تقريرات الأصول

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
437 /
5

[مقدمة المؤلف‏]

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذى جعل الحمد مفتاحا لذكره، و طريقا من طرف الاعتراف بوحدانيته، و الصلاة على رسوله الاعظم، و الهادى الى الصراط الاقوم، و آله أئمة الهدى، و مصابيح الدجى.

و بعد، فهذه مباحث اصولية استدلالية و تحقيقات علمية شامخة استفدناها مشافهة من دراسات شيخنا الاعظم و استادنا الافخم، الفقيه العليم و المحقق الفهيم استاد المجتهدين آيت اللّه العظمى الآغا الميرزا هاشم الآملي دام ظله العالى على جامعة الحوزة العلمية الكبرى الاسلامية، و قد تشرفت مدة مديدة مجالس درسه فرأيته بحرا عميقا و مصباحا درّية اشرقت بتحقيقاته حقائق خفية فى علم الفقه و اصوله، و انه مد ظلّه قد حرصنى فى حفظ دراساته و تحرير كلماته فجدت لذلك المهم كثيرا حتى وفقت بعون اللّه ترتيب المسائل و تنظيمها و سميتها (تقريرات الاصول)، و هذا هو الجزء الاول منها.

و قد تفضل سماحته دام ظله الشريف فلاحظها و اقرها و ابدى رأيه الكريم حولها.

و يلزم عليك ان تعرف ان نظراته الدقيقة حول كلمات اساتيذه الكرام النائينى و العراقى اولا ثم الى كلمات المؤسس الحوزة العلمية شيخنا الحائرى و الى ما أبدئ اليه السيد الاصفهانى مع ما ابدع اليه من نظرات الكرام غيرهم‏ (رضوان اللّه تعالى عليهم).

6

و اسأل اللّه عزّ و جل ان يمتعنا و الامة الاسلامية بدوام عمره و ان يوفقنا لطبع بقية ما احفظنا و استفدنا من محضر الاستاذ (دام ظلّه) و من اللّه التوفيق و عليه التكلان.

و السلام علينا و على جميع إخواننا عباد اللّه الصالحين، و الحمد للّه.

قم المشرفة- ضياء الدين النجفى***

7

تقريرات الاصول‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

فى تعريف العلم‏

رتبت بحثنا هذا على مقدمة و مقاصد و خاتمه.

تمهيد

لا بدلنا قبل الشروع في البحث من ذكر تمهيد يفيدنا في المطلوب و يوجب مزيد بصيرة فيما نكون بصدده بيانا و تحريرا، و هو ان لكل علم تعريفا، و موضوعا و غاية كماء ان له مرتبة و شرفا بالنسبة الى غيره.

تعريف العلم‏

اما تعريف العلم فلا يخفى انه قد يلاحظ بمعنى هلية البسيطة كما انه قد يكون بمعنى هلية المركبة لانه كثيرا ما يطلق و يراد منه معناه الكلى الحقيقى و هو انكشاف الواقع للنفس و حصول صورة الشي‏ء عند العقل و يترتب عليه انقسامه الى التصورى و التصديقى، و قد يطلق العلم و يراد منه القواعد الممهدة للوصول الى القواعد المترتبة عليها فيكون العلم بهذا المعنى آليّا الى تحصيل المقصود بخلافه على المعنى الاول فانه استقلالى محض.

10

فالعلم بالاعتبار الثانى بطلق على عناوين المباحث كالنحو و اللغة و الكلام و الاصول و غير ذلك.

و بهذا الاعتبار ايضا لا بد من بيان القول الشارح لموضوع العلم و اجزائه، و جزئياته، و اعراضها التى هى موضوعات مسائله، و المقدمات التى تبتنى عليها قياسات العلم و ادلته و تسمى الاول بالمبادى التصورية و الثانى بالمبادى التصديقية و لذلك جرت عادة المصنفين فى ذكر تعريف العلم و بيان موضوعه و فائدته بعنوان المقدمة.

موضوع العلم‏

قد اشتهر بين الاعلام ان موضوع كل علم هو الذى يبحث فيه عن عوارضه الذاتية له بلا واسطة فى العروض، لان الموضوع في العلم كالقطب من الرحى نحول فيه حوله و نبحث عن عوارضه الذاتية له فكل علم لا بد له من وجود موضوع كلى جامع لجميع موضوعات مسائله انطباق الكلى الطبيعى على مصاديق افراده و لو كان مجهول العنوان و ان كان قد عينوه كثيرا كما قالوا ان موضوع النحو هو الكلمة و موضوع علم الفقه هو فعل المكلف و موضوع علم الاصول هو الادلة الاربعة و هكذا.

و كل علم يتركب من موضوع و محمول كما ان القضية كذلك، فموضوعه كثيرا ما هو الكلى العام الذى يحمل عليه مسائله و محموله هو عين مسائله الملحوظة فيها بحثا و تحقيقا من حيث الصحة و البطلان و الربط بينهما و هو الغرض.

و الموضوع قد يكون معلوم العنوان كالكلمة التى وقعت موضوعة لعلم النحو و التصريف و كالادلة الاربعة التى وقعت موضوعة لعلم الاصول بنا على احد القولين في المسألة و قد يكون مجهول العنوان بمعنى انه لا يكون للموضوع مصداق‏

11

في الخارج الا مجرد الكلى الطبيعى التى وجوده بوجود افراده كموضوع علم الاصول ايضا على القول الآخر الذى هو المختار على ما سيأتى و حينئذ يكون الموضوع عين موضوعات مسائله وجودا في الخارج لكونه كليا و لا وجود له الا بافراده و ان كان بينهما تغاير في المفهوم.

و العلوم حقايق مختلفة من حيث الاجناس و الانواع و كان البحث عن كل واحد منها على حده مستقلا يميزه عن غيره من حيث الموضوع او الغرض او الاعتبار، اذ قد يكون الموضوع مشتركا بين علمين كالكلمة بالنسبة الى علمى التصريف و النحو مع كون الغرض منهما مختلفا.

و منه يعلم امكان تصور جميع العلوم مع ما فيها من الاختلاف و التمايز علما واحدا، و ذلك اذا اخذ مفهوم عام اعتبارى جامع لجميع موضوعات العلوم و كان البحث عن حالاته جامعا مشتملا على اطرافه و قد قالوا بان الحكمة علم باحوال اعيان الموجودات على قدر الطافة البشرية و جعلوا موضوعها عاما يشمل جميع الحقائق و هو مفهوم الموجود و بهذا الاعتبار يقسمون الحكمة الى النظرية و العملية و الاول الى الالهية و الطبيعية و الرياضية، فهى بهذا الاعتبار علم و احد له موضوع واحد و يندرج فيه علوم شتى.

و اما موضوعات المسائل فهى مثل الدم و المنى و الكافر و الكر و غيرها التى يتفرع على كل واحد منها احكام محمولات قد جمعها عنوان الفقه و لا يخفى ان الموضوع قد يكون من مقولة الجوهر كالدم و قد يكون من مقولة العرض كافعال المكلفين مثل الغسل، و وحدة العلم انما هى منوطة بوحدة الاعتبار لا وحدة الموضوع او الغرض، لان الغرض هنا ليس امرا واحدا حقيقيا متولدا عن علته بل هو امر اعتبارى متولد من ملاحظة قواعد عديدة كلية التى تقاس بها الامور الجزئية من حيث استكشاف الصحة و البطلان و تسمى هذه القواعد بالعلم فيكون الغرض امرا اعتباريا اضافا بالنسبة الى القواعد المسماة بالعلم كما قالوا في تعريف‏

12

المنطق بانه آلة قانونية تعصم مراعاتها الفكر عن الوقوع في الخطاء فليس هو من صغرويات الامور التوليدية الحقيقية الخارجية حتى يلزم رعاية قاعدة العلية و المعلولية من ان الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد و يستلزم الاشكال.

و لو سلم بان الغرض امر وحدانى بسيط يلزم منه وجود جامع واحد بسيط بين موضوعات المسائل و محمولاتها و النسبة الملحوظة بينهما حتى يكون الجامع الواحد علة للغرض فلا ينافي القاعدة المذكورة.

و لكنه لا يمكن فرض الجامع بين الموضوعات و محمولاتها لكون المحمول من عوارض الموضوع و لا جامع ذاتى بين الشي‏ء و عارضه فضلا عن عدم امكان فرض الجامع بين النسبة التى تكون من المعانى الحرفية و بين الموضوعات و المحمولات مع انهما من المعانى الاسمية.

نعم يمكن فرض الجامع بين الموضوعات وحدها و كذا المحمولات وحدها مستقلا و هذا القدر لا يفيد فيما نكون بصدده من فرض الجامع بين الكل و النسبة لان العلم على ما عرفت تعريفه انما هو البحث عن احوال الموضوع و عوارضه بمفاد الهلية المركبة و محمولاتها هى عوارضها اللاحقة عليها بذاتها، و لو سلم بكفاية فرض الجامع الاعتبارى للموضوعات في عليته للغرض لا يكفى ايضا لانه حينئذ يكون الغرض مترتبا على الجامع و ترتبه على نفس الموضوع استطرادى و هو خلف.

و الحاصل انه لا يمكن وجود غرض واحد حقيقى حتى تكون وحدة العلم بوحدته و كذا لا يمكن تصور وحدة الموضوع لان الموضوع في علم على ما عرفت عين موضوعات مسائله و هى كثيرة فلا يمكن تصور الوحدة فيها الا اعتبارا و هذا المقدار لا يفيد في كونها علة للغرض الواحد البسيط على الفرض فيلزم صدور واحد بسيط بما هو واحد عن الكثير المتعدد بما هو متعدد و هو باطل.

(فالحق) على ما هو المختار هو ان وحدة العلم امر اعتبارى لمجموع مسائله‏

13

التى يترتب عليها الغرض و هو ايضا امر واحد اعتبارى لانه بعد التحليل يظهر بان لكل مسئلة من مسائل العلم غرضا يختص به كما يظهر لك في مسائل النحو و غيره. فوحدة الموضوع لا يمكن إلّا اعتبارا كما ان وحدة الغرض أيضا كذلك و معه يستحيل أن تكون الوحدة الاعتبارى علة لوحدة العلم حقيقة فلا محالة تكون وحدة العلم بوحدة الاعتبار التي يدعوا المعتبر اليها ليشير بها الى غرضه المترتب على مسائله.

ثم بناء على وجود الموضوع لكل علم او جله و تعريفهم بانه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، لا بد من بيان معنى العرض و الذاتى.

فنقول العرض هو ما ليس من ماهية الشي‏ء و جوهره بل هو امر خارج عنها عارض عليها بلا واسطة او معها، و الذاتى هو ما كان عروضه اعنى عروض العارض للشي‏ء بلا واسطة اصلا او مع الواسطة في الثبوت.

و قد صرحوا بان العارض للشي‏ء اما لذاته اعنى بلا واسطة اصلا لا في الثبوت و لا في العروض و اما مع الواسطة في الثبوت و ثالثة مع الواسطة في العروض‏ (1).

