تعليقات الفصول في الأصول‏ - ج1

- أحمد الشيرازي المزيد...
240 /
3

[مقدمه‏]

بسم اللّه الرحمن الرّحيم‏

نحمدك اللهم يا من أتقن بحكمته صنائع الملك و الملكوت و أحكمها اصولا و فروعا، و ثناء عليك يا من فطر العقول من عوالم الجبروت ثم بهرها بعالم الشهادة فضلا عن عوالم الغيب بما ابدع فيه من دقائق الحكم المرتبة فصولا ففصولا، و أشرف تحياتك و تسليماتك على أشرف صحفك البارعة و نسخك الجامعة التي فرت بها مشكلات متن الوجوب، و جمعت فيها بين كتاب التدوين و التكوين و فرقت بها بين الحق و الباطل و الكفر و الإيمان، فهي على ميزان الجمع و التفرقة قرآن و فرقان: محمد و آله الطاهرين، (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و لعنة اللّه على أعدائهم الى يوم الدين.

و بعد: فقد شرّفت خواطرى، و كرمت نواظرى بمطالعة هذه التعليقة الأنيقة، لا بل هي اللآلئ المكنونة و الدراري المصونة، التي قذف بها لجي خاطر مولانا و عمادنا و شيخنا و استادنا قدوة الحكماء الراسخين، و اسوة العرفاء الشامخين، عيلم العلماء المحققين، و انموذج الفقهاء و المجتهدين المتطلع في العلوم المحمدية، الجامع لشتات الفنون العقلية و النقلية، المنيب الأواه، المستقر في بحار معرفة اللّه عما دب محار المتهجدين، و أبو ذري منابر المجتهدين شعر و أنحاء القول فيه: علم عيلم، ضرب الزجاج لنور اللّه في المثل، الشيخ الأوحد الأمجد شيخنا الحاج الشيخ أحمد الشيرازي مولدا النجفي مهاجرة و مسكنا، عمر اللّه به من مدارس العلوم دوارسها، و اثمر بتحقيقاته من أصول التحقيق مغارسها.

4

و قد علق- (دام ظله)- هذه التعليقة الشريفة على الفصول، التي وقفت دون مشكلاتها أذهان جملة من الفحول، و لم يتهيأ لجل المحصلين الى تحصيل اكثر مطالبها الوصول، و كانت احوج كتاب الى حاشية تكشف عن وجوه مخدراته النقاب، و تعليقة ترفع عن محاسن غامضاته الحجاب، لإحكام مبانية و دقة معانيه، و ابتناء جملة من مطالبه على علم عزيز الحصول، و من جهل الأكثر به و قصور جم عن نيله عاد بينهم مطروحا في زوايا الخمول‏

و لكن لا غرو في ذلك عليه، فان نسبتهم اليه كضراء الحسناء قلن لوجهها حسدا و بغيا «انه لذميم»، و هو- (دام ظله)- رباني تلك العلوم، و فرداني هاتيك المعالم و الرسوم، عمادها بل عميدها، و واحدها بل وحيدها.

و لما لم يتفق الى الآن من يعطي هذا الكتاب حقه، و لا يتيسر لأوحدي من الناس من يجمع رتقه و فتقه انتدب ذلك الجناب بهمة تسهل عندها الصعاب، فحل رموزه و فتح كنوزه، و سهل مصادره و موارده، و استخرج ذخائره و فوائده، و أبان الحق له و عليه، و تصدى لنصول المعارضة و الإيرادات فدفعها عنه بكلتي يديه.

و كان اشتغاله بتحبير ذلك التحرير المروزي بتطريز نسايج الحرير أيام تدريسه ذلك الكتاب على حوزة من أفاضل الطلاب في المدرسة الفتحية المشرفة بجوار صحن الروضة الحيدرية- على مشرفها آلاف الثناء و التحية- فجاءت بحمد اللّه تعالى و حسن توفيقه بأحسن مما كانت ترتجيه الآمال، و فوق ما كان نفوس الطلاب تطلبه بلسان الحال و المقال، ينتفع و يرتفع بها المنتهى و المبتدي، و يغترف و يقتطف من بحارها و أزهارها المجتني و المجتدي‏

فحق لذي الطبائع السليمة و المطابع لو طبعتها بسواد إنسان العيون على الأبصار و المسامع، و قل لمبتغي الدقائق و طلاب الحقائق لو اتخذوا مراجعتها ورودا، و صيروها روضة يستشفون من مضامينها رياضيا و ورودا

5

فلعمر اللّه لقد أبدع فيما أودع، و أبهر فيما أظهر، و اغرب عما اعرب و أنصف فيما صنف، و اجاد و زاد فيما أفاد.

و له- (دام ظله)- رسالة أنيقة تتضمن تحقيق مسألة رشيقة، هي مسألة جواز دفع الخمس الى المنتسب الى هاشم بالأم، و هي مسألة بافرادها بالبحث عنها حقيقة، و قد تجاوز فيها من قنطرة المجاز الى الحقيقة، و سماها (قسطاط القسط في إحقاق حق السبط)، و كان القول بالجواز عنده هو الجيد، و لا غرو فسيد الأقوال قول السيد.

فنسأل اللّه تعالى أن يديمه علم هداية الأنام، و رافع راية التحقيق في شرايع الاسلام، بمحمد (صلى اللّه عليه و آله) الكرام، (صلوات اللّه عليهم) الى يوم القيام، و حمد اللّه هو المبدأ و الختام.

حرره بيده الفانية الخاطئة راقم برده و ناظم عقده مؤسّسه و منتهيه المذنب الخاطئ محمد حسين بن الشيخ على آل موسى بن جعفر كاشف الغطاء

قد تم بحمد اللّه الملك المنان سلخ جمادي الآخرة سنة 1324 ه.

6

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد اللّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم اجمعين، الى قيام يوم الدين.

7

[اما مقدمه فى تعريف علم و بيان موضوعه و ذكر نبذه‏]

قوله (قده): و ذكر نبذة من مباديه اللغوية.

اعلم أن المبادئ هي ما يبتنى عليه العلم، و هو إما تصورات و إما تصديقات:

أما التصورات فهي حدود اشياء تستعمل فيه، و هي إما موضوعه و إما جزء من موضوعه و إما جزئي تحت موضوعه و إما عرض ذاتى لموضوعه، و هذه الاشياء إما أن يكون التصديق بوجودها و ابنيتها مقدما على العلم كالموضوع و ما يدخل فيه من الجزء و الجزئي، و إما أن يكون التصديق بوجودها و ابنيتها إنما يحصل في العلم نفسه، كالأعراض الذاتية للموضوع‏

فحدود القسم الأول بحسب الماهية و يكون جواب ما الحقيقية، إذ هي بعد الفراغ عن التحقق و الوجود، و حدود القسم الثاني- اذا حدد بها و ذكرت على سبيل المبدأ التصورية- كانت بحسب الأسماء و شروحا لفظية و حدودا اسمية و جواب ما الشارحة الذي يقال له بالفارسية «پاسخ پرسش نخستين»، اذ بعد لم يتحقق وجود القسم الثاني هلية البسيطة، بل علم تحققه و وجوده في العلم لا قبله، و يمكن أن تصير تلك الحدود بعد العلم بوجود القسم الثاني حدودا حقيقية و جوابا لما الحقيقية كما لا يخفى.

و أما التصديقات فهي المقدمات التي تؤلف منها أقيسة العلم، و هي إما بينة و إما مأخوذة ببينة، و القسم الأول يجب قبوله و يسمى بالعلوم المتعارفة، و هي مبادئ على الاطلاق. و القسم الثاني يجب تسليمه ليبتنى عليه، و من شأنه أن يبين في علم آخر، فيكون من المقاصد و المسائل لذلك العلم الآخر و من المبادئ لهذا العلم المبنى عليه.

8

و هذه المبادئ المأخوذة إن كان تسليمها مع مسامحة ما و على حسن الظن بالعلم و المعلم سميت «أصولا موضوعة»، و إن كان مع استنكار و تشكيك تسمى «مصادرة»، و قد تكون مقدمة واحدة أصولا موضوعة عند شخص و مصادرة عند شخص آخر و تسمى «الحدود» و الواجب تسليمها «أوضاعا».

ثم المبادئ مطلقا إما عامة أو خاصة، فالمبادئ التصورية العامة من الاجناس و الأعراض العامة، و المبادئ التصورية الخاصة هي الفصول و الخواص، و المبادئ التصديقية الخاصة مثل قضايا مخصوصة لها خصوصيات بمطالب مخصوصة، و المبادئ التصديقية العامة المشتركة بخلافها، مثل أن النقيضين لا يجتمعان و لا يرتفعان، و هذا اكثر شركة و اشمل عموما وسعة في المبادئ التصديقية، حتى يقال لها «مبدأ المبادئ و أول الأوائل في الأزمان».

و معلوم أن استنتاج جميع المطالب موقوف عليه، إذ الاستدلال على المطلوب و النتيجة إما بالقياس المستقيم و إما بالقياس الخلفي، ففي الأول اذا ثبت المطلوب فما لم يلحظ استحالة اجتماع النقيضين لم يتم المرام، لجواز أن يكون نقيض النتيجة ايضا حقا مع قطع النظر عن استحالة اجتماع النقيضين، و فى الثاني اذا بطل نقيض النتيجة جاز أن تكون النتيجة أيضا باطلة مع قطع النظر عن امتناع ارتفاع النقيضين، و مع ملاحظته تكون النتيجة حقا فيتم المرام.

فاذا تقرر ما ذكرنا فنقول: مراده- (قدس سره)- بالمبادئ اللغوية المبادئ التصورية، إذ ذكر- (قدس سره)- في هذه المقدمة حدود الكلي و الجزئي و المشترك و المترادف و الحقيقة و المجاز، و هي حدود الأعراض الذاتية.

و يحتمل على بعد أن يكون مراده المبادئ التصديقية، و كون تلك الحدود

9

تصديقات باعتبار حملها على محدوداتها و الاذعان الحاصل منها.

و وجه نسبة هذه المبادئ الى اللغة في قوله «المبادئ اللغوية» هو تعلق هذه المبادئ باللغة و ارتباطها بها، لا كونها من المسائل المعنونة في كتب اللغة و فنها و مقاصدها- كما هو ظاهر غير خفي.

و مراده (قده) من اللغة التي هي منسوب اليها إما اللغة بالمعنى الأخص المقابل للعرف العام و الخاص و إما بالمعنى الاعم الشامل لهما، و على الأول فيعلم حال العرفين بالمقايسة بخلاف الثاني. و لا يخفى أن الثانى أنسب بالمقام.

قوله: و ربما يذكر فيها بعض ... الخ‏

وجه الاستطراد هو أنه لما جرى ذكر الحقيقة و المجاز و بيان مفهومهما ناسب أن يبحث في أن لهذين المفهومين مصداقا بالنسبة الى الشرع ام لا؟

و بعبارة اخرى: بعد وضوح مفهومهما ينبغي أن يلاحظ هل لهما تحقق و وجود بحسب الشرع، فذكر مباحث الحقيقة الشرعية فاستتبعت مباحث الصحيح و الأعم كما هو واضح.

و أما مباحث استعمال اللفظ في اكثر من معنى فوجه الاستطراد فيها هو أن الكلام راجع الى أن هذين المفهومين هل يقعان و يتحققان في صورة الاجتماع أم لا؟

و أما مباحث المشتق فلما لم تكن طويلة الذيل متفننة المسائل متشعبة الفروع كمباحث الأوامر و النواهي و العام و الخاص و غيرها حتى تستقل بعنوان، فناسب أن تذكر في المقدمة- فافهم.

10

قوله: فسيأتي بيانه في موضوعه.

يعني في مباحث الاجتهاد و التقليد عند ذكر الشروط و الامور التي يتوقف الاجتهاد عليها.

قوله (قده): و كأن هذا مراد من فسره بأسفل الشي‏ء.

المفسر هو الفيروزآبادي صاحب القاموس، و وجه التعبير بلفظ كأن الدال على التحير و الترديد هو أنه يحتمل أن يكون مراد الفيروزآبادي معنى أعم مما فسره به (قده) لأنه قد يقال أسفل الشى‏ء و إن لم يكن فيه ابتناء اصلا، كما يقال «أسفل الوادي»، و ليس فيه ابتناء لا حسا و هو ظاهر و لا عقلا لان اسفل الوادى و أعلاه متساويان في المقومية للوادي و عدمها، و لا يكون الأسفل موقوفا عليه و الأعلى موقوفا.

