تشريح الأصول‏

- علي النهاوندي النجفي المزيد...
292 /
1

[هوية الكتاب‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه الّذى هدانا بتوفيق الى رجاء و فضّلنا بتوحيده على كافّة عبيده حمدا يقصر عن حده الاوهام و تحسر عن عدّة الأفهام و بعد فهذا كتاب‏ تشريح‏ الأصول الفائق بحسبه ساير مصنّفات الفحول سيّما بملاحظة ما قد حوى من وضوح العبارة و حسن البيان مع الإشارة الى ما يحتاج اليه من البرهان مقتصر فيه على الفكر الدّقيق فى بيان المعانى و التّحقيق موجز بالكلام واف بالنّقض و الابرام و لعمرى انّه فى كتب الاصول بمنزلة الرّبيع من الفصول فليبتهج به الطّالبون ابتهاج الصّادى بالماء الزّلال و المهجور اذا احتظى من حيث لا يحتسب بالوصال ممّا صنّفه العالم الفاضل المحقّق الكامل علّامة العالم و فخر نوع بنى آدم من ضرب فى الفضل بالقدح الافضل و حاز من الكمال القسط الاجزل من قصرت الافاضل عن الجرى فى ميدانه و نقص وزنهم عن اوزانه و ما هم منه الّا لمن اغترف من البحر بكفّه و اعترف بالتقصير و ان بولغ فى وصفه فهو مصداق هذه الأبيات الحسنة و اللّائق بهذه المقالة المستحسنة فقت كلّ الورى فكنت وحيدا فلوى خاضعا لك الدّهر جيدا لك فى فنك الأصول اساس هو باق مدى الزّمان جديدا اين من فضلك المبرّ و مشعرى و لئن قد بلغت فيه لبيدا اعنى صاحب الفضل الجلىّ الآخوند ملّا علىّ‏ النجفىّ مسكنا و النّهاوندى اصلا ادام اللّه تعالى له الوجود و ربط اطناب عزّه بثبات الخلود و كتب بيده الجانية جعفر ابن المرحوم السيّد محمّد باقر البحر العلوم الطّباطبائى و لقد حرّر و صحّح و طبع بمباشرة زبدة الأماثل و الاقران و عمدة التّجار الميرزا محمّد على‏ التّاجر الطّهرانى حفظه اللّه تعالى فى دار الخلافة طهران صانها اللّه عن آفات الدّوران فى شهر شعبان المعظّم من مشهور ستّة عشر و ثلاثمائة بعد الالف من الهجرة النّبويّة على هاجرها الف الف سلام و تحيّة اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و اغفر لبانى هذه النّسخة الشّريفة و لكاتبه و لوالدى كاتبه المذنب المجرم الخاطئ المسكين الذّليل الفقير الحقير المستجير و ارحم المسن استغفرك له بمحمّد و آله الطّاهرين‏

2

هذا كتاب تشريح الأصول للمولى الجلىّ الآخوند ملّا علىّ دام ظلّه‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و به نستعين‏

الحمد للّه المريد المدرك الكاره العليم الجاعل للاحكام فى محلّها بوفق العدل و الصّواب و بوفق صلاح العباد حمد لا يناله العدد و لا يبلغه الامد و اشهد ان لا إله الّا هو تعالى شأنه عما يقول الظّالمون علوّا كبيرا و ان محمّدا عبده و رسوله خير الرّسل و الصّلاة و السّلام عليه و آله لا سيّما اوصيائه المرضيّين و لا سيّما وصيته على بن ابى طالب صلاة و سلاما ما يرضى اللّه تعالى لهم و لا منتهى لهما و لعنة اللّه على اعدائهم و مخالفيهم و غاصبى حقوقهم و مبغضيهم و منكري فضائلهم من الاولين و الآخرين الى يوم الدّين‏ و بعد فيقول العبد المحتاج الراجى الى عفو ربّه الكريم على بن فتح اللّه النّهاوندى عفى اللّه عنهما انى لمّا رايت ان المسائل الاصوليّة فى هذا الزمان مطوّلة متشتّة مع كونها عند المتقدمين مجتمعة مختصرة و انها بلغت مبلغا لا ينال سيرها المعمرون و لا ينتهى احد مطالعتها بالتمام فضلا عن تحصيلها و التّدبر فيها و لا يتسلّط على تمامها بعد قرون الاوحدى من الطّلاب مع كثرتهم و علو فهمهم بحمد اللّه فى هذا الزمان و مع ذلك تزداد يوما فيوما كمّا و اشكالا و مع ذلك لو اتفقت بتوفيق اللّه لاحد الاحاطة عليها فهو حين وروده فى الفقه لا يعمل بها و لا يبقى له كثيرا الا متابعة الشهرة تقليدا او مع توجيه باحد من الامور التاييد بدليل ظنى غير معتبر او الاستيناس الذى فى الحقيقة هو القياس او ادعاء الذّوق او الاستشمام الذى يرجع اما الى الحدس و امّا الى العلم بكيفية اطّلاع الشّرع او العمل بالمناسبات و الكل خارج عن العمل بالبرهان و داخل فى عموم قوله تعالى‏ (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) و لا ينفعه تلك المسائل الاصوليّة التى بذل عمره فى تحصيلها و كذا رايت المتقدمين منّا شكر اللّه سعيهم بقليل من الزمان لقد انتهوا فى الاصول و الفقه الى غايتهما فتكفر فى مدّة مديدة و لم اجد غير الاحتياط الشاق فى عمل نفسى لان الطريقة فعلا فى استنباط الاحكام غير منتهية الى القطع الذى هو عذر و منشأ النّجاة فالتجأت بالأئمة

3

الاطهار (عليهم السلام) فى خروجى عن الحيرة الضّلالة فمن اللّه ببركتهم بالالتفات الى التامل فى مسئلة كلاميّة التى ورد عليها المتقدّمون و كانوا ماهرين فيها و جعلوها مبنى من مبانى الفقه و صارت سببا لتسهيل امرهم فى الاجتهاد و لحلّ مشكلات الفقه و الاصول و تركوها المتأخّرون وراء ظهورهم فرأيت بحمد اللّه بعد التامّل ان مذاهب العدلية منتظمة صحيحة تامّة و ان مناقشات المتأخّرين عليها غير واردة و ان طريق الاجتهاد على وجه يصير سببا للاعتذار و النجاة سهلا فى غاية السّهولة و ان ملكته لا يحتاج الى بذل العمر الطويل و ان المسائل الاصوليّة لا يحتاج الى هذا البسط المتداول المفتى لا عماد الطّلاب و ان معرفتها لهم ينجوهم من ذلّ التقليد عن قريب و تكثر المجتهدون فى كلّ زمان اكثر ممّا يجب كفاية فاحببت بعد امر بعض من اخوانى المؤمنين ان اجعلها من المسائل الاصوليّة و لابتناء عمدة هذه المسألة لو لم نقل كلّها عليه اجعلها مقدّمة للمقاصد فى الاصول فوفقنى اللّه لاتمام جهاتهما و جعلها ذخيرة و عدة لآخرتى (اللّهم اشرح لى صدرى و يسّر لى امرى و احلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى) و اعلم انا قد تعمّدنا فى طول الكلام مضافا الى سوء تحريرنا و قصور باعنا عن حسن البيان و عن اختصار البيان المفيد لاجل ان هاهنا فى هذه المطالب ارشاد المبتدى و هدايته فان كبار اهل العصر غير مانوسين بها فضلا عن المبتدى‏

مقدمة فيما يتعلق بالإرادة

مقدّمة فيما يتعلق بالارادة و فيها مطالب‏

المطلب الاول حقيقة الإرادة

الاوّل‏ فى بيان حقيقتها و اختلفوا فيها على اقوال ثلاثة الاول انها الاعتقاد بالنفع مطلقا و الثانى انها صفة نفسانيّة غير الاعتقاد مطلقا و هذا القول انما هو من الاشاعرة القائلين بامكان تعدد القديم و الثالث التفصيل بين ارادة اللّه و بين ارادة غيره فالاولى هى الاعتقاد بالنفع و الثانية صفة نفسانية غير الاعتقاد نعم على القول بانها الاعتقاد بالنفع قد تداول التعبير عن ارادة اللّه تعالى بالعلم بالاصلح و عن ارادة غيره بالاعتقاد بالنفع و وجه ذلك واضح لا بأس بالاشارة اليه لازدياد البصيرة و هو فى التعبير عن ارادته بالعلم و فى ارادة غيره بالاعتقاد ان العلم عبارة عن الاعتقاد الجازم الثابت المطابق و الاعتقاد اعم منه فان الاعتقاد اعم من العلم و من الجهل المركّب و من الظنّ و لا يمكن وقوعهما من اللّه تعالى‏

وجه الاول: التعبير عن ارادة اللّه بالعلم بالاصلح و عن ارادة غيره بالاعتقاد بالنفع‏

و امّا وجه التعبير بالصّلاح و العدول اليه عن التعبير بالنفع فهو انّ النفع هو العائد و الحاصل بالواسطة اعنى العلّة الغائيّة و اللّه تعالى شأنه قادر على جميع الممكنات بلا واسطة فلا غاية لافعاله بل كلّها فيض و فيها صلاح غيره و المرجّح لجميع افعاله هو صلاح الغير فلا مقدّمة له تعالى و لا غاية و لا مراقبة لحصول الغاية بل مناط ارادته فى جميع افعاله تعالى متحد لا ان البعض مقدمى و الآخر اصلى اذ بعد فرض القدرة على ذى المقدّمة تصير المقدّمة لغوا تعالى شانه عن ذلك فاذا صدر منه امورات بالواسطة تكشف عن مصلحة و صلاح فى الامورات المذكورة بمقدماتها و بالجملة اذا علمنا انه تعالى لا يريد و لا يفعل لغاية فنفس فعله صلاح لا انه ذو نفع و وجه التعبير بالاصلح فى حقه تعالى بصيغة التفضيل و هى الاصلح و فى غيره بالنفع لا الا نفع ان ترجيح المرجوح على الرّاجح قبيح يستحيل وقوعه منه تعالى و لا يستحيل فى حق غيره فلا يقع منه تعالى الّا الاصلح و اما غيره فيمكن فى حقّه اختيار الفعل الذى تركه انفع او بالعكس و كيف كان فالحقّ هو القول الاوّل من كونها اعتقاد النفع مط كما صرّح به المحقّق الطوسى ره فى موارد و الدليل على ذلك وجوه الّا انه لا بدّ من التّنبيه اوّلا على امر هو ان مراد القائلين بان الارادة

4

هى اعتقاد النفع ليس مطلق اعتقاد النفع بل هى اعتقاد النفع بعد صيرورة الشخص المعتقد مشرفا بالفعل النافع و مشغولا به و لو باعمال بعض مقدماته) (و توضيحه) (ان الاعتقاد بنفع فعل خاص او بنفع وجود شي‏ء خاص له اسماء باعتبار ملاحظة حال متعلّقه من الفعل او الشي‏ء المذكورين فتارة هما غير مقدورين فعلا و يستحيل تحقّقهما ايضا الى الأبد فاعتقاد نفعها يسمّى بالتمنّى و قد يكونان غير مقدورين فعلا الّا انّه يرجى حصولهما فيسمى بالترجى و للتكلّم فى ان تسمية الاعتقاد بالتمنّى و الترجى منوط بابرازهما و التعبير عنهما بلفظهما مقام آخر و لا يبعد الاناطة به و قد لا يكونان فعلا مقدورين و لا مقدماتهما فعلا مقدورة الا ان المعتقد سيصير قادرا عليهما من بعد و يفعلهما حين القدرة و هذا الاعتقاد فعلا اعنى قبل القدرة يسمّى بالعزم و قد يكونان فعلا مقدورين و يشتغل بهما و لو باعمال بعض مقدماتهما فيسمّى ارادة و قصدا و اختيارا و قد يسمى ايضا ببعض الاسماء بجهات أخر لا حاجة الى التعرض لها فالارادة على هذا القول هى الاعتقاد بالنفع مع كونه مؤثّرا فى اشراف المعتقد على الفعل المعتقد نفعه و اشتغاله به و لو باعمال بعض مقدّماته فان من اشتغل بالمقدّمة توصّلا الى ذيها فهو مريد لذيها و اعتقاد نفعه الباعثة الى مقدّمته يسمى ارادة فالارادة على ذلك صفة تحدث فى محلّها و هو العلم بعد الاشتغال بالفعل المراد و بملاحظة هذا الفعل و باعتباره فالاعتقاد يعنون بها بعد الشروع فى الفعل او مقدماته نظير الاقباض الذى يعنون به الاعطاء بعد قبض المعطى به و انظاره كثيرة و لما ذكرنا من ان الارادة عنوانها يحدث و يجي‏ء من قبل تحقق الفعل تعد من الصّفات الفعليّة نظير الخالقيّة و الرازقيّة اللتين يحدث عنوانهما بحدوث المخلوق و الارتزاق فعلى ذلك لا ضير فى حدوثها به تعالى و مغايرتها لذاته تعالى شانه و ان كان نفس علمه تعالى بالاصلح عين ذاته جل ذكره تعالى فاعتقاد النفع او العلم بالاصلح هو ذات الارادة و اتصافه بعنوانها و حدوث حقيقتها انما هو بواسطة صدور الفعل و كيف كان فالوجه الاول ممّا دلّ على ان الارادة هى اعتقاد النفع انما هو الوجدان فانا اذا رجعنا الى وجداننا لم نجد حين صدور الفعل غير اعتقادنا بنفعه شيئا آخر

الثانى: رد كون الارادة صفة نفسانية غير العلم و الاعتقاد

الثّانى‏ ان الارادة لو كانت صفة نفسانية غير العلم و الاعتقاد يلزم تغاير المعلولات و تمايزها مع عدم تمايز العلل بخلاف ما لو كانت اعتقاد النفع فان العلل ايضا تتغاير و تتمايز و بيان ذلك ان العلوم متغايرة و تغايرها بحسب تغاير المعلومات فالعلم بان اكل الخبز نافع و دافع للجوع غير العلم بان شرب الماء نافع و دافع للعطش و تغايرهما بتغاير المعلومين فيختلف معلولاتها فالأوّل يؤثر فى تحقق اكل الخبز و الثانى فى تحقق شرب الماء فالارادة بناء على انه اعتقاد النفع يكون ترتّب فعل على فرد منها دون ترتّبه على الآخر على وفق القاعدة و ليس ترجيحا له بلا مرجّح و اما اذا فرض انها صفة نفسانيّة غيره فلا مرجّح لصيرورة فرد منها مؤثر فى فعل دون فعل بل يلزم فى حصول فعل و تحقّقه حين حصول هذه الصّفة النفسانيّة المفروض كونها هى الارادة الترجيح بلا مرجّح فان قلت كما ان التغاير العلوم بتغاير المعلومات كذلك تغاير الارادات بناء على صفة نفسانية غيره انما هو بتغاير متعلقاتها قلت ليس معنى لتعلق الارادة الّا تاثيرها فى الفعل و تاثيرها فى فعل دون فعل يتوقف على تغاير بعضها مع بعض و تمايزها فلو كان تأثيرات هى التغاير و التمايز يلزم الدّور

الثالث: القدرة شرط فى تحقق الارادة

الثّالث‏ ان القدرة شرط لتحقّق الارادة بالاتفاق و بعبارة اخرى يشترط فى الارادة امكان المراد و يستحيل ارادة المحال فلو بنينا على انها هى الاعتقاد

5

بالنفع و لكنّه انما هو الارادة باعتبار تقيد هو اشرافه بالفعل و تاثيره فى الاشتغال فيصحّ الاشتراط المذكور لانّها منتزعة من امرين الاعتقاد و الفعل فتتوقّف عليهما فتتوقف على كون الفعل مقدورا و ممكنا و اما لو بنينا على انها صفة نفسانيّة غيره فلا معنى لاشتراطها على القدرة و لا يقال ان الاشتراط هى لغوية الارادة فى غير المقدور لانا نقول لا يعقل ملاحظة اللّغوية و عدمها فى الارادة فانها تابعة لصلاح المتعلق و لو كانت محتاجة الى ملاحظتها من حيث الصّلاح و الفساد يلزم التسلسل لاحتياجها الى ارادة اخرى و كذلك الارادة الثّانية و كذلك الثالثة و سيجي‏ء ذلك و لا يتوهّم تغاير اللّغوية و عدمها مع الصلاح و الفساد فان مشقة الفعل اللّاغى و هى الفساد و اللغويّة مرجحة للعدم لكون الفعل شاقا و تكلّفا غير منجبر بالفائدة و هذا هو الفساد

الرابع: لزوم المحال من فرض كون الارادة صفة نفسانية

الرّابع‏ ان الارادة لو كانت صفة نفسانية غيره يلزم المحال للزوم احد الوجوه اما حدوثها بلا علّة و امّا تعدد القدماء و اما التّسلسل و وجه لزوم احد الوجوه انها لو قلنا بحدوثها من غير احتياجها الى ارادة اخرى فهى حدوثها من غير العلّة و ان قلنا بقدمها تصيّر ثانى القديم تعالى و ان قلنا بانها تحتاج الى ارادة اخرى و هى ايضا الى ارادة اخرى و كذلك فهذا هو التسلسل فان قلت ان ارادة الشي‏ء مسبّبة عن العلم بصلاحه و هو علّتها و العلم بالصّلاح يحتاج الى العلّة فيلزم فيه التسلسل او حدوثه بلا علّة او تعدد القدماء فهو مشترك الورود على الكلّ‏

اقسام الموجودات‏

قلت توضيحا لدفع الشبهة الجبريّة ايضا ان الحركات و الافعال و كذلك الاشياء على اقسام‏

[الاول: الواجب القديم‏]

الاول انه الواجب القديم الذى يستحيل حدوثه و لا يحتاج الى علة و هو الوجود البسيط المعرّى عن غيره من الخصوصيّات و المميّزات و وجه قدمه و عدم احتياجه الى العلّة مع وضوحه هو انه لو فرض له علة امّا هو الوجود البسيط ايضا او المركب او العدم و الاوّل محال للزوم اجتماع المتناقضين فان اثنينيّة الوجود البسيط لا يمكن الّا بما به التمايز و الخصوصيات و هذا مستلزم للتركيب المتناقض للبساطة

[و الثانى: ايضا محال لان الوجود و المركب متأخر عن اجزائه فهو حادث‏]

و الثانى ايضا محال لان الوجود و المركب متأخر عن اجزائه فهو حادث محتاج الى العلّة و علّته لو فرض بسيطا يلزم المحال الاول من محالته فرض الوجودين البسيطين و لو فرض علته مركبا ايضا فيلزم التّسلسل و محاليّة الثّالث واضحة لا تحتاج الى التعليل و ممّا ذكرنا يعلم ان هذا الوجود الكلّى منحصر فى الفرد و هو الواجب الوجود تعالى الثّانى الممتنع كشريك البارى تعالى و وجه امتناعه انه لا يمكن كونه شريك البارى تعالى الّا بكونه ايضا وجودا بسيطا و قد مرّ محالية تعدّده لاحتياجه الى ما به التمايز المستلزم للتركيب المناقض للبساطة

[الثالث الممكن الّا انه قد يصير واجبا بالعرض و قد يصير ممتنعا بالعرض‏]

الثالث الممكن الّا انه قد يصير واجبا بالعرض و قد يصير ممتنعا بالعرض‏

[الممكن يحتاج فى وجوده و حدوثه الى العلّة و هو على قسمين‏]

و هذا الممكن يحتاج فى وجوده و حدوثه الى العلّة كما هو واضح و مبرهن عليه و هو على قسمين اما اضطرارى او اختيارى الى انّه ان وجد باعتبار رجحانه اعنى صلاحه الذى هو سبب لكون وجوده خيرا من عدمه‏

[اما اختيارى‏]

فهو اختيارى يعنى وجوده تابع لجهة خيريّته و نفعه و لهذا يعد الصّلاح و النفع من العلل مع كونه متأخّرا فى الوجود على المعلول و هذا النحو من الفعل علّته هى الفاعل بشرط علمه بالصلاح و ان كان حدوثه و وجوده لاجل علّة مقتضية لذات الفعل مطلقا سواء كان هذا الفعل صلاحا او فسادا فهو اضطرارى‏

مناط الاختيارية و الاضطرارية فى الافعال‏

فمناط الاختياريّة و الاضطراريّة فى الفعل هو كون العلّة علة للفعل من حيث كونه خيرا و صلاحا و كون العلّة علّة له مطلقا فالعلّة فى الاول علّة للمقيّد بكونه خيرا و فى الثّانى للمطلق اعمّ من كونه خيرا ام لا و لهذا يمكن فى الاختياريّات عروض المتضادين و المتناقضين لعلّة

6

واحدة هى الفاعل فانه ربما يفعل فعلا لمصلحة و ربما يتركه لمصلحة فالعلّة صارت مقتضية للمتناقضين بخلاف العلة فى الاضطرارى فانه يستحيل اقتضائها للمتناقضين و وجه ما ذكرنا ان الاقتضاء لم يتغير بعد تغيّر الصّلاح عن طرف الوجود الى طرف الترك بخلاف الاضطرارى فانه لو اثر علّته فى طرف الوجود و العدم لتغاير اقتضائها و هذا محال لان الاقتضاء فى الشي‏ء الواحد يستحيل ان يتغاير لاستلزام هذا التغاير اجتماع المتناقضين و هذا واضح اللّهمّ الّا ان يتغير نفس العلّة بفقدان شرط او حدوث مانع فيمكن تخلّف الاقتضاء لكنه خارج عن ما نحن فيه لصيرورة علة الوجود غير علّة العدم‏

[الفرق بين الاختيارى و الاضطرارى‏]

حينئذ و هذا هو الفرق بين الاختيارى و الاضطرارى الاختيار و الإرادة فعلى ذلك‏

[و اما الإرادة]

لو قلنا بان الارادة هى العلم بالصلاح فالافعال الاختيارية لم تخرج عن الاختياريّة لان العلم بخيريتها سبب لوجودها تبعا بخيريّتها و العلم بخيريّة تركها سبب لتركها كذلك و لو قلنا بانها صفة نفسانيّة تخرج عن الاختياريّة لان هذه الصّفة بعد تحقّقها لا يعقل انفكاكها عن الفعل لعدم احتياج الفعل الاختيارى الى ازيد من الارادة فتصير ذات الفعل معلولا سواء كان خيرا او شرّا و لا يقال ان الارادة عند القائلين بانها صفة نفسانيّة منبعثة عن العلم بصلاح الفعل فالفعل ايضا اختيارى لان علّة علّته هى العلم بالصّلاح فالفعل تبع لصلاحه ايضا لانا نقول ان الصّفة النفسانيّة بعد تحققها لا يعقل انفكاكها عن الفعل و لو فرض انقلاب العلم بالصّلاح بالعلم بالفساد قبل تاثير الصّفة النفسانيّة فيخرج الفعل عن كونه تبعا لخيريّته و صلاحه امّا وجه عدم انفكاك الفعل عن الصّفة النفسانيّة فلعدم احتياجه الى ازيد من الارادة و اما خروجه عن الاختياريّة فواضح لانّه حينئذ تبع للصّفة النفسانيّة لا لخيريّته و اما دعوى محاليّة فرض انقلاب العلم بالصلاح بالعلم بالفساد قبل تاثير الصّفة فى ايجاد الفعل مع انها غير مسلّمة بل دعوى ظاهرة الفساد فى الفعل المركب او المحتاج الى المقدمات فهى غير مضرّة علينا لان محاليّة (1) نفس الفرض بل انما هى لاجل ما يدّعيه الخصم من ان الارادة صفة نفسانية كما هو واضح‏

و الحاصل ان الفرق بين الاختيارى و الاضطرارى ما ذكرنا

و لا ينافيه كون نفس الاختيار و ذاته اعنى العلم بالصّلاح حادثا معلولا لعلّة الى ان ينتهى الى علّة العلل و هى مشيته اللّه تعالى و لا يلزم الجبر الذى هو مساوق للاضطرار و لا يقبح طلب هذا الفعل و ارادته من المكلّف بل تعلق الطلب و الارادة كاشف عن كون الاختيارى هو ما ذكرنا من تبعيّة الفعل و تركه لخيريّتهما و صلاحهما لان الطلب و الارادة الفعل عن الغير على ما سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى ليس الّا احداث ارادة الغير فى ايجاده المطلوب و هو انّما يكون باعلام هذا الغير بصلاح فعله من كونه ذا ثواب او كونه دافعا للعقاب المترتب على تركه فكون صدور الفعل عن علة هى العلم و كون العلّة معلولة لعلة اخرى الى ان ينتهى الى مشيته اللّه تعالى لا ينافى اختياريّته و قولهم ان الفعل الاختيارى هو ما لو شاء الفاعل لفعله و لو شاء لم يفعله ليس معناه انه ليس عن علّة او ليس علته معلولة لعلّة بل معناه انه تابع للعلم بصلاحه و انّ المشيّة علّته‏

المشية و الإرادة

و امّا معنى المشية فهو مطلب آخر و هى مرادفة للاختيار و الارادة و معنى قولهم لو شاء فعل انه لو وجد فيه خيرا لفعله تابعا لخيريّته و انه تابع لصلاحه من حيث وجوده و عدمه و الحاصل ان قولهم لو شاء فعل و لو شاء لم يفعل ليس معناه ان الفعل و الترك اذا تحقّقا انّما هما متحققان من غير العلّة و ليس مستلزما لهذا و كيف ذلك مع انّه ( (1) ما يترتب عليه فساده ليست من محالية)

7

يلزم اما حدوث الحادث من غير علّة او يلزم الترجيح بلا رجحان الذى هو ايضا محال فلا بد من كون المراد و من قولهم المذكور ان علّة تحقق الفعل و عدمه هى المشيّة و ليس مرادهم ايضا ان المشيّة فى غير اللّه تعالى ليست حادثة من الحوادث و لا تحتاج الى العلّة بل مقصودهم ان علّة الفعل الاختيارى هى المشيّة فى قبال الاضطرارى الذى علّته غير المشيّة و امّا المشية فهى مرادفة للاختيار و الارادة و مضاها هو العلم بالصّلاح الباعث على مشى العالم نحو المعلوم صلاحه فذاتها هى العلم بالصّلاح و لكن عنوانها تابع لمشى العالم و اقدامه الى طرف الفعل و هذا هو العلم بالصّلاح المشرف للعالم على الفعل او مقدماته و هو ما ذكرنا انه معنى الارادة و بالجملة هذه تطويلات و العمدة هى الفرق بين الاختيارى و الاضطرارى و الباقى يفهم بالتّبع و قد مر ان الاختيارى هو ما كان علّته مقيّدة فى اقتضائها بخيريّة الفعل و صلاحه و الاضطرارى ما كان علّته مطلقة فى الاقتضاء و لا يعقل التفرقة بينهما بغير ذلك كما مرّ و لا ريب ان هذه التفرقة لا تحصل الّا على فرض كون العلّة فى الاختيارى علما بالصّلاح لانها لو كانت صفة نفسانية فهى مقتضية لذات الفعل مط و يخرج الفعل عن كونه اختياريّا كما حررناه فى الفرض فافهم و اغتنم‏

لو كانت الارادة صفة نفسانية و امرا غير العلم لوضع لها لفظ مخصوص‏

و مما يؤيّد ان الارادة ليست الّا العلم بالصّلاح المشرف و انّها من صفات الافعال و منتزعة عنها انها لو كانت امرا مستقلّا غير العلم و كانت صفة نفسانية غيره يبعد كلّ البعد عدم وضع لفظ خاص لها من واضع اللغة مع كثرة الاحتياج الى التعبير عنها مع انه يظهر للمتامل فى تعبيراتها العرفيّة انّها ليست من وضع الواضع اياها بازاء الارادة بل يعبرون عنها تارة بعنوانها الثانويّة كالنيّة و تارة بالمصادر الّتى هى مقدمات الافعال و هى بنفسها افعال تصير بواسطة العلم بالصّلاح ارادة و معنونا بها بواسطة صدورها عنه و الاشراف عليها مثل التوجه الّذى هو تحويل الوجه الى طرف و كذلك نفس الارادة التى هى من المرود و المراودة و كذلك الاختيار الذى هو قبول الخير او تبعيّة الخير و كذلك الخيار و كذلك المحاولة و كذلك القصد الذى هو الاعتدال و عدم الاعوجاج و كذلك العمد الذى هو صيرورة الشي‏ء عمودا و لعلّ القصد و العمد لغة مترادفان و كذلك القيام و هو واضح و كذلك الطّلب الذى هو الفحص ظاهرا و هذه كلّها افعال عامّة تشعر بذات الارادة و تفهم منها بواسطة انها كنايات عن افعال خاصّة مقدميّة اما وجه كونها مقدميّة فواضح لعدم تعلق الفرض العقلائى بنفسها و وجه دلالتها على الارادة انه لا يعقل تحقق الفعل و تركه بعنوان المقدميّة و لحاظها الّا بتعلّق الارادة بذيها و تحقق ارادة ذيها و انبعاث المقدّمة منها

الظاهر عدم خروج الفاظ الإرادة و الاختيار و نحوها عن اصل لغاتها

ثمّ‏ ان الظاهر عدم خروج هذه الالفاظ حتى الارادة و الاختيار عن اصل لغاتها و عدم صيرورتها منقولة الى نفس الارادة بالنقل الى المتباين بل لو نقلت كلها او بعضها انما نقلت الى فرد من مدلولاتها بعد استعمالها كثيرا فى الفرد اعنى استعمال المطلق فى المقيّد و هو استعمال الارادة فى نفس المراودة المقدميّة المقيّدة بصدورها عن العلم بصلاح المقصود نعم المراودة كناية عن مقدمات المراد التى هى افعال خاصّة و ان لم تكن حقيقة المراودة ثم ان تلك الالفاظ حين الاستعمال المفهم لذات الارادة و هى العلم بالصّلاح يقصد فى بعضها التقييد من جهتين و فى بعضها من جهة واحدة مع كون المادة كناية اما المقيد من جهتين فهو ما كان مقدمة الفعل المقصود بالاصالة فردا من مدلوله اللّغوى نظير استعمال القيام الى ارادة الصّلاة فان نفس القيام قبل الصّلاة مقدّمة فاستعماله‏