____________

(1) اما (الاول) فهو كعروض الزوجية للاربعة فان عروضها بمجرد اقتضاء ذات المعروض من غير دخالة واسطة فيه. و (اما الثانى) فالواسطة اما امر داخلى مساوى للمعروض كالتكلم العارض للانسان بواسطة كونه ناطقا او اعم منه كالمشى العارض للانسان بواسطة كونه حيوانا، و لا ثالث هنا. لان الواسطة الداخلية ليست اخص من المعروض لان الداخلى اما فصل يساوى للشي‏ء- المعروض- و اما جنس اعم منه، و اما امر خارجى فهو ايضا اما مساوى للمعروض في الخارج او اعم منه او اخص او مباين له فالمساوى كالضحك العارض للانسان بواسطة التعجب و علة التساوى هنا هو ان التعجب لا يعرض على غير الانسان، و الاعم كغليان العارض للماء بواسطة الحرارة فانها اعم من الماء و غيره شمولا و الاخص كالضحك العارض للحيوان بواسطة كونه ناطقا اذ النطق مما يعرض على بعض افراد الحيوان و كالطيران العارض على الطائر بواسطة خفض جناحيه فان خفض الجناح هنا واسطة اخص، و المباين فهو كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار لان النار امر مباين للماء يستحيل اجتماعهما دائما.

و (اما الثالث) اعنى العارض للشي‏ء مع الواسطة في العروض و المراد منها هوان العارض‏

14

و توضيحه ان العناوين المنتزعة عن الشي‏ء اما منتزعة عن ذاته بلا واسطة اصلا لمجرد اقتضاء ذاته لها كالزوجية للاربعة و اما منتزعة عن جهة خارجة عن ذات الموصوف مع اقتضاء ذاته لها فتكون الجهة المذكورة واسطة في الثبوت كعوارض الفصل بالنسبة الى النوع و الجنس، او عدم اقتضاء الذات لها بل باعتبار علاقة كانت بين الذات و ذلك الجهة فتكون الجهة واسطة في العروض فانها على الاخير منتزعة عن الشي‏ء مجازا كالحركة بالنسبة الى جالس السفينة و الجرى الى الميزاب.

فالعرض الذاتى ما يعرض الشي‏ء استقلالا بلا تبع عروضه على شي‏ء آخر، فليس ملاك الذاتى مطلق العروض و لا مجرد صحة الحمل حقيقة و لا اتحاد الواسطة مع ذى الواسطة كما قيل‏ (1) بل الملاك اقتضاء الذات لذلك العرض و صحة انتزاعه منها من غير ملاحظة امر آخر، فما يعرض على الجنس بواسطة النوع او الفصل يكون من العوارض الغريبة و ان كان قد عرض على الجنس حقيقة بواسطة النوع او الفصل و يصح حمله عليه بلا عناية و اتحاد الواسطة مع المعروض اعنى اتحاد النوع و الفصل مع الجنس، و السر في ذلك ان العارض على شي‏ء بواسطة عروضه على جزئه او صحة حمله على الشي‏ء و لو مع الواسطة او اتحاد الواسطة مع ذيها

____________

لا يعرض للشي‏ء ابتداء حقيقة بل يعرض لغيره و كان بينه و بين الشي‏ء علاقة من انواع العلائق فينتسب العارض بسبب معروضه حقيقة الى الشي‏ء مجازا لمكان العلاقة و ذلك مثل انتساب الجرى الى الميزاب مع ان الجرى عارض على الماء حقيقة ثم ينتسب الى الميزاب باعتبار علاقة المجاورة.

(1) و ذلك مثل ما اذا عرض على الجنس بواسطة النوع كالضحك العارض للحيوان واسطة كونه انسانا او عرض عليه او على النوع بواسطة الفصل كالتكلم العارض له او للانسان بواسطة كونه ناطقا و قد اختلفوا في ذلك فمن يقول بانه عرض ذاتى ايضا قال باتحاد الواسطة مع ذيها في الوجود الخارجى و هذا القدر يكفى في العرض الذاتى و من يقول بانه عرض غريب يقول بعدم كفاية ذلك بل لا بد في العرض الذاتى للشي‏ء ان يكون عروضه له اولا و بالذات من غير واسطة مطلقا.

15

لا يجعل العرض ذاتيا لمعروضه بل لا بد من عروضه على الشي‏ء بتمامه استقلالا و اقتضائه لهذا العرض ذاتا كالحرارة بالنسبة الى النار.

و قد صرح به صدر المتألهين في بعض كلماته بما حاصله ان ما يعرض على الاعم بواسطة الاخص كالعارض على الشي‏ء بواسطة جزئه المتصف بخصوصية شخصية مثل العارض على الجنس بواسطة النوع او الفصل فهو عرض غريب و كلما يعرض عليه بذاته اجمع و موجب لتخصص الشي‏ء و اتصافه بعد عروضه فهو عرض ذاتى و يعبر عنه بانه التساوى في الصدق مع معروضه انتهى‏ (1).

نعم قد يشكل عليه بان الواسطة لو كان متحدا مع ذيها في الخارج يكون العرض ذاتيا له لمكان الاتّحاد فإن مسائل العلوم كانت من العوارض الذاتية للموضوع مع كون عروضها عليه بواسطة موضوعات مسائله مثل ان موضوع علم النحو هو الكلمة و الكلام و مسائله هى الرفع و النصب و غير ذلك فالرفع عارض على الكلمة لا بنفسه بل بواسطة كون الكلمة فاعلا و هذه الواسطة واسطة في الثبوت و متحدة مع الموضوع في الخارج اتحاد الفصل مع النوع و صح ان يكون العارض على الاعم بواسطة الاخص كالعارض على الجنس بواسطة النوع او على النوع بواسطة الفصل عرضا ذاتيا له، و قد صرح به المحقق الخراسانى بقوله- (عوارضه الذاتية اى بلا واسطة في العروض ... اى و إن كان بواسطة في الثبوت)-.

فالتحقيق ان العرض الذاتى هو ما يعرض على الشي‏ء استقلالا و لو كان مع الواسطة في الثبوت و ما يعرض على الشي‏ء مع الواسطة في العروض فهو عرض غريب جدا.

____________

(1) الاسفار الاربعة ج 1 ص 33.

16

تمايز العلوم‏

ثم انه قد اختلف الكلام بينهم في وجه تمايز العلوم و أنه هل يكون باختلاف الموضوعات او الاعراض او انه امر اعتبارى.

فالمشهور الى الاول و قد عدل عنه بعض المتاخرين و ذهب الى ان تمايز العلوم بتمايز الاعراض التى دونت العلوم لاجلها مثل ان الغرض من علم النحو صيانة اللبسان و الغرض من علم المنطق صيانة الفكر عن الخطاء و ان العلم الاصول غرضه استنباط الاحكام و الغرض من الفقه هو العلم بالاحكام الفرعية، و الذى يدعوهم الى ذلك هو ان العلم عبارة عن عدة مسائل يبحث عنها مؤلفها لغرض واحد كلى عارض على مجموعها و ان كان لكل مسئلة نتيجة جزئية مترتبة عليها، فالاصول يبحث عن مقتضيات الامر و النهى و الوجوب و الاستحباب و غير ذلك من المسائل حتى يصل الى طريق الاستنباط للاحكام و هذا هو الغرض الاقصى له في هذه المسائل المتشتتة، و هكذا في ساير العلوم فاختلاف الاغراض يدعوا الى اختلاف العلوم و موجب للتمايز فيها.

و اما السر في العدول عن مقالة المشهور هوان المسائل كانت من العوارض الذاتية للموضوع بناء على ما عرفت من كون عوارض النوع عوارض ذاتية للجنس لمكان الاتحاد و ان كان عروضها مع الواسطة في الثبوت، و عليه فقد يتداخل العلوم بعضها ببعض باعتبار تداخل الموضوعات مثل الكلمة على ما عرفت فلا يمكن التمايز بينهما بحسب الموضوع.

و تقييد الموضوع بالحيثيات كما عن شيخنا الاستاذ بتقريب ان الشي‏ء من حيث هو لا يقع موضوعا لشي‏ء فالكلمة لا تكون موضوعة لعلم النحو لا بشرط بل من حيث قابليتها للحوق الاعراب كما انها بشرط قابليتها للتصريف تكون موضوعة لعلم التصريف، فهو غير سديد.

17

لان هذه الحيثية ان اريد بها انتزاعها من المحمولات بعد ثبوتها للموضوع فهى حيثية لا حقة و لا يمكن اخذها في الموضوع للزوم تقدم الشي‏ء على نفسه مع لزوم انقلاب القضية الممكنة الى الضرورية فلا يبقى مجال لحمل المسائل على الموضوع من حيثيتها الحملية كما قال قده و ان اريد بها الحيثية الذاتية اعنى استعداد ذات الموضوع لعروض المحمول فهى ايضا غير مفيد لان ذلك الاستعداد ليس مقيد بحيثية خاصة بتلك المحمولات الخاصة بل هى حيثية مطلقة لجميع ما يصح حمله عليه.

و لذلك كله ذهب جماعة الى ان يكون التمايز منحصرا بالاغراض و قد اشار اليه المحقق الخراسانى بقوله- (قد انقدح بما ذكرنا ان تمايز العلوم انما هو باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين لا الموضوعات و لا المحمولات)-.

و قد ظهر مما ذكرنا وجه بطلان كلامه هنا ايضا و ان التمايز لا يكون بها على سبيل الموجبة الكلية كما انه لا يكون بتمايز الموضوعات، بل التحقيق هو ان التمايز كليا امر اعتبارى عند اعتبار مسائل العلم و ترتب الاغراض عليها و هو المختار، و لا يضر به تداخل بعض العلوم في بعض المسائل لانه قل ما يتفق مع ان الغرض مترتب على مجموع مسائله بمعنى ان المجموع من حيث المجموع يكون مسائل علم دون علم، و هذا بخلاف اشتراك علمين في جميع مسائلهما لانهما عليه لا يسمى علمين بل هو علم واحد يترتب عليه غرضان طولا او عرضا، و الموضوع ايضا بما هو اعنى لا بشرط، لا يقع موضوعا بل هو من حيث عروض المسائل عليه و به يحصل الفرق بين الموضوعين و ان كانا واحدا ابتداء و هذا يفيد فى انفكاك الموضوعين لعلمين و اما في تمييز علمين، فلا كليا، بل التميز بالاعتبار على المختار.

اما مرتبة العلم‏

فهو امر اضافى يلاحظ في محله بالنسبة الى الموضوع او الغرض الحاصل‏

18

منه اضافة لما هو في غيره كمرتبة علم الفقه بالنسبة الى الاصول فهى مقدمة عليه كما ان مرتبة علم الكلام مقدمة عليهما لشرافة موضوعه و هو المبدأ و المعاد و غرضه و هو معرفة اصول الدين و هو اشرف الغايات.

و لا يذهب عليك ان هذا التمهيد الذى ذكرنا هنا يقيد في المطلوب و يزيد بصيرة فيما سنبحث فيه و من اللّه التوفيق.

***

19

المقدمة

الى هنا قد تم التمهيد و امّا المقدمة ففى بيان امور فنقول.

موضوع علم الاصول‏

(الامر الاول) فى بيان موضوع علم الاصول.