قوله (قده): و من فسره بالقاعدة التي ... الخ‏

معطوف على قوله «من فسره بأسفل الشي‏ء» فيكون مدخولا لكلمة كأن الدالة على التحير، و يكون وجه التعبير بها هو ان المراد بالابتناء ان كان أعم من الحسي و العقلي و بالقاعدة هي اساس البنيان العقلي و الحسي الذي يسمى بالفارسية «شالوده» او كان المراد بالابتناء هو خصوص الحسي و بالقاعدة أعم لم يكن الحدان متساويين متوافقين. نعم ان أخذا على نهج واحد بحسب العموم و الخصوص تساويا و توافقا.

قوله: و قد يطلق و يراد به معنى السابق.

الظاهر أنه أراد السابق بالسبق الزماني الشامل لسبق الزمانيات بعضها على بعض و سبق أجزاء الزمان بعضها على بعض، لوضوح أن المثالين‏

11

الأولين من قبيل الاول و الاخيرين من قبيل الاخير.

قوله (قده): و ليس بنيا على المعنى السابق.

يعني ليس هذا المعنى و هو السابق راجعا الى المعنى الذي سبق ذكره و هو ما يبتنى عليه الشي‏ء.

قوله: إذ لا يفهم منه معنى البناء.

وجه حصول معنى البناء فى الاول دون الاخير هو أنه في الاول حركة استكمالية طولية، و لا ريب في ان فى الاستكماليات لهسا ثم لبسا و ربحا ثم ربحا لا؟؟؟؟ لبس و خلع و ربح و خسران، فالكمال اللاحق و الصورة اللاحقة تبنى على الكمال السابق و الصورة السابقة، غاية الامر تحذف عن الصورة السابقة نقصها. و هذا بخلافه في الاخير، حيث أن بين البياض و السواد مثلا تضادا و تقابلا و تخالفا، فلا بد من زوال أحد الضدين في تحقق الضد الآخر، إذ عدم المانع شرط، فليس القابل للضد الآخر الا المحل من حيث هو دون المحل المتلبس بالضد، لان القابل لا بد و أن يجتمع مع المقبول، و المحل المتلبس مع الضدين يستحيل أن يجتمع مع الضد الآخر و إلّا اجتمع فيه الضدان فلا يكون قابلا فلا يكون مبنى فلم يحصل البناء و هو المطلوب.

و بهذا البيان البرهانى ظهر اندفاع ما لعله يتوهم من حصول معنى البناء في الاخير أيضا، بتقريب أن المحل لا بد و أن يكون موجودا حتى يكون قابلا، إذ الكلام في القابل الخارجي دون القابل التحليلي التعملي العقلي، و لا ريب في أن الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد، و لا ريب في أن الاعراض المكتنفة بالشي‏ء إما أمارات التشخيص على ما هو الحق عندنا و إما مشخصات على مذهب القوم فلا بد من اعتبارها في تشخص الشي‏ء. فالبياض مثلا لا بد من اعتباره في‏

12

المثال الاخير حتى يكون المحل متشخصا موجودا متحققا، فيصير قابلا للسواد مثلا، فتحقق فيه البناء و حصل.

و توضيح الاندفاع هو أن البياض ضد و مانع عن وجود السواد فكيف يكون مصححا لقبوله لتحققه؟

و أما تشخيص المحل فليس بخصوص هذا البياض بل بمطلق الالوان و الاعراض كما هو واضح، إذ ليس المشخص و امارة التشخص خصوص لون مثلا و إلّا بطل الشخص بكليته بتبدل ذلك اللون كما هو ظاهر- فافهم فان فى المقام بعد كلاما لا يسع الوقت ذكره.

قوله (قده): لوجود العلاقة ...

و هى علاقة المشابهة، لان بين المعنى الحقيقي و المجازي مشابهة في كونها موقوفا عليه: أما في المثالين الاولين فالامر ظاهر، و أما في الأخير فلأن قولنا في الاصل فيهما بمعنى الزمان السابق علة معدة لوجود الزمان اللاحق، فيكون موقوفا عليه.

قوله: يطلق غالبا ...

وجه التقييد بالغلبة هو أنه قد يطلق الاصل على الكتاب فيقال له أصل أي كتاب، و قد يطلق على اصل العدم عند عدم الدليل إن جعل أصلا مستقلا على حدة.

قوله (قده): و احترز به عن فهم غيره.

يعني احترز بقوله «عن غرض المتكلم» عن فهم غير غرض المتكلم من مطالب أخر و مقاصد أخرى.

13

قوله (قده): و فهمه بغير كلامه.

يعني احترز بقوله «من كلامه» عن فهم غرض المتكلم لا من كلامه بل من قرائن حالية مقامية و قرائن اخرى خارجة.

قوله (قده): و كأن هذا مراد من فسره.

وجه التعبير بلفظ كأن الدال على التحير و التردد هو أن قول المفسر بأنه هيئة ... الخ يحتمل وجهين:

(الأول)- أن يكون مراده بالمعاني مقابل الصورة. و بعبارة أخرى أن يكون مراده بالمعاني المعاني الجزئية المدركة للوهم و العقل المقيد و المضاف و المحبة الجزئية و العداوة الجزئية و غيرها، و مراده بما تحس الصور الجزئية المحسوسة بالحواس الظاهرة بل الحس المشترك المسمى ببنطاسيا و الهيئة باصطلاح المشائين بمعنى العرض في لسان الاشراقيين، فيكون حاصل التفسير هو أن الادراك هيئة نفسانية و كيف نفسانى بها يتحقق و يدرك و ينال المعاني الجزئية المتعلقة بالصورة المحسوسة الجزئية كمحبة زيد و عداوة عمرو، فعلى هذا يكون الفهم أخص من الادراك و يكون نحوا خاصا من الادراك‏

و يحتمل أن يكون مراده بالمعاني المدرك بالذات مقابل المدرك بالعرض و يكون المراد بما تحس المدرك بالعرض، فيكون مساويا للادراك.

و بيان ذلك: هو أن المدرك إما أن يدرك بالذات و إما أن يدرك بالعرض، و المدرك بالذات هو الذي لا يدرك بصورة زائدة بل يدرك بنفسه كالصورة الحاصلة لانفسنا حيث انها لا تحتاج في إدراكها الى صورة اخرى و المدرك بالعرض هو الصورة الحاصلة في الخارج المنغمرة في المواد الموجبة للجهل و الاحتجاب، و لا بد في إدراكها من نزع الصورة عن المادة

14

و تجريدها عنها لتحصل لها وجود نوري فيحصل العلم و الانكشاف، فعلى هذا يكون المعنى: هيئة نفسانية بها تنال المدركات بالذات الشاملة للمعاني و الصور كما هو واضح.

و لا يذهب عليك ان تلك المدركات بالذات و إن كانت عين العلم و بعبارة أخرى تلك المعاني و إن كانت عين تلك الهيئة النفسانية ذاتا، حيث أن العلم و المعلوم و الادراك و المدرك متحدان ذاتا إلّا انه يكفى التعدد الاعتباري، اذ لا يخفى ان تلك الهيئة إن لوحظت كونها انكشافا فتكون علما، و ان لوحظت كونها منكشفا بلا حاجة الى صورة زائدة و هيئة أخرى تكون معلوما- فافهم بعون اللّه و حسن تأييده.

قوله (قده): و كأن هذا مراد من فسره بسرعة- الخ‏

المقصود من المبادئ المقدمات و من المطالب النتائج، و وجه التعبير بلفظ كأن واضح، اذ ظاهر الحدين متغايران، كما اعترف به (قده)، مضافا الى أن الحد الأول لم تؤخذ فيه السرعة، بل المأخوذ فيه اعم من أن يكون على وجه السرعة أو غيرها كما لا يخفى.

قوله (قده): و قد ضعف الاول.

مراده من الأول هو التفسير بمطلق الادراك، و من الثانى هو التفسير بجودة الذهن.

قوله (قده): بل هو حقيقة فى عرفهم ممنوع.

بل لعل الاستعمال في الاعم يكون مجازا بمعونة القرينة، كما فى قولهم «العلم إن كان إذعانا للنسبة فهو تصديق و إلّا فتصور»، و كما في قولهم «الحد و القول الشارح موجب للعلم بالمحدود».

15

قوله (قده): إلّا أنه مجاز باعتبار العرف و اللغة ...

إن كان استدراكا عن قوله «متداولا» فلا يخفى بعده لفظا و معنى أما بعده لفظا فواضح، و أما بعده معنى بل عدم صحته فلأن المجازية عند العرف و اللغة لا يكون منافيا لمطلق التداول في عرف اهل الميزان بل ينافي التداول الحقيقي، فلا يصح الاستدراك.

و إن كان استدراكا عن قوله «بل هو حقيقة فى عرفهم» يصح لفظا و معنى، إلا أنه يبقى قوله «و إن كان متداولا» بلا استدراك.

و لا يخفى عدم صحته و سلاسته، فحق العبارة أن يقول: و ان كان متداولا على وجه الحقيقة في عرفهم إلا أنه مجاز بحسب العرف العام و اللغة كما هو واضح. و أما علاقة التجوز بحسبها فهي علاقة العموم و الخصوص، حيث أنه استعمل العلم الموضوع للادراك التصديقي و هو الخاص في مطلق الادراك و هو العالم.

قوله (قده): كمجازية إطلاقه- الخ.

إن كان المطلق عليه و المستعمل فيه خصوص الاعتقاد الظني فالمجاز مجاز استعاري علاقته المشابهة، إذ الاعتقاد الظني مشابه للاعتقاد الجزمي في كونه راجحا، و ان كان المطلق عليه مطلق الاعتقاد فالمجاز مجاز إرسالي و علاقته العموم و الخصوص، حيث استعمل اللفظ الموضوع للخاص و هو الاعتقاد الجزمي في العام و هو مطلق الاعتقاد.

قوله (قده): و هو الظاهر.

ما استظهر- (قدس سره)- بالنسبة الى انتفاء الأخير و هو المطابقة لو سلم بتقريب: ان العلم الغير المطابق للواقع ليس بعلم، إذ العلم هو

16

الانكشاف و ليس فيه انكشاف أصلا إذ ليس فيه منكشف بل هو جهل مركب، فبصحة السلب يعلم أن لفظ «العلم» مجاز في غير المطابق، إلّا انه غير مسلم بالنسبة الى انتهاء الثابت، اذ لا ريب في انه لا يتبادر من لفظ العلم العلم الذي لا يزول به تشكيك المشكك و يكون ثابتا حتى يكون علامة لكون اللفظ مجازا في غير الثابت، حيث أن تبادر الغير علامة المجازية.

و لا شبهة في انه قلما يتفق في النظريات علم لا يمكن زواله بالتشكيك، فيلزم أن لا يكون غالب العلوم علما حقيقة.

و لا يذهب عليك أنه بناء على المجازية في الغير الثابت و الغير المطابق تكون العلاقة علاقة العموم و الخصوص، حيث ان لفظ العلم موضوع لخصوص المطابق الثابت، فاستعمل في الأعم- فافهم.

قوله (قده): و هي الهيئة الراسخة- الخ.

قد سلف منا أن الهيئة في مصطلح المشائين هو العرض في لسان الاشراقيين، و المراد منها هو العرض الحاصل للنفس الذي يسمى بالكيف النفساني، و مراتبه الكيفيات النفسانية الأربع: «الأولى» الخطرة و هي التي تخطر بالبال و تذهب كالبرق. «و الثانية» الحالة و هي التي تحل في النفس و لا تذهب بسرعة إلا انه يسهل زوالها. «و الثالثة» الملكة و هي التي تحل في النفس و ترسخ فيها بحيث يعسر زوالها. «و الرابعة» الاستقامة و هي التي تكون حالة فى النفس راسخة فيها بحيث يمتنع زوالها.

