و الجعل التّشريعى و توهّم أنّ الحجيّة ايضا غير مستقلّة فى المفهوميّة و منتزعة عن التّنجّز فاسد جدّا لأنّ تنجّز الواقع و كون الظّن و الطّريق عذرا و موجبا لاستحقاق العقوبة و غير ذلك كلّها من آثار الحجيّة و لوازمها المتأخّرة عنها و لو لا الحجيّة لم يكن للعقل حكم بالتّنجّز و غيره فلا تغفل و حاصل الكلام أنّ دعوى قيام الأمارات بدليل اعتبارها مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على جهة الكاشفيّة لا دليل عليها و لا يمكن توجيهها على نحو يرتفع به محذور الجمع بين اللّحاظين و لزوم الدّور و اذا فرض اخذ القطع فى موضوع الحكم يرتفع هذا الموضوع عند عدم القطع و ان كان اخذه فى الموضوع بلحاظ الطريقيّة و لا يصحّح دليل اعتبار الأمارة قيامها مقام هذا القطع و انّى اعتذر من الأطناب و هو الهادى الى الصّواب الأمر الثّالث اعلم انّ القطع كما يكون طريقا و موضوعا بماله من الاقسام كذلك يكون جهة للقضيّة كسائر الجهات من الضّرورة و الدّوام و الفعليّة و غيرها و هذا كما ذكره العلّامة فى المختلف فى جواب ما استدلّ به ابن بابويه و ابن ابى عقيل (رحمهم اللّه تعالى) على عدم البأس بالصّلاة فى ثوب اصابه خمر لأنّ اللّه حرّم شربها و لم يحرّم الصّلاة فى ثوب إصابته من انّ المسكر لا يجب ازالته عن الثّوب و البدن الخ و قد مرّ تمام العبارة حيث أفاد (رحمه الله) في الجواب بانّ الاجماع المذكور فى المقدّمتين اخذ فيهما لا بمعنى واحد فانّه تارة جعل كيفيّة للربط تدلّ على وثاقته خارجا عن طرفى القضيّة فى إحداهما و تارة جعل فى الأخرى جزء من المحمول فلم يتّحد الوسط فلا انتاج انتهى و من الواضح انّ معنى الاجماع فى كلامهم هو القطع بالمراد فان قلت إنّ جواب العلّامة غير تامّ و لا يدفع الاستدلال لامكان جعل الاجماع جزء للمحمول فى الكبرى ايضا لانّ قولهم بالاجماع بمنزلة الضّرورة و الضّرورة الّتى كانت جهة القضيّة و كانت القضيّة معها صادقة اذا جعلتها جزء للمحمول تكون القضيّة صادقة ايضا و حينئذ يصير الأوسط

36

مكرّرا و يصحّ ان يقال و كلّ نجس ضرورىّ وجوب ازالته كما يصحّ ان يقال و كلّ نجس يجب ازالته بالضّرورة و يكون القياس هكذا المسكر لا يكون ضروريّا وجوب ازالته للصّلاة و كلّ نجس ضرورىّ وجوب ازالته للصّلاة فينتج انّ المسكر لا يكون نجسا قلت إنّ الضرورة يكون لها اعتبارات أحدهما ما يقابل الامكان و الدّوام و الامتناع و غيرها من الجهات و ثانيهما ما هو بمعنى القطع و المرادف للإجماع هو الثّانى و الّذى لا يتفاوت الحال فى جعله جهة او جزء هو الاوّل فلا يصحّ فى المسألة جعله جزء للمحمول فى الكبرى فلا يتكرّر الوسط فلا ينتج النّتيجة المذكورة و يوضح ما ذكرنا انّ مدّعى الاجماع و الضّرورة فى اثبات حكم او موضوع لا يدّعى انّ هذا الحكم مثلا ضرورىّ بالمعنى المقابل للامكان و الامتناع بل قصده دعوى انّ ثبوت هذا الحكم مقطوع معلوم و ان كان خلافه فى حيّز الإمكان‏

قوله (حكم العقل بحسن اتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا)

من دون فرق بين القطع بكونه مطلوبا و حكما واقعيّا ام مطلوبا و حكما ظاهريّا ثابتا بالطّريق المعتبر فانّ المناط و الموضوع عند العقل هو القطع بالمطلوبيّة و المبغوضيّة مطلقا من دون خصوصيّة للقطع بالمطلوبيّة الواقعيّة فلا تغفل‏

قوله (و امثلة ذلك بالنّسبة الى حكم غير القاطع الخ‏

اشارة الى انّ الامثلة المذكورة بعد ذلك و ان كانت امثلة للقطع الموضوعى بقول مطلق لكنّها لا ربط لها بالمقام فانّ الكلام فى المقام انّما هو فى القطع بالنّسبة الى نفس القاطع‏

قوله (بخلاف المأخوذ فى الحكم على وجه الموضوعيّة فانّه تابع لدليل الحكم)

قد اشرنا سابقا الى انّ الّذى يقوى فى نفسى عدم تقسيم المصنّف ره القطع المأخوذ فى الموضوع الى قسمين و ان يتراءى ذلك من العبارة و كون غرضه انّ القطع الطريقى الصرف قد يؤخذ فى الموضوع لاحراز الموضوع و تنقيحه من غير ان يكون له دخل و تأثير فى عروض الحكم اصلا و ذلك كما اذا كان المأخوذ فى الموضوع امرا لا يكاد يوجد بدون القطع به و لا يكون القطع ح إلّا كاشفا محضا فبعد تقسيم القطع الى قسمين الطّريقى و الموضوعى اراد التّنبيه على امر راجع الى تشخيص الصغرى و هو انّ الدّليل الوارد الّذى يكون مشتملا على اخذ القطع فى موضوع الحكم قد يظهر منه او من الخارج عدم كون المراد منه ما هو ظاهره بل يعلم انّ الحكم معلّق على نفس المتعلّق و ليس القطع الّا طريقيّا و ح فالأمارة و الاستصحاب بنفس دليل اعتبارهما يفيدان فائدته و يقومان مقامه بلا اشكال و ذلك كقوله عزّ اسمه‏ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ‏ الخ فإنّ التّبيّن مأخوذ فى موضوع الحكم بحسب الظّاهر مع انّ مقتضى الدّليل الخارج و هو الأخبار الواردة عدم مدخليّته فى الحكم و لذا يرجعون الى استصحاب اللّيل عند الشّك فى الطّلوع مطو قد لا يظهر خلافه فيؤخذ بما هو ظاهر الدّليل من اعتبار صفة القطع فى الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشّخص و يشهد لما ذكرنا فى بيان المراد أمور الأوّل التّعبير اوّلا فان ظهر منه او من دليل خارج اعتباره على‏

37

وجه الطريقيّة و ثانيا و ان ظهر اعتبار صفة القطع الخ الثّانى حكمه بقيام الأمارات و بعض الأصول مقام القطع المأخوذ فى الموضوع ان ظهر اعتباره على وجه الطريقيّة و لو لم يكن مراده ما ذكرنا بل كان ما هو المتراءى فى بادى النّظر و اراد من ذلك القطع المأخوذ فى الموضوع حقيقة و كان من حيث كشفه عن متعلّقه لاتّجه على الحكم بقيام الأمارة مقامه الاشكال المتقدّم من الجمع بين اللّحاظين فى دليل اعتبار الامارة الثّالث ما سننقله من العبارة المنقولة عن بعض النّسخ المصحّحة و فى حاشية المحقّق الميرزا الآشتياني (قدّس سرّه) انّه مذكور فى بعض النّسخ الموجودة عنده الرّابع ما عرفت من الأشكال فى اصل تصوير القسم الثانى و الرّابع من الاقسام المذكورة للقطع‏

قوله (و ان ظهر اعتبار صفة القطع فى الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة)

نقل عن بعض النّسخ المصحّحة قبل هذا تتمّة لكلامه فى القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الطريقيّة هكذا و يظهر ذلك امّا بحكم العقل بكون العلم طريقا محضا و امّا بوجود الادلّة الأخر على كون هذا الحكم المنوط بالعلم ظاهرا متعلّقا واقعا على نفس المعلوم كما فى غالب الموارد انتهى‏

