تقريرات آية الله المجدد الشيرازي‏ - ج3

- الميرزا محمد حسن الشيرازي المزيد...
383 /
5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

القول في مسألة اجتماع الأمر و النهي‏

و تنقيحه يقتضي تقديم أمور:

الأوّل‏

: هل المسألة هذه لفظية أو عقلية؟ و على الثاني هل هي من المسائل الأصولية، أو الكلاميّة، أو من المبادئ الأحكامية؟ وجوه مختلفة منشؤها اختلاف الوجوه الصالحة فيها لوقوع كلّ منها موردا للبحث، فإنّ في الأمر و النهي اعتبارات يصلح كلّ منها لوقوعه موردا للكلام و موردا للنقض و الإبرام، لأنّه يصحّ أن يبحث عنهما بملاحظة فهم العرف تخصيص أحدهما بالآخر في مورد الاجتماع و عدمه، فتكون المسألة لفظية، و أن يبحث عنهما بملاحظة قبح تعميمهما بالنسبة إلى مورد الاجتماع و عدمه، فتكون المسألة عقلية و كلامية أيضا، إذ البحث عن الحسن و القبح من توابع علم الكلام، و أن يبحث عنهما بملاحظة نفس اجتماعهما عقلا من أيّ وجه كان، و عدمه كذلك، فتكون المسألة عقلية أصولية إن عمّمنا المسألة الأصولية إلى ما يكون طريقا لاستنباط الحكم الفرعيّ و لو مع واسطة استنباط آخر غير استنباط نفس الحكم الفرعي [1]، و إلاّ فهي من المبادئ الأحكامية، إذ من المعلوم أنّه- بعد استنباط جواز اجتماع الأمر و النهي‏

____________

[1] بتقريب: أنّ المسألة الأصولية ما يبحث فيها عن أحوال ما يكون طريقا لاستنباط حكم فرعي و لو مع توسّط استنباط آخر وراء استنباط الحكم الفرعي، إذ البحث عن حكم العقل بجواز الاجتماع أو امتناعه بحث عما يكون طريقا لاستنباط حكم فرعيّ مع الواسطة كما لا يخفى. لمحرّره عفا اللّه عنه.

6

أو عدم جوازه- لا بدّ من استنباط حكم أصولي، و هو حكم تعارض الدليلين، أو عدم تعارضهما، ثمّ بعد هذين نستنبط حكم الصلاة في الدار المغصوبة- مثلا- من قوله: صلّ و لا تغصب، فلا تكون أصولية، لفرض توسّط استنباط آخر غير استنباط نفس الحكم الفرعيّ، بل يكون من المبادئ الأحكامية لصدقها عليها، فإنّها عبارة عن المسائل المبحوث فيها عن الحكم أو لوازمه، و من المعلوم أنّ البحث عن جواز اجتماع الوجوب و الحرمة بحث عن لوازمهما، و يتفرّع على هذا البحث أحد الأمرين على اختلاف القولين فيه، و هما تحقّق موضوع التعارض بين الدليلين، أو عدم تعارضهما، و كلّ واحد منهما موضوع لحكم أصوليّ، و هو حكم التعارض أو عدمه.

ثمّ الظاهر من عنوان المسألة في باب الأمر لا سيّما بملاحظة تحريره مورد الخلاف بلفظي الأمر و النهي الظاهرين في القول: إنّ النزاع فيها إنّما هو من الحيثيّة الأولى، فتكون لفظية.

و يؤيّده التفصيل المحكيّ فيها عن الأردبيلي (رحمه اللّه) و صاحب الرياض في رسالته المنفردة لهذه المسألة: من القول بجواز اجتماع الأمر و النهي عقلا و عدمه عرفا، إذ الظاهر من تقابل العرف للعقل اعتبار جهة فهمهم من خطابي الأمر و النهي تخصيص أحدهما بالنسبة إلى مورد الاجتماع و عدمه.

هذا، لكنّ الظاهر أنّ النزاع في المقام إنّما هو بالاعتبار الثالث دون الأوّل أو الثاني.

أمّا الأوّل: فلأنّه و إن كان يوهمه ما عرفت، إلاّ أنّ التأمّل في أدلّتهم الآتية قاض بعدمه، فإنّ من أدلّة المانعين من الاجتماع لزوم التكليف المحال، أو بالمحال، أو التكليف المحال بالمحال، و هذا كما ترى لا ربط له بإثبات الدلالة اللفظية بوجه، و مثله لزوم التناقض الّذي هو أحد أدلّتهم، فلا بدّ إذن من صرف ما عرفت إلى ما لا ينافي ذلك.

7

و أمّا الثاني: فلإباء احتجاج المانعين بلزوم اجتماع الضدّين، أو النقيضين عنه فما زعمه المحقّق القميّ [1] (رحمه اللّه) من كون المسألة كلامية بمكان من الضعف، فتعيّن أنّه بالاعتبار الثالث.

و الظاهر أنّ المسألة على هذا التقدير من المبادئ الأحكامية، لا الأصوليّة، فإنّ الظاهر اختصاص الأصولية بما يكون موضوع البحث فيه أحد الأدلّة المعروفة للفقه، التي لا واسطة بينها و بين استنباط نفس الحكم الفرعي، فإنّ الظاهر من تعريفهم لعلم أصول الفقه- بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية- أنّ المراد بالقواعد في ذلك الحدّ يكون قواعد و طرقا لاستنباط الحكم الفرعي بلا واسطة استنباط آخر.

و يقوّي ذلك- بل يعيّنه- أنّ جماعة من الأعلام أوردوا المسألة في باب الأحكام.

و ملخّص الكلام في محلّ النزاع في المقام أنّ البحث: إنّما هو في جواز اجتماع الوجوب و التحريم عقلا من غير مدخلية لخصوصية الأمر و النهي أصلا، و من غير تعميم النزاع إلى سائر الأحكام أيضا، و لعلّنا نتعرّض في آخر المبحث- إن شاء اللّه- لتحقيق الحال بالنسبة إلى سائر الأحكام و بالنسبة إلى جهة فهم العرف تخصيص أحد من الأمر و النهي بالنسبة إلى مورد الاجتماع و عدمه، فانتظر [2].

____________

[1] الموجود من عبارة المحقق القمّي (ره)- في قوانينه: 140- في هذا المقام يخالف المذكور هنا حيث جاء فيه قوله: (و هذه المسألة و إن كانت من المسائل الكلامية، و لكنّها لما كانت يتفرّع عليها كثير من المسائل الفرعيّة ذكرها الأصوليون في كتبهم، فنحن نقتفي آثارهم في ذلك).

[2] و النزاع من جهة فهم التخصيص و عدمه إنّما ينفع بعد البناء على جواز الاجتماع عقلا، و أمّا مع البناء على امتناعه فلا بدّ من التخصيص، فالباحثون عن تلك الجهة لا بدّ أن يكونوا هم الذين جوّزوا الاجتماع عقلا. لمحرّره عفا اللّه عنه.

8

و أمّا عذر من أورد المسألة في باب الأوامر فهو عدم اشتمال كتابه على المبادي الأحكامية، و النكتة- في تعبيره عن مورد الخلاف بلفظي الأمر و النهي مع عموم النزاع لمطلق الوجوب و التحريم- أنّ الغالب كونهما مدلولين لهما.

و أمّا المراد بعدم الجواز عرفا في التفصيل المتقدّم فهو أحد أمرين:

أحدهما: الّذي هو أظهرهما هو عدم الجواز بنظر المسامحة الغير المبنيّ على الدقائق الحكمية، و توصيفه بالعرفي باعتبار أنّ أنظارهم في المطالب على هذا النحو، فمراد المفصّل: أنّ العقل يحكم بجواز الاجتماع بملاحظة الدقائق الحكمية، و أمّا بالنظر البدوي الغير الملحوظ فيه تلك الدقائق فهو قاض بامتناعه.

و يتفرّع على ذلك ما يتفرّع على حكم العقل بامتناعه بدقيق النّظر من التعارض بين الخطابين، نظرا إلى أن أحكام الشارع مبنيّة على الأنظار العرفية دون الدقائق الحكمية.

و ثانيهما: عدم الجواز العقلي المبنيّ على التدقيق، لكن بالنظر إلى ما يفهمه العرف من الأمر و النهي، بمعنى أنّ العرف يفهمون منهما معنيين يمتنع عند العقل اجتماعهما في موضع.

و المراد بالجواز عقلا- حينئذ- أنّ العقل لا يأبى عن صيرورة فرد واحد مصداقا لعنوانين: أحدهما متعلّق للأمر، و الآخر متعلّق للنهي، و وقوعه امتثالا من أحدهما، و عصيانا للآخر.

و بعبارة أخرى: إنّه لا بأس بوقوع‏ (1) الصلاة في المكان المغصوب امتثالا للأمر بالصلاة و مبرئة عنه و عصيانا للنهي عن الغصب، لكن العرف يفهمون من طلب فعل الصلاة و طلب ترك الغصب معنيين يمتنع اجتماعهما عقلا.

____________

(1) في الأصل: لا بأس عن وقوع الصلاة ..

9

هذا، لكن لا يخفى ما في هذا الوجه من الركاكة، فإنّ عدم الجواز على هذا الوجه عقليّ جدّاً، نعم موضوعه عرفي، فلا يحسن التقابل، بل لا يصحّ، فتعيّن حمله على الوجه الأوّل.

الثاني‏

: قد يحرّر النزاع في المسألة:

بأنّه هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد؟

و قد يحرّر: بأنّه هل يجوز اجتماع الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد؟

و قد يبدّل لفظا الوجوب و التحريم إلى لفظي الواجب و الحرام، كما حكي عن بعض.

و قد يقيّد الاجتماع في الثلاثة بكونه من جهتين، و لا بدّ منه كما سيتّضح وجهه ممّا (1) يأتي، و هو مطويّ في أنظار المطلقين أيضا.

و المقصود من الثلاثة واحد، فإنّ المراد من الأمر و النهي- كما مرّت الإشارة إليه هو الوجوب و لتحريم، و قد عرفت نكتة التعبير عنهما بهما، و من المعلوم- أيضا- أنّ اجتماع الواجب و الحرام في المعنى عين اجتماع الوجوب و التحريم، و إنّما التغاير بينهما من حيث المفهوم، فما ربما يتخيّل- من كون النزاع في جواز اجتماع الواجب و الحرام نزاعا آخر غير ما نحن فيه- بمكان من الضعف.

ثمّ المراد باجتماع الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد ثبوتهما له على وجه إذا أتى بذلك الشي‏ء يقع امتثالا لأحدهما و مبرئا للذمّة عنه و عصيانا للآخر، فإنّ ذلك هي الثمرة المتفرّعة على القول بجواز اجتماعهما.

ثمّ توصيف ذلك الشي‏ء بالواحد لأجل أنّه لو تعلّق الوجوب بشي‏ء مغاير- في الخارج- لما تعلّق به الحرمة فلا يعقل الشكّ في جوازه، كوجوب الصلاة

____________

(1) في الأصل: عمّا.

10

و حرمة الزنا مثلا.

ثمّ الوحدة: قد تكون بالجنس، و قد تكون بالجنس، و قد تكون بالنوع، و قد تكون بالشخص.

و على جميع تلك التقادير، إمّا أن يكون توجّه الأمر و النهي إلى الشي‏ء الواحد من جهة واحدة، أو من جهتين.

و على الثاني: إمّا أن تكون الجهتان تعليليّتين، أو تقييديّتين، و معنى كونهما تقييديّتين كون كلّ واحدة موضوعا للحكم حقيقة، بأن تكون إحداهما موضوعا للوجوب، و الأخرى موضوعا للحرمة، مع تصادقهما في فرد مجمع بينهما.

و على الثاني: إمّا أن تكون النسبة بين الجهتين التساوي، أو التباين، أو العموم المطلق أو من وجه.

لا إشكال و لا نزاع ظاهرا في امتناع اجتماع الوجوب و الحرمة في الشي‏ء الواحد مطلقا إذا كان من جهة واحدة، لاستلزامه التناقض و التكليف بالمحال، بل التكليف المحال من جهة التناقض، فلا نظنّ بالقائلين بجواز التكليف بالمحال القول به في جميع تلك الصور.

و كذلك الكلام فيما إذا كان اجتماعهما فيه من جهتين تعليليّتين، لاستلزامه أيضا التكليف بالمحال، بل المحال، لامتناع تحقّق إرادتين متناقضتين في النّفس بالنسبة إلى الشي‏ء الواحد و لو لعلّتين.

و لو سلّمنا أنّه لا يلزم في هذين الفرضين إلاّ التكليف بالمحال فقط، نقول بخروجهما عن محلّ النزاع و ندّعي بطلانهما اتّفاقا حتّى من القائلين بجواز التكليف بالمحال، فإنّ الظاهر أنّهم لا يجوّزون ذلك ابتداء، و إنّما يجوّزونه إذا كان المكلّف هو السبب للاستحالة بسوء اختياره.

و يتلوهما في امتناع الاجتماع و الخروج عن محلّ النزاع: ما إذا كانت الجهتان تقييديّتين مع كون النسبة بينهما هو التساوي، أو العموم المطلق، أو من وجه مع اتّفاق انحصار فرد الواجب في المحرّم بغير تقصير من المكلّف، أو مع كونه‏

11

منحصرا فيه من أوّل الأمر، كما إذا كان الواجب أخصّ مطلقا من المحرّم لعين ما مرّ في الفرضين المتقدّمين.

