مكاتيب الأئمة(ع) - ج1

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
568 /
1

[الجزء الاول‏]

[هوية الكتاب‏]

مركز بحوث‏

مؤسسة دار الحديث العلميّة الثقافيّة

2

مركز بحوث دار الحديث: 93

احمدى ميانجى، على، 1304- 1380.

مكاتيب الأئمة (عليهم السلام): مكاتيب الإمام على (عليه السلام)/ على الأحمدى الميانجى؛ تحقيق و مراجعه مجتبى فرجى.- قم: دار الحديث،

1426 ق 1384.

ج.- (مركز بحوث دار الحديث؛ 93، مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)؛ 1 و 2)

(قيمت دوره) 3200 تومان 3- 019- 493- 964:ISBN

فهرست‏نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

كتاب‏نامه: ج. 2. ص. 499- 522؛ همچنين به صورت زيرنويس.

1. ائمه اثنا عشر (ع)- نامه‏ها و پيمان‏ها. 2. ائمه اثنا عشر (ع)- وصايا. 3. على بن ابى طالب (ع)، امام اوّل، 23 قبل از هجرت- 40 ق- نامه‏ها و پيمان‏ها. 4. على بن ابى طالب (ع)، امام اوّل، 23 قبل از هجرت- 40 ق- وصايا. الف. فرجى، مجتبى، 1346-، مصحح. ب. عنوان: مكاتيب الإمام على (عليه السلام). ج. عنوان.

71384 م 13 الف/ 36BP 9/ 792

فهرست‏نويسى توسط كتاب خانه تخصصى دار الحديث قم‏

3

مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)

مكاتيب الإمام عليّ (عليه السلام)

عليّ الأحمديّ الميانَجيّ‏

تحقيق و مراجعة

مجتبى فَرَجي‏

الجزء الأوّل‏

4

مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام) (مكاتيب الإمام علي (عليه السلام))/ ج 1

عليّ الأحمدي الميانجي‏

تحقيق و مراجعة: مجتبى‏ فَرَجي‏

مراجعة النص و استخراج الفهارس: رعد البهبهاني‏

تقويم النصّ: ماجد الصيمري‏

مقابلة النصّ: محمود سپاسي، مصطفى اوجي، مهدي جوهرچي، محمّد محمودي‏

الإخراج الفني: محمّد ضياء سلطاني‏

الناشر: دار الحديث للطباعة و النشر

الطبعة: الاولى، 1426 ق/ 1384 ش‏

المطبعة: دار الحديث‏

الكمية:؟؟؟؟

الثمن:؟؟؟؟

دار الحديث للطباعة و النشر

مؤسسة دار الحديث العلميّة الثقافيّة

دار الحديث للطباعة و النشر: قم، شارع معلّم، قرب ساحة الشهداء، الرقم 125

الهاتف: 7741650 0251- 7740523 0251 ص. ب: 4468/ 37185

شابك: 6- 53- 7489- 964

http:// www. hadith. net

hadith@ hadith. net

5

الفهرس الاجمالى‏

عنوان ..... الجزء/ الصفحة

الفصل الأوّل: مكاتيبه قبل خلافته ..... 1/ 23

- الباب الأوّل: مكاتيبه في زمن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ..... 1/ 25

- الباب الثاني: مكاتيبه بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى حين خلافته ..... 1/ 29

الفصل الثاني: مكاتيبه بعد خلافته حتّى الوصول إلى الكوفة ..... 1/ 55

الفصل الثالث: مكاتيبه من الكوفة إلى نهاية حرب صفّين ..... 1/ 315

الفصل الرابع: مكاتيبه من نهاية صفّين إلى نهاية النهروان ..... 2/ 5

الفصل الخامس: مكاتيبه من نهاية النهروان حتى الاستشهاد ..... 2/ 63

الفصل السَّادس: وصاياه ..... 2/ 187

الفصل السابع: مكاتيبه المجهولة التاريخ ..... 2/ 263

فائدة ..... 2/ 341

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تصدير

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على عبدِهِ المصطفى محمدٍ و آله الطاهرين، و أصحابِهِ الخيارِ الميامينَ.

المعصومون قُدوات لا تجِدُ عنهم البشرية بدلًا، و هي إن رامت بلوغ ذُرى‏ الكمال الشامخ، فلا غنىً لها عن الاقتداء بهم و التأسّي بسيرتهم. فأقوالهم و أفعالهم تنمّ بكلِّ معنى الكلمة عن أمرٍ نبيلٍ و سامٍ، و أفكار رفيعة في مسار الحياة المثالية و المنشودة.

و الّذي بين أيدينا من هذا التُراث في الوقت الحاضر، عبارة عن أحاديث تمثّل سنّة المعصوم. و مع أنّ الحديث- حسبما يفيد معناه اللُّغوي على‏ الأقل- يتجسّد في كثير من الحالات بصورة نقل أقوال و كلمات المعصوم، بيد أنّ ما كتبه المعصومون يمثّل هو الآخر أحاديث يُنظر إليها باعتبارها شيئاً مكتوباً لأقوالهم، أو تُعدُّ نوعاً آخر من أفعالهم، و لكنّها على‏ كلّ حال تعبّر عن سنّة المعصوم، و يمكن إخضاع هذا النوع من الأحاديث الّتي وصلتنا على‏ شكل مكاتيب، للبحث و الدراسة من أوجه شتّى، إذ يمكن من جهة تعرّف طبيعة الأجواء السياسية و الاجتماعية و الثقافية لعصر المعصوم من خلال دراسة هذه المكاتيب، و يتسنّى من جهة أُخرى‏ معرفة اسلوب الحُكم و طرق نشر الثقافة، من بين ثنايا بعض هذه المكاتيب. و من جهة ثالثة يُتاح لنا أن نستشف من تلك المكاتيب العامّة للمعصومين لمحاتٍ نيرة خالدة وجّهوها إلى‏ شيعتهم في مواقفَ شتّى.

و من الطبيعي أن يؤدّي الاطّلاع على‏ الوثائق المكتوبة الّتي خلّفها لنا المعصومون،

8

إلى‏ تسليط مزيد من الضوء على‏ الكثير من تعاليم مدرسة الأئمة، و يُتيحُ التعرّف عليها بشكل أفضل.

و في ضوء ما سبقت الإشارة إليه، فقد بادر المرحوم آية اللّه الشيخ علي الأحمدي الميانَجي إلى‏ جمع مكاتيب المعصومين- رغم ما تحمَّله في هذا السبيل من عناء و مشقة- و دوّنَ إلى‏ جانب كلّ مكتوب معلومات قيّمة عنه. فرفد بعمله هذا ميدان البحث و التحقيق، بمصدر غني في هذا المجال.

سبق لسماحة الشيخ الأحمدي الميانَجي أن انتهى منذ سنوات خلت، من تدوين كتاب‏ مكاتيب الرسول (صلى الله عليه و آله)، و طُبع هذا الكتاب في إيران و لبنان عدّة مرّات، و حظي باهتمام الباحثين.

و ها هو كتاب‏ مكاتيب الأئمة (عليهم السلام) يوضع اليوم- و في أعقاب رحيل سماحته- قيد الإعداد و النشر. فيا ليته كان حاضراً بيننا ليشهد عن كثب جَني ثمار أتعابه، و إنْ كانت روحه ستنعم بالسرور قطعاً لإسداء هذه الخدمة.

لقد بذل المؤلّف غاية وسعه في إعداد و تدوين هذا الكتاب، و لكنه مع ذلك بقي بحاجة إلى‏ المراجعة من جديد، و الإكمال و التبويب بشكل يتناسب مع مستجدّات العصر الحاضر، و ما تتوفر فيه من الإمكانات. و انطلاقاً من ذلك فقد أُنجِزت هذه المهمّة تحت إشراف نَجل المرحوم، فضيلة حجّة الإسلام و المسلمين مهدي الأحمدي الميانجي، و بجهود فضيلة حجّة الإسلام مجتبى فرجي.

و هنا نودَّ الإعراب عن جميل شكرنا لهذين الرجلين الفاضلين، و لكلِّ الزّملاء العاملين في مركز بحوث دار الحديث، ممّن كانت لهم إسهامات في مختلف مراحل إعداد هذا الكتاب، مع الدعاء للمرحوم بالرَّحمة و المَغفرة، و نسأل اللّه دوام التوفيق لكلّ من أعان على‏ إخراج هذا الكتاب إلى‏ النور.

محمّد كاظم رحمان ستايش معاون الدراسات و البحوث في مركز بحوث دار الحديث‏

9

المقدّمة

الحمد للَّه الّذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللَّه، و صلّى اللَّه على سيّد المرسلين، و خاتم الأنبياء محمّد، و أهل بيته الطّيّبين الطّاهرين، الّذين أذهب اللَّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيراً.

نبذة من سيرة آية اللَّه الميرزا عليّ الأحمدي الميانجي (رحمه الله)

ولادته‏

ولد سماحة آية اللَّه الميرزا عليّ الأحمدي في الرابع من شهر محرم الحرام، عام 1345 ه، المصادف للثالث و العشرين من شهر تير لعام 1305 ه. ش. في قرية بورسخلو، على مسافة أربعة فراسخ من مدينة ميانه.

اسرته‏

نشأ المُتَرجم لهُ في اسرة علميّة، و كان والده حجّة الإسلام الملّا حسين عليّ، من علماء الدين في تلك المنطقة، و كان قد تربّى هو الآخر في اسرة علمائيّة. و كان يمارس مهمّة التبليغ و إرشاد الناس، و يعتاش على عمله في الزِّراعة. (1)

____________

(1). سيماى ميانه (معالم ميانه)، ص 208.

10

دراسته‏

بعد انقضاء عهد طفولته، تعلّم الميرزا عليّ الأحمدي الميانجي القراءة و الكتابة على يد والده، و درس على يده أيضاً كتباً مثل: نصاب الصبيان‏، و گلستان (روضة الورد)، و منشآت قائم مقام‏، و تاريخ جهانگشاي نادري.

و في عام 1358 ه توجّه من قريته إلى ميانه، و حضر درس الشيخ أبي مُحمَّد حجّتي، و درس على يده الأدب العربي. (1)

و درس عنده أيضاً حاشية الملّا عبد اللَّه، و معالم الاصول‏، و شرح اللُّمعة، و أجزاء من القوانين‏ على يد الميرزا أبي محمّد حجّتي. و درس أيضاً على يد الشيخ لطف عليّ الشريفي الزنوزي، و الحاج الميرزا مهدي جديدي. و كان للميرزا لطف عليّ الزنوزي أثر كبير في حياته، و بلورة شخصيته، و دراسته و مسيرته.

هاجر مدّة من الزمن إلى تبريز، و مكث فيها عدّة أشهر، و بعدها توجّه في شهر ذي القعدة من عام 1363 ه (1323 ه ش.) إلى قم، و حضر درس آية اللَّه السيد حسين قاضي الطباطبائي، و آية اللَّه أحمد كافي الملك، و آية اللَّه المرعشي النَّجفي. ثم شارك في دروس مرحلة البحث الخارج في الفقه و الأُصول و التفسير، لسماحة آية اللَّه العظمى البروجردي، و آية اللَّه مُحقِّق الداماد، و آية اللَّه الگلپايگاني، و آية اللَّه الميرزا هاشم الآملي، و العلّامة الطباطبائي. و كان يبحث ما يتعلّمه من الدروس مع آية اللَّه عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، و آية اللَّه السيد إسماعيل الموسوي الزنجاني.

و ممَّا قاله في ذكرياته: ليست لديَّ إجازة في الاجتهاد، و لا إجازة نقل الحديث. و كان منهجي لا يحمل أيّة خصائص بارزة. فلم أهتم بالحصول على الإجازة، و لم افكّر في استحصالها من أساتذتي، و كنت احدث نفسي و أقول: إن كانَ لَدَيَّ علمٌ فنعمّا، و إن لم يكن، فالمرء لا يكتسبه من خلال استحصال ورقة يكتبها شخص. (2)

____________

(1). صحيفه جمهوري اسلامي، 26/ 6/ 1379 ه ش.

(2). خاطرات آية اللَّه أحمد الميانجي، إصدار مركز أسناد انقلاب إسلامي (مركز وثائق الثورة الإسلامية)، ص 86.

11

تدريسه‏

كان لآية اللَّه الأحمدي الميانجي (رحمه الله) حضور في الحوزة العلمية في قم المقدّسة، على مدى ستّين سنة. و إلى جانب الدراسة، كان في تلك السنوات يدرّس الفقه، و الأُصول، و الأخلاق، و يسعى جاهداً في نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام). كانت لديه مهارة يندر مثيلها في تربية تلاميذه، و كان تدريسه في المراحل العليا- خاصة تدريسه لمكاسب الشيخ الأنصاري- لذيذاً و محبَّباً إلى القلوب. و كانت دروسه الأخلاقية في المدارس العلمية، و في الأوساط الثقافية و الجامعية، و في مسجده في شارع إرَم في قم، تثير الشَّغف لدى مستمعيه، و كثيراً ما تؤثِّرُ فيهم و تجعلهم يذرفون الدُّموع، إذ كانت الموضوعات التي يختارها لمحاضراته جذّابة جدّاً، و نذكر من بينها:

شرح خطبة همّام، و شرح دعاء مكارم الأخلاق، و شرح دعاء أبي حمزة الثَّمالي.

