النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم‏

- شرف الدين الموصلي المزيد...
312 /
5

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً

[الاحزاب: الآية، 33]

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏

[الشورى: الآية، 23]

تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏

[آل عمران: الآية، 61]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ الحمد للّه خالق الخلق باسط الرزق ذي الجلال و الإكرام، و الصلاة و السلام على نعمة اللّه الكبرى و رحمته العظمى محمد النبي الهادي الأمين، و على آله و صحبه المخلصين.

أما بعد: لا يخفى على جميع المؤمنين مكانة النبي الكريم (صلى الله عليه و آله و سلم) و أنه رحمة من اللّه تعالى لعباده و طريق و سراج لهدايتهم، كما لا يخفى على ذي لبّ أن جميع حركات النبي و سكناته (صلى الله عليه و آله و سلم) حجة على الخلق لقوله تعالى‏ وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏.

و النبي الأعظم لم يترك جانبا من جوانب الحياة إلّا و قد تكلم فيه و أوضح طريقه الصحيح و بيّن معالمه المحقّة الصحيحة و الفاسدة الباطلة، إما بقول أو بفعل أو بتقرير أو بإشارة.

و من هذه الجوانب المهمة التي نبّه عليها الرسول الكريم مفهوم أهل البيت (سلام الله عليهم اجمعين)، و لا يوجد مصدر من مصادر الحديث أو جانب من جوانب التاريخ أو السير أو علوم القرآن أو الكلام أو العقائد أو المناقب و الفضائل إلّا وجدت فيه خصال أهل هذا البيت الكريم طافحة و مناقبهم عن النبي ظاهرة.

و نظرا لأهمية هذا الجانب فقد قيض اللّه سبحانه و تعالى رجالا كالجبال الشوامخ: يعنون بجمع و إظهار مناقب و فضائل أهل البيت على لسان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و العلماء الذين كتبوا في هذا المجال كثير جدا، لا تسعه هذه المقدمة البسيطة و لكن نذكر منهم على نحو الإشارة: الحافظ النسائي، الحاكم النيشابوري، الحاكم الحسكاني، ابن المغازلي، الجاحظ، و ابن طلحة الشافعي،

8

و الموفق الخوارزمي، و الجويني، و الزرندي الحنفي، و الحافظ السخاوي، و أبو نعيم الأصفهاني، و محب الدين الطبري، و المقريزي الشافعي، و ابن كثير الحضرمي، و الكلبي التلمساني، و ابن حجر الهيتمي، و ابن مردويه، و ابن مجاهد، و الخطيب البغدادي، و ابن عساكر الدمشقي، و سبط ابن الجوزي، و السيوطي، و الطبراني، و أحمد ابن حنبل، و ابن السمعاني، و القندوزي، و السمهودي، و ابن الصباغ المالكي، و أبو الحسن المدائني، و الكنجي، و الفخر الرازي، و الحاكم الجشمي، و ابن جرير الطبري، و ابن العربي، و ابن طولون، و أبو حامد الغزالي، و ابن السائب الكلبي، و ابن عقدة، و ابن كثير، و أبو بشر الدولابي، و أبو جعفر الإسكافي، و الحمصي الشافعي، و غير هؤلاء الأعلام كثير.

ترجمة المصنف:

المؤلف هو الشيخ العلامة شرف الدين أبو محمد عمر بن شجاع الدين محمد ابن الشيخ نجيب الدين عبد الواحد الموصلي العارف الصوفي الشافعي.

و كان حيا إلى سنة ست و أربعين و ستمائة كما يذكر في هذا الكتاب في بعض رواياته عن أبي القاسم قثم بن السعيد.

قال إسماعيل باشا البغدادي في موسوعته إيضاح المكنون: «النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم»، تأليف عمر بن محمد بن عبد الوهاب ........ من كتب آيا صوفيا (1).

و قال ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد: عمر بن محمد بن شجاع بن ثابت من ساكني دار الخلافة، سمع كتاب الصحيح الجامع لأبي عبد اللّه البخاري من أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، كتبت عنه، و كان شيخا صالحا حسن الطريقة ساكنا يذكر الناس بالآخرة و يأكل من كسب يده، توفي في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة ست و ستمائة و دفن بباب حرب و لعله جاوز السبعين‏ (2).

و لم يذكر متى كانت ولادته، نعم ذكرها ابن كثير فقال: ... ولد سنة ست‏

____________

(1)- إيضاح المكنون: 2/ 661.

(2)- ذيل تاريخ بغداد: 5/ 105.

9

و سبعين و خمسمائة و سمع الكثير و رحل مع أهله و كان رجلا صالحا عابدا زاهدا ورعا ناسكا، تفرد بروايات كثيرة و خرجت له مشايخ، و سمع منه الخلق الكثير و الجمّ الغفير، و له شعر حسن ....... (1).

و قال: توفي- الإمام عمر بن محمد بن عبد الواحد- شيخ الشافعية في زمانه ضحى الإثنين سنة ست و ستمائة (2).

تتلمذ المصنف (رحمه الله) و نقل عن العلماء الثقات أمثال: أبي القاسم قثم بن السعيد أبي أحمد طلحة الزيدي، و ابن الأتقى، و أبي الحسن علي بن محمد الهمداني الشاعر و هو كاتب نسخة هذا الكتاب، و شهاب الدين ريحان، و كمال الدين حيدر بن محمد بن زيد الحسيني، و أبي العباس أحمد الحوراني، و غيرهم مما يذكرهم هو في كتابه هذا عند روايته عنهم.

كتاب «النعيم المقيم»

رتبه المصنف على ثلاثة أبواب في كل منها فصول:

الباب الأول: في فضائل النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم).

الباب الثاني: في فضائل عترته عليهم من اللّه السلام‏

الباب الثالث: فيما يختص بولايتهم و محبتهم و فضلهم.

و ذكر هذا الكتاب «النعيم المقيم» إسماعيل باشا البغدادي في موسوعته إيضاح المكنون قائلا: النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم، تأليف عمر بن محمد بن عبد الوهاب ........ من كتب آيا صوفيا (3).

و (عبد الوهاب) تصحيف ل (عبد الواحد) و هو الثابت على النسخة الخطية.

____________

(1)- البداية و النهاية: 13/ 382.

(2)- المصدر السابق.

(3)- إيضاح المكنون: 2/ 661.

10

عملنا في الكتاب‏

و اعتمدنا في تحقيق هذا الأثر النفيس على النسخة الخطية الوحيدة المحفوظة في المكتبة السليمانية في إسلامبول من كتب خزانة آيا صوفيا برقم 3504، و النسخة بخط عثمان بن محمد البدليسي، فرغ من نسخها أوائل ذي الحجة سنة 666 ه، في ميافارقين كتبها على نسخة بخط أبي الحسن علي بن محمد الهمداني و هو معاصر للمؤلف، كان كتبها في 15 محرم سنة 647 ه و قرأها هو و جماعة على المؤلف.

و النسخة ذات خط قديم جدا، و بعض مواردها خال عن التنقيط و فيها بعض التشويشات أثرت على قراءة بعض الكلمات، استعنّا بالمصادر الأخرى لحلها.

و النسخة كاملة من أولها و آخرها.

و بعد انقطاع الأمل في العثور على نسخة ثانية لهذا الكتاب شرعنا في العمل على هذه النسخة الوحيدة التي اعتبرناها أصلا، و بعد قراءتها و ملاحظتها قمنا بنسخها، ثم تمّ تثبيت الاختلافات و تصحيحها، و لم نتصرف في المتن بلا إشارة، كما تقتضيه الأمانة العلمية، ثم اعطينا عناوين رئيسية و فرعية لمباحث الكتاب تسهيلا على القارئ، و حصرناها بين عضادتين.

و وضعنا أيضا الألفاط الضرورية في المتن بين عضادتين و أشرنا إلى ذلك في الهامش لاقتضاء السياق.

ثم قمنا بتقطيع و تقويم النص و توزيعه بشكل منظم و على وفق قواعد التحقيق الحديثة، و توسعنا أحيانا في بعض المطالب لأهميته.

كما وقمنا بتخريج الآيات و الأحاديث و الأشعار و الآثار قدر المستطاع.

و صححنا الأغلاط اللغوية و الإملائية في هذه النسخة.

و نرجو من القارئ الكريم الغضّ عن هفوات هذا الكتاب و الدعاء لنا بالتوفيق، مستمدين من اللّه التوفيق.

11

الصفحة الأولى من مصورة النسخة الخطية

12

الصفحة الثانية من مصورة النسخة الخطية

13

الصفحة الأخيرة من مصورة النسخة الخطية

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[مقدمة المصنف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ قال الراجي عفو اللّه تعالى عمر بن محمد بن عبد الواحد خادم الصوفية برباط المجاهد: الحمد للّه البديع صنعه، المحكم بناؤه و وضعه، الباهر عطاؤه و منعه، بعث محمدا بأنواع الصلات و القربات، و أيده بالبراهين و المعجزات، و خصّه بالخلائق الزاكيات الطاهرات، (صلوات الله عليه) ما دامت الأرض و السموات، صلاة فائحة النشر، دائمة البشر.

و بعد: فإني جلت البلاد، و بلوت العباد، و طالت مجاورتي، و كثرت مهاجرتي، و شاهدت الناس في أهوائهم، و تشعب عقائدهم و آرائهم، و رأيت لكل منهم مستمسكا و عقيدة، يزعم أنها صحيحة المسلك، و صحبت جمعا من العباد الأقطاب الأوتاد، و كنت بخفي أسرارهم بالمرصاد، دائم البحث منهم و الرغبة في الأخذ عنهم، و لم أر مخلصا للّه حقا سوى الفقراء أرباب القلوب، فكانوا بأسرهم يتمسكون بالسبب الأقوى، و الكنف الأحوى، موالاة الأئمة الأطهار، السادة الأبرار، أبناء البحر الغزير، و الليث ذي الزئير، أبي شبّر و شبير، لأنهم باب الذريعة، و حماة الشريعة، و منهج القاصدين، و مشرب الواردين و الصادرين.

فهم الوسيلة لقضاء الحاجات، و إبانة المعضلات، و دفع الملمات، فحذوت حذوهم في أفعالهم و نسجت على صحة منوالهم، و كنت ضنينا بكشف الحجاب و رفع النقاب لفصل الخطاب، فساقتني المقادير لزيارة المشهدين، و إجازة الشرف بحضرة الإمامين، فوجدت آثار مولانا السلطان، العالم، العادل، المؤيد، المظفر،

16

المنصور، المجاهد، بدر الدنيا و الدين، غياث الإسلام و المسلمين، ذي العدل السائر، و الفضل الباهي الباهر، و البر الموصوف، و البر المعروف، الملك العقيم، و الخير العميم، أبي الفضائل الملك الرحيم، جمع اللّه تعالى له من الفضائل ما فرق في الأواخر و الأوائل. فمناقبه للمناقب غرر، و أوصافه للأوصاف الشائعة الرائعة درر، و ما أخذ به نفسه النفيسة من إنشاء المشاهد، و المساجد، و المدارس، و المعابد إنشاء أوليا و معادا روحانيا، و مواصلة المشاهد المعظمة المكرمة المبجلة المباركة المتقبلة، فهو السلطان الذي عقمت النساء أن يلدن مثله، و عجز الفضلاء أن يحصوا فضله.