و المصنف (قده) فسر الملكة بتفاسير ثلاثة: «الأول» الهيئة الراسخة الناشئة عن الممارسة فيما أضيف اليه الملكة، مثلا ملكة الفقه كيف نفساني و هيئة ترسخ في النفس و يكون رسوخها ناشئا عن الممارسة

17

فى الفقه الذي تضاف اليه الملكة فيقال ملكة الفقه مثلا. «و الثاني» الهيئة الراسخة الناشئة و ان لم يكن رسوخها ناشئا عن الممارسة فيما أضيف اليه، و هو المعني بقوله: مطلقا. «و الثالث» مطلق التهيؤ أي و ان لم يكن راسخا، فيكون قوله «مطلق التهيؤ» معطوفا على قوله «الهيئة الراسخة».

و لا يذهب عليك أنه إن كان المراد بالتهيؤ هو تهيؤ النفس بتلك الهيئة و تصورها بتلك الصورة. و بعبارة اخرى كون تلك الهيئة و الصورة حالة فيها حاصلة فلا ريب في فساده، و إن أريد الحالة مقابل الملكة لا أنها هي هي- كما هو مقتضى التحديد و التفسير و ان كان المراد به القوة و الاستعداد و القابلية كما سيصرح به فيما سيأتي- فهو أوضح فسادا.

و لا ريب في أن مجرد القابلية ليست ملكة، و سيجي‏ء بيان منشأ المغالطة إن شاء اللّه تعالى.

قوله (قده): بالغلبة أو النقل ...

أى بالوضع التخصصي التعيني أو الوضع التخصصي التعييني كما هو ظاهر يحتمل رجوعه الى النقل، يعني الظاهر كون العلم حقيقة في الملكة على وجه النقل و الوضع التعييني، لكن ما استظهره غير ظاهر بل ممنوع، بل الظاهر بل المقطوع حصول الوضع التعيني.

و يحتمل رجوعه الى قوله «لكنه حقيقة» يعني أن الظاهر حصول الحقيقة و الوضع، فيكون ما استظهره حقا، إلا أنه لا يخفى ما في هذا الاحتمال من البعد.

18

قوله (قده): و إطلاقه عليه مبنى- الخ.

يحتمل أن يكون مراده أن اطلاقه على وجه الحقيقة مبني على اخذه بمعنى الإدراك. بتقريب: ان لفظ «العلم» لم يوضع لخصوص التصور حتى يكون إطلاقه عليه على وجه الحقيقة، بل وضع بحسب العرف الخاص الميزاني لمطلق الإدراك، فيكون إطلاقه على التصور حقيقة اذا كان من باب الإطلاق و الانطباق. و لكن فيه: ان الغرض ليس تعدد خصوص المعاني الحقيقية للعلم، و الشاهد عليه ذكره (قده) في اطلاقات العلم اطلاقه على المسائل مع تردده (قده) كما سيجي‏ء في كون الإطلاق على وجه الحقيقة أو المجاز.

و يحتمل أن يكون مراده أن مطلق إطلاقه على التصور مبني على أخذه بمعنى الإدراك. و التقريب هو: ان التصور لا يمكن أن يكون معنى مجازيا للعلم بمعنى التصديق، لعدم العلاقة، فبقي أن يكون مجازا له بمعنى الإدراك الذي هو موضوع له بحسب العرف الخاص الميزاني، فيكون استعماله في خصوص التصور مجازا لتحقق علاقة العموم و الخصوص. و لكن فيه:

ان التجوز بالنسبة الى العلم بمعنى التصديق ممكن لتحقق علاقة المشابهة، حيث أن التصور يشابه التصديق في كونه انكشافا، فيكون استعمال اللفظ الموضوع للتصديق في التصور استعارة- فافهم.

قوله (قده): و لو بالقوة.

بيانه هو ان مسائل كل علم هي قضايا واقعية أو محمولات منتسبة الى موضوعاتها بحسب الواقع و ان لم يعلمها عالم. مثلا: الفاعل مرفوع بحسب الواقع و ان لم يدركها أحد. فمسائل كل علم من شأنها أن تصير

19

معلومة، فتكون معلومات بالقوة، فيكون اطلاق المعلوم عليها من باب علاقة الأول.

و لا يخفى أن هذا يصير من باب سبك المجاز من المجاز، حيث انه أطلق العلم على المعلوم ثم اطلق المعلوم على ذات المعلوم و هو المعلوم بالقوة تأمل تنل.

قوله: و الظاهر أن هذا المعنى ... الخ.

يعنى أن اطلاق العلم على التصديق بالاعتبار الأخير- أي المنع من النقيض- ثابت بحسب العرف و اللغة، و استعمال الأحكام في التصديقات المانعة من النقيض شائع في العلوم و لا سيما علم الميزان. و لكن الميزانيين كثيرا يستعملون الأحكام في التصديق بالمعنى الأعم، أي و إن لم يكن مانعا من النقيض.

قوله (قده): بعلاقة المجاورة أو الحلول.

بيانه هو أنه لا ريب في أن الإذعان و التصديق متعلق بالنسب الحكمية و حالّ فيها، فتكون العلاقة علاقة الحلول، و أما اطلاق الاحكام على المسائل فان أريد بالمسائل المحمولات المنتسبة فلا ريب في أن الانتساب قيد خارج مجاور للمحمولات و يكون ذلك الانتساب محلا للاذعان و التصديق فلا جرم تكون الاحكام بمعنى التصديقات التي هي حالة في الانتساب الذي هو مجاور للمسائل مجاورة لها، فتكون العلاقة علاقة المجاورة، و ان كان المراد بالمسائل القضايا فتكون العلاقة علاقة الجزء و الكل.

قوله (قده): ان اعتبرت من حيث انتسابها- الخ.

اذ من الواضح انه لو لم يعتبر انتساب الوجوب الى شي‏ء بل علم‏

20

الوجوب من غير انتساب لم يكن فقها، و هو واضح.

قوله (قده): و لا يصح حملها حينئذ على التصديقات.

مقصوده- (قدس سره)- أن الفقه هو التصديقات الشرعية الحاصلة للمستنبط، و أما الإدراك المتعلق بتلك التصديقات فليس بفقه.

و بعبارة أخرى: الفقه هو العلم البسيط دون العلم المركب، و هو العلم بالعلم، اذ لا ريب في انه اذا علم انسان الاحكام الشرعية المعهودة فهو فقيه سواء التفت الى علم أو لم يلتفت، و هذا واضح.

نعم اذا أريد من الأحكام تصديقات الشارع لا تصديقات المستنبط صح، إذ الفقه بالحقيقة هو العلم بتصديقات الشارع. إلا أن هذا الحمل مع بعده- حيث أن الظاهر من الأحكام بمعنى التصديقات هو تصديقات المستنبط- لا يختص بمن يرى صحة التصديقات للشارع، بل هذا الحمل لا بد منه لمن يرى صحة التصديقات و من لم يرها، لأن هذا الحد للفقه مشترك بين الكل و لا بد له من معنى يصح على مذاق الكل، و هذا الحمل غير صحيح على مذاق البعض.

بيان ذلك: إن العلم على قسمين: حضوري، و حصولي. و العلم الحضوري هو علم الشى‏ء بذاته و علم العلة بمعلوله و علم الفاني بالمفنى فيه، و العلم الحصولي هو العلم بما عدا هذه الأمور. و لا بد في العلم الحصولي من حصول صورة زائدة في ذات العالم، بخلاف العلم الحضوري حيث انه لا يحتاج الى ارتسام صورة و مئونة زائدة، و لا ريب فى أن المقسم للتصور و التصديق هو العلم الحصولي الارتسامي.

قال شارح منطق حكمة الإشراق: ان العلم الذي هو مورد القسمة الى التصور و التصديق فى فواتح كتب المنطق هو العلم المتجدد الذي لا يكفي‏

21

فيه مجرد الحضور، بل يتوقف على حصول مثال المدرك في المدرك، اذ هو المقصود هناك، فان المعلومات المنطقية لا تتجاوز عنه، لا مطلق العلم الشامل له و للعلم الإشراقي الذي يكفى فيه مجرد الحضور كعلم الباري تعالى و علم المجردات المفارقة و علمنا بأنفسنا، و إلا لم ينحصر العلم في التصور و التصديق، إذ التصور هو حصول صورة الشي‏ء في الذهن و التصديق يستدعي تصورا، و علم الباري تعالى و علم المجردات بجميع الأشياء و علمنا بذواتنا يستحيل أن يكون بحصول صورة كما بيّن في موضعه، فلا يكون تصورا و لا تصديقا. و أما العلم بالأشياء الغائبة عنا- أي بما هو غير ذاتنا لأنها لا تغيب عنا- فلا بد أن يكون لحصول صورها فينا- انتهى.

و حينئذ نقول: إن علم الواجب تعالى بجميع ما عداه يكون علما حضوريا شهوديا نوريا إشراقيا على مذاق أهل الحق، فليس له تصور و تصديق أصلا، بل علمه تعالى أجل و اشمخ و أبهى و أسنى، فلا يكون له تصديقات على مقالة الحق، و إنما يكون له التصديقات على مقالة من قال في علمه بالصور المرتسمة.

و بلسان آخر نقول: إن الحق أن العلم كسائر الصفات الحقيقية المحضة و الحقيقية ذات الاضافة عين ذاته المقدسة الكريمة. و من المعلوم أن ذاته الأقدس ليس تصورا و لا تصديقا، فكذلك علمه تعالى.

و هذا كله مع أن ظاهر الاصطلاح لا يساعد على حمل الاحكام على تصديقات الشارع، حيث أن الفقه بحسب ظاهر الاصطلاح هو تصديقات المستنبط لا العلم بتصديق الشارع كما هو واضح.

هذا كله توضيح مرامه زيد في علو مقامه، و لكن يمكن أن يراد من الاحكام تصديقات المستنبط، و يكون المراد هو العلم المتعلق بالتصديقات تعلق الأجناس بأنواعها، و من الواضح أن مطلق الادراك المراد من لفظ

22

«العلم» جنس للتصديق، فلا يكون المراد من العلم الا التصديقات لا علما آخر متعلقا بها ليكون علما مركبا- فافهم.

قوله (قده): او لأولها الى الأحكام التكليفية.

بناء على كون الأحكام الوضعية تابعة منتزعة عن الأحكام التكليفية

قوله (قده): لظهور أن العلم بهذا الامر النسبي- الخ.

بيانه: هو ان الفقه لا شك في كونه عبارة عن العلم بالكلام الموجه لا العلم بتوجيه الذي يحصل للعالم و الجاهل على حد سواء، بل يحصل العلم بالتوجيه في الكلام اللفظي للجاهل باللغة كما لا يخفى، فلا يكون فقها.

و فيه: انه لا ريب في أن المراد من التوجيه ليس مفهومه المتساوى بالنسبة اليه الكل بل مصداقه، و كذا المراد بالكلام ليس مفهومه بل مصداقه الخاص لا مطلق المصداق، كما ان المراد بالتوجيه ليس هو مطلق المصداق بل المصاديق الخاصة. و لا شبهة في أن العلم بوجود إيجاب الصلاة و هكذا فقه.

إن قلت: إن الفقه هو العلم بأن الصلاة واجبة لا بايجاب الشارع.

قلت: لا ريب في أن الايجاب عين الوجوب، و التوجيه عين الموجه ذاتا و ان اختلفا اعتبارا، كما ان الوجود عين الايجاد ذاتا و هوية و غيره مفهوما و لا ينبغي لك أن تتوهم أن التوجيه و الموجه و الايجاب و الوجوب و ان اتحدا ذاتا إلّا أن الفقه إنما هو بالاعتبار الثاني، لأنه لا شبهة في ان العلم بايجاب الشارع الصلاة مثلا من الفقه، و هو الاعتبار الأول.

23

قوله (قده): و لا مستفادا من الأدلة ...