المشهور ذهبوا الى ان الموضوع في علم الاصول هو الادلة الاربعة بما هى ادلة كما قاله المحقق القمى ايضا و قد عدل عن ذلك صاحب الفصول و قال ان موضوعه هو الادلة المذكورة بما هى هى لا بما هى ادلة لتصريح قوله بان المراد هو ذوات الادلة لا هى مع وصف كونها ادلة.

و وجه عدوله عنه الى ذلك مبحث الاجماع و نحوه لان الاجماع مع فرض دليليته يكون موضوعا للعلم فالبحث عن دليليته و حجيته يكون بحثا عن ذات الموضوع لا عن عوارضه و قد صرحوا بان البحث عن دليلية الدليل ليس بحثا عن عوارض الدليل فلا بد و ان يكون الموضوع ذوات الادلة حتى يكون البحث عن حجيتها بحثا عن عوارض الموضوع.

و التحقيق انه قد يكون علم ليس لموضوعه عنوان خاص يشار اليه بل موضوعه متحد مع موضوعات مسائله اتحاد الكلى مع افراده في الخارج و انما الاعتبار قد جمع مسائل متشتتة: لتحصيل ما هو نتيجة البحث عنها و قد سبق لك ان لكل مسئلة نتيجة مستقلة مترتبة عليها، فعلم الاصول ليس له موضوع و احد خارجا يبحث فيه عن عوارضه و لا جامع بين موضوعات تلك المسائل الا اعتبارا

20

فموضوعه عين موضوعات مسائله قطعا فالقول بان موضوعها هو الادلة الاربعة بذواتها او بما هى ادلة باطل يقينا.

لاستلزامه خروج كثير مما دون في علم الاصول كحجية الامارات و الاصول العملية و الملازمة بين وجوب الشي‏ء و مقدمته و مباحث الالفاظ و غيرها عنه لانه قد عرفت في تعريف موضوع العلم- انه الذى يبحث فيه عن عوارضه الذاتية- و بعد فرض كون الموضوع في علم الاصول هو هذه الاربعة يلزم انحصار البحث في عوارضها مع ان مسائل الاصول ليست كلها عوارضها اذ البحث عن حجية الامارات انما هو بحث عن اصل كونها دليلا و حجة على معنى كان التامة و هل البسيطة فلا يمكن حينئذ ان يكون بحثا عن احوال الدليل و عوارضه لانه مفاد كان الناقصة و عليه يكون البحث المذكور من المبادى التصورية للسنة، و كذلك البحث عن الاصول العملية التى يكون الرجوع اليها وظيفة الفقيه بعد اليأس عن الدليل فانه ايضا ليس بحثا عن احوال الادلة بل لا ارتباط بينها و بين الادلة، و اما الملازمة فان البحث فيها من حيث كونها من احوال الاحكام مطلقا لا من احوال الادلة الاربعة بالخصوص، و هكذا الامر في مباحث الالفاظ فان البحث عن حجية ظهورها مثلا يكون من احوال الالفاظ من حيث هى لا من حيث انها الفاظ الادلة الفقهية الواردة في الكتاب و السنة. و لو قيد موضوع المسألة في هذه المباحث بعنوان الورود في الكتاب و السنة لزم كون الاعراض المبحوث عنها في هذا المسائل اعراضا غريبة بالنسبة الى موضوع المسألة ضرورة ان الامر الواقع في الكتاب لو قلنا بافادته الوجوب ليس باعتبار وقوعه في الكتاب بل هو باعتبار أنه كلام عرفى يفهم منه الوجوب عرفا فالوجوب عارض على الامر الكتابى بواسطة كونه من افراد الكلى عند تفاهم العرف.

و عليه لا يكون هذه الامور من العوارض الذاتية للموضوع مع ان عوارض الموضوع لا بد و ان يكون كذلك.

21

فظهر ان الادلة الاربعة من حيث دليليتها لا تكون موضوعا لعلم الاصول به فان قلت- المراد من الادلة الاربعة التى هى موضوع علم الاصول، ذوات الادلة لا هي مع وصف كونها ادلة فلا يلزم محذور الفصول.

قلت- نعم على هذا يمكن ارتباط المسائل و حملها على الموضوع اعنى الادلة على سبيل الموجبة الجزئية كحجية خبر الواحد على ما قربه شيخنا الاعظم بما حاصله- ان مرجع هذه المسألة الى ان السنة اعنى قول المعصوم او فعله او تقريره هل يثبت بخبر الواحد ام لا إلّا بما يفيد القطع- (و ما قربه الشيخ- قده- انّما هو على تقدير كون الموضوع هى الادلة الاربعة بوصف دليليتها لا ذوات الادلة).

لكنه مخدوش حيث ان ثبوت السنة بالخبر ان كان مراده الثبوت الواقعى فهو غير معقول لعدم كون الخبر من العلل الواقعية لثبوته، و ان كان المراد ثبوته تعبدا فهو و ان كان بمكان من الاعتبار و يكون من عوارض السنة إلّا انه من عوارضها بما هى مشكوكة الثبوت لا من عوارضها بما هى سنة واقعية.

و لو سلم فلا يثبت المطلوب كليا لان ثبوت الحجة بالخبر احد اعراض الموضوع و بقى الباقى بحاله كظهور الامر للوجوب او للندب و تلازم وجوب الشي‏ء مع وجوب مقدمته او تلازم الامر بالشي‏ء مع النهى عن ضده و غير ذلك فلا يكون هذه من العوارض الذاتية الاعلى القول بان العارض على الجنس يكون عرضا ذاتيا للنوع اعنى الموضوع و انتم لا تقولون به لان العرض الذاتى عند هؤلاء هو العارض على الشي‏ء بلا واسطة.

فالتحقيق هو ما قلنا به من عدم وجود موضوع مستقل لعلم الاصول يشار به في الخارج بل الموضوع فيه هو عنوان كلى طبيعى صادق على موضوعات مسائله و متحد معها في الخارج و الموجب لكونه علما واحدا في عداد العلوم هو اعتبار المؤلف لتحصيل الغرض المترتب عليه.

22

تعريف علم الاصول‏

قد اشتهر عندهم ان علم الاصول- هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية- و لا يخفى ما فيه من وجوه.

الاول قد عرفت ان للعلم معنيين مفهوم استقلالى و هو حصول صورة الشي‏ء عند النفس و مفهوم آلى و هو القواعد النظرية المبحوث فيها تحصيلا لما هو المطلوب و الغرض منها و هذا المعنى كثير الاستعمال بل و لفظ العلم في جميع تعاريف العلوم يستعمل في ذلك، و في المقام اعنى علم الاصول استعمل في ذلك ايضا اى المعنى الثانى فالمراد من لفظ العلم في التعريف هو القواعد و مع ذكرها يستغنى عن ذكر العلم.

الثانى ان لفظ الاستنباط ظاهر في ان القواعد واسطة في اثبات الاحكام و معه يكون الاصول العملية خارجة عن علم الاصول لانها احكام وجب العمل على طبقها سواء كانت طريقا الى الواقع او احكاما فرعية بناء على جعل المماثل او احكاما عقلية بمقتضى دليلها فلا معنى لوساطتها لاثبات حكم فرعى آخر، و اما اثبات الجزئيات بها فهو من باب التطبيق على المصاديق لا الاستنباط.

و كذا الامارات خارجة عنه لانها بناء على تنزيل المؤدى او جعل المماثل في الظاهر يكون مؤديها بنفسه حكما شرعيا فلا يكون واسطة في اثبات الحكم نعم بناء على تتميم الكشف و الغاء احتمال الخلاف تكون الامارة كاشفة عن ثبوت الحكم الشرعى فتكون واسطة في الاثبات.

و لذلك كله عدل عن هذا التعريف المحقق الخراسانى و قال- بانه صناعة يعرف بها القواعد التى يمكن ان تقع في طريق استنباط الاحكام او التى تنتهى اليها في مقام العمل.

23

و وجه عدوله جهات.

الاولى- ان العلم هنا بمعنى نفس القواعد على ما عرفت و يكون بمعنى الادراك بمعنى ان النظر في معنى العلم آلى لا استقلالى فلا بد ان يكون علم الاصول نفس القواعد لا العلم بها فيترك ذكر (العلم) و يقيم لفظ (الصناعة) مقامه و هذا تنبيه على ان المقصود من هذا العلم ليس مجرد الادراك بل هو فن و صناعة فوق العلم و ان الاثر للمعلوم لا مجرد العلم.

الثانية- ان علم الاصول لا تنحصر بالمسائل التى مهدها السابقون لاستنباط الاحكام الشرعية بل يشمل كل مسئلة يمكن ان يستنبط بها الحكم الشرعى فلا يصح لهذا المعنى تعبيرهم- القواعد الممهّدة للاستنباط- لإفادته الانحصار بل الصحيح هو القول بانه- يمكن ان تقع في طريق الاستنباط- كما صنعه الخراسانى قده.

(لا يقال) انه يستلزم دخول اكثر مسائل الفنون التى يتوقف عليها الاستنباط كعلوم العربية و غيرها في علم الاصول و هو كما ترى.

(لانه يقال) ان المراد هو خصوص القياس الكلى المنتج للوظيفة العملية فيعم الممهدة و غيرها.

و اما الاكتفاء بذكر الاحكام عن الشرعية فهو لمكان لام العهد.

الثالثة- خروج الظن على الانسداد بناء على الحكومة عن تعريف المشهور لان هذا ليس واسطة في الحكم الشرعى و كذا مسائل الاصول العملية العقلية كالبراءة و الاشتغال و التخيير في الشبهات الحكمية على ما اشرنا سابقا.

و تفصيله انهم اختلفوا في تقرير مقدمات الانسداد من ان مقتضاها الكشف او الحكومة اما الاول فهو بمعنى ان المقدمات تكشف عن حكم الشارع بحجية الظن فيكون هذا كسائر الحجج الشرعية و يقع في طريق استنباط الاحكام، و اما الثانى و هو الحكومة بمعنى انها منشأ لحكم العقل مستقلا بوجوب العمل على‏

24

طبق الظن فيكون الظن هنا كالعلم في كون حجيته عقلية و عليه يكون مؤدى الظن على الاول حكما شرعيا و على الثانى ليس كذلك بل عقلى مستقل فلا يقع الظن في طريق استنباط الحكم الشرعى على معنى الحكومة فيخرج عن علم الاصول بمقتضى تعريف المشهور.

و اما خروج مسائل الاصول العملية العقلية عن التعريف فهو باعتبار انه لا يتوصل بها الى الحكم الشرعى على ما علمت سابقا.

و لهذا اضاف المحقق الخراسانى في التعريف قوله- (او التى ينتهى اليها في مقام العمل)- حتى يشمل التعريف مثل الموارد المذكورة.

هذا و لكن لا يخفى ما فيه ايضا، لان المقصود من استنباط الاحكام الشرعية هو الاعم من الظاهرية و الواقعية فيشمل الاصول العملية قطعا فلا يحتاج الى ذكر ما يشملها كما صنع الخراسانى بقوله او التى ينتهى اليه في مقام العمل.