8

فى هذا القيام المقدمى استعمال للمطلق فى المقيّد و كذلك استعماله فيه منبعثا عن العلم بصلاح الصلاة تقييدا آخر نعم فى مورد لم ينطبق على مقدمات المورد فهو كناية عن فعل آخر مقدمى مع تقييده بكونه منبعثا عن العلم بصلاح الفعل المقصود نظير استعمال القيام فى الارادة التى تتحقّق للقاعدة المشتغل بمقدمات الفعل مثلا يقال ان فلانا قام بهذا الامر مع انه مشتغل بمقدمات الامر المذكورة قاعدا او توّجه فلان الى امر مع انه اشتغل به ناكسا

وجود القرينة الواضحة على ارادة العلم بالصلاح من الفاظ الإرادة و الاختيار و نحوها

ثمّ‏ ان القرينة فى هذه الالفاظ للمقيّد من مدلولاتها بذات الارادة و هى العلم بالصّلاح واضحة فان من عدم كونها قابلة لصيرورتها مقصودة بالاصالة يعلم انها مقدّمة و حصلت بعنوان المقدميّة و عنوان المقدميّة لا يتحقّق الّا بعد انبعاثها عن العلم بصلاح متعلّقها الذى هو احد الافعال فتدلّ على هذا العلم بالصّلاح و يقصد تفهيمه بها و ما ذكرنا واضح يحتاج الى التامّل هذا و يعلم و يتّضح ممّا ذكرنا فى كيفيّة استعمال لفظة الارادة فى معناها و فى كيفية تعبيراتها الاخرى و فى تفسير الاخبار الواردة فى بيان حقيقتها و من عدّهم ايّاه فى عداد الصّفة الفعليّة و صفات الافعال ان الارادة هى الفعل المقيّد باعتقاد نفعه لا العكس و يعلم من كلمات العلماء القائلين بانها ليست الّا الاعتقاد انها هى الاعتقاد المقيّد بتحقق الفعل عنها و لا ريب فى استعمالها منهم فيه الّا ان الظاهر كون العرف و اللّغة يوافقان الاول و لعلّ نظر العلماء فى البحث عنها لان استعمالها عرفا و ان كان فى الفعل المقيد الّذى لا رجحان فيه الّا رجحان المقدمى كما عرفت الّا ان المقصود بالاصالة من هذا الاستعمال هو تفهيم قيده و هو الاعتقاد المؤثر فى وجود ذاك الفعل المقدمى الصّرف و اما ظاهر العلماء فى مقام التعرض لها و ان كان هو كونها الاعتقاد المقيّد و المعنى القائم بالنفس و لهذا اشتبه امر الارادة على المتأخّرين الّا ان الظاهر كونهم متعرضين للجهة الّتى هى المقصود بالاصالة من استعمالها العرفى فعلى ذلك لفظ الارادة حقيقة فى نفس الفعليّة نظير لفظة العقد و الوعد و التعهّد و الطّلب و الوضع فانّها حقيقة فى لفظ كاشف عن المعنى القائم بالنفس مع فرض كون كشفه له فعليّته له و اما العلم فالمراد به هو معناه الخاص الذى هو حقيقة فيه لغة و عرفا اعنى التصديق لا الاصطلاحى الاعم منه و هذا واضح الّا ان حقيقة التصديق قد تشتبه لاجل ظاهر التعريفات‏

ينبغى التنبيه على حقيقة العلم‏

و ينبغى‏ التنبيه على حقيقته فاعلم ان العلم الّذى هو مرادف للتصديق و الحكم ليس مركبا من تصورات حقيقة بل هو امر واحد لانه عبارة عن حصول الشي‏ء فى الذّهن بما هو عليه فى الخارج من الصّفات و عدمها بحيث يطابق الذهن الخارج من حيث ان الموضوع و المملوك كما انها امر واحد موجودان بوجود واحد فى الخارج و ينحل الى الامرين كذلك فى الذهن فان حصلا فى الذّهن على نحو وجودهما فى الخارج بحيث لا يكونان بمتغايرين و لا متعددين بل تعددهما و تغايرهما انما هو بالانحلال العقلى الثانوى فهذا يعدّ علما لكن بشرط ان يكون حصولهما فى الذهن بوحدانيّتهما حصولا استقراريّا ثابتا بمعنى ان المتصور كلّما تصور الموضوع تصوّره بصفة و على صفة و هذا الاستقرار هو معنى الاذعان و الجزم و الاعتقاد التى يفسر العلم بها و فى قبالها التردد و التزلزل اللّذان يفسر بهما الشّك و هو حصول الشي‏ء بوصف و على وصف فى الذّهن مع عدم استقرار الذّهن فى تصوّره بذلك الوصف بل يختلف الذّهن فى ترادف تصوراته فتارة يتصوره مع الوصف و تارة مع عدمه و ما ذكرنا ظاهر بالوجدان او بملاحظة

9

علم العوام الذين لم يلتفتوا الى التدقيقات و الانحلالات العلميّة على ان العلم ليس الّا مطابقا للرؤية و هى منشؤه بل هو منها و ينطبق معها فهل ترى من نفسك اذا رايت شيئا مفصّلا و بوصفه تقول انى رايت ثلاثة اشياء الموضوع و الوصف و النسبة نعم بعد تحليل الامر الوحدانى بحسب الخارج يمكن دعوى انه ثلاثة اشياء اثنان منها متاصّلان و الآخر منتزع و هو كيفيّة ارتباط الوصف بالذات اعنى النسبة الخارجيّة و مما ذكرنا يعلم ان الحق هو كون الحكم عبارة عن المحمول المنتسب لا النسب الخبريّة كما توهّمه بعض‏

مدلول الجملة الخبرية

و يعلم ايضا ان حقيقة مدلول الجملة الخبريّة ليس بثلاثة امور بل مدلولها ليس الّا مدلول الخبر و هو امر لا الوحدانى المشتمل على الذات و الوصف الّا ان هيئة المشتقات لما تكون من المبهمات و لا يعلم المستعمل فيه فيها فيذكر المبتدا مثلا توطئة حتى يعلم المراد من المبهمات فالمراد منهما متحد و ذكر المبتدا توطئة ليعلم المراد من الخبر المبهم ففى الحقيقة تكرر بيان و ترادف تعبير عن المحمول المنتسب و الذات للقيد بالوصف و لهذا يحتاجان الى الرابط الذى يدلّ على ان المتعلق بالرابط عبارة اخرى لمرجع الرابط و لاجل ما ذكرنا يدلّ الرابط على اتحاد وجودهما فانهما بعد ما صار اعتبارين عن ذات واحد فهما متحدان فالغرض من ذكر المبتدا حضوره فى الذهن حتى يعلم بالرابط انه المبهم فالعلم التصديقى يحصل من نفس الخبر لانه موضوع لان يعبّر به عمّا تلبس بمبدئه فتعبير المتكلم ثانيا عن المبتدا بالخبر يفيد العلم بامر وحدانى هو ذات المبتدا بوصفه و على وصفه ثم انه باعتبار كون الوصف بالذات عرضا لها استعير عن الخبر بالمحمول و الّا فلا حمل حقيقى خارجا و لا ذهنا و لا ذكرا بل التعبير عن العلم بالاذعان بالنسبة و بالاعتقاد بثبوت شي‏ء لشي‏ء تعبير عنه بعبارته التى تنطبق على تحليله (1) و الّا فهو امر واحد ذهنى منطبق على الخارج من حيث كونه امرا وحدانيا و الحاصل انه كما ان نفس العلو فى الظرف الخارج امرا واحد تنحل الى امور كذلك هو فى العالم الذهنى امر واحد ينحل بالملاحظة الثانويّة الى امور و كيف و اذا لم يكن فى الذهن كذلك لم يكن علما لعدم تطابقه مع الخارج‏

جريان حكم الجملة الخبرية فى جميع المركبات التامّة

ثمّ‏ ان ما ذكرنا فى الجملة الخبريّة يجرى فى جميع المركّبات التامّة لان مداليها تقييدات و نسب مثل تقييد الخبر و نسبة الجزئيّة فكما ان واقع الخبر و نفس امره واحد وحدانى و العلم به ايضا كذلك فكك غيره من المركّبات التامّة و التعرّض لتصوّر غير الخبر موجب للتطويل فتامل فيه حتّى يظهر حاله لك و بالجملة العلم التصديقى امر وحدانى ينحل الى تصورات ثلاثة و صحّة تسميتها بالتصوّر انما هى بلحاظها بعد الانحلال و الّا فقبل الانحلال ليس متعدّد او لا دخل له بقسميه الّذى هو التّصور و لعلّ من قال بانه مركب من تصورات ثلاثة يريد ما ذكرنا من التركيب العقلى الانحلالى و انّها تصورات بملاحظة حالة الانحلال فعلى ذلك الاعتقاد بنفع شي‏ء مثل الاعتقاد بان اكل الخبز دافع للجوع امر وحدانى هو حصول اكل الخبز فى الذّهن على ما هو عليه و بما هو عليه من الدافعيّة هذا هو حقيقة العلم و الاعتقاد بالنفع‏

و امّا مراتب العلم‏

و امّا حالته فله مراتب من حيث الغفلة عن غير المعلوم و مرتبته الاعلى هو التوجّه التّام الى المعلوم بحيث لا يستشعر الشخص الى جنبيه ايضا بل يغفل عن نفسه و عمّا فى يده و بعبارة اخرى مرتبته الاعلى هو اجتماع جميع الحواس الى نحو المعلوم بل لاجتماع الحواس ايضا مراتب و يبلغ الى مرتبة يمحو عن النظر الشخص غير المتصور و يعامل الشخص المتصور حين تصوّره معاملة حضور المتصور بالفتح مع انه غائب عنه فيغفل عن عدم حضوره كالفاسق ( (1) فان عنوان النسبة و الثبوت فى العلم و التصديق بعد تحليله)

10

الذى يتكلم مع المحبوب فى حال غيبته و الخائف من الأسد الذى يفرّ من محلّه بتصوّر الأسد و اوضح بيانا للعلم و حالته من الغفلة عن سوى العلوم و عدمه قياسه بالرّؤية بالعين الباصرة فكما ان رؤية الشي‏ء بوصفه و على وصفه رؤية امر واحد و الرؤية وحدانيّة لوحدانيّة متعلّقها كذلك العلم بالشي‏ء المذكور بوصفه امر وحدانى لوحدانيّة متعلّقه نظير الرّؤية بل يعدّ ايضا رؤية تسامحا او حقيقة و ايضا كما انّ العين قد ينحصر توجّهها الى شي‏ء و تغمض عن سواه و لا يلتفت الى شي‏ء آخر غيره حتّى الى اطراف ذلك الشي‏ء المرئى كذلك الذهن قد يلتفت الى شي‏ء بوصفه نظرا وحدانيا و يغفل عمّا سواه حتّى لا يلتفت الى انه محيط بالمعلوم و عالم به فضلا عن انه عالم بالنسبة و عن انتزاعه نسبة المحمول الى الموضوع و اتحاده معه و عن ان هذا الالتفات اعتقاد منه بثبوت النسبة فان هذه كلّها من المعقولات الثانويّة و حالات للعلم بالعلم و مرتبتها متاخّرة من نفس العلم و القول بانّها نفس العلم و ان حقيقة العلم هو نفس الاذعان بالنّسبة او نفس الاعتقاد بها او نفس النّسبة الذهنيّة دون المحمولات المنتسبة لا يصحّ و لا يساوق الّا مع القول بتحقق الكلام النفسى و فساده لا يحتاج الى البيان و الاستدلال لمن راجع الى وجدانه فانّه يجدان لا يتحقق فى الذهن الّا العلم الاعمّ من التصور و التصديق و لعلّه نتعرض لابطاله فى جواب استدلالات الاشاعرة لمغايرة الطلب و الارادة و كيف كان بعد معرفة حقيقة العلم و حالاته راجع الى نفسك حين صدور فعل اختيارى و افتح عينيك و انظر ما ثوى فان صدقت ما ذكرنا من انه ليس تحقيق غير التوجّه التّام و هو العلم بوحدانية و باجتماع الحواس و الغفلة عن سوى الفعل بنفعه و على نفعه الّذى هو امر وحدانى فقد انصفت و الّا فانت معذور مع التامل التّام و عدم التعصّب حفظنا اللّه تعالى من الزلل و القول بلا تامّل‏

محصّل الكلام حقيقة الارادة مطلقا

و محصّل‏ الكلام ان حقيقة الارادة مطلقا هى اعتقاد النفع المعبّر عنه فى ارادته تعالى بالعلم بالاصلح نعم يشترط فى صيرورته معنونا بالارادة او بالمشيّة و الاختيار اشرافه على الفعل ذى المصلحة و ترتّب هذا الفعل ذى المصلحة عليه لان عنوان الارادة و المشيّة حقيقة عنوان للافعال الحاصلة من الاعتقاد المذكور و اتصافه بها انما هو بالتّبع و بالعرض و لهذا تعدّد الارادة من صفات الفعل و الصفات الفعليّة و لقد اوضح حقيقة الارادة و انّها الاعتقاد و من صفات الفعل لا صفة نفسانيّة غير العلم روايات‏

منها مصحّحة صفوان فى معنى الارادة

منها مصحّحة صفوان قال قلت لابى الحسن (عليه السلام) اخبرنى عن الارادة من اللّه تعالى و من الخلق فقال الارادة من الخلق الضمير و ما يبدوا لهم بعد ذلك من الفعل و امّا من اللّه تعالى فارادته احداثه لا غير كما انّه لا كيف له و لقد اتمّ بيان حقيقة الارادة الحديث الشريف بالبيان الوافى الشافى على الاختصار بل يدلّ على انّ قوله تعالى‏ (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) منزل لبيان حقيقة ارادة اللّه تعالى و توضيح دلالتهما على حقيقة الارادة هو انا قد قرّرنا ان الارادة هى من صفات الفعل و انها كناية عن الفعل الحاصل من العلم بالصّلاح و انها من قبيل استعمال المطلق و ارادة المقيّد فان الفعل الحاصل من العلم تقييد له و بالجملة الارادة من صفات الفعل و يعبر بها عن العلم الذى هو سبب للفعل من حيث انه سبب له و بلحاظ سببيّة الفعليّة و مع ذلك فهى حقيقة لان التعبير بها صفة و تفهيمها اياه على الوجه التبعيّة كما فى استعمال جميع المطلقات فى المقيدات على المذهب المنصور من ان استعمالها فيها استعمال فى المقيّد بقيده فتعبير الارادة عن العلم و كونه معنونا بها بلحاظ الفعل و بتبعه لا انّها

11

عنوان مستقل له فافهامها اياه افهام صريح باعتبار انه ماخوذ فيها و تبعى باعتبار انه فى مقام تحليل المستعمل فيه امر تبعى و عرض لذات هى نفس الفعل و لاجل هذه التبعيّة و العرضيّة نقول انها من صفات الفعل لان منطوقها و ما هو فى قبال اصل لفظها هو الفعل و العلم بالصّلاح قيد له و مفهوم لها فتامل جيّدا

الارادة من صفات الفعل‏

و كيف كان الارادة هى من الصّفات الفعليّة و تبع لتحقق الفعل و هذا الفعل الذى مرّ مرارا انه يتحقق بواسطة العلم بالصّلاح اما هو نفس الفعل ذى الصّلاح او انّه مقدّمة له فان العلم بصلاح الشي‏ء كما هو محرّك لهذا الشي‏ء ذى الصّلاح كذلك يحرّك الى مقدّماته و ارادتها عين ارادته لان الغرض من المقدّمة هو خروج ذى المقدّمة عن الامتناع الى الامكان الفعلى و هذا هو العنوان المقصود من عناوين المقدّمة الحاصلة بفعل المقدّمة و لا ريب ان هذا الخروج الى الامكان الفعلى مرتبة لفعليّة ذى المقدّمة و تأثر له عن العلم بصلاحه فهو ايضا فعليّة للارادة لذى المصلحة و اشراف للعلم على الفعل الذى علم صلاحه و اقتضاء له بالنسبة اليه فارادة الفعل قد يتحقق بتحقق نفس الفعل المعلوم صلاحه و قد يتحقّق بتحقّق مقدمته‏

جميع الممكنات تحت قدرة اللّه على حدّ سواء فلا يعقل لفظه علة غائية و و مقدمة صرفة

اذا عرفت ذلك فاعلم ان جميع الممكنات فى تحت قدرته تعالى على حدّ سواء فلا يعقل لفعله تعالى العلّة الغائية و لا فعل يتحقق منه تعالى مقدّمة صرفة و لهذا كلّما صدر عن مصدر جلاله فهو بنفسه صلاح لا انّه مقدّمة له و هذا امر مسلّم بين اهل المعقول و وجهه واضح لان ذى المقدّمة ممكن مقدور له بلا واسطة فايجاد المقدّمة بعنوانها المقدميّة غير متصوّر منه تعالى بل المقدميّة عنوان منتزع من دوام التّرتب و دوام ترتب امر على امر آخر بيده تعالى و مشيّته‏ نعم‏ قد يكون الصّلاح الباعث على الفعل فى فعل مترتّب على المقدّمة باعتبار ترتّبه و حينئذ نفس المقدّمة صلاح و ليس بمقدّمة و نفسها غاية لا علّة غائية لها اذا عرفت ذلك تعرف ان ارادة اللّه تعالى ليست تتحقق الّا بنفس الفعل الذى هو المراد و المعلوم صلاحه‏

و اما كيفية تحقق الارادة فى الخلق‏

و امّا ارادة الخلق فتحقّق بالشّروع فى المقدّمات اذا العلم بالصلاح من الخلق و الاعتقاد بالنفع لا يتعلّق منه الّا بما له مقدّمات ذهنيّة و مقدمات خارجيّة فان صلاح الخلق و نفعهم المحرّك لهم ليس الّا بقاء النفوس على حالها و دفع المضرّات و جلب الملائمات للنفس و هذا امر مترتّب على الفعل الخارجى الصّادر من الخلق مضافا الى ترتّبه على التامّل و التفكر فى الفعل ليعلم انّه منطبق على ذلك الصّلاح الاصلى ام لا و على التفكّر فى انّ مقدّمات الفعل هل يزاحم الفعل من حيث الصّلاح و الفساد ام لا و لمّا لم يخلو الخلق من التفكر فى الجملة و هو من المقدمات الّتى تتحقّق عنوان الارادة بها فارادة الخلق هى التفكر فعلى ما ذكرنا يتضح تفسير الرّواية الشريفة و يكشف القناع عنها و يظهر تطابقها لما حققناه فى حقيقة الارادة من انها من صفات الفعل و ان تحقّق عنوانها انما هو بتحقق الفعل و لو كان فعل مقدمات المراد فذات الارادة هى الاعتقاد بالنفع و عنوانها يعرض لذاتها بعد تحقق الفعل و القول بانها صفة نفسانيّة غيره ضعيف جدّا خاصّة اطلاق القول بانها صفة نفسانيّة أنه مستلزم لتعدد القدماء بالنسبة الى ارادة اللّه تعالى كما التزم به الاشاعرة و بالجملة من ضروريّات الاماميّة بل العدليّة ان ارادة اللّه و مشيّته هى العلم بالصّلاح و هذا المقدار يكفينا لتعلّق غرضنا و بحثنا بارادته تعالى هذا تمام الكلام فى حقيقة الارادة و هو المطلب‏

المريد قد يلاحظ صلاح نفسه و قد يلاحظ صلاح غيره‏

نعم بقى هنا الاشارة الى امر و هو ان المريد قد يلاحظ صلاح نفسه و

12

يكون ارادته العلم بصلاح نفسه و قد يلاحظ صلاح غيره و يكون ارادته العلم بصلاح غيره و ارادة اللّه تعالى ليست الّا هذا القسم لكونه صمدا غنيّا لا يعرضه صلاح و فساد و تنزّه و تقدّس عن تغيير الحالات بل ليس له حاله فضلا عن الحالات بل احد فرد مجرد عن الصّفات على ما هى عليه تعد صفاتا فانه جامع لغايات الصّفات الكاملة مع خلوّه عن ماديها تعالى شأنه عن البيان و التوصيف‏

المطلب الثانى فى مراتب الإرادة

المطلب الثانى‏ فى مراتب الارادة فاعلم ان الارادة امّا شأنيّة و امّا فعليّة امّا بناء على انها العلم و الاعتقاد بالنفع فواضح لان ذات الارادة و هى الاعتقاد قبل حصول الفعل منه او تاثيرها فيه شأنيّة لعدم صيرورتها معنونة بعنوان الارادة لعدم صيرورتها ارادة بمعناها الحقيقى فان ذات الارادة اعنى نفس الاعتقاد ليس بارادة ان لم يحصل الفعل منه و لهذا يسمّى نفس الاعتقاد بالنفع ارادة شأنيّة و ان حصل منه الفعل و اثر فى تحقق الفعل فهى ارادة بمعناها الحقيقى و هى ارادة فعلا فتسمّى بالفعليّة لفعليّة حصول عنوان الارادة فى قبال شأنيتها المراقية لتحقق اتصافها بحقيقة الارادة و فعليّتها و امّا بناء على انّها صفة نفسانيّة غيره فاما هى مؤثرة و حصل منها فعل و لو كان مقدمة فهى الفعليّة و الّا فهى الشّأنيّة باعتبار شأنيتها لايجاد الفعل فعلى الاول الشأنية و الفعليّة وصفان لنفس الارادة و لكن الارادة استعمل تسامحا او تنزيلا فى المعنى المجازى الاعمّ من الحقيقة و المجاز و على الثانى اطلاق الارادة على الاعمّ حقيقة و لكن التقسيم بالشّأنيّة و الفعليّة و التوصيف بهما انّما هو باعتبار المتعلّق اعنى الفعل الحاصل بالارادة

الإرادة الشأنية

ثمّ ان الشانيّة اما تامة و امّا ناقصة فلو كانت مقارنة للقدرة على الفعل و عدم المزاحم للنفع من مصلحته معارضة له او مفسدة مقارنة له فهى تامة لتماميّتها فيما هو المقصود منها و فى ما هو فائدتها من ايجاد الفعل و لو كانت مفارقة عن القدرة او مجتمعة مع المزاحم فهى الناقصة و التامّة لا تنفك عن التاثير و الفعليّة و الّا لم تكن تامّة و اعلم ان ارادة ما حصل او ما يحصل بنفسه مع عدم صدور مقدمة و فعل من المريد انما هى ارادة ناقصة لعدم القدرة على تحصيل الحاصل و يعبر عن هذا النحو من الارادة النّاقصة بالرّضا فالرضا هو ارادة ما حصل او يحصل لكن ارادة ليس لها فعليّة و تعلق اصلا

الإرادة الفعلية

اما منجزة او غير منجزة

ثمّ‏ ان الفعليّة امّا منجزة او غير منجّزة لان الفعليّة تتحقق بتمهيد مقدّمات المراد الاصلى سببيّة كانت المقدّمات او شرطيّة فان اثرت الارادة فى تحقق المراد الاصلى و لو بواسطة ايجادها للمقدّمة السّببيّة فهى المنجزة لان التنجز هو نجح الارادة و نفوذها فى محلّها و ان لم تبلغ بزمان نفوذها فى المحل فهى غير منجزة فهما مترتبان لبعض الارادات بحسب اختلاف ازمانها المتحققة هى فيها فانّه يمكن تحقق الفعليّة بتأثير الارادة اوّلا و بالذّات فى نفس المراد الاصلى كما فى جميع الارادات التكوينيّة من الشارع و بتأثيرها فى العلّة التامّة فالتنجّز و الفعليّة متساوقان‏

تقسيم آخر باعتبار احتياج المريد من حيث المقدمات‏

ثمّ‏ ان للفعليّة تقسيما آخر و مراتب اخرى باعتبار احتياط المريد من حيث المقدّمات فربما يوجد جميع ما يحتمل من المقدمات حصول المراد الاصلى بها و ربما يكتفى بفعل بعض المقدّمات المحتمل وقوع المراد الاصلى به و لا يتعرّض لبعض آخر الذى احتمل وقوعه به لا بما فعله فالارادة المؤثرة فى جميع المقدّمات المحتمل وقوع المراد بكلّ منها و عدم الاحتياج الى غير فهى عموم الارادة و ارادة على جميع التقادير و الارادة المؤثرة فى بعض دون بعض فهى ارادة خاصّة و خصوص ارادة و ارادة على تقدير و توضيح ذلك ان الارادة قد يعمّ تعلّقها

13

من حيث تاثيرها فى جميع ما يحتمل تحقق المراد بها و على تقدير حصوله و تحقّقه مطلقا و باىّ مقدّمة و قد يكون تعلّقها مختصّا من حيث تاثيرها فى بعض المقدّمات المحتمل تحقق المراد به دون بعض المحتمل كذلك مثلا اذا احتاج شخص الى تحصيل دواء خاص و يحتمل تحققه فى السوق و يحتمل عدم تحقّقه فيه مع احتمال تحقّقه فى البلد النّائى فربما يقتصر تعلّقها بتحصيله من السّوق فعلى فرض معلوميّة عدم تحقّقه فيه لا يرسل احدا الى ذلك البلد و لا يذهب المريد بنفسه الى ذلك البلد و ربما يتعلق الارادة بتحصيله مطلقا و لعموم المحتملات فاذا لم يجده فى السوق يرسل احدا الى ذلك البلد و اذا لم يجد احدا فالمريد يذهب اليه لتحصيل المراد و الحاصل ان الارادة المتعلّقة بالفعل ان تعلّقت به على تقدير عدم احتياجه الى المقدمة اصلا فهى ارادة خاصّة و على تقدير و هذا الفعل لا يتحقق الّا بعد التمكن منه مباشرة و عدم احتياجه الى واسطة اصلا و ان تعلّقه به على فرض احتياجه الى مقدّمة خاصّة ايضا فهى عامة من جهة عموم تعلّقها بالفعل مطلقا محتاجا الى المقدمة ام لا و كذلك الحال بالنسبة الى جميع المقدّمات الوجوديّة و العلميّة كلّا او بعضا منفردة او منضمّة الى الاخرى و عموم تعلق الارادة مطلقا هو تعلّقها بفعل على جميع تقاديره فيلزمها ايجاد جميع مقدمات الفعل توصّلا اليه و لو كانت مقدمة احتماليّة و قد يكون تعلق الارادة بفعل مختصّا بوجود مقدّمة خاصّة بمعنى ان الارادة تعلّقت بفعل على تقدير وجود تلك المقدّمة الخاصّة و لازمها تمهيد مقدمات تؤثر فى امكان الفعل او تحقّقه بعد وجود تلك المقدّمة

[و محصّل الكلام‏] ان تعلق الارادة و فعليتها عبارة عن تأثير ذاتها فى الفعل المراد

و محصّل الكلام ان تعلق الارادة و فعليّتها عبارة عن تاثير ذاتها فى الفعل المراد و المقصود و من حيث تمهيد مقدّماته و فعلها فانّ تمهيدها نحو تاثير فى المراد من حيث صيرورته ممكنا و من حيث خروجه عن الامتناع الى الامكان فانه ممتنع قبل حصول المقدّمة و ممكن بعد حصولها و ان كان قبل حصول المقدّمة يعد ممكنا الّا انّه ممكن بالواسطة و هى المقدّمة و هذا عين ما قلنا من امتناعه قبلها و امكانه بعدها و كيف كان الفعليّة و التعلّق متحدان و هما يتحققان بامرين احدهما تمهيد المقدّمات و فعلها فيما يحتاج اليها و الآخر هو فعل ذى المقدمة الذى هو المراد و المقصود فيما لا يحتاج الى المقدّمات او احتاج و لكن الارادة تعلّقية بما تحقّقت مقدّماته يعنى تعلّقت بهذا الفرد منه و هو ما حصلت مقدّماته و هذا هو كون تعلق الارادة على تقدير و هو خصوصها ايضا و خصوص الارادة و عمومها انما هو بكون متعلقها عاما او خاصا عموما افراديّا كما اذا اراد اللّه تعالى خلق جميع الممكنات او عموما احواليّا كما اذا اراد الشخص ايجاد الفعل الخاص بجميع مقدّماته و ليس ارادته متعلّقة بالفرد الحاصل مقدّمة الخاصّة او مقدمة اخرى له او مقدمتان او اكثر فانها لو تعلّقت به كذلك فهو خصوص تعلّقها و ارادة ذلك الفعل على تقدير وجود تلك المقدّمة او هاتين المقدّمتين فالارادة على تقدير تنشأ من كون المراد خاصّا بالخصوصيّة الاحواليّة فعموم الارادة او خصوصها انما هو يتبع المتعلّق اعنى المراد و هو الغرض و المقصود ثم اعلم ان الارادة الفعليّة الغير المنجزة امّا حتميّة او غير حتميّة لانها لو صارت فعليّة بحصول مقدّمة او مقدمات مستلزمة لحصول المراد الاصلى فهى حتميّة لتحتم تحقق المراد بعد هذا النحو من الفعليّة و الّا فغير حتميّة لعدم تحتّم وجود المراد الاصلى و الحتميّة تسمّى ايجابيّة و الزاميّة لكونها موجبة و ملزمة للمراد

