مكاتيب الأئمة(ع) - ج2

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
383 /
1

[الجزء الثانى‏]

[هوية الكتاب‏]

مركز بحوث‏

مؤسسة دار الحديث العلميّة الثقافيّة

2

مركز بحوث دار الحديث: 93

احمدى ميانجى، على، 1304- 1380.

مكاتيب الأئمة (عليهم السلام): مكاتيب الإمام على (عليه السلام)/ على الأحمدى الميانجى؛ تحقيق و مراجعه مجتبى فرجى.- قم: دار الحديث، 1426 ق 1384.

ج.- (مركز بحوث دار الحديث؛ 93، مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)؛ 1 و 2)

(قيمت دوره) 3200 تومان 7- 020- 493- 964:ISBN

فهرست‏نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

كتاب‏نامه: ج. 2. ص. 499- 522؛ همچنين به صورت زيرنويس.

1. ائمه اثنا عشر (ع)- نامه‏ها و پيمان‏ها. 2. ائمه اثنا عشر (ع)- وصايا. 3. على بن ابى طالب (ع)، امام اوّل، 23 قبل از هجرت- 40 ق- نامه‏ها و پيمان‏ها. 4. على بن ابى طالب (ع)، امام اوّل، 23 قبل از هجرت- 40 ق- وصايا. الف. فرجى، مجتبى، 1346-، مصحح. ب. عنوان: مكاتيب الإمام على (عليه السلام). ج. عنوان.

71384 م 13 الف/ 36BP 9/ 792

فهرست‏نويسى توسط كتاب خانه تخصصى دار الحديث قم‏

3

مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)

مكاتيب الإمام عليّ (عليه السلام)

عليّ الأحمديّ الميانَجيّ‏

تحقيق و مراجعة

مجتبى فَرَجي‏

الجزء الثاني‏

4

مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام) (مكاتيب الإمام علي (عليه السلام))/ ج 2

عليّ الأحمدي الميانجي‏

تحقيق و مراجعة: مجتبى‏ فَرَجي‏

مراجعة النص و استخراج الفهارس: رعد البهبهاني‏

تقويم النصّ: ماجد الصيمري‏

مقابلة النصّ: محمود سپاسي، مصطفى اوجي، مهدي جوهرچي، محمّد محمودي‏

الإخراج الفني: محمّد ضياء سلطاني‏

الناشر: دار الحديث للطباعة و النشر

الطبعة: الاولى، 1426 ق/ 1384 ش‏

المطبعة: دار الحديث‏

الكمية: ....

الثمن: ....

دار الحديث للطباعة و النشر

مؤسسة دار الحديث العلميّة الثقافيّة

دار الحديث للطباعة و النشر: قم، شارع معلّم، قرب ساحة الشهداء، الرقم 125

الهاتف: 7741650 0251- 7740523 0251 ص. ب: 4468/ 37185

شابك: 6- 53- 7489- 964

http:// www. hadith. net

hadith@ hadith. net

5

الفصل الرابع: مكاتيبه (عليه السلام) من نهاية صفّين إلى نهاية النهروان‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

1 كتابه (عليه السلام) إلى الخوارج‏

قال الطَّبري: و كتب (أمير المؤمنين (عليه السلام)) إلى الخوارج بالنَّهر:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏

مِنْ عَبدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أميرِالمُؤمِنينَ، إلى زَيْدِبنِ حُصَيْن، وعَبْدِ اللَّهِ بنِ وَهَبٍ، وَمَنْ مَعَهُما مِنَ النَّاسِ: أمَّا بَعْدُ؛ فَإنَّ هَذيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَينِ ارتضيْنا حُكْمَهما قد خالَفا كِتابَ اللَّهِ، واتّبعا أهواءهما بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ، فلم يَعمَلا بالسُّنَّةِ، ولم يُنَفِّذا لِلقُرآنِ حُكْماً، فَبَرِئ اللَّهُ ورَسولُهُ مِنهُما والمُؤمِنونَ! فَإذا بَلَغَكُم كِتابِي هَذا فأَقبِلُوا، فَإنَّا سائِرونَ إِلى عَدُوِّنا وَعدُوِّكُم، ونَحنُ علَى الأمْرِ الأوَّلِ الَّذي كُنَّا عَليْهِ، والسَّلامُ».

(1)

2 كتابه (عليه السلام) إلى الخوارج‏

قال البلاذري: (أنَّه لمَّا) أجمع عليّ على إتيان صفِّين، و العود إلى حرب‏

____________

(1). تاريخ الطبري: ج 5 ص 77، الإمامة و السياسة: ج 1 ص 123، جمهرة رسائل العرب: ج 1 ص 503.

8

معاوية ثانياً، كتب إلى الخوارج بالنَّهروان:

«أمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ جاءَ كُمْ ما كُنْتُم تُرِيدُونَ، قَد تَفَرَّقَ الحَكَمانِ عَلى غَيْرِ حُكومَةٍ، ولا اتّفاقٍ، فارجِعُوا إلى ما كُنتُمْ عَليْهِ، فَإنِّي أُريدُ المَسيرَ إلَى الشَّامِ».