البحر دون نواله‏ * * * و كذى الغيوث الهاطلة

و له الفتوة و المروءة * * * و المعالي الفاضلة

جعل اللّه دولته منصورة الأعلام على الدوام، مجددة على تعاقب الليالي و الأيام، و بلغه في ذريته و ذويه غاية المحاب و المرام بمحمد و آله الطيبين الطاهرين الكرام، فأحببت أن أخدم خزانته الشريفة بمختصر لطيف الحجم، كثير العلم، عميم النفع، عظيم الوقع، و ضمّنته نخبة أذكار، و نبذ أفكار، و غوامض أسرار، استمددتها من علماء الأمصار، فكأنّ العبد قام عن مواليه بشكر ما أسداه، بصحة الفضل الذي توخاه و تولاه، و ما أحراه بذلك و ما أولاه.

إن ظن أن يحكي نداه الحيا * * * جهلا فلا و اخذه اللّه‏

لأن شكر المنعم واجب الوقوع، و الإقرار بحقوق النعم فرض مشروع، فجمعت المجاميع، و اطلعت على القول البليغ البديع، ثم لخصت من لبابها، و أتيت بالعنوان من كتّابها، من كتب ثقة مصنفها، مشهور بالصحة مؤلفها، فاتبعت قول من فضائله لا يحصرها عدّ، كل شي‏ء ليس عليه أمرنا فهو ردّ، و كان المحرك لعزمي الساكن، أياد به البادية بتلك الأماكن، و سلكت فيه مسلك الاختصار الخالص من الإسهاب و الإكثار، ليسهل رصعها في صحائف الخواطر، و يتيسر إيرادها على لسان الذاكر و الحاضر، لأنّه لا يعلم مطالعه إلّا مطالعه، و لا يرى مصابيحه إلّا مصاحبه، و قد سميته: (بالنعيم المقيم لعترة النبأ العظيم)، و بخزانة السلطان الملك الرحيم.

17

دامت له الدنيا تراثا و الورى‏ * * * خولا و جانب ظله المحذور

و كرحت خلائقه و شرف رأيه‏ * * * قدسا و ساعد أمره المقدور

حتى يقال هو الكليم و هذه‏ * * * الحدباء من أثر الخطاب الطور

لأن الملوك اشتملوا على نفوس أبية، و همم عليّة، فإذا حسنت سيرهم، و حمد أثرهم، كفاهم قليل الطاعات، و يسير القربات؛ لقول النبي عليه أفضل الصلوات:

«عدل يوم واحد يعدل عبادة سبعين سنة» (1) فكيف لمن طلب معالي الأمور، و راقب في ولائهم رضوان العزيز الغفور، كان ذلك المقصد الأسنى، و الغاية القصوى.

و رتبته ثلاثة أبواب، في كل باب عدة فصول، و اللّه الميسر لدرك المأمول، و استخيره و أسأله أن ينفع به من تأمله، و جعلته وسيلة إلى جزيل الثواب، و ذريعة إلى الفوز يوم المعاد و المآب.

و إذا افتقرت إلى الذخائر * * * لم تجد ذخرا يفيد كصالح الأعمال‏ (2)

الباب الأول: فيما يختص بفضائل النبي الأمي، و بمولده عليه أفضل الصلاة و السلام، و فيه فصول.

الباب الثاني: فيما يختص بعليّ الولي، و فاطمة، و عترتهم (عليهم السلام)، و فيه فصول.

الباب الثالث: فيما يختص بولائهم، و محبتهم، و بفضلهم (عليهم السلام)، و فيه فصول.

____________

(1)- كشف الخفاء: 2/ 58 ح 1721.

(2)- الشاهد لابن مقبل، أنظر: تاريخ الطبري: 5/ 29، و نسب للأخطل كما في هامش الامامة و السياسة:

2/ 227، و نسبه المبرد في الكامل: 525 للخليل بن أحمد.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الباب الأول فيما يختص بفضائل النبي الأمي و بمولده عليه أفضل الصلاة و السلام و فيه فصول‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[تمهيد في ضرورة معرفة النسب‏]

و لما كانت الولادة النبوية و الخلائق المحمدية هي منبع الفضائل، و معدن ما زكى من الشمائل، جعلت افتتاح كتابي بسماته المعظمة، و صفاته المبجّلة، إذ هو في هذه المناقب ركن يبنى عليه، و أصل ترجع الفروع إليه، و أنّ عترته الزكّية و أسرته السريّة شرفوا بالاعتزاء إليه، و نما فخرهم بالإنتماء إلى فخره المعول عليه، و هي أكثر أن تحصى، و أعظم أن تستوفى و تستقصى؛ لأن ذكر جميعها يقصر عنه باع الإحصاء.

بل ذكر أكثرها يضيق عنه نطاق طاقة الاستقصاء، و اسم التاريخ عند الأمة وقت مفروض بحادث مشهور ينسب إليه ما يأتي بعده من الأزمان، و قد اصطلحت الأئمة على تاريخ الملة الإسلامية من هجرته في ربيع الأول، فردّ التاريخ في أيام عمر رضى اللّه عنه و أرضاه إلى المحرّم‏ (1)، و فيه عبرة الوقوف على أحوال الأمم السالفة و القرون الخالية.

وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * * * أعيت جوابا و ما بالربع من أحد (2)

فياليتنا نتدبر، و نتذكر، و نعتبر، و نتفكر، و نتحقق، أنّ المصير إليهم و القدوم عليهم.

يا أيها الراجع فيما مضى‏ * * * هل لك فيما قد بقي مطمع‏

فيا طوبى لمن حقق بسبب عمله بقوم هم غاية أمله، و الأصل في ذلك ما أجازني سيدي و شيخي صدر الحفاظ، رئيس الفريقين، إمام الحرمين، قدوة العرب و العجم، فخر المعالي، ذو المناقب، وحيد عصره، و فريد دهره، كمال الدين حيدر بن محمد بن زيد الحسيني قدس اللّه روحه بظاهر الموصل، سنة خمس و عشرين‏

____________

(1)- أنظر: تاريخ الطبري: 3/ 144، سبل الهدى و الرشاد: 12/ 38.

(2)- الشاهد للنابغة، أنظر: الكنز اللغوي: 5، الصحاح: 4/ 1623.

22

و ستمائة، ما رواه مرفوعا إلى الباقر، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام) قال: سمعت جدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يقول: «من أحب أن يحيا حياتي، و يموت ميتتي، و يدخل الجنة التي وعدني ربي، فليتول علي بن أبي طالب و ذريته الطاهرين أئمة الهدى، و مصابيح الدجى من بعده، فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة أبدا» (1).

و مما أجازني قوله صلى اللّه عليه و سلّم: «تنقطع الأسباب و الأنساب و الأصهار إلّا سببي، و نسبي، و صهري» (2).

و النسب على الحقيقة نسب الدين لا نسب الماء و الطين؛ لقول الحق سبحانه و تعالى: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏ (3) و إن كانت الأنساب سببا للتعارف، و حفظا للتناسل و التراحم، قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏ (4).

و قال (عليه السلام): «يجب معرفة الأنساب» (5).

و يأمر بني هاشم و قريش و الأنصار و العرب أن تحفظها، و يقدم ذوي النسب على غيرهم و يقول: «رحم اللّه النسابين فربّ رحم مقطوعة قد شدّوها و أرشدوها» (6).

و قال في رواية: «اعرفوا أنسابكم لتصلوا أرحامكم» (7).

و قال (عليه السلام): «إن اللّه تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى من كنانة

____________

(1)- حلية الأولياء: 1/ 86، المستدرك: 3/ 128، المعجم الكبير: 5/ 194، مناقب الخوارزمي: 75 ح 55.

(2)- السنن الكبرى: 7/ 64، المستدرك: 3/ 158، المعجم الكبير: 3/ 45 ح 2635، المعجم الأوسط: 6/ 357.

(3)- سورة هود: 46.

(4)- سورة الحجرات: 13.

(5)- لم نجد حديثا بهذا النص فى المصادر المتوفرة لدينا.

(6)- ذكره ابن أبي الحديد لعمر رضى اللّه عنه هكذا: (تعلموا النسب فرب رحم مجهولة قد وصلت به)، أنظر شرح نهج البلاغة: 18/ 129.

(7)- مستدرك: 1/ 89 و 4/ 161، السنن الكبرى: 10/ 157.

23

قريشا، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم» (1).

و استحسن المأمون كلام رجل فسأله عن نسبه فقال: من طيّ، فقال: من أيها؟

فقال: من ولد عدي بن حاتم. فقال: هيهات، أطلت إن أبا طريف لم يعقب.

و قال لجلسائه: تعلموا النسب فإنه [.....] (2) بالشريف أن يجهل نسبه و لا يعرف أصله و مركبه. و ما زالت الخلفاء و الملوك و رؤساء العرب يقدمون ذوي النسب، و يخصونهم بأعالي الرتب؛ لقوله (عليه السلام): «عليكم بحفظ البيوت».

و قال علي (عليه السلام): «من عرف نسبه عرف قدره» (3).

و معظم العلماء يقولون: ما نعرف ما بعد أدد بن اليسع‏ (4).

فقال (عليه السلام): «كذب النسابون و إن قالوا ما نعلم ما فوق ذلك أنا ابن الذبيحين و لا فخر» (5).

لأنّ الفخر لهما برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و كذب ههنا بمعنى: وجب، و تعين نسبهم لدي؛ لما وجب حقهم علي.

____________

(1)- مسند أحمد: 4/ 107، صحيح مسلم: 7/ 58، الترمذي: 5/ 243، السنن الكبرى: 6/ 365.

(2)- كلمة غير مقروءة.

(3)- شرح نهج البلاغة: 20/ 292 حكمة 339، و فيه: عرف ربه.

(4)- البداية و النهاية: 2/ 194.

(5)- العمدة لابن البطريق: 24.

24

[في ولادة النبي صلى اللّه عليه و سلّم‏]

و قد أجمع العلماء: أنه (عليه السلام) ولد يوم الإثنين في ربيع الأول عام الفيل‏ (1).