و بالجملة: لا ينبغي التأمّل في امتناع تلك الفروض و خروجها عن محلّ النزاع كما أنّه لا شبهة أيضا في خروج ما إذا كان اجتماعهما في الشي‏ء الواحد بالجنس أو النوع عن محلّ النزاع مع تعدّد الجهة التقييدية بأن يتعدّد ذلك الشي‏ء بتعدّد تلك الجهة، و ذلك فيما إذا كان النسبة بين الجهتين هو التباين كالسجود للّه و السجود للصنم، و الصلاة في حال الطهر و هي في حال الحيض، فإنّ ذلك- في الحقيقة- راجع إلى توجّه الوجوب إلى شيئين متباينين الّذي لا نزاع لأحد في جوازه.

بقيت من الصور المتصورة ثنتان:

إحداهما: صورة توجّه الوجوب و الحرمة إلى شي‏ء واحد من جهتين تقييديتين يكون النسبة بينهما هي العموم من وجه.

و ثانيتهما: صورة توجّههما إلى شي‏ء واحد من جهتين تقييديتين مع كون النسبة بينهما هي العموم و الخصوص المطلقين مع عدم انحصار فرد الواجب فيهما في المحرّم.

و كلتاهما محلّ للنزاع بجميع الوجوه المتصوّرة في الوحدة فيهما، بمعنى أنّ النزاع فيهما لا يختصّ بما إذا كان مورد الاجتماع واحدا شخصيا، بل يعمّ ما إذا كان واحدا جنسيا أو نوعيا، فإنّ لفظة الواحد في محلّ النزاع و إن كانت ظاهرة في الواحد الشخصي إلاّ أنّ تمثيلهم لمحلّ الاجتماع بالصلاة في المكان المغصوب قرينة على إرادة الأعمّ، ضرورة أنّها ليست واحدة شخصيّة بل نوعيّة.

و ربما يتوهّم اختصاص النزاع في هذه المسألة بالأولى من هاتين الصورتين، و أنّ الثانية منهما هي محلّ النزاع في المسألة الآتية و هي مسألة أنّ النّهي في العبادات يقتضي الفساد، أو لا؟

12

و هو بمكان من الضعف، إذ الأدلّة الآتية و إطلاق عناوين كثير منهم يأبيان عن ذلك التخصيص، و الّذي ألجأ ذلك الرّجل إلى هذا التخصيص أنّه زعم: أنّه لولاه لما يبقى فرق بين هذه المسألة و تلك، بل يرجع النزاع فيهما إلى واحد.

لكن بالنظر الدّقيق يمكن إبداء الفارق بينهما من غير حاجة إلى مثل ذلك التكلّف، و إن شئت توضيحه فنقول:

الفارق بينهما كما حقّقه- دام ظلّه- أمران:

أحدهما: أنّ مورد البحث في تلك المسألة ما كان متعلّقا الأمر و النهي من عنوان واحد- سواء كانت النسبة بين متعلّقيهما هو العموم المطلق أو من وجه- و المراد بكونهما من عنوان واحد وقوع اسم واحد على كليهما و كونهما من سنخ واحد، و هذا كما إذا أمر بصلاة الصبح، و نهى عن الصلاة في مكان مخصوص، أو أمر بصلاة خاصّة مطلقا، ثمّ نهى عن بعض أفرادها، كما إذا أمر بصلاة الظهر- مثلا- من غير تقييدها بشي‏ء، ثمّ نهى عنها مقيّدة ببعض القيود و الأحوال الطارئة عليها، و النسبة بين متعلّقي الأمر و النهي في المثال أوّل هو العموم من وجه و في الثاني هو العموم و الخصوص المطلقان، و يقع على كلّ واحد منهما في كلّ من المثالين اسم واحد و هو الصلاة مثلا.

هذا بخلاف مسألتنا هذه، فإنّ مورد البحث فيهما ما كان متعلّقاهما متباينين في الاسم، سواء كانت النسبة بينهما هو العموم من وجه، كالصلاة و الغصب أو العموم و الخصوص المطلقين كالصلاة و الفرد الخاصّ من الغصب المتّحد مع الصلاة، و هذا كما إذا قال: صلّ و لا تغصب في الصلاة.

و ثانيهما: أنّ النزاع في تلك المسألة من حيث دلالة النهي عرفا على تقييد متعلّق الأمر بغير مورد الاجتماع أو تخصيصه به، فتكون تلك لفظية، و في هذه المسألة من حيث جواز اجتماع الوجوب و التحريم عقلا و عدمه و لو لم يكن هناك‏

13

أمر أو نهي، بل يثبت الوجوب و التحريم بغيرهما، و مع قطع النّظر عن أنّ النهي يدلّ على التخصيص أو التقييد أو لا، فتكون هذه عقليّة.

و بعبارة أخرى: النزاع في تلك المسألة إنّما هو على فرض ثبوت مصحّح لمورد الاجتماع من إطلاق متعلّق الأمر أو عمومه بالنسبة إليه فيبحث فيها عن أنّ النهي المتوجّه هل يدلّ على الفساد- بمعنى دلالته على تخصيص متعلّق الأمر أو تقييده بغير مورد الاجتماع ليترتّب عليه فساد مورد الاجتماع- أو لا؟

هذا بخلاف ما نحن فيه فإنّ البحث فيه عن مجرّد جواز اجتماع الوجوب و التحريم عقلا مع قطع النّظر عن أن يكون هناك ما يقتضي صحّة مورد الاجتماع، فافهم و تأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر، و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.

ثمّ الظاهر من التحريرات الثلاثة للخلاف: أنّ النزاع في اجتماع الوجوب و التحريم العينيّين النفسيّين دون التخييريّين و الكفائيّين و الغيريّين، لكن الظاهر جريان النزاع فيما إذا كانا كفائيّين و غيريّين أيضا، لجريان أدلّة الطرفين في الكلّ على حدّ سواء.

نعم لا يجري النزاع فيما إذا كانا تخييريّين، إذ لا شبهة في جواز الأمر و النهي بأمرين شخصيّين على سبيل التخيير، فكيف بما إذا كان متعلّقاهما كلّيّين، كما في المقام، فإنّ ذلك آئل إلى وجوب الإتيان بأحدهما لا بعينه و حرمة الجميع، و من البديهيّات جواز مثل ذلك، و كذلك الحال فيما إذا كان الوجوب تعيينيّا و الحرمة تخييريّة (1) فإنّه أيضا لا شبهة في جوازه، و لا يعقل النزاع فيه من ذي مسكة، نعم إذا كان التحريم تعيينيا و الأمر تخييريا يجري‏ (2) هناك هذا النزاع.

____________

(1) في الأصل: تخييريا ..

(2) في الأصل: فيجري ..

14

ثمّ إنّه ظهر مما حقّقنا: أنّ النزاع في المقام- فيما إذا تعلّق الوجوب بعنوان كلّي و الحرمة بعنوان كلّي آخر مع كون النسبة بين ذينك العنوانين هو العموم المطلق أو من وجه- مبنيّ على تعلّق الأحكام بالطبائع دون الأشخاص.

و توضيح عدم جريان النزاع بناء على تعلّقها بالأشخاص: أنّ المفروض من الحرمة في محلّ النزاع هي الحرمة العينية حتّى بالنسبة إلى مورد الاجتماع، لما قد عرفت من أنّها لو كانت تخييرية لا شبهة في جواز اجتماعها مع الوجوب التخييري شرعا أو عقلا، و من المعلوم أنّه- بعد فرض حرمة مورد الاجتماع عينيا- لا يعقل الترخيص فيه، فكيف بطلبه و لو تخييرا؟! فإنّه- مضافا إلى كونه سفها و عبثا لخلوّه عن الفائدة- آئل إلى التناقض، و مثل ذلك لا ينبغي أن يخفى على أحد حتّى ينازع فيه، فلا نظن بأحد مثله.

و الحاصل: أنّه بعد فرض تعلّق الوجوب بالأشخاص التي منها مورد الاجتماع يكون هو تخييريّا شرعا بالنسبة إليه، و مجرّد الجواز الّذي يتضمّنه الوجوب التخييري يناقض حرمة ارتكاب مورد الاجتماع، فكيف بطلبه؟! فيكون عبثا و سفها أيضا لذلك.

و من هنا علم حكم عكس هذه الصورة، و هو ما كان الوجوب فيه عينيّا بالنسبة إلى مورد التعارض، و الحرمة تخييريّة بينه و بين غيره، لعين ما مرّ من السفه و لزوم التناقض، و هذا المحذور لا يلزم على تقدير تعلّق الأحكام بالطبائع، فإنّه إذا فرض حرمة مورد الاجتماع عينيّا فلا يكون الأمر بالعنوان الكلّي الآخر المجتمع مع الحرام في ذلك الفرد آئلا إلى التناقض و السفه كما لا يخفى، لاختلاف موضوعي الأمر و النهي، و على تقدير لزومه فهو خفيّ غاية الخفاء، فيمكن وقوعه محلا للخلاف.

15

ثمّ إنّ هنا صورا اخر من صور اجتماع الوجوب و الحرمة لا بأس بالإشارة إلى بعضها و إن كانت خارجة عن محلّ النزاع:

منها: ما إذا كان الوجوب و الحرمة كلاهما كفائيّين و عينيّين مقابل التخييري.

و منها: ما إذا كان الوجوب كفائيا و الحرمة عينيّة مقابل الكفائي.

و منها: عكس هذه الصورة مع فرض كون موضوع الوجوب و الحرمة في الصور الثلاث هو نفس مورد الاجتماع ابتداء.

و ممّا ذكرنا- من اعتبار كلّية متعلّقيهما في محلّ النزاع، و أنّه لا بدّ للمكلّف من مندوحة لامتثال الأمر- علم خروج تلك الصور أيضا عن محلّ النزاع في المقام.

هذا مضافا إلى أنّ وضوح امتناع الاجتماع فيها أيضا بمثابة لا نظنّ بأحد إنكاره، ضرورة أنّ إرادة شي‏ء واحد عينيا مقابل التخييري يناقض كراهة ذلك.

و من هنا يتولّد الإشكال بالنسبة إلى الصنائع المكروهة و إلى القضاء ممن لا يثق من نفسه من القيام به، حيث إنّها واجبة كفائية و مكروهة أيضا، فإنّ الكراهة و إن كانت أدون من الحرمة، إلاّ أنّها مناقضة للوجوب كما لا يخفى، فلا بدّ من الجمع بينهما بوجه.

و أقرب وجوه الجمع أن يتصرّف في دليل الكراهة في الأمثلة المذكورة بتخصيصه بما إذا قام أحد بتلك الواجبات الكفائيّة، إذ حينئذ يسقط الوجوب الكفائي عمّن لم يقم بها، فلا يجتمع مع الكراهة.

الثالث‏

قد أشرنا في مطاوي كلماتنا المتقدّمة إلى الثمرة بين القولين في المسألة: من أنّه يتفرّع على القول بجواز الاجتماع عدم التعارض بين الأمر و النهي بالنسبة إلى مورد الاجتماع، فيعمل بمقتضاه، فيصحّ وقوعه امتثالا عن الأمر و مبرئا للذمّة عنه، و التعارض بينهما على القول بامتناعه، فيعمل بمقتضاه من ملاحظة الترجيح لأحدهما إن كان له مرجّح فيدخل فيه مورد التعارض‏

16

و تخصيص الآخر بغيره، و إلاّ فالتخيير.

و لا يخفى أنّ هذا فيما إذا اقتضى كلّ من الأمر و النهي بعمومه أو إطلاقه دخول مورد الاجتماع فيه، و إلاّ فيحكم بدخوله فيما اقتضى دخوله فيه إن كان أحدهما كذلك، و إلاّ فيعمل على مقتضى الأصول العمليّة المقرّرة لصورة دوران الأمر بين الوجوب و التحريم مع فقد النصّ من أصل البراءة أو الاحتياط على اختلاف القولين فيها، فافهم.

بقي هنا شي‏ء (1) ينبغي التنبيه عليه: و هو أنّ التخصيص في المقام ليس كالتخصيصات اللفظية المتعارفة، نظرا إلى أنّه إذا قام القرينة في التخصيصات اللفظية على خروج فرد من عامّ فهي إنّما تخصّص موضوع الحكم المعلق على ذلك العامّ بغير ذلك الفرد، بحيث لا يكون شي‏ء من المصلحة أو المفسدة المقتضيتين لذلك الحكم موجودا في ذلك الفرد أصلا في حال من الأحوال الطارئة عليه، مثلا: إذا قامت القرينة المتّصلة أو المنفصلة على خروج (زيد) من قوله:

أكرم العلماء، أو لا تكرم الفسّاق، فزيد خارج عن حكم وجوب الإكرام في الأوّل، و عن حكم حرمته في الثاني، و عن كونه ذا مصلحة مقتضية للأوّل في الأول، أو ذا مفسدة مقتضية للثاني في الثاني، فيكون موضوع الحكم و المقتضي له في المثالين ما عداه من أفراد العلماء و الفسّاق بحيث لا يدخل هو في حكم العام، و لا يشتمل على الجهة المقتضية له من المصلحة و المفسدة في حال من الأحوال، فلا يقع موردا للامتثال في المثال الأوّل، أو للعصيان في الثاني في حال من الأحوال.

هذا بخلاف التخصيص في المقام فإنّا إذا بنينا- مثلا- على ترجيح جانب النهي، و حكمنا بخروج مورد الاجتماع عن الأمر، فليس خروجه منه كخروج‏

____________

(1) انظر ما يرتبط بالمقام في مسألة دلالة النهي على الفساد: 130.