14

الاصلى فنفس المراد بعد هذا النحو من فعليّة ارادته متحتم و لازم و واجب‏

المطلب الثالث فى أن الإرادة لا تتعلق الا بالمقدور

المطلب الثالث‏ فى ان الارادة لا تتعلّق الّا بالمقدور سواء كان مقدورا بلا واسطة او كان مقدورا معها و هذا المطلب واضح يعلم ممّا سبق فان تعلّقها هو عين حصول الفعل برجحانه و صلاحه اعنى حصوله المقيّد بالصّلاح و لو كان غير مقدور فذلك لامتناع الذاتى الّذى هو مانع عن مقدوريّته للّه تعالى او لامتناعه العرضى الّذى هو ممكن بالذّات و هو عجز عن طرف الفاعل و هو غير معقول فى حقّه تعالى لان قدرته تعالى على جميع الممكنات حل حدّ سواء و لا تعقل قدرته تعالى بالنسبة الى بعض دون بعض و كيف كان اذا صار الفعل ممتنعا فانما ذلك لاجل تحقّق علّة عدمه باطلاقه و عمومه الاحوالى فلا يمكن وجوده المقيّد و الّا فليس ممتنعا

الغرض من البحث امران‏

نعم الغرض من هذا المطلب امران‏ الاوّل‏ فى كيفيّة تعلّق الارادة بالواسطة اعنى بها المقدمة و الثّانى‏ فى ان مرجع معارضة صلاح الفعل مع فساد المقدّمة و مانعيّتها عن تعلق الارادة و فعليّتها الى عدم القدرة لا ان عدم المعارضة شرط آخر للتعلق‏

الأول: كيفية تعلق الإرادة بالمقدمة

امّا الاوّل‏ فقد مرّ مرارا ان تعلق الارادة بالمقدّمة تبعى و معناه ان حصول المقصود و تحقق المراد و الغرض له مرتبتان احدهما خروجه عن الامتناع الى الامكان و الثانية خروجه من جهة العدم الى الوجود و الحصول و لمّا كان توقّفه على شي‏ء و هو معنى مقدميّة هذا الشي‏ء عين امتناعه قبل حصول هذا للشي‏ء فايجاد هذا الشي‏ء اعنى المقدّمة عين دفع امتناع المراد و اخراج له عن الامتناع الى الامكان و هذا هو المرتبة الاولى من تعلّق الارادة بفعل المراد فعلى ذلك تعلق الارادة بالمقدّمة بعنوانها المقدمى عين تعلقها بذيها و ارادتها عين ارادته و بهذه الملاحظة ارادتها أصليّة الّا ان ارادتها تعد تبعيّة بلحاظ ذاتها و توضيح ذلك ان المقدّمة لها عنوانان احدهما انها اخراج لذيها من الامتناع الفعلى الى الامكان الفعلى و الثانى عنوانها الذّاتى مثلا نصب السلّم للصّعود و عنوانه الذاتى هو كونه نصبا للسّلم و عنوانه العرضى هو خروج الصّعود عن الامتناع الفعلى الى الامكان الفعلى فايجاده بلحاظ العرضى مراد اصلى و تعلق الارادة به انما هو بلحاظه و امّا وجود ذاته انما هو بتبع ذلك العنوان العرضى و لم يوجد بلحاظه بل وجد بلحاظ عنوانه العرضى و هو اخراج المراد عن الامتناع الى الامكان و بعبارة اخرى صلاح المقدّمة انما هو فى عنوانها العرضى لا فى عنوانها الذاتى فمعنى كون ارادتها تبعيّة هو ان تعلق الارادة بذاتها تبعىّ نظير العناوين المجتمعة مع اصل للمراد فى الوجود

الثانى: فى بيان مرجع معارضة صلاح الفعل مع فساد المقدمة

و امّا الامر الثانى‏ فهو ان اشتراط تعلّق الارادة بنفس الفعل بعدم مفسدة فى نفس الفعل او مقدّمة يرجع الى اشتراطه بالقدرة فان المفسدة الحاصلة فى احدهما موجبة لارادة تركه فصلاح الفعل و مقدّمته و كذا مفسدة احدهما يوجب ارادة الفعل و الترك و هما غير مقدورين فتعلق الارادة باحد الطرفين لا يمكن لعدم القدرة الخاصة المقيدة الحاصلة بوجود الفعل مع تحقق تركه و بعبارة اخرى تعلق الارادة و فعليّتها متوقف على القدرة المطلقة و هى القدرة على نفس الفعل و على القدرة المقيّدة و هى القدرة عليه مع دفع مفاسده و انتفاء تعلق الارادة تارة بسبب انتفاء الاولى و تارة باعتبار انتفاء الثانية و كيف كان لا يتعلق الارادة الّا بالمقدور و القدرة شرط لتعلّقها و فعليّتها و لهذا لا تتعلق بالمحال فعلم مما ذكرنا ان ذات الارادة على قسمين فانها اما تامّة بواسطة انضمام القدرة و عدم المزاحم بالاعتقاد

15

بالنّفع و امّا ناقصة بخلوها عن احدهما

المطلب الرابع: فى كيفية تعلق الارادة بفعل الغير و فعليتها

المطلب الرابع‏ فى كيفيّة تعلق الارادة بفعل الغير و فعليّتها و اعلم ان الارادة اذ تعلّقت بفعل اما تتعلق به على وجه يحصل من الغير قهرا او على وجه يحصل منه اختيارا او مطلقا ثم قد مرّ ان تعلق الارادة و فعليّتها هو تمهيد مقدّمات المراد و المقصود و حينئذ فتعلق الارادة بفعل الغير على وجه القهر يختلف باختلاف المقصود و المراد مثلا تعلق الارادة بقتل الغير و فعليّتها انما هو بسلّ السّيف و جره الى محلّ السّباع و تعلق الارادة بغرض الغير هو ارسال الماء اليه او سلّ السّيل من غير طرفه حتى يميل اليه و هذا النحو من الارادة ليس مقصودا بالبحث فهو ارادة تكوينيّة و تعلّقها انّما هو بالاسباب المحصّلة للفعل المراد و بمقدّماته المتوقف عليها ذيها المركوز مقدميّتها فى الاذهان بل المقصود من البحث هو الشق الثّانى اعنى تعلق الارادة بفعل الغير و تحصيله على وجه يصدر من ذاك الغير اختيارا و لا ريب ان حصول الفعل الاختيارى انما هو بالاختيار و الارادة و يتوقف على ذات الارادة و هى الاعتقاد بالنفع بناء على عينيّتها و مغايرتهما ايضا لان الارادة بناء على انها صفة نفسانية غير منبعثة عن العلم بالصّلاح و الاعتقاد بالنفع كما بيّناه و على ذلك فتعلق الارادة بفعل الغير اختيارا او فعليّتها انما هو بتمهيد مقدمات حصول الفعل من ذاك الغير على وجه الاختيار و لا ريب فى امتناعه مع تحقّق اختيار ذاك الغير للفعل لكونه ممّا يحصل بفعل غير من المريد و بغير مقدّمة فتعلق ارادة المريد بهذا الفعل و فعليتها محال لانّه تحصيل للحاصل لان اختيار ذاك الغير للفعل لكونه ممّا يحصل بغير فعل من المريد و بغير مقدّمة فتعلق ارادة المريد بهذا الفعل و فعليّتها محال لانه تحصيل للحاصل لان اختيار ذاك الغير علة تامّة لحصول فعله الّذى هو مراد لذلك المريد بالارادة الشانيّة التى يعبّر عنها بالرّضا و امّا مع عدم تحقق اختيار ذاك الغير فى فعله الذى أراده ذاك المريد على وجه الاختيار ففعليّة ارادة ذاك المريد هى تمهيد مقدّمات هذا الفعل من طرف نفسه و ليست مقدّمة ممكنة له الّا اعلام ذاك الغير بصلاح فعله لان علّة حصول فعله هو اختياره و ارادته التامة الشانيّة التى لا تنفك عن الفعليّة و تحقق الفعل المراد و الارادة التامّة هى العلم بالصّلاح مع كونه مقارنا للعلم بالقدرة و بعدم ملاحظة مزاحم للصّلاح و بعبارة اخرى هى العلم بالصلاح بعد الجبر و الانجبار و بعد احراز القدرة و الذى تمكن منه ذاك المريد فى ايجاد هذه العلّة فى ذاك الغير من العلم بالصّلاح المنجبر بعد القدرة انما هو اعلامه بصلاح خاص حالة قدرته بحيث يعلم بالصلاح حين قدرته امّا صيرورة علمه بهذا الصلاح الخاص مع المزاحمة له او بدونها فليس مقدورا و ممكنا لذاك المريد فتعلق الارادة بفعل الغير على وجه اختياره و فعليّتها ينحصر فى اعلامه بصلاح خاص باحتمال صيرورة علمه ارادة تامّة مؤثرة فى تحقق الفعل منه و مختصر ما ذكرنا ان فعليّة ارادة فعل الغير على وجه الاختيار هو تغيير اختياره للترك الى اختياره للفعل يعنى تغيير علمه فقط من تمام الاختيار بان يعلمه المريد بصلاح فى الفعل لم يعلمه برجاء ان يصير علمه الحاصل من هذا الاعلام ارادة تامّة مؤثّرة فى تحقق الفعل منه‏

احوال المريد فى فعلية فعل الغير

اذا عرفت ما ذكرنا فاعلم‏

أن يعلم الغير بالصلاح الذاتى الذى هو مناط ارادة المريد لنفسه‏

ان المريد فى فعليّة فعل الغير امّا ان يعلمه بالصّلاح الذّاتى الّذى هو مناط ارادة المريد لنفسه كما يقول الطّبيب فى ارادته لشرب المريض دواء مرضه ان شربه دافع لهذا المرض‏

أن يعلم الغير بالصلاح العرضى‏

و امّا ان يعلمه بالصّلاح‏

16

العرضى اعنى ما يعرض الفعل بواسطة ذاك الصّلاح الذّاتى الّذى هو الملحوظ لذاك المريد و هذا الصّلاح العرضى امّا منجعل غير محتاج الى جعل او مجعول من الامر و هذا ايضا على قسمين لان هذا الصّلاح المجعول اما نفع فى الفعل او ضرر على تركه فيصير صلاح الفعل كونه دافعا للضّرر و بالجملة الصّلاح العرضى على اقسام ثلاثة

الاول: النفع المجهول (كون فعل الغير اعانة للمريد)

الاول‏ المنجعل و هو كون فعل ذاك الغير اعانة لذاك المريد و احسانا اليه اذا لم يكن ذاك المريد منعما لذاك الغير فان فعل ذاك الغير بعد صيرورته مرادا لذاك المريد بالارادة التامّة من حيث عدم المزاحم و لم يقدر المريد عليه بل هو بيد الغير ففعله من الغير اعانة و احسان اليه و اما ان كان المريد منعما فان الفعل ان لم يكن احسانا فهو شكر له بواسطة كونه مرادا بالارادة التّامّة و يستحيل صدوره الّا باعانة المنعم بالفتح و لا ريب فى كونه الاعانة و الاحسان و شكر المنعم ممّا يستقل العقل بحسنها و لا نعنى بالصّلاح الّذى هو رجحان للفعل الّا ما يشمل هذا كما مرّ من ان رجحان الفعل ليس منحصرا فى النفع العائد الى الفاعل بل صلاح غير الفاعل ايضا من الصّلاح الدّاعى الى الفعل و رجحان له بل هذا هو الرجحان العقلى الصّرف و امّا النفع العائد الى الفاعل فهو رجحان للجهة الحيوانيّة و الحاصل ان كون الفعل مراد الغير الفاعل بالارادة التامّة من جهة العلم بالصّلاح مع عدم المزاحم الّا ان المريد لا يقدر عليه اوّلا يتعلّق القدرة عليه انما هو سبب لرجحان الفعل للفاعل المذكور و ان لم يرجع النفع اليه فهو سبب لاختيار الفعل و الّا يلزم لغويّة افعال اللّه تعالى شأنه‏

الثانى: النفع المجهول من المريد للفاعل‏

الثّانى‏ النفع المجعول من المريد للفاعل الذى هو غير المريد فى فعله المراد مقدّمة لحصول مراده مثل ان يبنى المريد على ان هذا الغير لو فعل الفعل المراد يعطيه اجرا و ثوابا فيصير ترتب الاجر و الثواب صلاحا لهذا الغير فى فعله‏

الثالث: جعل ضرر على ترك فعل الغير

الثّالث‏ جعل ضرر على ترك فعل الغير و البناء عليه مقدّمة لحصول مراده ففعل الغير يصير صلاحا و ذا نفع و هذا الضرر مثل الضرب و القتل و الشتم و الاحراق و اخذ المال و لا ريب ان جعل الاخيرين فى فعل الغير مقدّمة لحصوله و فعليّة اخرى لارادة فعل الغير غير الاعلام بالصّلاح فجعلهما انما هو مقدّمة و فعلية لها فى طول الاعلام و لا بدّ من الاعلام ايضا فانهما لو لم يعلم بهما ذاك الغير يعد ان لغوا و لا يترتب عليهما حصول فعل الغير

اقسام فعلية إرادة فعل الغير بحسب المعلوم‏

فعلى ذلك فعليّة ارادة فعل الغير الّتى عرفت انها اعلام الغير بصلاح فعله لها افراد بحسب المعلوم‏

الاول الاعلام بالصّلاح الذاتى الذى هو مناط ارادة المريد

كاعلام المريض بان الدواء الفلانى يدفع مرضه‏

الثّانى الاعلام بكونه مرادا فقط

مثل سؤال السّائل فانه ليس الّا بيان ارادته و ان كان ذلك مستلزما لبيان حاجته ايضا و مثل التماس المساوى من مساويه فان ليس الّا بيان ارادته التّامّة و مثل امر كل من الوالدين بولده اذا لم يجعلا له اجرا و عقابا

الثالث الاعلام بكون الفعل ذا اجر و ثواب لذاك الغير

و هذا الاعلام يعد وعدا و ترغيبا و ندبا و تعهّدا و لا ريب أنّ المقدّمة و فعليّة الارادة هنا أمران العزم و الاعلام‏

لرابع الاعلام بالضّرر المجعول فى ترك الفعل‏

و هذا وعيد و تعهّد و ايجاب و اكراه و يعبّر عن هذا الضرر بالعقاب و المؤاخذة و هذا الفرد من الاعلام ايضا مسبوق بمقدّمة اخرى و بفعليّة اخرى غير الاعلام و الاعلام انما هو فى طولها و

الخامس الاعلام بالاثنين من الاربعة

و السّادس الاعلام بالثلاثة منها

و لهذين الفردين ايضا افراد كما لا يخفى‏

و السابع الاعلام بالاربعة

و ممّا ذكرنا علم انّ فعليّة ارادة

17

فعل الغير ظاهرا اما بمقدّمة واحدة و هى الاعلام فقط كما فى الاوّلين او بمقدّمتين كالثّالث و الرابع فان العزم على الاجر او على الضرر و العقاب مقدّمة و الاعلام به مقدمة اخرى او بثلث مقدمات كما فى الفرد من الخاص و هو ما كان الاعلام بالصّلاح اعلاما بالاجر و المؤاخذة كليهما فان عزم الاجر مقدّمة و عزم المؤاخذة مقدّمة اخرى و الاعلام بهما ايضا مقدمة اخرى و كيف كان فعليّة ارادة فعل الغير و تعلّقها انما هى بالاعلام بالصّلاح و هذا الاعلام يعبر عنه بالبيان فارادة فعل الغير و فعليّتها انما هى تحتاج الى البيان الّذى يعدّ حجّة و قاطعا للعذر اذا عرفت ذلك كلّه فاعلم ان الفعل الخاص الحاصل من الغير له افراد بحسب حالاته التى هى حصوله عن الدّواعى الّتى هى المصالح فانّ الفعل الخاصّ الحاصل باعتبار النظر الى الصّلوح المنجعل و هو كونه مرادا و صيرورة ذلك داعيا اليه غير الحاصل بداعى صلاحه الذاتى و المجعول و كذلك الحاصل باعتبار النظر الى صلاحه الذّاتى و كونه داعيا الى حصوله غير الحاصل باعتبار النظر الى اجره المتعهّد عليه او بيده و كذلك الثّانى غير الثالث بل الحاصل بالثلاثة غير الحاصل بالاثنين منها و هما غير الحاصل بالاربعة فتعلق الارادة بحصول فعل الغير و فعليّتها انما هو باحد الاعلامات المذكورة بعد ارادة خاصّة بلحاظ ان المراد فرد خاص من فعل الغير و هو الحاصل عن مقدّمة خاصّة و اما غير هذا الفرد فلم يرد بالارادة الفعليّة قطعا لان فعليّة غيره بتمهيده مقدّمة و المفروض عدمه‏

الإرادات الفعلية كما انها تعدّ خاصة كذلك تعدّ ارادة على تقدير

ثمّ‏ ان هذه الارادات الفعليّة كما انّها تعدّ خاصّة لكون المراد خاصا بخصوصيّة الاحواليّة كذلك تعدّ الارادة على تقدير و على احتمال لانّها تعلّقت بحصول الفعل باعتبار احتمال حصوله باحد الوجوه المذكورة و باعتبار حصوله على تقدير تاثير احد الاقسام فان الفعل قد لا يحصل مع ترتيب بعض هذه الاسباب الثمانية و فعليّة هذه الارادة انما هى بالاعلام ببعض الاسباب فانه قد لا يؤثّر فى حصول لان ترجيح المرجوح على الرّاجح فضلا عن ترجيح الارجح او المساوى نعم قد يصير الاعلام باحد الاسباب علّة تامّة كما كان الاعلام باحدها على التّرك و لم يكن فى نظر ذاك الغير رجحان و صلاح فى طرف الفعل اصلا فان قضيّة بجهاليّة الترجيح بلا رجحان تحكم بتحقق الترك من ذاك الغير و كذلك اذا كان الاعلام باحدها على فعل لم يكن فى تركه صلاح ابدا و لم يكن صدوره شاقا اصلا فان ترك المشقة من المصالح المزاحمة نعم ذاك الترك لا تتعلّق بها الارادة الفعليّة لانّها بالنسبة الى العدميّات تحصيل للحاصل و كذلك ذاك الفعل الخالى تركه عن المصلحة لا يحتاج الى الوعد و الوعيد لانهما لغو بلا فائدة لحصول هذا الفعل بالاعلام بصلاحه لان تركه من الغير مع العلم بصلاحه محال لمحاليّة الترجيح بلا رجحان بعد فرض عدم مصلحة فى تركه بحيث لم يكن فعله مشقّة ايضا و هذا مثل ارادة توجّه الغير الى طرف المتكلّم باظهارها من المتكلم بالنداء فانه ليس الّا ارادة المتكلم من المخاطب التوجيه اليه و ليس الّا بيان هذه الارادة و لما ذكرنا لا يمكن خلوّ النّداء عن توجّه المخاطب و لا يقال انه ربما لم يكن صلاح للمخاطب فى التوجيه لانّا نقول ان صلاح الغير ايضا من المرجّحات للفعل كما مرّ و سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى فالنداء لا يخلو عن الاعلام بالرجحان الدّاعى الى الفعل و هو كون التوجّه مرادا للمنادى بالكسر و كيف كان ما ذكرنا من ان فعليّة الارادة و تعلّقها باحد الاعلامات فعليّة و تعلق على تقدير و على احتمال او ان المراد فرد خاص بخصوصيّة الاحواليّة و هى الداعى و النيّة انما هو اذا كان الغرض من الاعلام بالثلاثة

18

اعنى الصّلاح المنجعل و هو كونه مرادا او الصّلاح الذاتى او المجعول و هو الاجرة او المؤاخذة او بالاثنين منها هو حصول الفعل بداعى مجموع الثلاثة فى الاول و بداعى مجموع الاثنين فى الثانى و لم نجد لهما مثالا فى الشرع و العرف‏

اذا كان الغرض حصول الفعل من الغير مطلقا و بأى داع كان‏

و اما اذا كان الغرض حصول الفعل مطلقا و كيف ما وقع و باى داعى من الثلاثة او الاثنين تحقّق يعنى سواء وقع بصلاحه الذاتى او المنجعل و هو كون الفعل مرادا او بداعى الاجرة او بداعى الفرار عن المؤاخذة او بداعى الاثنين ففعليّة الارادة و تعلّقها بالغرض اعنى المراد عموم فعليّة و تعلق و ارادة على التقادير و على الاحتمالات و المراد مطلق يعنى انه فرد شايع من كلّى هو الفعل الخاص الّذى كلّيته بلحاظ خصوصيّاته الاحواليّة و بعبارة اخرى الاعلام بكون الفعل مرادا رجاء لحصوله بهذا العنوان فعليّة للارادة و تعلّق خاص لها باحتمال تاثيره و كذلك الاعلام بالصّلاح الذاتى طبعا و رجاء لحصول فعل الغير ارادة فعليّة و تعلّق خاص لها و ارادة على احتمال و تقدير و حصوله به و لو ضمّ الى هذا الاعلام اعلام بصلاح آخر مثل الصلاح الجعلى الذى هو الاجرة و الثواب او المؤاخذة و العقاب برجاء حصول الفعل به ايضا و لاجل انّه لعل يصير سببا بنفسه او بالضميمة لحصول فعل الغير فهذه ارادة فعليّة اخرى و على احتمال و تقدير غير التقدير الاول او الثّانى فبضم هذا الاعلام الى الاول او الثانى يصير ارادته فعليّة عامّة بالنسبة الى جهتى الارادة الفعليّة او الى جهاتها الثّلاثة فتعلّق الارادة بفعل الغير اختيارا قد يكون خاصا و قد يكون عاما نعم باعتبار عدم سببيّة تلك الاعلامات لمطلق حصول فعل الغير لعدم تاثيرها فى صيرورة الغير مقهورا يكون الارادة الفعليّة خاصّة فالمراد و الغرض منها هو الفعل المقيّد بعدم احتياجه فى التحقق الى قهر ذاك الغير فالارادة الفعلية المذكورة خاصة فى قبال عمومها الشّاملة لاسباب الفعل الاختيارى و اسباب الفعل الاضطرارى و هذا العموم فى الارادة الفعليّة مثل ان يبيّن المريد لغيره ان فى فعل هذا الغير الصّلاح و انه مرادى و ان فيه الصّلاح الفلانى و مقدار من الاجرة و المؤاخذة و مع ذلك البيان يأمر المريد شخصا ثالثا بان ذلك الغير ان لم يفعل الفعل المذكور المراد فاصدر عنه الفعل المذكور على وجه القهر و الاضطرار فهذه الارادة الفعليّة متعلّقة بمطلق فعل الغير و تعلّقها عام لاعمال جميع اسباب الفعل على جميع تقاديره و احتمالاته فى تحقّقه من احتياجه الى الوعد او الوعيد او القهر و هذه الارادة العامة باعتبار و المطلقة باعتبار هى القسم الثالث من ارادة فعل الغير و هذا ايضا ذكر استطرادا كالاول و المقصود بالذكر هو الثانى و قد مر انه بغير الاعلام بالصّلاح و بيانه محال لان ذاك الغير تابع لعلمه بالصلاح فى فعله الاختيارى فمقدّمة فعله و سببه ليست ايجاد علمه بالصّلاح اعنى الاعلام به لعدم اعتناء الغير فى بعض الاوقات بصلاح ذات الفعل امّا لعدم رجوع صلاح الفعل اليه و امّا لترجيحه المرجوح على الرّاجح و كيف كان قد مر ايضا ان عموم الارادة الفعليّة فى فعل الغير اختيارا هو تمهيد مقدمات الفعل بجميع محتملات احتياجه فى التحقيق و تمهيدها بجميع تقادير احتياجه كذلك و مرّ ايضا ان من جملة احتمالات احتياجه فى التحقيق هو احتمال احتياجه الى الوعد لانّ الصّلاح المنجعل و هو كونه مراد الغير الفاعل و كذا الصّلاح الذّاتى قد لا يصير سببا لحصول فعل الغير بل الاجر و الثواب يصير داعيا له و صلاحا له و قد لا يصير هذا مرجحا و داعيا له لعدم اعتناء الغير فى بعض الاوقات بالاجرة فيحتاج الى الوعيد حتّى يصير العقاب و المؤاخذة مرجّحا و داعيا له‏

تنبيهات‏

تنبيهات‏

الأول: اضعف مراتب الرجحان المحقق الفعلية الإرادة هو صلاح غير المريد

الاول ان اضعف مراتب الرّجحان المحقق الفعلية

19

الارادة هو صلاح غير المريد فانه قد مر الاشارة الى ان الصّلاح المرجّح قد يرجع الى المريد و قد يرجع الى غيره و وجه صيرورة صلاح الغير راجحا ان الفعل الغير الذّاتى التى لا تتخلّف و الغير القهرى وجوده و عدمه بالنسبة الى فاعله سواء و تحقّق احدهما دون الآخر بلا مرجّح من الصّلاح ترجيح بلا مرجّح و ترجّح بلا ترجيح رجحان و هما محالان فتحقّق احدهما يحتاج الى مرجّح و رجحان و هو الصّلاح و لو كان هذا الصّلاح ترك المشقة بلحاظ ان الفعل مشقة على فاعله او كان صلاح الفعل نفس تحقّقه فان الوجود راجح على العدم للموجود لذاته فالوجود صلاح للموجود فالفعل و الترك لا يعقل خلوّ احدهما عن الصّلاح ثم الصّلاح الاول مطّرد فى المخلوق فى الافعال الشاقة و لو كانت المشقّة جزئيّة و الصّلاح الثّانى مطّرد فى الخالق فى جهة خلقه فعلى ذلك الاصل فى فعل المخلوق اختياره لجهة العدم و الاصل هنا المقتضى و الحاصل ان كلّ واحد من الفعل و التّرك لا يتحقّق الّا بمرجّح و رجحان و اذا فرض عدم رجحان للفعل او التّرك بالنّسبة الى نفس الفاعل فلا بد من صيرورة رجحان احدهما لغير الفاعل مرجحا لاحدهما فرارا من الترجيح بلا مرجح او الترجيح بلا رجحان‏

فان قلت ان الترك لا يحتاج الى مرجح و رجحان بل يكفيه عدم رجحان للفعل‏

لان العدميّات غير محتاجة الى العلّة بل يكفيها عدم علّة الوجود كما هو مبيّن فى مجلّه‏

قلت ما ذكر من انّ العدم غير محتاج الى العلّة هو العدم المطلق‏

اعنى عدم الشي‏ء المطلق و اما اذا كان العدم عدم المضاف و المقيّد اعنى ما يعبّر عنه بالعدم و الملكة فهو امر مسبّب عن امرى وجودى بل هو العنوان لامر وجودىّ مثلا تارة يلاحظ عدم الذّات و عدم وجودها بما هى ذات و هو يلاحظ عدم تحقق الفعل مثل الضرب او القتل او الحركة فهذا العدم يكفى فى تحققه عدم العلّة المتعلّقة و تارة يلاحظ عدم تحقق الضرب او القتل او الحركة ممن شانه صدور احدها منه و هذا الّذى شانه ذلك اذا لم يتلبّس باحدها لا بدّ ان يتلبّس بضدّ احدها و لو كان سكونا او خلوا و لا ريب ان السّكون او الخلو يحتاج الى الارادة لعدم كون وجوده ذاتيا فهو اختيارى يحتاج فى تحققه الى الارادة و بالأخرة مرجع الاول الى ان حدوث الحادث يحتاج الى العلة لا عدمه و مرجع الثّانى الى ان تعيين كلّ واحد من الحادثين يحتاج الى العلّة و ان كان احدهما او كلّ واحد منهما معنونا بكونه عدم الآخر و تركا له فكلّ امر عدمى ليس داخلا فى القضيّة للمعروفة و هى انّ العدم لا يحتاج الى العلّة فانّ ترك الفعل الاختيارى امر عدمى منتزع عن امر وجودى اختيارى واحد عناوينه و تابع له فى التحقق و بعد فرض انّ هذا الامر الوجودى تابع للعلّة و لا يكفيه عدم العلّة لا يعقل ادعاء ذلك فيما هو تابع له و احد عناوينه و كيف كان خلو الفاعل المختار عن ارادة الفعل و الترك فيما هو فعل اختيارى و تحقّقه بالارادة لا يعقل و بعد فرض ذلك لا بدّ ان يكون صلاح الغير مرجحا مع فرض عدم امكان صلاح فى حق الفاعل او امكانه و عدم تحقّقه فى حقّه لا فى طرف الوجود و لا فى طرف الترك فاذا يكون من المرجّحات او الرجحانات اعنى العلّة الغائية صلاح الغير بدون ان يكون للفاعل غاية ابدا فالعلّة الغائية لم تنحصر فى الصّلاح العائد الى الفاعل بل هى رجحان الفعل و صلاحه و لو لغير الفاعل و الحاصل انّ صلاح الغير قد يصير من مرجّحات الفعل و يصير رجحانا له الّا انه اضعف المرجّحات و اكملها اما الاكمليّة فباعتبار ان ملاحظة صلاح الغير انما هى الفياضيّة و جهة من الجهات الرّبوبيّة و امّا الأضعفيّة فلعدم مقاومة هذا الصّلاح فى مقام‏

20

تعلّق الاختيار فى محلّ التزاحم للصّلاح الراجع الى نفس المريد خصوصا اذا كان صلاح النفس هو دفع الضّرر عنها و من هنا يعلم ان اقوى المرجّحات هو دفع المريد الضّرر عن نفسه و هذا هو وجه كون دفع الضّرر عن نفسه و هذا هو وجه كون دفع الضرر لازما عقلا فانه لا يعارضه و لا يزاحمه غيره من جلب المنفعة و لهذا ايضا يعدّ الوعيد على الترك فى مقام تعلّق الارادة بفعل الغير و فعليّتها ايجابا للفعل و الزاما عليه لان الفعل بواسطة كونه دافعا للضّرر الّذى يوعد به واجب و لازم عقلا فالايعاد عليه الزام و ايجاب له‏