بيانه: هو ان التوجيه من مقولة التضايف، و هو مضاف حقيقي، و لا ريب في ان الاضافات من الأمور الاعتبارية و العناوين الانتزاعية التي ليست موجودة بمعنى وجودها بإزائها بل بمعنى وجود منشأ انتزاعها، فيكون وجودها تابعا لوجود منشأ انتزاعها، فكذلك دركها و نيلها يكون بمنشإ انتزاعها، و ذلك كالفوقية حيث أنها في الوجود و التعقل تابعة لأطرافها، فلا يحتاج إلى دليل في ادراكها فضلا عن أن يحتاج الى الأدلة الأربعة، و كذلك التوجيه يكون في الوجود و التحقيق تابعا للمتكلم الموجه و الكلام الموجه، و في الادراك و التعقل تابعا لدرك المتكلم بالحس البصري و ادراك الكلام الموجه بالحس السمعي، فلا يكون محتاجا الى الأدلة- كما هو واضح.

و فيه: ما مر آنفا أن التوجيه عين الموجه ذاتا، فاذا صحح كون الكلام الموجه فقها- كما سيجي‏ء عن قريب- يصح كون التوجيه المصداقي الذي هو عين الكلام الخاص المصداقي فقها كما هو ظاهر. مضافا الى انا لو سلمنا المغايرة فلا شبهة في تبعية العلم بالتوجيه للعلم بالكلام الموجه، و لا شبهة في أنه لا سبيل لنا الى العلم بالكلام الموجه الا بنقل السنة و الكتاب فيكون العلم بالتوجيه مستفادا عنهما. غاية الامر و قصواه أنه يكون بالتبع‏

قوله (قده): لوضوح أن مجرد العلم به لا يسمى فقها.

بيانه: انه من الواضح أن مجرد العلم بالكلام الموجه و انه صدر من المتكلم كلام ألقي الى المخاطب و وجه به يحصل للفقيه و غيره و للعالم باللغة و الجاهل بها، فكيف يكون فقها؟

و فيه: ما مر من أن المراد بالكلام الموجه ليس مفهومه و لا مطلق مصداقه بل مصاديقه الخاصة، كقوله: صلّ، و حجّ، و زكّ، و غيرها

24

و المراد بالكلام الموجه هو المعنى الملقى الى المخاطب، و ليس من سنخ الألفاظ كما هو المفروض من كون الحكم خطابا نفسيا و كلاما نفسانيا، و لو كان الكلام هو اللفظ صح أن يكون الفقه هو العلم بالكلام اللفظي الموجه من حيث كون اللفظ قالبا للمعنى و حاكيا عنه. و من المعنى أن الحكاية ليست بشى‏ء إنما الشى‏ء هو المحكي عنه.

قوله (قده): عبارة عن الكلام النفسي.

قال المحقق الطوسي و الحكيم القدوسي- (قدس سره)- في التجريد بعد بيان الكلام اللفظي: و لا يعقل كلام غيره. و قال القوشجى في شرحه:

قلت: قالت الاشاعرة: الكلام لفظي و هو المؤلف من هذه الحروف، و نفسي و هو المعنى القائم بالنفس الذي هو مدلول الكلام اللفظي كما قال الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد و إنما* * * جعل اللسان على الفؤاد دليلا

و الكلام النفسي مغاير للعلم و الارادة و الكراهة و سائر الصفات المشهورة، و المعتزلة نفوا ذلك و وافقهم المصنف و قالوا: اذا صدر من المتكلم خبر فهناك ثلاثة أشياء: «أحدها» العبارة الصادرة عنه. «و الثاني» علمه بثبوت النسبة او انتفائها بين طرفي الخبر. «و الثالث» ثبوت تلك النسبة أو انتفائها في الواقع، و الأخيران ليسا كلاما حقيقيا اتفاقا، فتعين الأول‏

و إذا صدر عنه أمر أو نهي فهناك شيئان: «احدهما» لفظ صادر عنه. «و الثاني» إرادة او كراهة قائمة بنفسه متعلقة بالمأمور به أو المنهي عنه، و ليست الارادة و الكراهة ايضا كلاما حقيقيا اتفاقا فتعين اللفظ.

و قس على ذلك سائر أقسام الكلام.

و الحاصل ان مدلول الكلام اللفظي الذي يسميه الاشاعرة كلاما نفسيا

25

ليس أمرا وراء العلم في الخبر و الارادة في الامر و الكراهة في النهي.

و أما بيت الشاعر فإما لاعتقاده ثبوت كلام نفسي تقليدا، و إما لأن المقصود الأصلي من الكلام هو الدلالة على ما في الضمائر، و بهذا الاعتبار يسمى كلاما، فأطلق اسم الدال على المدلول و حصره تنبيها على انه آلة يتوصل بها اليه، فكأنه هو المستحق لاسم تلك الآلة.

و الأشاعرة يدعون أن نسبة أحد طرفي الخبر الى الآخر قائمة بنفس المتكلم و مغايرة للعلم، لأن المتكلم لا يخبر عما لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه، و إن المعنى النفسي الذي هو الأمر غير الارادة، لأنه قد يأمر الرجل لما لا يريده، كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا و كالمعتذر عن ضرب عبده بعصيانه، فانه قد يأمره و هو يريد أن لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه و اعترض عليه بأن الموجود في هاتين الصورتين صيغة الأمر لا حقيقته، إذ لا طلب فيهما أصلا كما لا ارادة قط.

و مثل ذلك يمكن أن يقال في النهي استدلالا و اعتراضا، فيقال:

المعنى النفسى الذي في النهي هو غير الكراهة، لأنه قد ينهى الرجل عما لا يكرهه بل يريده في صورتي الاختبار و الاعتذار.

و يعترض بأنه ليس هناك حقيقة النهي بل صيغته فقط. أقول:

المعنى النفسي الذي يدعون انه قائم بنفس المتكلم و مغاير للعلم فى صورة الاخبار عما لا يعلمه هو إدراك مدلول الخبر، اعني حصوله في الذهن مطلقا- انتهت عبارته.

و قال العضدي تبعا للحاجبي: و الكلام النفسي نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم: أما تصور النسبة و كون الكلام النفسي نسبة فضروري، و أما انها النسبة القائمة بالنفس فلأنها لو لم تقم به لكانت هي الخارجة، و اللازم منتف. و اما الملازمة فإذن لا مخرج عنهما، فان الثابت ثابت اما في‏

26

النفس و إما خارج النفس، فاذا انتفى احدهما تعين الآخر. و أما انتفاء اللازم فلان الخارجة لا يتوقف حصولها على تعقل المفردين لأن نسبة القيام الى زيد اذا ثبتت في الخارج ثبتت، سواء عقل زيد و القائم ام لا. و هذه متوقف حصولها على تعقل المفردين فتغايرتا- انتهى.

و هو قد بالغ في عدم كون الكلام النفسي نسبة خارجية، و ادعى الضرورة في كونه نسبة، و كان الأولى العكس. و لو لا الخروج عن طور الفن و وضع التعليقة لتعرضت لما هو التحقيق للمقام.

قوله (قده): ففيه أن المراد إنما هو العلم- الخ.

فيه: مع أن الاحتمال الذي احتمله في كلام المحقق القمي مجرد فرض لا واقعية له أصلا، كما يدل عليه ظاهر كلامه بل صريحه أن هذا الايراد لا وجه له اصلا، لانه لا ريب فى أن المحدود و المعرّف ليس هو الفقه الصحيح الذي يكون حجة، و إلا لانتقض طرده و منعه، اذ يدخل في الحد فقه الكافر و المخالف مع خروجهما عن المحدود، فالاذعان بكون الأحكام ثابتة في نفس الامر أو في نفس الشارع ليس له مدخلية في موضوع الفقه و ان كان معتبرا فى حجيته.

فاذا ظهر ذلك نقول: إن الأحكام- على حسب الفرض- من حيث هي مطلوب انشائي ليس مطلوبا خبريا مستفادا من الأدلة، و باعتبار كونها ثابتة في نفس الأمر أو عند الشارع ليس من الفقه في شي‏ء- فافهم.

قوله (قده): و إن أراد ان الخطابات النفسية- الخ.

لا شبهة في أن مراد المحقق القمى- (قدس سره)- هو هذا المعنى، كما ينادي به بأعلى صوته قوله كاشف عن المدعى لا مثبت للدعوى، و مع‏

27

ذلك ففد علل عدم كونه دليلا مثبتا بل كاشفا دالا فى الهامش بأنه لا بد فى الدليل من سبق العلم بالمدعى اجمالا، بخلاف الدال حيث ان المدلول انما يعلم به لا قبله و لو اجمالا، و هنا لم يعلم الخطابات النفسية قبل الخطابات اللفظية أصلا، فكيف تكون الخطابات اللفظية دليلا عليها.

و هذه عبارته- (قدس سره)- الدليل على اصطلاح الأصوليين هو ما يمكن التوصل لصحيح النظر فيه الى المطلوب الخبري، فاذا كان الخطاب هو المبين للكلام النفسي و المظهر له أولا من دون سبق اطلاع لا اجمالا و لا تفصيلا فأين المطلوب الخبري الذي يعمل النظر في الكتاب لتحصيله، فلا بد أن يسبق الدعوى على الدليل و لو سبقا اجماليا حتى يطلب من الدليل- انتهت عبارته الشريفة.

و أورد عليه بعدم وضوح ما ذكره من الدعويين، إذ لا يلزم تقدم العلم الإجمالي بالمدلول على الدليل مطلقا حتى يكون ذلك من لوازم الدليل بالمعنى المصطلح بل قد يكون العلم مطلقا متأخرا عن الدليل، كما اذا حصل الانتقال الى النار بعد ملاحظة الدخان. غاية الأمر انه مسبوق بالمثال بمعرفة الملازمة بين مطلق الدخان و النار، و هو شى‏ء آخر.

نعم ما ذكره من لوازم الاستدلال.

و أيضا لا مانع من تقدم العلم بالخطابات النفسية إجمالا على معرفة الخطابات اللفظية التفصيلية، كيف و ثبوت الأحكام على سبيل الإجمال من ضروريات الدين- كما أشار اليه في الجواب المختار عنده- و ذلك عندهم هو العلم بالخطابات النفسية على الإجمال، و هو متقدم فى المعرفة على العلم بالخطابات اللفظية، و هو ظاهر.

و فيه: انه من الواضح الذي لا يمكن أن يريب فيه أحد أنه لا بد في الدليل من سبق العلم بالمطلوب على وجه الإجمال، كما يدل عليه قولهم‏

28

«الى مطلوب خبري» و من الواضح انه لا يمكن أن يكون المطلوب مجعولا مطلقا و إلّا لزم طلب المجهول المطلق و هو محال. و الأمثلة الجزئية لا تصلح أن تكون معولا عليها في الأحكام الكلية العقلية، اذ الجزئي لا يكون كاسبا و لا مكتسبا و لا يحيط أحد بجهات الجزئيات.

و بيان هذا موقوف على بيان المراد بكيفية معلومية المطلوب على وجه الاجمال، و هو انه لا ريب فى انه لا بد في الدليل من كونه بديهيا بالذات أو منتهيا الى البديهي. و من المعلوم ان المطلوب و النتيجة إن كان معلوما في القياس و الدليل على وجه التفصيل لم يحتج الى الدليل، و ان كان مجهولا مطلقا في الدليل- بأن لم يكن في الدليل علم بالمطلوب أصلا- فكيف يعقل أن يحصل منه العلم بالمطلوب؟ و هل يحصل العلم من الجهل أو من العلم بشي‏ء فلا بد و أن يكون معلوما على وجه الإجمال.

مثلا: في قولنا «العالم متغير و كل متغير حادث» العالم و ان لم يعلم كونه حادثا بعنوان العالم لأن الصغرى متكفلة لبيان تغير العالم و الكبرى متضمنة لبيان حدوث المتغير فالنتيجة لم تعلم في الدليل تفصيلا- إلّا أن عنوان المتغير يشمل كل متغير حتى العالم على وجه الإجمال، أعني بعنوان واحد إجمالي. و لما كانت المقدمتان الصغرى و الكبرى مقدمتين على النتيجة فلا جرم يكون المطلوب- أعني العالم الحادث- معلوما قبل النتيجة لكون الكبرى- و هي كل متغير حادث- معلومة قبل النتيجة، و يكون معلومية حدوث المتغير عين معلومية حدوث العالم، لكن لا بعنوانه الخاص بل بعنوان المتغير الذي هو عنوان اجمالي. و الحاصل ان النتيجة كانت معلومة قبل القياس و الدليل على وجه التكرير و الاندماج و الإجمال ثم بعده تصير معلومة على وجه التفصيل و الانشراح.