17

(زيد) في المثالين عن العامّ، بل يخالفه [1] من حيث ثبوت الجهة المقتضية للحكم فيه على نحو ثبوتها في سائر أفراد العامّ، و انتفاؤها في (زيد) في المثالين. نعم يوافقه من حيث خروجه عن حكم العامّ و اختصاص الحكم بسائر أفراده، و هذا مثل الصلاة في المكان المغصوب التي هي من افراد محلّ النزاع في المقام، فإنّها- بناء على ترجيح النهي- يحكم بخروجها عن الأمر بالصلاة و عدم سراية (1) الوجوب المعلّق على طبيعة الصلاة بالنسبة إليها، إلاّ أنّها مع ذلك ليست كالصلاة بغير الطهارة من الحدث التي لا مصلحة فيها أصلا، بل مشتملة على مصلحة جهة طبيعة الصلاة على نحو اشتمال سائر أفراد تلك الطبيعة عليها، بحيث لا تنقص هذه من هذه الجهة من شي‏ء من أفرادها، و إنّما تزيد تلك الأفراد و ترجح على هذه من جهة أخرى، و هي خلوّ تلك عن الجهة المقتضية للنهي- و هي المفسدة- و اشتمال هذه عليها، لكن تلك الجهة لا توجب زوال المصلحة عنها البتّة، لعدم المنافاة بينهما بوجه، و إنّما المنافاة بين مقتضاهما- و هو طلب الترك أو الفعل- و لذا خصّت إحداهما بالحكم دون الأخرى.

و الحاصل: أنّ الصلاة في المكان المغصوب- من حيث كونها صلاة ذات مصلحة- لا منقصة فيها من هذه الجهة أصلا، و إنّما اتّحدت في الوجود مع عنوان‏

____________

[1] و السرّ في ذلك أنّ الحكم في العمومات إنّما يتعلّق بحصص الجزئيات و الأشخاص، فإذا ورد النهي عن بعض الأفراد فهو ملازم لمبغوضيّة ذات ذلك الفرد بعينه، و معه لا يعقل كونه ذا مصلحة أيضا، فالنهي عنه مناف للأمر و للجهة المقتضية له أيضا، فلذا لا يقع موردا للامتثال و لو مع الغفلة عن النهي، هذا بخلاف المقام، فإنّ المفروض في الفرد الّذي هو مجمع عنواني المأمور به و المنهيّ عنه عدم مبغوضيّة نفسه، و إنّما هو متضمّن لشي‏ء هو المبغوض لا غير، مع تضمّنه لعنوان آخر ذي مصلحة أيضا، و ذلك لعدم تعلّق النهي بنفس ذلك الفرد من حيث هو، بل بعنوان متّحد معه صادق عليه، فلذا يقع امتثالا في حال نسيان النهي أو الغفلة عنه، لوجود جهة الأمر فيه حينئذ. لمحرّره عفا اللّه عنه.

____________

(1) في الأصل: (تسرّي)، و لا وجود لهذا المصدر بمعنى السراية، فالصحيح ما أثبتناه.

18

آخر مشتمل على المفسدة، و مجرّد اتّحادها معه في الخارج لا يوجب زوال تلك المصلحة عنها، بل هي ذات مصلحة و مفسدة باعتبارين، و عدم سراية (1) الأمر إليها ليس لعدم المقتضي، بل إنّما هو لوجود المانع من توجّه الأمر، و هو اتّحادها مع ذلك العنوان، حيث إنّها لمّا اتّحدت معه فصارت ذات مفسدة يقبح‏ (2) سراية (3) الأمر إليها، أو أنّ المانع هو نفس النهي لمناقضته مع الأمر، إذ بعد ترجيح جهة النهي فهي مقتضية للنهي الآن، فتكون منهيّا عنها، و معه لا يمكن الأمر بها لأدائه إلى التناقض.

و تظهر الثمرة بين التخصيص على هذا النحو و بين التخصيصات المتعارفة فيما إذا كان الحكم الثابت لذلك الفرد المستثنى من العامّ هي الحرمة، و كان المكلّف غافلا عن حرمته، أو جاهلا بها جهلا يعذر معه، أو ناسيا، لاندراجه تحت العنوان المحرّم المتّحد فيه مع عنوان الأمر مثل ما إذا علم بحرمة الغصب، إلاّ أنّه نسي أنّ الصلاة الصادرة منه في دار الغير غصب، مع كون ذلك الفرد المستثنى عبادة، بمعنى أن يكون المأمور به الّذي ذلك من أفراده من العبادات، بل مع كونه من المعاملات أيضا فأوجده المكلّف، فإنّه على تقدير أن يكون خروجه عن العامّ الّذي هو موضوع الأمر على نحو التخصيصات المتعارفة فلا يجديه ذلك في شي‏ء، فإنّه و إن لم يعقل منقصة لفعل ذلك الفرد لعدم فعليّة النهي في حقّه، لعدم علمه به و التفاته إليه، إلاّ أنّه خال عن المصلحة الكامنة في المأمور به الموجودة في سائر افراده، فلا يقع عبادة و لا مسقطا عنها بوجه:

أمّا عدم وقوعه عبادة فلتوقّفها إمّا على الأمر أو على الجهة المقتضية له‏

____________

(1) في الأصل: (تسري)، و الصحيح ما أثبتناه.

(2) في الأصل: فيقبح ..

(3) في الأصل: (تسرّي)، و الصحيح ما أثبتناه.

19

من المصلحة و المحبوبيّة و كلاهما منتف، إذ غاية ما هنا أنّه اعتقد الأمر، و هو لا يكون منشئا لوقوع الفعل عبادة إذا لم يكن هو في نفسه عبادة، كما أنّه لا يصلح أن يكون منشئا للإجزاء و مقتضيا له كما تحقّق في محلّه، و إنّما يكون الأمر منشئا لذلك إذا كان ثابتا واقعا، و المفروض خلوّ الفعل المأتي به عن الجهة المقتضية للأمر أيضا، فلم يبق ما يوجب وقوعه عبادة بوجه و أمّا عدم كونه مسقطا فلأنّه يتوقّف على أحد الأمرين:

أحدهما: جعل الشارع لذلك الفعل بدلا عن المأمور به و ان لم يكن من أفراده.

و ثانيهما: انطباقه على المأمور به و تساويه لسائر الأفراد من حيث الجهة المقتضية للأمر، و كلاهما مفقودان في المقام.

و من هنا ظهر عدم الفرق بين العبادات و المعاملات من حيث كون ذلك الفعل المأتيّ به مسقطا للأمر و عدمه إذا فرض أنّ خروجه من المأمور به على نحو التخصيصات المتعارفة، ضرورة توقّف الإسقاط في المعاملات أيضا- بعد انتفاء البدلية- على تساوي ذلك الفرد [مع‏] سائر (1) أفراد الطبيعة من حيث المصلحة المقتضية للأمر.

و أمّا إذا كان خروجه عن موضوع الأمر على نحو التخصيص في المقام فيصحّ منه و يجزيه مطلقا معاملة أو عبادة:

أمّا الأوّل: فلفرض تساوي ذلك [مع‏] سائر (2) أفراد المأمور به في الجهة المطلوبة من الأمر الداعية إليه و لا حاجة في المعاملات في مقام الأجزاء إلى أزيد من كون المأتيّ به منطبقا على المأمور به و مساويا لسائر أفراده من حيث وجود

____________

(1) في الأصل: ذلك لسائر ..

(2) في الأصل: ذلك لسائر ..

20

الجهة المقتضية فيه، و المفروض حصوله [1].

و أمّا الثاني: فلأنّه بعد إحراز الجهة المقتضية للأمر فيه- كما هو المفروض- فيكفي في انعقاده عبادة الإتيان به بداعي تلك الجهة، من غير حاجة إلى الأمر فعلا إذا لم يكن فعله معصية، و هذا هو المتعيّن في توجيه صحّة بعض العبادات، كما لا يخفى على المتأمّل، و كأنّه هو الوجه لصحّة الصلاة في المكان المغصوب حال كون المكلّف غافلا عن الغصبية، بل المتعيّن فيها ذلك و هذا يتّضح بمقدمات ثلاث:

أولاها: أنّ المثال المذكور و هو الصلاة في المكان المغصوب من موارد مسألتنا هذه، أي مسألة اجتماع الأمر و النهي، و هذا واضح.

و ثانيها: أنّه يقبح من الشارع الأمر بذي المفسدة ما لم تزاحمها مصلحة غالبة عليها، و من المعلوم للمتأمّل أنّه ليست مصلحة جهة الصلاة أقوى من مفسدة جهة الغصب، و إلاّ لغلبت عليها في صورة الالتفات و عدم النسيان أيضا، و اختصّت الصلاة في المكان المغصوب بالأمر، و لم يقل به أحد، فإنّ من يقول بكونها مأمورا بها في تلك الصورة فإنما هو من جهة بنائه على جواز اجتماعه مع النهي، و من المعلوم أنّ حصول النسيان لم يوجب مزيّة في مصلحة جهة الصلاة حتّى تغلب على تلك المفسدة في هذه الصورة، بل هي على ما هي عليه كمّيّة و كيفيّة، فلو أمر بتلك الصلاة حينئذ لكان هذا أمرا بذي المفسدة مع عدم مصلحة غالبة عليها، و هو كما ترى.

و ثالثها: أنّهم اتّفقوا قولا واحدا على صحّة تلك الصلاة في تلك الحال، حتّى القائلين بامتناع اجتماع الأمر و النهي.

____________

[1] لما مرّ من أنّه على تقدير التخصيص على هذا النحو يكون الفرد المخرج مساويا لسائر أفراد الطبيعة المأمور بها من حيث وجود المصلحة المقتضية فيه. لمحرّره عفا اللّه عنه.

21

فيستنتج من تلك المقدّمات الثلاث أنّ تلك الصلاة في تلك الحال صحيحة و مجزية بدون الأمر بها واقعا، بل و لا ظاهرا أيضا:

أمّا عدم الأمر بها واقعا: فهو مقتضى المقدّمتين الأوليين، إذ بعد فرض كون تلك الصلاة من أفراد محلّ النزاع في المقام- كما هو مقتضى المقدّمة الأولى، و تكون هي مستجمعة لكلتا جهتي الأمر و النهي من المصلحة و المفسدة، و مع اشتمالها على المفسدة لا يعقل توجّه الأمر إليها، كما هو مقتضى المقدّمة الثانية- فلا تكون مأمورا بها واقعا.

و أمّا عدم الأمر بها ظاهرا: فلأنّ غاية ما هناك أنّ المكلف اعتقد كونها مأمورا بها، و اعتقاده بذلك لا يوجب حدوث خطاب يتوجّه إليه في مرحلة الظاهر. نعم ذلك الاعتقاد يستتبع أمرا عقليا إرشاديا، لكنّه غير مجد في شي‏ء.

هذا مضافا إلى أنّ الأمر الظاهري على تقدير ثبوته لا يصلح لأن يكون منشأ للصحّة و الإجزاء، فتعيّن أن يكون وجه الصحّة و الإجزاء- الّذي تقضي به المقدّمة الثالثة- هو الّذي ذكرنا.

و من هنا تبيّن أيضا اختصاص فائدة الثمرة بين القولين في المسألة- بناء على عدم اعتبار الفعلية في الأمر و النهي في محلّ النزاع، و عمومه بالنسبة إلى الشأنيّين و المختلفين أيضا- بما إذا كان المكلّف عالما ملتفتا إلى الحرمة، و أمّا إذا كان المورد من قبيل الأمثلة المذكورة فالقائلون بعدم جواز الاجتماع و إن كانوا يخصّصون الأمر فيه بغير مورد الاجتماع، إلاّ أنّهم يلتزمون بالصحّة كالقائلين بجواز الاجتماع، فلا يجديهم هذا التخصيص في شي‏ء، بل يكون وجوده من هذه الجهة كعدمه.

و أمّا بناء على اختصاص النزاع بالفعليّين فأصل الثمرة المذكورة منتف في تلك الأمثلة فكيف بفائدتها؟! و لا حاجة فيها أيضا إلى الالتجاء إلى التوجيه المتقدّم لكفاية الأمر الواقعي حينئذ في الصحّة إلاّ أنّ جواز الاجتماع في تلك‏

22

الأمثلة دون الالتزام به خرط القتاد، كما سيأتي تفصيله في محلّه، و قد أشرنا إلى إجماله: من أنّه مستلزم للأمر بذي المفسدة الغير المتداركة بالمصلحة الغالبة لا محالة إن لم نقل بأدائه إلى التناقض، نظرا إلى اختلاف الأمر و النهي بالشأنية و الفعليّة، فلا ينبغي أن يظنّ خروجها عن محلّ النزاع.

اللهمّ إلاّ أن يدّعى أنّ النزاع في المقام إنّما هو في جواز اجتماع الأمر و النهي، و امتناعه بالنظر إلى ذاتيهما مع قطع النّظر عن الجهات الخارجية، فلا يستبعد حينئذ أن يكون جواز الاجتماع من هذه الجهة متّفقا عليه بين الفريقين، فتأمّل.

ثمّ إنّه قد حكي عن شيخنا الأستاذ- (قدس سره)- أنّه وجّه الصحّة في الأمثلة المذكورة بالتزام ثبوت الأمر فيها واقعا، ثمّ التفت إلى الإشكال المتقدّم و هو لزوم الأمر بذي المفسدة، فأجاب عنه بوجهين:

أحدهما: أنّ النزاع في المقام لا يختصّ بالعدلية، بل يعم الأشعرية المنكرين للمصلحة و المفسدة في المأمور به و المنهي عنه، فلأحد حينئذ منع ثبوت المفسدة في الفعل حال الجهل و النسيان، فلا يلزم الأمر بذي المفسدة.