الثانى: ان ارادة فعل الغير يتوقف على امور

التنبيه الثانى‏ فى ان ارادة فعل الغير على وجه الاختيار لمّا كان تعلّقها و فعليّتها مشروطا بقدرة المريد كما مر من انها شرط المطلق الارادة الفعليّة و تعلّقها فتعلق الارادة و فعليتها بالنسبة الى ذاك الفعل الاختيارى للغير يتوقف على امور الاول قدرة المريد على التفهيم اعنى الاعلام و البيان الثانى قابليّة الغير للانفهام من حيث كونه شاعرا و ملتفتا الى الخطاب او الاشارة عالما بدلالة (1) الخطاب و الاشارة و الثالث كونه عاقلا مدركا لصيرورة الفعل ببيان المريد و وعده و وعيده صلاحا يعنى مدركا للحسن و القبح و الرابع قدرة ذاك الغير على الفعل المذكور

و بعبارة اخرى تنجز ارادة فعل الغير على وجه الاختيار

اعنى انجاحها و نفوذها فى محلّه و هو ذاك الغير يترتّب على علم الغير بارادة المريد من الوعد و الوعيد و على كون الغير عاقلا و على كونه قادرا و وجه اشتراط تعلق الارادة بالاربعة او ترتّب التنجز عليها ظاهر من جهة ان حصول الفعل من الغير اختيارا على وجه يكون مسبّبا عن اختيار المريد و اعلامه بالصّلاح لا يمكن الا بعد العلم و القدرة و العقل لان عجزه مانع عن تاثير المقدمات من الوعد و الوعيد و جهله مانع عن صيرورة الثواب و دفع المؤاخذة مرجحا و رجحانا للفعل و كذلك عدم بلوغه الى حدّ العقل و جنونه مانع عن جعلهما مرجحا و رجحانا فانهما منافع مؤجّلة لا تصلحان للمرجّحيّة الّا فى حق العاقل المدرك للحسن و القبح و الكليّات فقدرة المريد لفعل الغير على وجه الاختيار لا تتحقّق الّا بعد تحقّق بعض هذه الاربعة و تمكن المريد عن بعض آخر مثل الاعلام‏

عدم تعلق ارادة اللّه بالوعد على فعل العبد مع انتقاء الامور المذكورة

ثمّ‏ ان العلم و القدرة و العقل شروط لامكان حصول الفعل الاختيارى بواسطة الوعد و الوعيد و بجعلهما مرجّحين للفعل فلا يتعلق ارادة اللّه تعالى بالوعد و الوعيد على فعل العبد مع انتفاء احد الثلاثة و كيف كان قد علم ممّا سبق ان ارادة فعل الغير اختيارا منه فعليّتها و تعلّقها ليس الّا إعلام الغير بصلاح هذا الفعل و علم ايضا ان هذا الصلاح اما هو الصلاح الذّاتى الذى هو مناط ارادة ذاك المريد و اما الصّلاح العرضى المنجعل بتعهد المريد اياه و امّا الصّلاح العرضى الّذى هو مراعات المريد فى انجاح ارادته و الصّلاح الاول امّا يرجع الى نفس المريد و اما الى ذاك الغير و الصّلاح الثّانى اما اجر و ثواب على الفعل و امّا عقاب و مؤاخذة على ترك هذا الفعل و ايضا قد علم من تقرير الارادة الفعليّة و تعلّقها ان الاعلام بالصّلاح ليس فعليّة لارادة الصّلاح الّذى يصير معلوما بالاعلام الّا اذا وقع الاعلام به مقدّمة لحصوله فان المقدّمة ليست فعليّة لارادة ذيها الّا بتحققها بعنوان المقدّميّة له و لاجل خروجه من الامتناع الى الامكان الفعلى فعلى ما ذكرنا من ان حقيقة الارادة هى الفعليّة فالاعلام بالصّلاح مقدّمة لتحقّق هذا الصّلاح عين ارادته و ايضا قد علم ان الوعد و الوعيد مقدمتان لحصول المراد و لو بعد استتباعه للصفة النفسانيّة على القول بها اعنى فعل الغير فمع القدرة عليهما و عدم مزاحم لهما العلم ( (1) بدلالة)

21

بصلاح الفعل يقتضى تحققهما من ذاك المريد نعم مع عدم القدرة عليهما لا يتحققان كما فى فاقد الاجرة و العاجز عن مؤاخذة ذاك الغير لغلبة قوة الغير عليه و كذا مع المزاحمة كما لو كان بقاء الاجرة عند المريد (1) حينئذ يزاحم لصلاح حصول فعل الغير فلا يتحقق الوعد مقدّمة لحصول فعل الغير و كذلك قد يكون صلاح فعل الغير جزئيا و الوعيد لمّا كان موجبا باكراه الغير و الزامه بما يكره لان دفع ضرر الوعيد لازم و المريد لا يريد صيرورة الغير مكرها فى فعله و لا يريد اقدام الغير على الفعل شاقا عليه كما لا يجره على الفعل مع القدرة على إجباره فالصّلاح الّذى حصل فى نظر المريد فى عدم اكراه الغير مانع عن الوعيد على ترك الفعل فهذه المقدّمة لا تتحقق لمانع هو انجرارها الى اكراه الغير كونه مقدمة لحصول المقصود اذا عرفت ذلك فاعلم ان ارادة اللّه تعالى المتعلّقة بفعل العباد لا مزاحم لها من حيث الوعد فان الوعد منه صلاح و مقرب الى صلاح الفعل و لا مفسدة فيه ابدا اذا كان الثواب الموعود اخرويّا فانه تعالى غنىّ عن احتياجه الى نفس الثواب مطلقا و العالم الاخروى خال عن شائبة الفساد و نعمه عارية عن النقمة نعم الاجر الدّنيوىّ يمكن فيه المزاحمة باعتبار انّ الدنيا عالم الصّلاح و الفساد و يمكن كون اجر العمل فسادا للعبد الّذى اريد صلاحه فى فعله و لهذا قد يتخلّف عموم الموعودات الدنيويّة الّتى جعلها الشارع فى قبال الاعمال فان جعلها انما هو لكونه مقربا للعبد الى صلاحه و بعد فساد الاجر للعبد لا معنى لترتّبه لانه نقض للغرض فعلى ذلك عدم جعل الثواب مع كونه مقدّمة لحصول المقصود قد يكون من احتياج المريد الى الموعود اعنى الاجر و قد يكون لفقدانه من المريد و عجزه عنه و قد يكون لمفسدة مترتّبة عليه فى حق الغير الّذى اريد فعله كما فى الاجر الدنيوى الذى فيه فساد للعباد فان جعله اجرة من اللّه تعالى محال لانه مقدّمة لصلاح العباد و لطف و احسان لهم و مع كونه مفسدة بنفسه فهو نقض لصيرورته احسانا و لطفا فيصير نقضا للغرض هذا حال الثّواب و الاجر المقدمى و اما العقاب و المؤاخذة على الفعل و الوعيد عليه فهو مقرّب اليه الّا انه ايذاء على الغير و ظلم عليه و هو من القبائح الذاتيّة الّتى صدورها عن الحكيم قبيح الّا بعد خروجها عن القبح و حصول المانع عن قبحها و لم اجد مانعا عن قبح العقاب و الوعيد على فعل الغير توصّلا اليه الّا اذا صار من قبيل فاسد يدفع به الافسد عن ذلك الغير و بعبارة اخرى لا يجوز له الّا اذا لاحظ المريد لفعل الغير ان فعله هذا لو كان مستلزما للعقاب و المؤاخذة و كان العقاب خاصيّة فعله فهو اصلح لذلك الغير باعتبار صيرورته رادعا للغير عن ارتكاب الفعل و الوقوع فالتّعهد على العقاب فى ترك فعل الغير اعنى الوعيد على فعله احسان الى الغير و لطف فى حقّه فيخرج عن كونه ظلما فيصير من قبيل ايذاء الصّغير للتّأديب بل هذا ايضا نحو تاديب عن الكبير و الحاصل انه لا يجوز الوعيد على فعل الغير الّا اذا كان ترتّب العقاب على فعله مصلحة له باعتبار كونه سببا لردعه عن الفعل و زجره عن ارتكابه لمفسدة الفعل‏

الثالث: ان ارادة فعل الغير و ارادة ذلك الغير للفعل متعاكسان من حيث التبعية و الاصلية

التنبيه الثالث‏ في ان ارادة فعل الغير و ارادة هذا الغير فى فعله تبعا له ارادتان متعلّقتان بفعل الغير متعاكسان من حيث التبعيّة و الاصليّة و كل واحدة منهما مؤثرة فى تحقق فعل الغير و لا يخرج الفعل عن اختياريّة المريد و لا الغير و لا منافاة فى اختياريّته لهما و ان كان معنى اختيار الفعل للشخص عدم احتياجه الى غير اختيار هذا الشّخص و ذلك لانّ احدى الارادتين فى طول الاخرى يعنى ان الارادة الثانية تحقّقها بالارادة الاولى فهما من قبيل السّبب و المباشر و لا اشكال ( (1) اصلح له من حصول فعل الغير فان صلاح بقاء الاجرة عند المريد)

22

فى استناد الفعل اليهما و فى كون كلّ منهما مؤثرا فى تحقّق الفعل و ان الفعل اختيارى لكل واحد من المريد و الغير غاية الامر ان اختيار احدهما فى طول اختيار الآخر

تفسير خبر لا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين‏

و ممّا ذكرنا ينحل الخبر لا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين يعنى افعال العباد تتحقق باختيارهم فلا جبر و باختيار اللّه تعالى فلا تفويض و الشبهة الّتى اوردوها على الخبر من ان افعالهم ان صدرت باختيار اللّه تعالى خرجت عن اختياريتها لهم و ان صدرت عن اختيارهم خرجت عن اختياريتها للّه تعالى و ذلك لانّ اختياريّة الفعل للفاعل هى كون تحقق الفعل و عدمه بيد الفاعل و عن علمه بصلاحه و هذا المعنى لا يتحقق بالنسبة الى الشّخصين الّا مع فرض توارد العلّتين على المعلول الواحد و هذا محال فكيف كان الإرادتان المتعلّقتان بفعل الغير من ذاك المريد و ذاك الغير متعاكسان من حيث الاصليّة و التبعيّة اذا صار ارادة ذاك المريد فعليّة ببيان نفس الارادة حتى يتبعها الغير او بالوعد و الوعيد او كليهما و بالاعلام عليهما و وجه التعاكس واضح فان ذاك المريد نظره بصلاح الفعل من حيث الذات و الوعد و الوعيد تبعىّ و ذاك الغير نظره الى الوعد و الوعيد او تبعيّة ارادة المريد و حصول الفعل و صلاحه الذّاتى منه تبعىّ نعم اذا كان ارادة ذاك المريد باعلامه للصّلاح الذاتى و فعله ذاك الغير بلحاظ هذا الصّلاح و الإرادتان كلتاهما اصليّتان بالنسبة الى الصّلاح الذاتى فحصول الفعل و تحققه حينئذ انما هو بارادة واحدة مقارنة له بخلاف الفعل المتحقق بالارادات السّابقة فانه بالارادة المفارقة هذا تمام الكلام فيما يهمّنا البحث عنه فى الارادة

تشريح فى الوضع و لا بدّ من تمهيد مقدّمات‏

و لا بدّ فيه من تمهيد مقدّمات‏

المقدمة الاولى: فى حقيقة الالتزام‏

الاولى‏ فى حقيقة الالتزام و هو قسم من اقسام الارادة و القصد و هو الارادة المطلقة المتعلقة بفعل النّفس و معنى اطلاقها هو عدم مزاحمة شي‏ء لفعليّتها بعد القدرة مثلا اذا اراد الشخص زيارة ابى عبد اللّه (عليه السلام) بعد القدرة عليها فتارة تتعلّق ارادته بها مط فى حرارة الهوى و برودتها و اعتدالها مثلا و تارة تتعلق بها ما لم يزاحمها حرارة الهوى او برودتها ففى الأولى مطلقة لعدم تقيّد فى متعلقها من حيث حصولها مع حرارة الهوى او برودتها او اعتدالها و فى الثانية مقيدة لتقيد المراد الفعلى بما يحصل فى اعتدالها و كون الحرّ و البرد مانعين من تعلق الارادة و مزاحمين له و الحاصل انه اذا ادرك مصلحة للفعل المطلق و المقيّد و كان مقدورا فتعلق الارادة به قسمان بملاحظة مزاحمة شي‏ء لاستقرارها و عدم استقرارها و انتقاضها الاول هو تعلقها بالفعل المقدور مع البناء على عدم رفع اليد عنه كيف ما كان و الثّانى هو تعلّقها به مع عدم البناء المذكور سواء كان متزلزلا فعلا فى رفع اليد او بانيا عليه فالارادة المتعلّقة بالفعل على النّحو الاوّل مطلقة لاطلاق متعلقها من حيث عدم تقيده بتوقفه على امر دون امر و مستقرة لعدم انتقاضها و الارتداع عنها بعروض العوارض الممكنة للمزاحمة لها و التزامية ايضا لصيرورة وقوع متعلّقها و هو الفعل لازما للمريد بواسطة ارادته و اختياره و هذه الارادة اذا كانت فعليّتها ببيان نفسها و اعلام الغير بها فالاعلام بها كان من مقدمات حصول المراد و الغرض فبيانها من حيث كونه بيانا لها و فعليته لها يسمّى تعهّدا ايضا فالتعهد هى الارادة المطلقة الّتى فعليّتها اعنى بها الشروع فى مقدمات الغرض هى بيانها و اعلام الغير بها و هذا التعهد اذا كان من واحد فهو ايقاع نظير الوعد و العتق و الظهار و الطّلاق و اذا كان من اثنين فهو عقد و عهد و تعاهد و التعهد هو الالتزام الاختيارى الّذى فعليّتها

23

بالبيان و الاعلام و يعبّر عنه بالفارسيّة بلفظة (قرار دادن) ففى البيان مدخليّة لتحقق عنوان التعهّد نظير عنوان الطلب الذى هو حقيقة فى ارادة فعل الغير و فعليّته انما هى بالبيان و لا تغاير بين الشي‏ء و فعليّته فان الانسان الشانى مثل العلقة ليس بانسان حقيقة بل حقيقته هو الانسان الفعلى فالارادة و الاختيار له مرتبة شأنيّة هى حالة الانسان من حيث علمه بمصلحته و عدم تمكنه منه او مع تمكّنه لكنّه يرى مزاحما لادراك مصلحة الفعل و له مرتبة فعليّة ايضا و هى حالته المنتزعة عن الفعل المراد او احد مقدّماته بلحاظ وقوعه عن العلم بمصلحته و تبعيّة خبره فالارادة الفعليّة المطلقة المستقرّة اذا كانت فعليتها بالبيان و الاعلام فتعهد ان كانت متعلّقة بفعل المزيد نفسه و لو كان تعلّقه به ايضا مقدّمة لحصول فعل الغير و طلب ان كانت متعلّقة بفعل الغير فالبيان و الاعلام له مدخليّة فى تحقق فعليّة الارادة فى التّعهد و الطلب‏

يعتبر فى التعهد و الطلب امور

فيعتبر فى التعهد و الطّلب امور احدها الارادة الشأنية المشرفة على البيان‏ و الثانى: البيان‏ و الثالث‏ كون البيان صادرا من حيث كونه مقدّمة لحصول المراد و الغرض و توصّلا اليه و هذا هو فعليّة تلك الشانيّة و مرتبة ثانويّة لها و هيئة لفظة اضرب بصيغة الامر موضوعة لها و مستعمل فيها فى مقام الطلب و امّا فى التعهّد فصيغة الماضى بعد تنزيل ارادة الفعل منزلة وقوعه لاستقرارها و عدم انفكاك وقوعه عنها تستعمل فيها مجازا فالارادة الفعليّة المتحقّقة فعليّتها بنفس البيان مستعمل فيها هيئة الامر و الماضى فكون وقوع على الجهة التوصّلية مأخوذ فى اللّفظ الكاشف و لكنّه ليس من حيث الوضع بل باعتبار كشفه عن الارادة التامّة الّتى لا تنفكّ عن الفعليّة بحكم العقل بكون الكاشف عنها فعليّة لها و وارد فى مقام التّوصليّة و المقدّميّة فلا يلزم الدّور لان التقيّد بهذا القيد مستخرج عقلا من مرتبة ملحوظة للارادة الشانيّة و هى التامّة اعنى المشرفة على المقدّمة و هى الاعلام و دفع العذر اعنى الجهل و ليس التقيد المذكور بنفسه داخلا فى المستعمل فيه حتى يلزم الدور و توضيحه ان الارادة الشأنيّة اذا توقف انفاذها و نفوذها و انجازها و تنجّزها على رفع المانع و العذر و هو جهل من اريد افهامه بالخطاب و ليس لانفاذ تلك الارادة الشأنية و تنجّزها حالة انتظاريّة الّا جهل من اريد تفهيمه فرفع هذا العذر يتحقق ببيان هذه الارادة الشانيّة التى هى المرتبة الاخيرة من شأنيّتها المسمّاة بالتامّة المؤثرة فى بيان نفسها فان البيان هو رفع المانع و العذر عن حصول اصل المقصود و الغرض و لا ريب ان الارادة المؤثرة لدفع المانع هى الارادة الاصليّة المتعلقة باصل الغرض و دفع المانع تبع له و لهذا يعد اختياره ارادة تبعيّة بمعنى ان تعلق الارادة الاصليّة تبع لتعلّقها باصل الغرض و المقصود و كيف كان اذا صار مدلول اللفظ و المعنى الذى استعمل فيه المرتبة الاخيرة من الارادة الشأنية التى عبرنا فى مقام التعبير عنها بالارادة التامّة فلا يعقل بيان لها الّا البيان التوصّلى الذى يتحقق بنفس هذه الارادة الشأنيّة التامّة و وجه الانحصار فى هذا البيان اعنى ما كان الغرض منه حصول المراد الاصلى هو عدم امكان تخلّف الارادة مع القدرة عن اصل المراد و مقدماته توصّلا اليه فاللفظ الموضوع لهذه المرتبة من الارادة الشانيّة لا يعقل انفكاكه عن تحقق بيانه لانّها متى وجدت تقتضى علاج الموانع و الاعذار و جهل الغير اذا كان مانعا عن انفاذها فهى تؤثر فى رفع هذا الجهل و رفع هذا الجهل انما

24

هو ببيان نفسها فاللفظ الكاشف عنها مسبّب عنها ايضا وجودا و دال عليها و فعليّته لمدلوله الذى هو الارادة الشأنية التامّة فكون البيان فعليّة لها مستخرج من جهته مرتبة المدلول و عدم انفكاكه عن دالّة ثم ان بعض الهيئات موضوعة لتلك المرتبة من الارادة مثل هيئة الامر و كذلك بعض الحروف مثل لفظة لا النّاهية و مثل أداة الاستفهام و حرف النّداء و قد يستعمل ما وضع للاخبار من فعل الماضى و المضارع و المشتقات فى تلك الارادة توسعا و تنزيلا للفعل المتعلق به الارادة المطلقة المستقرة منزلة وقوعه باعتبار تحقق سببه و هو الارادة المذكورة و ما مرّ من الحمل الاخباريّة كلّها تستعمل فى مقام الطّلب و لعلّ الاسميّة و هى المشتقات المحمولة اكد و اصرح و كذلك تستعمل كلّها فى مقام التعهد و انما الاصرح منها فى الدلالة عليه هو الماضى لتنزيل المتعهد عليه منزلة ما وقع فى زمان الماضى فدلالته على الالتزام و الارادة المطلقة المستقرّة اتم و اوفى ثم اعلم انه يعلم حقيقة الانشاء ممّا ذكرنا من بيان استعمال الامر و غيره مما دل على الارادة و ممّا هو فعليّة لها و مسبّب عنها وجودا فان حقيقة الانشاءات هى ما ذكرنا من اللّفظ الدال على الارادة مع كون المقصود من البيان رفع الجهل المانع من تحقق المراد و كون البيان المذكور فعليته لها و مسبّبا عنها هو وجه تسميته انشاء لان المدلول سبب لوجود بيانه او لان البيان المذكور يقتضى انجاز الارادة و تنجّزها فى مضمون الجملة الّتى بهيئتها تدل على تعلق الإرادة بمضمونها

و ان شئت توضيح جميع ما ذكرنا فى ضمن المثال‏

فنقول اذا تعلّق الارادة بتحصيل فعل الغير و لا مانع عن انجاز الغير اياها الّا جهله فهى تؤثره فى تحقّق مقدّمات حصول فعل الغير ايّاها الا جهله فهى توثر فى مقدمات حصول فعل الغير و من جملتها رفع المانع الذى هو جهل الغير و رفعه عين بيان الارادة و اعلام الغير بها فالاعلام بها يصير سببا لحصول متعلّقها من ذاك الغير و هذا هو الطلب و امّا غيره فكثير ما مثل لك مثال التعاهد مثلا اذا اراد الشخص مبادلة ماله بمال غيره فلا يتمكن منه الّا بعد تعلّق ارادة ذاك الغير بتلك المبادلة لعدم قدرة ذاك الشّخص بها فاذا اراد ذاك الغير ما اراد الشخص على هذه و اتّفقا فى الارادة المذكورة و لكنّهما لم يعلما باتّفاقهما فيتوقّفان فى التسليم و التّسلم فاذا بين كل واحد ارادته المستقرّة المطلقة لصاحبه و توافقا فى هذه الارادة و بيانها و اعلام الصاحب بها فهو فعليّة لها و سبب لتسليم كلّ واحد و تسلمه عن الآخر و هذا هو التعاهد عرفا و امّا صحته و عدمها فلا ربط لهما بموضوعه بل هما متفرعان عليه و هذا ما هو معقول و مشاهد بالوجدان فى الانشاءات و فيها اقوال أخر سنشير اليها إن شاء الله اللّه تعالى فى متوهمات حقيقة الوضع و تشير الى ما فيها ايضا

المقدمة الثانية: تقسيم الامور الى الحقائق الأولية و العناوين الثانية

المقدّمة الثانية ان لنا امورا متاصلة اصليّة و هى ما كان لها فى الخارج ما بازاء نظير ذات زيد و عمرو و بكر و امورا انتزاعيّة اضافيّة و هى ما ليس لها ما بازاء فى الخارج بل تنتزع عن الامر المتاصل بلحاظ غيره و بواسطة اضافته و نسبة بينه و بين هذا الغير نظير الابوّة و النبوّة فما كان من قبيل الاولى يسمّى بالحقايق الاوّليّة و ما كان من قبيل الثّانية بالعناوين الثانويّة ثم بعد انقسام الامور بالقسمين فوضع لفظ لمعنى او استعماله فيه لا يدلّ على ان المعنى من قبيل الاولى او الثّانية بل ينبغى التّامّل فى تشخيصه فاذا علم ذلك فالفعل ايضا على قسمين الفعل المتحقق بلا واسطة نظير جميع حركات البدن بجميع كيفيّاته و الفعل التحقق مع الواسطة نظير الاحراق الحاصل‏

25

بالقاء النّار فالالقاء فى النّار له عنوانان احدهما الاصلى و هو كونه القاء و الآخر الطارى الانتزاعى و هو الاحراق المعنون به الالقاء بتبعيّة النّسبة السّببيّة بينه و بين الحرمة

المقدمة الثالثة: القدرة لا تتعلق بالامور الانتزاعية الا بعد القدرة على الامور الاصلية و بالعكس‏

المقدمة الثالثة ان القدرة لا تتعلّق بالامور الانتزاعيّة و العناوين الثّانويّة و كذلك بالافعال التبعيّة الّا بعد القدرة على الامور المتاصّلة و الافعال الاصليّة كما هو واضح و ايضا اختيار الامور الاصليّة عين اختيار المنتزعة منها و بالعكس و كذلك اختيار الافعال الاصليّة عين اختيار التبعيّة و بالعكس لان اختيار المسبّب بفعل سببه فاذا عرفت ذلك تعلم ان تعريف المتاصّلة و الاصليّة يمكن على وجهين احدهما بالحدّ و الآخر بالرّسم مثلا قد يعرفان بحقائقهما و قد يعرفان بالامور الاضافيّة المنتزعة و الافعال الطّارئة المنتزعة و التعريف الاول حدّ و الثّانى رسم مثل ان يقال زيد هو ابن فلان و القاء هذا فى المكان الفلانى هو احراقه ثم انّ التعريف غير ظاهر فى كونه حدّا او رسما بل تعين احدهما انما هو بالتامّل فى المعرّف و المعرّف‏

المقدمة الرابعة: أن الإرادة لا تتعلق الا بالمقدور من جميع الجهات‏

المقدمة الرّابعة فى ان الارادة اذا تعلّقت بشي‏ء تعلّقا اصليّا بحيث يعدّ الشي‏ء غرضا فلا ريب انها تتعلق بالفرد المقدور منه و من طريق مقدور و مقدّمة مقدورة له و هذا واضح لكل ذى مسكة

ان الغرض من الوضع ليس الا التفهيم و التفهّم‏

ثم اذا عرفت ما ذكرناه و مهّدناه فاعلم ان الغرض من الوضع بالبداهة و الوجدان ليس الّا التفهيم و التفهم و هما امر واحد و تغاير هنا اعتبارى انما هو باعتبار نسبته الى المتكلم و المخاطب و كيف كان غرض الواضع من وضع لفظ بازاء معنى ليس الّا تسهيل تفهيم المعانى فان تفهيمها بالارادة و الاشارة لمّا كان صعبا غالبا بل ربما كان ممتنعا فالواضع يحتاج فى تسهيل التفهيم الى طريق سهل و لا ريب ان وضع الالفاظ للمعانى يسهل ذلك لان الالفاظ تصير مفهمة لها و لا ريب فى ان التلفظ امر سهل فى مقام التفهيم و الحاصل انه لا ريب فى كون الغرض من الوضع ليس الّا تسهيل تفهيم المعانى بالالفاظ و صيرورة اللّفظ منزلة نفس المعنى فى كون (1) إراءة نفس المعنى الى من حيث كون اسماعه على الغير بمنزلة إراءة نفس المعنى الى من حيث كون اسماعه و صدوره من اللّفظ به مفهما للمعنى على [الى‏] ذاك الغير و هذه الثمرة للوضع مشاهدة بالوجدان و هى معنى دلالة اللّفظ بالوضع على المعنى المسمّاة بالدلالة اللفظيّة الوضعيّة و ما ذكرنا من الواضحات و انما هو توطئة لبيان حقيقة الوضع و هى ليست الّا تعهّد الواضع لغيره بانه لا يتكلم باللفظ الفلانى الّا عند ارادة تفهيم المعنى الفلانى و قد مرّ ان التعهّد هو الاعلام بالارادة المستقرة المطلقة و ما ذكرناه من انحصار حقيقة الوضع فى الالتزام و التعهّد المذكور يشتمل على جزء ثبوتى و جزء سلبى امّا جزئه الثبوتى و هو كونه تعهّدا و التزاما بما ذكرنا فلانّه امر ممكن يترتب عليه الغرض من الوضع و ثمرته و يتوصل به اليها و مقدور للواضع و بيده و امّا جزئه السّلبى و هو عدم كون الوضع غير التعهّد المذكور فلعدم معقوليّة ما امكن الادّعاء انه هو ممّا توهّمه بعض جمودا على ظاهر تعريفهم للوضع او منجمدا على ما استظهره من تعريفهم له من كونه تخصيصا لشي‏ء بشي‏ء او كونه جعلا للملازمة بينهما او هو تعيين الاول بازاء الثّانى‏

المقامان فى البحث‏

فلنا مقامان‏

المقام الأول: الغرض من الوضع يترتب على التعهد بين الوضع و المستعمل‏

الأول‏ ان الغرض من الوضع و ثمرته يترتّب على التعهّد المذكور و بيانه ان غير الواضع اذا علم منه ذلك التعهّد و علم منه بتلك الارادة المستقرة المطلقة ينكشف لهذا الغير عند تلفّظ الواضع باللّفظ المخصوص انه اراد تفهيم معناه لان التعهد المذكور سبب لعدم انفكاك اللّفظ عن ارادة تفهيم المعنى و هو عين الملازمة بين ( (1) إراءته و هى اسماعه على الغير بمنزلة)