كان فقيهاً و مجتهداً بلا ادّعاء، و اقتصر حتى آخر عمره على تدريس المستويات العليا من دروس الكفاية و المكاسب. و كان يقول في ردِّ طلبات تلاميذه و محبيه الذين كانوا يحثّونه على تدريس مرحلة الخارج، و كتابة رسالة عملية: توجد رسائل عملية و دروس بحث خارج بالقدر الكافي- و الحمد للَّه- و ليس هناك حاجة لتدريسي للبحث الخارج، و لا لرسالتي العملية، يمكنكم الرجوع إلى شخص آخر من آيات اللَّه.

بحوثه و مؤلّفاته‏

إلى جانب انشغال آية اللَّه الأحمدي بتدريس الدروس الحوزوية، كان يهتمّ أيضاً بالبحث و التأليف. و أكثر مؤلفاته مبتكرة و جديدة في موضوعها، و قد سدّت فراغاً واضحاً بين كتب الشيعة، نذكر المطبوعة منها:

1. مكاتيب الرّسول (صلى الله عليه و آله): و هو كتابه النفيس، الذي قال في مقدمته: «هذا الكتاب حصيلة عمري». قامت مؤسسة دار الحديث الثقافية بإعادة النظر في هذا الكتاب، و تنقيحه و طباعته في أربعة مجلّدات عام 1377 ه ش.

2. مواقف الشيعة: و يتضمن مناظرات و بحوثاً أجراها علماء شيعة بارزون، مع علماء من‏

12

أهل السنّة، و نشر من قبل مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم المقدّسة.

3. مالكيت خصوصى در اسلام‏ (الملكية الخاصّة في الإسلام) في مجلّدين.

4. السُّجود على الارض.

5. التبرّك.

6. الأسير في الإسلام.

7. مكاتيب الإمام الرِّضا (عليه السلام).

8. ظلامة الزهراء؛ إزاحة الارتياب عن حديث الباب.

9. تحقيق كتاب «معادن الحكمة» لعلم الهدى.

10. كتاب «عقيل بن أبي طالب (رحمه الله)».

11. مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام):- و هو هذا الكتاب الذي بين يديك، و تؤلّف مكاتيب الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قسماً مهمّا منه.

و إضافة إلى هذه الكتب، نشر المرحوم الميانجي أيضاً مقالاتٍ في مختلف المجلّات في البلاد.

تفسيره للقرآن‏

كان آية اللَّه الميانجي و جماعة من كبار رجال الحوزة العلمية يعقدون مجالس للتباحث في تفسير القرآن. و استمرت هذه المجالس التي كانت تعقد اسبوعياً، أكثر من خمسين سنة.

و كان يحضرها كلٌّ من آية اللَّه السيد موسى‏ الصدر، و آية اللَّه السيد موسى‏ الشُّبيري الزنجاني، و المرحوم آية اللَّه السيد مهدي الرَّوحاني، و آية اللَّه السيد أبو الفضل مير محمّدي، و قد قال آية اللَّه الأحمدي الميانجي عن تلك المجالس:

13

كان من خصائص بحثنا التفسيري أنَّه لم يكن عن كتاب معيّن، و إنّما كان كلُّ واحد منّا يطالع مصادر شتّى في داره، و يأتي إلى المجالس ليقرأ على مسامع الآخرين خلاصة ما طالعه. و كلّ من يقرأ بحثه كان يتعرّض لموجة من الإشكالات التي يثيرها ضدَّه الآخرون. و كان يردُّ عليها، أو ربّما يعجز عن الردّ. و كنتُ أنا أُلخّص حصيلة ما استفدناه منها، و أقول: «من فوائد مجلسنا التفسيري هذا، أنَّ آيات اللَّه المحكمة تغدو فيه متشابهة!» و كان كلامي هذا يحمل طابع المزاح؛ فقد كان السادَّة الحاضرون يعرضون إشكالات و تدقيقاً إلى الحدّ الّذي يؤدِّي بالشخص إلى التخلّي عن الرأي و الاحتمال الذي تكوّن لديه أثناء المطالعة.

صفاته‏

1. الإخلاص: كان عطر الإخلاص يفوح من جميع حركاته و سكناته، و كان باستطاعة الجميع استنشاق ذلك العطر. فقد كان سماحته يضع اللَّه نصب عينيه في كُلِّ عمل، متحرزاً عن الأهواء و الهواجس الشَّيطانية. و كان يتجنّب بشدّة جميع صور الرِّياء و التظاهر في ميدان العلم، و في ميدان مكارم الأخلاق، على حدّ سواء.

2. التّقوى: ما كان يعتبر الانطوائية و العزلة من التَّقوى في شي‏ء. بل كان يرفض الانطوائية، و يجسِّد التَّقوى بمعناها الإيجابي، الذي يعني العيش بين الناس و في الوسط الاجتماعي، و خدمة الناس و الدِّين.

3. الإيمان بولاية الفقيه: كان شديد الاعتقاد بولاية الفقيه المطلقة، و الامتثال لها و للأحكام الحكوميّة. و كان يرى وجوب الالتزام حتّى بالقوانين و التعليمات العادية، و يقول: إذا خالف أحد التعليمات المرورية، و لم يكن هناك شرطيٌّ يفرض عليه غرامة، يجب أن يبادر هو من تلقاء نفسه إلى دفع الغرامة المقرّرة الى خزينة الدولة.

4. العبادة: كان ينهض من النوم قبل ساعتين من أذان الفجر، للتهجّد و الدُّعاء و التضرّع إلى اللَّه.

و لكنَّه كان يقوم بهدوء؛ لكي لا يزعج أفراد اسرته و يوقظهم من النوم. و كان يُعرّف الرياضة بأنّها: أداء الواجبات و ترك المحرّمات. و يوصي بالاعتدال في كلّ الامور، حتّى في العبادة و في زيارة قبور الأئمّة.

14

5. خدمة الناس: كانت لديه رغبة عميقة في تقديم ما يمكن من خدمة للناس، و لم يكن يشعر بالكلل و الملل من كثرة المراجعين، بل بالعكس كان يستقبلهم بكلّ ودّ، و يعمل جهد استطاعته لحلِّ مشاكلهم، و حتى إذا رنَّ جرس الهاتف أثناء تناوله الطّعام أو أثناء نومه، ما كان يتوانى عن الجواب.

6. قطع الرجاء من الآخرين: لم يكن يرتجي شيئاً من أحد، و لا حتّى من أولاده، و أصهاره، و زوجات أبنائه، و إنَّما كان يقول لهم: لا تستشيروني في اموركم، و اعلموا أنّ زمانكم يختلف عن زماننا؛ فإذا أشرت عليكم بما يصعب عليكم عمله، أو يتعارض مع رغباتكم، فاعملوا حسب مشيئتكم. و أنا لا أرتجي منكم ما هو أكثر من ذلك.

7. الحضور في جبهات الحرب: لم يكتف آية اللَّه الأحمدي في حياته بارتياد المدرسة و المسجد و اعتلاء المنبر، بل كان- أثناء الحرب الدفاعية التي خاضتها الجمهورية الاسلامية الإيرانية ضدّ الهجوم العراقي- يتوجّه إلى جبهات الحرب مرّتين في كلِّ سنة، و يتفقّد الخطوط الإمامية لجند الإسلام، و يحثُّهم على الجهاد في سبيل اللَّه و طاعة الولي الفقيه.

عطاؤه الاجتماعي، و الثقافي، و السّياسي‏

للمرحوم الأحمدي عطاء وافر نشير منه إلى أعماله التالية:

تأسيس جمعية الدين و العلم في مدينة ميانه، و تربية مئات الشباب فيها، و إقامة دورات للمعارف الإسلامية في تلك المدينة، إضافة إلى إيجاد صندوق «مهدية» للقرض الحسن، و إنشاء مؤسسة نسوية لحياكة السجّاد في تلك المدينة.

و في عام 1370 ه. ش. أسس بالتّعاون مع جماعة من علماء الدين الحريصين، جمعية في مدينة قم اسمها: الجمعية الإسلامية للناصحين. و أخذت هذه الجمعية، التي انضوى تحت لوائها ثلاثة آلاف شخص، تمارس مهام النُّصح و الإرشاد و الأمر بالمعروف، و النَّهي عن المنكر، بالكلام الطيّب.

و سماحة الشيخ الميانجي- (رحمه الله)- أحد الأعضاء المؤسسين لصندوق علوي للقرض‏

15

الحسن في قم المقدّسة، و ينشط هذا الصندوق في مجال تلبية الاحتياجات الماديَّة للفقراء و المحرومين.

تأسست جمعية الزهراء الخيرية عام 1369 ه ش، باقتراح و مشاورة عدد من أساتذة الحوزة العلمية في قم، و عدد من المحسنين، و كان منهم المرحوم سماحة آية اللَّه الأحمدي الميانجي، و المرحوم آية اللَّه السيّد مهدي الرَّوحاني.

و منذ انطلاق النهضة الإسلامية، واكب المرحوم بنشاطه خطوات الإمام الخميني و الشَّعب الثوري. و في أعقاب انتصار الثورة، لم يبتعد لحظة واحدة عن وقائع البلاد المهمَّة، و كان يحرص على العمل بواجبه الإسلامي. كان لحضوره في جبهات الحرب على مدى ثمان سنوات من الدفاع المقدّس، تأثير في تأجيج الرُّوح القتاليَّة في نفوس جنود الإسلام، و قدّم ولده الشهيد جعفر الأحمدي، في سبيل الدِّفاع عن حياض الإسلام.

وفاته‏

و أخيراً حلَّقت روحه النبيلة نحو عالم الخلود، يوم الإثنين 21/ 6/ 1379 ه ش، بعد «75» سنة قضاها في التَّقوى و السّعي لتحقيق الأهداف السامية للرسول و أهل بيته. و دفن جثمانه الطاهر في حرم السيّدة المعصومة، في مدينة قم المقدّسة.

وصيّته‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه على نعمائه و آلائه، و صلى اللَّه على محمّد سيِّد الأنبياء و آله المعصومين، و اللَّعن على أعدائهم أجمعين.

اللهم كن لوليِّك الحُجَّةِ بن الحسن، صلواتُكَ عليه و على آبائهِ، في هذه السّاعة و في كلِّ ساعةٍ، وليّاً و حافظاً، و قائداً و ناصراً، و دليلًا و عيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، و تُمتّعَهُ فيها طويلًا، و ... أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمداً عبده و رسوله، أرسله بالهدى ليظهره على الدين كُلِّه و لو كره المشركون. و أشهد أن ما جاء به حقٌّ، و أن أمير المؤمنين‏

16

عليَّ بن أبي طالب، و الحسن، و الحسين، و عليّ بن الحسين، و محمّد بن عليّ، و جعفر بن محمّد، و موسى‏ بن جعفر، و عليّ بن موسى‏، و محمّد بن عليّ، و عليّ بن محمّد، و الحسن بن عليّ، و الحجة بن الحسن أوصياؤه، و هم الأئمّة المعصومون، و خلفاء اللَّه تعالى في أرضه، تجب طاعتهم، و أنّ مَنْ والاهم فقد و الى اللَّه، و من عاداهم فقد عادى اللَّه. و أشهد أنّ الموت حقّ، و سؤال المَلَكين، و عذابَ القبر و نِقَمَهُ حقّ، و أنّ القيامة حقّ، و الجنّة حقّ و النار حقّ، و أنّ اللَّه يبعث من في القبور.

كتبت هذه الكلمات المعدودة كوصيّة في يوم الأحد، السادس من شهر رجب 1420 ه، المصادف 24 من شهر مهر 1378 ه ش. عند ما كنتُ متوجِّهاً إلى زيارة بيت اللَّه الحرام، و رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و فاطمة الزهراء ((عليها السلام))، و الأئمَّةِ الكرام (سلام الله عليهم اجمعين)، و هذا نصّها:

1. يجري العمل وفق الوصية التي كتبتها سابقاً، و هي موجودة في الدّرج الحديدي الذي اشتراه جعفر، إلا إذا كان هناك مخالف.

2. ليس لديَّ من مال الدنيا شي‏ء أوصي به. هناك فقط الدار السَّكنية، و هي تبقى و ما فيها من مستلزمات و أدوات منزلية، تحت تصرف زوجتي ما دامت على قيد الحياة.

3. بعض وسائل الدار من سجّاد و غيره، ملك لزوجتي، و يجري العمل فيه وفقاً لقولها.

4. إن لم تستطع سَكن الدار بمفردها، لها أن تحوّل الطابق الثَّاني إلى غرف و هول، و تؤجِّره لمن ترتضيه، و ترتاح له، ليكون لها عوناً على نفقتها.

5. من بعدها يمكن للورثة تقسيم الدار كيفما يشاؤون.

6. تكون كتبي موضع استفادة من بعدي. فإن كان هناك من أولادي و ورثتي أحد من أهل العلم، فله الاستفادة منها، و إن لم يكن بينهم أحد من أهل العلم- لا سمح اللَّه- تُهدى إلى إحدى مكتبات الحوزة العلمية في قم، أو المدرسة الفيضية، أو مكتبة آية اللَّه المرعشي رحمة اللَّه عليه، لتكون لي من الباقيات الصالحات.

7. على الورثة أن يتصرَّفوا بشكلٍ لا يزعج والدتهم، و يكونون- بإذن اللَّه- متديّنين و ملتزمين، و لا تقع بينهم مصاعب و إزعاجات.