و ثانيهما: أنّ الظاهر من أدلّة العدلية- التي أقاموها على دوران الأحكام مدار المصالح و المفاسد- إرادتهم الأعمّ من المصلحة و المفسدة الكامنتين في ذات الفعل فلم يقم دليل قاطع في تلك الأمثلة على أنّ الفعل نفسه مشتمل على المفسدة، فيحتمل أن يكون في نفس النهي عنه مصلحة، فيرتفع المحذور. هذا خلاصة ما أفاده- (قدس سره)-.

لكن لا يخفى ما في كلّ من هذين الوجهين:

أمّا الأوّل منهما: فلأنّه إنّما يجدي لمن كان من الأشاعرة، لا لمن كان من العدلية التي هو- (قدس سره)- منهم، بل رئيسهم.

و أمّا الثاني: فلأنّه بعد تسليم صحّة النهي لمصلحة في نفس النهي، نمنع‏

23

من صحّته في الأمثلة المذكورة، لعدم تصوّر مصلحة للنهي فيها، إذ الفائدة المتصوّرة لنفس الأمر و النهي إنّما هي مجرّد البعث و التحريك نحو الفعل أو الكفّ عنه، و هو ممتنع الحصول في صورة الجهل و النسيان المفروضين في الأمثلة المذكورة بالضرورة، فيلغى‏ (1) النهي، فيجب انتفاؤه، و المفروض ثبوته، فيكشف عن أنّه ليس إلاّ لمفسدة في نفس الفعل، فيعود المحذور.

ثمّ إنّا و إن بنينا على أنّ النهي الواقعيّ ما لم ينجّز على المكلّف- بمعنى عدم فعليّته بالنسبة إليه- لم يكن مانعا من الصحّة و الإجزاء إلاّ أنّ مجرّد عدم فعليّته لا يكفي فيها، ضرورة عدم كفاية عدم المانع بمجرّده لوجود شي‏ء و تحقّقه، بل لا بدّ معه من إحراز المقتضي له أيضا، و هو في المعاملات اشتمال الفعل المأتيّ به على ما اشتمل عليه سائر أفراد الطبيعة المأمور بها و تساويه لها من تلك الجهة، فإنّ مجرّد ذلك كاف في الصحّة المرادفة للإجزاء في الأمور المعاملية بلا شكّ و ريب.

و أمّا في العبادات ففي الاكتفاء به في تحقّق الإجزاء إشكال، بل منع، فإنّ الصحّة المرادفة للإجزاء فيها إنّما هي تستتبع انعقاد الفعل عبادة، ضرورة أنّ الغرض منها ذلك، و من المعلوم أنّ صحّة الماهيّة (2)- و هي اشتمال الفرد المأتيّ به على تمام المصلحة [1] التي اشتملت عليها الطبيعة المأمور بها من حيث هي و تساويها سائر (3) الأفراد من هذه الجهة- لا تستلزم وقوع ذلك الفرد عبادة حتّى‏

____________

[1] و بعبارة أخرى عدم نقصان في ذلك الفرد من حيث كونه فردا للطبيعة المأمور بها بمعنى تحقّقها فيه على نحو تحقّقها في سائر أفرادها. لمحرّره عفا اللّه عنه.

____________

(1) لغا يلغى: أخطأ، و لغا يلغو: بطل.

(2) في الأصل: (الصحة الماهية)، و الأنسب: الصحّة الماهويّة ..

(3) في الأصل: لسائر ..

24

تستلزم الصحّة المرادفة للإجزاء، بل أعمّ منها لتوقّف الصحّة بهذا المعنى على أمر آخر أيضا و هو أحد الأمرين على سبيل منع الخلوّ.

أحدهما: إيقاع الفعل بداعي الأمر.

و ثانيهما: أن يكون هو بنفسه من رسوم العبودية للّه تعالى كالسجود و الخضوع له، إذ معه لا حاجة إلى وجود الأمر أصلا و بانتفاء كليهما يمنع الصحة.

فعلى هذا فنحن و إن كنّا مشتركين في الأمثلة المتقدّمة بواسطة قيام الإجماع على صحّتها، إلاّ أنّ الإشكال في حكم المجمعين بها فيها، فإنّ الظاهر أنّ حكمهم بها إنّما هو لاقتضاء القاعدة إيّاها، و من المعلوم أنّها إنّما تقتضيها إذا كان الفعل المأتيّ به منطبقا على الطبيعة المأمور بها بالمعنى المتقدّم، و جامعا لأحد الشرطين المتقدّمين، و الصلاة في الموارد المفروضة في الأمثلة المتقدّمة و إن كانت منطبقة على الطبيعة المأمور بها، إلاّ أنّه لم يعلم كون طبيعة الصلاة بنفسها من رسوم العبوديّة حتّى تكون تلك الصلاة كذلك لانطباقها، لتكون صحيحة لذلك، و الأمر بتلك الصلاة أيضا قد عرفت امتناعه، فلم يبق لهم وجه للحكم بصحّتها.

و يمكن دفعه: بأنّهم فهموا من الإطلاقات الواردة لبيان بعض آثار الصلاة- كقوله (صلى اللّه عليه و آله): «الصلاة قربان كلّ تقيّ» (1) و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «الصلاة معراج المؤمن» (2)- أنّها بنفسها من رسوم العبودية و مقرّبة إليه تعالى و أنّ الأمر بها كاشف عن كونها كذلك، لا محقّقة له، و ليس ببعيد.

أقول: و لو لا الاعتماد على تلك الإطلاقات لأشكل الأمر علينا أيضا في الحكم بالصحّة في الأمثلة المذكورة بواسطة قيام الإجماع عليها بعد إحراز أنّ‏

____________

(1) الكافي: 3- 265- كتاب الصلاة- باب فضل الصلاة- ح: 6، و من لا يحضره الفقيه: 1- 136- باب فضل الصلاة- ح: 16.

(2) لم نعثر عليه في كتب الحديث، و أورد مضمونه صاحب الجواهر: 7- 2.

25

المجمعين إنّما حكموا بها لاقتضاء القاعدة عندهم لها، لعدم الاعتماد على مثل هذا الإجماع لعدم الكشف فيها أصلا، فيكون الاعتماد على القاعدة لا عليه، و قد عرفت أنّها لا تتمّ في إثبات الصحّة إلاّ بذلك التوجيه، فافهم.

اللهمّ إلاّ أن يثبت اتّفاق الكلّ المشتمل على المعصوم (عليه السلام) ثمّ إنّ هنا فوائد اخر تلقّيناها منه- دام ظلّه- و كتبناها في آخر مسألة دلالة النهي على الفساد، و سمّيناها زيادات مسألة اجتماع الأمر و النهي، فإن شئت الاطّلاع عليها فراجع ثمّة.

الرابع‏

: إذا بنينا على امتناع اجتماع الأمر و النهي فقد عرفت أنّه لا بدّ من خروج موارد الاجتماع عن أحدهما على حسب ما يقتضيه المرجّح، فهل المرجّحات التي يرجع إليها في المقام هي التي يرجع إليها في التراجيح السنديّة أو الدلاليّة كما في التخصيصات المتعارفة، أو أمور وراء تينك؟

الحقّ هو الأخير، إذ النزاع في المقام بعد الفراغ عن صحّة سندي الأمر و النهي و عن دلالة كلّ منهما على دخول مورد الاجتماع فيه على نحو ما يدلّ عليه الآخر، بحيث ليست دلالة أحدهما عليه أقوى من دلالة الآخر بالنصوصية أو الأظهرية، و هذا واضح لا غبار عليه بوجه.

نعم هنا شي‏ء ينبغي التنبيه عليه: و هو أنّ المرجّح في المقام غير المرجّحات في باب التزاحم أيضا، إذ المرجّح هناك إنّما هي الأهميّة، و من المعلوم أنّ الأهمّ في نظر الشارع أيضا إنّما هو مراعاة جانب الحرمة و امتثال الواجب بغير مورد الاجتماع على تقدير جواز الاجتماع، فعلى تقدير الامتناع- كما هو المفروض- لا يكون منشأ التخيير هو الجهل بأنّ الأهمّ منهما ما ذا؟ بل منشؤه إنّما هو الجهل بأنّ الغالب من المصلحة و المفسدة بالنسبة إلى مورد الاجتماع أيّهما، فهل هي المصلحة فاضمحلّت مفسدة النهي في جنبها بحيث لا حكم لمورد الاجتماع واقعا سوى الوجوب أو هي المفسدة فانعكس؟

26

و بالجملة: منشأ الشكّ في حكم مورد الاجتماع إنّما هو الشكّ في كيفية جعل الوجوب و الحرمة الموجودتين فيه قوّة و ضعفا، و هذا غير الأهميّة الملحوظة في باب التزاحم، فافهم و لا تغفل.

و إن شئت قلت: إنّ هذا إنّما هي الأهميّة الملحوظة في مقام إنشاء الحكم الأوّلي، و تلك هي الأهميّة الملحوظة في مقام الامتثال دون الحكم الأوّلي.

ثمّ إنّه بعد ما عرفت ما ذكرنا، فهل الترجيح للأمر أو للنهي، أو لا ترجيح لأحدهما على الآخر أصلا؟

خير الثلاثة و أقواها أوسطها، فإنّ استقراء الموارد الشرعيّة المجتمعة فيها جهتا الوجوب و الحرمة من العبادات و المعاملات قاض بترجيح النهي في مورد الشك، فإنّ المتتبّع يجد في تلك الموارد أنّ الشارع غلّب جانب الحرمة على جانب الوجوب في غالبها، فيلحق المشكوك بالغالب.

أ لا ترى أنّه لو توقّف عبادة على ارتكاب أدنى محرّم من المحرّمات رفع الشارع [يده‏] عن تلك العبادة، و هكذا الحال في المعاملات أيضا.

و بالجملة: هذه الغلبة من القوّة بمثابة كادت تفيد القطع بأنّ بناء الشارع على ذلك في كافّة تلك الموارد.

و قد يستدلّ للترجيح بوجوه أخرى غير ناهضة للمدّعى، فالأولى الإعراض عنها.

ثمّ إنّه- بعد فرض عدم المرجّح لأحدهما أصلا- فهاهنا مقامان لا بدّ من تحقيق أنّ مقتضى الأصول العملية المقرّرة لصورة الشكّ في كلّ منها ما ذا؟

فنقول:

المقام الأوّل: أن يشكّ في مورد الاجتماع من حيث حكمه التكليفي من حيث جواز ارتكابه و عدمه.

الثاني: أن يشكّ فيه من حيث حكمه الوضعي من الصحّة و الفساد.

27

و مقتضى أصالة البراءة في الأوّل منهما هو جواز الارتكاب لمكان الجهل بحرمته واقعا، كما أنّ مقتضى أصالة الشغل في الثاني هو الفساد، إلاّ أنّ لازم حكمهم بصحّة عبادة ناسي الغصبية هو الصحّة في المقام أيضا لاتّحاد المناط فيهما، فإنّ النهي الواقع بمجرّده غير مانع من الصحّة، و إلاّ لبطلت صلاة ناسي الغصبيّة، و خصوص نسيان موضوع الحرام- و هو الغصب- لا مدخل [له في‏] الحكم بالصحّة قطعا، بل إنّما هو من باب كونه أحد أفراد العذر، و هو متحقّق في المقام، إذ الجهل بالحرمة أيضا عذر للجاهل، إذ مفروض الكلام في الجهل الّذي يعذر معه الجاهل.

و بالجملة: لا بدّ لمن قال بالصحّة هناك من الالتزام بها هنا، و كلّما نوجّهها به هناك فلنوجّهها به هنا، فلا يفيد الكلام في توجيه الصحّة من أنّها لوجود الأمر الفعليّ أو لكفاية الجهة.

ثمّ إنّ ممّا قرّرنا من بيان مقتضى الأصل على تقدير البناء على امتناع الاجتماع ظهر الحال في مقتضاه على تقدير الشكّ في امتناع الاجتماع بالنسبة إلى المقامين أيضا.

هذا خلاصة الكلام في المقدّمات، فإذن نخوض في أصل المسألة و تحقيق الحقّ فيها بعون الملك العلاّم، فنقول:

المعروف من أصحابنا إنّما هو امتناع اجتماع الأمر و النهي عقلا، و عليه بعض مخالفينا أيضا على ما حكي عنه، كما أنّ جمهور مخالفينا على جواز الاجتماع كذلك، و عليه بعض أصحابنا المتأخّرين أيضا، و قد نسب إلى بعض جواز الاجتماع عقلا و امتناعه عرفا كما ذكرناه سابقا، و الأقوى هو الجواز مطلقا.

و الّذي احتجّ به لمجوّزي الاجتماع- أو يمكن أن يحتجّ به- وجوه:

أحدها الّذي هو أقواها

: أنّا لا نرى من العقل مانعا منه عدا ما تخيله المانعون منه من استلزامه لاجتماع الضدّين في شي‏ء واحد، لكن ذلك التخيّل‏

28

باطل، فثبت المطلوب.

في بيان الوجوه لاستلزام اجتماع الضدين‏

و توضيح ذلك ببيان وجه الاستلزام أوّلا، ثمّ بيان وجه بطلانه، فنقول:

أجود ما قيل أو يقال في وجه الاستلزام: أنّ الأحكام- على القول بتعلّقها بالطبائع، كما هو مبنى النزاع في المسألة- لا يعقل تعلّقها بها مع قطع النّظر عن الوجود و العدم، بل إنّما يتعلق بها بلحاظ أحدهما، و ذلك لأحد وجوه على سبيل منع الخلوّ:

أحدها: أنّه لو لا ذلك لما بقي فرق بين الأمر و النهي. التالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة: أنّه لو لا اعتبار الوجود في الأمر و اعتبار العدم في النهي لكان‏ (1) كلّ منهما مجرّد الطلب المتعلّق بذات الطبيعة من غير مائز بينهما.