26

اللّفظ و الارادة المذكورة و لا ريب فى دلالة احد المتلازمين على الآخر فالتعهد المذكور سبب لتحقق الملازمة و وجود احد المتلازمين و العلم به سبب للعلم بالآخر ثم حصول هذا العلم سبب لحصول غرض الواضع و هو تفهيم المعنى لان المعنى المقصود تفهيمه ان كان تصديقا فارادة الواضع تفهيمه حين التلفظ تكشف عن تحقّقه و الحاصل ان الغرض من الوضع يتحقق لو فرضنا ان الوضع عبارة عن التعهد الصّادر عن الواضع بانه متى اراد إراءة تفهيم الموضوع له فليتكلّم باللّفظ الموضوع و التكلم به و اسماعه بعد الوضع بمنزلة إراءة الموضوع له و اللفظ بمنزلة نفس الموضوع له فاللّفظ و صدوره يصير ملازما لارادة الإراءة للتفهيم فيحصل التفهيم بعد العلم بتحقق الارادة المذكورة تبعا لها كما مرّ بياته غاية ما فى الباب انه تعاكس حال الواضع و المخاطب حين الاستعمال فان الواضع اولا علم بالواقعة ثم اراد تفهيمه ثم بين ارادة تفهيمه بالتّلفظ و اما المخاطب فقد علم بصدور التلفّظ ثم علم منه ارادة التفهيم ثم علم منها بالواقعة فان قلت فعلى ذلك دلالة الالفاظ تختص بالالفاظ الصادرة من الواضع لانه تعهّد بالتلفّظ عند ارادة التفهيم مع انّ الصّادرة من جميع اهل لغة واحدة تدلّ على المعانى‏ قلت‏ جميع اهل لغة واحدة ايضا متعهدون بما تعهّد به واضع لغتهم فان تبعيّتهم له عين تعهّدهم بما تعهّد به فالكاشف عن تعهّده هو التنصيص و عن تعهّدهم هو التبعيّة التى تظهر منهم بالتكلم بالالفاظ الموضوعة منه فى مقام التفهيم و التفهّم مع عدم دلالتها بالذات على المعانى و عدم صدور ما يوجب التفهيم من الوضع ايضا عنهم فاستعمال الالفاظ الموضوعة بدون وضع خاص من المستعمل يدل على التزامه بما التزم به الواضع فكلّ واحد واضع مستقلّ الّا ان الاصطلاح و العرف جرت على تسمية المصرّح به الاولى المبتدا المبتدع واضعا و على تسمية من تبعهم بالتابعين‏ لا يقال‏ ان ارادة المتكلم للاراءة لاجل التفهيم قد تفيد العلم و قد لا تفيد الّا الظن و قد لا تفيد الاعتقاد اصلا فكيف يمكن ان يصير غرض الواضع حصول العلم من لوازمها لانّا نقول‏ غرضنا من كون غرض الواضع افادة اللّفظ العلم و الانفهام التصديقى بواسطة تعهّده و حصول الملازمة الاختيارية ان التعهد المذكور جزء سبب و الّا فحصول العلم و الانفهام التصديقى يتوقف على احراز ان المتكلم باق على تعهّده حين الكلام و لم يعدل عنه و على انه لم يخطأ فى ادراك الواقع و لا ريب ان الدّليل على الاول هو عدم بيانه العدول و عدم صدور البيان منه و الثانى غلبة حاله فى اصابة الواقع و هذه كلّها ظنيّة و قد تنقلب و ترتفع بظنون و ظواهر آخر و بالجملة الغرض من الوضع هو تحقق ما يقتضى الانفهام من تعهّد ملازمة اللّفظ للارادة المذكورة و اما الموانع للانفهام فدفع بعضها بيد المتكلم و بعضها مدفوع فى حدّ ذاته و لو ظنا و بالجملة ما اورده المورد ليس واردا من اجل ان غرض الوضع و الاستعمال ليس ازيد ممّا اعترف به و عدم استلزام الوضع على فرض كونه تعهّدا ازيد ممّا ذكره ليس ليلا على بطلان كونه تعهّدا فان من اراد من الوضع و الاستعمال على طبقه ازيد ممّا ذكره فهو مخطئ بل يعدّ فى عداد السّفهاء لكونه قاصد الامر محال فان اصالة الحقيقة بجميع المذاهب فى تحقيق الوضع لا تفيد ازيد ممّا ذكره و ليس ثمرة الوضع اكثر من ذلك هذا هو تمام الكلام فى المقام الاول اعنى امكان ترتب الغرض من الوضع عليه لو قلنا بانه التعهد المذكور مع كون هذا التعهد باعتبار ان المتعهد عليه مقدور للواضع مقدورا له فهذا التعهّد مقدّمة مقدورة لثمرة

27

الوضع موصلة اليها

المقام الثانى: عدم امكان كون الوضع غير التعهد بين الواضع و المستعمل‏

و امّا المقام الثانى‏ ففى عدم امكان كون الوضع غير التعهد المذكور ممّا توهّمه بعض او يمكن ان يتوهم و هذا التوهم فى الوضع و بيان حقيقته لا اختصاص له به بل وقع من المتوهّمين فى جميع الانشاءات التى ليست الّا بيانات للارادات بيانا مقدميّا الحصول المراد من العقود و الايقاعات و الاوامر و النواهى و أداة النداء و الاستفهام فلا بدّ لنا من دفع التوهم عن عمومها و من بيان ما صار سببا للتوهّم و سببا لرفع اليد عمّا يقتضيه العقل السّليم و كيف كان فما يحتمل كونه حقيقة للوضع امور فهو مع قطع النظر عمّا ذكرنا من التعهّد المذكور اما تخصيص اللفظ بالمعنى و تقيده به او جعل الملازمة و ايجادها بينهما ذهنا بحيث متى فهم اللفظ فهم معناه الموضوع له و لو صدر اللّفظ ممّن ليس شانه ارادة التفهيم او شأنه ذلك و لم يرد كمن تكلم باللّفظ الموضوع سهوا او غلطا او هو تنزيل اللفظ منزلة نفس المعنى بحيث يصير اسماعه إراءته او هو تعيين اللّفظ للدلالة على المعنى و لقد عرفوا الوضع ببعض هذه الامور ايضا و لكن الظاهر ان تعريفهم الوضع باحد هذه رسم لاحد بالوضع لانه امر صادر من الواضع مقدّمة للتفهيم فلا بد من كونه مقدّمة مقدورة موصلة الى الغرض من الوضع و لا ريب فى ان هذه كلّها غير مقدورة الصّدور اذ المقدور بلا واسطة للانسان ليس الّا حركات نفسه و ليس قادرا مطلقا على غيره الّا بواسطة حركاته المباشرة لها نعم قادر على بعض الممكنات بالسبب فتعلق قدرة الانسان على تغيير حالات الغير مباشرة يعنى بصرف الاختيار من دون وساطة حركاته الجسميّة محال و لا ريب ان تلك الامور كلّها تغيير فى حالة اللفظ فى حدّ ذاته مضافا الى ان تغيير الشي‏ء من حالة الى حالة بدون تصرّف تكوينى محال لا يتعلّق به القدرة و لم يقل احد بان الوضع من مقولة التكوينيّات بل هو من مقولة الجعليّات مثل التعهّد و الالتزام و الالزام و الترغيب و غيرها من ساير الانشاءات و بالجملة تلك الامور امورات ممتنعة مع عدم تغيير تكوينى فى اللّفظ و المفروض عدمه لان عدم تغيير اللّفظ تغيّرا تكوينيا بديهى لانّ الواضع لا مدخليّة له فى لفظ الغير حتّى تقول بتغيّره منه و امّا امتناع الامور مع عدم تغيّر اللّفظ فهو اوضح لانّ اللفظ بعد ما لم يتغيّر كيف يعقل حدوث هذه العناوين المنتزعة له مع عدم تغيّر فيه فعلى ما ذكرنا من عدم تعلق القدرة بتلك الامور لا يعقل صدورها عن الواضع و لو كان شارعا فكيف يقال ان الوضع الّذى هو شي‏ء صادر من كلّ احد حقيقة احد الامور المذكورة و الحاصل انّ هذه الامور على فرض تحققها فهى ان هذه افعال للواضع صادرة عنه و هو فاعلها و لا ريب ان متعلقها هو اللّفظ فان فرض متعلّقها نفس ماهيّة مع قطع النظر عن وجوده فمحاليّة صدور هذه الامور واضحة لعدم امكان تغيّر الماهيّات من حيث هى و فى عالم تقررها اذ ليست الّا هى و ان فرض متعلّقها افراد اللّفظ الّتى يتوالى الّا بزمان فتغيّرها قبل وجودها محال فتعلق فعل الواضع بها حين الوضع محال فان هذه الامور تعبير للالفاظ و لا يقال ان المحال صدور هذه الامور من الواضع حين الوضع اما صدورها تدريجا بعد الوضع بالارادة حين الوضع فلم يثبت محاليّته و كون الوضع احد هذه الامور بهذا المعنى لم يعلم محاليته لانا نقول اوّلا لا معنى لتخلّف المراد بلا واسطة عن الارادة بل هو محال لمحاليّة انفكاك المعلول عن علّته و ثانيا انه قد مرّ محاليّة تصرّف الشخص فى الغير بلا واسطة فعله المقدور و لا ريب انّ الالفاظ غير الواضع فكيف يمكن تصرّفه فيها بغير واسطة فعله بل و بنفس اختياره فان الغير غير تابع لارادة الشّخص‏

28

مضافا الى ان الوضع ليس تصرّفا تكوينيّا حتّى يمكن كون الوضع احد هذه الامور بلحاظ ان الواضع هو الش القادر المطلق بل هو من مقولة الجعل و الاختيار على انه لو قلنا بان واضع اللّغات هو الش لا يقول احد بعدم امكان الوضع من الخلق بل وقوع الاعلام الشخصيّة عنهم معلوم و الحاصل انه لا اشكال فى عدم تعلّق القدرة اوّلا و بالذّات و بلا واسطة سبب بتقيد الالفاظ الصّادرة بعد ذلك بالمعانى و كذلك تخصّصها بها او جعل الملازمة بينهما او غيرها هذا مع انه لو كان هذه الامور اختياريّا مقدورا بلا واسطة و يمكن جعلها اوّلا و بالذّات لا يحتاج الوضع الى البيان و اعلام الغير به و كون لفظ وضعت هو احد الامورات المذكورة دون معناه واضح البطلان و لا معنى له و لا ربط له بها و اتمام الكلام فى عدم مقدوريّة تلك الامور و ملخّصه ان تلك الامور كلّها من الامور الاعتباريّة التى ليس لها ما بازاء فى الخارج و الامورات الاعتباريّة تغييرها و تبدّلها بلا تصرّف فى احد طرفها و لا بواسطة تغيرها و حركتها محال لا يعقل كما يظهر للمتأمّل هذا كلّه لو اريد من كون الوضع احد الامور و المذكورة ان حقيقته الاصليّة الصّادرة من الواضع اوّلا و بالذات هى احد الامور المذكورة و ان اريد ان احد تلك الامور عنوان له و رسمه و يتحقق احد تلك الامور بواسطة امر آخر فنقول هذا الامر الآخر الذى يكون واسطة ان كان هو التعهّد الّذى ذكرناه فيرجع الى ان الوضع حقيقة هو ما ذكرنا و يصير تعريف الوضع باحد الامور رسما له لكن لا بدّ ان يعتبر وصف عنوانىّ لفظ المعنى فى تعريف الوضع باحد هذه الامور داخلا فى التعريف مثلا يقال الوضع تخصيص اللفظ بالمعنى يعنى هو تخصيصه بالمعنى من حيث انه معنى و مقصود بالتفهيم لا التخصيص بذات المعنى فان التعهّد باسماع اللّفظ عند ارادة إراءة المعنى للتفهيم يوجب تخصيص اللّفظ بارادة تفهيم المعنى لا بنفس المعنى مع قطع النظر عن ارادة تفهيمه و عن كونه مقصودا بالانفهام و الحاصل ان كلّ واحد من تلك الامور من التخصيص و التقييد و التنزيل و التعيين أمر إضافي اعتبارى انتزاعى فليس من المقدورات بلا واسطة لانه تابع لمحلّ انتزاعه فمقدورية كلّ واحد منها بمقدورية تغيير محلّ انتزاعه و منشائه فتعلق الارادة بها انما هو يتعلّقها اوّلا بالواسطة و هى المنشأ لانتزاعها فعلى ذلك لو فرضنا طرفى كلّ واحد منها اللفظ و ارادة إراءة المعنى لتفهيمه فيمكن تخصيص اللفظ بها بواسطة تغيير فى اللفظ و هو تعلق الارادة المستقرة المطلقة على عدم اصداره الّا بعد ارادة تفهم المعنى فان اللفظ قبل هذا الالتزام لم يكن مختصا بارادة التفهيم و بعده صار مختصّا بها لانّ علة تحقق اللفظ هى الاختيار و المفروض انه تعلّق بفرد خاص من هذا اللفظ و هو الفرد الحاصل عند تحقق الارادة تفهيم المعنى فما يتحقق من افراد اللفظ هو ما كان بعد تحقق ارادة تفهيم المعنى فارادة التفهيم صارت من خصوصيات اللفظ خصوصيّاته الاحوالية فالالتزام المذكور تخصيص اللّفظ بالمعنى فالتخصيص من العناوين الثانويّة لما صدر عن الواضع و الصّادر الاولى هو الالتزام و مقدورية العنوان الثانوى و الانتزاعى انما هى بالاولى هذا ان اريد بطرفى التخصيص اللفظ و ارادة التفهيم و قد مرّ انه يفيد ثمرة الوضع و غايته و يترتّب عليه غرضه و انه مقدور بواسطة الالتزام و التعهد المذكور و ان اريد بطرفى التخصيص اللفظ و ذات المعنى فان اريد التخصيص الخارجى فلا يتعلق به القدرة ابدالا بالواسطة و لا مع الواسطة بل لا معنى و لا محصّل له لان المعانى التصوريّة مفاهيم غير قابلة لصيرورتها خصوصيّة لوجود اللّفظ و

29

المعانى التصديقيّة لو صارت خصوصيّته لالفاظها للزم محاليّة الكذب فى الخبر كما هو واضح و ان اريد به التخصيص الذهنى يعنى صيرورة تصور المعنى خصوصيّة لتصور اللفظ و كون تصوره مستلزما لتصوره بحيث يرجع معنى التخصيص الى جعل الملازمة الذهنيّة فيرد عليه ما يرد على الاوّل من عدم تعلق قدرة الواضع بذلك الّا بواسطة التعمّد المذكور فان الملازمة الذهنيّة لا يعقل تحققها الّا بواسطة الملازمة الخارجيّة بين اللفظ و ارادة إراءة المعنى للتفهيم و لا ريب ان ذهن السّامع بادراك التلفظ يدرك الارادة المذكورة لان ادراك احد المتلازمين مستلزم لادراك الآخر و بعد ادراكهما يتحقق ادراك المعنى التصوّرى تبعا فى ضمن ارادة إراءته و تفهيمه و التصديقى لاستلزام ارادة إراءته و تفهيمه لتحققه و يرد عليه ايضا اما محاليّة الكذب و امّا عدم وضع من الواضع للمعانى التصديقيّة و كلاهما بديهى البطلان اما الملازمة فلانه ان لم يصدر منه وضع لها فهو الثانى و ان صدر منه وضع لها و قلنا بانّ الوضع تخصيص تصور اللّفظ و انفهامه بانفهام المعنى فالمعنى التصديقى انفهامه تصديقه و الّا ليس المعنى معنا تصديقا بل يصير معنى تقييديا تصوريّا فعلى ذلك وضع لفظ للمعنى التصديقى هو تحصيل انفهام اللّفظ بتصديق المعنى و التصديق به فرع وقوعه فالوضع يستلزم الوقوع و الصّدق فبعد الوضع يستحيل الكذب لانه يستلزم ضدّه هذا كلّه لو جعلنا الوضع تخصيصا للفظ لكنّه غير تخصيص وجوده الخارجى بارادة التفهيم فظهر ان الوضع تخصيص و انه تخصيص للفظ بارادة تفهيم المعنى و قد مرّ ان اصله التعهّد و ان كونه تخصيصا من عنوانه الثانوى الانتزاعى هذا حال احد الامور الذى يحتمل كون حقيقة الوضع ايّاه و هو التخصيص و اما غيره من الامور المحتملة من التقييد و التعيين و التنزيل و جعل الملازمة فيعلم حالها من حاله من حيث كونها عناوينه الثانويّة الانتزاعيّة و اصلها التعهد المذكور و كذا من حيث عدم مقدوريّتها بلا واسطة و ما ذكرنا يظهر بالتّامّل و لا يحتاج الى البيان فتلخص ممّا ذكرنا ان المقدمة المقدورة من الواضع لترتب غرض الوضع من الانفهام و كذا من التابعين للواضع تنحصر فى الالتزام و التّعهد بانه متى اراد ارادته المعنى لتفهيمه يسمع لفظا خاصا بحيث يعامل مع اللفظ معاملة المعنى و يلتزم باسماعه بدلا من إراءة ذات المعنى فيقع ملازمة حقيقية بين ارادة تفهيم المعنى و بين صدور اللفظ فيحصل الغرض من الوضع حين ارادة تفهيم المعنى و هو تفهيمه و انفهامه بواسطة اسماع اللفظ و انفهامه للخاطب لا فى انفهامه مستتبع لانفهام ملازمه و هو ارادة تفهيم المعنى و انفهامها مستتبع ايضا لانفهام ذات المعنى التصديقى و مشتمل لانفهام ذات المعنى التصورى فعلى ما ذكرنا حد الوضع هو الالتزام و التعهد المذكور و لما كان ينتزع بعده من اللفظ مع ارادة تفهيم المعنى تخصيص اللفظ بها و يحدث للتعهد المذكور عنوان ثانوى بواسطة سببيّته لهذا التخصيص يصح تعريفه رسما بالتخصيص و يقال ان الوضع تخصيص شي‏ء بشي‏ء لكنه امّا يراد بالشي‏ء الثّانى ارادة تفهيم المعنى او اريد به ذات المعنى مع تجوز فى النسبة او اريد به المعنى من حيث انه معنى و مقصود افهامه و على هذا النحو يصحّ تعريف الوضع رسما بكل واحد من تلك الامور من التقييد و التعيين و التنزيل و جعل الملازمة بل و غيرها من التسمية و جعل شي‏ء علامة او اسما فتعريفه باحد هذه الامور لا ينافى كونه تعهّدا من الواضع بما مرّ مرادا و لكونها مسبّبة عن حقيقة الوضع و اعراضا له يصحّ بيان الوضع و هو التّعهد بكل واحد منها فيقال سمّيته بكذا و جعلت اسمه كذا او خصصته به او نزلته‏

30

منزلته او جعلته بازائه فان هذه التعبيرات كلّها يصحّ فى مقام الوضع و ان لم يكن بعضها مانوسا و لا معهودا من الواضعين بل التعبير عنه بلفظ وضعت ايضا تعبير عنه بمسبّبه و عنوانه الثانوى فان الوضع و الجعل بمعنى واحد و وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى يعنى صيرته اسما لهذا المعنى و علامة له لارادة تفهيمه و انما اولناه بتقديرين و هما تقدير لفظ الاسم او العلامة و تقدير لفظ الارادة مع التفهيم بواسطة دلالة الاقتضاء كما يئول جهة اخباريته الى الانشائيّة و يجعل بيانا مقدميّا للارادة المطلقة المستقرة فحقيقة الوضع هى التعهد المذكور حتى يحصل الملازمة و تحصيلها انما هو لترتب المقصود الاصلى و هو الانفهام فحصول الملازمة غرض للوضع بل هو نفس المتعهد عليه و الانفهام عرض لها لانها سبب للانفهام فالتعهّد سبب للمتعهّد عليه و هو سبب للانفهام هذا غاية ما يمكننا من تفهيمه فالمرجوّ من المحصّلين ان يتامّلوا فى تصور ما حرّرناه اوّلا ثم فى صحّته فان تلقوه بالقبول فحمدا له و الّا فليعفوا عن ذلّاتنا و يدعو لنا بالعفو و المغفرة و هو الهادى الى الصّواب‏

بيان حال العقود من الإنشاءات‏

ثمّ‏ ممّا ذكرنا فى الوضع و فى بيان حقيقته يعلم حال العقود من الانشاءات فان لفظة بعت فى مقام الانشاء كاشفة عن ارادة النقل الحقيقى اللّغوى ارادة مطلقة مستقرة التى هى صارت سببا لبيان نفسها مقدّمة للقبض على وجه التّسلط على بدله و بيان هذه الارادة يعنى بيانه المقدّمى يسمّى تعهّدا بالبيع كما ان الوضع تعهّد بالملازمة و انما يبيّن هذه الارادة التعهّدية بما وضع لوقوع البيع من الجملة الخبريّة تاكد الاستقرار هذه الارادة و اطلاقها و التعبير به بلفظ الماضى اكد و كيفيّة استعماله فى التعهد بالبيع ان الفعل الآتي فى المستقبل باعتبار حصول علته فعلا و استقرار علّته و هى الارادة المستقرة نزل منزلة الوقوع فى الماضى فى محاليّة خلافه فان ما وقع يستحيل خلافه و امّا المضارع فيدل على وقوع الفعل بعد ذلك او فى الحال فدلالته على الارادة دلالة بالكناية و هى اول مراتب الدلالة فى ظهورها فى ارادة تفهيم السّبب و العلّة و الملزوم و لهذا لا يناسب الاتكال للمتكلّم عليها الّا بالنّسبة الى المخاطب الفطن الذى يلتفت الى جهات الكلام فشمول لفظة العقود التى هى التعهدات الموثّقة لصيغة المضارع مشكل بل ممنوع كما هو المش فى صيغ العقود و مجمل الكلام فى مطلق الانشاءات ان الارادة شأنيّة و فعليّة و الاولى هى ما لم تؤثر ابدا فى تحصيل المراد و الغرض لا فى نفسه و لا فى مقدماته و هل هى العلم بالصّلاح او صفة نفسانيّة قولان فيها و الاقوى هو الاول و تحقيقه مستوفى انما هو فى تشريح مستقبل و الثانية هى ذات الشانيّة بعد تاثيرها فى نفس الفعل المراد او مقدّمة من مقدماته و بعبارة اخرى فعليّة الارادة هى تعلّقها بتحصيل المراد و لو بفعل مقدّمة منه‏

اقسام فعلية الإرادة

ثمّ‏ ان الفعلية على قسمين لانها امّا ببيان نفسها او غيرها فان بيانها قد يكون مقدّمة لحصول نفس المراد و الغرض ففعليّة هذه الارادة و تعلقها انما هو ببيان نفسها فعلى القول بانّ ارادة الشي‏ء هى التى تؤثر فى وجود مقدّمات هذا الشي‏ء كما هو الحق فارادة شي‏ء اذا احتاج تحقق هذا الشي‏ء الى بيان ارادته هى التى تؤثّر فى تبيين نفسها فاذا تعلقت تبيينها فتبيّنت بلفظ دال عليها حقيقة او مجازا فهذا اللّفظ المبيّن لها يعد انشاء و يسمّى بانشاء

وجوه افتراق الإنشاء و الإخبار

فعلى ذلك يفارق الانشاء الاخبار من وجوه ثلاثة

الأول: [ان الاخبار بعد فرض صدق المخبر]

الأوّل‏ ان الاخبار بعد فرض صدق المخبر اعتقادا او عدم كذبه المخبرى قابل للصّدق و الكذب عند السامع لاحتماله خطأ المخبر و عدمه و اما الانشاء فبعد فرض صدقه‏

31

المخبرى و ان كلامه ليس صوريّا نظير الأخبارىّ الصّورى الّذى هو الكذب المخبرى فهو غير قابل للكذب لان المدلول و هو الارادة صارت سببا لتبيّن نفسها و صدور بيانها اعنى لفظها الكاشف عنها فكذبه مستلزم لانفكاك المسبّب عن سببه و هو محال و المستلزم للحال محال فكذب الانشاء الحقيقى لا الصّورى محال فليس الانشاء الحقيقى الّا صدقا هذا مضافا الى ان اشتباه المريد فى فهم ارادته محال و ما ذكرنا من التفرقة بين الانشاء و الاخبار هى المشهورة بين اهل اصطلاحهما

الثانى: [ان محض كون مدلول الانشاء و هو الارادة ...]

و الثّانى‏ ان محض كون مدلول الانشاء و هو الارادة سببا لتحقّق لفظها الكاشف عنها هو الفارق بينه و بين الاخبار و لهذا سمّى الانشاء انشاء ايضا لان مدلوله منشأ و موجد له لما مرّ انه مقدّمة لحصول الغرض و المراد و مقدّمته انما توجد بارادته و لا تحتاج مقدّمته المقدورة الى علّة او ارادة اخرى غير ارادته‏

الثالث: [انّ البيان سبب لحصول مضمون الجملة الانشائيّة ..]

و الثّالث‏ انّ البيان سبب لحصول مضمون الجملة الانشائيّة فى جميع الانشاءات و لهذا لهذه العلّة يسمّى الانشاء انشاء و توضيحه ان الموضوع للارادة التامّة المشرفة على الفعليّة المحتاجة فى نفوذها و نجاحها الى بيانها هو امّا ادوات مثل أداة النّداء و الاستفهام و لا الناهية و لام الامر و اما هيئات نظير هيئة افعل فعلى كل حال يعبّر المراد بهذه الارادة بالجملة التى تعلّق بمضمونها هذه الارادة و مضمونها هو المراد و يبيّن تعلق الارادة به بالارادة او الهيئة فالجملة باعتبار كونها مشتملة على ما يدلّ على تعلق الارادة بمضمونها سبب لحصول مضمونها او آلة لحصوله و على كل حال للجملة المذكورة جهة موجديّة لمضمونها الّذى يعد نفس الجملة تسامحا فالجملة الانشائيّة موجدة لنفسها و سبب لوقوعها بخلاف الاخبار مثلا قولنا اضرب سبب لتحقق الضرب من المخاطب و هو مضمون الجملة و الجملة مركبّة من المادّة الضرب و ضمير المخاطب و هذا وجه آخر لتسميته الانشاء بالانشاء و لو كان اطرادا لمناسبة ممنوعا لا يضرّ بكونها سببا لتسمية النوع فانها من قبيل الحكمة لا العلّة

ان البيان الذى هو فعلية الإرادة على اقسام‏

ثمّ‏ ان البيان الذى هو فعليّة الارادة اما ارادة فعليّة لفعل الغير فعله الاختيارى فهى تسمّى طلبا كالامر و النهى و الاستفهام و النداء و امّا ارادة فعليّة بالنّسبة الى فعل المريد نفسه و ان كان لها جهة تعلّق بفعل الغير ايضا كالوعد و الوعيد و الوضع و جميع العقود و الايقاعات و كلّ واحد منها على قسمين اما مطلقة من جميع الجهات و مستقرة و امّا متزلزلة و على تقدير فالطّلب المطلق و من جميع الجهات ايجاب و الزام و اما المتزلزل و على تقدير فعلى قسمين اما هو متزلزل و على تقدير بالنسبة الى المقدمات التى هى بيد المطلوب منه و هو المامور فالطلب تعليقى و مشروط و مقيّد و اما بالنسبة الى المقدمات التى بيد المريد من الوعد و الوعيد مثل تعلّق الارادة بفعل العبد على تقدير عدم الاحتياج الى الوعد و الوعيد من المريد فالطلب سؤال ان كانت فائدة الطلب راجعة الى الطالب و ارشاد ان كانت فائدة الطلب راجعة الى المامور او المنهىّ او على تقدير عدم الاحتياج الى الوعيد فقط ففى الامر و النّهى ندب و ترغيب و استحباب او على تقدير عدم الاحتياج الى الوعد فاكراه و ايجاب و تحريم الّا ان الاكراه عرفا يطلق على طلب ليس لطفا على المامور و لا ان الامر يستحقّ عمل المامور و الايجاب و التحريم يطلقان عرفا على الطلب لطفا او استحقاقا فالسؤال و الارشاد و الندب الايجاب بالنسبة الى المقدمات التى هى بيد المأمور اما مطلق او على تقدير و متزلزل فالاول يسمّى مطلقا و منجزا و الثانى معلّقا و مشروطا و مقيّدا و وجه تسمية الاول واضح و امّا وجه تسمية الثّانى فلان تنجّز الامر و النّهى و انجاح‏

32

ارادتهما و نفوذهما معلق و مشروط على حصول الشرط و لان ما تعلق به فعليّة الارادة من المامور به و المنهىّ عنه مقيّد بوجود الشرط و الّا فنفس الارادة و فعليّتها بالبيان غير قابل للتعليق و الاشتراط و التقييد فتعليقها و اشتراطها و تقييدها تبعىّ معنى و تسمية كما ان الامر كذلك فى جميع المعانى الحرفيّة و الهيئيّة فانها معان اضافيّة شخصيّة غير قابلة للاطلاق و التقييد الّا بالنسبة الى متعلّقها و تبعا له و قد اوضحنا هذا فى تشريح تقسيم الواجب الى المشروط و المطلق فراجع هذا اقسام الطّلب و امّا اذا تعلق الارادة الفعليّة التى تحقّقت فعليتها ببيانها الى فعل نفس المريد فان كانت مطلقة من جميع الجهات فالتزام و تعهّد و فى العقود و الايقاعات تسمّى بالمنجّزة و ان كانت متزلزلة و على تقدير فمتزلزل و فى العقود و الإيقاعات تسمّى معلّقة و وجه كونها متزلزلة و على تقدير ان المراد مقيّد و الارادة على تقدير عدم القيد غير مؤثرة يعنى غير نافذة و غير مقرونة بالانجاح و لمّا كان وجود القيد و تحققه و عدمه مشكوكا و متزلزلا فنفوذ الارادة و انجاحها ايضا متزلزل تبعا معنى و تسمية و امّا وجه تنجّز العقود و الايقاعات او تعليقهما و وجه تسميتهما بهما هو ما مرّ فى الطّلب هذا تمام التحقيق فى جميع الانشاءات على الوجه المختصر