قوله (كما اذا فرضنا انّ الشّارع اعتبر صفة القطع‏

اجمع الاماميّة على انّ الشّاك فى عدد الرّكعات فى الثنائيّة و الثلاثيّة و الاوليين من الرباعيّة لا اعتبار به و انّ فى الشّك فى الاخيرتين من الرباعيّة يبنى على الاكثر و يسلّم و يأتى بالمشكوك احتياطا منفصلا و قد عبّر عن هذا بعض اصحابنا بالبناء على الاقلّ و ان كان الاتيان بصلاة الاحتياط بعد السّلام واجبا و استدلّ له بالاستصحاب بدعوى ظهور بعض الاخبار فى ذلك كما ستقف على تفصيل هذا الكلام فى محلّة إن شاء الله اللّه تعالى و امّا البناء على الاقلّ و التّسليم من دون الإتيان بصلاة الاحتياط فلم يقل به احد من اصحابنا فى الاخيرتين من الرباعيّة و لا فى غيرهما من الرباعيّة و غيرها و إذا وقفت على ذلك فالظّاهر انّ قوله فانّ غيره كالظنّ باحد الطّرفين او اصالة عدم الزائد من باب المثال و من المشهور عدم المناقشة فى المثال و ان كان الاولى ان يقول كالظنّ باحد الطرفين او اصالة البناء على الاكثر لا يقوم مقامه‏

قوله (الّا بدليل خاصّ خارجى غير ادلّة حجيّة مطلق الظّن فى الصّلاة)

ظاهر العبارة كما ترى قيام الأمارة و الأصل مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الصفتيّة اذا دلّ دليل خاصّ خارجىّ عليه فيشكل بانّه غير صحيح لانّ القطع اذا اخذ موضوعا ارتفع الموضوع عند عدم القطع قطعا و لأجل هذا حكم بعدم قيامهما مقامه بنفس دليل اعتبارهما و الدّليل الخاصّ الخارجى لا يجعل الأمر المحال ممكنا و لكنّ التّحقيق عدم ارادته طاب ثراه ما هو المقصود فى المقام من انّ الدّليل الخاصّ يفيد حجيّة الأمارة و اعتبارها طريقا بل مراده من قيام الأمارة حينئذ مقامه ما مرّ عليك من انّ الدّليل الخارجى قد يدلّ على انّ الأمارة الفلانيّة يكون كالقطع موضوعا للحكم الفلانى و لا اشكال فى امكان جعل موضوعات متعدّدة لحكم واحد بحيث يقوم بعضها مقام بعض فراجع ثمّ من الواضح انّ ما

38

ذكرناه فى معنى القيام بحسب الدّليل الخارجى انّما يصحّ فى الأمارة دون الاصل‏

قوله كما يظهر من رواية حفص الواردة فى جواز الاستناد الى اليد)

المرويّة فى الكافي و الفقيه و التهذيب عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال له رجل أ رأيت اذا رايت شيئا فى يدى رجل أ يجوز لى ان اشهد انّه له قال نعم قال الرجل اشهد انّه فى يده و لا اشهد انّه له فلعلّه لغيره فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) أ فيحلّ الشّراء منه قال نعم فقال ابو عبد اللّه (ع) فلعلّه لغيره فمن اين جاز لك ان تشتريه و يصير ملكا لك ثمّ تقول بعد الملك هو لى و تحلف عليه و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله اليك ثمّ قال ابو عبد اللّه (ع) لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق و الرّواية ضعيفة سندا و قد يدّعى انجبارها بالشّهرة المستفيضة و دلالتها على جواز الاستناد الى اليد فى الشّهادة واضحة بل و ان اختصّ مورد السّئوال باليد و لكنّها كما ادّعاه المصنّف تدلّ على جواز الاستناد فى الشّهادة الى كلّ ما يجوز الاستناد اليه فى مقام العمل فانّ ظاهر قوله (ع) من اين جاز لك ان تشتريه الخ ثبوت الملازمة بين ترتيب احكام الملك بالأمارة الشرعيّة و جواز الشّهادة لكنّ المسألة خلافيّة و اجمالها انّ اليد ان كان معها التصرّف المكرّر بلا منازع كالهدم و البناء و الإجارة و نحو ذلك من التّصرفات الّتى لا تنفكّ غالبا عن الملك فالمشهور شهرة عظيمة هو جواز الشّهادة بالملك المطلق بمشاهدة اليد الظاهرة فيه‏ و الّا بان كانت اليد مجرّدة عن انضمام التصرّف اليها فاكثر المتاخّرين كما فى المسالك و غيرها على الجواز ايضا مستدلّين بخبر حفص المذكور و الجواز فى هذا القسم مستلزم للجواز فى القسم الاوّل بالأولويّة كما انّ المنع فى الأوّل مستلزم للمنع فى الثّانى كذلك و تفضيل الكلام فى المسألة يطلب فى كتاب القضاء

قوله (و ممّا ذكرنا يظهر انّه لو نذر احد ان يتصدّق الخ)

قد يورد على هذه العبارة تارة بأنّ عدم وجوب التصدّق عند الشّك فى الحياة لاجل الاستصحاب فى الصّورة الأولى يصحّ اذا كان اخذ اليقين فى الحياة على وجه الصفتيّة لا مطلقا حتّى فى صورة اخذه على وجه الطريقيّة فانّ المستفاد من عبارته السّابقة هو قيام الاستصحاب مقام القطع المأخوذ فى الموضوع على وجه الطريقيّة و أخرى بأنّ وجوب التصدّق لاجل الاستصحاب فى الصّورة الثّانية لا يصحّ الّا عند القائل بالمثبت‏ فانّ‏ الحكم اذا كان متعلّقا على نفس المستصحب من حيث هو يصحّ استصحاب الموضوع لاجراء الحكم عليه مثل الحكم بالاجتناب على مشكوك النّجاسة لأجل الاستصحاب و امّا اذا كان الحكم متعلّقا بما يكون ملازما للمستصحب عقلا او عادة فالاستصحاب يكون مثبتا و المثال من هذا القبيل لأنّ وجوب التصدّق ليس من الاحكام المتعلّقة على وجود زيد و حياته الّذى هو المستصحب بل هو من الاحكام المتعلّقة على ما يلازمه من حيث كونه منذورا فانّ موضوع الحكم الشّرعى فى المثال ابتداء هو الامر العادى كالوفاء و الالتزام و وجوب التصدّق بدرهم من حيث انّه وفاء بالنّذر لا يثبت الّا باثبات كونه وفاء و هل هذا الّا مثل‏

39

ما لو نذر ان يعطى الحنّاء للحية زيد حينما صار ذا الحية و غاب زيد مدّة بحيث لو كان موجودا كان ذا الحية و باستصحاب حيوة زيد لا يجب إعطاء الحنّاء لانّه ليس حكما متعلّقا بوجود زيد الّذى هو المستصحب بل يكون حكما متعلّقا بما يكون ملازما عاديّا لوجوده و هو كونه ذا الحية و الإيراد ان فى غاية السّقوط أمّا الأوّل فبعد الاغماض عمّا قوّيناه من انكار تقسيم المصنّف القطع المأخوذ فى الموضوع حقيقة الى قسمين و ان ليس القطع بقول مطلق منقسما الّا الى قسمين الطريقيّة و الصفتيّة انّ المراد بقوله فى المقام ما دام متيقّنا بحياة ولده على تقدير تقسيم القطع الموضوعى الى قسمين هو اعتبار اليقين من حيث الصفتيّة فيصحّ الحكم بعدم قيام الاستصحاب مقامه و امّا الثّانى فلانّه لا ريب و لا اشكال كما صرّحوا به فى عدم الفرق فى جريان الاصل لترتّب الاثر العملى عليه بين ان يكون المؤدّى تمام الموضوع للحكم الشّرعى و ان يكون ماخوذا فيه على وجه الجزئيّة او القيديّة بانحائها لكفاية هذا المقدار من الاثر ايضا فانّ العنوان المركّب من الجزءين او من مجموع القيد و المقيّد كالصّلاة فى حال كون المصلّى متطهّرا او الغسل بالماء الطّاهر عبارة عن امور قد احرز جميعها ما عدا الطّهارة منها مثلا بالوجدان و هى بالاصل و اين هذا من احراز اللّوازم الغير الشرعيّة بالاصل الجارى فى ملزوماتها الّتى يراد من عدم حجيّة الاصل المثبت عدم كفايته فى احرازها و امّا مقارنة الشرط للمشروط فان اريد بها منشأ انتزاع هذا العنوان و هو وجود المشروط الّذى هو الغسل و الصّلاة فى المثالين فى ظرف وجود هذا الشّرط الّذى هو طهارة الماء او المصلّى فهذا هو الّذى ذكرنا انّ بعضه محرز بالوجدان و بعضه بالاصل و ان اريد بها نفس هذا العنوان المنتزع عن وجود المشروط فى ظرف الأخر فهو خلاف الفرض‏ نعم‏ اذا استفيد من دليل الحكم ترتّبه على العنوان الملازم و المنتزع للمركّب من الجزءين او القيد و المقيّد و كان بعضه محرزا بالوجدان فاحراز البعض الأخر بالأصل لا أثر له لأنّ هذا البعض‏ ح‏ ليس جزء من نفس الموضوع بل يكون جزء من العنوان الملازم وجوده لوجود الموضوع‏ و هذا نظير