17

8. أودّ أن يكون هناك دائماً واحد أو أكثر من أبنائي مكبّا على اكتساب العلم. و قد دعوت اللَّه أن لا يقطع من ذريّتي العلم و العلمائيَّة، إنَّهُ قريب مجيب.

9. توضع كتبي التي لم تطبع بعد، تحت تصرّف المؤسسات، لكي تُنظّم و تُحقَّق و تُطبع.

10. كلّ ما يعود من حقوق الطبع و النَّشر، يوضع تحت تصرف زوجتي لتنفقه على نفسها، أو تخصصه لمورد إنفاق معيّن.

11. تُجمع كتاباتي التي تُعتبر حصيلة عمري لتكون موضع استفادة.

12. إذا رجعت من هذا السَّفر سالماً، و متُّ في إيران، أُدفن في أرض قم. و حيثما أُدفن من قم، فإنني في حِمى السيِّدة المعصومة، و أودّ أن ادفن في مقبرة «الشيخان» على الأقل.

13. اطلبوا لي العفو من الناس في أقرب فرصة بعد دفني، و خاصة في ميانه و قم، و من الأصدقاء الذين هم أعلام الأمّة و هُداتها، و من أهالي بورسخلو حيث قضيتُ عهد الطُّفولة هناك، و من المؤكَّد أنَّ احتمالات الزلل كثيرة في ذلك العهد.

14. اجتنبوا مظاهر البهرجة و التفاخر عند موتي، هذه الامور تمثّل في حقيقة الحال كماليات الأحياء. و لا تكلِّفوا أنفسكم مشقّة الأعراف الجارية بين الناس.

15. لا تنسوني في مواضع استجابة الدُّعاء، و اذكروني بالاستغفار و الدعاء، و أقيموا مراسيم العزاء في الأيام الفاطمية ما استطعتم.

16. لتكن علاقتكم مع بعضكم علاقة ودٍّ و تراحم و تواصل، فالدنيا لا تستحقُّ التشكّي و التنازع و التباغض. الدنيا لا تساوي شيئاً حتى توقعوا أنفسكم من أجلها في ما لا يُرضي اللَّه. فإن أطال اللَّه في عمري و رجعت إليكم حيّاً، فسأكتب لكم إن شاء اللَّه شيئاً، رغم قناعتي بكفاية ما كتبه غيري من العلماء الأعلام. و أوصيكم باحترام الكبار و خاصَّة الحاج مهدي الذي هو في مكاني، و لا تنسوا الشَّفقة على الصِّغار و الرأفة بهم.

17. أوصيكم بالتقوى و اجتناب المعاصي. و أدعوكم إلى أن توطّدوا ارتباطكم بأهل البيت (عليهم السلام) يوماً بعد يوم. و توسّلوا بهم على الدَّوام، و لو بقراءة الزيارة الجامعة، أو زيارة أمين اللَّه، أو

18

زيارة عاشوراء. أشكو إليهم همومكم، و توسّلوا بهم، و لا تطرقوا باباً غير بابهم، و كونوا على صِلَةٍ دائمة بالإمام المهدي (عليه السلام).

18. و في الختام أستودعكم اللَّهَ جميعاً. لقد كنت على الدَّوام حريصاً على سعادتكم و قضاء حوائجكم، و لم تغيبوا عن بالي في الدُّعاء. و سأدعو لكم بالخير في عالم الآخرة أيضاً، إن شاء اللَّه تعالى.

والدكم المقرّ بالذنب‏

عليّ الأحمدي الميانجي‏

24/ 7/ 1378- 6/ 7/ 1420 ه

- الأموال التي في حسابي في صندوق علوي للقرض الحسن، و في بنك صادرات، شُعبة خاك فرج في الحساب رقم 1468، و رقم 74268، هي سهم الإمام (ع).

الكتاب الذي بين أيديكم‏

وقعت في العصر الذي عاش فيه الأئمة (عليهم السلام) أحداث جسيمة، و تقلّبت الأحوال، و تربّع على كرسي الخلافة اشخاص، و سقط عنه آخرون، و قامت دول و انهارت اخرى‏، و اتّسعت رقعة الدولة الإسلامية، و تمدّد تبعاً لذلك وجود الشيعة في شتّى الأقطار و الأمصار. و عاشوا ظروفاً سياسية و اجتماعية تباينت درجات شدّتها و ضعفها، و تنوع جوُّ الانفتاح أو الكبت الذي ساد فيها تبعاً لتلك الظروف.

فكان من الطبيعي أن تؤثّر هذا الأوضاع في علاقات الأئمّة (عليهم السلام)، و تشعّباتها و امتداداتها وسعتها و ضيقها. و كانت مكاتبات الأئمة مع أشياعهم و مواليهم من جملة الأشياء التي تأثّرت بهذه المتغيّرات؛ فقد ازدادت في حين و تقلّصت في أحيان اخرى‏، أو أنّها كان يغلب عليها طابع الخفاء و السرّية في بعض العهود، أو ربّما كانت أفضل من ذلك الحال في عهود اخرى‏.

و نظراً إلى‏ ما تحظى‏ به هذه المكاتيب من أهمية بالغة في تبيين مواقف الأئمّة تجاه الوقائع و الأحداث الجليلة و غيرها و التعرّف على سننهم فيها و منهجهم في التعامل معها، قام المحقّق‏

19

الجليل آية اللَّه الشيخ عليّ الأحمدي الميانجي بإعداد موسوعة ضخمة تضم جميع ما وصل إلينا منها، و هي هذا الكتاب الّذي بين أيديكم.

و بعد رحيله قمنا بتحقيق هذا الكتاب و مراجعة نصوصه و إعداده للطبع كما سنشير لاحقاً.

على العموم نودّ الإشارة إلى‏ أنّ بعض مكاتيب الأئمّة كانت قليلة جداً- أو هكذا يبدو لنا، فلربّما كانت هناك مكاتيب اخرى‏ عفا عليها الزمن أو ضاعت في ما ضاع من تراثنا- حتى‏ أنّنا جمعنا مكاتيب عدّة أئمة في مجلّد واحد، بينما مكاتيب بعضهم الآخر كثيرة الى‏ حدٍّ ما، و هذا ما جعلنا نفرد مجلداً مستقلًا لمكاتيب إمام واحد.

و لا بدّ أيضاً من الإشارة إلى‏ ملحوظة صغيرة اذكّر بها من يقرأ هذه الكلمات، و هي أنّ جمع و تبويب و طباعة و نشر أمثال هذه الكتب و الرسائل ما هو إلا وسيلة، و أمّا الغاية فهي الاستفادة من مضامينها و العمل بما جاء فيها حتّى و إن قلّ، و كيف يقل ما يُتقبَّل. يضم هذا الكتاب كلَّ ما أمكن العثور عليه من رسائل و مكاتيب الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) في مختلف الشؤون التي كانوا يهتمون بها، سواء كانت تتعلّق بشئون الدين أم بشئون الدُّنيا.

و قد حرصنا أشدّ الحرص على‏ جمع كلّ ما تيسّر جمعه من مكاتيبهم، رجاءً للفوائد المعنوية التي تنشأ عن نشرها، فعسى أن يتَّعظ أحد بموعظة جاءت فيها، أو عسى أن يستنير مستهد بوهج قبس من قبساتها، أو يتخلّق امرؤ بنصيحة وردت بين ثناياها، أو يستفيد منها في مجال الدراسات التاريخية و غيرها.

و حاولنا تبويب هذه المكاتيب على أفضل وجه ممكن؛ من أجل أن تظهر بما يتناسب مع شرف مصدرها، و تسهيلًا لمهمة الباحث و القارئ، لكي يصل إلى‏ بغيته منها بأقل جهد و أقصر وقت، و لكي لا يتشتّت فكره، و يضيع فى متاهات البحث و التنقيب.

و يتميّز هذا الكتاب- مع أخذ عدّة خصائص بنظر الاعتبار- عن الكتب الاخرى التي جُمعت فيها هذه المكاتيب، بعدَّة مزايا، هي:

1. جَمْع ما تيسّر جمعه من المكاتيب و الوصايا، و ترتيبها تحت عناوين مستقلّة.

20

2. تبويب تلك المكاتيب حسب المقاطع الزّمانية و المكانيّة، في ضوء القرائن و الشواهد المتوفّرة.

3. تقديم نبذة عن سيرة أصحاب و عمّال أمير المؤمنين و سائر أئمتنا (عليهم السلام)، خاصة من كانت له منهم صلة بشئون الكتابة؛ إذ إنّ لمعرفة سيرتهم تأثيراً مهمّا في استجلاء ظروف و أجواء كتابة الرّسائل.

4. ذكر ما يقتضي الحال ذكره من التنبيهات و التوضيحات، من أجل تسليط الأضواء على ما يستلزم الشفافيَّة و الوضوح.

5. ضبط النُّصوص و إسنادها، مع الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة النصِّ و قِدَمه، و رتبة مصدر صدوره، و تقديمه على بقية المصادر، على أساس ضوابط معيّنة سلفاً.

و في مقدّم هذه المكاتيب، مكاتيب الإمام عليّ (عليه السلام)، و هي تؤلّف قسماً مهمّا منها. فإنه كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قد بعث طيلة حياته، سواء في عهد خلافته، أم قبل ذلك رسائل و مكاتيب إلى بعض الأشخاص، و كان قد كتب قسماً منها بيده، و أملى القسم الآخر فكتبه غيره.

كانت هذه الرسائل- المعروفة بالمكاتيب- قد جُمِعت و نشرت كُتباً من قَبل على أيدي علماء أفاضل كالسيِّد الرضيّ (رحمه الله) في‏ نهج البلاغة، و علم الهدى نجل الفيض الكاشاني (رحمه الله) في‏ معادن الحكمة، و الشيخ محمّد باقر المحمودي في‏ نهج السَّعادة، و غيرهم.

اعتمد مؤلف الكتاب على مصادر وثيقة في جمع هذه المكاتيب، و كتب أيضاً تعليقات قيّمة على كتاب‏ معادن الحكمة، لمؤلفه نجل الفيض الكاشاني.

و انطلاقاً من الرّغبة في إكمال هذا الكتاب، بادرنا إلى الاستفادة من المجالات التي يتيحها الحاسوب لإجراء التنقيب لتتبع المزيد من رسائل و مكاتيب الأئمَّة (عليهم السلام)، و راجعنا مصادر النّصوص التي كان قد أوردها المؤلّف، و دوّناها في مواضعها.

و كذلك أضفنا إلى هذا الكتاب كُلَّ ما جاء في كتاب‏ معادن الحكمة من مكاتيب الإمام علي (عليه السلام)؛ ليتسنّى للقرَّاء الكرام الاطّلاع على كل مكاتيبه في كتاب واحد.

21

يمكن تقسيم مختلف مراحل حياة الإمام علي (عليه السلام) إلى الأدوار التالية:

الدور الأول: معاضدته لرسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) من بداية بعثته إلى رحلته.

الدور الثاني: بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، إلى حين خلافته.

الدور الثالث: بعد خلافته (عليه السلام)، حتى قدومه إلى‏ الكوفة.

الدور الرابع: من قدومه (عليه السلام)، إلى‏ الكوفة إلى ما بعد معركة صفّين.

الدور الخامس: من بعد معركة صفين إلى نهاية معركة النهروان.

الدور السادس: من بعد معركة النهروان إلى استشهاده (عليه السلام).

و على هذا الأساس حاولنا جهد الإمكان تنظيم جميع هذا المكاتيب، وفقاً للتسلسل التاريخي لهذه الأدوار.

و أفردنا في نهاية الكتاب فصلًا آخر لمكاتيبه التي تعذّرت معرفة انتمائها الى‏ عهد معيّن.

و الجدير بالذكر أنَّ المؤلِّف المحقق قد جمع المكاتيب الفقهية التي أملاها رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و كتبها الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، و وردت في أخبار الأئمة الأطهار عبارات تشير إليها كقولهم: «إنّ في كتاب عليّ» أو «في كتاب عليّ بن أبي طالب» أو «وجدنا في كتاب عليّ» أو «قرأت في كتاب عليّ» أو «قرأت في كتاب لعليّ» أو «في صحيفة من صحف عليّ» و أمثالها.

و قد أورد المؤلّف النصوص الواصلة إلينا من هذه الكتب فى الموسوعة التي اطلقِ عليها تسمية مكاتيب الرسول‏ تحت عنوان: «الأمر الثالث» (1) و لكنّه لم يدرج مكاتيب الإمام عليّ (عليه السلام)، التي كتبها بإملاء رسول اللَّه، في عداد مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)، فمن أراد الاطّلاع عليها فليراجع هناك.

تتألّف محتويات هذا الكتاب من المباحث التالية:

1. المكاتيب‏

____________

(1). مكاتيب الرسول، ج 2، ص 135.

22

2. الوصايا

3. ترجمة من له علاقة بالمكتوب أو الوصية

4. المكاتيب الفقهية

و هذا القسم الرابع من المكاتيب يبدو أوّل وهلة و كأن المكاتيب التي وردت فيه تبدأ من عصر الإمام الباقر (عليه السلام) و تتزايد في عهود باقي الأئمَّة (عليهم السلام)؛ إذ إنّنا لم نعثر عليها في مكاتيب الأئمّة من قبله (عليه السلام).