و بهذا البيان الواضح و التبيان اللائح يدفع الدور المحال المورد على الشكل‏

29

الأول الذي هو بديهي الانتاج. و بيان الدور: هو أن العلم بالنتيجة- و هي ان العالم حادث- موقوف على العلم بالكبرى- و هي كل متغير حادث- و إلا لم تكن مقدمة كبروية له «هف». و العلم بالكبرى موقوف على العلم بالنتيجة، اذ لو لم يعلم أن العالم حادث لم تكن كلية الكبرى حاصلة فلا يحصل الانتاج، فاذا توقف العلم بالكبرى على العلم بالنتيجة يكون دورا مستحيلا.

و حاصل الدفع: أن العلم بالنتيجة تفصيلا موقوف على العلم بالكبرى و العلم بالكبرى ليس موقوفا على العلم بالنتيجة تفصيلا بل على العلم بها اجمالا، أعني ان العلم بحدوث العالم حاصل في الكبرى لكن لا بعنوانه الخاص به- و هو عنوان العالمية- بل بعنوان المتغير، فان كل متغير معلوم حدوثه و إن لم يعلم كونه عالما أو غير عالم.

و حينئذ نقول: إن العلم في المثال الجزئي الذي زعمه المورد نقضا للقاعدة العقلية يكون من هذا القبيل، فان النتيجة في المثال المذكور هي ان موضع كذا فيه نار هي معلومة في الكبرى على وجه الاجمال، اذ صورة القياس هكذا: موضوع كذا موضوع يكون فيه دخان، و كل موضوع يكون فيه دخان فيه نار، ينتج موضوع كذا فيه نار. و من المعلوم أن النتيجة- و ان لم تكن معلومة تفصيلا حيث لم يعلم الاصغر فيه بعنوانه الخاص به- إلا انه علم بعنوانه العام الاجمالي، و هو كل موضوع يكون فيه دخان.

و من العجب أن المورد أذعن بأن في المثال المذكور لا بد و أن يسبق بالعلم بالملازمة قبل العلم بالنتيجة، و لم يتفطن أن ذلك العلم بالملازمة هو العلم بالنتيجة اجمالا، كما بيناه و شرحناه تفصيلا بما لا مزيد عليه.

و مما ذكرنا و فصلناه من بيان المراد من معلومية النتيجة و المطلوب على‏

30

وجه الاجمال ظهر اندفاع الايراد الثاني عن المحقق القمي «(قدس سره)» حيث أن الحكم الاجمالي الذي فرضه (قده) من أن لآكل الربا مثلا حكما ليس النتيجة المطلوبة بل النتيجة هي أن الربا حرام. ثم لو فرض كون ذلك الحكم الاجمالي نتيجة مطلوبة فلم تكن معلوميتها على الاجمال على النحو الذي ذكرنا من كون الأصغر هو الموضوع للنتيجة موضوعا للكبرى لا بعنوانه الخاص به بل بعنوان عام إجمالي يكون أوسط في القياس. فالمحمول الذي هو محمول في الكبرى محمول على الاصغر بعنوان عام، فلما كان المحمول محمولا للاصغر لا بعنوانه الخاص بل بعنوان عام صح أن النتيجة معلومة اجمالا لا بعنوان الموضوع الخاص به بل بعنوان آخر.

و بعبارة واضحة نقول: ليس فيما نحن فيه كبرى تكون النتيجة- و هي ان لآكل الربا حكما معلوما فيها بالاجمال.

إن قلت: نقرر و ننظم قياسا بهذه الصورة، و هي: إن الربا دل الخطاب اللفظي على حرمته، و كلما دل الخطاب اللفظي على حرمته فهو حرام بالخطاب النفسى، فينتج أن الربا حرام بالخطاب النفسي. و نقول: إن النتيجة معلومة في الكبرى لا بعنوان موضوع النتيجة الخاص به بل بعنوان عام اجمالي، و هو: كلما دل الخطاب اللفظي فحصل ما هو شرط الدليل من سبق العلم اجمالا.

قلت: إن هذا القياس باطل، إذ ليس على مذهب الأشاعرة للخطاب اللفظي مدلول غير الخطاب النفسى، فالصغرى كاذبة، إذ الخطاب اللفظي لم يدل على حرمة الربا بل يدل على الخطاب النفسى بالحرمة، فيكون الحاصل: إن الربا دل الخطاب اللفظي على الخطاب النفسي بالحرمة، فلا يكون في البين حد أوسط و واسطة فى الاثبات، فلا يكون الخطاب اللفظي دليلا بل دالا.

31

و مع الغض عن ذلك كله نقول: إنه يمكن أن يكون قول المحقق القمي- (قدس سره)-: «و الذي يخالجني في حله»- الخ ناظر الى الاستعمال الثاني الذي أورده- (قدس سره)- على الأشاعرة و يكون حلا له، كما لعله يشهد به قرب المرجع، فلا مجال للايراد الثاني الذي أورده المورد عليه كما لا يخفى- فافهم ما ذكرنا و اغتنم، و اشكر ربك الأعلى فياض العلوم و الخيرات و منزل البركات على من يشاء من عباده، فله الحمد في الآخرة و الأولى.

قوله (قده): ففيه ان الخطابات اللفظية- الخ.

فيه ما مر منا آنفا من أن التصديق بثبوت الأحكام عند المتكلم و ارادته أو ثبوتها فى نفس الأمر ليس له مدخلية في الفقه موضوعا أصلا بل له مدخلية فيه حكما و حجة، و ليس الكلام فيه.

قوله (قده): على تمهيد مقدمات عديدة.

يحتمل أن يكون مراده بالمقدمات العديدة هي أصالة عدم الغفلة و الخطأ و عدم تعمد الكذب في غير الشارع و امتناعها في حقه بل امتناع الكذب مطلقا و اصالة الحقيقة. و يحتمل أن يكون مراده بها الصغرى و الكبرى، و وجه تعددها: هو أنه لا بد فيما نحن فيه من ترتيب قياسين يكون كل منهما مشتملا على مقدمتين.

بيانه: هو أن الصلاة مثلا دل الخطاب اللفظي على وجوبها، و كلما دل الخطاب اللفظي على وجوبه دل الخطاب النفسي على وجوبه، ينتج أن الصلاة دل الخطاب النفسي على وجوبها.

فنجعل هذه النتيجة صغرى لكبرى اخرى و نقول: إن الصلاة دل‏

32

الخطاب النفسي على وجوبها، و كلما دل الخطاب النفسي على وجوبها فهو واجب عند المتكلم و يكون وجوبه مرادا له، ينتج ان الصلاة واجبة عند المتكلم و يكون وجوبها مرادا له- تأمل تنل.

قوله (قده): و ان اراد بها الاحكام الإجمالية- الخ.

عطف على المعنى، يعنى إن أراد بها الأحكام الإجمالية من حيث الاجمال فكذا، و ان اراد بها الأحكام الاجمالية من حيث التفصيل فكذا.

و بيان مرامه- (قدس سره)- هو: ان الاجمال و التفصيل اللذين اعتبرا في الأحكام لا يصح أن يعبرا معرفين لها، اذ بناء على التعريف تكون الأحكام واحدة، إذ اختلاف المعرّف و الكاشف لا يقتضي اختلاف المعرّف و المكشوف و تعددهما حتى لا يلزم اتحاد الدليل و المدلول، بل لا بد و ان يعتبرا عنوانا و قيدا. و حينئذ إن اعتبرت الأحكام الإجمالية من حيث الاجمال فلا ريب في أن الخطابات التفصيلية ليست أدلة على الخطابات الاجمالية- الى آخر ما أفاد، و ان اعتبرت الأحكام الاجمالية من حيث التفصيل فيصير الحاصل: ان العلم بالأحكام من حيث كونها تفصيلية فقه. و لا شبهة في أن الأحكام الاجمالية من حيث التفصيل التي هي عبارة أخرى عن الأحكام التفصيلية عين الخطابات التفصيلية، فعاد محذور اتحاد الدليل و المدلول.

و فيه: انه إن أريد من التحيث تحيث المعلوم- و هو الأحكام- نختار الشق الأول، بل نقول: لا مجال للترديد و التشقيق، لأن حيثية التفصيل- كما هو مقتضى الشق الثاني- كيف يعقل أن يكون حيثية للاحكام الاجمالية للزوم اجتماع المتقابلين المتعاندين، فتعين الشق الأول.

و نقول: إن الاحكام- و إن كانت متحيثة بحيثية الاجمال- إلّا أن‏

33

العلم المتعلق بها لم يتحيث بها، بل هو لما كان حاصلا من الأدلة التفصيلية فلا جرم يكون تفصيليا، و لا يرد شي‏ء من التوالي الثلاثة الفاسدة، و ان اريد من التحيث تحيث العلم فنختار الشق الثاني و لا يعود المحذور، لأن التفصيل إنما هو في العلم المتعلق بالمعلوم الاجمالي، فالمدلول هو المعلوم الاجمالي، فيكون مغايرا للادلة التفصيلية.

و لكن يمكن دفعه بأنه لا ريب في أن المدلول و النتيجة لا يكون إلّا ذلك العلم التفصيلي المتعلق بذلك المعلوم الاجمالي، و لا يصح تعلق العلم التفصيلي بمعلوم إجمالي إلّا بأن يصير ذلك المعلوم الاجمالي معلوما تفصيليا بعد ما كان اجماليا، فيرجع الأمر الى حصول المعلوم التفصيلي من الأدلة التفصيلية، فاتحد الدليل و المدلول حسب الفرض من كونها خطابا.

اللهم أن يقال: إن العلم لا يكون هو النتيجة و المدلول، كما أن القياس لا يكون علما، بل قول مؤلف يلزم من العلم به العلم بقول آخر.

نعم يرد على المحقق القمي (قده) أن التفاوت بالاجمال و التفصيل إنما هو تفاوت بحسب الإدراك، و التفاوت بحسب نحوي الادراك من الاجمال و التفصيل لا يقتضي و لا يستلزم تفاوت المدرك، فعلى هذا يبقى محذور الاتحاد باقيا بحاله غير مندفع أصلا.

و الذي يخطر بخاطري الفاتر و ذهني القاصر هو أن يقال: انه لا ريب في انه اذا كان المراد من الحكم الخطاب النفسي و من الكتاب الذي هو واحد من الأدلة الخطاب اللفظي لا يلزم محذور الاتحاد، لا للمغايرة بل لعدم الاستدلال و الدليل و المدلول بل ليس إلّا الدلالة، و أما اذا كان المراد بالحكم كالمراد بالكتاب الخطاب اللفظي فليس دلالة و لا استدلال، لعدم المغايرة على ما زعموا، حتى قال بعضهم بامتناع الاستدلال لوجود الاتحاد و امتناع التفصى عن محذور الاتحاد، و لكن الأمر ليس كذلك لأن مجرد كون‏

34

الدليل لفظا و المدلول ايضا لفظا لا يستلزم اتحاد الدليل و المدعى و إلّا لزم الاتحاد فيما اذا كانت النتيجة و المطلوب قضية معقولة، و الدليل و القياس أيضا من القضايا المعقولة لكونهما معقولين، بل لا بد في الاتحاد من كونهما واحدا.

و ليس الامر فيما نحن فيه كذلك لأنه لا شبهة في أن النتيجة معلومة اجمالا قبل اخذها من المقدمات كما بيناه و فصلناه و شرحناه آنفا بما لا مزيد عليه.

و من المعلوم الواضح أن الدليل لا يكون إلّا قولا مؤلفا، و اطلاق الأصوليين الدليل على المفرد كالعالم تسامح، حيث انه من الواضح أن التصور- و هو المفرد- لا يكون كاسبا للنتيجة و التصديق، اذ التصديق لا يكتسب الا من التصديق، اذ من البديهي انه لا بد في ثبوت الأكبر للاصغر من وجود ملزوم للاكبر يكون لازما للاصغر يجعل أوسط فى القياس و يجعل الاكبر محمولا لذلك الملزوم الذي هو لازم و محمول للاصغر- كما في الشكل الأول المسمى عندهم بالقياس الكامل- لتنقل الذهن الى ثبوت الأكبر للأصغر كما لا يخفى، و اذا كان الأمر كذلك فلا محالة يكون المطلوب و النتيجة قضية اخرى وراء القضيتين اللتين هما الصغرى و الكبرى، و لا شبهة في أن العلم الاجمالي بالنتيجة ليس إلّا العلم الحاصل بها في ضمن الكبرى كما مر عليك ذكره و بيانه، و أما العلم التفصيلي بالنتيجة فليس إلّا حاصلا من المقدمتين، و لا ريب في أن العلم التفصيلى بها غير العلم التفصيلي بالمقدمتين كما انها غيرها.