فالاولى في التعريف هو ان يقول بان علم الاصول هو القواعد التى نتيجتها كبرى القياس في اثبات الحكم الفقهى الالهى- كان يقال صلاة الجمعة مما اخبر بوجوبها خبر واحد و كلما اخبر بوجوبه خبر واحد فهو واجب فصلاة الجمعة واجبة- فيشمل جميع المسائل الاصولية حتى الظن المطلق على الحكومة و الاصول العملية.

و من هنا يعرف ميزان الفرق بين المسألة الاصولية و الفقهية، فالاصولية هى التى تكون نتيجتها كبرى كلية تقع في القياس لاثبات الاحكام الجزئية الفقهية عند العمل سواء كانت حكما واقعيا كمفاد الامارات على الكشف او حكما ظاهريا كمفادها بناء على تنزيل المؤدى او وظيفة عند التحير كالاصول العملية الشرعية او حكما عقليا كالاصول العملية العقلية.

بخلاف المسألة الفقهية فانها عبارة عن كون نتيجتها وظيفة عملية فرعية بلا واسطة في مقام الاثبات و بقيد عدم الواسطة يخرج ما كان ثبوت الحكم للموضوع‏

25

مع الواسطة كالاستصحاب و الامارات.

فيكون النتيجة في الاول كبرى كلية لاثبات الصغريات و في الثانى نفس مفاد الحكم للعمل.

ان قلت- المراد من وقوع الكبرى كلية للصغريات، ان كان بلا واسطة فيخرج مباحث الالفاظ و المفاهيم و العام لان الحكم فيها بحجية الظواهر فهو واسطة في اثبات الحكم بالامارة، و ان كان مع الواسطة فيدخل كثير من المباحث في علم الاصول كعلم التصريف و النحو و الرجال و التفسير و غير ذلك لان الشأن فيها هو الوساطة في اثبات الحكم.

قلت- نختار الثانى و لا يدخل العلوم المذكورة فيه لانه لا دخل لها في استكشاف نفس التكليف بل لها احكام و مباحث مستقلة في موضوعات علمها المخصوصة، و بعبارة اخرى انا لا نبالى في ان كلما له دخل في الاستنباط ان يدخل، فى علم الاصول على ما اخترناه في تعريفه و هو الوحدة الاعتبارية على ما فسرناه سابقا، و اما ما لم يكن له دخل في استكشاف الحكم كالعلوم المذكورة لا يكون من علم الاصول، فان وظيفة علمى النحو و التصريف هى بيان كيفية تلفظ الكلمات لا الحكم الشرعى او موضوعه، و علم الرجال لتشخيص موضوع سند الحكم من حيث الصحة و عدمها، و اللغة لبيان مفاهيم الالفاظ و ان كان منها مفهوم موضوع بعض الاحكام كالصعيد للتيمم فكل واحد منها علم مخصوص و له غاية مختصة به لا انها لاستنباط الاحكام الشرعية.

و اما مثل مباحث المفاهيم في الاصول و ان كان هى في تشخيص الموضوع إلّا انه لاستكشاف مقدار وظيفة المكلف فهى داخلة في علم الاصول و هكذا بحث المشتق و الصحيح و الاعم.

ان قلت- قد ينتقض تعريف المسألة الاصولية بجملة من القواعد الفقهية الداخلة في تعريف المسألة الفقهية كقاعدتى ما يضمن بصحيحه و ما لا يضمن و قاعدة

26

الطهارة و قاعدة ملاقى النجس نجس و قاعدتى نفى الضرر و الحرج فان نتيجتها كبرى كلية تقع في طريق استكشاف الحكم.

قلت- كل واحد من القواعد المذكورة مختص ببابه لا يتجاوز عنه كاختصاص قاعدة الطهارة ببابها و هكذا بقية القواعد و اما المسألة الاصولية يكون نتيجتها كبرى كلية تقع في جميع ابواب الفقه كقاعدة لزوم حمل المطلق على المقيد فانها جارية في جميع ابواب الفقه فلا ينتقض الحكم فيها بهذه القواعد الفقهية لوجود الفرق بينهما، و بعبارة اخرى ان هذه القواعد لها جهة مختصة في محلها و اما المسألة الاصولية لها جهة عمومية و نتيجة كلية فلا ينتقض.

فما افاده المحقق الخراسانى من ان المسألة الاصولية هى ما كانت دخيلة في جميع ابواب الفقه و اما ما كانت مختصة بباب دون باب كقاعدة الطهارة و ما يضمن فهى مسئلة فقهية، ضعيف العبارة. و وجهه انا لا نلتزم به بل الفرق بينهما هو كبروية وقوعها في النتيجة بمعنى ان نتيجة المسألة الاصولية كبرى كلية للصغريات و عليه لا اشكال لقاعدة لا ضرر من انها قاعدة اصولية دونت في الفقه و لقاعدة الطهارة انها قاعدة فقهية دونت في الاصول كما فعله الشيخ في الرسائل.

و ما بينه شيخنا الاعظم في وجه الفرق بينهما بان المسألة الاصولية لا يكون زمامها بيد المقلد بخلاف المسألة الفقهية فانها بيده فهو ايضا غير تام، لانه ينتقض بان الاستصحاب في الموضوعات مسئلة اصولية مع امكان اجرائه بيد المقلد و قاعدة ما يضمن قاعدة فقهية مع انه لا يفهم المقلد ماهيتها و مجريها.

فتلخص ان الملاك في تشخيص الفرق بينهما هو كون نتيجة المسألة كبرى كلية سارية في جميع الصغريات المترتبة عليها فهى اصولية، و ما لم يكن كذلك بل ان مدلولها منحصر في مفاد الحكم معينا فهى فقهية.

و مما بينا لك في تعريف علم الاصول يظهر لك غايته ايضا.

27

فى تعريف الوضع‏

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

تعريف الوضع‏

الوضع عبارة عن تعلق خاص بين طبيعى اللفظ و المعنى بجعل الواضع او استعماله بحيث كان اللفظ بذاته مستعدا لا حضار المعنى في ذهن السامع فيكون بنفسه علة تامة له، و ستطلع مزيد بيان فيه عند تحقيقه.

و هنا جهات من البحث‏

الجهة الاولى: [بيان تعريف الوضع‏]

في ان دلالة الالفاظ على معانيها هل تكون بالطبع اى بنفسها ذاتا لوجود علاقة و خصوصية بين اللفظ و المعنى المخصوص به لا توجد ذلك في غيره، او بتوسيط الوضع بمعنى ان الواضع اعتبر لفظا خاصا في قبال معنى مخصوص.

و الحق انها بالوضع لا بالطبع لانها لو كانت بالطبع لا بد و ان لا تختلف عند اختلاف الازمان و الامم بزيادة او نقصان او تغير في اللفظ.

نعم يمكن ان يكون اختيار الواضع لفظا خاصا بازاء معنى مخصوص لمرجح ما و ان كان اعتباريا لعدم امكان الترجيح بلا مرجح.

فما قيل من ان المرجح هنا يكون في ذات اللفظ و المعنى و ان لم يكن الواضع متوجها اليه، فاسد جدا لان الترجيح لا ينحصر بمرجح ذاتى بل هو

30

اعم و مكفى مجرد اعتبار الترجيح و لو عند الواضع بل و لا يعقل الترجيح الذاتى لانه قد يتفق التضاد و التناقض بينهما خصوصا على القول يكون اللفظ فانيا في المعنى، و ذلك فيما لو وضع لفظ واحد على شيئين متضادين او متناقضين معا كلفظ القرء للطهر و الحيض.

الجهة الثانية: [فى دلالة الالفاظ بالوضع‏]

في ان الواضع هل يكون هو اللّه تعالى او غيره من افراد البشر.

فقيل بانه هو اللّه تعالى، لانه لا مناسبة بين الالفاظ و معانيها ذاتا حتى توجب فهم المعنى من لفظه المخصوص به و معه لا يمكن ان يكون الواضع هو البشر لعدم احاطته بجميع الالفاظ و المعانى مع انه لو كان كذلك فلا بد و ان يكون التاريخ يضبطه اذ هو من الحوادث البشرية حينئذ و انه اثر له فيه.

فالجاعل هو تعالى و جعله بطريق الالهام فيكون ذلك برزخا بين الجعل التكوينى و التشريعى.

و لا يخفى ما فيه، لان ما ذكر دليلا للمدعى لا يثبته، اذ من الممكن ان يكون الواضع هو البشر و يتدرج حصول الوضع منه حسب احتياجاته فى الازمان كما نشاهده في عصرنا هذا عند حدوث المعانى الجديدة من الصناعات و الاختراعات و يوضع لكل واحد منها اسم مخصوص فلا معنى لاستناده الى اللّه تعالى و لا يكون للوضع ظهور شايع حتى يضبطه التاريخ بل يتدرج شيوعه و ربما كان شيوعه العام يحصل في زمان طويل.

فالتحقيق، ان وضع الالفاظ مستند الى البشر انفسهم و هو في الاعلام الشخصية واضح و في اعلام الاجناس بالنسبة الى المخترعات في هذه الاعصار ايضا واضح لا يحتاج الى توضيح، و اما بالنسبة الى غيرها من اسماء الاجناس و المشتقات فوضعها تدريجى من افراد متعددة من الواضعين حسب احتياجاتهم عند التعبير عن‏

31

مقاصدهم و لذلك ترى اختلاف الكلمات من حيث القلة و الكثرة في افادتها في المقصود و كذا تختلف حسب اختلاف الاقوام و الأزمان.

الجهة الثالثة: [فى حقيقة الوضع‏]

فى حقيقة الوضع و هى عبارة عن ربط خاص بين اللفظ و المعنى بجعل الواضع بحيث يكون اللفظ بطبيعته دالا على المعنى المخصوص به، فكان بينهما نحو ارتباط واقعية بالجعل و الانشاء فهذا الارتباط يكون نتيجة الفعل و الاثر الحاصل منه لانها اعنى حقيقة الوضع اختصاص و ارتباط حصل من فعل الواضع و هو اعتباره دلالة لفظ خاص على معنى مخصوص فهذا امر اعتبارى موجب للاثر.

و قد يكون الوضع الحقيقى بكثرة الاستعمال بمعنى ان الواضع كثيرا ما يستعمل لفظا في افادته لمعنى مخصوص حتى يصير علما لذلك المعنى بكثرة الاستعمال بحيث لو اطلق ذلك اللفظ يفهم منه هذا المعنى المخصوص.

فيكون الوضع على الطريق الاول تخصيص حاصل من الواضع و على الثانى تخصص يحصل من كثرة الاستعمال و هذا مراد المحقق الخراسانى قده بقوله- صح تقسيمه الى التعيينى و التعينى-.

و بهذا التقرير تكون حقيقة الوضع من المفاهيم القابلة للانشاء باقوال خاصة او بافعال مخصوصة فتكون اثرا من فعل الواضع او قوله لا انها نفس فعله و قوله، لان تلك المفاهيم المسببة لو كانت هى الاسباب بعينها لكان الاثر و المؤثر امرا واحدا و ان المنشا (بالفتح) و ما ينشأ به شي‏ء فريد و هو ليس بمعقول.

و عليه فيكون فعل الواضع هو التبانى منه في هذا الاستعمال و جعله هذا اللفظ لذلك المعنى، و اثره هو الربط الحاصل بينهما.