ما ذكروه من جريان استصحاب الشهر السابق بالنّسبة الى يوم الشّك و منع ترتّب احكام اوّل الشهر على ما بعده و ذلك من جهة عدم كون الاوليّة عنوانا مركّبا من العدم السابق و الوجود اللّاحق كى يكون ممّا يحرز احد جزئيه بالوجدان و الأخر بالاصل و انّما هو عنوان ثانوى ينتزع عن الوجود المسبوق بالعدم فمؤدّى الاصل ليس جزء من نفس الموضوع بل هو جزء من العنوان الملازم له‏ و بالجملة اذا كان الموضوع مركّبا و كان بعض اجزائه محرزا بالوجدان فلا اشكال فى احراز الجزء المشكوك بالأصل و توهّم أنّ المستصحب اذا كان من الموضوعات يلزم ان يكون تمام الموضوع للحكم المترتّب عليه يوجب المنع عن الاستصحاب فى الموضوعات اصلا لأنّ الحكم الشّرعى يتعلّق دائما بفعل المكلّف و ان كان له تعلّق بالموضوعات الخارجيّة و ان شئت‏ قلت انّ الآثار الغير المترتّبة على نفس المستصحب من حيث هى بل بواسطة شي‏ء آخر على قسمين أحدهما ما يكون الواسطة موجودة قبل الشّك كاستصحاب حيوة الزّوج لوجوب نفقة زوجته فانّ وجوب نفقة الزّوجة ليس مترتّبا على وجود الزّوج و حياته بل يكون مترتّبا على وجوده مع بقاء علقة الزّوجية و هو من الاستصحاب المجمع عليه و ثانيهما ما لا يكون الواسطة معلومة

40

الوجود و اريد ثبوتها بالاستصحاب كنبات اللحية فى المثال المذكور و هذا هو الّذى يسمّونه بالاصل المثبت فانّ احراز النّبات يحتاج الى اثبات الواسطة و هو وجود زيد و ما نحن فيه من قبيل الأوّل لأنّ النّذر واقع سابقا و لا شكّ فيه‏

قوله (ثمّ انّ هذا الّذى ذكرنا من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقيّة)

قد علم انّ طريقيّة القطع انجعاليّة بحيث لا يمكن للشّارع التصرّف فيه نفيا او اثباتا كذلك طريقيّة الظّن و الفرق بينهما فى ذلك انّ القطع طريق تامّ بخلاف الظّن فانّه طريق ناقص فالظنّ لا يكون حجّة ذاتا بحيث يكون كالقطع لنقصه فى الطريقيّة و لا بدّ فى حجيّة و اعتباره من دليل شرعىّ او عقلى حتّى يصير مؤدّاه بسببه كالمقطوع‏ فالظنّ‏ المعتبر حجّة جعليّة بخلاف القطع فانّ حجيّتها كما تقدّم ليست الّا ذاتيّة و المتيقّن‏ ممّا ثبت حجيّته بدليل شرعى هو الظّنون الخاصّة الّتى دلّ الادلّة الخاصّة على حجيّتها من الشارع‏ و امّا الظنون‏ المطلقة الّتى تكون حجيّتها بدليل الانسداد على تقدير تماميّتها فان قلنا بعد تماميّتها يكشف العقل عن حكم الشّارع بحجيّة الظّن يكون حجيّتها ايضا مجعولة من الشّارع كالظّنون الخاصّة و ان قلنا بعد الانسداد يحكم العقل بحجيّة مطلق الظّن يكون حجيّتها مجعولة من العقل‏ و اعلم‏ انّ الظّن كالقطع فى جميع ما ذكروا له فاقسام الظّن عندهم كالقطع يرتقى الى خمسة الأوّل الطّريقى المحض الثّاني ما اخذ فى موضوع الخطاب كما اذا قيل ان ظننت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدّق بكذا بنحو يكون تمام الموضوع او جزئه و قيده بان يكون الواقع و الظّن تمام الموضوع و فى كلّ منهما يؤخذ طورا بما هو كاشف عن متعلّقه و حال عنه و أخر بما هو صفة من الصّفات للظّانّ‏ ثمّ‏ انّ المسلّم هو وقوع الظّن الطريقى الصّرف الكاشف عن متعلّقه و هو مفاد ادلّة حجيّة الطّرق و الأمارات و امّا الظّن الموضوعى فلم نجد له موردا قطعيّا نعم وقع فى الشرع موارد يحتمل كونه طريقا مجعولا منها فى مسئلة انّ المتيمّم لو صلّى بعد الفحص و حصول الظّن بفقد الماء فوجده فى رحله فانّ صحّة صلاته او اعادتها بالطّهارة المائيّة مبنيّة على كون الظّن المذكور طريقا او موضوعا و لو كان موضوعا لا يصحّ التعويل على اصالة عدم الماء اذ المدار شرعا فى الجواز و عدمه على الظّن و عدمه و الاصل المذكور لا ينهض باثباته و لو كان طريقا و كان الحكم مترتّبا على عدم الماء فهو كالعلم على ما عرفت طريق لمتعلّقه و لا يتعقّل الموضوعيّة بالنّسبة اليه و موضوع بالنّسبة الى الاحكام المترتّبة عليه اذ لا معنى للطريقيّة بالنّسبة اليها كما لا يخفى و منها فى مسئلة الظّن بالقبلة عند انكشاف الخلاف و عدم وقوع الصّلاة إليها و منهاف ى مسئلة الظّن بعدد الرّكعات و من الواضح أنّ الثّمرة بين الاحتمالين يظهر فى الاجزاء فعلى الموضوعى لا اشكال فى اقتضائه للأجزاء فانّه امر واقعىّ و موضوعه نفس الظّن و على الطريقى يكون حكما ظاهريّا و يبتنى على كون الامر الظّاهرى يقتضى الاجزاء ام لا ثمّ انّه قد ذكرنا سابقا انّ القطع اذا اخذ فى موضوع الحكم فلا بدّ ان يكون موجبا لحكم آخر يخالف متعلّقه لا يماثله و لا يضادّه و انّه لا يمكن اخذ القطع‏