اقوال المخالفين لكون الانشاء هو الإرادة

و لقد خالفنا جماعة فى جميع اقسامها و جعلوها غير الارادة فالاشاعرة قالوا بان مدلول الاوامر و النواهى هو الطّلب و الطّلب غير الارادة و ان الطّلب من المنشئات النفسانيّة و الموجدات فى الذهن و تبعه فى ذلك بعض من قارب عصرنا فى ظاهر بعض عبائره حيث قال ان المتكلّم يوجد الطّلب و يكشف عنه بصيغة الامر و قال بعض المحقّقين ره ان الطلب غير الارادة الّا انه ادّعى امرا محالا و هو ان صيغة الامر موجدة له و كاشفة عنه بالاستعمال فيه و هذا مذهبه ره فى جميع الانشاءات فانه ره قال ان الانشاءات موجدة لمعانيها بل ادّعى امرا اعجب و هو ان الانشاء كما هو متحقق فى الجمل كذلك يتحقق فى المفردات و مثل لهذا باسماء الاشارة و قال انّها موجدة للاشارة و اما الوضع فظاهر التعاريف بل صريح بعض انه غير الارادة و التعهّد بل هو جعل الملازمة الذّهنيّة التّصورية كما هو ظاهر المحقّق السّابق فى بيان الدلالة و لعل كلامه فى بيان الدلالة ينافى ما ذكره فى بيان الالفاظ الموضوعة للانشاء و امّا العقود و الايقاعات فقد ملئوا ملاء جماعة من المتاخرين الطّوامير فى ان لفظة بعت الايجابى انشاء تمليك بعوض و ان مدلوله النقل او الانتقال و كذلك كلامهم فى ساير العقود و الايقاعات و لم يلتفتوا و لم يشيروا الى انّهما من أفراد التعهّد و الالتزام مع تبعيّتهم للمتقدّمين فى التمسّك لصحّة العقود بالآية الشريفة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و لا ريب فى انّ انشاء الملكيّة و التمليك غير العقد عليهما فان العقد هو التعاهد و التعهد عين الالتزام و هو صنف من انصاف الارادة فالعقد على التمليك و التملّك غير نفس التمليك و التملّك و لا يجتمعان فى زمان واحد بل نفس التّمليك و التملّك متاخر عن زمان تحقق تعهّدهما و لا احرف جمعا بين كلام من ذهب الى كون لفظ بعت الايجابى انشاء للملكيّة و هو التمليك و موضوعا له و مع ذلك يتمسّك لصحّة بعت و اشتريت باوفوا بالعقود و لقد اتقن المتقدمون حيث ذهبوا الى اباحة المعاطاة تمسكا باحل اللّه البيع فان المعاطاة حقيقة التمليك بالعوض و نفس البيع و ذهبوا الى ان كون عقد البيع مملكا تمسّكا باوفوا بالعقود فان وجوب الوفاء بالعهد و التعاهد ينافى بقاء الملكيّة المستلزمة للسلطنة على عدم تسليط الغير على ملكه فمنافاته لذلك تكشف عن عدم بقاء الملكيّة و عن تخصص النّاس مسلّطون على اموالهم لا عن تخصيصه‏

33

باوفوا بالعقود و كيف كان ليس من العجب اشتباه حقيقة العقود و الايقاعات و الوضع على القائلين بانها غير الالتزام و التعهّد مع فرض اشتباههم فى حقيقة الطّلب و انه غير الارادة فان عينيّة الطلب و الارادة من بديهيّات مذهب العدليّة و مع ذلك قد وافق جماعة منّا للاشاعرة فى مغايرتهما و التزموا بعد القول بالمغايرة ببعض امورات امّا هى كفرا و قريب من الكفر منها ان اوامر الكفار و العصاة تسجيلى و مرجع هذا الى ان الشارع يريد عقابهم قبل الامر فيأمر فرارا عن قبح العقاب و اثباتا للقبح عليهم حتى يكون معذورا فى عقابهم فهذا كما ترى تشفى بحت تعالى شأنه‏ و منها الالتزام بصحة الامر الامتحانى الذى لا مجال له الّا فى الجاهل و الّا لغى الامر و بالجملة لاثبات عينيّة الطلب و الإرادة و وجه الاشتباه فيها و دفعه مقام آخر هو مقصد الاوامر و امّا عينيّة غير الطّلب مع التعهد و الالتزام فقد مرّ تفصيلها هنا برهانا مضافا الى انا لا نجد فى مقام الوضع الّا ارادة اقتران ارادة التفهيم باللفظ حتى يفهم المخاطب ما اريد تفهيمه و هو المعنى‏

وجه اشتباه القائلين بالمغايرة بين الإنشاء و الإرادة

و امّا وجه‏ اشتباه القائلين بالمغايرة و ان الوضع هو جعل الملازمة او احد تلك الامور السّابقة من العناوين الثّانوية و الانتزاعيّة فامران‏

[الاول ظاهر تعريفات من سلف‏]

الاول ظاهر تعريفات من سلف فانهم عرفوا باحد تلك الامور السّابقة

[الثانى دخول وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى من الواضع فى الجمل الانشائيّة]

الثانى دخول وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى من الواضع فى الجمل الانشائيّة و الانشاء ايجاد فتوهّم بعض انّ الانشاءات تسمّى انشاء لكون الفاظها اسبابا و موجدة لمعانيها و بعض آخر توهّم ان الفاظها ليست اسبابا بل معانيها افعال ذهنيّة اعتباريّة صادرة باعتبار المعتبر عند التكلّم بالفاظها فالانشائيّة على الاوّل صفة للجمل باعتبار لفظها و على الثانى باعتبار معانيها هذا

و يردّ الوجه الأول: ان تعريفهم للوضع لا يدل على انه حد بل هو رسم‏

و يردّ الوجه الاوّل ان تعريفهم الوضع باحد تلك الامور لا يدل على انه حدّ له بل يمكن كونه رسما له بل هو المتعيّن لان التعريف ليس الّا حمل المعرف بالكسر على المعرّف بالفتح و الحمل لا يدلّ على كون المحمول هو حقيقة الموضوع بل لا يدل الّا على اتحاد وجود الموضوع و المحمول و هو اعم من اتّحاد الحقيقة بل يصحّ مع فرض المحمول من العناوين الثانويّة للموضوع فيكون رسما فكون التعريف حدّا او رسما لا بدّ ان تميز بامر آخر و لا ريب ان القرائن تدلّ على ان تعريف الوضع باحد تلك الامور رسم للوضع لانها امورات اضافيّة انتزاعيّة لا تحدث و لا توجد الّا بعد تغيّر منشأ انتزاعها و بعد التغيّر تحدث و توجد قهرا فهى مقدورة بالواسطة و تابعة لمحلّها و لا يمكن صدورها بلا واسطة و بيانه ان تقيّد اللّفظ بالمعنى (1) او تعيّنه به و بازائه او تحقق الملازمة بينهما كل واحد منها امر انتزاعى ليس له ما بازاء فى الخارج و لا وجود تاصّلى خارجىّ لان اللّفظ قبل الاستعمال ليس لذاته وجود حتى يكون لتخصّصه او غيره وجود ايضا و كلّ نفس المعنى فى غير الاعلام و امّا بعد الاستعلام فليس فى الخارج الّا اللّفظ و ارادة تفهيم المعنى من طرف المتكلّم و فهم اللفظ و فهم المعنى من طرف المخاطب فلا يحدث غير الاربعة بعد الاستعمال امر متاصّل فى الخارج قائم بهما حتى يكون هو احد هذه الامور المذكورة مضافا الى انه لو حدث يحدث بعد الاستعمال و لا ربط له بما يدّعيه الخصم من حدوثه حين الوضع او بالوضع‏ نعم‏ يتحقق بعد الوضع امر اعتبارىّ فرضى و هو انّه متى استعمل اللّفظ و تحقق فى الخارج يكون انفهامه من المخاطب مقترنا بانفهام المعنى على مذهب الخصم و هذا تخصّص للفظ و تقيّد و ملازمة له مع المعنى و لا ريب ان قدرة الواضع لا تتعلّق بهذا الامر الاعتبارى اصلا لانه فرع للملازمة الخارجيّة او تقيد اللّفظ ( (1) او تخصصه به او تنزله منزلة نفس المعنى)

34

بالمعنى فى الخارج او تخصّصه به حتى يصير الملاحظة و تابعا له فاذا صارت هذه الامور غير مقدورة فكيف نقول ان الوضع ايجادها فان التخصيص المدّعى و جعل الملازمة و التقيّد هى ايجاد التخصّص و الملازمة و التقيّد فالتخصيص و جعل الملازمة و التقييد على المعنى الّذى ذكره الخصم من جعل الدلالة و هو كون اللفظ متى فهم فهم المعنى معه غير مقدور للواضع فكيف يصدر عنه حين الوضع بواسطة لفظ وضعت او باعتباره و اختياره عند التكلّم بلفظ وضعت نعم بناء على ما ذكرنا بواسطة التعهّد و الالتزام يقع الملازمة الفرضيّة بين اللفظ و بين ارادة المتكلم المتعهّد تفهيم المعنى فى الخارج و هى انه متى تحقق اللفظ فى الخارج عن التعهّد فهو انما يكون مع تحقق ارادة التفهيم فيتبع الذهن للخارج فى ان وجود اللفظ ذهنا اعنى انفهامه مستلزم لوجود ذهنى ارادة المتكلّم تفهيم المعنى و انفهامها و هذا هو الملازمة بين اللفظ و ارادة التّفهيم و لا ريب فى مقدوريّتها بل فى وقوعها بالتعهّد و الالتزام فانه سبب لوقوع المتعهد عليه و الملتزم به و هو التكلّم باللّفظ عند ارادة تفهيم المعنى و كيف كان الخصم من ان حقيقة الوضع هى احد تلك الامور غير معقول لان الوضع صادر عن الواضع اوّلا و بالذات باختياره و تلك الامور غير مقدورة له أو لا و بالذات حتى تصير مورد اختياره و ما ذكرنا من كونها رسما و صادرا بالتّبع لا اشكال فى امكانه و وقوعه و ترتّب الغرض من الوضع عليه ثم لو سلّمنا امكان جعل الملازمة او التخصص او التعيّن او غيرها و سلّمنا كونه مقدورا بدون واسطة التعهّد المذكور فجعل احدها غير منتج لما هو الغرض عن الوضع من افادة الكلام الانفهام التصديقى لانه مترتّب على احراز ارادة المتكلم ايّاه و تبع لها و مجرد كون اللّفظ ملازما لتصور المعنى لا يستلزم لارادة انفهامه التصديقى حتى يتبعها الانفهام التصديقى و لا يمكن القول بان الوضع جعل ملازمة بين اللفظ و بين انفهام المعنى التصديقى و الّا لم يحتمل كذب الخبر اصلا و احتمال ان اللّفظ لم يوضع لافادة الانفهام التصديقى بل الوضع مختصّ بالانفهام التصوّرى و انه يظهر ارادة المتكلّم للانفهام التّصديقى بظهور الحال و الغلبة شطط من الكلام لان وضع اللّفظ لافادة الانفهام التصديقى ممكن كما مرّ و مقرّب للاغراض فلا يمكن تساهل الواضع الحكيم عنه مع انه اصرح من ظهور الحال فى ان الغرض من الانفهام التصورى من التركيب التامّ هو تحصيل الانفهام التصديقى فالوضع لهذا المركّب التام لانفهامه التصوّرى و تفهيم المعنى التصديقى بظهور الحال اكل من القفا مضافا الى انه لا معنى بعد لكون المركّب تامّا لان الفرق بينه و بين النّاقص التقييدىّ ليس الّا افادة احدهما الانفهام التصديقى و الآخر التصورى هذا تمام الكلام فى رد الوجه الاول من سبب الاشتباه‏

امّا ردّ الوجه الثانى: تسمية الانشاءات ليس وحى منزل حتى نلتزم بملزومات الإسم‏

و امّا ردّ الوجه الثّانى لاشتباههم فهو ان تسمية الانشاءات بالانشاء ليست من الوحى المنزل حتى نلتزم بامور لا نعللها ثم لو قلنا بانها كالوحى المنزل لانّها من اهل اللّسان و الفنّ الذين اعتبار قولهم فى كيفيّة مدلول الالفاظ كالوحى المنزل لكنا نقول بانها ليست ظاهرة فى ان وجه المناسبة هو ما ذكروه من ان مدلول الانشاء فعل اعتبارى ذهنى او ان مدلوله مسبّب عنه و هو سبب موجد لمدلوله بل يحتمل كون المناسبة ما ذكرنا من وجه تسمية الانشاء بالانشاء و من الفرق بينه و بين الاخبار ثم لو سلّمنا انها كالوحى المنزل و انها ظاهرة فى كون المناسبة هو هى كون مدلوله انشاء و ايجادا او كونه بنفسه سببا و موجدا لمدلوله فنرفع اليد عن هذا الظهور بدلالة الاقتضاء

35

كما نرفع اليد عن ظهور فاسئل القرية و امّا كيفيّة دلالة الاقتضاء هنا فهى انه لا يعقل هذا الظهور كما مرّ فالمحصّل انه لا يعقل من الواضع مقدمة للغرض الاصلى و هو انفهام المعانى التامّة على سبيل الاذعان و التصديق الّا وقوع الالتزام و التعهّد منه على انه لا يتكلّم باللّفظ الخاص الّا عند ارادة تفهيم المعنى الخاص و ارادة إراءته التى هى مفهمة له بالذات و بعبارة اخرى لا يعقل الّا وقوع التعهد بانه لا يتكلم باللفظ الّا اذا صار مقام إراءته المعنى من حيث تفهيمه و انه لا يقدر عليها او تعسرت او اسماع اللفظ اسهل منها و وجه انحصار المعقوليّة ما مر من امكان التعهّد و ترتّب الغرض عليه و عدم امكان غيره الّا بواسطته و بتبعه‏

الوجه فى عدم معقولية كون الوضع غير التعهد هو الوجه فى عدم مجهولية الاحكام الوضعية

ثمّ‏ ان ما قررنا فى وجه عدم معقوليّة غير التعهد هو ما سنقرره فى عدم مجعوليّة الاحكام الوضعيّة من عدم معقوليّة جعلها الّا تبعا للاحكام التكليفيّة لان الاحكام الوضعيّة عناوين انتزاعيّة ثانويّة غير قابلة للجعل ايضا اصلا الّا بعد التّصرف فى منشأ انتزاعها من تعلق الاحكام التكليفيّة بافعال المكلّفين بحيث تتولّد منها الوضعيّة و تنتزع عن محلّها هذا و لكن قد ينكر بعض عدم معقوليّة جعل الاحكام الوضعيّة هناك و ينكر هنا عدم معقوليّة جعل الملازمة و جعل تلك الامور الّتى هى اخوات جعل الملازمة بتقريب هو ان الملازمة بين الالفاظ و المعانى و كذلك الاحكام الوضعيّة من السببيّة و الشرطيّة و غيرهما امور اعتبارية قابلة للجعل و انها باعتبار المعتبر و فيه ان كون الامور الاعتباريّة باعتبار المعتبر معناه انها امورات انتزاعيّة و اضافيّة ليس لهما ما بازاء فى الخارج و لا الوجود الحقيقى الخارجى بل انما الموجود فى الخارج هو منشأ انتزاعها و وجودها الاعتبارى و هو وجودها فى عالم الاعتبار و الذهن و قد مرّ انها غير قابلة للجعل الّا بالتّصرّف فى منشأ انتزاعها و انما تصير منجعلة بتبع جعل الغير و بواسطته لا اوّلا و بالذات فهذا تلقين منهم على الخصم حجّته و امّا ان كان مراده من انها امورات اعتباريّة انها من المعقولات الثانويّة و ان وجودها الحقيقى هو تحقّقها فى الذّهن كما ان العلم من المعقولات الثانويّة و كذلك الكليّة و الجزئيّة فتقول ان هذا عين المدّعى بل فوقه فان هذا الكلام يرجع الى ان الاحكام الوضعيّة عين التّكليفيّة و ان الملازمة عين التّعهد الذى هو من صنف الارادة التى هى من المعقولات الثانويّة و وجه الانطباق على المدّعى انا لم نجد فى النفس حين الوضع الذى يعدّ جعلا للملازمة الّا سوى التعهد شيئا و كذلك فى الاحكام الوضعيّة لم نجد غير غير الطلب شيئا و ان كان المراد من انها امورات اعتباريّة انها امورات خياليّة صرفة لا خارج لها و لا واقع لها ابدا فلم افهم معنى الجعل اصلا فان قلت‏ ان ما ذكر من عدم معقوليّة جعل الملازمة مرجعه الى الدّقائق الحكميّة و بناء العرف على التسامح مضافا الى انه شبهة فى مقابل البديهة فانا نجد بالوجدان بعد وضع لفظ خاص لمعنى خاص انه اذا سمع العالم بالوضع للفظ المذكور ينتقل ذهنه الى المعنى المذكور و لا نعنى بجعل للملازمة الّا ايجاد هذا قلت‏ اوّلا ان ما ذكرت من ان العرف يتسامحون و ما لهم الالتفات الى هذه الدقائق الحكمية فهذا توهّم لان اختراع الوضع ليس الّا من الحكيم و ان الوضع لا يمكن صدوره الّا من العاقل فان الوضع اساس و مقدّمة للأزمنة المتأخّرة و لا يعقل هذا الّا من المدرك للكليّات فان هذا ادراك لها مضافا الى ان تسامح العرف فى موارد لا ربط له بالمقام فان العرف هم العقلاء فكيف يقدمون على امر لا يعقل قدرتهم عليه و لا تحققه و تسامحهم فى الاستعمال لا ربط له‏

36

بتسامحهم فى الامورات العقليّة و اراداتهم التى لا يعقل تعلقها بغير المقدور بل لا يعقل تحقق الارادة على غير المقدور عن الحيوانات فضلا عن العقلاء و اما ثانيا فما ذكرت من انه شبهة فى مقابل البداهة فهذا طريق العجز عن ادراك المطالب و ليس جوابه الّا اظهار العجز عن المكالمة مع قائله فانه غير قابل للمكالمة اصلا و مع ذلك يعلم ان ما ذكرنا شبهة او ما ذكرت اشتباه ممّا سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى من متفرعات المسألة فى ابواب و تشريحات متفرقة فانك لو بنيت على ذلك لخرجت عن طريقة العلماء المحققين الّذين هم ميزان الصّواب و الخطإ و اما ثالثا فقولك انا نجد بعد الوضع تحقق الملازمة الذهنيّة بين اللفظ و المعنى فالقدر المسلم من هذه هو ما اذا سمع المتكلّم اللّفظ من الواضع او من تبعه و الملازمة انّما تقع بين اللّفظ و المعنى على المعنى الذى ذكرناه و هى الملازمة بين اللفظ و ارادة تفهيم المعنى فملاحظة نفس المعنى بعد سماع اللفظ ضمنيّة تبعيّة فالوجدان لا ينافى لما اثبتناه فى حقيقة الوضع و لا يستلزم ذلك الامر الغير المعقول ثم لو سلّمنا ان اللفظ و سماعه مستلزم لتصور المعنى و لو لم يكن اللفظ صادرا ممّن يكون قابلا لتحقق ارادة التفهيم منه مثلا سلّمنا انه اذا صدر من غير الانسان صوت يكون من قبيل اللّفظ الموضوع و يكون نظيره من حيث الملازمة ايضا فنقول ان هذه الملازمة ايضا لا يصير قرينة على ملازمة اللّفظ و سماعه لتصور المعنى و انفهامه مستقلّا لا تبعا لان غلبة سماع اللفظ من المريد تفهيم المعنى مركوزة ثابتة و واضحة و بسببها يغفل السّامع عن كون اللّفظ غير صادر عمّن شأنه ارادة التفهيم و صار مركوزا فى ذهن السّامع انه يصدر عن المريد للتفهيم ثم بعد هذه المركوزيّة و الغفلة البتّة ينتقل ذهن السّامع الى ارادة اللافظ تفهيم المعنى فانفهام المعنى انما هو على طبق العادة المستمرة من السّامع و هو كونه ضمنيّا و تبعيّا فعدم امكان تحقق ارادة التفهيم من اللّافظ لا يمنع عن الملازمة الذهنيّة بين اللّفظ و ارادة تفهيم المعنى و ممّا يشعر بذلك ان السّمع اذا سمع الالفاظ الموضوعة للمعانى ينتقل بعادته و بالغلبة الى تحقق ارادة التفهيم و ينتقل تبعا و ضمنا الى المعنى ثم بعد التّنبيه بان اللافظ غير قابل لتحقق ارادة تفهيم المعنى يرفع اليد عن تحفظ المعنى فى خزانة الخاطر و يتغافل عنه‏

ما ذكر من عدم جعل الملازمة الذهنية من الواضح يردّ القول بأن الإنشاءات موجدة لمداليلها

ثمّ‏ ان ما ذكرنا من عدم امكان جعل الملازمة الذهنيّة من الواضع يرد على مطلق من قال بان الوضع هو جعل الملازمة الذّهنيّة و انه انشاء الملازمة و يرد على خصوص من قال بان الانشاءات موجدة لمداليلها و دالة عليها انه يلزم الدّور لانه ليس الغرض من الوضع الّا الافهام بالالفاظ فاستعمالها ليس الّا قصد الافهام بها لان الاستعمال كما سيجي‏ء هو اعمال الشي‏ء بقصد فائدته و فائدة الالفاظ بالاتفاق هى الافهام و الانفهام اعنى الاعلام و التعلم و لا ريب ان الاعلام بالشي‏ء فرع تحقّقه فلو كان تحقّقه بالاعلام به يلزم الدّور و الحاصل ان الغرض من الالفاظ ليس الّا التفهيم و الاعلام بالمحمولات المنتسبة بتحقق نسبتها الى موضوعاتها و هو فرع تحقّقها لان تعلّق القصد بحصول الانكشاف الشي‏ء مع عدم تحقق هذا الشي‏ء محال فلو فرض حصوله و تحقّقه بنفس كشفه و انكشافه فيتوقّف على الكشف عنه فيلزم الدّور هذا مضافا الى انّ هذا المحقّق منفرد في هذا القول فان الظاهر انه لم يقل احد بان الالفاظ الانشائيّة موجدة و محققة لمعانيها هذا تمام الكلام فى حقيقة الوضع و حاصله انّه تعهّد خاص سبب لحصول الملازمة الخارجيّة بين اللّفظ و ارادة تفهيم المعنى و اما

37

الكلام فى صحة التعاريف طردا و عكسا فهو مرغوب عنه عندنا لعدم فائدة عمليّة فيه ثم انّه يظهر للمتامل فى ما ذكرنا من ان الوضع هو التعهّد المذكور من الواضع و ان تبعيّته هى التبعيّة فى التعهّد ايضا ان الوضع يصير سببا لقاعدة كليّة و مقتضيا لها و هى حمل كلام كل من تكلّم من اهل اللغة و هم التّابعون للوضع الخاص على المعنى الذى وضع له تلك اللّغة الّا ان يعلم من المتكلم عدوله عن ذلك التعهّد فى خصوص استعمال و يسمّى الدّال على هذا العدول بالقرينة العائدة لكونه معاندا و مزاحما و مانعا عن كون الاستعمال انجازا للتعهّد الحاصل بالوضع فيصير الوضع من الواضع و من التّابعين له تمام المقتضى لحمل اللفظ على الموضوع له و يصير الامر المنافى لحمله عليه و هو القرينة المعاندة مانعا هذا على ما قرّرنا من ان الوضع هو التعهّد باللفظ عند ارادة تفهيم المعنى و امّا بناء على ما ادّعاه بعض من انه جعل الملازمة الذهنيّة بين اللفظ و المعنى فالوضع و تبعيّة جزء سبب لان العقل يحكم بعد فرض عدم غرض للمتكلّم الّا تفهيم الغير بانه اراد تفهيم هذا المعنى الظاهر من اللفظ بالملازمة الجعليّة لان ارادة غيره منه محال مع عدم دلالته على ذاك الغير لعدم ايضا له اليه او قبيح على ما قيل فالحمل على الموضوع له منوط بامرين احدهما ظهور اللفظ و دلالته التصوريّة على الموضوع و هذا الظهور يتحقق بالوضع و الثانى عدم ظهور اللّفظ فى معنى آخر ايضا بواسطة القرائن لانّ الحمل على الموضوع له و هو الدّلالة التصديقيّة انما و بدليل الحكمة و قبح ارادة خلاف الظاهر او محاليّته و قبحها انما هو بعد فرض عدم الظهور فى غيره و مع القرينة الدالّة على هذا الغير تحقق سبب ظهوره فى الغير ايضا فارتفع قبح ارادته او محاليّتها و الحاصل انه بناء المختار فى حقيقة الوضع ليس لنا دلالة الّا التّصديقيّة و هى دلالة اللّفظ على ارادة المتكلّم تفهيم المعنى التصوّرى او التصديقى و سبب هذه الدلالة ليس الّا تعهّد المتكلّم بوضعه او تبعيّته للواضع فانّه سبب للتّلازم الخارجى بين اللفظ و بين ارادته تفهيم معناه الموضوع له و تحقق احد المتلازمين و هو اللّفظ يدل على المحقق الآخر و هو ارادة تفهيم المعنى و لا نعنى بالدلالة التصديقية الّا هذه و اما بناء على انّ الوضع جعل ملازمة ذهنيّة و هى الدّلالة التصوّرية فاللفظ له جهتان من الدلالة احدهما التّصوريّة و هى حاصلة بنفس الوضع و هو مقتضى لهما و سبب لهما و هى تصوّر الموضوع له عند تصور اللفظ و الاخرى دلالة تصديقية و هى دلالة اللّفظ على ان المتكلّم اراد تفهيم المعنى الموضوع له و هذه الدلالة بناء على القول المذكور تحصل باحراز الدلالة التصوريّة و هى الظهور التصوّرى فى الموضوع له و باحراز عدم ظهور آخر تصوّرى ايضا فى اللّفظ و وجه احتياج الدلالة التصديقية الى الاحراز امرين احدهما وجودى و الآخر عدمى هو ان دليلها هو الحكمة و هى منوط بالظهور فى الموضوع له و عدم الظّهور فى غيره كما مرّ و من هنا اختلفوا فى مقدار اجراء اصالة الحقيقة و انها تجرى مع الظن النوعى او الشخصى او مع عدم قرينة معاندة

قوام الوضع و تحققه بأمور ثلاثة

و حاصل التحقيق فى حقيقة الوضع ان قوامه و تحققه بامور ثلاثة

الأول: اعتبار الدلالة بالملازمة أو الاتحاد و العينية بين اللفظ و المعنى‏

الاوّل‏ اعتبار الدلالة بالملازمة او الاتحاد و العينيّة بين اللفظ و المعنى يعنى ان الواضع يلاحظ و يعتبر فى الملازمة او الاتحاد الدلالة و بعبارة اخرى يرى الواضع انه لو كان بين اللفظ و المعنى ملازمة خارجيّة لدلّ اللفظ على المعنى بحيث لو اطلق ينتقل ذهن السامع منه الى المعنى‏

الثانى: تنزيل الواضع اللفظ و المعنى منزلة المتلازمين‏

الثّانى تنزيل الواضع اللفظ و المعنى منزلة المتلازمين اعنى تعهد البناء على الملازمة و البناء على مقاماته الملازمة و ان لم يكن ملازمة حقيقة بين اللفظ و المعنى بمعنى انه كما لو كان بينهما ملازمة يطلق اللفظ و يلقى الى‏

38

المخاطب عند ارادة تفهيمه المعنى كذلك يطلق اللفظ و يراد تفهيم المعنى مع فرض عدم ملازمة بينهما و هذا هو تنزيل اللفظ و المعنى منزلة المتلازمين اذ هذا التعهّد و البناء اثر من آثار الملازمة و اجرائه فى غير المتلازمين تنزيل له منزلة المتلازمين‏

الثالث: بيان الواضح التعهد المذكور للمخاطبين‏

الثالث‏ بيان الواضع هذا التعهّد و البناء للمخاطبين و لمن يريد تفهيمهم فاذا تم هذه الامور الثلاثة يتحقق الوضع و يصير اللفظ الصادر من الوضع دالّا على ارادة تفهيم المعنى و ظاهرا فيه عند السّامعين العالمين بالوضع و كذلك اللفظ الصادر من التّابعين للواضع يعنى من تبعه فى التعهد و البناء المذكور فالعمدة فى الوضع أمران البناء على معاملة المتلازمين بين اللفظ و المعنى و بيانه لمن اريد تفهيمهم من المخاطبين و كيف كان فحقيقة الوضع بيان لتنزيل اللّفظ و المعنى منزلة المتلازمين و حقيقة تنزيل الشي‏ء منزلة الغير هو ترتيب آثار الغير على ذاك الشي‏ء و اثر الملازمة هو إراءة احد الملازمين لتفهيم الآخر فاسماع اللفظ و هو إراءته عند ارادة تفهيم المعنى دائما هو التنزيل المذكور ثم البناء على اسماع اللفظ عند ارادة المذكور دائما يوجب الملازمة الاتفاقيّة الجعليّة بين اللفظ و بين ارادة تفهيم المعنى فالملازمة الجعليّة انما هى تتحقق بين اللّفظ و المعنى مع وصف المعنوية اعنى المقصودية الّتى هى وصف باعتبار المتعلق اذ المقصود تفهيم المعنى لا ذات المعنى لا يقال هذا اعتراف بما انكرته اوّلا من ان الملازمة غير قابلة للجعل لان مرادنا من جعل الملازمة هو كون منشأ انتزاعها اختياريّا و يحصل بالاختيار فان البناء على الاستماع عند ارادة التفهيم عين الارادة و الاختيار و بعد هذا الاختيار ينتزع الملازمة المذكورة

اختلاف كيفية الوضع فى الاسماء و الحروف و الإخبار و الإنشاء

تنبيه‏ اذا عرفت الوضع بانه بيان للتنزيل المذكور و انه تعهّد لاسماع اللفظ دائما عند ارادة تفهيم المعنى فاعلم ان كيفيّة الوضع تختلف فى الاسماء و الحروف و كذلك فى الاخبار و الانشاء و بيان ذلك انه لا اشكال فى كون الارتباطات الواقعيّة و النّسب الجزئيّة الخارجيّة من الامور الاعتباريّة التى ليس لها وجود اصلى فى الخارج بل انما هى اعتباريّة صرفة و ملاحظة محصنة ليس لها ما بازاء فى الخارج و تحققها فى الخارج انما هو بتحقق منشأ انتزاعها فهى متحقّقه بتحقّق منشأ انتزاعها مثلا اذا ضرب زيد عمروا يكون بين الضرب و زيد ارتباط و نسبة يعبّر عنه بالصّدور و بالنسبة الفاعليّة و بين الضرب و عمرو ايضا ارتباط هو المفعوليّة ثمّ انّ اعتبار هذه الامور الاعتبارية و تصوّرها و انفهامها من الخطابات و غيرها يمكن على وجهين احدهما اعتبارها على وجه لا يكون لها وجود ذهنى اصلى مثل خارجها بل يكون وجودها الذهنى ايضا اعتباريّا يعنى فى الاعتبار الاولىّ ليس لها وجود اصلى بل انّما تصير ذا وجود اصلى فى الاعتبار الثانوى الّذى ناظر الى الاعتبار الاولى و هذا الاعتبار الاول يعد خارجا للثانى و حاصل الكلام ان النسبة الخارجيّة قد يتحقق فى الذهن تبعا مثل وجودها الخارجى و هذا النحو من التحقّق انما هو اذا تحقق فى الذهن طرفا النسبة مرتبطين و منتسبين و توجّه الذهن اليهما على نحو الارتباط و الانتساب لا ان يتوجّه الذّهن الى نفس الانتساب و الارتباط مثلا اذا تحقق فى الذهن زيد بقيامه و على قيامه فالمتصور هو طرفا النسبة اعنى زيد و قيامه لكنّهما متحققان فى الذهن مرتبطين فالنسبة و الارتباط تحقق فى الذهن تبعا و اذا لاحظ الشخص نسبة القيام بزيد مستقلّة فههنا ثلاثة امور زيد و القيام و النسبة بحيث صارت النسبة موجودة ذهنيّة على وجه الاستقلال فى عرض وجود زيد و القيام فى الذهن و الوجه الثانى هو هذا يعنى ما تحقق فى الذّهن من النسبة مستقلّة و على وجه تكون فى‏