و في الختام لا بدَّ أن نعربَ عن جزيل شكرنا لكلِّ من عاضدونا على‏ إعداد هذا الكتاب للنشر، و خاصّة قسم إعداد الكتب في مركز البحوث، التابع لمؤسّسة دار الحديث، مع فائق امنياتنا لهم بالموفقية على‏ طريق نشر معارف أهل البيت.

مهدي الأحمدي الميانجي مجتبى فرجي‏

23

الفصل الأوّل مكاتيبه قبل خلافته‏

الباب الاوّل: مكاتيبه (عليه السلام) في زمن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)

الباب الثاني: مكاتيبه (عليه السلام) بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى حين خلافته‏

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الباب الاوّل‏

مكاتيبه (عليه السلام) في زمن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)

يمكن تقسيم المكاتيب العلويَّة في تلك الحُقْبَة الزَّمنيَّة إلى قسمين:

أ- المكاتيب الَّتي كان الإمام (عليه السلام) كاتباً لها فقط.

ب- المكاتيب الَّتي أنشأها الإمام (عليه السلام) بنفسه و خطّها بيده الكريمة أو أملاها على غيره.

أمَّا القسم الأوَّل: فهي الموارد الَّتي كتبها الإمام طبقاً لأوامر النَّبيّ الأكرم (صلى الله عليه و آله) في الحُقَبْ المختلفة، و بخطّه الشَّريف و الَّتي وصلت إلينا، و قد أوردناها مفصَّلًا في كتاب مكاتيب الرَّسول (صلى الله عليه و آله)؛ و هذا النوع من المكاتيب خارج عن موضوع هذا البحث كما لا يخفى‏، و لذا آثرنا عدم ذكرها هنا، و يمكن لمَن أراد مطالعتها الرُّجوع إلى ذلك الكتاب.

و أمَّا القسم الثَّاني: فتجدر الإشارة إلى أنّه لم يصل إلينا شي‏ءٌ معتدٌّ به، سوى ما جاء في بعض المصادر من عناوين لبعض المكاتيب، إلّا أنّها تفتقر إلى نصّ الكتاب أو إلى النصّ الكامل له.

26

و قد ارتَأينا أن ننقل هاهنا شاهدين تأريخيّين كنموذجين لِما ذكَرنا، دون أن نبذل كثير تتبّع في هذا المجال.

النموذج الأوَّل:

في توجيهِ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) سَريَّة عليّ بن أبي طالب إلى اليَمن في رمضان:

عن البَراء بن عازب: بعثَ رسولُ اللَّه (صلى الله عليه و آله) خالدَ بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فكنت فيمَن سار معه، فأقام عليه ستَّةَ أشْهُر لا يجيبونه إلى شي‏ء، فبعث النَّبي (صلى الله عليه و آله) عليّ بن أبي طالب، و أمَرَه أنْ يُقْفِلَ خالداً و مَن معه، فإنْ أرادَ أحدٌ ممَّن كان مع خالد بن الوليد أنْ يُعقِّبَ معه تركه.

قال البراء: فَكُنتُ فِيمَن عَقَّبَ مَعَهُ، فلمَّا انتهينا إلى أوائل اليمن، بَلَغَ القَومَ الخبرُ، فَجَمَعُوا لَهُ، فصلَّى بنا عليٌّ الفجر، فلمَّا فرَغ صَفَّنا صفّا واحداً، ثُمَّ تقدَّم بين أيدينا، فَحَمِدَ اللَّهَ و أثنى عليه، ثمَّ قرأ عليهم كتاب رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فأسلمَتْ هَمْدانُ كلُّها في يَوم وَاحِدٍ، وَ كَتَبَ بذلِكَ إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فَلمَّا قَرأ كِتابَهُ خرَّ ساجداً، ثُمَّ جلس، فقال:

«السَّلامُ عَلَى هَمْدانَ، السَّلامُ عَلَى هَمْدانَ»

. ثُمَّ تتابَع أهلُ اليمن على الإسلام. (1)

النموذج الثَّاني:

انصرف عَمرو (بن مَعْدِيكَرِب) مُرتدّاً، فأغار على قومٍ من بَنِي الحارث بن كَعْب، و مَضى إلى قومه. فاستدعى رسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأمَّره‏

____________

(1). تاريخ الطبري: ج 3 ص 131 و راجع: الإرشاد: ج 1 ص 62؛ صحيح البخاري: ج 5 ص 206، دلائل النُّبوة: ج 5 ص 396، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 300، ذخائر العقبى: ص 109.

27

على المهاجرين، و أنفذه إلى بَني زُبَيد، و أَرسلَ خالدَ بنَ الوليد في طائفة من الأعراب، و أمَرَه أن يَقصِدَ الجُعْفِيّ، فإذا التقَيا فأميرُ النَّاس عليُّ بن أبي طالب.

فسارَ أميرُ المؤمنين، و استعمل على مُقدِّمَتِهِ خالدَ بن سعيدِ بنِ العاص، و استعمل خالدٌ على مقدِّمته أبا موسى الأشْعَرِيّ.

فأمَّا جُعْفِيّ فإنَّها لمَّا سَمِعَتْ بالجَيش افترقَتْ فِرقتينِ؛ فذهبت فرقةٌ إلى اليَمن، و انضمَّتْ الفرقةُ الاخرى إلى بَني زُبَيد. فبلَغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكتَب إلى خالد بن الوليد أنْ:

«قِفْ حَيْثُ أدْرَكَكَ رَسُولِي».

فلم يَقِف، فكتَب- عليٌ (عليه السلام)- إلى خالد بن سَعيد:

«تَعَرَّضْ لَهُ حَتَّى تَحْبِسَه»

فاعترض له خالد حتَّى حَبَسه، وأدركه أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، فعَنَّفه على خلافه.

ثُمَّ سار حتَّى لَقِي بَني زُبَيد بوادٍ يقال له: كُشر

(1)

.

فلمَّا رآه بنو زُبَيد، قالوا لعمرو: كيف أنْت- يابا ثور

(2)

- إذا لقيَك هذا الغلامُ القُرَشيّ فأخذ منك الإتاوة

(3)

؟ قال: سيعلم إنْ لقيني.

قال: وخرج عَمْرو فقال: هل من مبارز؟ فنهض إليه أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، فقام خالدُ بن سعيد فقال له: دَعْني يا أبا الحسن- بأبي أنت وأُمِّي- ابارزه. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام):

____________

(1). كُشَر- بوزن زُفَر: من نواحي صنعاء اليمن (معجم البلدان: ج 4 ص 462).

(2). كذا في المصدر، و الصحيح: «يا أبا ثور»، فكنيةُ عمرو، أبو ثور.

(3). الإتاوة: الخراج (النهاية: ج 1 ص 22).

28

«إنْ كُنتَ تَرى أنَّ لي عَلَيكَ طاعَةً فَقِفْ مَكانَكَ».

فوقف، ثُمَّ بَرَزَ إليه أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، فصاح به صيحةً فانهزم عمرو، و قُتِل أخوه وابنُ أخيه، واخِذَتْ امرأته رُكانَةُ بنت سَلامة، وسُبي منهم نِسوانٌ، وانصرف أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، وخَلَّف على بَني زُبَيد خالد بن سعيد ليَقْبِضَ صدقاتهم، ويُؤمِنَ من عاد إليه من هُرَّابهم مُسلماً

(1)

____________

(1). الإرشاد: ج 1 ص 159.

29

[الباب الثانى‏]

مكاتيبه (عليه السلام) بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى حين خلافته‏

1 كتابه (عليه السلام) إلى أبي بكر

و جاء في رسالة من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أبي بكر، لمَّا بلَغَه عنْه كَلام بعد منع الزَّهراء (عليها السلام) فدكاً:

«شَقُّوا متَلَاطِمات أمْواجِ الفِتَن بِحَيَازِيمِ سُفُنِ النَّجاةِ، وحَطُّوا تِيجَانَ أَهلِ الفَخْرِ بجمع أَهْلِ الغَدرِ، واسْتَضَاءُ وا بِنُورِ الأنْوار.

وَاقْتَسَمُوا مَوَاريثَ الطَّاهراتِ الأبرارِ، وَاحْتقَبُوا ثِقلَ الأوْزَارِ، بِغَصْبِهِم نِحلَةَ النَّبيِّ المُختَارِ.

فَكَأنِّي بِكُم تَتَردَّدُون في العَمى‏، كمَا يَتَردَّدُ البَعِيرُ فِي الطَّاحُونَةِ.

أمَا وَاللَّهِ، لَو أُذِنَ لي بِما لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ، لَحَصَدتُ رُؤوسَكُم عَن أَجْسادِكُم كحَبِّ الحَصِيد، بقَواضِبَ مِن حَدِيدٍ، وَلَقَلَعتُ منِ جَماجِمِ شَجْعَانِكُم ما أُقرِحُ بِهِ آمْاقَكَم، وَأُوحِشُ بِهِ مَحَالَّكُم، فَإنِّي- مُنْذُ عُرِفْتُ-: مُرْدِي العَساكِر، وَمُفْنِي‏

30

الجَحَافِل، وَمُبِيدُ خَضرَائِكُم، وَمُخمِّدُ ضَوضَائِكُم، وجَزّار الدَّوَارينَ، إذْ أنْتُم في بُيوتِكُم مُعْتَكِفونَ، وإنِّي لَصاحِبُكُم بالأَمسِ، لَعَمرُ أَبِي لَنْ تُحِبّوا أنْ تَكُونَ فيْنا الخلافَةُ وَالنُّبوَةُ، وَأَنتُم تَذكُرونَ أَحْقادَ بَدْرٍ، وثارَاتِ أُحُدٍ.

أمَا وَاللَّهِ، لَو قُلتُ ما سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِيكُم، لَتدَاخَلَت أَضلاعُكُم في أَجوَافِكُم كَتَداخُل أسْنان دِوَّارة الرَّحى‏، فإنْ نَطقتُ تَقُولُونَ: حَسَدَ، وإنْ سَكتُّ فَيُقالُ: إنَّ ابن أبي طَالِبٍ جَزعَ مِنَ المَوتِ، هَيْهَاتَ هَيْهاتَ!! السَّاعةَ يُقالُ لي هَذا؟!! وأنَا المُميت المائِت، وَخوَّاضِ المَنايَا في جَوْف لَيلٍ حَالِك، حَامِل السّيْفَينِ الثَّقيلَينِ، وَالرُّمْحَينِ الطَويلَيْنِ، وَمُنَكِّس الرَّايات في غَطْامِطِ الغَمَراتِ، وَمُفَرِّج الكُرُبات عن وَجْه خَيْرِ البَريَّات.

أيْهِنُوا! فوَ اللَّهِ، لَابنُ أبي طالب آنَسُ بالمَوْتِ من الطِّفل إلَى مَحالِبِ أُمِّه.

هَبَلَتكُم الهَوَابِلُ! لَوْ بُحتُ‏

(1)

بما أنَزلَ اللَّهُ سُبحانَهُ فِي كتابِهِ فِيْكُم، لَاضْطَرَبْتُم اضْطِرَابَ الأَرشِيَةِ في الطَّويّ البَعِيدةِ، وَلَخَرَجْتُم من بيُوتِكُم هَارِبِينَ، وَعَلَى وُجُوهِكُم هَائِمينَ، وَلَكِنِّي أُهَوِّنُ وَجدِي حتَّى ألْقى‏ رَبِّي بيَدٍ جَذَّاءَ صَفراءَ مِن لَذَّاتِكُم، خِلوَاً مِن طَحَناتِكُم، فما مَثَل دُنياكُم عِنْدِي إلَّاكمَثَل غَيمٍ، عَلا فاسْتَعْلَى‏ ثُمَّ اسْتَغلَظَ فاسْتَوى‏، ثُمَّ تَمزَّق فانْجَلَى‏، رُوَيداً! فَعَن قَلِيلٍ يَنْجَلِي لَكُم القَسَطلُ‏

(2)

، وتَجنُونَ (فتجدون) ثَمرَ فِعلِكُم مُرّاً، وَتَحصُدُونَ غَرسَ أيْدِيكُم ذُعَافاً

(3)

مُمقِراً

(4)

، وَسُمَّاً قَاتِلًا، وكفَى‏ باللَّهِ حَكِيماً، وَبِرَسُولِ اللَّهِ خَصِيماً، وبالقِيامَةِ مَوْقِفاً، فَلا أبعَدَ اللَّهُ فيها سِوَاكُم، وَلا أتَّعسَ فيها غَيْرَكُم، وَالسَّلامُ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى‏

(5)

».

____________

(1). البَوح: ظهور الشي‏ء، باح بالشي‏ء: أظهره (لسان العرب: ج 2 ص 416).

(2). القسطل: الغبار الساطع.

(3). الذعاف: السمّ و طعامٌ مذعوف، أي سريع يعجَّل القتل (الصحاح: ج 4 ص 116).

(4). الممقر: الشديد المرارة (لسان العرب: ج 5 ص 182).

(5). الاحتجاج: ج 1 ص 243 ح 48 و راجع: بحار الأنوار: ج 29 ص 140.