41

بحكم فى موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدّور و لا فى موضوع مثل هذا الحكم او ضدّه للزوم اجتماع المثلين و الضّدين امّا لزوم الدّور فلتوقّف شخص هذا الحكم واقعا على القطع به ضرورة توقّف الحكم على موضوعه و توقّف تحقّق القطع به على تحقّقه ضرورة انّه لو لا ذلك كيف يتعلّق القطع به و منع توقّف تحقّق القطع به على تحقّقه قياسا له بما اذا أخطأ توهّم محض و دفعه أنّ فى مورد الخطأ يكون المتعلّق مثل الحكم لا نفسه و الدّور انّما هو فى اخذه فى موضوع شخص المتعلّق به فتدبّر و امّا لزوم احد الاجتماعين فهو و ان لم يكن بلازم عند الحاكم الّا انّ عند القاطع لا محيص من ذلك فانّه حين القطع لا يمكنه تصوير اجتماع حكمين مثلين او ضدّين فى موضوع واحد فكيف يحكم بالمثل او الضدّ عليه نعم يمكن انشاء حكم المماثل او المضادّ فيما لو تعلّق القطع بالحكم فى مرتبة الانشاء كالاحكام المخزونة فى زمان الغيبة عند امامنا صاحب العصر (عجّل الله تعالى فرجه) لعدم المقتضى لاظهارها و لو من جهة عدم استعداد العباد فيصحّ أخذ القطع بهذه المرتبة من الحكم فى مرتبة أخرى منه او من مثله او ضدّه لعدم لزوم محذور لا عند الحاكم و لا عند القاطع و امّا الظّن فيشارك القطع فى انّه لا يجوز ان يؤخذ فى موضوع نفس الحكم المظنون للزوم الدّور و يفارقه فى جواز اخذه فى موضوع مثل متعلّقه او ضدّه فانّ مرتبة الحكم الظّاهرى محفوظة للظنّ فلا يلزم اجتماع المثلين او الضدّين بخلاف القطع فانّه يوصل الحكم الى مرتبة لا يبقى معها مجال للحكم الظّاهرى فيفترق القطع عن الظّن ايضا بامكان جعل الشارع حكم الشّى‏ء واقعا و حكمه مظنونا مختلفين لاختلاف الموضوع فيهما بخلاف القطع لانّ المقطوع و الواقع شي‏ء واحد و لو فى نظر القاطع و لا يمكن ان يجعل للشّي‏ء الواحد حكمان مختلفان للزوم التّناقض و بينهما فرق من وجهين آخرين ايضا الاوّل انّ القطع الطريقى مطلق و لا تعليق فيه اصلا بخلاف الظّن فانّ اعتباره معلّق على انتفاء القطع و عدم امارة خاصّة من قبل الشّارع تكون مقدّمة عليه فى المرتبة خلافا لصاحب الفصول حيث حكى عنه انّه يجوز للشّارع ان يقول للمكلّف فى صورة امكان العلم لا تعمل به بل اعمل بالأمارة الفلانيّة فيعتبر فى حجيّة القطع انتفاء امارة مجعولة من الشّارع و قد مرّ امتناع التصرّف فيه نفيا و إثباتا الثّاني قد عرفت انّ القطع الطريقى لا يصير وسطا اصلا بخلاف الظّن فانّه يصير وسطا مطلقا ثمّ إنّ احكام الظّن بقسميه كاحكام القطع كذلك و لكن فى الجملة بيانه أنّ القطع الطّريقى طريق صرف و كاشف عن متعلّقه و يكون تمام الموضوع لحكم العقل بوجوب الاتّباع و الجرى على طبقه و كذلك الظّن الطريقى المجعول و القطع الطريقى لا يعقل الفرق بين أسبابه و أما الظّن الطريقى فان كان دليل اعتباره هو العقل كما هو المفروض فى دليل الانسداد على فرض تماميّة مقدّماته و كون النّتيجة حكومة العقل باعتباره فلا اشكال ح فى عدم الفرق بين أسبابه و ان كان هو الشّرع فلا اشكال ايضا فى امكان الفرق بين اسبابه و خصوصيّاته بل هو واقع فى الشّرعيات فى الجملة و ان كان هو بناء العقلاء

42

كما فى الظّن الاستصحابى او خبر الثّقة المفيد للاطمئنان بالصّدور فقد يستشكل فيه بانّ بنائهم على العمل بالظنّ فى اىّ مورد فرض ليس الّا من حيث الانكشاف الظنّى و لا يعقل ان يختلف هذا المعنى باختلاف الأسباب و الإنصاف عدم الاشكال فى امكان الفرق عندهم بين اسبابه و خصوصيّاته كما نرى ذلك منهم فى خصوص المثالين فانّ بنائهم على العمل بخصوص الظّن الحاصل من الحالة السّابقة او خبر الثّقة و لا يعملون بغيرهما و ان افاد ظنّا اقوى مرتبة من الظّن الحاصل منهما و القطع الطريقى يقوم مقامه الامارات و الاستصحاب و امّا الظّن الطريقى فكذلك يقوم مقامه الطرق الشرعيّة و الاستصحاب بنفس دليل اعتبارهما حيث انّ الظّاهر من دليلهما هو ترتيب آثار الواقع على مؤدّى الطّرق و القاء احتمال الخلاف فى الاستصحاب فالطّرق و الاستصحاب يفيدان فائدته فى الكشف عن الواقع و لكن هذا فى الطّريق الّذى يكون مرتبته بحسب الجعل متأخّرة عن الظّن الّذى يمكن ان يقوم مقامه عند فقده و الّا فمع فرض طريقين معتبرين و ظنّين خاصّين و تساوى مرتبتهما لا ترجيح لاحدهما على الآخر حتّى يكون أصلا و الأخر فرعا و أمّا الظّن الموضوعى باقسامه فهو مشارك مع القطع كذلك بما ذكر له من الاحكام ثمّ إنّ طريقيّة الظّن انّما هى بالنّسبة الى الحكم الواقعى المجعول للشّي‏ء بما هو هو فى الواقع و يسمّى حكما ظاهريّا من جهة ما عرفت من كون طريقيّة ناقصة و لا بدّ فى اعتباره من دليل فالظّن الّذى هو طريق بدليل اعتباره الى حكم متعلّقه يكون موضوعا دائما بالنّسبة الى الحكم الظّاهرى و موضوعيّته الّتى قسيم لطريقيّة انّما هى كموضوعيّة العلم ايضا تكون بالنّسبة الى الحكم الواقعى لكن بمعنى كون الحكم الواقعى مجعول للشّي‏ء المظنون هذا كلّه فى القطع و الظّن و امّا الشّك فهل يمكن اعتبار الطريقيّة فيه قيل لا و انّه يمتنع جريانها فيه فهو على عكس القطع حيث لا يمكن ان يحكم بعدم اعتباره طريقا لخلو الشّك عن جهة الكشف و ان امكن حكم الشّارع تعبّدا بالبناء على احد الاحتمالين كما هو الواقع فى جميع موارد الأصول لكنّه ليس من طريقيّة الشّك فى شي‏ء و من ذلك يظهر عدم جريان القسم الاوّل من الموضوعى و هو اخذه فى الموضوع على وجه الطريقيّة ايضا و لكنّ الصّواب هو وجود جهة الكشف و الطريقيّة فيه ايضا لما نرى من انّه لو انسدّ باب العلم و الظّن و العياذ باللّه و بقى الاحكام مشكوكة كان الشّك عند ذلك طريقا بمعنى لزوم الأخذ باحد طرفى الشّك على وجه التّخيير و لا يجوز الرّجوع الى غيرهما ضرورة انّ الموافقة الاحتماليّة اولى من المخالفة القطعيّة و قد صرّح المصنّف ره بهذا فى موارد منها فى ذيل الوجه الثّانى من الوجوه المذكورة لاثبات المقدّمة الثّانية من مقدّمات دليل الانسداد حيث يقول بل الأنصاف انّه لو فرض و العياذ باللّه فقد الظّن المطلق فى معظم الاحكام كان الواجب الرّجوع الى الامتثال الاحتمالى بالتزام ما لا يقطع معه بطرح الاحكام الواقعيّة انتهى و البناء على احد الاحتمالين قاعدة عقليّة يجرى فى جميع مسائل الشّكوك الّا اذ اقام دليل على خلافه كما عيّن الشّارع فى بعض‏