و قد يمنع من دلالته على المطلوب: بأنّ الوجود و العدم من الحيثيات المأخوذة في الأمر و النهي و من فصولهما المميّزة لهما، و ليسا من القيود المأخوذة في متعلّقهما، و الوجه المذكور لا يقتضي ذلك لحصول الفرق بينهما بما ذكره.

و فيه: أنّه- بعد الاعتراف بلزوم اعتبار الوجود و العدم في الأمر و النهي- لا يفرّق في اللّبّ و المعنى بين كونهما من الحيثيات المأخوذة في مفاد الهيئتين- أعني هيئتي الأمر و النهي- و بين كونهما من القيود المأخوذة في متعلّقيهما، فإنّ الأوّل أيضا راجع إلى الثاني في المعنى، فإنّ حصل معنى الأمر على التقديرين إيجاد الطبيعة من المكلّف، و معنى النهي طلب تركها، غاية الأمر أنّ الدالّ على اعتبار الوجود على الأوّل إنّما هو نفس الطبيعة، و على الثاني أعمّ، و مجرّد ذلك لا يجدي في المقام في شي‏ء.

نعم يمكن الجواب عن الوجه المذكور بمنع انحصار وجه الفرق فيما

____________

(1) في الأصل: فيكون ..

29

ذكر، بل يمكن الفرق بين الأمر و النهي، بأنّ الأوّل عبارة عن الإرادة و الثاني عبارة عن الكراهة.

30

و يمكن دفعه: بأنّ الإرادة و الكراهة إنّما هما منشئان للأمر و النهي، لا نفسهما، فإنّهما عبارتان عن الصفتين القائمتين في نفس الآمر و الناهي الباعثتين له على الأمر و النهي.

و ثانيها: أنّ الطبائع من حيث هي ليست إلاّ هي فلا يعقل طلبها من المكلّف.

و ثالثها: أنّ الأحكام الشرعيّة إنّما تتعلّق بالمقدور للمكلّف، و من المعلوم أنّه ليس المقدور له إلاّ إيجاد تلك الطبائع، لا ذواتها من حيث هي [1].

و رابعها: أنّ من المسلّم تعلّق الأحكام بفعل المكلّف، و من المعلوم أنّ ذوات تلك الطبائع ليست من فعله في شي‏ء، فإنّها إنّما هي الأمور الحاصلة من المصدر الدالّ عليها اسمه، فإنّ الصلاة- مثلا- إنّما هي عبارة عن الحاصل من المصدر الّذي هو المعنى الحدثي الّذي هو فعل المكلّف، و ظاهر الخطابات و إن كان تعلّق الخطاب بنفس تلك الطبائع، إلاّ أنّه- بعد قيام الدليل على امتناع ذلك- لا بدّ من صرفها إلى ما ذكر، و ليس فعل المكلّف- الّذي هو مدلول المصدر- إلاّ إيجاد تلك الطبائع، فثبت أنّ المطلوب بالأمر إنّما هو تلك الطبائع باعتبار الوجود، أعني حقيقة الوجود- التي هي عبارة عن الوجود الخارجي الّذي هو عين أفراد تلك الطبائع- لا مفهومه، فإنّه‏

____________

[1] و يمكن المناقشة فيه: بأنّها مقدورة بواسطة القدرة على إيجادها، فيصحّ تعلّق الإرادة بها نفسها لذلك من غير حاجة إلى اعتبار الوجود، فافهم. لمحرّره عفا اللّه عنه.

31

أيضا إحدى الطبائع، فلا يعقل تعلّق الطلب به أيضا لما مرّ، فيكون مورد الأمر بالأخرة هي الأفراد.

و الفرق بين هذا و بين القول بتعلّق الأحكام بالأفراد بالابتداء و الأوّل، فإنّ مراد القائلين بتعلّقها بها إنّما هو تعلّقها بهذا ابتداء، فإذا فرض كون فرد منهيّا عنه، كما هو المفروض في مورد الاجتماع في المسألة، فتعميم الأمر بالطبيعة المأمور بها الصادقة عليه الآئل إلى تعلّقه بذلك الفرد أيضا- كما عرفت- يوجب اجتماع الضدّين فيه، ضرورة تضادّ الأحكام التي منها الوجوب و الحرمة.

32

وجه بطلان الاستدلال باستلزام اجتماع الضدّين على امتناع اجتماع الأمر و النهي‏

هذا تمام الكلام في وجه استلزام اجتماع الضدّين الّذي [هو] دليل القائلين بامتناع الاجتماع.

و أمّا وجه بطلانه فأجود ما قيل أو يقال فيه: أنّ اعتبار الوجود في متعلّق الأمر غير مستلزم لاجتماع الوجوب و التحريم في مورد الاجتماع، فإنّ الملحوظ فيه و إن لم يكن مفهوم الوجود بل حقيقته، لكنها لم يلحظ فيها خصوصيّة شي‏ء من أفراد الطبيعة لا تعيينا و لا تخييرا، بل مع قطع النّظر عنها، فمتعلّق الأمر إنّما هي الطبيعة المقيّدة بحقيقة الوجود اللا بشرط، فهو بهذا الاعتبار يغاير كلّ واحد من أفراد تلك الطبيعة التي منها مورد الاجتماع و إن كان متّحدا مع كلّ منها باعتبار اتّحاده معه في الخارج و عدم التمايز بينهما فيه، لكنّه غير قادح في شي‏ء.

و بعبارة أخرى: الّذي يتعلّق به البعث و التحريك إنّما هو تلك الطبيعة المقيّدة بلحاظ الوجود الغير الموجودة بعد (1) في الخارج، و إلاّ لزم تحصيل الحاصل، و ليست الأفراد إلاّ تلك الوجودات الخارجية الحاصلة من تلك الطبيعة، و تلك الطبيعة- باعتبار- عدم تحقّقها في الخارج بعد (2) و كلّيّتها (3) مع اعتبار الوجود فيها أيضا- تغاير تلك الأفراد التي هي تلك الطبيعة الموجودة في الخارج، فلا تكون تلك الأفراد موردا للأمر بوجه، و إنّما هي منطبقة على الطبيعة المأمور

____________

(1) (بعد) هنا بمعنى (إلى الآن).

(2) (بعد) هنا بمعنى (إلى الآن).

(3) أي و باعتبار كلّيّتها ..

33

بها، و تقع امتثالا عنها لذلك.

و بعبارة ثالثة: أنّ الّذي يقبل و يصلح لتوجّه الأمر إليه و تعلّقه به إنّما هي الطبيعة بلحاظ الوجود ما لم توجد بعد (1) في الخارج، بحيث إذا وجدت لا يعقل بقاء الأمر لكونه طلبا للحاصل، فهي قبل وجودها و إن كانت موردا للأمر إلاّ أنّها غير متّحدة مع عنوان المحرّم، فلا يلزم اجتماع الوجوب و التحريم في شي‏ء واحد، و بمجرّد وجودها الموجب لصيرورتها فردا يرتفع الأمر، و حينئذ و إن كانت متّحدة مع عنوان المحرّم إلاّ أنّها غير مأمور بها حينئذ (2)، فلا يلزم المحذور المذكور أيضا. هذا.

____________

(1) (بعد) هنا بمعنى (إلى الآن).

(2) الظاهر أن (حينئذ) هنا زائدة

34

و قد يجاب عن المحذور المذكور بمنع اعتبار الوجود في الطبيعة المأمور بها، فيختلف مورد الأمر و النهي، إذ الفرد غير مأمور به و إنّما هو نفس تلك الطبيعة، و المنهي عنه إما الطبيعة الأخرى أو خصوص الفرد بناء على كون النهي للاستغراق، و مجرّد اتّحاد تلك الطبيعة مع المنهي عنه في الوجود الخارجي غير مستلزم لما ذكر، لعدم سراية (1) الأمر من الطبيعة إلى الفرد، فإنّه ليس إلاّ البعث و التحريك و هو لا يتوجّه إلاّ إلى الطبيعة لا غير.

و فيه: أنّ منع اعتبار الوجود في متعلّق الأمر بمكان من الضعف، فإنّ الطبائع المتعلّقة للأوامر لها اعتبارات، و من المعلوم للمتأمّل أنّها لا يتعلّق بها مع قطع النّظر عن جميع الاعتبارات، أو مع ملاحظة جميعها، بل إنّما يتعلّق بها بالاعتبار الّذي تكون هي معه منشأ للآثار و الغايات الداعية للآمر إلى‏ (2) الأمر، و من البديهي أنّ الاعتبار الّذي تكون هي معه منشأ لتلك ليس إلاّ اعتبار الوجود، فإنّها معه يترتّب عليها الآثار المقصودة، لا بدونه، أو مطلقا.

و مع الإغماض عن الوجوه المتقدّمة يكفي هذا في إثبات المطلوب، بل الاعتماد عليه لا عليها، لكنّه لا يقتضي كون الوجود نفسه مأخوذا في متعلّق‏

____________

(1) في الأصل: (تسرّي)، و يريد: سراية الأمر، و لا يوجد في اللغة المصدر (تسرى) بهذا المعنى، و ما أثبتناه في المتن هو الصحيح.

(2) في الأصل: على ..

35

الأمر على وجه الجزئية حتّى يرد عليه أنّه مستلزم لاجتماع الضدّين بتقريب ما مرّ، بل يوافق اعتباره على وجه القيدية و الشرطية بأن يكون نفس الوجود خارجا عن المأمور به و التقيّد به داخلا فيه بأن يكون هو عبارة عن الطبيعة المتلبّسة بالوجود، و المكتسية به، كما هو الحال في سائر الشروط، فافهم.

و قد يقال- في وجه اجتماع الضدّين على تقدير بقاء الأمر و النهي المتعلّقين بالطبيعتين الصادقتين على مورد الاجتماع من غير تخصيص أحدهما بغيره-: إنّه لا شبهة في ثبوت التضادّ بين الأمر و النهي، فيكون المتّصف بأحدهما مضادّا للمتّصف بالآخر، فتكون الطبيعة المأمور بها مضادّة للطبيعة المنهي عنها، و مع ذلك لو فرض كون شي‏ء مصداقا لكلتا الطبيعتين مع عدم تخصيص الأمر و النهي بغيره يلزم اجتماع الضدّين في ذلك المصداق، لسراية كلّ وصف ثبت للطبيعة من حيث هي إلى كلّ واحد من أفراده، و يكون ذلك الشي‏ء مثل ما فرض كونه مصداقا للأبيض و الأسود، فيكون مأمورا به و منهيّا عنه، فيلزم اجتماع الأمر و النهي في نفس ذلك الشي‏ء بالأخرة، و ليس هذا إلاّ اجتماع الضدّين هذا.

و فيه: بطلان قياس الوجوب و التحريم بالأوصاف و الأعراض القائمة بالطبائع الغير المنفكّة عنها في الخارج، ضرورة ثبوت الفرق بينها و بين المقام بما مرّت الإشارة إليه، من أنّ الوجوب- حيث إنّه هو البعث و التحريك- إنّما يعقل ثبوته لموضوعه ما لم يوجد في الخارج، لأنّ تحقّقه في الخارج علّة تامّة لارتفاعه، هذا بخلاف مثل السواد و البياض و سائر الأوصاف، فإنّها تثبت لموضوعاتها بعد تحقّقها في الخارج أيضا، بل لا تثبت لها إلاّ فيه، فلا يلزم اجتماع الوجوب و التحريم في مورد الاجتماع حتّى يلزم اجتماع الضدّين.

و بالجملة: الّذي يقع مصداقا للمأمور به إنّما يتّحد معه لا بعنوان كونه مأمورا المنتزع من الآمر لا معه لما عرفت، هذا بخلاف ما يقع مصداقا للأبيض‏

36

أو الأسود، فإنّه يتّحد مع ما يصدق عليه بعنوان كونه أبيض أو أسود أيضا.

هذا خلاصة الكلام- بعد انقضاء مدّة طويلة في النقض و الإبرام في بيان مانع اجتماع الضدّين و إبطاله- تلقّيناه‏ (1) من السيّد الأستاذ القمقام- أدام اللّه ظلّه على مفارق الأنام- و لم ينكشف بعد (2) به غمائم شوائب الأوهام حقّ الانكشاف، فانقضت بعد ذلك مدّة أخرى بالإجمال و الإبهام، ثمّ ألهمه اللّه الملك العلاّم تقريبا آخر لدفع مانع اجتماع الضدّين تقرّبه عيون الأذهان و الأفهام، فأنا إذن كأني كنت في المنام، فانتبهت به، أو في الظلام فاستضأت به، و هو:

أنّ المانع من الاجتماع- و هو اجتماع الضدّين- إنّما يلزم مع اتّحاد متعلّقي الأمر و النهي، كما هو مبنى دعوى المانعين من الاجتماع، و أمّا مع اختلافهما و امتيازهما في نظر الآمر فلا.

فنقول- بعد البناء على أنّ الأوامر إنّما هي تتعلّق بالطبائع، كما هو مبنى النزاع في المسألة، و أنّه لا بد من اعتبار الوجود فيها لما تقدّم، و أنّه لا يجب أن يكون معتبرا على وجه الجزئية، بل يصحّ اعتباره على وجه الشرطية أيضا كما عرفت-: إنّ متعلّق الأمر في المقام إنّما هي الطبيعة بوصف تلبّسها و اكتسائها بالوجود الخارجي الّذي هو منشأ للآثار و الغايات المقصودة للآمر فنفس الوجود خارج عن المأمور به بالمرّة، و إنّما هو محقّق لجزئه العقليّ، و هو وصف التلبّس به، و متعلّق النهي إمّا الطبيعة الأخرى المتصادقة مع تلك الطبيعة في مورد الاجتماع، أو أفرادها التي منها مورد الاجتماع، بناء على كون النهي للاستغراق، فيختلف موضوعا الأمر و النهي في الذهن، فلا يلزم اجتماع الضدّين فيه و لا في الخارج أيضا، لما مرّ من أنّ متعلّقيهما و إن كانا يتّحدان فيه، إلاّ أنّه بمجرّد وجوديهما يرتفع‏

____________

(1) هكذا تجده (ره) يصرّح في مواضع تقرير آراء أستاذه (قدّه) بذلك.