31

2 كتابه (عليه السلام) إلى سَلْمان الفارسِيّ‏

أمَّا بَعدُ، فإنّما مَثَل الدُّنيا مَثَلُ الحَيَّةِ، لَيِّنٌ مَسُّها، قاتِلٌ سَمُّها، فأعْرِض عمَّا يُعْجِبُك فِيها لِقِلَّةِ ما يَصْحَبُك منْها، وضَعْ عنْك هُمُومَها لِمَا أيْقَنْتَ بِهِ مِن فِرَاقِها وتَصَرُّفِ حَالاتِها، وَكُنْ آنَسَ ما تَكونُ بها أحْذَرَ ما تكْونُ مِنها، فإنَّ صاحِبَها كلَّما اطْمَأنَّ فِيها إلى سُرُورٍ أشْخَصَتْه عَنهُ إلى مَحْذُورٍ، أوْ إلى‏ إيْناسٍ أزَالَتْهُ عَنهُ إلى إيحَاشٍ، وَالسَّلام.

(1)

كتابه (عليه السلام) إلى سَلْمان‏

قال ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عساكر بن سرور المَقدِسيّ الخشّاب بدمشق، حدَّثنا نَصْر بن إبراهيم بن نصر- ببيت المَقْدِس-، سَنة سبعين و أربعمائة، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن طاهر القُرَشيّ، أخبرنا أبو حفص عمر بن الخَضِر الثَّمانين، حدَّثنا أبو الفتح الأزْدِيّ، حدَّثنا إبراهيم بن عبد اللَّه الأزْدِيّ، حدَّثنا حُمَيْد بن حَاتَم، حدَّثنا عبد اللَّه بن فيروز، قال:

ماتت امرأة سَلْمان الفارسِيّ- (رحمه الله تعالى)- بالمَدائِن فحزن عليها، فبلغ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، فكتَب إليه:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

قَد بَلَغَني يا أبا عَبدِ اللَّهِ سَلْمانَ مُصِيبَتُكَ بِأَهلِكَ، وَأَوْجَعَنِي بَعضُ مَا أوْجَعَك، وَلَعَمرِي لَمُصِيبَةٌ تُقَدِّمُ أجرَها، خَيْرٌ مِن نِعمَةٍ يُسْألُ عَن شُكْرِها، وَلَعلَّكَ لا تَقُوُمُ بها،

____________

(1). نهج البلاغة: الكتاب 68 و راجع: الكافي: ج 2 ص 136، الإرشاد: ص 12، نزهة الناظر: ص 17، الحكمة الخالدة: ص 11 دستور معالم الحكم: ص 37 تنبيه الخواطر: ج 1 ص 133.

32

والسَّلامُ عَلَيْكَ».

(1)

سَلْمانُ الفارسِيّ‏

سَلْمانُ الفارسِيّ أبو عبد اللَّه، و هو سَلْمان المحمَّديّ، زاهد، ثاقب البصيرة، نقيّ الفطرة، من سلالة فارسيّة (2)، مولده رامَهُرمُز (3) و أصله من أصبهان‏ (4).

صحابيّ‏ (5) جليل من صحابة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله). كان يحظى بمكانة عظيمة لا تستوعبها هذه الصَّفحات القليلة. و كان يطوي الفيافي و القفار بحثاً عن الحقّ.

و عند ما دخل رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) المدينة حضر عنده و أسلم‏ (6)، و آثر خدمة ذلكم السَّفير الإلهيّ العظيم بكلّ طواعية، و لم يألُ جهداً في ذلك. شهد الخندق و أعان المؤمنين بذكائه و خبرته بفنون القتال، و اقترح حفر الخندق، فلقي اقتراحه ترحيباً.

كان يعيش في غاية الزُّهد، و لمَّا كان قد قطع جميع الوشائج، و أعرض عن جميع زخارف الحياة، و التحق بالحقّ، شرّفه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بقوله:

«سَلْمانُ مِنّا أَهلَ البَيتِ»

(7)

.

و كان قلبه الطَّاهر مظهراً للأنوار الإلهيّة، فقال فيه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

____________

(1). تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 429.

(2). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 75، تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 376.

(3). رامَهُرمُز: مدينة مشهورة بنواحي خوزستان (معجم البلدان: ج 3 ص 17).

(4). تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 383، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 1 ص 515 الرقم 91 و راجع الطبقات الكبرى‏:

ج 4 ص 75 و تاريخ الإسلام للذهبي: ج 3 ص 510.

(5). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 80 و ص 88، تاريخ دمشق: ج 21 ص 376 الرقم 2599، تاريخ الإسلام للذهبي:

ج 3 ص 511.

(6). المعجم الكبير: ج 6 ص 212 ح 598، تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 376.

(7). المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 691 ح 6539 و ح 654 المعجم الكبير: ج 6 ص 213 ح 6040، الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 83، تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 408.

33

«مَن أرادَ أن يَنظُرَ إلى رَجُلٍ نُوِّرَ قلبُهُ فَليَنظُر إلى سَلْمان»

(1)

.

و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول عن سعة علمه و اطّلاعه:

«عَلِمَ العِلمَ الأوّلَ والعِلمَ الآخِرَ، وَقَرَأ الكِتابَ الأَوّلَ وَقَرَأ الكِتابَ الآخِرَ، وكَانَ بَحراً لا يَنزِفُ»

(2).

و قد رعى سَلْمان حرمة الحقّ بعد رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و لم يحد عن مسير الحقّ‏ (3)، و كان أحد القلائل الَّذين قاموا في المسجد النَّبويّ، و دافعوا عن خلافة الحقّ و حقّ الخلافة (4). و كان من عشّاق عليّ و آل البيت (عليهم السلام)، و من الأقلّين الَّذين شهدوا الصَّلاة على السَّيِّدة الطَّاهرة فاطمة الزَّهراء (عليها السلام)، و حضروا دفنها في جوف اللَّيل الحزين‏ (5).

ولّاه عمر على المَدائِن‏ (6)، فحفلت حكومته بالمظاهر المشرّفة الباعثة على الفخر و الاعتزاز، فهي حكومة تعلوها الرُّؤية الإلهيّة، و يحيطها الزُّهد و الورع، و هدفها الحقّ و العدل.

____________

(1). تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 408 ح 4826.

(2). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 86، تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 422، حلية الأولياء: ج 1 ص 187، المصنّف لابن أبي شيبة: ج 7 ص 536 ح 3، المعجم الكبير: ج 6 ص 213 ح 604 تاريخ الإسلام للذهبي:

ج 3 ص 515، سِيَر أعلام النُّبلاء: ج 1 ص 541 الرقم 91 و الأربعة الأخيرة نحوه و ليس فيها «و قرأ الكتاب الأوّل، و قرأ الكتاب الآخر» و راجع تاريخ دمشق: ج 21 ص 420.

(3). راجع: الخصال: ص 607 ح 9، عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 126 ح 1.

(4). راجع: الخصال: ص 463 ح 4، الاحتجاج: ج 1 ص 192 ح 2، رجال البرقي: ص 64.

(5). راجع: الخصال: ص 361 ح 50، رجال الكشّي: ج 1 ص 34 الرقم 13، الاختصاص: ص 5، تفسير فرات:

ج 570 ص 733.

(6). مروج الذهب: ج 2 ص 314، الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 87.

34

كان سَلْمان من المعمّرين، عاش قرابة مائتين و خمسين سنة (1)، و توفّي بالمَدائِن‏ (2) أيّام حكومة عمر (3) أو عثمان‏ (4).

قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

«إنَّ الجَنَّةَ لَتَشتَاقُ إلى ثَلَاثَةٍ: عليٍّ وعَمَّارٍ وسَلْمانَ»

(5)

.

و في‏ حلية الأولياء عن أبي الأسْوَد و زاذان الكِنْديّ: كنّا عند عليّ (عليه السلام) ذات يوم، فوافق النَّاس منه طيب نفس و مزاح، فقالوا: يا أمير المؤمنين، حدّثنا عن أصحابك.

قال:

عَن أيِّ أَصحَابِي؟

قالوا: عن أصحاب محمّد (صلى الله عليه و آله).

قال:

كُلُّ أَصحَابِ مُحَمّدٍ (صلى الله عليه و آله) أَصحَابِي، فَعَن أيِّهِم؟

قالوا: عن الَّذين رأيناك تلطفهم بذكرك و الصَّلاة عليهم دون القوم، حدّثنا عن سَلْمان، قال (عليه السلام):

مَن لَكُم بمِثِلِ لُقمَانَ الحَكِيمِ؟! ذَاكَ امرُؤ مِنّا وَإلينَا أَهلَ البَيتِ، أَدرَكَ العِلمَ‏

____________

(1). راجع: سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 1 ص 555 الرقم 9 تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 378، تاريخ الإسلام للذهبي:

ج 3 ص 521.

(2). الطبقات لخليفة بن خيّاط: ص 33 الرقم 22، تاريخ دمشق: ج 21 ص 378 و ص 458، سير أعلام النبلاء:

ج 1 ص 554 الرقم 91.

(3). المعارف لابن قتيبة: 27 تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 458.

(4). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 93، تاريخ بغداد: ج 1 ص 171 الرقم 12، المعارف لابن قتيبة: ص 27 تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 378 و ص 458، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 1 ص 554 الرقم 91 و في ص 555 «سنة 33 ه».

(5). سنن الترمذي: ج 5 ص 667 ح 3797، المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 148 ح 4666، المعجم الكبير:

ج 6 ص 215 ح 6045 و زاد فيه «و المقداد» و كلّها عن أنس؛ الخصال: ص 303 ح 80 عن عبد اللَّه بن محمّد بن عليّ بن العبّاس الرازي عن الإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) و زاد فيه «و أبي ذرّ و المقداد»، وقعة صفّين: ص 323 عن الحسن.

35

الأَوّلَ والعِلمَ الآخِرَ، وقَرأ الكتابَ الأوّل والكِتابَ الآخِرَ، بَحرٌ لا يَنزِفُ‏

(1)

.

و في‏ الأمالي‏ للطوسيّ عن مَنصور بن بُزُرج: قلت لأبي عبد اللَّه الصَّادق (عليه السلام): ما أكثر ما أسمع منك يا سيّدي ذكر سَلْمان الفارسِيّ!

فقال:

لا تَقُل: الفارِسيّ، وَلَكِن قُل: سَلْمانُ المُحَمّدِي، أَ تَدرِي مَا كَثرَةُ ذِكرِي لَهُ؟

قلت: لا.

قال:

لِثَلاثِ خِلالٍ: أحدها

(2)

: إِيثَارُهُ هَوَى أَمِيرِالمُؤمِنينَ (عليه السلام) عَلَى هَوَى نَفسِهِ. وَالثَّانِيَةُ: حُبُّهُ لِلفُقَراءِ وَاختيِارُهُ إيّاهُم عَلَى أَهلِ الثَّروَةِ وَالعَدَدِ. والثَّالِثَةُ: حُبُّهُ لِلعِلمِ وَالعُلَماءِ. إنّ سَلْمانَ كَانَ عَبدَاً صَالِحاً حَنيفاً مُسلِماً وَما كانَ مِنَ المُشرِكينَ‏

(3)

.

و في‏ المستدرك على الصحيحين‏ عن عَوْف بن أبي عُثْمَان النَّهْديّ: قال رجل لسَلْمان: ما أشدَّ حُبَّك لعليّ (عليه السلام)! قال: سمعت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقول:

«مَن أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَد أَحَبّنِي، وَمَن أَبغَضَ عَلِيّاً فَقَد أَبغَضَنِي»

(4)

.

و في‏ الطبقات الكبرى‏ عن النُّعْمان بن حُمَيْد: دخلت مع خالي على سَلْمان بالمَدائِن و هو يعمل الخوص، فسمعته يقول: أشتري خوصاً بدرهم، فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم، فاعيد درهماً فيه، و أُنفِقُ درهماً على عيالي، و أتصدّق‏

____________

(1). حلية الأولياء: ج 1 ص 187، المعجم الكبير: ج 6 ص 213 ح 6042 و فيه «بمثاله» بدل «بمثل» و ليس فيه «و إلينا»، تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 42 الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 86 عن زاذان و فيه من «مَن لكم بمثل ...» و في صدره «سئل عليّ عن سلمان الفارسي، فقال: ذاك امرؤ منّا و إلينا»؛ الغارات: ج 1 ص 177 عن أبي عمرو الكندي.

(2). هكذا في المصدر، و الصواب: إحداها.

(3). الأمالي للطوسي: ص 133 ح 214.

(4). المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 141 ح 4648.

36

بدرهم، و لو أنّ عمر بن الخَطَّاب نهاني عنه ما انتهيتُ‏ (1).

و في‏ مروج الذَّهب‏- في ذكر سَلْمان الفارسِيّ-: كان يلبس الصّوف، و يركب الحمار ببرذعته‏ (2) بغير إكاف‏ (3)، و يأكل خبز الشَّعير، و كان ناسكاً زاهداً، فلمّا احتضر بالمَدائِن قال له سَعْد بن أبي وَقَّاص: أوصني يا أبا عبد اللَّه.

قال: نعم، قال: اذكُرِ اللَّهَ عِندَ هَمِّكَ إذا هَمَمتَ، و عِندَ لِسانِكَ إذا حَكَمتَ، و عِندَ يَدِكَ إذ قَسَمتَ.