و قيل: بعد دخول أصحاب الفيل بخمسين يوما (2)، و هو سابع عشر ذي ماه من شهور الفرس، و من شهور الروم يوم العشرين من نيسان، و بينه و بين عام الفجار عشرون سنة. و اختلفوا فيما مضى من ربيع الأول على خمسة أقوال:

أحدها: لليلتين خلتا منه‏ (3).

و الثاني: لثمان منه‏ (4).

و الثالث: لعشر منه‏ (5).

و الرابع: لإثني عشر منه‏ (6).

و الخامس: و هو مذهب أهل البيت أنه ولد يوم الجمعة سابع عشرة (7)، و هو

____________

(1)- تاريخ الطبري: 1/ 571، البداية و النهاية: 2/ 320.

(2)- تاج المواليد: 5، البداية و النهاية: 2/ 244.

(3)- الطبقات الكبرى: 1/ 101، تاريخ ابن الخشاب: 162، تاريخ اليعقوبي: 2/ 7، تاريخ ابن أبي الثلج:

4، صفة الصفوة: 1/ 52، البداية و النهاية: 2/ 242، الوفا بأحوال المصطفى: 1/ 90، و راجع هامشه فقد ذكر مصادر اخرى.

(4)- جوامع السيرة النبوية لابن حزم: 7، البداية و النهاية: 2/ 242.

(5)- الطبقات الكبرى: 1/ 100، صفة الصفوة: 1/ 52، الوفا بأحوال المصطفى: 1/ 90 و يراجع ما ذكره في الهامش.

(6)- السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 158، تاريخ الطبري: 2/ 248، البداية و النهاية: 2/ 242، تاريخ ابن خلدون: 1/ 56.

(7)- مسار الشيعة: 29، تهذيب الأحكام للطوسي: 6/ 2، روضة الواعظين: 70، مناقب آل أبي طالب: 1/ 172، إعلام الورى: 1/ 42، مصباح المتهجد: 732.

25

الصحيح المختار. و كان يقول:

أنا النبي لا كذب‏ * * * أنا ابن عبد المطلب‏ (1)

و كان قدوم أصحاب الفيل مكة يوم الأحد لثلاث‏ (2) عشرة ليلة خلت من المحرم، سنة ثمان مائة و اثنين و ثمانين، [و لسنة] أربعين من ملك كسرى، و في سابع عشرة المحرم لم يبق منهم بمكة أحد. و ولد عمه العباس قبله بثلاثة سنين‏ (3).

____________

(1)- مسند أحمد: 4/ 280، صحيح البخاري: 4/ 28، صحيح مسلم: 5/ 168، السنن الكبرى: 7/ 43.

(2)- في البداية: لسبع عشرة.

(3)- البداية و النهاية: 2/ 219، المستدرك: 3/ 321، الطبقات الكبرى: 4/ 6، تاريخ دمشق: 26/ 280، تاريخ الطبري: 3/ 353.

26

[في نسبه الشريف و كرامات الولادة و اسم زوجته و نسبها]

و قال ابن عباس و غيره: محمد رسول اللّه بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. و إلى هاهنا نسب النبي صلى اللّه عليه و سلّم نفسه‏ (1).

و أجمع النسابون أن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان‏ (2) بن نبت بن حمل بن قيدار (3).

و قيل: قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ‏ (4).

و هو في التوراة ابن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح و هو آدم الثاني بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ و هو ادريس بن اليارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (عليه السلام)(5).

نسب كأن عليه من شمس الضحى‏ * * * نورا و من فلق الصباح عمودا (6)

و بلغت ببركة كتابي هذا غاية المرام؛ و ذلك أني رأيت في واقعتي بعض الأيام‏

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 2، الطبقات الكبرى: 1/ 55، تاريخ الطبري: 2/ 271، جوامع السيرة النبوية لابن حزم: 4، دلائل النبوة للبيهقي: 1/ 179، مروج الذهب: 3/ 5، الاستيعاب: 1/ 13.

(2)- في تاريخ بغداد: بن حمل.

(3)- تاريخ الطبري: 2/ 29، تاريخ دمشق: 3/ 60، المجدي: 6، سبل الهدى: 1/ 239، تاريخ بغداد: 5/ 180.

(4)- تاريخ الطبري: 1/ 162، تاريخ دمشق: 3/ 62، التنبيه و الاشراف: 70، المجدي: 6.

(5)- تاريخ الطبري: 2/ 31، مروج الذهب: 3/ 5.

(6)- تاريخ ابن خلدون: 7/ 423، مطالب السؤول: 2/ 6.

27

أن قل لإبراهيم: إن قدرت أن تزورنا في البيت العتيق الذي بنيته فافعل. فقلت: و أنا أيضا أزوركم، فلما أديت الرسالة سمعته (عليه السلام) يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك. فقلت كذلك، و هي تلبية رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم. و كان ابتدأت تأليفه غرة ذي القعدة الواقعة في سابعه. و قال ابن عباس:

ليس في العرب قبيلة غير بني تغلب مضرية و ربيعية و يمانية إلّا و قد ولدت النبي (عليه السلام)(1)؛ لقوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏ (2).

و كان قصي يسمى مجمّعا، و زيد هو قصي.

قصي أبوكم كان يدعى مجمّعا * * * به جمع اللّه القبائل من فهر

و أنتم بنو زيد و زيد أبوكم‏ * * * به زيدت البطحاء فخرا على فخر (3)

و ماتت أمه و له ست سنين، و هو اختيار العلماء (4).

و قيل: سنتان. و اسمها: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، و يلتحق النسب بالنبي (عليه السلام). و مات أبوه و هو حمل على المنصوص و له خمس و عشرون سنة (5).

و مات عبد المطلب و للنبي (عليه الصلاة و السلام) ثمان سنين‏ (6)، و دفن في الحجون‏ (7).

و أرى البلى يبلي الجديد * * * و كل شي‏ء للبلاء

و أرى الفدا لا يستطاع‏ * * * فمن لنفسك بالفداء

____________

(1)- أنظر: تفسير القرطبي: 8/ 301، الدر المنثور: 3/ 294، فتح القدير: 2/ 419، تاريخ دمشق: 3/ 95.

(2)- سورة التوبة: 128.

(3)- هذه الأبيات للشاعر حذافة بن غانم بن عامر القريشي العدوي، أنظر: العقد الفريد: 3/ 312- 313، تاريخ الطبري: 2/ 179، الكامل في التاريخ: 2/ 6.

(4)- أنظر: السيرة النبوية لابن هشام: 168، البداية و النهاية: 2/ 259.

(5)- البداية و النهاية: 2/ 323، تاريخ اليعقوبي: 2/ 10.

(6)- الطبقات الكبرى: 1/ 119، دلائل النبوة للأصبهاني: 1/ 209/ 103، تاريخ اليعقوبي: 2/ 13، مروج الذهب: 3/ 14 ح 1460، صفة الصفوة: 1/ 65، البداية و النهاية: 2/ 262.

(7)- الحجون: جبل بأعلى مكة، عنده مدافن أهلها. معجم البلدان: 2/ 260، 3528.

28

قيل لأمّه في المنام: أنت حامل بسيد الأمة، و أنه سيتلقّى عند ولادته الأرض بيده اليسرى، ثم ينظرك متبسما، فقولي: أعيذك بالواحد من شر كل حاسد، فإنك عبد الملك الواحد، و سميه محمدا (1).

فلما وضعته كان كذلك، فجعلته تحت برمة فانفلقت عنه و قد شق بصره إلى السماء، و سمعت في الهواء: انقشعت الظلماء، و سطع الضياء، و بعث خاتم الأنبياء، و ظهر الإسلام، و وصلت الأرحام، و كسرت الأصنام، و حج البيت الحرام، (فمن أجاب) (2) فله الجنة، و من عصى فله النار.

و قال العباس: ولد مختونا، مسرورا، نظيفا، في ظهره خاتم النبوة، أصابعه في آذانه كالمؤذن، و جميع الكواكب في شرفها ناظرة إليه بأمر ربها. و كان طالعه (صلوات الله عليه): الميزان. و أدخله جده عبد المطلب الكعبة، و شكر اللّه و أثنا عليه، و رفعه إليه، و مما قال:

الحمد للّه الذي أعطاني‏ * * * هذا الغلام الطيب الأردان‏ (3)

و ذكرت أمّه خفّة حمله و سهولة ولادته. و كانت أم أيمن تحضنه و السعدية ترضعه، و لما توفّيت أمّه ضمه جده و حنّ عليه. و من شرفه أن تساقطت النجوم عند ولادته، و رجمت الشياطين عن ميقات رسالته، و تفجر الماء من بين اصبعيه، و حنّ الجذع اليابس عليه، فلم يسكن حتى ضمه إليه، و كان يسلم الحجر عليه و المدر و النبات و الشجر، و كلمه الضب و الظبية بالشهادتين. و كان يحب (صلوات الله عليه) صوم الإثنين، فقيل له في ذلك فقال: «فيه ولدت، و فيه جاءني الوحي، و فيه هاجرت، و فيه رفعت الحجر الأسود، و فيه بعثت، و فيه دخلت المدينة، و فيه أقبض» (4).

____________

(1)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 158، تاريخ الطبري: 1/ 573.

(2)- أثبتناه من هامش المخطوط.

(3)- الطبقات الكبرى: 1/ 103، تاريخ دمشق: 3/ 83، البداية و النهاية: 2/ 324، السيرة النبوية لابن كثير: 1/ 208.

(4)- تاريخ الطبري: 2/ 43، البداية و النهاية: 2/ 319 و 3/ 10.

29

و اسمه (عليه السلام) في التوراة: محمد بن عبد اللّه عبدي المختار (1).

مولده: بمكة، و هجرته إلى المدينة، و عمره عند الهجرة ثلاثة و خمسون سنة، و كان ذلك في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول‏ (2).

و كان خروجه من مكة يوم الخميس السابع و العشرون من ماه‏ (3) فروردين، و لما رجع من حراء بعد الحنث- أي التعبد- و رؤية الملك، و شق الصدر و غسله، و القراءة، قال لخديجة: «زملوني، دثروني» (4) (5).

فسمي بهما، فبشرته أن اللّه لا يخزيك أبدا، إنك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، و تحمل الكل، و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق.

و هي: خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. و أمها: فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن معيص بن غانم‏ (6).

و تزوجها النبي صلى اللّه عليه و سلّم قبل نسائه و هو ابن خمس و عشرين‏ (7)، و ماتت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين‏ (8).