(2) (بعد) هنا بمعنى (إلى الآن).

37

الأمر و النهي عن ذلك الموجود: أمّا ارتفاع الأمر فلكونه‏ (1) طلبا للحاصل، و أمّا ارتفاع النهي عنه فلأنّ بقاءه مستلزم لطلب الممتنع، لعدم إمكان ترك ذلك الموجود بعد وجوده.

و كيف كان فالأمر مرتفع عنه بمجرّد وجوده لا محالة، و معه لا يلزم ما ذكر من المحذور، و به يتّضح الفرق بين القول بتعلّق الأوامر بالأفراد، و بين تعلّقها بالطبائع أيضا من غير حاجة إلى تكلّف الفرق بينهما بالأوّل و الابتداء.

لا يقال: على تقدير اعتبار صفة التلبّس بالوجود في متعلّق الأمر دون نفس الوجود لا بدّ من تقييد تلك الصفة بالوجود الحاصل على الوجه المباح، و إلاّ يلزم اجتماع الوجوب المقدّمي و التحريم فيه فيما إذا كان على الوجه المحرّم، نظرا إلى مقدّميّته لتلك الصفة المطلوبة، و أيضا يشكل كون نفس الوجود مبغوضا مع كون الصفة الحاصلة به محبوبة.

لأنّا نقول: تلك الصفة محبوبة للآمر على الإطلاق من غير اختصاص محبوبيّته بما يحصل منها بالوجود المباح، و لا يجب عليه أيضا تقييد الأمر بها بما يحصل منها كذلك [1].

نعم لا يجوز له تعميمه [2] بالنسبة إلى ما يحصل منها بالمحرّم لقبحه، لكن‏

____________

[1] أقول: لا يخفى أنّ الأمر المتعلّق بصفة التلبّس بالوجود موضوعه نفس تلك الصفة الملحوظة بلحاظ الوحدانيّة، و نفس الوجود مباين لها، فلا يعقل تعميم ذلك الأمر بالنسبة إلى وجود دون آخر، و إنّما المعقول تحقّقه ببعض من افراد تلك الصفة دون آخر، فحرمة بعض أفراد الوجود إنّما توجب اختصاص الأمر المقدّمي- الناشئ من الأمر بتلك الصفة- بالوجود المباح، لا اختصاص ذلك الأمر، فيجوز إيراد ذلك الأمر على وجه الإطلاق، مع كون بعض مقدّماته محرّما، فقبح التعميم مختصّ بالأمر المقدّمي، فتأمّل. لمحرّره عفا اللّه عنه.

[2] وجه قبح التعميم: أنّ الطلب المتعلّق بذلك الفرد الحاصل على الوجه المحرّم على تقديره و إن‏

____________

(1) في الأصل: لكونه ..

38

الغرض يحصل به و يجوز له الأمر بها من حيث هي من غير تصريح بالتعميم و التقييد، و لمّا كان الوجود المحرّم غير قابل لذلك الأمر لوجود المانع منه فيه، فيختصّ الأمر بغيره، لكنّه لمّا كان لوجود المانع مع ثبوت المقتضي، فلا يقتضي تغيّر المطلوبية بغيره، بل يعمّه و يحصل به الغرض، فلم يلزم تقييد تلك الصفة، و لا اجتماع الوجوب و التحريم في شي‏ء واحد حتّى يلزم اجتماع الضدّين، و لا منافاة أيضا بين كون شي‏ء محبوبا للآمر و بين كون ما يحصله مبغوضا له، كما قد يقال له في مسألة الستر في الصلاة باللباس المغصوب: بأنّه يجوز، نظرا إلى أنّ المعتبر في الصلاة إنّما هي صفة الستر على الإطلاق، و هي تحصل مطلقا و لو كان ذات الساتر محرّما مبغوضا، فمجرّد حرمة مقدّمة شي‏ء لا يوجب مبغوضيّة ذلك الشي‏ء، فاندفع استبعاد الاجتماع بينهما، فافهم.

الثاني‏

(1): أنّه قد علم أنّ المانع من اجتماع الأمر و النهي إنّما هو لزوم اجتماع الضدّين مع عدم كفاية تعدّد الجهة في رفعه، لكنّه باطل، لوقوع الاجتماع بين الوجوب و غير الحرمة في الشريعة مع تعدّد الجهة، بل و مع اتّحادها أيضا، مع أنّ الوجوب مضاد لغيرها من الأحكام أيضا، فوقوعه ملازم لجوازه و إمكانه، لأنّه أخصّ منه، و إمكان ذلك ملازم لإمكان اجتماع الوجوب و التحريم أيضا، لاتّحاد مناط الجواز و الامتناع في الموردين و إن كان الاختلاف ثابتا بينهما من وجوه، لكنّها غير صالحة للفرق، لعدم دخليتها في الجواز و الامتناع، بل بعضها مؤكّد للجواز كما ستعرف، و موارد وقوع ذلك في الشريعة كثيرة:

فمنها: العبادات المكروهة: حيث إنّها قد اجتمع فيها الوجوب و الكراهة

____________

كان تخييريّا غير مستلزم للتكليف بما لا يطاق، إلاّ أنّه مستلزم للأوّل في ارتكاب مبغوضه، و هو قبيح، لكونه نقضا للغرض و تناقضا أيضا، فتأمّل. لمحرّره عفا اللّه عنه.

____________

(1) أي (الوجه الثاني من أدلّة المجوّزين للاجتماع) على ما جاء في هامش الأصل.

39

التي هي مضادّة للوجوب مع اتّحاد الجهة في بعضها حيث إنّ متعلّق الأمر و النهي التنزيهي فيها واحد، و هو نفس العبادة، و ذلك يستلزم جواز الاجتماع فيها نحن فيه بالأولويّة القطعيّة، و هذا مثل الصوم في الأيّام المخصوصة، كاليوم العاشر من المحرّم و غيره، و مع تعدّدها في بعض آخر، كما سيتّضح مثاله فيما بعد.

و فيه: أنّ اجتماع الكراهة و الوجوب في تلك الأمثلة ليس ضروريّا أو إجماعيّا لا محالة، بل إنّما هو مقتضى ظواهر الأدلّة الشرعيّة، و المسألة عقلية لا يمكن إثباتها بالظواهر الظنيّة، بل لا بدّ فيها من القطع.

نعم تلك الظواهر تثبت إمكان الاجتماع ظاهرا مع فرض الشكّ في جوازه و امتناعه عقلا، فيترتّب عليها في حقّ الشاكّ ما يترتّب على إمكان الاجتماع عقلا.

و الحاصل: أنّه إن أريد إثبات الإمكان الواقعي العقلي بتلك الظواهر فهي لا تنهض لإثباته، و إن أريد إثبات الإمكان الظاهري فهو ليس من محلّ النزاع في هذه المسألة في شي‏ء، فإنّ البحث فيها إنّما هو عن الإمكان الواقعي.

نعم يمكن عقد مبحث آخر على تقدير الشك في الإمكان و الامتناع الظاهريّين، فيتّجه حينئذ الاستدلال في إثبات الإمكان الظاهري بتلك الظواهر، مع أنّه لا حاجة حينئذ إلى التمسّك بها على إثباته أيضا، لكفاية الشكّ في امتناع الاجتماع في إثبات إمكانه ظاهرا كما لا يخفى.

هذا مضافا إلى أنّه لا يصحّ النقض- على القائلين بامتناع الاجتماع- بالعبادات المجتمع فيها الوجوب و الكراهة مع اتّحاد الجهة، فإنّها مشتركة الورود بين الفريقين، إذ القائلون بجواز الاجتماع إنّما يجوّزونه مع تعدّد الجهة، لا مع وحدتها، فعلى أولئك- أيضا- أن يعالجوا تلك الأمثلة.

هذا، ثمّ إنّه على القول بجواز الاجتماع فلا داعي إلى التأويل في تلك الأمثلة.

40

و أمّا على القول بامتناعه [فلا بدّ] (1) من تأويل تلك الظواهر إلى ما لا ينافي حكم العقل القطعيّ، إذ لا يعقل التخصيص في حكم العقل، لا سيّما تخصيصه بالظواهر الظنّية، و لا بأس بالتعرّض لتأويلها على هذا القول، فنقول:

العبادات المتعلّقة للنهي التنزيهي على ثلاثة أقسام:

الأوّل‏

: أن تكون النسبة بين المأمور به و المنهيّ عنه هي العموم و الخصوص المطلقان مع كون الأخصّ مطلقا هو المنهيّ عنه، بأن يكون متعلّق النهي بعض أفراد المأمور به مع كون الأفراد الأخرى منه أبدالا له، بمعنى عمد اتّفاق انحصار فرد المأمور به في متعلّق النهي، بل يتمكّن المكلّف من امتثاله في ضمن غير ذلك الفرد المنهيّ عنه، و هذا كالصلاة في الحمّام، حيث إنّها أخصّ مطلقا من مطلق الصلاة المأمور بها، و يتمكّن المكلّف من امتثال الأمر بالصلاة في غير الحمّام، فتكون الصلاة في غير الحمّام بدلا عنها فيه.

الثاني‏

: أن تكون النسبة بينهما على النحو المذكور في القسم الأوّل إلاّ أنّه لا بدل لذلك الّذي تعلّق به النهي، بمعنى أنّه اتّفق انحصار فرد المأمور به فيه، و هذا كالصلاة و الصوم في الأزمنة و الأيّام المخصوصة المذكورة في الفقه.

الثالث‏

: أن تكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، و لا بدّ في هذا القسم الأخير- بعد القطع بامتناع اجتماع الأمر و النهي، و القطع بصحّة العبادة- من تخصيص النهي بما إذا لم يكن متعلّقه عبادة، فيرتفع النهي عن مورد الاجتماع.

و لو فرض استكشاف منقصة ذاتية ملازمة للعنوان الّذي تعلّق به النهي من ذلك النهي المتعلّق به، بحيث يعلم ثبوت تلك المنقصة لمورد الاجتماع الّذي هو من العبادة، فلا بدّ من التزام أنّ مصلحة جهة العباديّة (2) الثابتة له غالبة على‏

____________

(1) إضافة يقتضيها السياق.

(2) في الأصل: العبادة به ..

41

تلك المنقصة، بحيث تكون تلك مضمحلّة في جنبها، و يستتبع الحكم لجهة العبادية، فيكون مأمورا به لا غير.

أمّا تخصيص النهي بغير مورد الاجتماع دون حمله على الإرشاد- كما يصنع في القسم الأوّل- فلأنّ ظاهر النهي هو كونه مولويّا لا إرشاديا، و لا داعي إلى الخروج عنه في سائر أفراد المنهيّ عنه، فيجب الحكم بمقتضاه بعد البناء على ثبوت الكراهة الشرعية في سائر الأفراد [و] لا يمكن حمل النهي في مورد الاجتماع على الإرشاد، لاستلزامه استعماله في معنيين، فتعيّن إخراجه منه و تخصيصه بغيره.

لا يقال: لمّا لم يمكن حمل النهي على الكراهة الشرعيّة بالنسبة إلى جميع أفراد العنوان المنهيّ عنه- التي منها مورد الاجتماع- فالأمر يدور بين ارتكاب أحد الأمرين المخالفين للأصل: أحدهما تخصيص النهي بغير مورد الاجتماع، و ثانيهما حمله على الإرشاد من غير تخصيص فيه أصلا، إذ به أيضا يرتفع محذور اجتماع الوجوب و الكراهة من غير حاجة إلى ارتكاب شي‏ء آخر مخالف للأصل، فلا أولويّة لارتكاب الأوّل على ارتكاب الثاني.

لأنّا نقول: لا شبهة أنّ النهي الإرشادي بالنسبة إلى غير مورد الاجتماع على تقديره لا بدّ أن يكون المطلوب به الترك على الإطلاق، و بالنسبة إلى مورد الاجتماع على تقدير ثبوته له لا بدّ أن يكون المطلوب به الترك إلى بدل، و هو فعل واحد من سائر أفراد العنوان المأمور به، فعلى تقدير حمل النهي على الإرشاد من غير تخصيص يلزم- مضافا إلى ارتكاب حمله على الإرشاد الّذي هو مخالف للأصل- استعماله في معنيين، بأن يكون المراد بالنسبة إلى غير مورد الاجتماع الترك على الإطلاق، و بالنسبة إلى مورد الاجتماع الترك إلى بدل، لعدم جامع بينهما حتّى يستعمل النهي فيه، فلا بدّ من إرادة كلّ منهما مستقلا، و هو كما ترى.

و أمّا التزام غلبة جهة العباديّة في مورد الاجتماع على المنقصة الثابتة فيه‏

42

الناشئة من جهة العنوان المنهيّ عنه على تقدير استكشافها من النهي، فلأنّه لو لا غلبة هاتيك على تلك- بل تكونان متساويتين- فلا معنى لترجيح جهة العبادية المقتضية للأمر و ثبوت مقتضاها لها دون العكس.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّه بعد إحراز منقصة في ذلك الفرد يكون ذلك أدنى مرتبة و أقلّ ثوابا من سائر أفراد المأمور به، لاشتمالها على المصلحة المحضة و اشتمال ذلك على المصلحة المقرونة بمنقصة ذاتية و ان كانت تلك المصلحة غالبة عليها، إلاّ أنّ الغلبة توجب ضعف جهة النهي بحيث لا يقتضي معها ما كان يقتضي بدونها من النهي، لكنّها لا توجب تساوي مواردها [مع‏] سائر (1) الأفراد.