فجعل سَلْمان يبكي، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، ما يُبكيكَ؟

قال: سمعت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقول:

«إنّ فِي الآخِرَةِ عَقَبَةً لا يَقطَعُها إلّاالمُخِفُّونَ»

، و أرى هذه الأساودة حولي، فنظروا فلم يجدوا في البيت إلّا إداوة و ركوة (4) و مطهرة (5).

و في‏ الطبقات الكبرى‏ عن أبي سُفْيان عن أشياخه: دخل سَعْد بن أبي وَقَّاص على سَلْمان يعوده، قال: فبكى سَلْمان، فقال له سعد: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟

توفّي رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و هو عنك راضٍ، و تلقى أصحابك، و ترد عليه الحوض.

قال سَلْمان: و اللَّه، ما أبكي جزعاً من الموت و لا حرصاً على الدُّنيا، و لكنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عهد إلينا عهداً فقال:

«لِتَكُن بُلْغَةُ أَحَدِكُم مِنَ الدُّنيا مِثلَ زادِ الرَّاكبِ».

و حولي هذه الأساود.

____________

(1). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 89، تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 434 عن سمّاك بن حرب عن عمّه نحوه، تاريخ الإسلام للذهبي: ج 3 ص 518، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 1 ص 547.

(2). البَرْذَعةُ: الحِلس الَّذي يُلقى تحت الرحل (لسان العرب: ج 8 ص 8).

(3). الإكاف و الأكاف من المراكب: شبه الرِّحال و الأقتاب (لسان العرب: ج 9 ص 8).

(4). الرَّكْوة: إناء صغير من جِلد يُشرَب فيه الماء، و الجمع رِكاء (النهاية: ج 2 ص 261).

(5). مروج الذهب: ج 2 ص 314.

37

قال: و إنّما حوله جفنة أو مِطهرة أو إجّانة (1)، قال: فقال له سعد: يا أبا عبد اللَّه، اعهَدْ إلينا بِعَهدٍ نأخذه بعدك.

فقال: يا سعد، اذكُرِ اللَّهَ عِندَ هَمِّكَ إذا هَمَمتَ، و عِندَ حُكمِكَ إذا حَكَمتَ، وَ عِندَ يَدِكَ إذا قَسَمتَ‏ (2).

و في‏ المعجم الكبير عن بُقَيْرة- امرأة سَلْمان-: لمّا حضر سَلْمانَ الموتُ دعاني، و هو في علِّيَّة (3) لها أربعة أبواب، فقال: افتحي هذه الأبواب يا بُقَيرَةُ، فإنّ لي اليوم زوّاراً لا أدري من أيّ هذه الأبواب يدخلون عليَّ، ثمّ دعا بمسكٍ لَهُ، ثمّ قال:

ادبغيه‏ (4) في تَوْرٍ، فَفَعلَت، ثمّ قال: انضحيه حول فراشي ثمّ انزلي فامكثي، فسوف تطّلعين قربتي‏ (5) على فراشي، فاطّلعت فإذا هو قد اخِذَ رُوحُه، فكأنّه نائم على فراشه، أو نحواً من هذا (6).

و في‏ الطبقات الكبرى‏ عن عَطاء بن السَّائِب: إنَّ سَلْمان حين حضرته الوفاة، دعا بصُرّة من مسك كان أصابها من بَلنجَر (7)، فأمرَ بها أن تُدافَ و تُجعَلَ حول فراشه، و قال: فإنّه يحضرني اللَّيلةَ ملائكةٌ يجدون الرِّيح و لا يأكلون الطَّعام‏ (8)

____________

(1). الإجَّانَة: واحِدةُ الأجَاجِين، و هي المِرْكَنُ (الإناء) الَّذي تُغسَل فيه الثيابُ (مجمع البحرين: ج 1 ص 21).

(2). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 90، حلية الأولياء: ج 1 ص 195، تاريخ مدينة دمشق: ج 21 ص 452.

(3). علِّيَّة: هي بضمّ العين و كسرها: الغُرفة، و الجمع العَلاليّ (النهاية: ج 3 ص 295).

(4). كذا في المصدر، و في بقيّة المصادر: «أديفِيه». قال في تاج العروس: دافَ الشي‏ء يديفُه: أي خَلَطَه، و في حديث سلمان رضى الله عنه: «... فقال لامرأته: أدِيفيه في تَورٍ». و التَّوْر: إناء صغير (ج 12 ص 216 وج 6 ص 135).

(5). كذا في المصدر، و في حلية الأولياء: «فتَرَيْني».

(6). المعجم الكبير: ج 6 ص 215 ح 6043، الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 92، حلية الأولياء: ج 1 ص 208، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 1 ص 553 الرقم 91.

(7). بَلَنجَر: مدينة ببلاد الخَزَر، خلف باب الأبواب، فتحها عبد الرحمن بن ربيعة (معجم البلدان: ج 1 ص 489).

(8). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 92.

38

3 كتابه (عليه السلام) إلى أبي ذَرّ

قال سِبطُ ابنُ الجَوزِيّ: روى الشَّعْبيّ عن أبي أراكة، قال: لمَّا نُفِي أبو ذَرّ إلى الرَبَذَة، كتَب إليه عليّ (عليه السلام):

«أمَّا بَعدُ، يَا أبا ذَرٍّ، فإنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَارْجُ مَن غَضِبْتَ لَهُ، إنَّ القَومَ خَافُوكَ عَلَى دُنْياهُم، وخِفْتَهُم على ديِنِكَ، فَاتْرُك لَهُم مَا خافُوكَ عَليهِ، وَاهرُب مِنهُم لِمَا خِفْتَهُم علَيهِ، فَما أحوَجَهُم إلى ما مَنَعْتَهُم، وَما أغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ، وسَتَعلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَدَاً، فَلَو أنَّ السَّمَاواتِ وَالأرضَ كانَتا رَتْقاً عَلَى عَبْدٍ، ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ لَهُ مِنهُما مَخْرَجاً، لا يُؤانِسنَّكَ إلَّاالحَقُّ، ولا يُوحِشَنَّكَ إلَّاالباطِلُ، فَلَو قبِلْتَ دُنياهُم لأحَبُّوكَ، وَلَو قَرَضْتَ منها لأمِنُوكَ».

(1)

[أقول: روى جَماعة من الخاصَّة و العامَّة، أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ألقى هذه الكلمة حين نُفي أبو ذَرّ، و شيّعه هو و الحسنان (عليهما السلام)، و عَقِيلٌ و عَمَّار (2).]

أبو ذَرٍّ الغِفارِيّ‏ (3)

جُنْدُب بن جُنادَة، و هو مشهور بكنيته. صوت الحقّ المدوّي، و صيحة الفضيلة و العدالة المتعالية، أحد أجلّاء الصَّحابة، و السَّابقين إلى الإيمان، و الثَّابتين على الصِّراط المستقيم‏ (4). كان موحِّداً قبل الإسلام، و ترفّع عن‏

____________

(1). تذكرة الخواص: ص 156 و راجع: نهج البلاغة: الخطبة 130، كشف الغمَّة: ج 3 ص 136، بحار الأنوار: ج 22 ص 411 ح 30؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 8 ص 252.

(2). راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 8 ص 252- 262، الغدير: ج 8 ص 413- 432.

(3). قد اختلف في اسمه و نَسَبه اختلافاً كثيراً، و ما في المتن هو أكثر و أصحّ ما قيل فيه، و لكنّه مشهور بكنيته و لقبه.

(4). سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 46 الرقم 10، الاستيعاب: ج 4 ص 216 الرقم 2974، اسد الغابة: ج 1 ص 563 الرقم 800.

39

عِبادَة الأصنام‏ (1). جاء إلى مكّة قادماً من البادية، و اعتنق دين الحقّ بكلّ وجوده، و سمع القرآن.

عُدَّ رابعَ‏ (2) من أسلم أو خامسهم‏ (3)، و اشتهر بإعلانه إسلامَه، و اعتقاده بالدين الجديد، و تقصّيه الحقّ منذ يومه الأوّل‏ (4).

و كان فريداً فذّاً في صدقه و صراحة لهجته، حتَّى قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كلمته الخالدة فيه، تكريماً لهذه الصِّفة المحمودة النّادرة:

«مَا أظَلّتِ الخَضرَاءُ، ومَا أَقَلّتِ الغَبرَاءُ

(5)

عَلَى رَجُلٍ أَصدَقَ لَهجَةً مِن أَبي ذَرّ»

(6).

و كان من الثّلّة المعدودة الَّتي رعت حرمة الحقّ في خضمّ التَّغيّرات الَّتي طرأت بعد وفاة النَّبيّ (صلى الله عليه و آله)(7)، و تفانى في الدِّفاع عن موقع الولاية العلويّة الرَّفيعة، و جعل نفسه مِجَنّاً للذبّ عنه، و كان أحد الثَّلاثة الَّذين لم يفارقوا عليّاً (عليه السلام) قطّ (8).

و لنا أن نعدّ من فضائله و مناقبه، صلاته على الجثمان الطَّاهر لسيّدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام)، فقد كان في عداد من صلّى عليها في تلك اللَّيلة المشوبة بالألم و الغمّ و المحنة (9)

____________

(1). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 222، حلية الأولياء: ج 1 ص 158 الرقم 26، اسد الغابة: ج 1 ص 563 الرقم 800.

(2). المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 385 ح 5459، الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 224، اسد الغابة:

ج 1 ص 563 الرقم 800.

(3). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 224، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 46 الرقم 10، اسد الغابة: ج 1 ص 563 الرقم 800.

(4). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 225، حلية الأولياء: ج 1 ص 158 الرقم 26.

(5). الخضْرَاء: السَّماء، و الغَبْرَاء: الأرض (النهاية: ج 2 ص 42).

(6). راجع: المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 385 ح 546 الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 228، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 59 الرقم 10.

(7). راجع: الخصال: ص 607 ح 9، عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 126 ح 1.

(8). راجع: رجال الكشّي: ج 1 ص 38 الرقم 17، الاختصاص: ص 6.

(9). راجع: رجال الكشّي: ج 1 ص 34 الرقم 13، الاختصاص: ص 5.

40

و صرخاته بوجه الظُّلم ملأت الآفاق، و اشتهرت في التَّاريخ؛ فهو لم يصبر على إسراف الخليفة الثَّالث و تبذيره و عطاياه الشَّاذّة، فانتفض ثائراً صارخاً ضدّها، و لم يتحمّل التَّحريف الَّذي افتعلوه لدعم تلك المناقب المصطنعة، و قدح في الخليفة، و استنكر توجيه كَعْب الأحْبار لأعماله و ممارساته. فقام الخليفة بنفي صوت العدالة هذا إلى الشَّام الَّتي كانت حديثة عهدٍ بالإسلام، غيرَ مُلمّةٍ بثقافته‏ (1).

و لم يُطِقه معاوية أيضاً؛ إذ كان يعيش في الشَّام كالملوك، و يفعل ما يفعله القياصرة، ضارباً بأحكام الإسلام عرض الجدار، فأقضّت صيحات أبي ذَرّ مضجعه‏ (2). فكتب إلى عثمان يخبره باضطراب الشَّام عليه إذا بقي فيها أبو ذَرّ، فأمر بردّه إلى المدينة (3)، و أرجعوه إليها على أسوأ حال.

و قدم أبو ذَرّ المدينة، ليجد سياسة عثمان على حالها، فعاد أبو ذرّ إلى طريقته، فالاحتجاج كان قائماً، و الصّيحات مستمرّة، و قول الحقّ متواصلًا، فلم يتوقّف أبو ذرّ عن كشف الانحراف. و لمّا لم يُجْدِ التَّرغيب و التَّرهيب معه، غيّرت الحكومة اسلوبها معه، و ما هو إلّا الإبعاد، لكنّه هذه المرَّة إلى الرَّبَذة (4)، و هي صحراء قاحلة حارقة، و أصدر عثمان تعاليمه بمنع مشايعته‏ (5). و لم‏

____________

(1). راجع: أنساب الأشراف: ج 6 ص 166، مروج الذهب: ج 2 ص 349، شرح نهج البلاغة: ج 8 ص 256 ح 130.

(2). راجع: أنساب الأشراف: ج 6 ص 167، شرح نهج البلاغة: ج 8 ص 256 الرقم 130؛ الشافي: ج 4 ص 294.

(3). الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 226، أنساب الأشراف: ج 6 ص 167، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 63 الرقم 10، تاريخ الطبري: ج 4 ص 283؛ الأمالي للمفيد: ص 162 ح 4.

(4). راجع: الكافي: ج 8 ص 206 ح 25 الأمالي للمفيد: ص 164 ح 4؛ أنساب الأشراف: ج 6 ص 167، الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 227.

(5). راجع: مروج الذهب: ج 2 ص 35 شرح نهج البلاغة: ج 8 ص 252 الرقم 130؛ الأمالي للمفيد: ص 165 ح 4.

41

يتحمّل أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه الأوامر الجائرة، فخرج مع أبنائه و عدد من الصَّحابة لتوديعه‏ (1).

و له كلام عظيم خاطبه به و بيّن فيه ظُلامته‏ (2). و تكلّم من كان معه أيضاً، ليعلم الناس أنّ الَّذي أبعد هذا الصَّحابيّ الجليل إلى الرَّبَذَة هو قول الحقّ، و مقارعة الظُّلم، لا غيرها (3)، و كان إبعاد أبي ذَرّ أحد ممهّدات الثَّورة على عثمان.