39

وجودها الذهنى اصيلا و هو ما ذكرنا من توجه الذّهن الى نسبة القيام بزيد بحيث صارت النسبة موجودة ذهنيّة على وجه الاستقلال مثل نفس القيام و زيد و يتضح الفرق بان يقال الاشياء الخارجيّة المتعددة كالاربعة الاربعة مثلا قد تلاحظ على ما هو عليه من دون ملاحظة زوجيّتها و قد تلاحظ كيفيّة نسبتها الخارجيّة و هى الزوجيّة مستقلة ففى الاوّل تحققت الزوجيّة على وجه التّبعيّة و فى الثانى تحققت على وجه الاصليّة فالمحصّل ان النسبة الذهنيّة اما هى كيفيّة لطرفيها او هى امر مستقل فى الذّهن فى طرفيها و كيف كان و على اىّ وجه تحققت النسبة فى الذهن فهى تعدّ مفهومة و ملحوظة و معتبرة و متصورة اذ وجود الشي‏ء فى الذهن هو الفهم و الانفهام و التصور و الملاحظة و الاعتبار بل هو العلم ايضا فتعدّ معلومة هذا و لكن قد تداول التعبير عن النسبة المتحققة على وجه هى كيفيّة لطرفيها (1) اعنى كونها كيفيّة لملاحظتهما و تداول التّعبير عن النسبة المتحققة على وجه الاستقلال بالملحوظ و المفهوم و الملاحظة ثم بعد معرفة ما ذكرنا يتضح لك ما ذكروه من تقسيم المعنى من انه اما هو مستقل بالمفهوميّة او هو غير مستقل فان المراد من الاستقلال بالمفهوميّة هو ملاحظة الشي‏ء على وجه تحقق فى الذّهن اصيلا و صار وجوده وجودا اصيلا مستقلّا فى عرض ساير الوجودات الذهنيّة و غير النسب و الاضافات لا يلاحظ الّا على وجه الاستقلال و اما المراد من كون المعنى غير مستقلّ بالمفهوميّة فهو ملاحظته على وجه التبعيّة و كونه كيفيّة و لحاظا لغيره من المعانى و هذا النحو من الملاحظة لا تتعلق الّا بالنسب كما فى ملاحظتها على الوجه الاول نعم لو تعلّق الملاحظة بها على الوجه الثّانى يصير داخلا فى المستقل بالمفهوميّة فاذا عرفت ذلك كله فاعلم ان ما وضع للمعنى المستقلّ بالمفهوميّة فقط فهو الاسم سواء كان المعنى المذكور ذاتا او حدثا او نسبة لكن مع كون اللفظ موضوعا لها على جهة ملاحظتها على وجه الاستقلال و هذا اللفظ مثل لفظ النسبة و مراد فيها من الاضافة و الارتباط و مثل لفظا الصّدور و الوقوع و ما وضع للنسبة فقط لكن على الوجه الاول من كونه موضوعا لها بملاحظتها على وجه التبعيّة فهو حرف و اما ما وضع لمعنى مستقل بالمفهوميّة و معنى غير مستقل بالمفهوميّة بحيث كان المجموع بما هو مجموع معنى واحدا و موضوعا له و صار اللّفظ متضمّنا لمعنى غير مستقل بالمفهوميّة فهو على قسمين فان كان معناه النسبى هو الاقتران باحد الازمنة الثلاثة فهذا هو الفعل و ان كان غير هذا الاقتران فهو الاسم ايضا مثل لفظ قبل و بعد و ساير الاسماء المشبهة بالحروف فعلى ما ذكرنا يفارق الاسماء الموضوعة للنسبة مع الحروف فى جهة الملاحظة فان كانت نسبة من النّسب ملحوظة على جهة التبعيّة فيعبّر عنها بالحروف الموضوعة لها و ان كانت ملحوظة على وجه الاستقلال يعبّر عنها بالاسم اذا عرفت ما ذكرنا فاعلم ان الحروف لا تدلّ على المعنى بلا بواسطة و بنفسها بل انما تدل عليه بواسطة ما دل على المعنى المستقل بالمفهوميّة بمعنى ان الحروف تدل على معنى فى غيرها و بعبارة اخرى تدل الحروف على ان الالفاظ الدالة على المعنى المستقلّ بالمفهوميّة اريد منها الفرد و المقيّد من هذه المفاهيم المستقلّة بالمفهوميّة بحيث ينتزع عنها التقيّد لا انه اريد منها الذات مع عنوان التقيد المستقلّ فى المفهوميّة مثلا اذا قيل ضربت فى الدار فلفظة فى تدل على ان ضربت مستعمل فى الضرب المقيّد بكونه مظروفا للدار و كذلك الدّار مستعمل فى المقيّد بكونه ظرفا للضرب لكن ليس المراد استعمالها فى عنوان التقيّد بل اريد منها معناهما على وجه ينتزع منه التقيّد اعنى الضّرب بوقوعه فى الدّار و على وقوعه فى الدّار بحيث صار مشخصا له ( (1) باللحاظ يعنى لحاظ طرفيها)

40

فلفظة فى تدل على انّ المراد من الضّرب و الدّار هو الضرب الخاص و الدار الخاص و هما فردان من الضرب و الدار و بعبارة اخرى يفهم بواسطة لفظة فى من لفظا لضرب و الدار معناهما على وجه احدهما خصوصيّة ذهنيّة للآخر و على وجه يعد احدهما قيدا و خصوصيّة لا انّ عنوان القيديّة و الخصوصيّة ملحوظة معهما بل يفهمان على وجه ينتزع عنها القيديّة و الخصوصيّة و الحاصل ان الحروف لا تدل الّا على ان المراد من متعلّقها هو ما يعدّ خاصّا و مقيّدا اعنى ذات الخاص و المقيّد و منشأ انتزاعهما لا عنوان الخاص و المقيّد فلو فرضنا صحّة ما ذكر لكان معنى الحروف معنى غير مستقلّ بالمفهوميّة لكن تدلّ عليه بالواسطة يعنى يصير علامة لاستعمال الاسم او الفعل فيما يعد مقيّدا او خاصّا فالمعنى الحرفى انما هو فى تحت متعلّقه من الاسم و الفعل و الدالّ على المعنى الحرفى انما هو متعلّقه فالمتعلّق تدلّ على المعنى الحرفى بواسطة الحرف فالحرف علامة و امارة لاستعمال متعلّقه فى معناه اعنى استعمال متعلّقه فى المقيّد من هذا التعلّق فالمعانى كلّها انما هى واقعة تحت الاسماء و الافعال الّا ان الاسماء و الافعال الّا ان الاسماء و الافعال قابلتان لارادة معانيهما المطلقة و المقيّدة و لا تدلّان على ارادة المطلق او المقيّد الّا بالقرينة و قد وضع الحروف لبيان ارادة المقيّدات مثلا لفظة فى موضوعه لبيان ان المراد من متعلّقهما هو المقيّد على نحو المظروفيّة او الظرفيّة فالضرب الخاصّ على نحو يعدّ مقيّدا بالمظروفيّة مدلول الضّرب و لفظه فى علامة لارادته و واسطة لدلالة الضّرب على المقيّد يعنى ما يعدّ مقيّدا او عنوان المقيّد فالتقييد انّما يستفاد من لفظين احدهما متعلّق الحرف اعنى الاسم او الفعل و الآخر نفس الحرف و كلا كل من المتعلق و الحرف دالّان على المعنى الحرفى لكن بحيث يكون احدهما فى طول الآخر لا انه فى عرض الآخر فان الحرف يدلّ على ارادة القيد من متعلّقه و متعلّقه يدلّ على ارادة المقيّد من من نفسه بواسطة الحرف فارادة المقيد من متعلّقه انما هى بواسطة الحرف فهو آلة و امارة و علامة لارادة المقيّد من متعلّقه و امّا ارادة المطلق من متعلّقه فلا يحتاج الى امارة و علامة و قرينة لان عدم ذكر العلامة للمقيّد علامة لارادة المطلق كما سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى و حاصل المرام ان الحروف علامة لكون المعنى المستقلّ بالمفهوميّة مرادا من غير الحروف بكيفيّة خاصّة و الخاص خاص هو كون المعنى على وجه ينتزع عنه التقيّد و المراد من الغير هو متعلّق الحروف مثلا لفظة فى ضربت فى الدّار دالّة على ان المراد من لفظ الضّرب و الدّار معناهما الخاص و الفرد الخاصّ و هذا امر وحدانىّ و هو الضّرب بوقوعه فى الدّار و على وقوعه فيها بحيث يعدّ الدّار ظرفا للضرب و ينتزع التقيد الخاصّ و هو الظرفيّة و المظروفيّة من كيفيّة لحاظهما فالتقيّد و الظرفيّة و وقوع الضرب فى الدّار كلها بمفهومها ليست مدلول الكلام بل مدلوله امر وحدانىّ يلاحظ فى ظرف التحليل هذا الامر الوحدانى ثلاثة اشياء الضرب و الدار و وقوع الضّرب فيها او تقيد الضرب بها او ظرفية الدّار للضّرب فلفظ الضرب و الدّار اريد منهما معناهما على نحو خاص و لحاظ خاصّ هذا و لا يمكن تفسير المدّعى باوضح ممّا ذكرنا

الأدلة فى كون الحروف علامة لدلالة متعلقها على معناها

ثمّ‏ ان الدليل على المدّعى من كون الحروف علامة لدلالة متعلّقهما على معناها و ان معناها فى ضمن تعلّقها وجوه‏

[الاوّل عدّ الحروف أدوات‏]

وجوه الاوّل عدّ الحروف أدوات و آلات فانّه لا معنى للادائيّة و الآليّة الّا ما ذكرنا من كونها آلات لدلالة غيرها على معناها و كون معناها فى غيرها على النحو الّذى ذكرناه و لا منافاة بين كون المعنى معنا لها و بين كونه تحت الغير لان المقصود من الحروف تفهيم معناها فى ضمن غيرها و المعنى ليس الّا المقصود

41

تفهيمه‏

[و الثانى تنصيص اهل النحو و الفصاحة]

و الثانى‏ تنصيص اهل النحو و الفصاحة مثل نجم الائمة و التفتازانى فانّهما صرّحا بكون الحروف علامة لارادة معانيها من متعلّقها

[و الثّالث عدم دلالتها على معانيها الّا بعد ضم متعلقاتها بها]

و الثّالث‏ عدم دلالتها على معانيها الّا بعد ضم متعلقاتها بها

[و الرابع عدم امكان افادتها لمعانيها الاداتيّة ...]

و الرابع‏ عدم امكان افادتها لمعانيها الاداتيّة الغير المستقلة بالمفهوميّة الّا على ما ذكرنا و قد مرّ بيان غير المستقل بالمفهوميّة و هو كون المعنى لحاظا لمعنى آخر و كيفيته و حاله له و كان انفهامه تبعا لانفهام المعنى الآخر و يلاحظ عند انفهام ذاك المعنى الآخر على وجه التبعيّة لا ان يتوجّه الذّهن اليه على سبيل الاستقلال و هذا النحو من الانفهام لا يعقل كونه من دلالة اللّفظ على المعنى بنفسه الّا بواسطة لفظ آخر هو الدال فى الحقيقة و وجه عدم المعقوليّة انه لو كانت الحروف دالّة على المعنى بالاستقلال و موضوعة لمعانيها لا بالواسطة لخرج معانيها عن عدم الاستقلال بالمفهوميّة و يدخل فى المستقلّة بالمفهوميّة اما خروج معانيها عن غير المستقلّة بالمفهوميّة الى المستقلّة بها فواضح لان الاستقلال بالدلالة هو ان المعنى يفهم و يتحقّق فى الذهن و لو لم يكن لفظ آخر و لا معنى آخر و مع ذلك كيف يمكن القول بتبعيّة هذا النحو من تحقق المعنى فى الذهن و الحاصل انّ المتأمّل المنصف يجد من نفسه عدم امكان كون اللّفظ دالّا على المعنى الغير المستقلّ بالمفهوميّة مع فرض كون هذا اللفظ فى عرض ساير الالفاظ فى الدلالة و كونه دالّا على معناه بنفسه لا بالواسطة نعم لو فرض دلالته بالواسطة اعنى كونه علامة لاستعمال الغير فى المعنى الحرفى بتسليم ان معنى كون المعنى للحرف ان الغير يدلّ عليه بانضمام الحرف و بواسطته لامكن كون معنى الحرف معنى غير مستقلّ بالمفهوميّة و ذلك انما هو باستعمال الغير الّذى هو يدلّ على معنى مستقلّ بالمفهوميّة بها فى المقيّد فى معناه فدلالته على نفس معناه بنفسه فى الوضع و امّا دلالته على معناه المقيّد فهى باعتبار الحرف و ضمّه الى ذاك الغير فنفس التقييد و ذاته لا عنوانه انما هو مدلول الحرف و لكنها من حالات معنى متعلّقه و هو الاسم او الفعل و لحاظ و كيفية لمعنى احدهما فالمعنى الحرفى ليس الّا كون معنى متعلّقه هو المقيّد فالتقيّد جار فى التعلق بواسطة الحرف و ما يمكننا من بيان دلالة الحرف على معناه هو ما حررناه و الظاهر عدم امكان بيانها بازيد من هذا و وجهه واضح لانّ مقام بيان معنى الحرف و دلالته لا بدّ من توجه النّظر الى معناه بالاستقلال و فى مقام التعبير عن هذا لا بد ان يعبّر عنه باللّفظ الدالّ على المعنى المستقل بالمفهوميّة فذات البيان يصير مباينا للمبيّن فيما هو مقصود من جهة البيان و لعلّ بيان هذه المغايرة بين التعبير و بين المقصود صار سببا لبيان المقصود اعنى المعنى الحرفى و دلالة الحرف عليه فافهم و ما ذكرنا من عيب بيان المعنى الحرفى و عدم امكان تطابق التعبير بما هو مقصود بيانه صار سببا للقول بكون وضع الحروف عامّا و الموضوع له خاصّا فان الموضوع له هو المدلول الذى غير مستقل بالمفهوميّة و حين الوضع لا يعقل ملاحظته الّا على وجه الاستقلال و لهذا يعبّر عنه حين الوضع بالاسم و يقال وضعت لفظة فى للظرفيّة الخاصّة و بعبارة اخرى يلاحظ حين الوضع بمفهوم كلّى هو المسمّى بآلة الملاحظة و يوضع اللّفظ لخصوصيّاته فالموضوع له حين الوضع و الاستعمال يختلف من حيث الملاحظة فانه حين الوضع يلاحظ بعنوانه و حين الاستعمال يتحقق بمصداقه و هما من حيث الوجود الذّهنى و المفهوميّة متغايران الحاصل ان المعنى الواحد يختلف من حيث اللّحاظ حين الوضع و الاستعمال اما حين الوضع فيلاحظ بالاستقلال و يتحقّق بمفهومه و بعنوانه و أما الاستعمال يلاحظ بالتّبع و يتحقّق بمصداقه و هذا الاختلاف هو منشأ تمايز الاسم و الفعل‏

42

مع الحرف فتامّل و افهم فانه يتضح الفرق بادنى تامل ثم الخلاصة ان وضع الالفاظ على قسمين الاوّل تنزيل اللّفظ منزلة المعنى من حيث تعلّق الارادة بتفهيم المعنى فاذا اريد تفهيمه يتكلّم باللّفظ فيفهم المتكلّم اللّفظ بدل افهام المعنى و يصير المعنى مستقلّا بالمفهوميّة فيتحقّق الملازمة ح بين ذات اللّفظ و ارادة تفهيم المعنى و هذا النحو من الوضع هو وضع الاسماء و الافعال لمؤدّاها و الموضوع له فى هذا الوضع هو المطلق و المقيّد كلاهما كما سيجي‏ء إن شاء الله اللّه فى استعمال الكلّى فى الفرد الثانى تنزيل اللّفظ منزلة تقييد ذاك المستقل بالمفهوميّة و منزلة نسبته الخاصّة من حيث تعلّق الارادة بتفهيم المقيّد و المنتسب فاذا اريد تفهيم المقيّد بتقيّده ينضمّ هذا اللّفظ الموضوع للاعم من المطلق و المقيّد و هو الاسم او الفعل بمادّته فيصير مفهومه ذات التقييد و شخص النسبة لا عنوانهما و هذا هو وضع الحرف فيصير مدلول هذا اللّفظ اعنى الحرف الموضوع بالوضع على النحو الثانى مفهوما غير مستقل بالمفهوميّة لانه ذات التقييد و خصوص النسبة و يصير ايضا علامة له لدلالة الغير لكونه متحقّقا عند ارادة المنتسب المقيد من الاسم و الفعل فعلى ذلك وضع الحروف تبعىّ لاستتباع وضع الاسم و الفعل وضعها و دلالتها تبعيّة لعدم كون معنى لها الّا بعد استعمالهما فى المقيّد و يمكن اتصاف دلالتهما على المقيّد بالتبعيّة لعدم دلالتهما على معناهما المقيّد الّا بضميمة الحرف و بعبارة اخرى اتصاف دلالة الحروف بالتبعيّة فى قبال دلالة الاسم و الفعل او العكس انما هو باعتبار المعتبر و كلاهما صحيحان و كيف كان مفاهيم الحروف هى معانيها الغير المستقلة بالمفهوميّة و تبع لمعانى الاسم و الفعل و وضع الحروف ايضا تبع لوضع الاسم و الفعل و مرجع وضع الحروف الى وضع ثانوىّ للاسماء و الافعال يعنى وضع الاسماء و الافعال اوّلا لمفاهيمها الكلّيّة فتدلّان عليها مستقلّين الّا انّ مدلولهما من حيث الاطلاق يبقى مهملا بذاتهما و مع قطع النظر عن ضمّهما الى الحرف و عن تجرّدهما و لا تدلّان على جهة الاطلاق و لا التقييد فاذا وضع حرف لتقيد مدلول احدهما يرجع الى وضعه مع هذا الحرف المقيّد فمع الضميمة موضوع للمقيّد بوضعين و بعد وضعه مع الضّميمة للمقيّد يدلّ مجردة و مطلقة على ارادة المطلق من مفهومه لان عدم بيان ارادة التقيّد دليل على عدم ارادته فيدلّ على الاطلاق لعدم الواسطة من حيث تعلق الحكم و سيجي‏ء زيادة توضيح فى استعمال الكلى فى الفرد

الوضع فى الهيئات و الأفعال و الأسماء المشتقة نظير وضع الحروف‏

ثمّ‏ ان وضع الهيئات و الافعال و الاسماء المشتقة نظير وضع الحروف ان قلنا بالوضع النوعى فى المشتقات يعنى ان هيئات الافعال موضوعة لاقتران المبدا باحد الازمنة الثلاثة و هيئات الاسماء المشتقّة موضوعة لقيام المبدا فذات الافعال و المشتقّات تدلان بل على معانيهما المقيدة بوضعين الوضع المادّى الشخصى و الوضع الهيئى النّوعى فالمادة موضوعة للاعمّ من المطلق و المقيّد و لكنّهما مع الهيئة الموضوعة بالوضع النّوعى موضوعة للمقيّد بواسطة وضع الهيئة و امّا المجرّدة عن الهيئة و هى المصدر فتدلّ على الاطلاق باطلاقها و بتجرّدها عن الهيئة الموضوعة بالوضع النوعى و ان قلنا بان وضع الافعال و المشتقات شخصى يصير حالهما حال الاسماء المتضمّنة للمعانى الحرفيّة مثل قبل و بعد من حيث انهما باعتبار معناهما المستقل بالمفهوميّة وضعها مع الموضوع له متحدان من حيث العموم و الخصوص و اما باعتبار معناهما الغير المستقلّ بالمفهوميّة فوضعها عام و الموضوع له خاص‏

تختلف كيفية وضع الإخبار مع وضع الإنشاء كما تختلف كيفية وضع الاسم مع الحرف‏

ثمّ‏ انه كما يختلف كيفيّة وضع الاسم مع كيفيّة وضع الحرف كذلك يختلف كيفيّة وضع الاخبار مع كيفيّة وضع الانشاء و بيان ذلك بان الاختبارات بوضع مفرداتها كما هو الحق او بوضع الهيئة التركيبية كما قيل انّما هى نزلت منزلة المحمولات‏

43

المنتسبة الواقعة و الامور الواقعة بوقوعها الخارجى يعنى نزلت منزلة وقوعها و ان الواضع متعهّد بعدم التكلّم بها الّا عند وقوع تلك الامور و بعد هذا التعهّد اذا اراد اعلام المخاطب بوقوع تلك الامور يتكلّم بها فتصير امارة لوقوع الامور لكشفها عن احراز المتكلّم وقوع الامور لان بقاء المتكلّم على تعهّده لا يعقل الّا بعد فرض كلامه صادرا عند الوقوع فالحاصل ان وضع الجملة الخبريّة عبارة عن التعهّد المذكور فى التكلّم بها بعد اعتبارها نفس وقوع مضمونها اعنى تنزيلها منزلة وقوع مضمونها فى الخارج من حيث انه متى اراد الواضع تبيين وقوع مضمونها اعنى تنزيلها منزلة وقوع يلقها الى المخاطب بدلا عن إراءته وقوع مضمونها فالجملة الخبريّة حاكية عن غيرها و هو الواقع الخارج عن نفسها فهى دالّة عليه بلا واسطة و اما الجملة الانشائيّة فهى حاكية عن نفسها و دالة بجميع افرادها على الارادة او التّعهد بالواسطة و بيان ذلك بعد فرض كون الانشاءات كلّها كاشفة عن تعلق الارادة و القصد بمضمونها كما سيجي‏ء فى باب الاوامر ان الواضع فيما هو موضوع على سبيل الانشاء اعتبره نفس وقوع مضمونه و جعله نازلا منزلة وقوع مضمونه فاذا اراد وقوع مضمونه فى الخارج و يريد ان يبيّن هذه الارادة المتعلّقة بوقوع مضمونه فيأتى به بدلا عن حقيقة وقوع مضمونه ليدلّ على تلك الارادة المتعلقّة بالوقوع فان ايقاع مضمونه كما يدلّ على ارادة وقوعه كذلك يدلّ ايجاد ما هو بمنزلة وقوعه ايضا على ارادة وقوعه و بعبارة اخرى انما يدلّ ايقاع الفعل و صدوره على تعلّق الارادة بالاصدار لان الاصدار اثر لها و معلول لها فاذا اعتبر اللّفظ و التكلّم به اصدار و انزل منزلة الاصدار فاذا اراد المريد ان يبيّن ارادته بوقوع الفعل التنزيلى و الاعتبارى و هو اللّفظ فيدل هذا اللّفظ على إرادة مضمونه كما يدلّ حقيقة المنفعل و الفعل الحقيقى على ارادته مثلا اذا اراد الشخص ضرب المخاطب و صدوره عنه يعتبر لفظة اضرب عين الضرب الحاصل عند المخاطب و المتكلّم بها اصداره فيوقع هذا المريد هذا الكلام اعنى لفظة اضرب فتدلّ على الارادة يعنى ارادة وقوع الضرب بواسطة ان هذا اللّفظ عين الاصدار فى مقام الاعتبار و نفس الاصدار فعل من الافعال يدلّ على تحقق ارادته ممن اصدره و توضيح ذلك ان تلبس الفعل بالارادة و تعلّقها به يعلم بنفس الفعل و تحققه فى الخارج لانه معلول لها و المعلول يدلّ على تحقّق علّته ثم ان الواضع فى مقام تفهيم ارادته لفعل الغير على وجه الاختيار قد ينزل لفظا منزلة نفس الارادة بلا واسطة فاذا اراد تفهيم الارادة يعبر عنها بذلك اللفظ و هو حين التكلّم به ناظر الى نفس الارادة و هذا اللّفظ الموضوع لارادة على النّهج المسطور مثل لفظة ارادة و لفظة قصد و لفظة محاولة و غيرها فانها موضوعة لحقيقة الارادة و ذاتها بلا واسطة و المستعمل حين استعمالها ليس توجيهه الّا الى نفس الارادة و فى مقام تحقّقها يقول اقصد او اريد او انه الى قاصد او مريد و هذا الكلام المفهم لتحقق ارادة المتكلّم له واقع خارج عن نفسه فان الكلام المذكور لمضمونه حقيقة و لم يعتبر المتكلم كون الكلام ارادة و لا يعقل هذا الاعتبار ايضا و قد ينزل الواضع لتفهيم تحقق ارادته و وقوعها لفظا منزلة صدور نفس الفعل الذى تعلق به الارادة عنه و معنى تنزيله هو انه متى يريد فعلا يفعل هذا الفعل التنزيلى اعنى التلفّظ بذاك اللّفظ فالواضع المستعمل له يلاحظ حين الاستعمال كونه فعلا صادرا عنه و هو الفعل المتعلّق به ارادته فهذا اللّفظ صادر الصادر عنه بعنوان انه فعل خاص خارجى هو الفعل الّذى تعلق الارادة بوقوعه فيدل هذا اللّفظ بعنوان‏

44

كونه الفعل المراد على تحقق ارادة الفعل فدلالة هذا اللّفظ على تحققها انما هى بواسطة كونه صادرا عن اللافظ و هو الفعل الذى تعلق به ارادة هذا اللافظ و بهذا الاعتبار هذا اللفظ سمّى انشاء لانه صادر بلحاظ كونه ايجادا للفعل المراد و بلحاظ كونه فعلا و بلحاظ كونه ايقاعا لا بلحاظ كونه امارة كاشفة عن المعنى فيدل على تحقق ارادة هذا الفعل الذى تحقق اللفظ باعتبار كونه هو الفعل فدلالته على تحقق ارادة الفعل المعنون به هذا اللفظ دلالة عقليّة مثل حقيقة الفعل و الفعل الحقيقى على ارادته باعتبار انها علة لتحقّقه فعلى هذا يدل هذا اللفظ على نفسه باعتبار كونه فعلا صادرا عن المتكلم مطابقا لمضمونه فهذا الكلام واقعة هو نفسه لان الفعل الاعتبارى الذى هو نفسه هو مدلوله الأوّلي مثلا لفظة اضرب موضوعة لنفس بعث المخاطب و تحريكه الى الضرب يعنى اعتبرها الواضع و المستعمل فيه حقيقة البعث و التحريك المذكور فصدورها عن اللّافظ المستعمل لها انما هو بعنوان كونه بعثا و تحريكا الى الضرب و هذا البعث من المتكلّم هى اصدار ضرب المخاطب فيدل اللّفظ المذكور الصّادر بعنوان كونه اصدار للضرب على نفسه بلا واسطة و على ارادة مضمونة بالواسطة و هى نفس اللفظ باعتبار كونه صادرا عن المتكلم نعم دلالة اللفظ على تلبّس الضرب مثلا بالارادة وضعيّته باعتبار ان اللفظ اعتبر بعثا الى الفعل بالوضع يعنى تنزيله منزلة البعث الى الضرب الحقيقى انما هو بالوضع و الجعل و بعبارة اخرى صدور اللفظ باعتبار انه بعث و تحريك انما هو بالوضع و جعل الواضع و دلالته على تحقق ارادة الضرب انما هى بواسطة كونه بعثا لا ان يكون دلالته عليها اوّلا و بالذات مثل دلالة اريد و اقصد على تحقق الارادة و كذلك لفظة بعت و اشتريت فى العقود اعتبرت كونها مبادلة فعليّة فتدل على قصد المبادلة و ارادتها بعد فرض اللفظ مبادلة فعليّة لا بلا واسطة و النكتة فى اعتبار اللفظ فعلا تعلق به الارادة مع امكان وضع اللّفظ و استعماله فى نفس الارادة اولا و بالذّات كما مر فى اريد و اقصد انّما هى تاكد الارادة و افادة هذا النحو من تفهيم الارادة ارادة تامة نافذة فان الارادة المتعقبة بالفعل ارادة نافذة لا غير اذ الفعل يكون اصرح دلالة على ارادته من القول الدالّ عليه مثل اريد فاعتبر الواضع اللفظ فى مقام الوضع و الاستعمال عين الفعل حتى يدل هذا اللّفظ دلالة صريحة بواسطة كونه ذلك الفعل و المراد بلحاظ كونه هو ذلك الفعل على ارادته و هذا بخلاف اللفظ الموضوع للارادة اولا و بالذات مثل لفظ الارادة فانه لو قيل فى مقام تحققها اريد فهو قابل للتسامح يعنى يحتمل ان يكون المقصود من اللفظ اريد هى الارادة الناقصة اعنى وجود ذاتها مع تحقق مزاحم لتماميتها و فعليّتها و هذا التّسامح و التجوز لا يحتمل و لا يصح فى ما وضع لنفس الفعل و اعتبر فعلا لان دلالته على الارادة و تحققها عقلية غير قابلة للتجوز فى داله اعنى الفعل و اما استعمال هذا اللفظ الذى اعتبر فعلا خارجيّا فى نفس الارادة الناقصة او لا و بالذات فغير جائز لعدم صحة المجاز فى الحروف و الهيئات الّا بالتوسعة فى متعلّقه و هى غير متصورة فى استعمال الهيئة الدّالة على جهة الانشائيّة فى الاخبار عن تحقق الارادة المتعلقة بمضمون الجملة و اوضح ممّا ذكرنا فى حل الجمل الانشائية انه اذا اراد الواضع او المستعمل بيان ارادته المتعلقة بالفعل الخارجى و اراد تفهيم هذه الارادة الاخيرة فتلك ارادتان الاولى ارادة متعلقة بالفعل الخارجى سواء كان فعل نفسه كارادته للمبادلة او للاعطاء او فعل غيره‏