32

فلا يقال ان هذا الربط ليس بمقدور للواضع بل المقدور هو فعله و جعله لا اثر فعله. لانه مدفوع بان المقدور بالواسطة مقدور ايضا كما ان الممتنع بالاختيار لا ينافى الاختيار.

و لا يخفى انه لهذا الربط الخاص وجود واقعى في الخارج لا مجرد اعتبار محض، نعم لا يكون عينا في الخارج اى ليس له ما بازاء فيه كالبياض و السواد فوجوده الواقعى هو بمعنى ان العقل يدرك تحققه و حصوله و ان لم يدرك الحس لمسه.

و بعبارة اخرى ان الربط الواقعى بين اللفظ و المعنى موجود واقعا لانه عبارة عن الملازمة الخاصة بين طبيعى اللفظ و المعنى الموضوع له كسائر الملازمات الواقعية بين شيئين من الامور التكوينية كقولك الاربعة زوج و العدد الزوج ينقسم الى المتساويين، اذ الزوجية لازمة للاربعة و الانقسام لازم لها واقعا إلّا ان تلك الملازمة التكوينية ذاتية و هذه الملازمة بين اللفظ و المعنى جعلية اعتبارية بمعنى ان الاعتبار سبب لحدوثها لا انه مقوم لذاتها و حقيقة وجودها فيكون كلا الملازمتين موجودتين و ان كانتا تفترقان بالتكوينية الذاتية و الجعلية الاعتبارية.

فلا ينافى وجودها كونها ليست من مقولة الجوهر باقسامه و كذا لا تكون من المقولات التسع العرضية ايضا (1).

____________

(1) لان هذه المقولات متقومة بالغير في الخارج لاستحالة تحققها في العين من دون موضوع توجد فيه بل وجودها عين وجود الموضوع.

و هذا بخلاف وجود العلاقة المذكورة فانها قائمة على نفس طرفيها و ان لم توجد في الخارج عينا و لذلك يصح وضع اللفظ لمعنى لم يوجد ابدا كالدور و التسلسل في دلالتهما على معناهما.

و اما انها ليست من مقولة الجوهر فواضح لانه ليس لها وجود تكوينى في الخارج يشار اليه بل وجوده بسبب الاعتبار فقط.

33

ان قلت- هذا الربط اذا لم يكن واقعا اى محققا في الخارج و كان المعنى اجنبيا عن اللفظ فكيف يتحقق بمجرد الاعتبار و التصور.

قلت- ليس الوضع هو الاعتبار محضا بل اعتبار الواضع اللفظ الخاص لمعنى مخصوص موجب لفعله و هو جعله ذلك اللفظ لذلك المعنى بالقول او الفعل و هذا امر محقق في الخارج لا مجرد التصور، و اثره هو تحقق الربط بينهما واقعا في الخارج و ان لم يكن له ما بازاء في الخارج كالوجودات الحقيقية التكوينية، فيكون الامر هنا من باب توسعة الموضوع في الحكومة الواقعية كقوله (عليه السّلام) الطواف بالبيت صلاة-.

و اما التفتيش في ماهية هذا الربط و طرفيها و انه من أى مقولة كان، كما قالوا بان الوضع من مقولة كيف المسموع اذا كان لفظا او انه من مقولة الفعل اذا كان بالاستعمال او ان الوضع باعتبار مقدار اللفظ الدال من حيث كونه مفردا او مركبا من مقولة الكم او غير ذلك من الاحتمالات فهو خارج عما هو المهم لنا بعد تفسير الوضع و تحقق وجود الربط و الملازمة بين اللفظ و معناه حسب الوضع.

فان قلت- ان الربط المجعول لا يكون له وجود في الخارج بل هو مجرد الاعتبار عند معتبره و الداعى اليه هو قصد التفهيم عند الحاجة لعدم امكانه بدونه، و يؤيده اطلاق اللفظ على معناه عند قوم و لا يطلق بل لا يفهم هذا المعنى من ذلك اللفظ قوم آخرون مثل لفظ الماء فانه يطلق على الجسم السيال المخصوص عند العرب مع ان العجم لا يطلقونه عليه و يستعملون لفظا آخر مكانه و هكذا ساير الامثال.

قلت- لا اشكال في تحقق وجود الربط و الملازمة بينهما في الخارج على ما ذكرنا و اما الاعتبار فهو سبب لحدوثه لا مقوم له و اما السر في اختلاف الاقوام فهو واضح لان الموجودات التى يكون الاعتبار علة لوجودها لا عين وجودها فهى موجودة عند من علم بالاعتبار كالملكية لزيد مثلا بعد تملكه.

ان قيل الربط الوضعى حقيقة تنزيلية بمعنى ان وجوده في عالم الاعتبار ينزل‏

34

منزلة وجود امر واقعى خارجى، و ذلك لان الموجود على قسمين احدهما وجود عينى واقعى كوجود التكوينيات في الخارج كالجواهر و الاعراض، و ثانيهما وجود اعتبارى بمعنى ان وعائه في عالم الاعتبار فله وجود إلّا انه كسائر الامور الاعتبارية من الشرعية و العرفية، فالوضع الحقيقى كوضع العلم و نصبه على رأس الفراسخ لوجوده عينا في الخارج و الوضع الاعتبارى كوضع لفظ لمعنى لدلالته عليه و ينزل هذا الوضع منزلة الوضع الواقعى فهذا وضع ادعائى و وجود تنزيلى.

قلت- ان حقيقة الوضع هنا هو ربط اللفظ بالمعنى لا جعله عليه ادعاء و هذا امر واقعى حقيقى سواء كان سببه ادعاء جعل اللفظ على المعنى او اعتبار ان اللفظ له وجود تنزيلى او غير ذلك كسائر الامور الواقعية.

و بما ذكرنا يظهر فساد ما قيل، من ان الربط الوضعى ليس في اختيار الواضع فلا يصح استناده اليه لان كل واحد من اللفظ و المعنى اجنبى عن الآخر و معه لا محيص إلّا عن تعهد الربط و هو في اختياره و معناه ان الواضع يعاهد مع نفسه او مع غيره بان هذا اللفظ لهذا المعنى في الدلالة عند الاستعمال.

ثم اشكل عليه بان مبنى التعهد يلزم الدور.

و ذلك لان وضع اللفظ للمعنى و دلالته عليه متوقف على التعهد بينهما حتى يحصل العلاقة و لا يوجد ذلك العهد إلّا مع الوضع، انتهى.

و اما وجه فساده هو ان الوجدان حاكم بتحقق الربط في الخارج و إلّا فمجرد التعهد امر لا يتجاوز عن حد التصور بل و لا بد من تعلق الارادة بحصول الربط و لا يمكن تعلقه بالارادة إلّا اذا كان امرا ممكنا و اختياريا للواضع و معه لا وجه لكون الربط مجرد البناء و التعهد بل هو امر واقعى مجعول بينهما بارادة الواضع.

و اما جواب الدور فهو واضح ايضا لان المتوقف على العهد هو الوضع الشخصى و المتوقف عليه العهد هو طبيعى اللفظ و المعنى و الاستعداد الكلى في قبول التعهد كاف في صحة الوضع في افراده و اشخاصه و ان لم يكن الاستعداد موجودا فيها بنحو

35

القضية الشخصية.

فملخص الكلام ان حقيقة الوضع امر حقيقى واقع في الخارج نوع وقوع و تحقق و ان كان سببه اعتبار الواضع فلا يكون هواى الوضع عين الاعتبار بعناوينه الثلاثة من اعتبار محض عند معتبره او اعتبار تنزيلى او اعتبار تعهدى على ما عرفت.

(و اما) ما ذكره المحقق الخراسانى بقوله- الوضع هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى- لطيف منه جدا اذ هو (ره) كثيرا ما يعبر عن ما هو المشكل واقعا بعبارة موجزة مبهمة و ينصرف من غير توضيح و توشيح.

فمراده (قدس سرّه) من هذه العبارة ان الوضع كان من مقولة الفعل لانه فعل من افعال الواضع بمعنى ان الواضع جعل اللفظ الكذائى للمعنى الكذائى و يخصصه به.

و كان الانسب بهذا المقصود تعريفه بهذه العبارة- تخصيص اللفظ بالمعنى- لا قوله (الاختصاص) فلا بد و ان يكون الباعث له في هذا التعبير تقسيمه اى الوضع الى التعيينى و التعينى.

و بهذا يندفع اشكال الدور عن الوضع الحاصل بكثرة الاستعمال، و حاصل الاشكال هو ان الاستعمال يكون في طول الوضع و معه لا يصح القول بان الوضع يتحقق بالاستعمال و إلّا فهو دور واضح.

و بيان اندفاعه هو ان الوضع و ان كان في هذه القضية الشخصية متوقف اعلى الاستعمال إلّا ان الاستعمال الوضعى كلى لا يتوقف بهذا الوضع الشخصى بل هو متوقف على الوضع الكلى المتعلق بطبيعة اللفظ و المعنى فحصل الافتراق بين طرفى الدور.

هذا كله في تفسير حقيقة الوضع و قد عرفت المختار من بين الاحتمالات و الاقوال و انه امر واقعى مجعول في الخارج.

36

الجهة الرابعة: [فى بيان اقسام الوضع‏]

فى بيان اقسام الوضع و ما وضع له اللفظ فالوضع باعتبار نفسه ينقسم الى قسمين و باعتبار ما وضع له اللفظ اعنى الموضوع له ينقسم الى اربعة اقسام.

(اما الاول) اعنى تقسيمه باعتبار نفسه، فهو اما وضع شخصى و اما نوعى.

اما الشخصى فهو كوضع الجوامد مثل لفظ زيد موضوع لشخص معين.

اما النوعى فهو كوضع احد جزئى اللفظ اعنى الهيئة او المادة لمعنى كلى و يكون الوضع هنا قانونيا و ذلك كوضع هيئة الفاعل الموضوع لنسبة الحدث الى فاعله في اى مادة كانت و كوضع مادة ضرب للحدث المعروف في اى هيئة كانت هيئة الماضى او المستقبل او الحال.

(اما الثانى) اعنى تقسيمه باعتبار الموضوع له اللفظ فهو ينقسم الى أربعة اقسام.

لان وضع لفظ لمعنى يحتاج الى تصور ذلك المعنى الموضوع له اللفظ و هذا المعنى المتصور عام تارة و خاص اخرى و في كلا الصورتين يكون الوضع ايضا عاما تارة و خاصا اخرى فيصير الاقسام اربعة، الوضع العام و الموضوع له العام، الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، الوضع العام و الموضوع له الخاص، الوضع الخاص و الموضوع له العام.

اما الاول- اى الوضع العام و الموضوع له العام فهو بمعنى ان الواضع يتصور المعنى الكلى حين الوضع القابل لانطباقه على كثيرين و يضع اللفظ بازائه سواء تصور ذلك المعنى بحقيقته بالحد التام او بالحد الناقص او بالعنوان المشير مثل العالم بحيث لا يكون العنوان داخلا في المعنون فيكون المعنى هنا حقيقة كلية جامعة لجميع افراده في الخارج كالانسان فهذا القسم نظير القضية الطبيعية حيث ان المحمول ثابت للطبيعى و كذا الوضع ايضا لطبيعى المعنى الذى يصدق على الكثيرين‏

37

كما في اسامى الاجناس مثل الانسان و الحيوان و هكذا فيكون الوضع عاما و الموضوع له كذلك.