و ذهب هذا الرَّجل العظيم إلى الرَّبَذَة رضيّ الضَّمير؛ لأنّه لم يتنصّل عن مسئوليّته في قول الحقّ، لكنّ قلبه كان مليئاً بالألم؛ إذ تُرك وحده، و فُصل عن مرقد حبيبه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله).

يقول عبد اللَّه بن حوّاش الكعبي: رأيتُ أبا ذَرّ في الرَّبَذَة، و هو جالس وحده في ظلّ سقيفةٍ، فقلت: يا أبا ذَرّ! وحدك!

فقال: كان الأمر بالمعروف و النَّهي عن المنكر شعاري، و قول الحقّ سيرتي، و هذا ما ترك لي رفيقاً.

توفّي أبو ذَرّ سنة 32 ه (4)، و تحقّقت نبوءة النبي (صلى الله عليه و آله) في أبي ذرّ حيث قال (صلى الله عليه و آله):

«يَرحَم اللَّهُ أبا ذَرّ، يَعِيشُ وحدَهُ، ويَمُوتُ وَحدَهُ، ويُحْشَرُ وَحدَهُ»

.

____________

(1). الكافي: ج 8 ص 206 ح 25 من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 275 ح 2428، الأمالي للمفيد: ص 165 ح 4، المحاسن: ج 2 ص 94 ح 1247، تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 172؛ مروج الذهب: ج 2 ص 350.

(2). الكافي: ج 8 ص 206 ح 25 نهج البلاغة: الخطبة 130.

(3). الكافي: ج 8 ص 207 ح 251 و راجع من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 275 ح 2428، المحاسن: ج 2 ص 94 ح 1247؛ شرح نهج البلاغة: ج 8 ص 253 الرقم 130.

(4). المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 381 ح 545 سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 74 الرقم 10؛ رجال الطوسي: ص 32 الرقم 143 و فيه «مات في زمن عثمان بالربذة».

42

و وصل جماعة من المؤمنين فيهم مالك الأشْتَر، بعد وفاة ذلك الصَّحابيّ الكبير الصادع بالحقّ في زمانه، و وسّدوا جسده النَّحيف الثَّرى باحترام و تبجيل‏ (1) (2).

قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

«مَا أظَلّتِ الخَضرَاءُ، ولا أقلَّتِ الغَبرَاءُ عَلَى رَجُلٍ أصدَقَ لَهجَةً مِن أبي ذَرّ»

(3).

و عنه (صلى الله عليه و آله):

«مَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إلَى شَبيهِ عِيسى‏ بنِ مَريَمَ خَلقاً وخُلُقاً؛ فَليَنظُر إِلى أَبِي ذَرّ»

(4).

و في‏ سنن الترمذي‏ عن أبي ذَرّ: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

«مَا أظَلّتِ الخَضرَاءُ، وَلا أقلَّتِ الغَبرَاءُ، من ذِي لَهجَةٍ أَصدَقَ وَلَا أوفَى مِن أَبي ذَرّ، شِبْهَ عِيسى‏ بنِ مَريَمَ (عليه السلام)»

. فقال عمر بن الخَطَّاب كالحاسد: يا رسول اللَّه أ فنعرف ذلك له؟ قال:

نَعَم، فاعرِفُوهُ لَهُ‏

(5)

.

و في‏ مُسنَدِ ابنِ حَنْبَل‏ عن بُرَيْدَة: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

«إنّ اللَّهَ عز و جل يُحِبُّ مِن أَصحَابِي‏

____________

(1). راجع: الإصابة: ج 7 ص 109 ح 9877، المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 53 ح 4373، الطبقات الكبرى‏:

ج 4 ص 234، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 77 الرقم 10، تاريخ الطبري: ج 4 ص 308، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 264؛ رجال الكشّي: ج 1 ص 283 الرقم 118.

(2). المشهور إنّ أبا ذرّ انتهج اسلوب كشف المساوئ و البدع في أيّام عثمان، كما كان يذكّر بوجود الظلم و التمييز و التكتّل. من هنا لم تتحمّل الحكومة وجوده في المدينة، فنفته إلى الشَّام. و فيها واصل اسلوبه، و فضح معاوية و كشف قبائحه. فشكاه معاوية إلى عثمان، فردّه إلى المدينة، ثمّ أبعده إلى الربذة ....

بَيْد أنّ بعض الباحثين ذهب إلى أنّه مكث طويلًا في الشَّام، اهتداءً ببعض الوثائق التاريخيّة، و مقايسة أخبار متنوّعة في هذا المجال. أي: إنّه توجّه إلى الشَّام بعد موت أبي بكر، و بذر فيها التشيّع. راجع: كتاب «أبو ذرّ الغفاري» لمحمّد جواد آل الفقيه: ص 65.

(3). المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 385 ح 546 سنن الترمذي: ج 5 ص 669 ح 380 سنن ابن ماجة:

ج 1 ص 55 ح 156، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 59 الرقم 10 كلّها عن عبد اللَّه بن عمرو.

(4). المعجم الكبير: ج 2 ص 149 ح 1626 عن عبد اللَّه بن مسعود، الطبقات الكبرى‏: ج 4 ص 228، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 59 الرقم 10 كلاهما عن مالك بن دينار و فيهما «مَن سرّه أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر ...»، الاستيعاب: ج 1 ص 323 الرقم 343 عن أبي هريرة و فيه «من سرّه أن ينظر إلى تواضع عيسى فلينظر ...».

(5). سنن الترمذي: ج 5 ص 670 ح 3802.

43

أَربَعَةً، أَخبَرَنِي أنَّهُ يُحبِّهُم، وَأَمَرَنِي أَن احِبَّهُم»

. قالوا: مَنْ هم يا رسول اللَّه؟

قال:

«إنَّ عَلِيّاً مِنهُم، وأبو ذَرّ الغِفارِيّ، وسَلْمانُ الفارِسِيّ، والمِقْدادُبنُ الأسْوَدِ الكِنْديّ‏

(1)

»

. و في‏ أنساب الأشراف‏: لمّا أعطى عثمانُ مروانَ بن الحكم ما أعطاه، و أعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، و أعطى زَيْد بن ثابت الأنْصاريّ مائة ألف درهم، جعل أبو ذَرّ يقول: بشّر الكانزين بعذاب أليم، و يتلو قول اللَّه عز و جل:

«وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ»

الآية (2).

فرفع ذلك مروانُ بن الحكم إلى عثمان، فأرسل- عثمان- إلى أبي ذَرّ ناتلًا مولاه أن: انْتَهِ عمّا يبلغني عنك، فقال: أ ينهاني عثمان عن قراءةِ كتابِ اللَّهِ، و عَيبِ مَن تَركَ أمرَ اللَّهِ؟! فَو اللَّهِ لئَن ارضِيَ اللَّهَ بِسَخَطِ عُثمانَ أَحَبُّ إليَّ و خَيرٌ لِي مِن أن اسخِطَ اللَّهَ بِرِضَاهُ، فَأَغضَبَ عثمانَ ذلك و أَحفَظَهُ‏ (3)، فَتَصابرَ و كَفَّ.

و قال عثمان يوماً: أ يجوز للإمام أن يأخذ من المال، فإذا أَيسَرَ قَضَى؟ فقال كَعْب الأحْبار: لا بأس بذلك! فقال أبو ذَرّ: يا ابن اليَهُودِيَّينِ! أ تُعلّمُنا دِينَنا؟! فقال عثمانُ: مَا أكثرَ أَذَاك لي، و أوَلَعَكَ بِأصحَابي! (4)

و في‏ أنساب الأشراف‏ عن كُمَيْل بن زِياد: كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذَرّ باللِّحاق بالشام، و كُنتُ بها في العامِ المُقبِلِ، حين سيّره إلى الرَّبذة (5)

____________

(1). مسند ابن حنبل: ج 9 ص 14 ح 23029، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 2 ص 61 الرقم 10.

(2). التوبة: 34.

(3). أي: أغضَبه، من الحَفِيظة؛ الغَضب (النهاية: ج 1 ص 408).

(4). أنساب الأشراف: ج 6 ص 166؛ الشافي: ج 4 ص 293 نحوه و راجع شرح نهج البلاغة: ج 8 ص 256.

(5). أنساب الأشراف: ج 6 ص 168.

44

و في‏ تاريخ اليعقوبيّ‏: بلغ عثمان أيضاً أنّ أبا ذَرّ يقع فيه، و يذكر ما غيّر و بدّل من سُنَنِ رَسولِ اللَّهِ، و سُنَنِ أبي بكرٍ و عُمرَ، فسيّره إلى الشَّام إلى معاوية، و كان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول، و يجتمع إليه النَّاس، حتَّى كثر من يجتمع إليه و يسمع منه.

و كان يقف على باب دمشق، إذا صلّى صلاة الصُّبح، فيقول: جاءت القَطارُ تحمِلُ النَّارَ، لَعَنَ اللَّهُ الآمرِينَ بالمَعرُوفِ و التَّارِكينَ لَهُ، وَ لَعَنَ اللَّهُ النَّاهينَ عَنِ المُنكَرِ وَ الآتينَ لَهُ.

و كتب معاوية إلى عثمان: إنّك قد أفسدت الشَّام على نفسك بأبي ذَرّ، فكتب إليه أن: احمِلهُ عَلَى قَتَبٍ‏ (1) بِغَيرِ وِطاء، فَقَدِمَ بِهِ إلى المَدينَةِ، وَ قَد ذَهَبَ لَحمُ فَخِذَيهِ، فلمّا دخل إليه و عنده جماعة قال: بَلَغَنِي أَنّك تقول: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يقولُ:

«إذا كَمُلَت بَنُو امَيّةَ ثَلاثينَ رَجُلًا، اتّخَذُوا بِلادَ اللَّهِ دُوَلًا

(2)

، وعِبادَ اللَّهِ خَوَلًا

(3)

، ودينَ اللَّهِ دَغَلًا

(4)

»

فقال: نَعَم، سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يقولُ ذلِكَ. فقال لهم:

أسمعتم رسول اللَّه يقول ذلك؟

فبعث إلى عليّ بن أبي طالب، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن! أ سَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ ما حَكاهُ أبو ذَرّ؟ و قصّ عليه الخبرَ. فقال عليّ: نعم! قال: وَ كيفَ تَشهَدُ؟ قال: لقول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

«ما أظَلَّتِ الخَضرَاءُ، ولَا أقلّتِ الغَبراءُ ذا لَهجَةٍ أَصدَقَ مِن أبي ذَرّ»

.

____________

(1). القَتَب: رَحْل البَعِير، صغير على قدر السَّنَام (مجمع البحرين: ج 3 ص 1437).

(2). الدُّوَل: جمع دُولة؛ و هو ما يُتداوَل من المال، فيكون لقوم دون قوم (النهاية: ج 2 ص 140).

(3). خَوَلًا: أي خَدماً و عَبيداً، يعني أنّهم يستخدمونهم و يَستعبِدونهم (النهاية: ج 2 ص 88).

(4). دَغَلًا: أي يَخدعون به الناسَ، و أصل الدَّغَل: الشَّجَر الملتَفّ الَّذي يكمُن أهل الفَساد فيه (النهاية: ج 2 ص 123).

45

فلم يُقِم بالمدينة إلّا أيّاماً حتَّى أرسل إليه عثمان: و اللَّه لَتَخرُجَنّ عنها! قال:

أ تُخرِجُنِي مِن حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قال: نعم، و أنفُكَ راغِمٌ. قال: فَإلى مَكّةَ؟ قال:

لا، قال: فَإلى البَصرَةِ؟ قال: لا، قال: فَإلى الكُوفَةِ؟ قال: لا، وَ لكِنْ إلى الرَّبَذَةِ الَّتي خَرَجتَ منها حَتَّى تموتَ بها! يا مَروانُ، أخرِجهُ، و لا تَدَع أحداً يُكَلّمُهُ، حَتَّى يَخرُجَ.

فَأَخرجَهُ عَلَى جَمَلٍ و مَعَهُ امرأَتُهُ و ابنَتُهُ، فخرج و عليّ و الحسن و الحسين و عبد اللَّه بن جعفر و عَمَّار بن ياسِر ينظرون، فَلَمّا رأى أبو ذَرّ عليّاً، قام إليه فقبَّلَ يَدَهُ ثُمّ بكى و قال: إنّي إذا رَأَيتُكَ و رأيتُ وُلدَكَ، ذَكَرتُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَم أَصبِر حَتَّى أبكي! فَذَهَبَ عَلِيّ يُكَلّمُهُ، فقال له مروان: إنّ أمير المؤمنين قد نهى أن يكلّمه أحد، فرفع عليّ السَّوط فضرب وَجهَ ناقةِ مَروانَ، و قال:

تَنَحَّ، نَحّاكَ اللَّهُ إلى النَّار!

ثمّ شيّعه، فكلّمه بكلام يطول شرحه، و تكلّم كلّ رجل من القوم و انصرفوا، و انصرف مروان إلى عثمان، فجرى بينه و بين عليّ في هذا بعض الوحشة، و تلاحيا كلاماً، فلم يزل أبو ذَرّ بالرَّبَذَة حتَّى توفّي‏ (1).

و في‏ أنساب الأشراف‏: كان أبو ذَرّ يُنكِر على معاوية أشياء يفعلها، و بعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار، فقال: إن كانت من عطائي الَّذي حَرمتُمُونِيهِ عامي هذا قَبِلتُها، و إن كانت صلة فلا حاجة لي فيها.