43

شكوك الركعات بالبناء على خصوص الاكثر و حكم فى باب الاستصحاب بالبناء على الاقلّ و ذلك لحكمة و هى بقاء الصّلاة مصونة عن تطرّق الخلل اليها من جهة الزّيادة و النّقصان فانّه كما حكم بالبناء على الاكثر حكم بصلاة الاحتياط ايضا فالبناء على الاكثر لصون الصّلاة عن الزيادة و الجبر بصلاة الاحتياط لصونها عن النّقيصة إلّا ان يقال انّ الشّك لو امكن اعتباره لزم التّرجيح من غير مرجّح اذ لا نعنى باعتباره الّا انّ الشّى‏ء بمجرّد كونه مشكوكا يحكم فيه باحد طرفى الشّك و هو المراد من اللّازم كما لا يخفى الّا انّ المكلّف فى حالة الشّك لا يخفى عن احد الاصول الأربعة من البراءة و الاشتغال و الاستصحاب و التّخيير بحسب اختلاف احواله من الشّك فى التّكليف او المكلّف به او وجود الحالة السّابقة و ليس ذلك من جهة اعتبار الشّك بل هو موضوع لتلك الأحكام و اللّه تعالى هو العام و أمّا أخذ الشّك فى الموضوع من حيث كونه صفة من الصّفات من غير ان يلاحظ فيه جهة الطريقيّة فلا اشكال فى جوازه ضرورة كون الشّك كالعلم و الظّن من حيث كونه وصفا من اوصاف المكلّف إلّا انّ ذلك مجرّد فرض و لم نجد ثبوت حكم واقعىّ معلّق على الشّك بان يكون الحكم واقعا تابعا للشكّ و مع عدمه لا يكون حكم فى الواقع و امّا الأصول و القواعد الّتى يكون الشّك مأخوذا فى موضوعاتها فهى احكام ظاهريّة و ليست من الحكم الواقعى الاوّلى نعم قد وقع فى الشّرع ما تعلّق الحكم الواقعى بعنوان ينطبق على الشّك كالإفطار فى الصوم المعلّق على الخوف و كعدم العلم بكون الشّى‏ء من الدين الماخوذ فى موضوع التشريع المحرّم‏

قوله (و الظّن المعتبر طريق بجعل الشّارع)

قد علمت انّ حجيّة الظّن و اعتباره قد يكون من دليل عقلىّ و ذلك على تقدير تماميّة دليل الانسداد و كون النّتيجة حكومة العقل بحجيّته الّا ان يقال انّ معنى حجيّة الظّن فى نتيجة دليل الانسداد على تقدير الحكومة هو حكم العقل بكفاية الامتثال الظنّى فى تفريغ الذّمة عن التّكاليف المعلومة بالإجمال و الخروج عن عهدتها لا حجيّته فى طريق احرازها و اثباتها فالحكم العقلى واقع فى مقام الامتثال لا فى طريق الأثبات فتامّل او يقال انّ المصنّف ره أراد من الشّارع الاعمّ من الشّارع الظاهرىّ و الباطنى فيعمّ العقل ايضا الّا انّه خلاف الظّاهر أو يقال انّه اورد الكلام على مختاره من عدم تماميّة دليل الانسداد و عدم حجيّة مطلق الظّن‏

قوله (الّا انّ الظّن ايضا قد يؤخذ طريقا مجعولا الى متعلّقه الخ)

لا يخلو العبارة من تشويش و ما يمكن ان يقال فى المراد منها انّه قد عرفت كون الظّن الطريقى جامعا لاعتبارين فانّه لا بدّ و ان يؤخذ فى موضوع الحكم الظّاهرى و يكون وسطا لاثبات حكم متعلّقه فهو من حيث انّه طريق الى حكم متعلّقه يكون طريقيّا و من حيث انّه مأخوذ فى الحكم الظاهرى يكون موضوعا له فالظنّ امّا طريقى و امّا موضوعى و الاوّل على قسمين لانّ المأخوذ طريقا مجعولا الى متعلّقه اذا طابق المواقع كان موضوعا للحكم الظاهرى على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه و اذا خالفه كان موضوعا للحكم الظّاهرى على وجه الطريقيّة لحكم آخر يخالف لحكم متعلّقه و الموضوعى هو ما يؤخذ موضوعا للحكم الواقعى بحيث يكون الحكم الواقعى منوطا به و قد اخذ لا على‏

44

وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه او لحكم آخر و لا يطلق عليه الحجّة باصطلاح الأصولى كما يمكن ان يقال فى المراد منها إنّ الظّن قد يؤخذ طريقا مجعولا الى متعلّقه فهو حجّة شرعيّة لاثبات متعلّقه و واقع فى طريق احرازه و كشفه سواء أخذ موضوعا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه ايضا أو اخذ هذا الظّن موضوعا على وجه الطريقيّة لحكم آخر بشرط ان لا يكون مضادّ الحكم متعلّقه و لا مماثلا له و المقصود هو اخذه طريقا صرفا بالنّسبة الى متعلّقه فى الصّورتين و على المعنى الثّانى يجي‏ء الأشكال المتقدّم فى اخذ القطع موضوعا على وجه الطريقيّة و قد يؤخذ موضوعا صرفا لا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه او لحكم آخر و هذا كما مثّلنا بما اذا قيل ان ظننت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدّق بكذا و يمكن ان يؤخذ الظّن موضوعا لحكم مماثل لحكم متعلّقه من دون ان يكون طريقا الى متعلّقه و حجّة لاثباته فمع مصادفة الظّن للواقع يتاكّد الحكمان و ليس من باب اجتماع المثلين لانّ الموضوعين متغايران و يكون من قبيل تعلّق النّذر بالواجب و مع عدمها فلا اشكال ايضا لما عرفت سابقا من امكان كون حكم الشّى‏ء واقعا و حكمه مظنونا مختلفين و من هنا يعلم انّه لا اشكال فيما لا يكون طريقا الى متعلّقه ان يؤخذ موضوعا لحكم يضادّ حكم متعلّقه لانّ الموضوعين متغايران و مرتبة الحكم الظاهرى محفوظة للظنّ و امّا اذا اخذ الظّن طريقا مجعولا الى متعلّقه فلا يمكن ان يؤخذ موضوعا لحكم يماثل حكم المتعلّق او يضادّه لاجتماع المثلين او الضّدين فتدبّر و راجع ما اسلفناه‏

[و ينبغى التنبيه على امور]

[الاول: هل القطع حجة سواء صادف الواقع ام لم يصادف‏]

قوله (لكنّ الكلام فى انّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشّارع و ان كان مخالفا للواقع)

ينبغى تقديم أمور الأوّل انّ ظاهر هذه العبارة يخالف ما تقدّم منه ره فإنّه ذكر انّ القطع حجّة و حجيّة ذاتيّة بحيث لا يمكن للشّارع التصرّف فيها نفيا و اثباتا و ظاهر التّعبير هنا جواز تصرّف الشارع فى حجيّة و ما قيل فى توجيه العبارة وجوه الأوّل انّ الكلام فى السابق يكون فى القطع المطابق للواقع و هنا فيما خالفه و فيه انّ من الواضح كون الكلام فى السّابق اعمّ من المطابق و المخالف مع انّ القاطع لا يراه الّا مطابقا فلا يمكن للشّارع التصرّف فيه نفيا و إثباتا الثاني انّ الكلام فى السّابق يكون فى الوجوب العقلى و هنا فى الوجوب الشرعىّ و فيه انّه قد صرّح فى السّابق بانّه لا يجوز للشارع ان ينهى عن العمل به فكلامه فى السّابق كان من حيث الوجوب الشرعى ايضا الثالث أنّ الكلام هناك كان فى وجوب العمل بالقطع و هنا يكون فى الحسن و القبح بحيث يكون مقطوع الخمريّة قبيحا و ان لم يكن خمرا فى الواقع و فيه انّ وقوع الكلام فى التجرّى من حيث الحسن و القبح و المدح و الذّم و الثّواب و العقاب على ما ستطّلع على تفصيله لا مساس له بهذا الاشكال فانّ الاشكال هو تنافى ظاهر العبارة حيث يقول لكنّ الكلام فى انّ قطعه هذا إلخ و كذا ما سيجي‏ء فى المتن حيث يقول لكن لا يجدى فى كون الفعل محرّما شرعا مع ما تقدّم من كون القطع حجّة ذاتيّة و انّه طريق الى متعلّقه فيترتّب عليه احكام متعلّقه و لا يجوز للشّارع ان ينهى عن العمل به و بالجملة لا اشكال فى وقوع النّزاع‏