نعم لا بدّ أن تكون المصلحة الموجودة فيه بمقدار المصلحة الثابتة لأصل الطبيعة المأمور بها الداعية إلى الأمر بها و يكون المقدار الزائد القائم بسائر الأفراد من المصلحة زائدا على تلك المصلحة، و إلاّ لا ينطبق ذلك الفرد على المأمور به، فلا يقع امتثالا عنه، لعدم كونه محصّلا للغرض المقصود منه، فافهم.

هذا تمام الكلام في القسم الثالث.

و أمّا القسم الأوّل من تلك الأقسام: فلا بدّ من حمل النهي فيه على الإرشادي، بتقريب أنّ للطبيعة لا مأمور بها كالصلاة- مثلا- مقدارا من المصلحة أوجبت توجّه الأمر إليها و تعلّق الطلب بها، لكنّها قد يعتريها في بعض أفرادها عنوان آخر غير محبوب للشارع في نفسه، و يتّحد معه في ذلك الفرد، فيحدث فيها في ضمن ذلك الفرد منقصة بالإضافة إلى سائر الأفراد، لكن لا يرتفع عنها ذلك المقدار من المصلحة، فيكون الطلب المتعلق بها باعتبار ذلك الفرد لأجل ذلك أضعف من الطلب المتعلّق بها باعتبار سائر الأفراد، و قد تكون مجرّدة عن ذلك العنوان، لكنّها غير مقرونة بشي‏ء من المزايا القائمة ببعض‏

____________

(1) في الأصل: لسائر.

43

الأفراد أيضا، كما في الصلاة في البيت- مثلا-، فيكون الطلب المتعلّق بها باعتبار ذلك آكد منه على الفرض الأوّل، و أضعف منه بالنسبة إلى الفرض الآتي، و قد تكون مع تجرّدها عن ذلك العنوان مقرونة بجهة زائدة راجحة قائمة ببعض أفرادها، فيكون الطلب المتعلّق بها باعتبار هذا الفرد آكد منه على الفرضين السابقين، و هذا كما في الصلاة في الأمكنة المشرّفة كالمساجد و البقاع المشرّفة، و يكون الثواب في الفرض الثاني أكثر منه على الفرض الأوّل، و في الفرض الثالث أكثر منه على الفرض الثاني و الأوّل، و محلّ النهي فيما نحن فيه من قبيل الفرض الأوّل، فإنّه لمّا كان مقرونا بمنقصة مقتضية لنقصان الثواب على فعله طلب الشارع طلبا إرشاديا تركه إلى بدل خال عن تلك المنقصة، فإنّه- بعد إحراز مقدمتين: إحداهما صحّة تلك العبادة، و أخراهما امتناع اجتماع الأمر و النهي- لا بدّ من خصوص هذا التصرّف، لعدم سبيل لغيره [في‏] المقام، (1) فإنّه- بعد إحراز تينك المقدّمتين- يدور الأمر بين رفع اليد عن النهي بالمرّة، و بين حمله على الإرشاد، لأنّه لا يمكن فيه ما صنعنا في القسم الثالث، إذ المفروض انحصار مورده في مورد الاجتماع فإخراجه منه عين طرحه.

و كيف كان، فلا يمكن حمل النهي في القسم المذكور على الكراهة المصطلحة و لو مع قطع النّظر عن المقدّمتين أيضا، إذ المفروض أنّ المطلوب به الترك إلى بدل، و هو ليس من معنى الكراهة المصطلحة في شي‏ء، فإنّها عبارة عن طلب الترك على الإطلاق. هذا.

و أمّا القسم الثاني من تلك الأقسام الثلاثة، و هو العبادة المكروهة التي لا بدل لها كالصوم في اليوم العاشر من المحرّم، فبعد القطع فيه بصحّة العبادة، كما هو كذلك في المثال المذكور، و القطع بامتناع اجتماع الأمر و النهي لا بدّ من‏

____________

(1) في الأصل: إلى المقام ..

44

حمل النهي فيه على الإرشادي، بتأويل أنّ العبادة فيها مصلحة توجب رجحانها، لكنّها قد عرضها عنوان آخر ذو مفسدة مقتضية الأرجحيّة تركها بالنسبة إلى فعلها، بمعنى أن تلك المفسدة الثابتة لذلك العنوان المتّحد مع تلك العبادة ليست بحيث تزيل مصلحة العبادة و تحدث فيها حزازة، بل هي مع اتّحادها مع ذلك العنوان ذات مصلحة و حسنة من غير حزازة فيها أصلا، بحيث لو أتى بها فقد أتى بمحبوب الشارع و مطلوبه، و يستحقّ الثواب على فعله، إلاّ أنّ مفسدة ذلك العنوان المتّحد معها اقتضت أرجحيّة تركها بالنسبة إلى فعلها، نظرا إلى كونها أقوى من تلك المصلحة، فيكون دفعها أرجح من جلب تلك المصلحة فنهي الشارع إرشادا عن فعل الصوم كنهيه عن غير الأهمّ في كلّ واجبين متزاحمين يكون أحدهما أهمّ من الآخر، فإنّ طبيعة الصوم فيها مصلحة موجبة لرجحانها على الإطلاق، إلاّ أنّها في اليوم العاشر من المحرّم اتّحدت مع عنوان آخر ذي مفسدة، و هو النسبة [إلى‏] بني‏ (1) أميّة- لعنهم اللّه تعالى-، و لمّا كان ترك ذلك العنوان أرجح من فعل الصوم مع كون الصوم راجحا أيضا، فنهي الشارع عنه بها إرشاديّا مطابقا لحكم العقل الإرشادي بتقديم الأهمّ في كلّ عنوانين متزاحمين أحدهما أهمّ.

و بالجملة: الحال في المقام نظير الحال في القسم المذكور من المتزاحمين.

هذا، و يشكل هذا بأنّ تلك المفسدة العارضة لتلك العبادة من جهة اتّحادها مع ذلك العنوان إن كانت مساوية لمصلحة نفس تلك العبادة، فلا يعقل كون تركه أرجح حتّى يكون النهي لأجله للإرشاد، و إن كانت أقوى منها فلا بدّ أن تغلب عليها، فتكون تلك المصلحة مضمحلّة في جنبها، و معه لا يعقل بقاء الأمر بالعبادة، بل يستتبع الحكم للجهة الغالبة.

____________

(1) في الأصل: ببني ..

45

اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ أرجحيّة الترك ليست مسبّبة عن قوّة المفسدة، بل هي أضعف من تلك المصلحة، لكنّه قد وجد هناك عنوان آخر متّحد مع ترك تلك العبادة، و أوجد لأجل الاتّحاد مصلحة ناقصة في ترك العبادة، فتلك المصلحة الناقصة مع تلك المفسدة الناقصة الآتية من قبل العنوان الآخر بأجمعهما أقوى من مصلحة فعل تلك العبادة، مع كون كلّ واحدة منهما وحدها أضعف منهما، فيصحّ بقاء الأمر بالعبادة، لعدم جهة غالبة على جهتها، إذ العبرة في استتباع الحكم للجهة الغالبة على الجهة الغالبة بنفسها، لا الغالبة بسبب انضمامها إلى جهة أخرى موافقة لها.

و الحاصل: أنّ الحكم الفعلي يستتبع الجهة الواحدة لا المتعدّدة، و إذا كانت جهة العبادة أقوى من كلّ واحدة من تينك الجهتين فالحكم يستتبع تلك دون شي‏ء منهما أو كليهما، و أرجحيّة تركها الحاصلة من انضمام الجهتين إنّما أوجبت مجرّد النهي الإرشادي عنها، دون الشرعيّ، فتأمّل.

و منها: الواجبات التخييريّة الشرعيّة و العقليّة المجتمعة مع الاستحباب العيني، و وجه الاستدلال بها ما مرّ في العبادات المكروهة.

و يتّجه على الاحتجاج بها أيضا ما أوردناه على الاحتجاج بتلك من أن هذا استدلال بالظواهر في المسألة العقليّة.

هذا مضافا إلى أنّ الثابت في تلك الأمثلة ليس الاستحباب المصطلح جدّاً، حيث إنّه ملازم لجواز ترك مورده لا إلى بدل، و هذا متعذّر فيها لكون المستحبّ بعض أفراد الواجب، فلا يجوز تركه على الإطلاق، بل إنّما يجوز تركه إلى بدل من سائر أفراد الواجب، و ما يكون كذلك لا يعقل أن يثبت له الاستحباب المصطلح الّذي [هو] ملازم لجواز الترك مطلقا، و إلاّ لزم التناقض بين الحكم و بين موضوعه كما لا يخفى.

نعم ربما أمكن أن يقال: إنّ ذلك الفرد من الواجب الّذي ادّعي‏

46

استحبابه و إن لم يمكن اتّصافه بالاستحباب المصطلح، إلاّ أنّه لمّا كان مشتملا على مزيّة بالنسبة إلى سائر الأفراد فتلك المزيّة دعت إلى صدور طلب آخر غير إلزامي مماثل للوجوب التخييري الثابت له جنسا و فصلا بمعنى أنّه طلب منفصل بجواز الترك إلى بدل، و لا منافاة بينه و بين الوجوب التخييري لعدم المضادّة بينهما بوجه، بل [هما] متماثلان من جميع الوجوه.

لكنّه مدفوع: بأنّه كما يكون التضادّ مانعا من الاجتماع كذلك يكون التماثل مانعا منه أيضا، ضرورة امتناع اجتماع المثلين في محلّ واحد لما حقّق في محلّه من أنّ المحلّ من مشخّصات العرض القائم به، و يمتنع أن يكون الشي‏ء الواحد مشخّصا لشيئين.

و ربما يتخيّل اندفاع ما ذكرنا- من امتناع ثبوت الاستحباب المصطلح فيما نحن فيه من جهة التناقض بينه و بين موضوعه- بأنّ موضوعه إنّما هو اختيار ذلك الفرد على غيره، لا نفس ذلك الفرد حتّى يلزم التناقض، و عنوان الاختيار مما يجوز تركه على الإطلاق، فإنّه لا يلزم منه ترك الواجب، إذ غاية الأمر أن يفعل واحدا من الأفراد لا بعنوان اختياره على غيره و ترجيحه عليه و لو كانت ذلك و هو الفرد الراجح، بل بعنوان كونه أحد أفراد الواجب.

و إن شئت قلت: إنّ المتوجّه إلى ذلك الفرد طلبان: أحدهما وجوبي ملحوظ فيه البدليّة لمورده، و الآخر ندبي لم يلحظ فيه ذلك. و عدم جواز تركه على الإطلاق إنّما هو مقتضى الطلب الأوّل، و إلاّ فمقتضى الثاني جواز تركه كذلك.

و الحاصل: أنّه قد عرض له مانع عن العمل بما يقتضيه الاستحباب المصطلح، و هو لا يستلزم انتفاءه.

هذا، لكنّه مدفوع أيضا: بأنّ عنوان الاختيار و إن كان مغايرا لفعل ذلك الفرد بحسب المفهوم، لكنّه متّحد معه في المصداق بحيث لا مصداق له سواه، فيعود المحذور، فافهم.

47

ثمّ بعد البناء على امتناع اجتماع الوجوب و الاستحباب في تلك الأمثلة فلا بدّ من تصرّف في ظواهر الأدلّة:

و أوجه وجوه التصرّف- بل المتعيّن- حمل ما دلّ على الاستحباب في الواجبات التخييرية الشرعيّة على الطلب الإرشادي الكاشف عن تأكّد ذلك الطلب الوجوبيّ التخييري المتعلّق بالفرد الراجح، لا كونها طلبا آخر شرعيّا مماثلا لذلك الطلب الوجوبيّ أو مضادّا له، لما عرفت من امتناع كليهما معه، بناء على عدم جواز اجتماع الوجوب و التحريم إن كان مع تعدّد الجهة، أو مطلقا إن كان مع وحدتها مع أنّه لا يصحّ النقض بتلك الأمثلة على القائلين بامتناع الاجتماع على تقدير اتّحادها كما عرفت سابقا.

قال دام ظلّه: و لعلّ الغالب أنّ المزيّة الموجودة في ذلك الفرد ليست جهة مغايرة لجهة الوجوب الموجودة فيه، بل من سنخها، بمعنى أنّ جهة الوجوب فيه أقوى منها في غيره، فتلك القوّة أوجبت تأكّد طلبه.

و لا يخفى أنّ المزيّة المذكورة على تقدير مغايرتها لجهة الوجوب فهي ممحّضة لجهة الاستحباب، و مقتضية له إلاّ أنّ المانع منع من ترتّب مقتضاه، فلا بدّ حينئذ أن تكون هي مؤكّدة لجنس الوجوب الثابت لذلك الفرد، و هو الطلب، دون فصله أو المركّب منهما، إذ لا يعقل أن تكون جهة الاستحباب مؤكّدة لجهة الحتم و الإلزام التي هي فصل الوجوب.

نعم على تقدير أن يكون الوجوب أمرا بسيطا عقلا، لا مركّبا مشتملا على الجنس و الفصل، فلا يجري فيه هذا الكلام، فإنّها حينئذ مؤكّدة لذلك الأمر البسيط لا محالة.