و حينئذ نقول: إذا كانت النتيجة المطلوبة هي أن الصلاة واجبة و فرضناها خطابا لفظيا فلا ريب في أن القياس المنتج لها ينبغي أن ينظم هكذا: الصلاة مما امر اللّه تعالى بها بالخطاب اللفظي، و كلما امر به بالخطاب اللفظي فهو واجب بالخطاب اللفظي، ينتج ان الصلاة واجبة بالخطاب اللفظي، و أما قولنا تعليلا لوجوب الصلاة لقوله تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* فبيان للصغرى و ليس‏

35

هو فقط منتجا كما هو واضح، فظهر أن النتيجة- و ان كانت خطابا لفظيا- إلّا انها مغايرة ذاتا للدليل و القياس و المقدمتين، و كانت معلومة بالإجمال قبل الاستنتاج و صارت معلومة بالتفصيل بعده، فالنتيجة- و إن صارت معلومة بالتفصيل- إلّا انها غير ذلك الدليل و القياس المعلوم تفصيلا.

و يمكن إرجاع ما ذكره المحقق القمي- (قدس سره)- الى ما ذكرنا و ان كان يحتاج الى تكلف شديد و تعسف اكيد- فافهم ما ذكرنا فانه يصعب نيله على الأفهام القاصرة.

قوله (قده): لأن مسائل العلوم- الخ.

اعلم أن للعلوم حقائق واقعية تكون ثابتة في الواقع و نفس الامر، سواء وجد عالم أو علم بها ام لا. و بعبارة أخرى: يكون لها وجودات نفسية مع قطع النظر عن وجودها الرابطي للعالم، و لا ريب في أن مسائلها ليست إلّا المحمولات المنتسبة الى موضوعاتها من غير مدخلية للعلم فيها أصلا فضلا عن أن يكون تصديقا، و إن شئت فعبر عنها بالفن، و اما العلم بها فيمكن أن يقال انه يكفى في العلم بالفن و تلك الامور الواقعية النفس الأمرية التصورية لا تحتاج الى التصديق أصلا، لأنه لا ريب في أن الشخص اذا تصور حيوانا ناطقا فقد ادرك الانسان و ناله من غير احتياج الى التصديق بكون الانسان حيوانا ناطقا و إلّا لزم الخلف، و ان كان ذلك التصور مستتبعا و مستلزما لهذا التصديق، فكذلك اذا أدرك و تصور المحمولات المنتسبة الى الموضوعات بصورة مطابقة للواقع فقد نال و ادرك ذلك الفن و المسائل من غير حاجة الى التصديق.

و إن شئت فقل: لما كانت تلك المسائل لها نسبة واقعية الى موضوعاتها و وجودا رابطا واقعيا، فاذا أدرك تلك النسبة و ذلك الوجود الرابط الواقعي‏

36

فقد أدرك تلك العلوم و المسائل، إذ ليس مرادنا من التصور الصورة التي يخترعها الذهن من غير واقعية لها أصلا الا بالاختراع، بل المراد هو الصورة المطابقة، اذ التصور و التصديق من اقسام العلم الذي عرّف بالصورة الحاصلة من الشي‏ء عند العقل، فاذا حصل من النسبة الواقعية صورة عند العقل فقد حصل إدراكها، فانكشافها السابق على الإذعان هو العلم. و هذا الذي ذكرنا واضح لمن سلمت فطرته و لطفت قريحته.

قوله (قده): إذ ليس لها موضوع آخر- الخ.

فيه أن المتكفل لبيان موضوعات كافة العلوم انما هو الفلسفة الأولى و الحكمة الالهية بالمعنى الأعم المسماة بالعلم بما قبل الطبيعة بحسب نظام الوجود و التحقق و ما بعد الطبيعة بحسب نظم التعليم فلا يستقيم.

قوله: ليس لها موضع آخر تبين فيه.

نعم يتجه بالنسبة الى الموضوعات الجعلية و المهيات الاختراعية كالصلاة و الصوم و نحوهما.

قوله (قده): بالوصف المذكور.

يعني صحة تلك الحدود و مقتضاها.

قوله (قده): في الخمسة المعروفة.

و هي: السببية، و الشرطية، و المانعية، و الصحة، و الفساد.

قوله (قده): لما سبق من ان التصديق بالتصديق ليس فقها.

و انتقاض عكس الحد حينئذ بالأحكام الوضعية و لزوم اتحاد الدليل و المدلول.

37

قوله (قده): على حذو ما سبق.

يعنى من اعتبار الأحكام من حيث انتسابها الى موضوعاتها.

قوله (قده): فكأنه غفل.

يعنى ان المشنع لو كان ملتفتا الى تفسير العلم بالملكة لما شنع على اخذ الأحكام بمعنى التصديقات، إذ يصح أن يقال ملكة التصديقات، فتشنيعه ناش عن الغفلة.

و فيه: انه ليس فيه غفلة اصلا، اذ العلم بمعنى الملكة ليس بمعنى مطلق الملكة حتى يصح اضافته الى التصديقات، بل بمعنى ملكة التصديق، و لذا صح اضافته الى المسائل أو مطلق الأحكام، اذ لا يصح أن يقال ملكة المسائل أو مطلق الاحكام بل ملكة التصديق بهما، و حينئذ فيرجع الأمر الى ملكة التصديق بالتصديقات، و لا يصح كما هو واضح.

قوله (قده): لما مر من اتحاد الدليل و المدلول.

بناء على تفسير الأحكام بالخطابات و الانتقاض الجمعي العكسي، بناء على تفسيرها بالأحكام الخمسة.

قوله (قده): و الوجهان آتيان.

يعني بهما تفسير العلم بملكة التصديق أو الادراك، و التعسف بجعل الظرف متعلقا بالمتعلق المقدر على أن يكون صفة للعلم.

قوله (قده): لكن قد يناقش فيه.

حاصل المناقشة هو أن الملكة من الكيفيات النفسانية، و الكيف هيئة قارة غير قابلة للقسمة و النسبة بالذات. نعم يقبل الشدة و الضعف، و من‏

38

الواضح المعلوم أن العلوم قابلة للقسمة و التعدد حسب تكثر معلوماتها و تعددها فكيف تكون كيفا و ملكة؟ إذ من الواضح أن غير القابل للقسمة غير القابل للقسمة.

و حاصل جواب المناقشة هو أن أسامي العلوم قد تطلق على المسائل و قد تطلق على الملكات، و المتصف بتلك الصفات- أعني البساطة و عدم قبول التبعيض و التجزئة و قبول الضعف و الشدة الذي هو المعنى الثاني أي الاطلاق على الملكات دون الأول و هو إطلاقه على المسائل، إذ بحسبه يقبل التبعيض و التجزئة و لا يقبل الضعف و الشدة، فالمناقشة المذكورة مغالطة ناشئة من الاشتراك الاسمي.

قوله (قده): فتأمل.

وجهه أنه يمكن أن يقال: إن الملكات و الكيفيات- و ان لم تكن قابلة للتبعيض و القسمة بالذات- إلّا انها قابلة لهما بالعرض، كما هو معلوم من حد الكيف و رسمه بأن الكيف ما قرّ من الهيئات لم يقتسم و ينتسب بالذات، فاذا كان الأمر كذلك فجاز أن يفسر العلم بالملكة و يلتزم بقبولها للقسمة بالعرض و بالتبع للمعلومات التى حصلت الملكة بالنسبة اليها، و هذا كما أن البياض- و هو من الكيفيات المحسوسة المبصرة- و ان لم يكن قابلا للقسمة بالذات إلّا انه يقبلها بتبع موضوعه، و هو الجسم كما لا يخفى.

قوله (قده): و في المقام كلام.

ستقف عليه فى ذيل الإشكال الثاني المورد في المقام. و حاصل ما ذكره هناك: ان تفسير أسامي العلوم بالملكات- و ان لم تداول بينهم في هذا الفن- إلّا انه لا يصح إطلاقها على الملكات فقط، بل لا بد من العلم بكثير

39

من مسائلها ايضا، كما يعلم من عدم صحة إطلاق المنطقي على صاحب الملكة المقتدرة بها على استنباط مسائل المنطق من دون العلم بكثير منها و عدم صحة إطلاقه على العالم بكثير منها من دون حصول الملكة.

فاذا تحقق اعتبار الأمرين فلك أن تقول: بأن اسامي العلوم موضوعة بإزاء الملكة الحاصلة للعالم بكثير من المسائل، أو لعلم صاحب الملكة بتلك المسائل أو لهما معا، لكن فرض حصول الملكة في المقام بدون العلم بكثير من المسائل لا يخلو عن بعد.

و هذا الاشكال مبني على أخذ الملكة بمعنى التهيؤ و الاستعداد، و أما اذا أخذ بمعنى الهيئة الراسخة الناشئة عن الممارسة فيما أضيفت اليه الملكة فلا ينفك عن العلم بكثير من المسائل، فلا يحتاج الى انضمام العلم بكثير من المسائل الى الملكة في صحة تسمية اسماء العلوم.

هذا محصل الكلام الموعود بيانه، و مقصوده- (قدس سره)- من هذه الحوالة إما بيان إشكال آخر غير المناقشة المذكورة هنا على تفسير أسماء العلوم بالملكات، و إما بيان لدفع المناقشة. بتقريب: ان الملكة إن كانت بمعنى الهيئة الراسخة الناشئة عن الممارسة فيما أضيفت اليه الملكة فهي غير منفكة عن العلم بكثير من المسائل، و ان كانت بمعنى مطلق التهيؤ و الاستعداد فبعيد حصولها بدون العلم بكثير من المسائل.

و اذا كان الأمر كذلك فنقول: إن الملكة- و إن كانت غير قابلة للتبعيض و القسمة- إلّا أن ما يلازمها أو ما يبعد خلوها عنه لما كان قابلا للتبعيض و القسمة صح القول بأن العلوم بمعنى الملكات قابلة لهما من باب الوصف لحال المتعلق.

و لا يذهب عليك الفرق بين هذا الجواب عن المناقشة و الجواب الذي ذكرناه فى وجه التأمل عنها، لأن التكثر و الانقسام و التبعيض في الجواب‏

40

السالف ذكره في الملكة باعتبار المسائل التى تكون الملكة قوة عليها و تكون تلك المسائل حاصلة عنها. و في هذا الجواب يكون التكثر فى المسائل المحصلة للملكة. و بعبارة اخرى بلسان عقلي نقول: التكثر و الانقسام في هذا الجواب يكون فيما به الاستعداد، و في الجواب السابق فى المستعد له- فافهم ان كنت من أهله.

قوله (قده): لعدم استقامة المعنى من غير تعسف.

وجه التعسف هو الاحتياج الى تقدير متعلق لقولنا بالاحكام، فيكون التقدير: المسائل المتعلقة بالأحكام، و حينئذ فان اريد من الأحكام الخطابات فيكون تعلق المسائل بها تعلق المداليل بكواشفها و دوالها، و ان أريد منها التصديقات فيكون التعلق تعلق المحال بحالها، و ان أريد منها النسب يكون التعلق تعلق الكل بجزئه أو المقيد بقيده، و ان اريد منها الاحكام من حيث هي بلا لحاظ الانتساب الى موضوعاتها و لا لحاظ عدمه يكون التعلق تعلق الخاص بعامه و البشرطشي‏ء مع لا بشرطه، إذ المسائل هي المحمولات المنتسبة. و أما إن أريد منها الأحكام من حيث انتسابها الى موضوعاتها فلا مغايرة أصلا بين المسائل و الاحكام المنتسبة إلّا أن يكون المراد بالمسائل مفهوم مطلق المسائل، فيكون التعلق تعلق العام بخاصه و المفهوم بمصداقه.