45

فى صيرورة ما لم يكن حراما او واجبا بسبب تعلّق القطع به حراما و واجبا واقعا و عدمها و كذا فى استحقاق العقوبة و عدمه على فعل ما قطع باستحقاقه و كيف يتصوّر هذا النّزاع مع قطعه بكون الفعل واجبا او حراما و استحقاق العقوبة على المخالفة و الحال انّ قطعه حجّة الرّابع و هو الصّواب فى توجيه العبارة انّ النّزاع ليس فى تكليف القاطع بحسب اعتقاده فانّه يرى نفسه مستحقّا للعقاب و لا يحتمل عدمه و لا يمكن للشّارع التصرّف فى قطعه بل النّزاع فيما هو الثّابت واقعا فمعنى العبارة انّ المقطوع به هل يصير كاحد المحرّمات بحيث يكون مقطوع الخمريّة حراما واقعا كالخمر الواقعى أم لا و بعبارة اخرى النّزاع انّما هو فى مؤاخذة الشّارع المكلّف على مقتضى قطعه و عدمها الثّاني انّ الكلام فى التجرّى و تعلّق القطع بايجاب ما ليس بواجب فى الواقع او تحريم ما ليس بحرام كذلك ان وقع فى انّه هل يوجب ذلك استحقاق العقوبة على المخالفة و استحقاق المثوبة على الموافقة كما انّه كذلك فى صورة تعلّقه بالايجاب و التّحريم الواقعيّين أم لا فالمسألة كلاميّة و ان وقع فى انّه هل يوجب ذلك اتّصاف فعل ما قطع بوجوبه او بحرمته بالتّحسين و التقبيح العقليّين لكى يستتبع ذلك الاتّصاف بالوجوب و الحرمة الشرعيّين أم لا فالمسألة اصوليّة عقليّة و ان وقع فى انّه هل يحكم بالوجوب شرعا و الحرمة كذلك ام لا فالمسألة فقهيّة و ظاهر المصنّف تقرير النّزاع على هذا الوجه و قد صرّح به فى مقام الردّ على كون الذّم على الفعل المتجرّى به بقوله و الحاصل انّ الكلام فى كون هذا الفعل الغير المنهىّ عنه واقعا الخ الثّالث أنّ النّزاع انّما هو فى القطع الطريقى و ما هو جزء للموضوع بحيث يكون الحكم محمولا على الواقع بشرط اتّصافه بالقطع و امّا القطع الموضوعى الصّرف اى الّذى يكون تمام الموضوع فليس محلّا للكلام اذ لا واقع ح غير قطعه حتّى يكون القطع مخالفا له او موافقا

قوله (ظاهر كلماتهم فى بعض المقامات الاتّفاق الخ)

الأقوال او الوجوه فى هذه المسألة خمسة الاوّل هو الحرمة و نسب هذا الى المشهور الثاني عدم الحرمة و استقرب هذا سيّد مشايخنا فى المفاتيح الثالث التفصيل الآتى عن صاحب الفصول الرّابع التوقّف بناء على انّه قول فى المسألة و حكى هذا القول عن العلّامة فى النّهاية و شيخنا البهائى عليهما الرّحمة الخامس التفصيل بين ما اذا استمرّ القطع او الظّن و لم ينكشف مخالفتهما للواقع و ما لو انكشف مخالفتهما فيستحقّ العقاب فى الاوّل دون الثانى و نسب هذا القول الى العلّامة فى التّذكرة و الحقّ عدم الحرمة مط لعدم الدّليل عليها بل الدّليل على عدمها فهنا مقامان الأوّل فى بطلان ادلّة القائلين بالحرمة و الثّانى فى بيان الأدلّة على عدمها و أدلّة القائلين بالحرمة وجوه‏ الاوّل‏ دعوى الإجماع فى مسئلة ظانّ ضيق الوقت على العصيان و ان انكشف بقاء الوقت و التّعبير بالظّن من باب ادنى فردى الرجحان و كذا دعوى عدم الخلاف فى انّ سلوك الطريق المظنون الخطر او مقطوعه معصيته يجب اتمام الصّلاة فيه و لو بعد انكشاف عدم الضّرر فيه‏ الثانى‏ بناء العقلاء على استحقاق العقاب و المؤاخذة الثالث‏ حكم العقل بقبح التجرّى‏ الرّابع‏

46

حكمه ايضا من حيث الترديد و الدّوران كما فى المتن بانّا اذا فرضنا شخصين قاطعين بان قطع احدهما بكون مائع معيّن خمرا و قطع الأخر بكون مائع آخر خمرا الخ ما فى المتن‏ و الجواب‏ امّا عن الاجماع فبأنّ المحصّل منه غير حاصل و كيف يتحقّق الحدس و الكشف مع مخالفة جمع من الاعلام و المنقول منه غير حجّة و على فرض تحقّق الاجماع لا يثمر لأنّ المسألة عقليّة و الاتّفاق فيها لا يستلزم الحدس و الكشف على رأى المعصوم (ع) كما هو المقرّر فى محلّه و ان علم فى صورة اتّفاق جميع العقلاء على امر بحكم المعصوم ايضا الّا انّ استكشاف ذلك ح من حيث كونه رئيسهم لا من حيث كونه شارعا و مبيّنا فالحجّة ح هى حكم العقل و على اىّ حال فحيث انّ المسألة عقليّة يكون الاستكشاف مع اتّفاق الكلّ حاصلا من دون ريب و لكن اين هذا من الاجماع فى المسألة الفرعيّة الّذى يكتفى فيه باتّفاق الجلّ و يستكشف منه حكم الشّرع و امّا عن بناء العقلاء فبأنّه لو سلّم فانّما هو على مذمّة الشّخص من حيث انّ هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشّقاوة فيه لا عن نفس فعله و من هنا يظهر الجواب عن حكم العقل فانّ حكمه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل و امّا عن حكم العقل بطريق الدّوران فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع لانّه عصى اختيارا دون من لم يصادف لا من حيث المصادفة و عدمها و ذلك لا يستلزم اناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار فانّ المسلّم من حكم العقل و من اتّفاق الكلّ هو عدم ايجاب الفعل الغير الاختيارى للعقاب لكن ايجابه لدفع استحقاق العقاب ممّا لا يمنعه العقل و يشهد به النّقل كالاخبار الواردة فى سنّ السنّة الحسنة و السّيئة فإن قلت إنّ هذه الأخبار لا تشهد لما ذكرتم بل كثرة العامل بالسنّة السّيئة لا تكون اختياريّة و هى تدلّ على انّها سبب لكثرة عقاب من سنّها و هذه الاخبار مخالفة ايضا لكتاب اللّه عزّ و جلّ حيث يقول‏ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏* فلا بدّ من طرحه و كذا ما ذكره المصنّف ره من انّه قد اشتهر انّ للمصيب أجرين و للمخطئ اجر واحد ليس فيها شهادة على ما افاده بل لعلّه يشهد على خلاف ما ذكره بالتّلازم فانّه يدلّ على استحقاق المنقاد للأجر و الثّواب و ان كان مخطئا و من الواضح انّ الأجر حينئذ ليس الّا للانقياد و يدلّ بالملازمة على استحقاق المتجرّى للعقاب و اسناد الجملة الى الشّهرة يشعر بعدم ثبوت نصّ فى ذلك قلت ثبوت العقاب على المعصية قد يكون لايجادها بالمباشرة و قد يكون لايجادها بالتّسبيب و امّا ما ذكر من الملازمة بين الثّواب و العقاب فممنوع جدّا لانّ الثّواب قد يكون بالتّفضّل و العقاب لا يكون الّا بالاستحقاق فثبوت الثّواب للانقياد لا يستلزم العقاب للتّجرى ثمّ انّه يمكن ان يقال فى الجواب عن حكم العقل بالدوران بعد فرض عدم اناطة استحقاق العقاب و عدمه بامر غير اختيارى انّ عقاب من صادف قطعه الواقع لا يكون الّا بالاختيار لانّه شرب الخمر مع القصد و الاعتقاد بانّه خمر بخلاف من شرب الماء مثلا باعتقاد انّه خمر فانّه لم يفعل فعلا اختياريّا امّا