و قيل: بأربعة. و قيل: بخمسة. و قيل: توفّيت في سنة عشرة من المبعث، قبل موت أبي طالب بشهر و خمسة أيام، أول ذي القعدة. فنزل النبي صلى اللّه عليه و سلّم قبرها، و لم تكن‏

____________

(1)- دلائل النبوة للأصفهاني: 150، الطبقات الكبرى: 1/ 360، تاريخ دمشق: 1/ 186، تاريخ المدينة لابن شبة: 2/ 635.

(2)- التنبيه و الاشراف: 200، عيون الأثر: 1/ 40، المحبر: 11.

(3)- كلمة فارسية تعني الشهر.

(4)- تفسير القرطبي: 19/ 32، فتح القدير: 5/ 315.

(5)- أقول: لا يتناسب مع عظمة النبي الأعظم و وعيه و تسديده من اللّه تعالى أن يصدر منه ذلك، و نسبة هذا إليه (صلوات الله عليه) معناه أنّه لم يكن مهيئا للرسالة السماوية، و أن مثل ورقة بن نوفل و غيره كان أهدى منه و أعرف بطرق الوحي و الرسائل.

(6)- و هذا هو المشهور، أنظر: السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 89، تاريخ الطبري: 2/ 411.

(7)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 187، تاج المواليد: 81.

(8)- السيرة النبوية لابن إسحاق: 2/ 416، أسد الغابة: 7/ 85، الذرية الطاهرة: 37.

30

افترضت بعد صلاة الجنائز، و غسلتها أم أيمن و أم الفضل، و دفنت بالحجون‏ (1) (2).

فاجتمع لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم حزنان بموتها و بموت أبي طالب‏ (3).

فأمر عليا (عليه السلام) بغسله و مواراته و قال: غفر اللّه له و رحمه، و استغفر له أياما، و لم يخرج من بيته (عليه السلام) حزنا عليه‏ (4).

____________

(1)- تفسير القرطبي: 14/ 164، البداية و النهاية: 3/ 156، الأصابة: 7/ 605.

(2)- و مما جاء في فضل خديجة ما قاله أبو طالب في وصفها: قالت (رضي الله عنها) للنبي الأكرم: يا حبيبي إليك نصير و بأمرك نستشير في امورنا، و أنت تعلم أنّ خديجة امرأة كاملة ميمونة فاضلة تخشى العار و تحذر الشنار. (بحار الأنوار: 16/ 56، و الشنار: أقبح العيب.).

و روي أنها قالت للنبيّ (عليه السلام) لمّا عرفت أمانته و كرمه قبل زواجها: أنا و مالي [و عبيدي‏] و جواري و جميع ما أملك بين يديك و في حكمك لا أمنعك منه شيئا. (البحار: 16/ 55.).

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ذكر النبيّ (عليه السلام) خديجة يوما و هو عند نسائه فبكى، فقالت عائشة: ما يبكيك على عجوز حمراء من عجائز بني أسد؟

و قال النبيّ (عليه السلام): صدّقتني إذ كذّبتم و آمنت بي إذ كفرتم و ولدت لي إذ عقمتم. (البحار: 16/ 8، و كشف الغمّة: 2/ 131.).

و زيد في رواية عن عائشة: ... ما أبدلني اللّه خيرا منها ... و واستني بمالها إذ حرمني الناس. (كنز العمّال: 12/ 131- 132 ح 34348، و الاستيعاب: 4/ 287.).

و في رواية زاد: ... و آوتني حين طردني الناس. (المصدر السابق: ح 34349.).

و قال (عليه السلام): بشّروا خديجة ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه و لا نصب. (مسند أبي يعلى: 12/ 170 ح 6797، و روضة الواعظين: 269.).

و قال (عليه السلام): خير نساء الجنّة خديجة بنت خويلد. (المصدر السابق: ح 34337 و ما بعده.).

و عن أنس أنّ النبيّ أطعمها من عنب الجنّة و أخبرها أنّ ربّها يقرأها السلام. (روضة الواعظين: 269، و المعجم الأوسط: 7/ 58.).

و كانت أول من آمنت بالنبي و نقل ابن الأثير في تاريخه الإجماع على أنّ خديجة أوّل من آمن بالنبيّ.

(الكامل في التاريخ: 1/ 479.)، و عن ابن عبّاس: أوّل من آمن برسول اللّه (عليه السلام) من الرجال علي و من النساء خديجة. (أخبار الدول: 89.).

(3)- و للّه در البوصيري إذ صور هذا المعنى فأعاد قائلا:

و قضى عمه أبو طالب و ال * * * دهر فيه السراء و الضراء

ثم ماتت خديجة ذلك العام‏ * * * و نالت من أحمد المناء

(4)- الطبقات الكبرى: 1/ 123، تاريخ دمشق: 66/ 336، الدر المنثور: 3/ 283، فتح القدير: 2/ 411.

31

و كان قد بشر بنبوته أعيان ذلك الزمان من كل ملة، و منهم قسّ بن ساعدة الأيادي، و مالك بن ذي يزن من الحبشة، و سرجيس الرومي، و بحيرا الراهب، و سطيح الكاهن، و ورقة بن نوفل، و قال له ورقة: أنت و اللّه صاحب الناموس الذي أنزل على موسى و عيسى، يا ليتني أدركت دعوتك لأؤمن برسالتك‏ (1).

____________

(1)- تاريخ الطبري: 2/ 47 و 49، البداية و النهاية: 3/ 6.

32

[في معراجه و هجرته و نزول الوحي عليه صلى اللّه عليه و سلّم‏]

و أجمع العلماء: أن معراجه كان من مكة قبل الهجرة. و اختلفوا في المدة على أربعة أقوال: أحدها: سنة، قاله ابن العباس. و الثاني: ستة أشهر، قاله السدي. و الثالث:

ثمانية عشر شهرا، قاله الواقدي. و الرابع: ثمانية أشهر. و الهجرة: يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول، و عند ارتفاع الضحى قدم المدينة؛ فعلى هذا يكون معراجه في ربيع الأول. و على القول الثاني: في شهر رمضان. و القول الثالث و الرابع: ليلة سابع عشرين من رجب. و هو المشهور المذكور. و انتهى به من بين زمزم و المقام، و هو ابن إحدى و خمسين سنة و تسعة أشهر و ثمانية و عشرين يوما. و نزل عليه الوحي: و هو ابن أربعين سنة، لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. فأقام بمكة ثلاثة عشر سنة، و بالمدينة عشرة.

[في أسمائه و نزول الفرائض‏]

و قال (صلوات الله عليه): «لي خمسة أسماء: أنا محمد، و أحمد، و أنا الماحي يمحو اللّه بي الكفر، و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب» (1).

و له اسم آخر منها في التوراة: الضحوك‏ (2).

و في سنة اثنين من الهجرة، حوّلت القبلة إلى الكعبة، و نزلت فريضة رمضان.

____________

(1)- مسند أحمد: 4/ 80، صحيح البخاري: 4/ 225، الموطأ: 2/ 1004: سنن الدرامي: 2/ 317، صحيح مسلم: 4/ 1828/ 2354، صحيح الترمذي: 5/ 135 ح 2840.

(2)- تفسير ابن كثير: 2/ 73 و 417، سبل الهدى: 1/ 483 و 497.

33

و قيل: كان ذلك في شعبان‏ (1).

و أمر بزكاة الفطر، و صام (عليه السلام) تسع رمضانات، و كانت غزاة بدر في تلك السنة.

[في زوجاته و أعمامه صلى اللّه عليه و سلّم‏]

و كان له ثمانية عشر امرأة مع مارية القبطية (رضي الله عنهن)(2).

و قيل: اثنا عشر. و قبض عن تسع مهائر: و كان له أربع سراري.

و كان صداقه: عشر أواقي من الفضة و هي خمسمائة درهم. (3)

و الصحيح المشهور: أن صداقه دون النصاب. و قال (عليه السلام): «أعطيت في الجماع قوة أربعين رجلا». (4)

و أعمامه (عليه السلام): العباس، و أبو طالب، و الزبير، و ضرار، و حمزة، و المقوم، و أبو لهب- و اسمه عبد العزى- و الحرث، و الغيداق‏ (5).

و عماته: عاتكة، و أميمة، و صفية، و برة، و أم حكيم- و هي البيضاء- و أروى‏ (6).

____________

(1)- نصب الراية: 2/ 523، زاد المسير: 1/ 141، البداية و النهاية: 1/ 360.

(2)- مسند ابن راهويه: 4/ 8، تاريخ دمشق: 3/ 176، تاريخ الطبري: 2/ 410، السيرة النبوية لابن كثير:

4/ 580.

(3)- صحيح مسلم: ح 1426.

(4)- الطبقات الكبرى: 1/ 374، و المعجم الأوسط: 1/ 178، و الجامع الصغير: 1/ 18.

(5)- سيرة ابن هشام: 1/ 113، جمهرة النسب للكلبي: 101- 106، و في بعض المصادر أن الغيداق هو المقوم، راجع البحار: 15/ 137.

(6)- سيرة ابن هشام: 1/ 113، المعارف لابن قتيبة: 70، دلائل النبوة: 1/ 186، سيرة ابن كثير: 1/ 184

34

[في أولاده و غزواته و مواليه و خدمه و مؤذنيه‏]

أولاده (عليهم السلام):

القاسم و به كان يكنى، و عبد اللّه- و هو الطاهر- و يقال له:

الطيب‏ (1)، و إبراهيم، و قيل: المتطهر. فالقاسم و الطيب، ماتا بمكة صغيران. و قال مجاهد: كان عمر القاسم سبع ليال‏ (2).

بناته عليهن السلام:

فاطمة، و زينب، و رقية، و أم كلثوم‏ (3).

[غزواته و سراياه‏]

و كانت غزواته ثمانية و عشرين. و قيل: أربعة. و قيل: سبعة و عشرين‏ (4).

و سراياه: سبعة و خمسين. و قيل: إثنان و عشرون، و تقدمت سراياه على غزواته‏ (5).

و مواليه: أحد و أربعون. و إماؤه: أحد عشر أمة. و خادمه: أنس بن مالك. (6)

____________

(1)- جوامع السيرة النبوية لابن حزم: 31، البداية و النهاية: 2/ 359، الذرية الطاهرة: 43.

(2)- أنظر: مصنف عبد الرزاق: 7/ 494 ح 14012، تاريخ دمشق: 3/ 132، السيرة النبوية لابن كثير: 4/ 609، البداية و النهاية: 5/ 329.

(3)- المستدرك: 3/ 182، السنن الكبرى للبيهقي: 7/ 70، الطبقات الكبرى: 8/ 16، تاريخ دمشق: 3/ 130.

(4)- الطبقات الكبرى: 2/ 5، التاريخ الكبير: 1/ 398 ح 1266، مصنف عبد الرزاق: 5/ 295 ح 9659، تاريخ دمشق: 11/ 219- 220.