و بعث إليه حَبيبُ بن مَسْلَمَة الفِهْرِيّ بمائتي دِينار، فقال: أ ما وجدتَ أهون عليك منّي حين تبعث إليَّ بمال؟ و ردّها.

و بنى‏ معاوية الخضراء بدمشق، فقال: يا معاوية، إن كانت هذه الدَّار من مال‏

____________

(1). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 171؛ الفتوح: ج 2 ص 373 نحوه و راجع مروج الذهب: ج 2 ص 350.

46

اللَّه فهي الخيانة، و إن كانت من مالِكَ فهذا الإسراف، فسكت معاوية (1).

و في‏ أنساب الأشراف‏: كان أبو ذَرّ يقول: و اللَّه لقد حَدَثَت أعمال ما أعرفها، و اللَّه ما هي في كتاب اللَّه، و لا سنّة نبيّه، و اللَّه إنّي لأرى حقّاً يُطفأ، و باطلًا يُحيا، و صادقاً يُكذّب، و أثَرَة بغيرِ تُقىً، و صالِحاً مستأثَراً عليه.

فقال حَبِيب بنُ مَسْلَمَة لمعاوية: إنّ أبا ذَرّ مفسدٌ عليك الشَّام، فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أمّا بعد: فاحمل جُنْدُباً إليَّ على أغلظ مركب و أوعره، فوجّه معاوية من سار به اللَّيل و النهار.

فلمّا قدم أبو ذَرّ المدينة جعل يقول: يستعمل الصِّبيان، و يحمي الحمى، و يُقرِّب أولاد الطُّلَقاء. فبعث إليه عثمان: الْحَق بأيّ أرض شئت، فقال: بمكّة، فقال: لا، قال: فَبَيتُ المَقدِس، قال: لا، قال: فبأحد المِصرَين‏ (2)، قال: لا، و لكنّي مُسَيّرك إلى الرَّبذة، فسيّرَه إليها، فلم يزل بها حتَّى مات‏ (3).

و عن قَتادَة: تكلّم أبو ذَرّ بشي‏ء كرهه عثمان فكذّبه، فقال: ما ظننت أنّ أحداً يكذّبني بعد قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله):

«مَا أَقلَّتِ الغَبرَاءُ، ولا أطبَقَتِ الخَضْرَاءُ، عَلَى ذِي لَهْجَة أصدقَ مِن أبِي ذَرّ»

! ثمّ سيّره إلى الرَّبَذَة.

فكان أبو ذَرّ يقول: مَا تَرَكَ الحَقّ لِي صَدِيقاً، فلمّا سار إلى الرَّبَذَة قال: رَدَّني عثمان بعد الهجرة أعرابيّاً! (4)

____________

(1). أنساب الأشراف: ج 6 ص 167، شرح نهج البلاغة: ج 8 ص 256؛ الشافي: ج 4 ص 294 و ليس فيهما من «و بعث إليه» إلى «و ردّها».

(2). هما الكوفةَ و البَصرة (لسان العرب: ج 5 ص 176).

(3). أنساب الأشراف: ج 6 ص 167؛ الشافي: ج 4 ص 294 نحوه.

(4). أنساب الأشراف: ج 6 ص 168.

47

و في‏ الأمالي‏ للطوسيّ عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة الأنْصاريّ: لمّا قدم أبو ذَرّ على عثمان، قال: أخبِرني أيّ البلاد أحبّ إليك؟ قال: مُهاجري، فقال: لستَ بمجاوري. قال: فَألحَقُ بحرم اللَّه، فَأكُونُ فيه؟ قال: لا، قال: فالكوفة، أرض بها أصحاب رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، قال: لا، قال: فلست بمختار غيرهنّ. فأمره بالمسير إلى الرَّبذة، فقال: إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال لي:

«اسمَع وَأَطِع، وَانفَذْ حَيثُ قَادُوكَ، وَلَو لِعَبدٍ حَبَشِيّ مُجَدّع»

. فخرج إلى الرَّبذة، و أقام مدّة، ثمّ أتى إلى المدينة، فدخل على عثمان و الناس عنده سماطين، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّك أخرجتني من أرضي إلى أرض ليس بها زرع و لا ضرع إلّا شُوَيهات، و ليس لي خادم إلّا محرّرة (1)، و لا ظلّ يظلّني إلّا ظلّ شجرة، فاعطِني خادماً و غُنَيمات أعِش فيها، فحوّلَ وجهه عنه، فتحوّل عنه إلى السَّماط الآخر، فقال مثل ذلك.

فقال له حَبِيب بن مَسْلَمَة: لك عندي يا أبا ذَرّ ألفُ درهم و خادم و خمسمائة شاة.

قال أبو ذَرّ: أعطِ خادمك و ألفك و شويهاتك من هو أحوج إلى ذلك منّي؛ فإنّي إنّما أسأل حقّي في كتاب اللَّه.

فجاء عليّ (عليه السلام) فقال له عثمان: أ لَا تُغنِي عَنّا سَفِيهَكَ هذا؟

قال:

أيُّ سَفِيهٍ؟

قال: أبو ذَرّ!

قال عليّ (عليه السلام):

لَيسَ بِسَفِيهٍ، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّه (صلى الله عليه و آله) يَقُولُ: «مَا أظلَّتِ الخَضرَاءُ، ولَا أقلَّتِ الغَبرَاءُ، أَصدَقَ لهجةً مِن أَبِي ذَرّ» أَنزِلهُ بِمَنزِلَةِ مُؤمِنِ آلِ فِرعَون، «وَ إِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ‏

____________

(1). المُحَرَّر: الَّذي جُعل من العبيد حُرّاً فاعتِق (النهاية: ج 1 ص 362).

48

كَذِبُهُ ووَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ»

(1)

.

قَالَ عُثمانُ: التُّراب في فيكَ!

قالَ عليّ (عليه السلام):

بل التُّرابُ في فيكَ، أنشُدُ باللَّهِ، مَن سَمِعَ رَسَولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) يَقولُ ذَلِكَ لِأَبي ذرّ؟

فقام أبو هُرَيرَةَ و عَشَرَةٌ فَشَهِدُوا بِذلِكَ، فَوَلّى عليّ (عليه السلام)(2).

و في‏ الكافي‏ عن أبي جعفر الخَثْعَميّ: لمّا سيّر عثمان أبا ذَرّ إلى الرَّبَذَة، شيّعه أمير المؤمنين و عَقِيل و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و عَمَّار بن ياسر، فلمّا كان عند الوداع، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

يا أبا ذَرّ، إنَّكَ إِنَّما غَضِبتَ لِلَّهِ عز و جل، فَارجُ مَن غَضِبتَ لَهُ. إنّ القَومَ خَافُوكَ عَلَى دُنياهُمَ، وَخِفتَهُم عَلَى دِينِكَ، فَأرحَلُوكَ عَن الفِناءِ وامتَحَنُوكَ بالبلاء. وَوَاللَّهِ لَو كَانَتِ السَّماوَاتُ والأرضُ عَلَى عَبدٍ رَتْقاً، ثُمّ اتّقَى اللَّه عز و جل؛ جَعَلَ لَهُ مِنها مَخرَجاً، فَلا يُؤنِسْكَ إلّا الحقُّ، ولَا يُوحِشْكَ إلّاالباطِلُ‏

(3)

.

قال الإمام الصادق (عليه السلام):

لمّا شيّع أميرالمؤمنين (عليه السلام) أبا ذَرّ (رحمه الله)، وشيّعه الحسن والحسين (عليهما السلام)، وعَقِيل بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن جعفر، وعَمَّاربن ياسِر عليهم سلام اللَّه؛ قال لهم أميرالمؤمنين (عليه السلام): ودِّعُوا أَخَاكُم؛ فَإنّهُ لابُدَّ للشاخِصِ مِن أَن يَمضِيَ، وَللمُشَيِّعِ مِن أَن يَرجِعَ.

قال: فَتَكَلّمَ كلُّ رَجُلٍ منِهُم عَلَى حِيالِهِ، فَقَال الحُسَينُ بنُ عَلِيّ (عليهما السلام): رَحِمَكَ اللَّهُ يا أبا ذَرّ! إنَّ القَومَ إنّما امتَهَنُوكَ بالبَلاء؛ لأنّكَ مَنَعتَهُم ديِنَكَ، فَمَنعُوك دُنياهُم؛ فَمَا أَحوَجَكَ غَداً إلى ما مَنَعتَهُم، وَ أغناكَ عَمّا مَنعُوك.

فقال أبو ذَرّ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِن أَهلِ بَيتٍ! فَما لِي فِي الدُّنيا مِن شَجَنٍ‏

(4)

غَيرَكُم، إنّي إذا ذَكَرتُكُم‏

____________

(1). غافر: 28.

(2). الأمالي للطوسي: ص 710 ح 1514.

(3). الكافي: ج 8 ص 206 ح 251.

(4). الشَّجَنُ: أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق (النهاية: ج 2 ص 447).

49

ذَكَرتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)

(1)

.

و في‏ الأمالي‏ للمفيد عن أبي جهضم الأزْدِيّ عن أبيه- بعد معاملة عثمان السَّيِّئة مع أبي ذَرّ: بلغ ذلك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فبكى حتَّى بلّ لحيته بدموعه، ثمّ قال:

أَهَكَذا يُصنَعَ بِصاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)؟! إنّا للَّهِ وإنّا إليهِ راجِعُون.

ثمّ نهض و معه الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و عبد اللَّه بن العبّاس و الفضل و قُثَم و عبيد اللَّه، حتَّى لحقوا أبا ذَرّ، فشيّعوه، فلمّا بصر بهم أبو ذَرّ (رحمه الله) حَنّ إليهم، وَ بَكى‏ عَلَيهِم، وَ قال: بِأبِي وُجُوهٌ إذا رَأيتُها ذَكَرتُ بِها رَسولَ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَ شَمَلَتنِيَ البركَةُ بِرُؤيَتِها.

ثُمّ رَفَعَ يَديهِ إلى السَّماءِ و قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي احبُّهُم، وَ لَو قُطّعت إرباً إرباً في مَحَبَّتِهِم، مَا زِلتُ عَنها ابتِغاءَ وَجهِكَ وَ الدَّارَ الآخِرَةَ، فارجِعُوا رَحِمَكُم اللَّهُ، و اللَّهَ أَسألُ أَن يَخلُفَنِي فيكُم أحسَنَ الخِلافَةِ. فودّعه القوم و رجعوا و هم يبكون على فراقه‏ (2).

و في‏ تاريخ اليعقوبي‏: لم يزل أبو ذَرّ بالرَّبَذَة حتَّى تُوفّيَ، وَ لمّا حضرته الوفاة قالت له ابنته: إنّي وحدي في هذا الموضع، و أخافُ أن تَغلِبَنِي عليك السِّباعُ.

فقال: كلّا، إنّه سيحضرنِي نفرٌ مُؤمِنُونَ، فانظُري أَ ترينَ أحَدَاً؟

فقالت: ما أرى أحداً!

____________

(1). المحاسن: ج 2 ص 94 ح 1247 عن إسحاق بن جرير الجريري عن رجل من أهل بيته، من لا يحضره الفقيه:

ج 2 ص 275 ح 2428.

(2). الأمالي للمفيد: ص 165 ح 4.

50

قال: ما حضر الوقت، ثمّ قال: انظري، هل‏ترين أحداً؟

قالت: نعم، أرى ركباً مُقبلِينَ.

فقال: اللَّه أكبر، صدق اللَّه و رسولُهُ، حَوِّلِي وجهيَ إلى القبلة، فإذا حضر القوم فَأقرئيهم منّي السَّلام، فإذا فرغوا من أمري، فاذبحي لهم هذه الشَّاة، و قولي لهم:

أقسمت عليكم إن برحتم حتَّى تأكلوا، ثمّ قُضِي عليه.

فأتى القوم، فقالت لهم الجارية: هذا أبو ذَرّ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ قَد تُوفّي، فنزلوا، و كانوا سبعة نفر، فيهم حُذَيْفَة بن اليَمان، و الأشْتَر، فبكوا بكاءً شديداً، و غسّلوه، و كفّنوه، و صلّوا عليه، و دفنوه.

ثمّ قالت لهم: إنّه يُقسِمُ عليكم ألّا تبرَحُوا حتَّى تأكلُوا، فذبَحُوا الشَّاةَ و أكلوا، ثمّ حَمَلُوا ابنَتهُ حتَّى صارُوا بها إلى المدينة (1).

4 كتابه (عليه السلام) إلى قَيْصَر الرُّوم‏

لمَّا جلَس عُمَر في الخلافة، جَرى بين رَجل من أصحابه يقال له: الحارث بن سِنان الأزْدِيُّ، و بين رَجل من الأنْصار كلام و منازَعة، فلَمْ ينتصف له عُمر، فلَحق الحارث بن سِنان بقيْصر، و ارْتَدَّ عن الإسلام، و نَسي القرآن كلَّه، إلَّا قوله تعالى:

«وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْأَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»

(2)

، فسَمع قَيصَرُ هذا الكَلام، فقال:

____________

(1). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 173 و راجع تاريخ الطبري: ج 4 ص 308، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 264، الفتوح:

ج 2 ص 377.

(2). آل عمران: 85.