اما الثانى- اى الوضع الخاص و الموضوع له الخاص هو ان يتصور الواضع معنى جزئيا شخصيا حين الوضع فيضع اللفظ بازاء ذلك المعنى الشخصى نظير وضع الاعلام الشخصية مثل زيد و عمر و خالد.

اما الثالث- اى الوضع العام و الموضوع له الخاص و هو ان يتصور معنى عاما حين الوضع يصدق على كثيرين من افراده بحيث يكون العام عنوانا مشيرا لافراده و عرفانا للوصول الى مصاديقه و لكنه اى الواضع مع ملاحظته ذلك المعنى الكلى العام لا يضع اللفظ لذلك العام بل يضع لخصوص افراده فيكون الموضوع له خاصا مع كون الوضع عاما مثل اسماء الاشارة و الضمائر و الموصولات و الهيئات و وضع الحروف ايضا على ما قيل.

إلّا انه باطل بمعنى ان هذا القسم لا يتحقق في الخارج فلا يتجاوز عن حد التصور و المتحقق هو الوضع العام و الموضوع له العام و هذا القسم ايضا من افراده، و ذلك لان العام بما هو عام لا يمكن ان يكون وجها للخاص اذ المفاهيم جزئية كانت ام كلية لا تحكى الا عن نفسها فيستحيل ان تحكى عن غيرها فكما ان دلالة مفهوم الخاص على العام لا يمكن فكذلك العكس ايضا لما بيناه.

و اما استعمال العام في الخاص في موارد كثيرة مثل قوله تعالى‏ وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏ بتقريب ان لفظ الرجل وضع عاما و الموضوع له اللفظ هنا خاصا و هو افراده على البدل، لا يدل على كون الموضوع له خاصا عند الوضع بل هو عام مطلقا كالوضع و الخصوصيات الفردية تفهم من الخارج من دال آخر من القرائن الحالية او المقالية فمجيئه من اقصى المدينة قرينة تدل على الفرد الشخصى فى هذا المثال لا كون اللفظ موضوعا للشخص.

فلا يمكن تصور الموضوع له خاصا مع كون الوضع في مورده عاما لعدم‏

38

حكاية شي‏ء منهما عن الآخر حتى يمكن الوضع بعد تصوره.

نعم يمكن ان يتاتى هذا القسم من الواضع بواسطة عنوان مبهم الذى وضع للحكاية عن الامور الخاصة الواقعة في الخارج مثل عنوان الشبح لما يتراءى من بعيد.

و توضيحه ان المفاهيم الكلية على انحاء الاول مفاهيم كلية متأصلة مثل مفاهيم الجوهر و العرض كالحيوان و الانسان و البياض و السواد و نحو ذلك مما يكون العنوان هو الجهة الجامعة بين الافراد و لا يحكى هذا المفهوم الا عن نفسه، الثانى مفاهيم كلية منتزعة عن الافراد باعتبار اتصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها مثل مفهوم ابيض و عالم مما له ما بازاء في الخارج و مثل الامكان و الامتناع و الفوق و امثالها مما ليس لها ما بازاء في الخارج و هذا المفهوم ايضا لا يحكى إلّا عن نفسه، الثالث مفاهيم كلية منتزعة من الخصوصيات الخارجية التى بها يحصل التشخص الخارجى و ذلك مثل الفرد و الشخص و المصداق مما يكون العنوان حاكيا عن بعض الجهات و مثل عنوان الشبح لما يتراءى من بعيد مما يكون العنوان حاكيا عن جميع الجهات او اكثرها. و يفارق هذا الاخير عن القسمين السابقين باعتبار انه مشير الى الفرد في الخارج لخصوصية الانطباق بخلاف السابقين فانهما يحكيان عن المفهوم الكلى من غير اشارة الى الفرد.

و هذا القسم الاخير اى الكلى المنتزع عن الخصوصيات الخارجية للافراد يحكى في مقام اللحاظ عن الافراد و المصاديق بوجه و على الاجمال لان الكلى وجه لافراده و تصوره في نفسه تصور لها بوجه.

فما قاله المحقق الخراسانى، من ان معرفة الشي‏ء بوجه يكون معرفته بوجه فيكون العام وجها للخاص بوجه فيصح وضع لفظ الحيوان لمثل زيد الخارجى، لا يصح بنحو القضية الكلية.

لان انحاء العام على ما عرفت ثلاثة و ما كان مرأة للخاص هو القسم الاخير اى‏

39

المبهم دون الاولين‏

اما الرابع- و هو ان يكون الوضع خاصا و الموضوع له عاما بمعنى ان الواضع حينما اراد الوضع تصور معنى خاصا اى ما يمتنع فرض صدقه على كثيرين ثم يضع اللفظ بازاء المعنى الكلى العام، كما اذا لاحظ الفرد بما انه كاشف عن الطبيعى و انه فرد منه مثل زيد من حيث انه انسان فيوضع لفظ زيد لمفهوم الانسان.

و لا يخفى عليك انه باطل لكونه محالا بالضرورة اذ العقل لا يرى ان الخاص بما هو كذلك وجها للعام بما هو عام لان الخصوصية المقومة للخاص تناقض العموم.

فتحصل مما ذكرناه ان الممكن في مقام الثبوت بين اقسام الوضع اثنان و هما الوضع العام و الموضوع له العام، الوضع الخاص و الموضوع له الخاص و اما الوضع العام و الموضوع له الخاص و كذا الوضع الخاص و الموضوع له العام فغير ممكن التحقق لعدم كون العام بما هو كذلك وجها للخاص و كذا العكس عند التحقيق.

هذا ثبوتا و اما اثباتا و تحققا في الخارج فانه لا شبهة من وقوع الوضع العام و الموضوع له العام مثل وضع اسماء الاجناس و كذا لا شبهة من وقوع الوضع الخاص و الموضوع له الخاص مثل وضع الاعلام الشخصية.

كما لا شبهة في عدم وقوع القسم الرابع اى الوضع الخاص و الموضوع له العام لما عرفت من عدم امكانه.

و اما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد توهم قوم انه ممكن بل انه واقع في الخارج و توهموا انه مثل وضع الحروف و ما يشابهها من اسماء الاشارة و غيرها لان الواضع حين وضعها توجه الى المعنى الكلى العام لكنه وضع اللفظ بازاء مصاديق ذلك العام و افراده و هذا معنى الوضع العام و الموضوع له الخاص.

إلّا انه توهم فاسد و ان وضع الحروف و اخواتها ليس كذلك بل كان من قبيل القسم الاول اى من الوضع العام و اما الخصوصيات الفردية خارجة عن ذات‏

40

المفهوم الموضوع له اللفظ فما يتبادر من اللفظ عند الاطلاق هو الكلى المنطبق على جميع افراده و تبادر الحصة في بعض الموارد فهو باعتبار وجود قرائن حاصلة فى المقام سواء كانت حالية ام مقالية و موارد استعمالات اسماء الاشارة و غيرها و كذا استعمالات الحروف من هذا القبيل لا كما توهمه القائل، فلا بد لنا من التوضيح و التحرير في المعنى الحرفى و اخواته حتى يتضح الحال.

***

41

فى المعنى الحرفى‏

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

المعنى الحرفى‏

و تحقيق المقام فيه يحتاج الى بسط الكلام في مقامات.

المقام الاول في المعنى الحرفى‏

و كان الاحتمالات بل الاقوال هنا كثيرة:

القول الاول: [ان الحرف لا معنى له اصلا ...]

هو ان الحرف لا معنى له اصلا بل علامة على خصوصية في مدخوله فيكون حاله كحال الاعراب من الضمة و الفتحة و الكسرة فان الكلمة في بعض الاحوال معروضة للضمة و في بعضها معروضة للفتحة و في بعضها الآخر للكسرة و كل واحد منها يدل على وجود خصوصية في مدخوله و هو علامة عليها.

و الحروف كذلك فان الدار مثلا اذا لوحظت مع العوارض كما اذا كانت ظرفا او مبدأ للحركة او غير ذلك تحتاج الى جعل علامة فانها اذا كانت ظرفا لزيد فتكون العلامة على الظرفية لفظ (في) و كذا اذا كانت مبدأ للحركة تكون علامتها لفظ (من) و غير ذلك من العلائم.

فالحروف علامات كعلامات الاعراب من حيث انها لا تفيد معنا الا مجرد كونها علامة لتلك الخصوصيات الملحوظة (1).

(و فيه) ان الحروف كانت تدل على ربط خاص و نسبة خاصة بين طرفيها

____________

(1) هذا القول منسوب الى نجم الائمة الشيخ المرتضى.

44

فالظرفية في مثل قولنا زيد في الدار تستفاد من لفظ في اذ لا يخلو ان الدال عليها اما هو لفظ زيد او لفظ الدار او الهيئة المركبة او لفظ في و لا شك في ان هذه الالفاظ موضوعة لذوات المعانى فقط و تلك الخصوصية اى الظرفية خارجة عن مفهوم ذلك الالفاظ و اما الهيئة المركبة فلا شأن لها في الدلالة عليها بل شانها مجرد التطبيق فيبقى الثالث و هو ان الدال على الظرفية لفظ (في) فهذا في الحقيقة اعتراف من القائل بعد التحليل.

و هكذا ساير الحروف في دلالة كل واحد منها على خصوصية في الكلام كما ان حركات الاعراب ايضا كذلك اذ حركة الرفع تدل على فاعلية الفاعل و حركة النصب تدل على مفعولية المفعول و هكذا.

القول الثانى: [انه لا فرق بين المعنى الاسمى و المعنى الحرفى ...]

انه لا فرق بين المعنى الاسمى و المعنى الحرفى لا في ناحية الوضع و لا في الموضوع له من كون كل واحد منهما يدل على معنى مستقل في نفسه و ان ما يدل عليه لفظ- من- فهو بعينه ما يدل عليه لفظ- الابتداء- بمعنى ان الوضع و الموضوع له كل واحد منهما يكون عاما غاية الامر ان الواضع تعهد في نفسه حين الوضع بان لفظ الابتداء استعمل في المعنى استقلالا و لفظ من استعمل فيه آليا.

و بعبارة اخرى ان الواضع وضع الحروف لتكون آلة لملاحظة حال مدخولها بخلاف الاسماء فانها تلاحظ مستقلا فلفظ من و لفظ الابتداء كليهما موضوعان لمعنى الابتدائية إلّا ان الواضع فرق بينهما في الاستعمال و تعهد بان استعمال الاول عند كون المعنى آلة للربط و الثانى عند كونه مستقلا في نفسه و هذا التعهد قيد للوضع خارج عن محيطه و لمكان هذا القيد لا يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر و هذا قول اختاره المحقق الخراسانى.