(5)- المغازي للواقدي: 1/ 7، تاريخ الطبري: 2/ 405، الطبقات الكبرى: 2/ 6، التنبيه و الاشراف: 242.

(6)- مستدرك الصحيحين: 3/ 529، الاستيعاب: 1/ 71، سيرة ابن كثير: 4/ 653، البداية و النهاية: 5/

35

و خدّاماته: هند و أسماء. و المؤذنون: بلال، لم يؤذن بعده حتى مات، و دفن بدمشق خارج الباب الصغير سنة عشرين. و ابن أم مكتوم، و أبو محذورة.

[حجة الوداع‏]

و في السنة العاشرة: حج متمتعا، و قيل: مفرد، و قيل: قارن، و كانت حجة الوداع.

و كان حج قبل النبوة، و فيها حججا لم يذكرها المؤرخون. و اعتمر بعد هجرته عمرتين، و قيل: ثلاثة، و قيل: أربعة (1).

و أقام المحرم ثم صفر، و اثني عشر ليلة من ربيع الأول سنة إحدى عشرة و توفي، و كان استصحب نساءه في تلك الحجة في الهوادج، و لما شاع حجه اجتمع لصحبته أهل الآفاق. و في هذه السنة: نزلت: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏ (2) الآية. و أسلم جرير، و قدم السيد و العاقب، و كانت المباهلة. و قال صلى اللّه عليه و سلّم: «لو باهلتني نجران لتأجج الوادي عليهم نارا، و مسخوا قردة و خنازير، و استأصلهم اللّه حتى الطير في وكره» (3).

و فيها: تكاثرت الوفود عليه، و لبس لقدومهم أفخر ثيابه، و أمر أصحابه بذلك.

و مات ولده عبد اللّه سنة أربع، و هو ابن ست سنين، فوضعه في حجره و بكى، و قال:

«إنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء» (4).

و وضعت مارية إبراهيم في سنة ثمان من الهجرة. و قال (عليه السلام): «استوصوا بالقبط

____________

- 331، الإصابة: 1/ 39.

(1)- أنظر سنن أبي داوود: 1/ 443 ح 1992- 1993، الطبقات الكبرى: 2/ 170- 171، تاريخ الطبري:

2/ 410، البداية و النهاية: 4/ 420.

(2)- سورة المائدة: 3.

(3)- تاريخ المدينة للنميري: 2/ 582، المصنف لابن أبي شيبة: 8/ 564 ح 41، تفسير الطبري: 3/ 409، الدر المنثور: 2/ 39.

(4)- مسند أحمد: 5/ 204، صحيح البخاري: 2/ 80، صحيح مسلم: 3/ 39، سنن أبي داود: 2/ 64 ح 3125.

36

فإنّ لهم ذمّة» (1).

و مات إبراهيم و هو ابن ثمانية عشر شهرا، و قيل: ثمانية أيام‏ (2).

و رأيت في الواقعة إبراهيم (عليه السلام) ولد النبي صلى اللّه عليه و سلّم و هو يقول لي: لا تحقرن شيئا من خلق اللّه، فعلم اللّه به أتم. فالبنون و البنات أمهم خديجة، ما خلا إبراهيم فإن أمه مارية.

و توفّيت مارية بعد النبي (عليه السلام) بخمس سنين، و هذا أوفى الروايات‏ (3).

و قيل: مات إبراهيم آخر ربيع الأول سنة عشرة (4).

و دفن بالبقيع، فبكا عليه النبي صلى اللّه عليه و سلّم فقيل له: أنت أحق من عرف اللّه تعالى فيما أعطى و أخذ. فقال: «تدمع العين، و يحزن القلب، فلا نقول ما يسخط الرب و لو لا أنه قول صادق، و وعد جامع، و سبيل نأتيه، و أن آخرنا سيتبع أولنا، لوجدنا عليك أشد من وجدنا بك، و إنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» (5).

و قال و هو مستقبل الجبل: «لو أن بك ما بي لهدك، و لكنا نقول ما أمرنا به: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‏ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (6).

و قال الناس: كسفت الشمس لموته. فقال (عليه السلام): «إنها لا تكسف لموت أحد و لا لحياته» (7).

قالت سيرين: كنت و أختي مارية نصيح و هو محتضر فما نهانا النبي، فلما مات‏

____________

(1)- الطبقات الكبرى: 8/ 214، المستدرك: 2/ 553، المعجم الكبير: 19/ 61، الجامع الصغير: 1/ 19 ح 772.

(2)- سنن أبي داود: 2/ 76 ح 3187، تاريخ دمشق: 3/ 138، الطبقات الكبرى: 1/ 142 و 3/ 7، السيرة النبوية لابن كثير: 4/ 614.

(3)- تاريخ الطبري: 3/ 144، المستدرك: 4/ 39، الطبقات الكبرى: 8/ 216، تاريخ خليفة: 93.

(4)- تاريخ دمشق: 3/ 146، تاريخ اليعقوبي: 2/ 87، فتح الباري: 2/ 438.

(5)- سنن ابن ماجة: 1/ 506 ح 1589، مصنف عبد الرزاق: 3/ 552 ح 6672، المعجم الكبير: 25/ 171، الطبقات الكبرى: 1/ 137.

(6)- تاريخ اليعقوبي: 2/ 32.

(7)- سنن أبي داود: 1/ 262 ح 1178، تاريخ اليعقوبي: 2/ 87، السيرة النبوية لابن كثير: 4/ 614، البداية و النهاية: 5/ 332.

37

زجرنا، و قال: «إن الميت ليعذب بنياح أهله عليه» (1).

و قال: «إذا رأيتم جنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعدن حتى يوضع في قبره» (2).

و قال: «لا تجلسوا على القبور و لا تصلوا إليها» (3).

و فيها: بعث النبي صلى اللّه عليه و سلّم عليا (عليه السلام) لليمن، و عممه بيده، و عقد لواءه، و قال: «إذا سألوك عن مفاتيح الجنة فقل: هي لا إله إلّا اللّه، و أنها تخرق كل شي‏ء حتى تنتهي إلى اللّه عز و جل لا تحجب دونه، من جاء بها مخلصا، رجحت بكل ذنب» (4).

و خرج إلى وداعه راجلا، و هو راكب. و فيها: بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، و قال: «عساك أن لا تلقاني بعد عامي هذا، و لعلك تمر بمسجدي و قبري» فبكا حتى أغمي عليه‏ (5).

و كان (عليه السلام) يتطيب في مفرقه، و لا يرد الطيب، و قال: «يا علي، عليك بالطيب في كل جمعة، فإنه من سنتي، و تكتب لك حسنات ما دام يفوح منك الرائحة» (6).

و كان يكتحل في كل عين ثلاثا (7)، و قيل: في اليسرى اثنين‏ (8).

و يقول: «عليكم بالأثمد؛ فإنه يجلو البصر، و ينبت الشعر» (9).

و في رواية: «خير أكحالكم الأثمد، و خير ثيابكم البيض» (10).

____________

(1)- المعجم الكبير للطبراني: 18/ 178 و 24/ 307، كنز العمال: 15/ 618 ح 42462، مجمع 2 لزوائد:

9/ 162.

(2)- السنن الكبرى: 6/ 537، صحيح ابن حبان: 7/ 350.

(3)- المستدرك: 3/ 220، السنن الكبرى: 4/ 79، المعجم الكبير: 19/ 193.

(4)- تاريخ دمشق: 58/ 410، كنز العمال: 10/ 595 ح 30292، و في المصدرين أن النبي صلى اللّه عليه و سلّم بعث معاذا.

(5)- مسند أحمد: 5/ 235، الآحاد و المثاني: 3/ 420 ح 1837، كتاب السنة: 472 ح 1011.

(6)- مكارم الأخلاق: 43.

(7)- مسند أحمد: 1/ 354، سنن ابن ماجة: 2/ 1157 ح 3499، سنن الترمذي: 3/ 147 ح 1811.

(8)- المصنف لأبن أبي شيبة: 5/ 431 و 6/ 127، الكامل لابن عدي: 5/ 39.

(9)- سنن الترمذي: 3/ 147 ح 1812، سنن ابن ماجة: 2/ 1156 ح 3495، السنن الكبرى: 4/ 261.

(10)- مسند أحمد: 1/ 355، سنن أبي داود: 2/ 261 ح 4061.

38

و كان يستصحب المكحلة، و المشط، و السواك، و الإبرة، و المقص، و المرآة، حضرا و سفرا، و كان إذا نظر فيها يقول: «اللّه أكبر ثلاثا، و الحمد للّه الذي أجمل خلقي، و حسّن صورتي، و زان مني ما شان من غيري» (1).

و كانت رايته سوداء، و لواءه أبيض، و قيل: بالعكس. مكتوب عليها: لا إله إلّا اللّه.

[نقش خاتمه‏]: و كان نقش خاتمه: محمد رسول اللّه‏ (2). كل كلمة سطر و هو نقش خاتم داود. و قيل نقشه: صدق اللّه‏ (3).

و كان يتختّم في يمينه، و قيل: في شماله، و جميعها فضة.

و قيل: نقشه: لا إله إلّا اللّه، محمد رسول اللّه. و هو نقش خاتم سليمان. و كان على خاتم نوح (عليه السلام): أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه الرحمن أصلح. و كان على خاتم إبراهيم بعد الشهادتين: أفوض أمري إلى اللّه، و ألجأت ظهري إلى اللّه، و حسبي اللّه، و أوحى اللّه إليه: تختم بهذا، أجعل النار عليك بردا و سلاما (4).

____________

(1)- مسند أبي يعلى: 4/ 478 ح 2611، المعجم الكبير: 10/ 314 ح 10766، الجامع الصغير: 2/ 351 ح 6812، كنز العمال: 7/ 124 ح 18301.

(2)- مسند أحمد: 3/ 161، سنن الترمذي: 3/ 143 ح 1800، جوامع السيرة النبوية: 24، السنن الكبرى للبيهقي: 10/ 128.

(3)- الخصال: 61/ ح 85.

(4)- عيون أخبار الرضا: 1/ 61 ح 206، الخصال: 336/ ح 36.

39

صفاته صلى اللّه عليه و سلّم‏

قال علي و ابن عباس و أنس: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم كان أطول من المربوع، و أقصر من المشذب، أسمر، يتلألأ وجهه كالبدر عظيم الهامة، رجل الشعر، صلت الجبين، أهدب الأشفار، أزج الحواجب، أقنى الأنف، كث اللحية، سهل الخدين، له نور يعلوه، ضليع الفم، أشنب‏ (1)، مفلّج الأسنان، مدور الوجه، أدعج العينين، رائحته أطيب من كل طيب، سواء البطن و الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ذريع المشية كأنما ينحطّ من صبب، شائل الأطراف، مسح القدمين ينبو عنهما الماء، و يرى من خلفه كما يرى من أمامه، و إذا التفت إلتفت بجميعه‏ (2).