هذا، و كيف كان، فالحال فيما نحن فيه نظير الحال في الواجبين المتزاحمين اللذين أحدهما أهمّ من الآخر، فإنّه كما لا توجب المزيّة الموجودة في الأهمّ منهما

48

صدور طلب آخر مولويّ من الشارع، بل إنّما توجب تأكّد الطلب الابتدائي، و صدور طلب إرشادي كاشف عن الاهتمام في شأن ذلك الواجب، فكذلك المزيّة المفروضة فيما نحن فيه.

و الحاصل: أنّ الحال فيما نحن فيه نظير الحال في الواجبين المتزاحمين اللذين أحدهما أهمّ من الآخر، لكن لم يبلغ الاهتمام فيه إلى حدّ التعيين، بل أوجبت المزيّة الموجودة فيه مجرّد رجحان فعله بالنسبة إلى الآخر و اختياره عليه، لا وجوب تقديمه عليه.

هذا كلّه في الواجبات التخييرية الشرعية.

و أما الواجبات التخييرية عقلا التي دلّت الأدلّة على استحبابها، فلا بدّ فيها من حمل ذلك الطلب المستفاد من تلك الأدلّة على الإرشادي الكاشف عن أرجحيّة ذلك الفرد بالنسبة إلى سائر أفراد المأمور به، لكنّ المزيّة الموجودة فيه ليست مؤكّدة لطلب آخر، لعدم تعلّق الطلب بخصوص الأفراد أصلا، بل يتوجّه لأرجحية ذلك الفرد في وقوعه امتثالا عن ذلك الفرد المتعلّق بأصل الطبيعة المأمور بها بالإضافة إلى سائر أفرادها. هذا.

و منها: تداخل الأغسال الواجبة و المندوبة، و وجه الاستدلال به أيضا نظير ما مرّ، و كذا الجواب عنه، فإنّ ذلك لو كان من مقولة اجتماع الأمر و النهي، فمن يمنع منه عقلا لا بدّ أن يؤوّل تلك الموارد إلى شي‏ء آخر، لعدم معارضة بين القطع و الظاهر بوجه.

و التحقيق في الجواب: أنّ تداخل الأغسال الواجبة و المندوبة على تقدير ثبوته شرعا ليس من مقولة اجتماع الوجوب و الاستحباب على النحو الّذي هو محلّ النزاع في المقام في شي‏ء أصلا، فإنّا إن بنينا على كون كلّه غسل حقيقة مغايرة للآخر- كما لعلّه الظاهر من الأدلّة- أو أنّ الغسل حقيقة واحدة غير متكثّرة بالوجوب و الاستحباب أو بتكثّر الأسباب و اختلافها، مع اعتبار الإيجاد

49

في متعلّق كلّ من الطلبين المتعلّقين بها الذين أحدهما وجوبي، و الآخر ندبي، بأن يكون موضوع كلّ منهما إيجاد واحد لتلك الطبيعة، بمعنى كون المطلوب إيجادين لها: أحدهما واجب، و الآخر مندوب، فلا ريب حينئذ أنّ معنى تداخلها إنّما هو سقوط أحد الأمرين بإيجاد متعلّق الأمر الآخر، و هذا ليس من اجتماع الوجوب و الاستحباب أصلا.

50

و بعبارة أخرى: أنّه على أحد التّقديرين المذكورين يكون متعلّق كلّ من الطلبين مغايرا لمتعلّق الآخر ذهنا و خارجا أيضا، فلا اتّحاد في متعلّقهما و لا تصادق بينهما بوجه، حتّى يكون مورد الاجتماع متّصفا بهما و مسقطا عنهما لصدق متعلّقهما عليه.

و إن بنينا على اتّحاد حقيقة الأغسال الواجبة و المندوبة- مع عدم اعتبار الإيجاد في متعلّق الوجوب و الاستحباب- يكون‏ (1) متعلّقهما حينئذ شيئا واحدا من غير تعدّد الجهة أيضا، و القائل بجواز الاجتماع في المقام لا يقول به، فيلزم على كلا الفريقين علاج ذلك‏ (2)، فلا يصحّ للقائل بجواز الاجتماع في المسألة المتنازع فيها النقض على المانعين بذلك لاشتراك وروده بينهما.

هذا، مع أنّ السقوط على التقدير الأوّل ليس من باب التداخل المصطلح المتنازع فيه في مسألة التداخل، فإنّ النزاع ثمّة إنّما هو فيما إذا تعلّق طلبان بطبيعة واحدة، فيقال حينئذ: أنّه هل يكفي امتثالهما بإيجاد واحد من تلك الطبيعة، أو لا؟

نعم يمكن النزاع في التداخل و عدمه فيما إذا كان الطلبان متعلقين بطبيعتين بينهما عموم من وجه إذا أتى بمورد الاجتماع بعقد مبحث آخر، بل يمكن إدخاله في‏

____________

(1) في الأصل: فيكون ..

(2) في الأصل: من علاج في ذلك ..

51

محلّ النزاع في تلك المسألة المعهودة، بتقريب أنّ النزاع فيها إنّما هو في أنّه إذا أتى بشي‏ء يكون مصداقا لمتعلّقي الطلبين و محصّلا لهما فهل يجوز الاكتفاء به عنهما، أو لا؟ و لا يبعد.

و كيف كان، فمسألة تداخل الأغسال خارجة عن تلك المسألة على التقدير الأوّل، بل على الثاني أيضا، لعدم التصادق بين متعلّقي الطلبين على كلّ منهما بوجه، بل يباين كلّ منهما الآخر مطلقا، فافهم.

الثالث‏

أنّ السيّد إذا أمر عبده بخياطة ثوب، و نهاه عن الكون في مكان مخصوص، فخاطه فيه، فلا ريب في أنّه يعدّ في العرف مطيعا و عاصيا باعتبار الجهتين، و كذلك الحال فيما إذا أمره بمشي خمسين خطوة في كلّ يوم، و نهاه عن الدخول في الحرم، فمشى المقدار المذكور في داخل الحرم.

وجه الاستدلال: أنّ الإطاعة و العصيان لا تتحقّقان في الخارج إلاّ بالأمر و النهي، فصدقهما على شي‏ء واحد كاشف عن وجود الأمر و النهي فيه، فثبت وقوع اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد، فثبت به المطلوب، و هو إمكان الاجتماع، حيث إنّ الوقوع أخصّ من الإمكان فيستلزمه هذا.

قال دام ظلّه: كون المثال الأوّل مماثلا للمقام مبنيّ على كون متعلّق الأمر نفس تلك الحركات، و هي إدخال الإبرة و إخراجها عن الثوب مع كون متعلّق النهي هو الكون بمعنى التصرّف، لا وجود المكلّف أو تحيّزه الجسمي، و إلاّ لم يكن مماثلا و لا شاهدا له على تقدير ثبوته بوجه، فإنّه إذا كان متعلّق الأمر هي الصفة الحاصلة للثوب من تلك الحركات، حيث إنّه يجوز الأمر بها لكونها مقدورة بالواسطة سواء كان متعلّق النهي و الكون بمعنى التصرّف، أو وجود المكلّف أو التحيّز الجسمي، أو كان متعلّق النهي هو الكون بمعنى وجود المكلّف أو تحيّزه‏

52

الجسمي‏ (1)، و إن كان متعلّق الأمر هي نفس تلك الحركات لا (2) يتّحد موضوعاهما في الخارج حتّى يلزم اجتماع الأمر و النهي في أمر واحد، بل يتعدّدان فيه، و يتمايز (3) كلّ منهما عن الآخر.

و الظاهر أنّ المراد بالخياطة إنّما هو تلك الحركات، لأنّها الظاهرة منها، كما أنّ من المعلوم أنّ المراد بالكون هو التصرّف، لا أحد المعنيين الآخرين له، لعدم صلاحية شي‏ء منهما لتعلّق التكليف به كما لا يخفى، فيكون منطبقا على المقام و مماثلا له كمماثلة المثال الثاني له، فيكون كلّ منهما- على تقدير ثبوته- دليلا عليه. هذا.

و قد أجيب عن الاحتجاج المذكور: تارة بأنّ الأمر بالخياطة إنّما تعلّق بتحصيل الخياطة بأيّ وجه اتّفق، و أخرى أنّه مع تسليم ذلك نمنع من كونه الكون المنهيّ عنه جزء من مفهوم الخياطة، و ثالثة أنّه مع تسليم ذلك نمنع من صدق الامتثال و الحال هذه. هذا.

و لا يخفى ما في الجوابين الأوّلين من الضعف:

أمّا الأوّل منهما فلأنّ الظاهر منه كما استظهره المحقّق القمّي- (رحمه اللّه)- أيضا تعلّق الأمر بطبيعة الخياطة غير مقيّدة بشي‏ء و لا بخصوصية من خصوصيات الأفراد، و ليس هذا إلاّ تسليما لمطلب المستدلّ، لا ردّا عليه، إذ لا نعني بالاجتماع إلاّ عدم تقيّد الطبيعة المأمور بها بالنسبة إلى الفرد المحرّم و كونه‏

____________

(1) كذا في الأصل و الظاهر نقص العبارة لجواب الشرط المتقدّم: (فإنّه إذا كان متعلّق الأمر هي الصفة ... إلخ) و تقدير الجواب: يتّحد موضوعهما في الخارج، فيلزم اجتماع الأمر و النهي في أمر واحد.

(2) في الأصل: فلا يتّحد.

(3) كذا في الأصل، و الأصحّ: يمتاز.

53

مصداقا و واقعا امتثالا عنها.

و التوجيه الّذي يذكره بعض المتأخّرين- من أنّ غرض المجيب لعلّه حمل الخياطة في المثال المذكور على الأمر القائم بالثوب دون نفس الفعل الّذي هو مقدّمة لحصوله من غير تقييد لذلك الأمر بحصوله من مقدّمة جائزة، فعلى هذا لا يكون المثال مماثلا للمقام كما عرفت- لا شاهد عليه، بل مخالف لظاهر كلامه.

نعم [هو] محتمل من كلامه كاحتمال أن يكون مراده من تعلّق الأمر بالخياطة هو تعلّق الغرض بها و صدق الإطاعة من جهة انطباق ذلك الفرد المحرّم على ما هو الغرض من الأمر بناء على أنّ الإطاعة لا تتوقّف على الأمر، فيكون الدليل أعمّ من المطلوب، لعدم استلزام صدق الإطاعة حينئذ للأمر، فيصحّ وقوعه جوابا عن المستدلّ.

و التحقيق في الجواب: منع صدق الإطاعة أوّلا، ثمّ على تقدير تسليم تحقّقها بدون الأمر، منع استلزامه للمطلوب، لكونها أعمّ منه، فلا ينفع ثبوتها للمستدلّ في شي‏ء بوجه.

هذا خلاصة الكلام في أدلّة الجواز و دليل المنع أيضا بما فيه.

و الحقّ هو جواز الاجتماع كما عرفت سابقا، و المعتمد فيه على الوجه الأوّل.

و أمّا حجّة المفصّل بين ثبوت الجواز عقلا و امتناعه عرفا فقد أشير إليها في أوّل المسألة على كلا الاحتمالين فيه.

و توضيحها: أنّ دليل الجواز عقلا عند المفصّل هو ما ذكر.

و أمّا حجّة الامتناع عرفا: فإن كان المراد بعدم الجواز عرفا هو فهم تخصيص الأمر بالنسبة إلى مورد الاجتماع، فهي فهم العرف- الّذي هو المعتمد في الأحكام- المستفاد من الخطابات، و إن كان هو الامتناع بالنظر المسامحي‏

54

فالوجدان‏ (1) أو الرجوع إلى أنظار العرف و تحصيل ما عندهم، و يترتّب عليه‏ (2) ما يترتّب على الامتناع العقلي، نظرا إلى ما أشرنا إليه هناك من أنّ الأحكام الشرعية ليست مبنيّة على الدقائق الحكميّة، بل على الأنظار العرفية المبنيّة على المسامحة، فتحمل الخطابات الشرعية عليها.

هذا، لكن لا يخفى أنّ ذلك التفصيل ليس تفصيلا في هذه المسألة، بل القائل موافق لغيره من القائلين بالجواز، و انفهام‏ (3) تخصيص أحد [من‏] الأمر و النهي بالنسبة إلى مورد الاجتماع، أو الامتناع بالنظر إلى الأنظار العرفيّة كلّ منهما دعوى أخرى و نزاع آخر لا ربط له بالمسألة في شي‏ء، و مع ذلك كلّه فالجواب عنه: منع الامتناع بكلا الاحتمالين فيه.

خاتمة

(4): قد عرفت أنّ النزاع في المسألة المذكورة في جواز اجتماع الوجوب و التحريم- في شي‏ء واحد في زمان واحد مع تعدّد جهتهما- و عدمه، و علمت ما هو الحقّ فيها.

بقي من الوجوه المتصوّرة لاجتماعهما وجوه اخر قد علم حكم بعضها في مطاوي الكلمات المتقدّمة في تلك المسألة إجمالا، لكنّه ينبغي التعرّض لجميع تلك الوجوه، و تحقيق الكلام في كلّ منها على التفصيل، فنقول:

منها: اجتماع الوجوب و التحريم في شي‏ء واحد في زمان واحد مع اتّحاد جهتيهما بمعنى كون متعلّق كلّ منهما عين ما تعلّق به الآخر.

و منها: الوجه المتقدّم بحاله إلاّ أنّ زمني الأمر و النهي مختلفان.

____________

(1) أي فالحجّة هي الوجدان ..

(2) أي على الامتناع بالنظر المسامحي.

(3) سبق بيان عدم تأتي (الانفعال) من هذه المادّة.

(4) أي (خاتمة المسألة) هكذا جاء في هامش الأصل.