45

و قد اشكل عليه شيخنا الاستاد (ره) من ان الموضوع له في الحروف لا يخلو اما مستقل اى عام موجود في نفسه كما في مفهوم الاسم او غير مستقل اى مقيد بالالية و إلّا لزم ارتفاع النقيضين و لا جامع بين النقيضين حتى يكون هو الموضوع له، فان كان الاول فيستلزم صحة استعمال احدهما مكان الآخر مع انه لا يصح عند القائل و ان كان الثانى فهو مع كونه خلاف المطلوب لا بد و ان يصح استعماله مكان الاسم مجازا لكونه حينئذ تجرد عن القيد مع كونه لا يمكن ايضا انتهى.

و هذا منه في الحقيقة اشكالان.

الاول- معنى الحروف بعد الفرض عن كونه لا يكون آليا لا بد و ان يكون مستقلا كما هو المدعى و إلّا يلزم ارتفاع النقيضين و مع الالتزام باستقلاله يلزم صحة استعمال احدهما مكان الآخر.

الثانى- ان دعواه عدم جواز استعمال الحروف مكان الاسماء من حيث المفهوم و كذا العكس ان كان مستندا الى جعل الواضع من لحاظ المعنى آليا فهو لا يخلو اما قيدا للموضوع له و لازمه جواز استعماله مكان الاسم مجازا لتجرده عن القيد، و ان كان شرطا في الاستعمال فلا دليل على وجوب وفائه لان الاستعمال بدون الشرط لا يلزم خروج المعنى المستعمل فيه عن الموضوع له و هو الكلى فيصح الاستعمال بلا محذور التجوز.

هذا تمام الاشكال من الاستاذ إلّا انه مخدوش عندنا.

اما الاول فلان عدم امكان خلو شي‏ء عن قيد و نقيضه باعتبار، لا ينافى عدم تقييده بشي‏ء منهما باعتبار آخر. و ذلك لان الالية و الاستقلالية تكونان من شئون الاستعمال لا من شئون الموضوع له حتى يلزم القول بارتفاع النقيضين عند ارتفاعهما فالموضوع له لا يكون مقيدا بالاستقلال و لا الالية و التبعية و حينئذ يكون الموضوع له هو الماهية البسيطة المهملة في حد نفسها قد تجتمع مع الف شرط. و اما السرّ في عدم استعمال كل واحد منهما مكان الآخر فهو ان غرض‏

46

الواضع متبع كالوضع فاذا كان الواضع راى المعنى عاما و وضع اللفظ على ذلك إلّا انه رأى استعماله في مورد يكون المعنى آلة و حالة للغير و في مورد آخر مستقلا فيجب ان يتبع لان موارد حاجة الاستعمال سبب لجعل الوضع و السبب كما انه قد يعمم فكذلك انه قد يخصص، فلا يجوز استعمال احدهما مكان الآخر.

اما الثانى فلان الواضع جعل العلقة الوضعية بين اللفظ و المعنى بالوضع فله ان يضيق العلقة و يوسعها تبعا لسعة غرضه الداعى الى الوضع و ضيقه فلما كان غرضه في وضع الحروف استعمالها عند لحاظ المعانى آلة للغير فلا محالة يتحقق تضييق في دائرة ذلك العلقة لان المعلول لا يمكن ان يكون اوسع من علته. و حينئذ يكون الموضوع له في لفظ من هو معنى الابتداء في هذا الحال لكنه لا بنحو التقييد بل انه حصة من حصص طبيعى الابتداء و حصته الاخرى هى مدلول لفظ الابتداء التى تلاحظ مستقلة.

و اما عدم استعمال احدهما مكان الآخر و لو على نحو المجاز فلان عدم صحة الاستعمال تابع لعدم المسوغ له اذا الاستعمال تابع للغرض و هو يتدرج في لحاظ الالية و الاستقلالية في معنى الابتداء و لا معنى لاستعمال احدهما مكان الآخر مع عدم حصول الغرض و لو على المجاز لانتفاء وجود العلاقة بين المعنيين لوجود الاتحاد بينهما و هو طبيعى الابتداء و الالية و الاستقلالية حصتان من ذلك الطبيعى.

و الحاصل ان وضع الحروف كالاسماء من كونها بمعنى الطبيعى العام و اختصاص الحروف بمورد في الاستعمال فهو باعتبار تحصيص الطبيعى بحصص متعددة لتوسعة الغرض و تضييقه فالمقام من باب الوضع العام و الموضوع له العام بلا اشكال، هذا.

و لكنه قد اعترض عليه استادنا المحقق العراقى بان المعنى العام لا يمكن ان يكون في مقام اللحاظ مرآة لخصوصيات الافراد لما مر من ان العام بما هو كذلك لا يكون إلّا وجها لمفهومه العام لا الخاص، فالحروف اذا كانت موضوعة للمفهوم الكلى‏

47

لا يمكن ان تكون وجها لفرد خاص منه و هو ما يكون آلة و حالة للغير فلا محالة اما ان يكون الحروف مرأة عن الجهة الجامعة فقط و تحكى عنها مع انها خلاف الوجدان بل الوجدان حاكم بكون الحروف موجب لتصور الخصوصيات الجزئية، و اما ان تكون موضوعة لتلك الخصوصيات و هو خلاف المدعى.

و قد اجاب عنه (قدس سرّه) انه لا اشكال في وضع الحروف كالاسماء من كون الموضوع له فيها عاما و هذا هو الجهة الجامعة بين الافراد فدلالة الحروف على الخصوصيات لا باعتبار كونها موضوعة لها بل باعتبار انها مثل القضية الحقيقية و ان موارد الخصوصيات من موارد صدق القضية و فردا منها فيصدق عليها صدق الكلى على افراده، انتهى.

و لا يخفى ما فيه من التامل لما سيجى‏ء من عدم تحقق جامع اسمى بين الاسماء و الحروف.

القول الثالث: ان الحروف معناها يباين معنى الاسماء ذاتا و صفة.

و توضيح ذلك هو ان الموجود في العين قسمان اما يكون وجوده مستقلا لا يحتاج في تحققه الى موضوع كالجواهر و اما يكون غير مستقل يحتاج اليه كالاعراض.

فكذلك المفاهيم الذهنية فقسم منها يكون من قبيل الجوهر يوجد صورته في الذهن من غير توقف الى مفهوم آخر كمفهوم البصرة و الكوفة و الدار و زيد و كلفظ الابتداء و الانتهاء و غير ذلك من مفاهيم الالفاظ فمعنى اللفظ هو نفس تلك الصورة عند الذهن، و قسم منها يكون حاله حال الاعراض الخارجية لا يمكن وجوده الا في موضوع بل كانت حالات لمفاهيم اخرى و ذلك كمفاهيم الحروف لانها لا توجد الا حالة للغير عند النفس فتكون هذه مغايرة لمعنى الاسماء ذاتا و كذا صفاتا.

48

امّا تغايرها ذاتا فلان الاسماء كانت مستقلة في دلالتها في المفهوم و لا يحتاج حصولها في الذهن الى امر آخر بخلاف الحروف فهى ربط بين المعانى الاسميّة فلا يوجد في الذهن الا حالة للغير.

و امّا تغايرها صفاتا فلان المعنى الاسمى مقصود بنفسه للافادة فيكون اخطاريا ملحوظا بنفسه لنفسه و المعنى الحرفى ملحوظ بنحو اللحاظ المقدمى في افادة المعنى المقصود فيكون ايجاديا.

(و فيه)- انه ليس فيهما اختلاف بحسب الوصف بمعنى ان الحروف ايضا اخطارية كالاسماء و ذلك لان الحرف واقع بين الموضوع و المحمول لحصول الربط بينهما اذ المعانى التى تصورها النفس اما ان تكون مرتبطة بعضها ببعض اولا فان كان الاول فالربط بالحروف تحصيل الحاصل و ان كان الثانى فلا يعقل إلّا احداث الربط لان الموجود لا ينقلب عما هو عليه و لكنه يمكن ان يفنى و يحدث له وجود آخر فالاسماء اذا كانت مستقلّة في التصور لا يمكن ان ترتبط بعضها ببعض مثل زيد الذى يتصور مستقلا و كذا لفظ الدار و لكنه يمكن ان يفنى هذا الوجود و يحصل له وجود آخر و هو وجود رابطى بمعنى وجود اللفظ مع قيد يدل على الربط بينه و بين غيره و الدال على هذا الربط هو الحرف فيكون الحرف يحكى عما يقع خارج الموضوع و المحمول لان للقيد وجودا غير وجود ذات المقيد و ان كان القيد من الموجودات الذهنية.

مع ان الربط هنا له وجود في الخارج لانا اذا راجعنا الى وجد اننا رأينا انه فرق واضح بين تصور زيد و الدار مجردا عن الربط بينهما و بين تصورهما مرتبطا فيكون بينهما في هذه الصورة علاقة نحو علاقة في خارج المحمول في العين فيكون هذا القيد من الامور العينية اى من المحمولات بالضمائم.

فتحصل ان الحروف ايضا كالاسماء تحكى عما وقع في الخارج فتكون اخطارية في المعنى ان كانت انشائية كالاستفهام و التمنى و التشبيه على ما سيأتى بيانه قريبا إن شاء اللّه.

49

القول الرابع: [احتمال التفصيل بين الحروف ...]

احتمال التفصيل بين الحروف بان بعضها ايجادية في المفهوم كالنداء و التمنى و الترجى و بعضها الآخر اخطارية مثل من و إلى و على.

و ذلك لان ما كان من الحروف مفهومه حاكيا عما وقع في الخارج مثل زيد في الدار او سرت من البصرة الى الكوفة او زيد على السطح فهذه معانى اخطارية لانها تحكى عما وقع في الخارج و توجب حصول صورته في الذهن فيكون هذا القسم مثل الاسماء من حيث الذات و الصفات، و اما ما كان من الحروف لا تحكى عما هو في الخارج بل لايجاد المعنى بنفس استعماله كالفاظ النداء و التشبيه و التمنى و غيرها مما يكون كذلك اذ لا حقيقة لكل واحد منها قبل الانشاء حتى تحكى عنها بل ماهيتها توجد بنفس استعمال هذه الالفاظ فهو من المعانى الايجادية (1).

(و فيه) ان معانى الحروف كلها اخطارية تحكى عن الخارج إلّا ان المدلول في بعضها واضح في الافادة عما هو في الخارج مثل من و إلى و في بعضها خفى لعدم ذلك الوضوح مثل التشبيه و التمنى.

و غاية ما يمكن في توجيه ايجادية معاينها هوانها بعد التلفظ توجب حدوث فرد في الخارج من المفهوم الكلى مثلا اذا قال يا زيد، اوجد فردا من النداء في الخارج و هكذا ساير الحروف و الادوات و هذا المعنى لا شبهة في وقوعه إلّا انه ليس معنى النداء لان معناه ليس هو الجزئى الحقيقى الخارجى لما علمت من ان الموضوع له فيها عام كلى كالوضع، فمعناه هو الكلى الذى يحضر في الذهن عند سماعه و هو المدلول عليه و الموضوع له اللفظ بذاته نعم هذا الكلى ينطبق على هذا الفرد الخارجى بالقرائن الحالية او المقالية، فالوجود التشخصى الجزئى مدلول‏

____________

(1) هذا القول منسوب الى صاحب الحاشية.