و من أخلاقه (عليه السلام): أن يبدأ من لقي بالسلام، ليس بالجافي، و لا المهين، يعظم النعمة إن قلّت، لا يذم ذوّاقا و لا يمدحه، و لا تغضبه الدنيا و لا ما كان منها، فإذا كان الحق لم يسامح فيه، و لا يقوم إلّا عن ذكر، و فكر، و عبرة، و حذر، و حلم، و صفح، وسع للناس بسطه و خلقه، فصاروا عنده في الحق سواء، يمنع لسانه عما لا يعنيه، و يتغافل عما لا يشتهيه، فلا يؤيس منه، و لا يحبب فيه، ليس بحقود، و لا حسود، و لا سبّاب، و لا لعّان، يأخذ بأيسر الأمور إلّا أن يكون مأثما، دائم الوضوء و البشر، و كان يقول:

«أمزح و لا أقول إلّا حقا» (3).

لم ير عريانا، سهل الخليقة، طويل الصمت و الحزن، أخذ بالحسن ليقتدى به‏

____________

(1)- أشنب: هو برد الأسنان و عذوبتها.

(2)- الطبقات الكبرى: 1/ 422، تاريخ دمشق: 3/ 338، معاني الأخبار: 81، المعجم الكبير للطبراني:

22/ 115، الجامع الصغير: 2/ 306 ح 6493، تاريخ اليعقوبي: 2/ 116.

(3)- الفائق للزمخشري: 3/ 203، شرح نهج البلاغة: 6/ 330، الكامل لابن عدي: 2/ 344.

40

و ترك القبيح لينتهى عنه، ربما تبسم، و يعود المريض، و يقول: «اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي و لا شفاء إلّا شفاؤك» (1) و يشهد الجنائز، و يأتي دعوة الكهول، لا يغلق دونه الأبواب، و لا يقوم دونه الحجّاب، يجلس على الأرض، و يضع طعامه على الأرض، يلبس الشملة، و يركب الحمار بخطام من ليف، و يردف عبده، و يلعق يده، و لا يقطع على أحد حديثه، و يقول: «إذا رأيتم طالب حاجة فأرفدوه» (2).

و لا يجذب يده قبل مصافحه، و لا يكمش عنه أولا، يخدم نفسه، و يغسل ثوبه، و يحلب شاته، و إذا تكلم تكلم ثلاثا، و قال: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، و لو أهدي إلي ذراع لقبلت» (3) و عاد يهوديا فأسلم، و قال: الحمد للّه الذي أنقذني من النار. و كشف الصحابة بطونهم عن حجر، فكشف عن حجرين، و قال: «ما لي و للدنيا ما مثلي و مثل الدنيا إلّا كمثل راكب سائر في يوم صائف فنزل في ظل شجرة حتى إذا أبرد راح و تركها» (4)، و كان يقول: «الجوع من سنن المرسلين». و قال حسان:

نجوع فإن الجوع من علم التقى‏ * * * و إنّ طويل الجوع يوما سيشبع‏

و كان أشد حياء من عذراء في خدرها، و كان عليه برد بحراني غليظ فجذبه أعرابي حتى أثر في عنقه، فالتفت إليه ضاحكا و أمر له بعطاء. و هو أجود الناس بالخير من الريح المرسلة، لا يسأله أحد شيئا إلّا أنحله، و قال: «بعثت إلى الناس كافة، و أحلت لي الغنائم، و جعلت لي الأرض مسجدا، و ترابها طهورا» (5).

و له الحوض، و الشفاعة، و لواء الحمد، و الوسيلة، و هي أعلى درج الجنة.

و ليس لنا إلّا إليك فرارنا * * * و أين فرار الناس إلّا إلى الرسل‏ (6)

____________

(1)- مسند أحمد: 1/ 381 و 4/ 259، صحيح البخاري: 7/ 24، صحيح مسلم: 7/ 16.

(2)- الطبقات الكبرى: 1/ 424، المعجم الكبير: 22/ 158، البداية و النهاية: 6/ 37.

(3)- مسند أحمد: 2/ 424 و 479، صحيح البخاري: 3/ 129، صحيح الترمذي: 2/ 397/ 1353.

(4)- مسند أحمد: 1/ 441، المستدرك: 4/ 310، مجمع الزوائد: 10/ 326.

(5)- سنن الدرامي: 1/ 323، المعجم الأوسط: 5/ 30.

(6)- نسب إلى أعرابي، أنظر: دلائل النبوة للأصبهاني: 184، شرح نهج البلاغة: 14/ 80، البداية و النهاية:

6/ 98.

41

رأيت في أيام مجاورتي في المدينة في الواقعة، كأني بين رجلين و هما يغسّلاني أتحقق أحدهما و لا أشك أنه رسول [اللّه صلى اللّه عليه و سلّم الذي قال: «من تاب قبل أن يموت بسنة تاب اللّه عليه- ثم قال-: إن السنة لكثير، من تاب قبل أن يموت بشهر تاب اللّه عليه- ثم قال-: و إن الشهر لكثير من تاب قبل أن يموت بجمعة تاب اللّه عليه- ثم قال-: إن الجمعة لكثير من تاب قبل أن يموت بيوم تاب اللّه عليه- ثم قال-: إن يوما لكثير] من تاب قبل أن يغرغر بالموت تاب اللّه عليه» (1).

اللهم إنا نسألك الهدى و التقى و العفة و الغنى، اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خلقي. و لبعضهم:

دع الدنيا لطالبها المعنى‏ * * * و خذ في أهبة السفر البعيد

فإنّ متاعها يفنى سريعا * * * و يبقى العبد في الأسر الشديد

____________

(1)- تاريخ بغداد: 8/ 313، كنز العمال: 4/ 223 ح 10264، و ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصادر.

42

فصل في ذكر وفاته (صلى الله عليه و آله) و صحبه الركع السجود الموفين بالعهود صلاة دائمة إلى يوم الخلود

و هو ما أجازني كمال الدين المذكور أنه لما مرض (صلوات الله عليه) قال: «إن اللّه تعالى خيرني في الدنيا و الآخرة، فاخترت الآخرة» (1).

فبكى المسلمون لذلك، و انقطع ثلاثة أيام- و قيل: سبعة عشرة صلاة- و استأذن نساءه أن يتمرض في بيت عائشة بعد أن كان في بيت ميمونة، فأذنوا له فخرج تخطّ رجلاه الأرض فكان يقول: «أين أنا غدا» يريد القسمة بينهن، و قيل: مدة مرضه ثلاثة عشر ليلة، و قيل: إثنا عشر يوما، و قيل: أربعة عشر يوما. و أعتق أربعين نفسا. و أمر عائشة ثلاث دفعات أن تنفذ إلى علي (عليه السلام) سبعة دنانير كانت عنده ليتصدق بها، و كانت تشتغل بمرضه ثم بعثتها (2).

و خرج قبيل مرضه إلى البقيع، فاستغفر لهم جميعا و بكى طويلا و قال:

«ليهنئكم ما أصبحتم فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، و لقد أعطيت يا أبا المويهبة خزائن الدنيا و الخلود في الجنان، و لم أختر إلّا لقاء ربي» (3).

ثم رجع، و اشتكى و اشتد وجعه يوم الأحد، فأرسلت عائشة بمصباحها إلى امرأة تطلب سمنا؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أمسى في جديد الموت، و عادته فاطمة- و كانت‏

____________

(1)- صحيح البخاري: 4/ 191، السنن الكبرى للبيهقي: 7/ 48، بتفاوت.

(2)- أنظر: الطبقات الكبرى: 2/ 239، المعجم الكبير: 6/ 198.

(3)- مسند أحمد: 3/ 488، سنن الدرامي: 1/ 37، المستدرك: 3/ 56، شرح نهج البلاغة: 13/ 27، تاريخ بغداد: 8/ 217، تاريخ دمشق: 4/ 299، تاريخ الطبري: 2/ 432، و المقصود بأبي المويهبة هو علي (عليه السلام).

43

تمشي كمشيته- فرأته يتقلب في عبايته، و كرب الموت يتغشاه، و هو يقول: «الرفيق الأعلى» فبكت، و ضمته إلى صدرها، و قالت: «و اكرباه لكربك يا أبتاه». فقال: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» ثم رحّب بها، و أجلسها عن يمينه، و أسرّ إليها حديثا فضحكت، و قالت لما سئلت: «قال لي: إن جبرئيل كان يعارضني بالقرآن كل عام مرة، و أنه عارضني به العام مرتين، و لا أراه إلّا حضر أجلي، و إنّك أول أهلي لحوقا بي، و نعم السلف أنا لك». فبكيت لفراقه، ثم قال: «ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء المؤمنين» فضحكت‏ (1).

و قال: «ادعوا لي خليلي» فجاء علي (عليه السلام)، فاعتنقه و سارّه في أذنه. ثم استدعا الحسن و الحسين، و قال: «إني استودعتكم اللّه و صالح المؤمنين». فقالت فاطمة: «يا رسول اللّه هذان ولداك فورّثهما شيئا». فقال: «أما الحسن فله سؤددي، و أما الحسين فله جرأتي و جودي» (2).

و في رواية: قال لعلي قبل موته بثلاثة أيام: «السلام عليك أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك، و اللّه خليفتي عليك» فلما قبض قال: هذا أحد ركني، و لما قبضت فاطمة الزهراء قال: هذا الركن الثاني‏ (3).

«و إذا غسلتموني و كفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا، على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي عليّ إلهي، ثم الملائكة بأسرها، ثم ادخلوا فوجا فوجا حتى النساء، فصلوا عليّ و سلموا تسليما، و لا تؤذوني بتزكية، و لا ضجة، و لا رنّة، و اقرأوا مني السلام على من حضر و غاب من المسلمين، و من دخل في ديني إلى يوم الدين».

و صلي عليه فرادى بغير إمام، و اختلف الناس في موته، فقال عمر: لئن سمعت‏

____________

(1)- فضائل الصحابة لابن حنبل: 77، السنن الكبرى: 5/ 96، مناقب أمير المؤمنين للكوفي: 2/ 209.

(2)- ترجمة الحسن بن علي من تاريخ دمشق: 51/ 55، المعجم الكبير: 22/ 423 ح 41، الاصابة: 4/ 316، أسد الغابة: 5/ 467، كفاية الطالب: 424.

(3)- الفائق للزمخشري: 1/ 162، تاريخ دمشق: 14/ 167، النهاية لابن الأثير: 2/ 288، ذخائر العقبى:

56، نظم درر السمطين: 98، كنز العمال: 13/ 664 ح 37688.