47

شرب الماء فلعدم ارادته و قصده و امّا شرب الخمر فلعدم كونه خمرا فما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد فلو كان مع ذلك مستحقّا للعقاب لكان امّا لأمر غير اختيارى و امّا لنيّة المعصية و الاوّل باطل و سيجي‏ء الكلام فى الثّانى فان قلت كيف يمكنكم القول بانّ عقاب من صادف قطعه الواقع لا يكون الّا بالاختيار مع انّ المصادفة للواقع لا يكون بالاختيار و لعلّ هذا هو مراد المستدلّ حيث يقول مستلزم لاناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار قلت إن اريد ذلك بالنّسبة الى فعل الفاعل فهو غير صحيح لوضوح انّ من شرب شيئا باعتقاد انّه خمر و كان خمرا فهو مختار فى فعله و متعلّق التّكليف هو الفعل الصّادر عن ارادة و ان اريد بالنّسبة الى مصادفة الواقع بمعنى انّ موافقة قطعه و اعتقاده للواقع امر خارج عن اختيار الفاعل فهو مسلّم الّا انّ العقاب لا يتوقّف على كون جميع مقدّمات الفعل اختياريّا فانّ صدور فعل كذلك غير مقدور الّا للّه سبحانه لوضوح انّ وجود الفاعل من المقدّمات و هو غير مختار فى وجوده‏ و قد يستدلّ لحرمة التجرّى‏

او لاستحقاق العقاب بوجوه أخر منها انّ الاحكام الصّادرة من الشّارع و الخطابات الاوّلية متوجّهة الى من صادف قطعه الواقع و من أخطأ و خالف الواقع و ذلك لانّ التّكليف لا بدّ و ان يتعلّق بما هو مقدور للمكلّف و المقدور هو الاختيار و حركة الارادة و الانبعاث نحو الفعل فالتّكليف و ان تعلّق فى ظاهر الدليل بشرب الخمر مثلا و المفروض انّه بنفسه متعلّق للتّكليف من دون اخذ العلم او الجهل به قيدا فيه الّا انّه بوجوده الواقعى ليس متعلّقا قطعا بل المتعلّق هو الانبعاث و حركة الارادة نحو شرب الخمر و هذا الانبعاث لا يحصل الّا بعد العلم بالموضوع الواقعى فالعلم و ان كان طريقا بالنّسبة الى ذلك الموضوع الواقعى الّا انّه يكون موضوعا بالنّسبة الى الاختيار و الانبعاث فمتعلّق التّكليف هو الانبعاث الصّادر عن العلم بالموضوع و هذا حاصل فى صورتى المصادفة و عدمها لما عرفت من انّ التّكليف فى لا تشرب الخمر مثلا فى الحقيقة ليس الّا تكليفا بالامر المقدور و هو الانبعاث و الاختيار الجامع للصّورتين فمرجع القضيّة الى انّه لا تنبعث و لا تشرب ما تعتقد انّه خمر و لعلّ مراد المستدلّ بالدليل العقلى على وجه الترديد الّذى قد تقدّم هو ذلك و على هذا التقرير يكون المتجرّى عاصيا حقيقة و الجواب‏ انّ هذا مبنىّ على دعويين‏ الاولى‏ اخذ الاختيار و نفس الارادة نحو ما علم انّه خمر متعلّقا للتّكليف‏ و الثّانية

اخذ العلم الّذى هو طريق الى الموضوع الواقعى على وجه الصّفتيّة بالنّسبة الى الإرادة و منعهما بمكان من الوضوح‏ امّا الاولى‏ فلانّ اشتراط القدرة فى متعلّق التّكليف امر معلوم و لكن لا يلزم منه صرف التّكليف الى الارادة بل المتعلّق كما هو ظاهر القضيّة المفروضة هو نفس الفعل و شرب الخمر المقيّد بكونه صادرا عن اختيار و ارادة و امّا الثانية فلانّ بعد فرض كون العلم طريقا الى الموضوع الواقعى و انّ الحكم محمول عليه من دون اخذ العلم او الجهل به قيدا فيه يمتنع اخذه على وجه الصفتيّة فى الإرادة و هل هذا الّا

48

تناقض بيّن و ما ذكره من انّ الانبعاث لا يحصل الّا بعد العلم بالموضوع الواقعى لا اشكال فيه لوضوح انّ العلم بالموضوع واقع فى سلسلة مقدّمات الإرادة و اختيار الفعل الّا انّ هذا لا يخرجه عن الطريقيّة للواقع و لا يصيّره موضوعا على وجه الصفتيّة فى الإرادة و هذا واضح جدّا و بالجملة فبطلان احدى الدعويين كاف فى دفع هذا الوجه فكيف و بطلانهما معا فى غاية الوضوح‏ و منها انّ حسن الفعل و قبحه الموجب لتشريع الحكم كما يلحقان الفعل لجهات لا حقة به مقتضية لهما بشرط العلم كذلك قد يلحقان الفعل بمجرّد العلم فانّ القبيح قد يحسن لعلم الفاعل بحسنه و الحسن قد يقبح لعلم الفاعل بقبحه فصفة تعلّق العلم بشي‏ء تكون من الصّفات و العناوين الطّارية على ذلك الشّى‏ء و المغيّرة لجهة حسنه و قبحه فالقطع بخمريّة ماء مثلا موجب لحدوث مفسدة فى شربه تقتضى قبحه فيكون الفعل قبيحا و كذلك القطع بوجوب شي‏ء موجب لحدوث مصلحة فيه تقتضى حسنه فيكون الفعل حسنا و يستتبع بقاعدة التّلازم الحكم الشّرعى بوجوب الفعل او حرمته بلحاظ القطع به وجوبا او تحريما و الدّليل‏ على ذلك هو الرّجوع الى الوجدان فانّ الإنسان يرى نفسه اذا كان عبد المولى او كان له عبد مستحقّا للذّم و المؤاخذة من المولى او من عبده فيما تجرّى به على سيّده او تجرّى به عبده و يرى هذا الاستحقاق كالاستحقاق فى المخالفة القطعيّة و يتّضح ذلك ايضا من ملاحظة القاطع المنقاد فانّا نرى انّ مقابلته بالاحسان و المدح ليست كالإحسان و المدح بالنّسبة الى من لم يفعل شيئا حتّى يكون لمجرّد التّفضّل ففى المتجرّى مثله‏ و على هذا التّقرير

ايضا يكون المتجرّى عاصيا حقيقة و الجواب‏ اوّلا انّ الفعل الّذى حصل التجرّى و الانقياد به لا يكاد يتفاوت حاله حسنا و قبحا عمّا هو عليه واقعا و العلم الطريقى المتعلّق بالفعل لا يؤثّر فيه بان يوجب حرمة ما ليس بحرام او وجوب ما ليس بواجب فى الواقع و لا يغيّر صفة الفعل و ان قلنا انّ الحسن و القبح يعرضان له بالوجوه و الاعتبارات لبداهة ان ليس كلّ وجه و اعتبار يغيّر صفة الفعل و التّامّل الصادق شاهد بما قلنا و حال العلم الطريقى بالنّسبة الى الفعل كحال البصر فى المبصرات فكما انّه لا يؤثّر فيها فكذلك العلم لا يؤثّر فى المعلوم و لا يغيّره عمّا هو عليه من المصلحة و المفسدة و ليس من قبيل الضّرر و النفع العارضين على الصّدق و الكذب و المغيّرين لجهة الحسن و القبح و العلم بخمريّة ماء لا يوجب انقلابه عمّا هو عليه و صيرورته قبيحا فالحسن و القبح الملاكان للحكم العقلى لا يكاد يوجدان فى الشّى‏ء بسبب تعلّق القطع به و كذا المحبوبيّة و المبغوضيّة للمولى فكلّ فعل هو محبوب للمولى لا يصيّره العلم بمبغوضيّة مبغوضا و ما هو مبغوض له لا يصيّره العلم بمحبوبيّة محبوبا أ ترى انّ القطع بكون ابن المولى عدوّه يوجب محبوبيّة قتله او كون عدوّه ابنا له يوجب مبغوضيّة قتله‏ و ثانيا

لو سلّمنا انّ العلم بخمريّة الماء يوجب انقلابه عمّا هو عليه نقول انّ الفعل كيف يحرم او يجب شرعا بلحاظ القطع به وجوبا او تحريما و كيف يصحّ توجيه الخطاب بهذا العنوان و ذلك لا لمكان انّ العلم لا