و لا يذهب عليك انه لا يصح ارادة المسائل من الأحكام مع كون المراد من العلم المسائل كما لا يخفى.

قوله (قده): و لو تقريبا.

يعني ان التأثير و الاثر المحققان فيما نحن فيه تقريبي لا تحقيقي، لأن هذا التأثير ليس إلّا مجرد اعتبار ليس كالتأثيرات الخارجية، كتأثير النار فى الإحراق، بل هو تأثير جعلي اعتباري ليس الخارج ظرفا لوجوده بل‏

41

وعاء لنفسه، و هو بعد الجعل و الاعتبار يكون موجودا بمعنى وجود منشأ انتزاعه و اعتباره لا بمعنى وجود ما بإزائه. و بعبارة اخرى يكون من المعقولات الثانوية الفلسفية.

و يحتمل أن يكون مراده بالتقريب ما لو كان الشارع هو النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ، فانه ليس هو الجاعل للشرع حقيقة، فهو ليس مؤثرا حقيقيا، بل لما كان هو المبين للشرع و الصادع به فكأنه المؤثر و الجاعل، فالتأثير المسند اليه تقريبي لا تحقيقي.

قوله (قده): و بالمعنى الثاني من باب نسبة الشى‏ء- الخ.

مقصوده هو انه- بناء على كون الشرع بمعنى الطريقة- تكون الأحكام منسوبة اليه من باب نسبة الشي‏ء الى متعلقه، كما يقال في غلام زيد انه زيدى، أي هو متعلق بزيد، لأن الأحكام مجعولة للطريقة المسلوكة الى اللّه تعالى، فهي أحكام لتلك الطريقة، أو من باب نسبة الشي‏ء الى وصفه باعتبار أن هذه الأحكام نفسها هي الطريقة المسلوكة، فالشرع بمعنى الطريقة يكون وصفا للاحكام من باب نسبة الجزء الى كله، لأن الشرع بمعنى الطريقة هي مجموع الأحكام. و لما كان اللام في قولنا «الأحكام» للعموم الأفرادي فلا محالة يكون كل فرد من الأحكام جزء لمجموع الاحكام فيكون من باب نسبة الجزء الى الكل.

قوله (قده): و لا يلزم منه نسبة الشى‏ء الى نفسه- الخ.

دفع توهم، و بيان التوهم هو: ان الجزء اذا نسب الى الكل فلا ريب في أن الجزء المفروض لا ينسب الى غيره من سائر الاجزاء للمباينة بينهما، فيبقى أن ينسب الى نفسه، و لا يصح ان ينسب الشي‏ء الى نفسه‏

42

لان النسبة تقتضي مغايرة بين المنسوب و المنسوب اليه. و الحاصل ان النسبة هنا غير معقولة، إما لكمال المباينة أو لغاية الاتحاد بل الوحدة.

و حاصل الدفع هو انا نختار أن المنسوب و المنسوب اليه كلاهما ذلك الجزء المفروض، و لكن المنسوب هو الجزء المأخوذ بشرط لا، و المنسوب اليه هو بشرط الانضمام الى غيره.

و ان شئت فقل: ان المنسوب هو اللابشرط و المنسوب اليه هو المعنى البشرطشي‏ء، و التفاوت يكون بالاعتبار، و التغاير الاعتباري يكفي و لا يحتاج الى التعدد ذاتا و التغير حقيقة كما هو واضح.

قوله (قده): بأحد الوجهين الاخيرين.

و هما تفسير الشرع بالشارع و يكون المراد به النبي، و تفسير الشرع بمعنى الطريقة.

قوله (قده): بالمعنى الأول.

و هو تفسير الشرع بمعنى الشارع، و يكون المراد به هو اللّه تعالى.

قوله (قده): و المراد بالفرعية المسائل المعروفة.

لا يخفى ما فى هذا التعريف من الدور الصريح، لان الكتب المعهودة إن كانت معهوديتها بعناوينها الخاصة كالتذكرة و التحرير و اللمعة و الشرائع و نحوها فلا ريب في انه اذا علم شخص تلك الكتب بتلك العناوين الخاصة و لم يعلم كونها كتب الفروع و علم ان فيها امهات المسائل لم يعلم مفهوم الفرعية اصلا، و هذا واضح لا سترة عليه، فلا بد و ان يعلم تلك الكتب بعنوان انها كتب الفروع و الفرعية فيدور كما هو واضح. فلا مناص أن‏

43

يؤخذ هذا التعريف شرحا للاسم و جوابا لما الشارحة لا حدا و جوابا لما الحقيقية- فافهم.

قوله (قده): بمعانيها التى اعتبرها- الخ.

الضمير راجع الى العلم الشرعي و الحكم الشرعي و العلم بالحكم الشرعي، و يحتمل أن تكون نسخة الاصل «بمعانيهما» بصيغة التثنية و التصحيف بالافراد يكون واقعا من النساخ، و على التثنية يكون الضمير راجعا الى العلم و الحكم.

و مقصوده- (قدس سره)- ان ظاهر المقام- و هو كون التفسير و التحديد تحديدا للفرعية الواقعية في حد الفقه يقتضى كون المراد من العلم و الحكم على سبيل منع الخلو المعاني التي اعتبرت في الحد لا التى لا يصح اعتبارها فى الحد. مثل أن يراد بالحكم الاحكام الخمسة التكليفية، أو يراد فى قولنا «العلم بالحكم الشرعي» بالعلم التصديق و بالحكم أيضا التصديق، فيصير المعنى التصديق بالتصديق.

قوله: لا مطلقهما- الخ.

المراد بقوله «مطلقهما» ما اذا أريد بكلمة «ما» الموصولة العلم بالحكم، و بقوله «مطلق احدهما» ما اذا أريد بها العلم فقط أو الحكم فقط.

و توضيحه: انه يحتمل- كما سيجي‏ء منه (قدس سره)- أن يراد بكيفية العمل هيئة و خصوصية و تنوعه، و أن يراد بها مطلق الاحكام، فان أريد الاول صح أن يراد بكلمة «ما» الموصولة احد المعاني التسعة المذكورة بقوله: «فيجوز أن يراد به التصديق الشرعي» الخ، و ان‏

44

أريد الثاني صح أن يراد بها- على تعسف شديد- احد المعاني الخمسة من التسعة المذكورة، فصارت الوجوه المحتملة أربعة عشر، و حينئذ فان أريد من الموصولة أو من الكيفية مطلق الاحكام لم يحصل الانتقاض الطردى و إلّا ينتقض طرد الحد- كما سيجي‏ء نحو «قال موسى» و «قال فرعون» و «قال نسوة» فانها تشتمل على نسب أو احكام شرعية، بمعنى المسائل متعلقة بفعل المكلف ابتداء، و كذا يحصل النقض بمسألة الجبر و الاختيار.

فاحتيج فى دفع الانتقاض الطردي الى اعتبار الحيثية و لحاظ الجهة في قولنا «شرعية» أي من حيث كونها شرعية، فتندفع النقوض المذكورة حيث انها- و ان كانت مشتملة على نسب أو احكام صادرة من الشارع إلّا أنها ليست من حيث انه شارع بل من حيث انه مخبر و حاك أو جاعل تكويني.

فظهر أن اندفاع النقوض حصل باعتبار الشرعية، فحينئذ اذا الغي قيد الشرعية و اريد من الموصولة مطلقهما أو مطلق احدهما او مطلق الشى‏ء و ان لم يكن علما و لا حكما تتضح تلك النقوض الطردية ورودا، و لا مدفع لها حيث انه لم يعتبر قيد الشرعية حتى يكون اعتبار الحيثية رافعا للنقوض، فظهر أن مراده على بعض الوجوه الآتية هو ما عدا ارادة مطلق الاحكام من الموصولة او من الكيفية.

قوله (قده): أو التصديق بأحد الثلاثة- الخ.

مراده من الأولين التصديق الشرعي أو الادراك الشرعي، و من الثلاثة الأخيرة المسائل الشرعية و نسبها و مطلق الأحكام.

45

قوله (قده): و الأنسب بالمقام- الخ.

لما احتمل أولا أن يراد بالموصولة العلم الشرعي او الحكم الشرعي أو العلم بالحكم الشرعي و كانت الاحتمالات المذكورة مع قطع النظر عن وقوع الفرعية في حد الفقه و صفا للاحكام، فلا جرم بملاحظة تلك القرينة قال (قدس سره): الانسب أن يراد بها الحكم الشرعي دون العلم الشرعي فقط أو العلم بالحكم الشرعي كما هو واضح.

قوله: ما لم يعتبر معه خصوصية.

فلا يصح إيجاب العلم أو تحريمه إلّا أن يتنوع بنوع خاص، فيكون عملا صوميا أو عملا غصبيا مثلا، و هذا واضح.

قوله (قده): على تعسف في بعضها.

و هو أن يراد التصديق الشرعي أو الادراك الشرعي أو ملكتهما.

و وجه التعسف هو أن تلك الامور لا تتعلق بالعمل الخاص الا بواسطة النسبة الواقعية بينه و بين محموله، فيحتاج فى تصحيح التعلق الى توسيط الواسطة كما هو واضح.

قوله (قده): و ربما امكن اعتبارها بتعسف.

كما مر فى قوله «على تعسف في بعضها»، و وجه التعسف قد ظهر مما ذكرنا آنفا من الاحتياج الى توسيط الواسطة.

قوله (قده): ثم لا يذهب عليك- الخ.

غير خفي ان المسائل الشرعية او نسبها او مطلق الاحكام فرع الدين‏

46

و ان التصديق الشرعي أو الإدراك الشرعي أو الملكة أو التصديق المتعلق بالمسائل الشرعية أو نسبها أو مطلق الأحكام فرعي، اذ التصديق لما كان متعلقا بالامور الشرعية يصير فرعيا.

قوله (قده): فعل المكلف و لو قوة.

مقصوده- (قدس سره)- التعميم بالنسبة الى الصبي المميز إن قلنا بأن عباداته شرعية لا تمرينية. و يحتمل أن يكون المراد أن القضية المعقودة من من الأحكام الفرعية إنما هي قضية حقيقية لا القضية الخارجية التي يكون الحكم فيها مقصورا على الأفراد المحققة، بل يكفى فيها الوجود المقدر للافراد، فلا يلزم أن يكون عمل المكلف- الذي هو الموضوع للقضية- موجودا فعلا، بل يكفي الوجود القوي أي المقدر- فافهم.

قوله (قده): على بعض الوجوه المتقدمة.

مقصوده من ذلك البعض هو ما عدا إرادة مطلق الأحكام من الموصولة أو من الكيفية.

قوله: و كذا لو اعتبر ذلك بالنسبة الى خصوصيات الأفعال.

يعني ان ما ذكر إنما كان بالنسبة الى مطلق أفعاله، و يكون الأمر كذلك لو لوحظ بالنسبة الى افعاله الخاصة، بأن يقال: إن اللّه تعالى لا يصدر منه هذا القبيح الخاص، و انه يمتنع اظهار المعجزة على يد هذا، أو ان فعله الخاص الكذائي محكم متقن.

قوله (قده): بل ينبغي أن يخص- الخ.

إنما قال هنا و فيما سبق «ينبغي» و لم يقل يلزم مع أن حفظ الحد

47

عن الانتقاض الطردي و العكسي لازم لأن هذا الحد مع شدة الاهتمام باستقامته لا يستقيم، كما يوضحه قوله: «و مع ذلك يتجه على طرده»- الخ، فيحتاج في استقامته الى ارادة مطلق الاحكام من الموصولة أو من الكيفية أو اعتبار الحيثية و لحاظ الجهة. و عند اعتبار احد الامرين على سبيل منع الخلو تندفع النقوض كلها، فلا يلزم أن يرتكب شي‏ء آخر- فافهم.

قوله: و بمؤدى مثل قوله تعالى:

«وَ إِذْ قُلْنا»*

- الخ.

مقصوده من المؤدى هو الإخبار بأمر الملائكة بالسجود لآدم، و أما قوله‏ «اسْجُدُوا»* فلا ريب في كونه من افراد المحدود، فلا ضير في دخوله فى الحد، فلا يحصل الانتقاض الطردي به كما هو واضح.