44

أحدا يقول ذلك لأرجو أن تقطع أيديهم و أرجلهم. و صعد أبو بكر المنبر فقال: معاشر المسلمين من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد رب محمد فإنّه حي لا يموت، و قرأ: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ (1) الآية. و نادى عمر: خلوا الجنازة و أهلها صلى اللّه عليه و على آله أفضل الصلوات و أحلّهم من منازل الكرامة أعلاها.

و قيل: استأذن عليه ملك الموت، فقال له جبرئيل: إنه لم يستأذن على أحد من قبلك. فأذن له، فوقف بين يديه و قال: السلام عليك يا رسول اللّه. فرد (عليه السلام).

و قال: إن اللّه تعالى يقرئك السلام، و قد أمرني بطاعتك. فقال: «و تفعل؟». فقال: بذلك أمرت. فقال جبرئيل: إن اللّه تعالى قد اشتاق إلى لقائك. فقال عندها: «امض لأمر ربي».

فقال جبرئيل: السلام عليك يا رسول اللّه هذا آخر موطئي من الأرض. و سمعوا صوتا في الهواء: السلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته، كل نفس ذائقة الموت، و إنما توفون أجوركم يوم القيامة، إن في اللّه عزاء من كل مصيبة، و خلفا من كل هالك، و دركا من كل فائت، فباللّه ثقوا، و إيّاه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب. فقلنا لعلي: من هذا؟ فقال: «هو الخضر (عليه السلام)» (2).

إن يوم الفراق أنحل جسمي‏ * * * ليتني مت قبل يوم الفراق‏

و توفي يوم الإثنين لإثني عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من الهجرة. و هو الأصح‏ (3).

و قيل: ثامن عشر ربيع الأول. و قيل: في يوم الاثنين عاشر ربيع الأول. و قيل:

لليلتين خلتا منه‏ (4).

____________

(1)- سورة آل عمران: 144.

(2)- الطبقات الكبرى: 2/ 258- 260، المستدرك: 3/ 57، تفسير القرطبي: 11/ 44، تفسير ابن كثير: 1/ 444، الدر المنثور: 2/ 107.

(3)- الطبقات الكبرى: 2/ 272، تاريخ دمشق: 2/ 56، تاريخ الطبري: 2/ 455، البداية و النهاية: 5/ 276.

(4)- أنظر: العلل لابن حنبل: 3/ 426، البداية و النهاية: 5/ 276.

45

و دفن ليلة الأربعاء أوسط الليل. و قيل: ليلة الثلاثاء. و قيل: يوم الثلاثاء (1).

و [أما] عمره: قال ابن عبدة العبقسي‏ (2): مات مسموما و هو ابن ثلاث و ستين سنة. و هي أصح الروايات‏ (3).

و كان ذلك سنة (عشر) (4) من الهجرة. و قيل: كان عمره خمسا و ستين‏ (5).

و قيل: كان بعثه على رأس الأربعين، و نزل عليه الوحي عند تمامها، و قبض على رأس الستين حين زوال الشمس، و قيل: زوال الضحى.

أتضحك في الدنيا و قد مات قاسم‏ * * * و قد كنت تبكي ضحوة و هو راقد

و غسّله: العباس، و الإمام علي، و الفضل بن العباس، و صالح مولاه‏ (6).

و في رواية: أسامة بن زيد، و قثم بن العباس، و ناداهم أوس: ناشدتك اللّه إلّا ما أعطيتني حظا من رسول اللّه، فحضر و لم يباشر شيئا من أمره‏ (7).

و أسنده علي (عليه السلام) إلى صدره و عليه قميصه، و كان العباس، و الفضل، و قثم، يقلبونه مع عليّ (رضي الله عنه)، و أسامة و صالح يصبان الماء، و صالح هو شقران.

و قيل: كان العباس بالباب، و لم ير منه ما يرى من الأموات. و غسّل بالماء، و السدر، و أدرج في ثلاثة أثواب، ثوبين أبيضين و حبرة.

و قيل: لم يعيّنوا مدفنه، فقال أبو بكر: سمعته يقول: ما يقبر نبي إلّا حيث يموت، فحفروا تحت فراشه، و نزل معه القبر عليّ، و العباس، و الفضل، و شقران.

____________

(1)- مسند أحمد: 6/ 110، الطبقات الكبرى: 2/ 290، تاريخ الطبري: 2/ 455، البداية و النهاية: 5/ 276.

(2)- هو أبو بكر محمد بن عبدة العبقسي الطرسوسي النسابة الذي انتهى إليه نسب العرب و العجم.

(3)- المجدي: 6.

(4)- في المخطوط: (عشرين)، و ما أثبتناه للسياق و المصادر.

(5)- مسند أحمد: 1/ 215، صحيح مسلم: 7/ 89، سنن الترمذي: 5/ 252 ح 3701، مصنف ابن أبي شيبة: 8/ 437 ح 4.

(6)- الطبقات الكبرى: 2/ 301.

(7)- السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 1077، مسند أحمد: 1/ 260، تاريخ الطبري: 2/ 451، البداية و النهاية: 5/ 281.

46

و قيل: أسامة، و عبد الرحمن بن عوف، و أوس بن خولي. و قيل: عقيل بن [أبي‏] طالب، و قثم. و ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه ثم نزل فأخذه، و كان آخر الناس به عهدا.

و قيل: إن عليا أعطاه الخاتم و لم يمكّنه من النزول. و قيل: نزل القثم. و هو الثبت‏ (1).

و مدفنه أظهر من أن يذكر، و الصحيح: أن عليا حل عند رأسه و قبّل وجهه، و قال: «السلام عليك بأبي أنت و أمي يا حبيب اللّه، طبت حيا و ميتا، و لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة و الإنباء و أخبار السماء، خصصت حتى صرت مسليا عن غيرك، و عممت حتى صار الناس فيك سواء، و اللّه إن الجزع ليقبح إلّا عليك، و إن الصبر لحسن إلّا عنك، و لو لا أمرك بالصبر و نهيك عن الجزع لأنفدنا عليك ماء الجفون، و لكان الداء مخامرا، و الكمد محالفا، و لكنه ما لا يستطاع رده و لا يمكن دفعه، فاذكرنا عند ربك، و اجعلنا من بالك، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته» (2).

و قال عند خروجه:

ما غاض دمعي عند نازلة * * * إلّا جعلتك للبكاء سببا

فإذا ذكرتك سامحتك به‏ * * * مني الجفون ففاض و انسكبا (3)

و كان (عليه السلام) ختام مائة ألف و أربعة و عشرين ألف نبي، و المرسلون منهم ثلاثمائة و ثلاثة عشر. قال الشاعر:

إنما الدنيا عناء و قصارها مناء * * * لو نجا خلق من الموت لعاش الأنبياء

فلما دفن قالت فاطمة (عليها السلام): «كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على حبيبي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم». [و قالت:] «يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه و من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه أتى جبريل ينعاه، يا أبتاه على من خلّفت الحسن و الحسين»

____________

(1)- راجع: السيرة النبوية لابن هشام: 4/ 1077- 1079، الطبقات الكبرى: 2/ 291- 301، تاريخ الطبري: 2/ 451- 452، البداية و النهاية: 5/ 281- 283.

(2)- شرح نهج البلاغة: 13/ 24.

(3)- دستور معالم الحكم لابن سلامة: 199، تاريخ دمشق: 54/ 282.

47

و تندب بهذا و تقول:

ماذا على من شم تربة أحمد * * * أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبت علي مصائب لو أنها * * * صبت على الأيام عدن لياليا (1)

و مكثت ثلاثة أيام لا تكلم أحدا، و عليها عباءة إذا هي غطّت بها رأسها انكشفت رجلاها، و إذا غطت رجلاها انكشف رأسها، و جاء لعزائها الحور العين، و معهم رطب من جنة المأوى له عرف و ليس له عجم فلما أكلته تمكنت.

و قال ابن عباس رضى اللّه عنه: لبثت بعد النبي صلى اللّه عليه و سلّم ستة أشهر لا ترقأ لها دمعة حتى أقلقت المسلمين، و خرجت في أثنائه إلى البقيع و بنت فيه بيتا- يعرف الآن ببيت الأحزان‏ (2)- و لم تزل تبكي فيه إلى أن ماتت. و كنت إذا زرتها فيه أو افقها في البكاء على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و لسان حالي يقول:

ليس الأمان من الزمان بممكن‏ * * * و من المحال وجود ما لم يمكن‏ (3)

____________

(1)- ورد قول فاطمة (عليها السلام) في المصادر التالية: صحيح البخاري: 5/ 144، سنن الدرامي: 1/ 41، سنن ابن ماجة: 1/ 522 ح 1630، السنن الكبرى: 4/ 71، المعجم الكبير: 22/ 416، الطبقات الكبرى: 2/ 311، تاريخ بغداد: 6/ 259. وورد الشعر في: نظم درر السمطين: 181، سير أعلام النبلاء: 2/ 134، عيون الأثر: 2/ 434، سبل الهدى: 12/ 289.

(2)- و المشهور بين الأمصار أن عليا (رضي الله عنه) هو الذي بنى لها بيت الأحزان.

(3)- نسب لأبي الفتح البستي، أنظر: تاريخ دمشق: 43/ 167.

48

فصل في بركة اسمه و بركته على اللّه تعالى‏

قال ابن عباس: ما من مسلم يموت فيقام على قبره و يقال: اللهم إني أسألك بحرمة محمد و آل محمد أن لا تعذب هذه النفس إلّا رفع اللّه عنه العذاب، و إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ليقم من اسمه محمد، فيدخل الجنة كرامة لسميّه محمد (1)، و ما من نبي أكرم على اللّه من محمد؛ لأنه لم يقسم بحياة غيره.

و قال (عليه السلام): «إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه، و أوسعوا له في المجلس، و لا تقبّحوا له وجها، و ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر من اسمه أحمد أو محمد، فأدخلوه في مشورتهم، إلّا كان خيرا لهم، و ما من مائدة وضعت فحضرها من اسمه أحمد أو محمد، إلّا قدّس ذلك المنزل في كل يوم مرتين» (2).

و قال (عليه السلام): «إن أبا طالب في ضحضاح من النار (3)، و لولاي لكان في الدرك‏

____________

(1)- ورد المقطع الأول في: أحوال أطفال المسلمين للبركوي: 229، أحكام الجنائز للألباني: 259، و المقطع الثاني في: سبل السلام للعسقلاني: 4/ 100، الشفا لعياض: 1/ 176، مغني المحتاج: 4/ 295.

(2)- فضائل التسمية بأحمد و محمد: 32، شرح نهج البلاغة: 19/ 369، تفسير القرطبي: 4/ 251، كنز العمال: 16/ 422 ح 45224.