45

كارادته صدور الضرب عن عبده و الشأنيّة ارادة متعلقة بتفهيم تلك الارادة الاولى ثم فى مقام انجاز الشأنية و فعليّتها اما ان يضع اللفظ لتلك الارادة الاولى اولا و بالذات و بلا واسطة مثل ان يضع لفظ اريد لها فاذا اراد تفهيم هذه الارادة يقول مثلا اريد ضربك او اريد اعطاء مالى و هذا النحو من الكلام حاك من امر خارج هو الواقع و موضوع له و مستعمل فيه محتمل للتطابق مع المحكى و لعدمه و اما ان يضع اللفظ لنفس هذا اللّفظ بعد اعتباره اياه نفس الفعل المتعلق به الارادة فيدل اللفظ باعتبار كونه فعلا متعلقا به الارادة على نفس الارادة و تحقّقها لانها علة لتحققه و تحقق المعلول يدل على تحقق علّته فدلالة هذا اللفظ على الفعل و تحققه انما هى بلا واسطة و الفعل المتحقق هو نفس اللفظ بالاعتبار و التنزيل و دلالته على تحقق الارادة المتعلقة بالفعل انما هى بواسطة كون لفظ هذا الفعل فاللّفظ مستعمل فى نفسه حاك عن نفسه غير قابل للكذب لان مدلوله ليس امرا خارجا عن نفسه بل هو واقع نفسه و هو مدلول نفسه‏

قد يغاير الدال و المدلول بواسطة الاعتبار

نعم‏ قد تغاير الدال و المدلول بواسطة الاعتبار فان اللّفظ باعتبار حقيقته و هو كونه من مقولة اللفظ دال و باعتبار اعتباره وقوع الفعل المتعلق به الارادة مدلول و باعتبار وضعه للارادة من حيث جهة اعتباره وقوع الفعل المتعلق به الارادة موضوع لتحققها و لبّ هذا النحو هو تنزيل اللّفظ منزلة ايقاع مضمونه و هو اعتبار هذا اللفظ بواسطة هيئته الانشائيّة ايقاعا لمبدئها و هو المراد من مضمون الجملة الانشائيّة و المراد من اعتبار اللفظ ايقاعا لمضمونه و من تنزيله منزلة هذا الايقاع انّ الواضع و المستعمل يعامل مع اللّفظ معاملة ذاك الايقاع كما ان الارادة المتعلّقة بتفهيم ارادة الايقاع تتعلّق بنفس الايقاع مقدّمة لتفهيم ارادته و بدلا عن إراءتها كذلك تتعلق بايجاد اللّفظ بدلا عن إراءته ارادة الايقاع و مقدمة لتفهيمها

ارادة الايقاع علة ايجاد اللفظ فى الإنشاءات‏

ثمّ‏ بعد فرض كون بيان ارادة الايقاع مقدمة لنفس الايقاع يصير ارادة الايقاع علة لبيان نفسها فيصير ارادة الايقاع علة الايجاد اللفظ فارادة التفهيم صار عين ارادة الايقاع كما لا يخفى على المتامّل و كيف كان الفرق بين الكاشف عن ارادة الايقاع و الموضوع لها اوّلا و هو الجملة الخبريّة مثل اريد و بين الكاشف عنها و الموضوع لها بالواسطة اعنى بواسطة اعتبار اللفظ ايقاعا لمبدئه و مضمونه هو سبق ذهن السّامع اوّلا الى الارادة فى الاول و سبق ذهنه الى ايقاع الفعل او وقوعه اوّلا ثم الى الارادة فى الثانى و اما المتكلم حين تكلّمه فهو ايضا مثل السامع الا فى كون نظره بالارادة فالايقاع فى الثّانى منعكسا فانه حين الكلام نظره متوجه الى ايقاع الفعل و هو مسبوق بالنظر الى ارادته فتأمل تامّلا صافيا دقيقا و مما ذكرنا ظهر نكتة وضع الانشاء فى قبال الالفاظ الموضوعة اوّلا لبيان الارادة مثل اريد و اقصد و توضيح ذلك ان الارادة ايقاع الفعل من الافعال اما متعلقة بفعل لا مدخليّة لبيانها و تفهيمها فى تحقق ذلك الفعل بل تفهيمها للغير و بيانها له انما هو لغرض آخر غير تحقق ما تعلق به الارادة من الفعل و هذا النحو من بيانها و تفهيمها ليس الّا بالجملة الخبريّة مثل اريد و اقصد و اما انّ تعلق الارادة بفعل يكون بيانها مقدّمة لتحقّقه نظير ارادة فعل الغير على وجه الاختيار فان بيان هذه الارادة مقدمة لصدور ذلك الفعل عن ذاك الغير كما مر فى اول الكتاب و سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى فى الاوامر و بيان هذه الارادة ان كان لغير

46

تحقق الفعل المراد و ليس الغرض منه تحققه و ليس مقدمة له فلا يقع ايضا الّا بالجملة الخبريّة مثل الاول و ان كان الغرض من بيان تلك الارادة هو الوصول الى الفعل المراد و كان تفهيمها و بيانها مقدمة له فهذا البيان يصحّ بالجملة الخبرية و بالانشائيّة الّا ان البيان و التفهم على سبيل الالقاء افيد و اكثر تاثيرا فى تحقق الفعل المراد و احسن انتاجا فى تحقّقه لان الغرض من اعتبار اللفظ ايقاعا لمضمونه ليس الّا تاكد ارادة وقوعه من حيث كونها ارادة تامّة مثل تلك الارادة المشرفة على نفس الوقوع فكما ان المشرفة ليس لها مزاحم لعدم معقولية الاشراف مع وجود المزاحم فانه مانع عن الاشراف كذلك هذه الارادة المنزلة منزلتها و جعلها مقدمة لتحقق الفعل المراد تسامح فى تحصيله لان المخاطب يحتمل عدم كون الغرض من بيان الارادة تحقق المراد لكونه بيانا لذات الارادة و يحتمل وجود المزاحم و عدم تعلّقها بتحقق الفعل المراد فلا يطاوعها المخاطب و من اريد منه الفعل و الحاصل انه يتطرق احتمال المزاحم لتعلق ارادة المتكلم بالفعل فى الجملة الخبريّة دون الانشائيّة لان الاولى لا تنافى تحقق المزاحم المتعلق عند المتكلم المريد و لكن الثانية تنافيه لان اعتبارها ايقاعا للفعل المراد لا معنى له الّا تماميّة الارادة و تعلقها بالفعل بلحاظ عدم تحقق المزاحم‏

لا معنى لجعل الأوامر بيانا المتقضيات‏

و ممّا ذكرنا يعلم انه لا معنى لجعل الاوامر بيانا للمقتضيات كما توهم حتى يصح تعلقها بغير القادرين فان هذا ينافى الجهة الانشائية لما ذكرنا من عدم فائدة لاعتبارها ايقاعا الا تماميّة الارادة و تعلقها بتحصيل الفعل باعتبار المراد فالاوامر لا تتعلق بغير القادر لان العجز مزاحم لتعلق الارادة

[وقع فى جميع الانشاءات شبهة عدم كونها مستعمله فى الارادة]

نعم‏ قد وقع فى جميع الانشاءات شبهة عدم كونها مستعمله فى الارادة بل قيل ان الوضع حقيقة هو ايجاد الملازمة بين اللفظ و المعنى و العقود هى ايجاد لانحاء المعاملات حقيقة مثلا بعت و اشتريت ايجاد للمبادلة الخارجيّة حقيقة و ايجاد للملكيّة للمتعاقدين فالاوامر ايجاد للطلب و هو غير الارادة انها امر باطنى و الطلب امر خارجى فعلى ذلك جهة الانشائيّة هى كون هذه الجمل الانشائية افعالا حقيقة

افتراق القائلون بكون الأوامر افعالا حقيقية الى فرقتين‏

ثمّ‏ القائلون بكونها افعالا حقيقة بين فرقتين‏

[فرقة تقول ان المتكلم يوجد الملازمة و المبادلة و الطلب فى ذهنه .....]

فرقة تقول ان المتكلم يوجد الملازمة و المبادلة و الطلب فى ذهنه حين التكلم بالفاظها و الالفاظ كاشفة عنها فقط و المراد من ايجادها فى الذهن انه مصدرها و الّا فهى امور خارجيّة عندهم يعنى المتكلم فى ذهنه يوجد تلك الامور فى الخارج و بعبارة اخرى يقولون ان لنا امورا خارجيّة متحققة فى الخارج بالاعتبار و الاعتبار يؤثر فى وجودها الخارجى‏

[الفرقة الاخرى تقول ان الالفاظ الانشائيّة مضافا الى كاشفيتها ....]

و الفرقة الاخرى تقول ان الالفاظ الانشائيّة مضافا الى كاشفيتها عن تلك الامور انما هى موجدة لها و بالنظر الى الوجوه الثّلاثة يختلف وجه تسمية الجملة الانشائية انشاء فعلى ما اخترنا من كونها منزلة منزلة الفعل وجه التّسمية هو كونها منزلة منزلة الانشاء و الايجاد

[و امّا على ما ذكره الفرقة الاولى‏]

و امّا على ما ذكره الفرقة الاولى فوجه التسمية هو كون مدلولها ايجادا حاليا و على ما ذكره الفرقة الثانية وجه التسمية انما هو كونها سببا و ايجادا لمعانيها هذا و سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى في تشريح الاوامر ان الانشاءات كلها كاشفة عن ذات الارادة و فعليّات لها بتقريب ان بيان الارادة قد يكون مقدّمة لتحقق المراد و ما تعلق به الارادة فبيانها يصير فعليتها و لهذا النحو بعد فعليتها انواع من حيث اختلاف متعلّقها الذى يعبر عنه بالغرض و المقصود

[فمنها ما كان المقصود صيرورة اللفظ علامة دالة للتفهيم‏]

فمنها ما كان المقصود صيرورة اللفظ علامة دالة للتفهيم و

47

للتفهم و هذا النوع من الارادة الفعليّة الّتى فعليّتها انما هى بيانها يسمى بالوضع و منها ما كان المقصود اعنى ما تعلق به الارادة هو حصول الفعل الاختيارى عن الغير و بيان هذه الارادة يسمّى طلبا

[و منها ما كان متعلق الارادة فعل المتكلم‏]

و منها ما كان متعلق الارادة فعل المتكلم الا ان صدور الفعل يتوقف على علم المخاطب بقصده و ارادته و هذا مثل المعاملات فان تمليك الغير و تسليطه على المال على وجه يقدم ذاك الغير على التملّك منوط بعلمه على ان المالك لا يسع فعلا متحققا عن شخصين و متقوّما بارادتهما بحيث لا يقدم عمل لاحد منهما على الفعل الّا بعد علمه بارادة الآخر و هذا النحو من الارادة الفعليّة هى العقود فان فعليّة التمليك و حقيقته اللغوية اعنى التسليط الحقيقى قائمة بالطرفين و ارادتهما و علم كل واحد بارادة الآخر امّا لاجل معرفته بعدم امتناع الآخر او لاجل اخذه المال على وجه الملكيّة و السّلطنة المطلقة اذ ربما يمتنع المالك عن تسلّط الغير على نحو خاص دون نحو آخر و كذلك الاخذ ربما يرخّص بالاخذ على وجه خاص دون وجه آخر فمدلول العقود انما هو الارادة من المتعاقدين و القصد الى مضمون العقد من البيع و الاجارة و غيرهما و اما تحقق البيع و المبادلة و سلطنة الطرفين بنفس العقد فهو من حكم الشّارع لا انّ المتعاقدين يوجد البيع مثلا فى ذهنه او يوجده باللّفظ كما توهّمه بعض بل حقيقة العقود ليست الّا الفاظ كاشفة عن الارادتين التامّتين و هما عين التراضى باعتبار تسالم احد المريدين و المتعاقدين للآخر و الفرق بين الارادة و الرّضا فى مقام العقد اعتبارى و الّا فهما امر واحد كما لا يخفى‏ ثمّ‏ ان التعبير عن الارادة التّامة يختلف كما سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى فى ذيل بيان الامر

[تشريح:] تقسيم اللفظ باعتبار وحدة الموضوع له أو تعدده‏

تشريح‏ اللفظ الموضوع اما موضوع لمعنى واحد و اما موضوع لمعانى متعددة و الثانى اما ان يكون كل واحد من اوضاعه فى عرض الآخر و هذا هو الاشتراك و اما ان يكون فى طوله يعنى وقع الوضع الثانى رافعا للوضع الاول و هذا هو النقل ثم ان اللفظ الموضوع ان استعمل فى ما وضع له فحقيقة و الّا فمجاز و لا اشكال فى انقسام اللفظ الموضوع بالاعتبارات و انما الاشكال فى تصوّر حقيقة وضع القسم الاوّل من الثانى اعنى المشترك كما يشكل ايضا تصوّر وجه الاستعمال فى المجاز المرسل فتامل‏

المقامان فى البحث‏

و لا بدّ لنا من التعرض للمقامين‏

الأول: فى كيفية وضع المشترك‏

الاوّل‏ فى كيفيّة وضع المشترك اعلم انه قد اشكل على بعض امكان وقوع الاشتراك و هذا الاشكال بناء على ما توهّم غير واحد من كون الوضع هو جعل الملازمة الذهنيّة اوّلا فى محلّه لان وضع اللفظ بازاء المعينين على سبيل الاشتراك يستلزم لتحقق الملازمتين الذّهنيتين المستقلّتين و هذا محال امّا وجه الملازمة فواضح لان اللفظ ان لم يكن ملازما لتصوّر المعنيين بعد الوضعين فهو انكار لوقوع الاشتراك لان ما لم يقع كيف يجعل و كيف يتعلق به الارادة حتى يجعل و ان كان ملازما لتصور المعنيين دفعة بحيث صارت ملازمة واحدة فهى غير مقصودة للواضع و لا هو ناظر اليها فكيف تصير مجعولة من طرف الواضع مع عدم تعلق نظر بها و انما كان نظره متعلقا بكل واحد من المعنيين فى حالة انفراده فلا بدّ من تحقق الملازمة مع كل واحد بانفراده فيصير نتيجة الوضعين الملازمتين المستقلتين يعنى حصول الملازمة بين اللفظ و بين احد المعنيين بانفراده و هذا هو محال فالحاصل ان الاشتراك بناء على ان الوضع هو جعل الملازمة مستحيل و اما بناء على انه تعهّد الاستعمال فى الموضوع له و انه تعهد لعدم التكلم باللفظ الّا عند ارادة

48

تفهيم المعنى فامر معقول و واقع لان الوضع على ذلك ليس الّا العزم على دوام ثبوت ارادة تفهيم الموضوع له مع وجود اللفظ بعمومه يعنى استلزام اللّفظ بعمومه يعنى استلزام اللّفظ لتلك الارادة و هذا هو كون كلّ فرد من افراد اللفظ الخاصّ مع تلك الارادة و هذا الاستلزام و العموم لما كان اختياريّا بعدم اختيار التكلم بهذا اللّفظ الّا عند ارادة التفهيم يمكن التبعيض فيه بان يكون بناء الواضع و تعهّده على التكلّم باللّفظ عند ارادة تفهيم المعنى و التكلم به عند ارادة تفهيم معنى آخر ايضا فعموم اللفظ الخاص انما هو مع ارادة تفهيم احد المعنيين و لا يوجد مع غير ارادة تفهيم احدهما فيصير المتعهّد بالفتح فى كل وضع فى المشترك قضيّة جزئية متبعضة يعنى يقع اللّفظ فى بعض الاوقات مع ارادة تفهيم هذا المعنى و فى بعض الاوقات مع ارادة تفهيم المعنى الآخر و الحاصل ان الوضع و هو التّعهد على استلزام كلّ فرد من افراد اللفظ الخاص لارادة تفهيم المعنى الخاص يشتمل على عموم الاستلزام فى افراد اللفظ الخاص للمعنى الخاص‏

[اذا تعدد الوضع فى اللفظ الخاص مع فرض عدم كون احد الوضعين ناقلا عن الآخر]

ثمّ‏ فلا بد ان يخصّص عموم احد الوضعين بالآخر لعدم امكان التعهد على العمومين فصحّة الكلامين يتوقّف على تخصيص احدهما بالآخر ثم لمّا لم يتعيّن مورد الوضعين لعدم تشخيص الواضع الافراد الّتى تكون مع ارادة (1) تفهيم هذا المعنى الآخر يصير اللفظ بعد الوضعين مجملا و يحتاج فى مفهميّته لاحد المعينين الى القرينة و لهذا سمى قرينة المشترك مفهمة فعلى ما ذكرنا كلّ وضع من وضعى المشترك بين المعينين مخصّص للآخر اجمالا غير مبيّن مورد كلّ واحد من الوضعين‏ ثمّ‏ ان المشترك باعتبار اختصاص كل وضع منه بحالة الانفراد غير قابل لاستعماله فى اكثر من معنى واحد على وجه الحقيقة و ربما توهم ان الوضع يقع فى حالة الانفراد لا مقيدا بالانفراد فيجتمع مع الانفراد و مع الانضمام فيصحّ استعمال اللّفظ باعتبار الانفراد المشترك فى المعنيين على وجه الحقيقة و فيه ان تفهيم وضع المشترك باعتبار الانفراد و الافهام مناف لحقيقة الاشتراك لان اشتراك اللفظ بين المعتبين هو كون اللفظ موضوعا لهما بوضعين مستقلّين و معنى استقلال الوضعين هو ان يكون كلّ واحد من الوضعين (2) به تحقق الملازمة و الدلالة بنفسه لا باعانة الوضع الآخر و لا ريب ان تفهيم الوضع فى المشترك بالنسبة الى حال الاجتماع غير معقول الّا بالوضعين الناظر احدهما الى الآخر يعنى انّ الوضع للمعنيين فى حالة اجماعهما يتحقق بوضع اللفظ لهما و وضع اللفظ لهما على ما توهم انمّا يتحقق بانشاءين من الواضع احدهما متمم للوضع الآخر فلا بد فى اللفظ المشترك بين المعنيين على فرض عموم الوضعين لحالة الاجتماع من كون الواضع فى كل واحد ناظرا الى الآخر و جاعلا له متمما للآخر و هذا مفروض العدم فى المشترك و مخالف الفرض لان اوضاع المشترك كلّها مستقلّة غير ناظر الى الآخر و لا هو متمم للآخر فانحصر الوضع و مفاده فى المشترك بين المعنيين فى الوضع لكل منهما فى حالة الوحدة لا الاجتماع و لوهم ان الوضع وقع فى حالة الوحدة لا انّه مقيّد بها فيعمّ الوضع لانه مطلق لا يلائم صدوره عن المحقق لان التقييد غير منحصر بالتقييد اللفظى بل الالزام و الالتزام يتقيّدان بواسطة امور منها الانصراف‏ و منها اعتقاد الحاكم الملزم و المتعهد الملتزم مثلا لو قال اكرم العالم و علم المخاطب بان الامر قاطع بكون زيد العالم جاهلا فزيد العالم خارج عن الاطلاق لعدم جريان قاعدة الحكمة التى هى مثبتة للعموم البدلى كما هو واضح‏ و منها معلوميّة اختصاص نظر المتكلم بفرد دون فرد و لا ريب ان الواضع فى وضع المشترك ناظر الى حالة الوحدة لا الاجتماع ( (1) تفهيم هذا المعنى من الافراد التي تكون مع الارادة)

( (2) غير ناظر الى الآخر بمعنى كون المقصود من كل واحد من الوضعين)

49

فكيف يصير الوضع عاما و عدم نظره الى الاجتماع واضح اذ هو يجعل الثانى مقسما للاول و يكون الوضعان وضعا و احدا بالنسبة الى حالة الاجتماع فلا بد من كون الواضع قاصدا فى كلّ من الوضعين من قصد اتمامه بالوضع الآخر و هذا هو النظر فى كلّ وضع الى الآخر و هذا مخالف للاستقلال الماخوذ فى اوضاع المشترك و الحاصل ان الاطلاق كاشف عن العموم بواسطة جريان قاعدة الحكمة و مع فرض اختصاص نظر المتكلم بفرد لا معنى لجريان القاعدة لان اختصاص النظر ينافى العموم فهو دليل على عدم العموم مضافا الى ان من مقدّمات القاعدة المذكورة هو كون الحمل على مقيّد خاص ترجيحا بلا مرجّح و حمل اللفظ على المقيد الذى علم توجّه نظر المتكلم اليه ليس ترجيحا بلا مرجّح فضلا عن ان عدم نظره الى فرد مرجّح لخروجه ايضا و ما ذكرنا فى هذا الجواب من المتوهم هو ما ذكرنا اوّلا من لزوم الاقتصار فى الملازمة على ما يطابق الوضع من الاختصاص بحال الوحدة و ان شئت قلت انه كما يصير العقود تابعة للمقصود باعتبار العموم و الخصوص كذلك الوضع باعتبار انّه نوع التزام كالعقود فان المناط كونها التزاما و تعهدا الالتزام و التعهّد ليس الّا كاشف القصد و لهذا يكون تابعا له فى العموم و الخصوص و قد مر ان الوضع ايضا نوع تعهّد و التزام فهو كاشف عن قصد التفهيم باللفظ فهو تابع للمقصد (1) المتعلق بها و حالة الاجتماع حالية عن القصد المتعلق بها فلا يتحقق الوضع بالنسبة اليها نعم لو التفت الواضع الى حالة الاجتماع و عم الوضع بالنسبة اليها يصحّ الّا انه يخرج عن محلّ النزاع لان الكلام فى المشترك بين المعنيين مع عدم النظر فى كل واحد من الوضعين الى الآخر و هذا يحتاج الى النظر فى كلّ وضع الى الآخر فهذا خارج عن الكلام و يصير مشتركا بين المعانى الثلاثة احدها المجموع المركب نظير لفظ اليد على القول بكونها مشتركة بين الجزء و الكل و تختلف تعلق الحكم بالمشترك اذا استعمل فى المجموع فى الفرضين فرض عدم الوضع الّا فى كل واحد من المعنيين و فرض الوضع لهما مجتمعين فانه على الفرض الاول يكون الحكم متعدّدا و متعلقا بكل واحد من المعنيين مستقلّا و على الفرض الثانى يصير الحكم متعلقا بمركّب و يكون واحدا و الوجه فى الثانى ظاهر و وجه الاول هو كون المعنى ملحوظا بانفراده و استقلاله كما لا يخفى و مجمل الكلام ان الاشتراك و هو الوضع لكل واحد من المعنيين بالوضع الواحد و بالوضعين مع الالتفات بالواضع السّابق ليس الّا ارادة تفهيم كلّ واحد من المعنيين باستقلاله و لهذا لا يمكن استعمال المشترك فى اكثر من معنى واحد على وجه الحقيقة بل لو استعمل فيه ليس له وجه الّا عموم المجاز او استعمال لفظ الجزء فى الكل‏

الثانى: فى تصور وجه استعمال اللفظ فى معناه المجازى‏

المقام الثانى‏ فى تصور وجه استعمال اللفظ فى معناه المجازى اعنى المجاز المرسل قيل وجهه وضعه من الواضع يعنى ان واضع اللّغة وضع كل لفظ موضوع اوّلا لكلّ معنى مناسب للموضوع له باحد العلائق و قيل وجهه هو الوضع الشخصى و الظاهر ان المراد كون المتكلم حين استعمال اللّفظ واضعا له بازاء المعنى المجازى و الّا فلا يمكن الالتزام بان واضع اللّغة وضع خصوص هذا اللّفظ الصادر مجازا بازاء هذا المعنى الخاص و قيل وجهه ترخيص الواضع و لا بد لنا من بيان مقدّمة و هى انّه لا اشكال فى كون الغرض من التخاطب هو الافهام و الاعلام بالامورات المغايرة لنفس الخطاب من المعانى النفس الأمريّة فاذا امكن تحقق الافهام بالغرض بلفظ و صار اللفظ سببا للافهام يصحّ التكلم بهذا اللفظ لتفهيم ما امكن افهامه به سواء كان سبب كون الوضع مفهما هو الواضع او غيره و معنى صحة الافهام هو الجواز العقلى و عدم القبح العقلى فلو فرض ( (1) المذكور فاذا كان القاصد نظره الى حال الوحدة فالقصد متعلق بها و حالة الاجتماع خالية عن القصد)

50

اللفظ المجاز مفهما لمعناه المجازى مع قطع النظر عن وضع الواضع هذا اللفظ بازاء هذا المعنى و مع قطع النظر عن ترخيصه فى الاستعمال مجازا تصحّ استعمال اللفظ فى المعنى المجازى و لا قبح اذ تبعيّة الواضع ليس الّا للاحتياج بها فى التفهيم لا انها امر واجب عقلا حتى يكون خلافه قبيحا و هذا واضح فالالتزام بترخيص الواضع للمجاز لتصحيح الاستعمالات العرفيّة لا معنى له و ايضا القول بكون المجازات موضوعة بالوضع النوعى من واضع اللّغة بالصراحة دعوى بلا دليل لعدم شاهد عليه الّا استعمالات العرف و هو اعمّ من كونه سببا عنه او انه لوجه آخر محتمل كما سيجي‏ء من كون المجاز المرسل تنزيلا من العرف للموضوع و توسعة فى الوضع من حيث تنزيل المعنى المجازى منزلة المعنى الحقيقى باعتبار احد العلائق و من حيث جعل الوضع المعنى الحقيقى وضعا للمعنى المجازى باعتبار احد العلائق و يحتمل كون وجه الاستعمال المجازى هو الدّلالة الالتزاميّة لدلالة اللفظ بالالتزام على ما يناسب للموضوع له باحد العلائق فعلى هذين الاحتمال لا يحتاج المجاز الى وضع او ترخيص من الواضع اللّهمّ الّا ان يجعل الاحتمال الاول نوع من الوضع كما سيجي‏ء إن شاء الله اللّه تعالى و كيف كان يقطع المنصف بان واضع اللغات لم يتعرض تصريحا لاستعمالات الالفاظ فى المعانى المجازية لا بالوضع النوعى و لا الشخصى و لا على وجه الترخيص بل عرفت عدم معقوليّة وجه لترخيصه و منعه لعدم قبح مخالفته بعد كون اللفظ مفيدا و مفهما للمعنى و انما المدار على المفهميّة و لما لم يكن اللفظ مفهما بذاته لا بد لمفهميّته و جعله مفهما من المتكلم من احد الامرين‏ الاول‏ التوسعة فى الوضع بان ينزل الوضع للمعنى الحقيقى منزلة الوضع للمعنى المجازى لعلاقة متحققة بين المعنيين و هذه التوسعة و التنزيل ليس خروجا عن الوضع بل مؤكد للالتزام به و لعل المراد من الوضع النوعى و الترخيص هو هذا الاحتمال و امّا كونه ترخيصا فواضح لعدم قبح فيه حتى يحكم العقل بمنع الواضع لو سلّم وجوب متابعته و لعدم منافاته لوضعه بل هو نوع من العمل بوضعه فانه متفرع على الوضع و اما كونه وضعا نوعيّا فلكون التنزيل فى مقام التفهيم لما كان امرا سائغا من العقلاء لا مانع منه و لهذا جاز اصل الوضع فالواضع عازم على تنزيل الوضع لمعنى منزلة الوضع لمعنى آخر و هذا امر متفرع على الوضع لازم له للاحتياج اليه و هذا العزم على هذا التنزيل عين الوضع الثانوى و مرتبته متأخّرة عن الوضع كما لا يخفى هذا و لكن هذا النحو من الوضع متحقق من تبعيّة الوضع الاصلى و لا يحتاج الى واضع الّا فى جهة الوضع الاصلى الاولى ثم انّ هذه التوسعة و التنزيل غير التنزيل فى الحقيقة الادّعائيّة فان هذا التنزيل انما هو فى اصل الوضع و ذلك تنزيل فى الموضوع له و الفرق واضح‏ الثانى‏ ان وجه الاستعمال فى المعنى المجازى هو الدلالة الالتزاميّة باصطلاح الاصوليّين بمعنى من دلالة اللّفظ على اللازم الذهنى اعنى مطلق الخارج عن الموضوع له و ان لم يكن من اللّوازم الخارجيّة و لهذا اشترطوا فى العلامة ان تكون ظاهرة فان هذا الاشتراط يكشف عن ان الالفاظ دالة على المعنى المجازى بعد الوضع و بعد فرض دلالة اللفظ على المعنى المجازى بواسطة الوضع الاصلى لا يحتاج الاستعمال فى المعنى المجازى الى وضع بل نفس تلك الدلالة صارت وجها للاستعمال نظير الوضع فى استعمال اللفظ فى المعنى الحقيقى فان الغرض من الوضع هو تحقق الدلالة و بعد تحقّقها بالنسبة الى المعنى المجازى بسبب الوضع للمعنى الحقيقى لا يحتاج الى وجه آخر كما انه لو قلنا بتناسب الالفاظ للمعانى لا تحتاج فى استعمالها منها الى وضعها لها لتحقق دلالتها عليها فعلى ما ذكرنا انحصر وجه استعمال‏