50

عليه ثانيا و بالعرض و قد تبين لك مما قدمناه ان للحروف معانى موضوعة كالاسماء فى التحقق و ان كانتا تفارقان ذاتيا.

هذا، و قد يمكن ان يكون مراد القائل من الانشائية ان هذه الحروف و الادوات تنشأ مفهوم الربط من صقع الواقع بمعنى ان لفظ من مثلا يوجب حدوث معنى الابتداء و ايجاده لتحقق الربط بين معانى الاسماء.

و لكنه باطل ايضا لما علمت ان للحروف مفهوما كليا متحققا فى صقع الواقع إلّا ان تطبيقه فى الخارج يحتاج الى موارد جزئية و لا فرق بين قولنا زيد فى الدار او كان زيدا اسد من حيث الاخبارية و الانشائية. فالحروف كلها اخطارية تحكى عن نفس الصورة التى هى موضوعة لها و تشارك الاسماء من هذه الجهة و اما تطبيقها على الموارد الجزئية الخارجية فهو ليس معنى الحروف بالذات ابتداء نعم يكون مدلول عليه ثانيا و بالعرض و لا بأس به.

القول الخامس: [ان المعنى الحرفى يكون آلة فى الكلام لارتباط الطرفين ...]

ان المعنى الحرفى يكون آلة فى الكلام لارتباط الطرفين فيكون من سنخ النسب ملحوظا تبعا لملاحظة متعلقه و لا يكون مغفولا عنه فحينئذ كانت الحروف مباينة للاسماء فى المعنى ذاتا إلّا انها مثلها تقريرا و تحققا فى الخارج و لو تبعا.

فلفظ من مثلا يكون لنسبة الابتدائية بين السير و البصرة و ذلك لان السير بدل على مجرد الحدث المنسوب الى السائر و البصرة ايضا لا تحكى الا عن مكان معين فلا يبقى فى الكلام ما يدل على النسبة الابتدائية إلّا لفظ- من- و هكذا لفظ- الى- فى النسبة الانتهائية و كذا ساير النسب الواقعة فى الكلام.

(و التحقيق) عندنا هو الاخير و ان المعنى الحرفى لا يزيد عن معنى النسب و الارتباطات القائمة بالطرفين فيكون له مفهوما و لمفهومه وجود غير وجود طرفيه‏

51

فدلالته على المفهوم مستقل بنفسه كالاسماء و اما موارد تحققه فى الخارج يحتاج الى الطرفين‏ (1).

القول السادس: ما ذهب اليه شيخنا الاستاذ النائينى.

و حاصله ان الحروف ايجادية محضة موجدة لمعاينها فى موطن الاستعمال و ان كان الوضع فيها عاما و كذلك الموضوع له، إلّا انه ليس كوضع الاسماء بل ان المعنى الحرفى بعد استعماله و وقوعه نسبة بين الطرفين يلغى جهة خصوصية مورد استعماله و به يصير المعنى كليا فيوضع اللفظ لذلك الكلى فيكون الوضع و كذا الموضوع له عاما، انتهى.

و قد بنى الاستاذ (قدس سرّه) مذهبه هذا على اربعة اركان.

الاول- ان المعانى الحرفية ايجادية لا اخطارية على التفصيل الماضى و معنى الايجادية هو ان الحرف لا يحكى عن نسبة ابتدائية مقررة فى الواقع كالمعانى الاسمية بل هو موضوع لايجاد النسبة في موطن الاستعمال فالحروف آلات لذلك النسب.

____________

(1) و لا يخفى عليك ان الهيئات ايضا مثل الحروف فى انها تدل على انحاء النسب و الارتباطات بين اجزاء القضية على اختلاف انحاء النسب من الصدورية و الوقوعية و القيامية و الحالية و الايجادية و الطلبية سواء كانت الجملة اسمية او فعلية او شرطية او حملية خبرية ام انشائية. و السر فى ذلك ان تحقق القضية لا يمكن إلّا بان يكون لها فرق واضح بين الموضوع و المحمول و لو كان اعتبارا و الربط بينهما قد يكون خارجا عن الموضوع و المحمول اذا كان له وجود فى الخارج و قد يكون عين وجودهما فى الكيفية و اليه يشير قولهم فى المنطق تقسيم القضية الى الثلاثية و الثنائية فالقضية الثنائية لها رابط إلّا ان وجوده فى عالم اللحاظ و الذهن لا الخارج و الدال على هذا الربط هو الهيئة الكائنة للقضية او الاعراب على ما صرح به الاستاذ.

52

الثانى- ان معانى الحروف قائمة بغيرها لا استقلال لها فى ذاتها بمعنى ان الحروف ما دلت على المعانى فى غيرها عند الاستعمال.

الثالث- ان تلك المعانى لا موطن لها الا موطن الاستعمال.

الرابع- ان معاينها مغفول عنها حال ايجادها فكما ان الاسماء مرأة للمعانى و انما الملاحظ حين الخطاب هو المرئى محضا فكذا الحروف لانها لا موطن لها لا فى الخارج و لا فى الذهن و لا فى الاعتبار فلا وجود لمعاينها قبل الاستعمال.

و نتيجة هذه الاركان ان معانى الحروف مجرد النسبة بين الطرفين حال الاستعمال فلا اطلاق و لا تقييد فى هذا الحال إلّا ان الطرفين غير داخلين فى مفهوم الحرف حتى يكون المفهوم خارجا و تقومه بالطرفين انما هو فى مقام الاستعمال لا فى مقام تجوهره و تقرره و حينئذ بعد تعرى الطرفين عن مفهوم الحرف الواقع بينهما يكون مفهومه كليا عاما فيكون كالعرض فى كونه متقوما بالغير فى الخارج و هذا معنا قولهم ما دل على معنى فى غيره و معنى الكلية هنا لا يكون بمعنى الصدق على الكثيرين كما هو مفهوم الكلية فى الاسماء بل المراد هو خروجه عن تقيده بالطرفين فيصير هو مستقلا كليا، هذا.

(و لكن) فيه اشكال واضح و هو وجود التناقض اذ بعد الفرض عن عدم تقرره الا موطن الاستعمال فكيف يمكن التعرى عن الطرفين و التقرر بدونهما، ثم انه بعد فرضه جزئيا فى حال الاستعمال كيف يمكن فرضه كليا فى ذلك الحال و لو مع التعرى عن الطرفين.

هذا بيان الاقوال مع ما فيها من الاشكال.

بيان المختار:

و اما المختار فى المقام هو ان الوضع فى الحروف عام كما ان الموضوع له فيها كذلك و هى فى نفسها مستقلة فى افادة المعنى الموضوع له كالاسماء إلّا ان‏

53

تحققه فى الخارج يحتاج الى المتعلق و الخصوصية تؤخذ من القرائن الخارجية لا انها من مقومات الموضوع له.

و تفصيله- ان الموجود الممكن فى الخارج قد يكون من الجواهر و قد يكون من الاعراض و العرض اما يكفى فى تحققه موضوع واحد مثل الكم و الكيف و اما لا يكفى ذلك بل يحتاج تحققه الى موضوعين كالإضافة و مع الفحص عن كيفية دلالة الفاظ الاسماء و الحروف على المعانى ينكشف ان الاسماء من قبيل الاول و الثانى بمعنى ان بعضها يدل على المفهوم الجوهرى و بعضها يدل على المفهوم العرضى التى يكفى فى تحققه موضوع واحد و اما الحروف فهى من القسم الاخير فقط لانها تدل على الاعراض الاضافية نسبتها بين الموضوع و المحمول و يعبر عنها بالوجود الرابطى لكونها اعراضا لموضوعاتها فدلالة الحروف على معانيها مستقلة لا تحتاج الى المتعلق كالاسماء إلّا ان تحققها فى الخارج لا بد و ان يكون بسبب موضوع آخر تتعلق الحروف به و الرابط بين هذا العرض و موضوعه المعروض هو الهيئة الحاصلة من الكلام فالهيئة الكلامية تدل على هذه الاضافة اعنى ربط المعنى الحرفى الى الاسمى مثل قولك زيد فى الدار فهذه الهيئة تدل على ربط عرض الاين الى معروضه و هو زيد كما ان زيد ابيض ايضا كذلك.

فلفظ (من) و (فى) و (الى) موضوع لمعنى الابتدائية و الظرفية و الانتهائية مستقلا بطور الابهام ثم فى مقام الاستعمال تدل هيئة الكلام على اقترانها بطرفى الكلام المعلومين المشخصين فيرفع الابهام و يعبر عن الهيئة بالوجود الرابط لكونها رابطة بين العرض و هو مفاهيم الحروف و معروضها و هو الطرفين، ففى مثل زيد فى الدار يشتمل الكلام على وجود رابطى و هو العرض و على وجود معروض و كذا على وجود رابط بينهما اعنى الهيئة الحاصلة.

فتحصل ان للحروف مفاهيم مستقلة و دلالتها عليها ايضا كذلك إلّا انها فى العين الخارجى تكون اعراضا ذات اضافة لا تتحقق الا بعد طرفى النسبة.

54

و من هنا يظهر لك ان الموضوع له فى الحروف عام كالوضع لا كما زعمه المحقق الخراسانى من انها كالاسماء ذاتا و صفتا بل ان الحروف وضعها كوضع الاسماء صفة بمعنى ان المعنى الحرفى عام مقصود بنفسه فى الافادة و الدال عليه هو الحرف فقط الواقع فى الكلام غاية الامر ان وقوعه فى الخارج ليس كالاسم مستقلا كلفظ زيد و الدار بل هو تابع لمتعلقه فيكون عرضا لموضوع آخر.

و بعبارة اخرى ان المعنى فى الحروف عام كالمعنى فى الاسماء إلّا ان تحقق معنى الاسم فى الخارج مستقل بذاته لذاته كملاحظة مفهوم الدار و معنى الحرف يحتاج فى تحققه فى الخارج الى موضوع كسائر العوارض مثل مفهوم فى و من لان الظرفية لا تتحقق فى الخارج الا مع مفهوم الدار و زيد و لا الابتدائية الا مع البصرة و السير.

هذا بحسب الخارج و اما وقوعه فى الذهن فيمكن انه كالخارج بمعنى ان المعنى الحرفى لا يتحقق فى الذهن الا مع معروضه و ربطه به و ان كان فى الدلالة عليه مستقلا و يمكن ان يكون وقوعه فى الذهن بمعنى ان لحاظه خارج عن لحاظ المعروض فيلاحظ المعنى الكلى حال الوضع و يوضع اللفظ له.

فالوضع فى لفظ (من) عام و المعنى و هو الابتدائية بطور الابهام عام ايضا لكنها مقرونة بالطرفين فى التحقق و بعد تحقق الكلام قوله، بان السير من البصرة، يرفع ذلك الابهام.

و الحروف مقام الاستعمال تابعة للوضع و تفيد معناها العام إلّا ان القرائن الخارجية تقيد ذلك العام بفرد خاص كقوله تعالى‏ وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏.

ثم ان استعمال الحروف تارة يكون فى الفرد الشخصى الخارجى كالمثال المتقدم فان المجي‏ء كان من ناحية خاصة من المدينة و كذا تحقق السير كان من ناحية خاصة