(3)- أقول: من العجب وضع هذه الرواية هنا و ليس المقام مقام ذكر من أسلم أو تخلف، و لماذا لم تستبدل هذه الرواية بروايات فضل أمة النبي (صلوات الله عليه)، أو ما هو مفيد للناس من بركات الرسول الكريم الذي عقد هذا الفصل لتبيينها.

ثم الأعجب من ذلك أنه بعد أسطر يذكر شفاعة النبي لمن في قلبه جناح بعوضة من الإيمان، و إن لم يتشهد بالشهادتين، لقوله فيه: و أولى الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلّا اللّه.

فلماذا التشديد على أبي طالب؟

و هنا تذكرت قصة جرت مع شخصين أحدهما منصف و الآخر معاند، جرى خلالها نقاش طويل حول-

49

الأسفل من النار» (1).

____________

- خلود أبي طالب في النار، فقال المنصف: قول اللّه أصدق من قول الناس، فقال المعاند: كيف؟

قال: أبو لهب مع عدم نصرته للنبي و إيذائه له و منعه من نشر الإسلام و تأثيره على إنتشاره لم يصفه اللّه في كتابه إلّا بقوله: (سيصلى نارا ذات لهب) أي سيدخل النار التي لها لهب كبقية المشركين.

و أنت تصف أبا طالب الناصر لرسول اللّه و المحامي عنه و المحب له و المساعد على نشر الإسلام بنفسه و بنيه و زوجته، كافل النبي و مربيه، تصفه بأنه مخلد في النار، في ضحضاح يغلي منها دماغه في قعر جهنم مع قتلة الأنبياء، و ذلك كله بعد شفاعة الرسول الأكرم له؟! فإذا لم يشفع له فما هي حاله.

فقال المعاند: من أين جئت بهذا؟

قال المنصف: إن تعجب فعجب قولهم.

أقول و قد روى بعض الحفاظ ما يدل على إسلام أبي طالب أخرجه ابن عساكر و ابن إسحاق، عن العباس ابن معبد بن العباس، عن بعض أهله، عن العباس بن عبد المطلب أنّه قال: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة قال له نبي اللّه: «يا عم قل كلمة واحدة أشفع لك بها يوم القيامة، لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ»، فقال: لو لا أن يكون عليك و على بني أبيك غضاضة، لأقررت بعينيك، و لو سألتني هذه في الحياة لفعلت قال:

و عنده جميلة بنت حرب حمّالة الحطب، و هي تقول له: يا أبا طالب مت على دين الإسلام. قال: فلما خفت صوته فلم يبق منه شي‏ء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا اللّه، فقال العبّاس للنبي: يابن أخي قد و اللّه قال أخي الذي سألته، فقال رسول اللّه: «لم أسمعه».

تاريخ دمشق: 70/ 245، و المواهب اللدنية: 1/ 133 و تاريخ الخميس: 1/ 300، و سيرة ابن إسحاق: 222- 238، و الإصابة: 4/ 116.

و ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في مصنّفه كتاب أسباب نزول القرآن ما هذا لفظه: قال: قال الحسن بن مفضل في قوله عزّ و جلّ‏ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏ كيف يقال انّها نزلت في أبي طالب رضى اللّه عنه و هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة و أبو طالب مات في عنفوان الإسلام و النبي (عليه السلام) بمكّة و إنّما هذه الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف، و كان النبي يحبّ إسلامه، فقال يوما للنبي: انّا نعلم انك على الحق و ان الذي جئت به حق و لكن يمنعنا من اتباعك أن العرب تتخطفنا من أرضنا لكثرتهم و قلّتنا و لا طاقة لنا بهم، فنزلت الآية، و كان النبي يؤثر إسلامه لميله إليه (شيخ الابطح: 69 ط. بغداد 1349 ه عن الواسطي، و أبو طالب مؤمن قريش: 368).

و مما يؤيد ذلك أنهم أجمعوا أن الآية التي تليها نزلت في الحارث راجع تفسير الكشاف: 2/ 167 مورد الآية، و تفسير ابن كثير: 3/ 395، و شيخ الابطح: 69.

و قيل نزلت في رسول قيصر- تفسير ابن كثير: 3/ 395 مورد الآية، و أبو طالب مؤمن قريش: 369.

(1)- مسند أحمد: 1/ 206، صحيح البخاري: 4/ 47، صحيح مسلم: 1/ 135، مصنف ابن أبي شيبة: 8/ 98 ح 42، و في الرواية نظر و تأمل.

50

و قال (عليه السلام): «لكل نبي دعوة، و إني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (1).

[و قال صلى اللّه عليه و سلّم‏]: «و الذي نفسي بيده لأشفعن يوم القيامة حتى أشفع لمن كان في قلبه مثقال جناح بعوضة من الإيمان، و أولى الناس بشفاعتي من قال: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ مخلصا» (2).

و قال صلى اللّه عليه و سلّم: «آدم و من دونه تحت لوائي يوم القيامة، و أنا أول من يفتح له باب الجنة» (3).

و قال ابن عباس: ينصب لواءه في عرصة القيامة تجاه الصراط، و له ثلاث و سبعون شعبة، عموده من ياقوتة حمراء، يستظل بكل واحدة من الشعب أهل ملة من الأمم على اختلافها كرامة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، مكتوب: هذه راية خاتم المرسلين و سيد المسلمين، فإذا فرغ من القضاء رفعت‏ (4).

جاد اللّه تعالى علينا برضاه و منّ علينا بعفوه يوم نلقاه و نسأله الجنة و نعوذ به من النار.

____________

(1)- صحيح البخاري: 8/ 192، مسند أبي يعلى: 4/ 167، المعجم الأوسط: 2/ 203، تفسير ابن كثير: 4/ 17، تاريخ بغداد: 2/ 213، تاريخ دمشق: 6/ 203.

(2)- مسند أحمد: 2/ 373، صحيح البخاري: 1/ 33، السنن الكبرى: 3/ 427، الطبقات الكبرى: 2/ 364، تاريخ دمشق: 67/ 336، بتفاوت في المصادر.

(3)- الجامع الصغير: 2/ 717 ح 9634، فيض القدير: 6/ 472 ح 9634، كنز العمال: 11/ 411 ح 31927.

(4)- لم نجد قولا كهذا في المصادر المتوفرة، و اللّه العالم.

51

الباب الثاني فيما يختص بعلي الولي و فاطمة الزهراء و عترتهم (عليهم السلام) و فيه فصول:

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الأول [في علي بن أبي طالب و فاطمة الزهراء (عليهما السلام)‏]

الحمد للّه الذي فتق رتق قلوب أنبيائه، و هدانا إليه برسله و أوليائه، و منّ علينا بولاء أهل البيت الطاهر، كما منّ علينا بالنبي النجم الزاهر، الذين علمهم من لدنه علما، و أورثهم منه فهما، فتعرضوا لنفحات قدسه، و ترشحوا لواردات أنسه، فصار لهم في الخلوة أنيسا، و في الجلوة جليسا، فأضحوا موضع نظره في سمائه و أرضه، و أهل عنايته حال بسطه و قبضه، فآثروا فيه شهيّ اللذات، و انقطعوا إليه في كل الأوقات، فأجسادهم أرضيّة، و قلوبهم سماوية، و أشباحهم فرشية، و أرواحهم عرشية، و هياكلهم في فسيح مفاوز المجاهدات سيّارة، و أسرارهم في فضاء الرفيق الأعلى طيّارة، لا تخلو الأرض من عدد منهم، و هم بالحق قائمون، و إلى سبيله داعون، و لعباده في أقطار بلاده هادون‏ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ‏ (1).

و بعد: فمما كان أجازني كمال الدين المقدم ذكره ما رواه مرفوعا إليه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «لو أن الرياض أقلام، و البحر مداد، و الجن حسّاب، و الإنس كتّاب، لما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب» (2).

و مما أجازني قوله (عليه السلام): «حبنا أهل البيت يكفّر الذنوب، و يضاعف الحسنات، و إن اللّه تعالى ليتحمل عن محبينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلّا ما كان فيه‏

____________

(1)- سورة البقرة: 157.

(2)- لسان الميزان: 5/ 62، مناقب الخوارزمي: 32/ 1، ينابيع المودة: 1/ 364 ح 5، ميزان الاعتدال: 3/ 466.

54

إصرار أو ظلم للمؤمنين» (1).

فكيف و الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أول ولي في الأرض و إمام، و باب مدينة العلم باتفاق الأنام، و قاصم أعدائه في المجامع و المواقف، و محقق نسبه و نيابته الموافق و المخالف، مما علم دليله و اتضح سبيله. و كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم ناصرا، و لشريعته مجيبا، و لدعوته ملبيا، و حبيبه، و نجيه، و داعيه، و مجيبه، و خصيصه، و صفيه، و وفيه، و مختاره للأخاء يوم مؤاخاته بين الأنداد، و الأمثال، و الأضراب، و الأشكال؛ فلذلك اختاره لنفسه العلية، لما كان غصنا من شجرته الطاهرة الزكية؛ و لهذا حكم بأنه مولاه، لما لم يجد سويا سواه، و عدم عديلا له ممن عداه، اختاره كفؤا لابنته لما لم يجد لها كفؤا سواه، و خصه بذلك و اصطفاه، و كفى بهذا شرفا لا يدرك منتهاه. و قال المجيز:

أسد الإله و سيفه و قناته‏ * * * كالظفر يوم صياله و الناب‏ (2)

جاء فيه يوم بدر عن جبرئيل:

لا سيف إلّا ذو الفقار * * * و لا فتى إلّا علي‏ (3)

[في اسمه و كنيته و مولده (عليه السلام)‏]

و علي هو الإسم المشهور، و كان يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدره‏ * * * هزبر آجام و ليث قسورة (4)

و من أسمائه: الأسد. و كان يسمى بمكة بيضة البلد:

____________

(1)- مسند الإمام الرضا: 1/ 239 ح 442، أمالي الطوسي: 164/ 274، تأويل الآيات: 1/ 384، بحار الأنوار: 65/ 100 ح 5.

(2)- مناقب الخوارزمي: 38/ ح 5، نظم درر السمطين: 121.

(3)- تاريخ الطبري: 2/ 197، تاريخ دمشق: 42/ 71، شرح نهج البلاغة: 7/ 219، البداية و النهاية: 6/ 6، مناقب الخوارزمي: 167/ ح 200.

(4)- مسند أحمد: 4/ 52، تاريخ الطبري: 2/ 301، وقعة صفين: 390، المعجم الكبير: 7/ 18، صحيح ابن حبان: 15/ 382، مصنف ابن أبي شيبة: 8/ 520، بتفاوت في عجز البيت.