قوله (قده): و كذا يندفع النقض بمسألة الجبر و الاختيار.

بيان النقض: هو انه اذا قال الجبري «اللّه تعالى فاعل لأفعال العباد» و قال القدري «اللّه تعالى مفوض للامر الى العباد فهم مستقلون في افاعيلهم»، و قال العدلي «لا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين» فهي أحكام متعلقة بكيفية العمل بلا واسطة، فيلزم ان تكون مسائل فرعية

و بيان الدفع: هو ان المراد من الموصول او من الكيفية هو مطلق الاحكام الشرعية و تلك ليست اياها، او ان المراد من الشرعية ما كان منسوبا الى الشارع بما هو شارع، و تلك القضايا منسوبة الى اللّه تعالى بما هو جاعل تكويني لا بما هو جاعل تشريعي- كما هو واضح لا سترة عليه.

قوله (قده): بل بواسطة أحكام أخر.

بداهة ان قول الشارع الكلب نجس مثلا تعلق النجاسة، و هي من‏

48

الأحكام الوضعية بالكلب، و هو عين من الأعيان الخارجية و ليس من افعال المكلفين.

نعم يتعلق بفعل المكلف بواسطة حكم آخر، و هو قول الشارع «اجتنب عنه» و «اغسل ما لاقاه برطوبة». و هكذا قوله «هذا مطهر» يتعلق بفعل المكلف بواسطة قوله «لا تجتنب مما طهر به و لا تغسله»، و قوله «فلان يرث من كذا» يتعلق بالعمل بواسطة قوله «يحرم التصرف فيما ورث و يجب دفعه اليه».

قوله (قده): و فيه تعسف.

وجه التعسف: هو انه ليس في الحد المذكور ظهور و لا اشارة في كون التعلق تعلق المسائل بموضوعاتها، مع انه يمكن ان يجعل تعلق المسألتين من هذا القبيل، بأن يقال: شرب التتن مثلا الأصل فيه الاباحة، و الدعاء عند رؤية هلال رمضان الأصل فيه البراءة عن الوجوب. فيكون من قبيل تعلق المسائل بموضوعاتها.

بقي الكلام في معنى قولهم في تعريف الفرعية «بلا واسطة»، فنقول و باللّه الاستعانة: ان الواسطة تنقسم باعتبار الى الواسطة في الثبوت و الى الواسطة في الاثبات، و المراد بالاول هو العلة فى الوجود العيني و التحقق الخارجي و الكم الثبوتي، و بالثاني الحد الأوسط و الواسطة فى العلم و اللم الإثباتي. و بعبارة اخرى الاول سبب العين و الثاني سبب العلم.

و تنقسم باعتبار آخر الى الواسطة فى الثبوت و الى الواسطة فى العروض و المراد بالاول ان تكون الواسطة محققا لثبوت ما فيه الواسطة لذي الواسطة بحيث لا يصلح سلب ما فيه الواسطة عن ذي الواسطة، اعم من ان يكون ما فيه الواسطة ثابتا للواسطة ام لا، و ذلك كواسطة النار لثبوت الحرارة

49

و السخونة للماء مع اتصافها ايضا بالحرارة، و كواسطة الشمس لسواد وجه القصار و البارزين لها مع عدم اتصافها بالسواد. و بالثاني ان تكون الواسطة واسطة في عروض ما فيه الوساطة لذي الواسطة، بحيث يصلح سلب ما فيه الواسطة عن ذي الواسطة، كالسفينة حيث انها واسطة في عروض الحركة لجالسها و يصلح سلب الحركة عنه.

و بعبارة اخرى: الفرق بين ما فيه الواسطة في الواسطتين هو الفرق بين الوصف بحال الشى‏ء و الوصف بحال متعلق الشى‏ء، اذ لا ريب في ان في الأول السخونة وصف للماء و السواد وصف لوجه القصار، بخلاف الثاني حيث أن الحركة ليست وصفا لجالس السفينة بل وصف لها كما هو واضح.

فاذا تقرر ما ذكرنا فنقول: لا ريب فى أن المراد بالتعلق في قولهم «ما يتعلق بالعمل أو بكيفيته» هو تعلق المسائل و المحمولات بموضوعاتها، و لا يصح أن يراد بالواسطة المنفية هي الواسطة في الثبوت مقابل الواسطة في الاثبات، اذ لا ريب في أن الأحكام الفرعية من الممكنات بالذات و ليست بواجبة الوجود بالذات. و من الواضح أن الممكن لا بد في وجوده من مرجح فاعلى و مرجح غائي تمامى، اذ الممكن في حد ذاته و حريم نفسه يتساوى فيه الوجود و العدم و ليس فيه ضرورة احد الطرفين، فاذا كان كذلك فلا بد له من سبب فاعلي يخرجه عن السواسية و استواء الجانبين و لا ضرورة الطرفين حتى يصير موجودا.

و من البديهي أن المتساويين ما لم يترجح أحدهما بمنفصل لم يقع. و من الواضح أيضا أن الفاعل له تساو مع الطرفين، و كذا إرادته يجوز أن تتعلق بالوجود أو بالعدم، فاذا لم يكن للفاعل ما يخرجه عن السواسية فيستحيل خروجها عنه، فيمتنع وجود الفعل مثلا.

50

فظهر أن الترجيح بلا مرجح يستلزم الترجيح بلا مرجح، اعنى ان الترجيح بلا سبب غائي نمامى يستلزم الترجيح بلا سبب فاعلي، فاذا كان الامر كذلك فكيف يعقل ان تكون الأحكام الفرعية بلا واسطة في الثبوت و التحقق و الوجود، بل لا بد لها من المبدأ الفاعلي و هو الجاعل التشريعي، و المبدأ الغائي التمامي من المصالح و المفاسد، و لا يصح ان يراد بالواسطة المنفية الواسطة في الاثبات، اذ كلما كان له سبب و علة او مسبب و معلول فلا محالة له واسطة في الإثبات، اذ ذلك السبب او المسبب يصير حدا اوسط و يصير الدليل دليل لمّ او دليل إنّ كما هو واضح، مع ان المفروض كون الأحكام مستفادة من الأدلة، فتكون تلك الأدلة وسائط في الإثبات. و لا يصح ايضا ان يراد بها الواسطة في الثبوت مقابل الواسطة في العروض، اذ الواسطة في الثبوت بالاعتبار المذكور لا بد و ان يكون فيه اتصاف ذي الواسطة بما فيه الواسطة بالذات و الحقيقة بحيث لا يصح سلب ما فيه الواسطة عن ذي الواسطة.

و قد ظهر مما ذكرنا أن نفي أصل الواسطة و العلة عن الاحكام الفرعية غير معقول لبطلان وجود الممكن بلا علة، فلا بد و أن يكون بلحاظ عدم صحة السلب، فيكون الحاصل: ان الفرعية ما يتعلق بكيفية العمل من غير أن لا يصح سلبه، فيكون المحصل صحة سلب الأحكام الفرعية عن عمل المكلف، أي لا تكون وصفا له بحال، و الحال انه خلاف الواقع، حيث أن الاحكام الفرعية عارضة لعمل المكلف عروض الأوصاف لموصوفاتها و المحمولات الحقيقية لموضوعاتها.

و مع الغض عن ذلك فلا يصح أن يراد الواسطة بهذا المعنى في مقابل الفرعية، و هو ما لا يتعلق بالعمل بلا واسطة، اذ النفي فى النفي لما كان اثباتا يصير الحاصل ما يتعلق بالعمل بواسطة في الثبوت، فيكون المحصل أن‏

51

الأحكام الأصولية الاعتقادية تتعلق بعمل المكلف بواسطة في الثبوت، أي بحيث لا يصح سلبها عنه، و الحال أن الأحكام الاعتقادية يصح سلبها عنه و لا يكون وجوب الاعتقاد باللّه تعالى و وحدانيته مثلا وصفا لعمل المكلف و عارضا له بالحقيقة كما هو واضح، بل يمكن منع كونها عارضة له بالعرض و المجاز أيضا، اذ من الواضح ان وجوب الاعتقاد باللّه تعالى مثلا لا يكون وصفا للعمل بحال متعلقه، فلا يصح أن يقال: عمل المكلف- مثل شرب الماء مثلا- يجب الاعتقاد باللّه.

و من هنا اتضح و لاح انه لا يصح أن يراد بالواسطة المنفية فى حد الفرعية الواسطة في العروض، إذ هو- و إن استقيم في حدها- إلّا انه لا يستقيم في حد مقابلها، و هو الاصولية الاعتقادية، إذ لما كان نفي النفي اثباتا فيصير الحاصل ان الاصولية الاعتقادية تتعلق بعمل المكلف بواسطة في العروض و هو باطل إلّا أن يتكلف و يتعسف بأن وجوب الاعتقاد بوجود اللّه تعالى وجوب الاعتقاد بمبيح شرب الماء في المثال المذكور، فتكون القضية الاصولية الاعتقادية هكذا: شرب الماء مثلا يجب الاعتقاد بمبيحه، فيكون الوجوب وصفا لشرب الماء بحال متعلقه و هو الاعتقاد بمبيحه. و لا يخفى ما فيه من التعسف الشديد و التكلف الاكيد.

هذا كله بناء على ما زعموا من ان نفي الواسطة في حد الفرعية للاحتراز عن الاصولية الاعتقادية، و لا يخفى انه لو صح و استقام من جانب لم يستقم من جوانب أخر (اتسع الخرق على الراقع).

و الذي اراه ان الاحكام الاصولية الاعتقادية لا تتعلق بالعمل اصلا، فهي خارجة عن قولنا يتعلق بالعمل، و اما نفي الواسطة فهو لإخراج الاحكام الفرعية الوضعية بناء على المشهور، كما في المحكي عن شرح الزبدة و المستقر عليه رأي المحققين كما فى المحكي عن شرح الوافية من كون الاحكام الوضعية تابعة منتزعة عن الأحكام التكليفية و ليست متأصلة، فهي ليست حكما الا بالتبع و بالواسطة، فلا

52

يكون من الاحكام الفرعية الا بواسطة الاحكام التكليفية، و تكون الاحكام التكليفية واسطة في ثبوت الاحكام الوضعية لموضوعاتها بحيث لا يصح سلبها عنه، فلا يصح ان يقال: ان الإتلاف ليس مسبب للضمان.

و عبارة المحقق (قده) في القوانين غير أبية عما ذكرنا بل يتعين حملها عليه. قال في بيان قيود حد الفقه: فخرج بها- يعني بالفرعية- الاصولية، و هو ما لا يتعلق بالعمل بلا واسطة و ان كان لها تعلق بعيد.

اذ لو كان الغرض الاحتراز عن الاصولية بقوله «بلا واسطة» كان قوله «و ان كان لها تعلق بعيد» لغوا مستدركا، اذ من الواضح أن نفي نفي الواسطة يكون اثباتا لها، فيصير المحصل: ان الاصولية الاعتقادية ما تتعلق بالعمل بواسطة، فيكون التعلق تعلقا بعيدا، و لا مجال لقوله «و ان كان»، بل كان عليه ان يقول: و يكون التعلق تعلقا بعيدا و كلمة «إن» و ان لم تكن للتعميم و التسوية بل كانت للتعيين إلّا انها لا تصح الا في مورد يكون قابلا للتعيين و لغيره، و بعد ما كان الكلام ظاهرا و نصا فى التعيين لا يبقى للتعيين مجال اصلا كما هو واضح.

و أما بناء على ما ذكرنا فيكون المراد بعد نفي التعلق بالعمل في الأصولية تعلق الأحكام و المسائل بموضوعاتها اصلا مطلقا، لا بمعونة الواسطة الثبوتية و لا بمعونة الواسطة العروضية اثبات تعلق بعيد، لا على وجه التعلق بالموضوعات بل بمجرد مطلق الارتباط، حيث قد ظهر مما اسلفنا ذكره أن وجوده الأقدس او وحدانيته تبارك و تعالى اثبات لوجود جاعل الأحكام لموضوعاتها و وحدانيته- فافهم و استقم.

قوله (قده): فاعتبار الامكان- الخ.

يعني لو لم يعتبر الامكان في الحد- و قيل ما يتوصل- خرجت الأدلة