49

يكون ملتفتا اليه غالبا و الفاعل لا يشرب الخمر بعنوان انّه معلوم الخمريّة بل بعنوان انّه خمر حتّى يمنع بانّ الالتفات الى العلم من اتمّ الالتفاتات بل هو عين الالتفات و لا يحتاج الى التفات آخر فهذا لا يصلح ان يكون مانعا عن توجيه الخطاب بل لأنّ هذا الخطاب لا يكون داعيا للمكلّف بالامتثال فيكون لغوا حيث انّ داعيه يحصل بنفس القطع فيكون حاله حال اوامر الإطاعة و ثالثا انّ الخطاب المتوجّه باعتبار العلم ان كان نفس الخطاب الثّابت للمتعلّق فهو خلف و ان كان حكما آخر مماثلا لذلك الحكم لزم اجتماع المثلين فى نظر القاطع دائما لانّ موضوع الحكمين بنظره امر واحد و ليس من قبيل عنوانين واجبين او محرّمين يكون النّسبة بينهما عموم من وجه و كلّ منهما يصلح للبعث فى مادّة الافتراق من جانبه و قد طريا على موضوع واحد فلو كان للخمر حكم و لمعلوم الخمريّة ايضا حكم و علم بخمريّة شي‏ء قطع بثبوت الحكم و الحرمة الثابتة لذات المتعلّق و يكون الحكم الأخر الثابت لمعلوم الخمريّة لغوا عنده اذ ليس له مورد افتراق يصحّ بلحاظه طروّ الحكم و هذا واضح‏ و منها انّه لا اشكال و لا خلاف فى باب التجرّى فى مذمّة الفاعل من حيث كشف فعله و اتيانه بما يعتقد كونه مبغوضا للمولى عن وجود صفة الشّقاوة فيه و هذا ممّا يحكم به العقل الصّريح بل نرى بناء العقلاء على مذمّتهم للعبد الّذى علموا من حاله انّه لا يأبى عن معصية المولى و ان لم يصدر منه فعل فى الخارج و يتّضح هذا من ظهور مذمّتهم و تقبيحهم لمن عرفوا من حاله انّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله و ح فنقول انّ مذمّة الفاعل و تقبيحه انّما هى من حيث تجرّيه الكاشف عن سوء سريرته فالتجرّى قبيح و لو من تلك الحيثيّة المذكورة لانّه يصدق على الفعل فالفعل يتّصف بالحرمة و المبغوضيّة من جهة اتّحاده مع العنوان القبيح و المبغوض و بالجملة لا نقول باتّصاف الفعل بالقبح و الحرمة من جهة تعلّق العلم به حتّى يمنع من كون العلم بالحرمة مؤثّرا فيها بل نقول بعد تسليم انّ الحسن و القبح يعرضان الفعل بالوجوه و الاعتبارات انّ التّجرى و ان كان قبيحا من جهة كشفه عن خبث باطن صاحبه فهو من الحالات و الأوصاف الّا انّه يكون من مقولة الفعل ايضا فانّه من العناوين الّتى تصدق على الفعل الصّادر و ينطبق عليه فالفعل المتجرّى به حرام و مبغوض لا من حيث هو هو بل من حيث انطباق التجرّى عليه نعم لو كان من الحالات و الاوصاف الصّرفة و لم يكن من العناوين الصّادقة على الفعل ايضا لم يكن وجه لايجاب قبحه تحريم الفعل و لكنّ الإنصاف يشهد بخلافه و بصدقه عليه و ان كان يظهر من المصنّف ره كما ستسمعه بعد هذا التّرديد فى ذلك حيث يقول لا اشكال فى استحقاقه الذّم من جهة انكشاف خبث باطنه و سوء سريرته بذلك و امّا استحقاقه للذّم من حيث الفعل المتجرّى فى ضمنه ففيه اشكال هو على هذا التّقرير ايضا يكون المتجرّى عاصيا حقيقة و الجواب‏ اوّلا المنع عن تأثير التجرّى الّذى هو من الصّفات و الحالات و كاشف عن خبث الفاعل و سوء سريرته فى الفعل شيئا من المذمّة و القبح فهو من الصّفات الصرفة و الوجدان اقوى شاهد بذلك‏

50

و ثانيا لو سلّمنا كونه من مقولة الفعل و انّه قبيح ايضا فنمنع من كونه مستلزما لتوجيه الخطاب الى المكلّف و حرمته شرعا و ذلك لوضوح انّ الفعل و متعلّق التّكليف فعلا او تركا بما له من الجهة و العنوان لا بدّ ان يكون اختياريّا للمكلّف و يكون قادرا على الاطاعة و العصيان و العنوان الحاصل هنا ليس من هذا القبيل لانّ الشّخص المتجرّى انّما يقصد نفس الفعل لا الفعل بعنوان التجرّى فالمأتىّ به اختيارا انّما هو ذات الفعل الّذى لم يكن متعلّقا للخطاب لا الفعل بهذا العنوان فالفعل المأتيّ به من شخص المتجرّى و ما هو المتجرّى به اختيارىّ له بذاته لا بما هو حرام و ما يكون حراما غير اختيارىّ له و ليس بمأتىّ به اختيارا و ثالثا

يمتنع توجيه الخطاب الى الآتي بقصد الحرام الغير المطابق للواقع بعنوان التجرّى او القاطع المخالف قطعه للواقع لانّه غير ملتفت الى هذا العنوان فانّه لا يحتمل خلاف ما قطع به ليشعر بالحكم بما له من العنوان و بالالتفات يخرج عن كونه متجرّيا و رابعا انّ قبح الفعل من حيث كشفه عن شقاوة الفاعل ليس مختصّا بمن خالف قطعه الواقع بل يعمّ صورتى المصادفة و عدمها و عليه فاللّازم توجيه الخطاب على نحو يعمّ كلتا الصّورتين فان كان هو الخطاب الواقعى المتعلّق بذات الخمر لزم شموله لغيره ايضا و هو محال و ان كان خطابا آخر لزم اجتماع حكمين متماثلين فى نظر القاطع على ما عرفت‏ و منها انّ‏ القطع كما يكون علّة تامّة لاستحقاق الثّواب و العقاب فى صورة الموافقة يكون كذلك فى صورة المخالفة فلو قطع بحرمة الخمر و شرب ما اعتقده خمرا كان مستحقّا للذّم و العقوبة فنفس مخالفة القطع و موافقته علّة لاستحقاق العقوبة و المثوبة و صحّتهما و لو لم يطابق الواقع فالمناط فى حكم العقل باستحقاق العاصى للعقاب موجود فى المتجرّى و ذلك من جهة انّ للعلم فى باب الاحكام العقليّة جهة موضوعيّة بل هو تمام الموضوع فى المستقلّات العقليّة من غير فرق بين الحكم العقلى الواقع فى سلسلة علل الاحكام و مناطاتها الرّاجع الى باب التّحسين و التقبيح و عليه يبتنى قاعدة الملازمة و الحكم العقلى الواقع فى سلسلة معلولات الاحكام الرّاجع الى باب الاطاعة و المعصية و ما يتفرّع عليهما من الثّواب و العقاب و من ذلك حكمه بقبح المعصية فانّه لا يحكم بذلك الّا بعد العلم بالحكم الشّرعى و لا يمكن اعتبار خصوص العلم المصادف للواقع فانّ المصادفة و عدمها ليست من الامور الاختياريّة و ان شئت قلت إنّ المناط فى حكم العقل باستحقاق العقاب هو جهة المبغوضيّة الفاعليّة الناشية عن علم المكلّف بالمعصية و اتيانه بالفعل الّذى يعلم بكونه مبغوضا للمولى من دون مدخليّة للواقع فى ذلك أصلا و على هذا التقرير يكون المتجرّى فى حكم العاصى من حيث استحقاق العقاب من دون حرمة للفعل الصّادر و الجواب‏

انّ مدخليّة العلم فى المستقلّات العقليّة ممّا لا ينكر الّا انّ المسلّم من ذلك فى باب الثّواب و العقاب فى التّكاليف الشرعيّة هو خصوص العلم المصادف للواقع لا العلم مطلقا و هذا الاختصاص ليس من باب التخصيص فى موضوع الحكم العقلى بل هو من باب التخصّص فانّ غير المصادف جهل و ليس‏