(1)

3 كتابه (عليه السلام) إلى الخوارج‏

قال البلاذري: و كتب (أمير المؤمنين (عليه السلام)) إلى الخوارج:

«أمَّا بَعدُ؛ فإنِّي أُذكِّرُكُم (اللَّهَ) أنْ تكونوا مِنَ الَّذِينَ فارَقُوا دِينَهُم، وكانوا شِيَعاً، بعد أن أخذ اللَّه مِيثاقَكُمْ علَى الجَماعَةِ، وألَّف بينَ قُلوبِكُمْ علَى الطَّاعَةِ، وأَنْ تَكونُوا كالَّذينَ تَفَرَّقُوا، واختَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَ هُمُ البَيِّناتُ».

(2)

4 كتابه (عليه السلام) إلى ابن عبَّاس‏

قال الطَّبري: إنَّ عليّا لمّا نزل بالنُّخيلة و أيس من الخوارج، خطب النَّاس و حثّهم على الجهاد، و ساق الخطبة، فقال: و كتب عليّ إلى ابن عبَّاس مع عُتْبَة بن الأخنس بن قيس، من بني سَعْد بن بَكر:

«أمَّا بَعْدُ؛ فَإنّا قَدْ خَرَجْنا إلى مُعَسْكَرِنا بالنُّخيْلَةِ، وقَدْ أجْمَعْنا علَى المَسيرِ إلى عَدُوِّنا مِن أهْلِ المَغْرِبِ، فأَشْخِصْ بالنَّاسِ حَتَّى‏ يأتِيَكَ رَسُولِي، وأَقِمْ حَتَّى‏ يأتِيَكَ أمْرِي والسَّلام».

____________

(1). أنساب الأشراف: ج 2 ص 141.

(2). أنساب الأشراف: ج 2 ص 144.

9

فلمّا قدم عليه الكتاب قرأه على النَّاس، و أمرهم بالشُّخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألف و خمسمائة رجُلٍ، فاستقلَّهُم عَبْدُ اللَّه بنُ عبَّاس، فقام في النَّاس، فحمد اللَّه و أثْنى عليه، ثُمَّ قال:

أمَّا بعدُ؛ يا أهل البصرة، فإنَّه جاءني أمر أمير المؤمنين، يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالنَّفير إليه مع الأحنف بن قيس، و لم يَشخَص معه منكم إلَّا ألف و خمسمائة، و أنتم ستون ألف سوى أبنائكم و عبدانكم و مواليكم! ألا انفِروا مع جارية بن قُدامَة السعدي، و لا يجعلَنَّ رجل على نفسه سبيلًا، فإنّي مُوقع بكلّ من وجدته متخلِّفاً عن مكتبه، عاصياً لإمامه، و قد أمرتُ أبا الأسْوَد الدُّؤلي بِحَشْرِكم، فلا يَلُمْ رجُلٌ جَعلَ السبيلَ علَى نفسِهِ إلَّا نفسَهُ.

فخرج جارية فعسكر، و خرج أبو الأسْوَد فحشر النَّاس، فاجتمع إلى جارية ألف و سبعمائة، ثُمَّ أقبل حَتَّى‏ وافاه عليٌّ بالنُّخيلة. (1)

5 كتابه (عليه السلام) إلى الخوارج‏

من كتابه (عليه السلام) إلى الخوارج في قضيَّة قتلهم عبد اللَّه بن خَبَّاب بن الأرَتّ.

«بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

مِن عبد اللَّهِ وابْنِ عَبْدِهِ، أميرِالمُؤْمِنينَ وأجِيرِ المُسْلِمِينَ أخِي رَسُول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وابْنِ عمِّه، إلى عَبدِ اللَّهِ بنِ وَهَبٍ وحَرْقُوص بن زُهَيْر المارِقَيْنِ من دِين الإسلام.

أمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي خُرُوجُكُما واجْتِماعُكما هُنالِك بغَيْر حَقٍّ كانَ لَكُما

____________

(1). تاريخ الطبري: ج 5 ص 78، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 401، الإمامة و السياسة: ج 1 ص 164 كلاهما نحوه.

10

ولأبَوَيْكُما من قَبْلِكما، وجَمْعُكُما لهذه الجُمُوع؛ الَّذين لَمْ يَتفَقَّهوا في الدِّين، ولَم يعطوا في اللَّه اليَقين.

والْزَما الحقَّ فإنَّ الحقَّ يُلْزِمُكما مَنْزِلَةَ الحقِّ ثمّ لا يُقضى إلَّابالحقِّ، ولا تَزِيغا فَيَزيغُ مَن مَعَكما من أخباركما فَيكُونَ مَثَلُكما ومَثَلُهم كَمَثَل غَنَمٍ نَفَشَتْ في أرض ذَات عُشْبٍ، فَرَعَتْ وسَمَنَتْ، وإنَّما حَتْفُها في سِمْنِها، وقَد عَلمْنا بأنَّ الدُّنيا كَعُروَتَين سُفلًا وعُلواً، فمَن تَعَلَّق بالعُلو نَجا، ومَن اسْتَمْسك بالسُّفل هَلَك، والسَّعيد مَن سَعَدَتْ به رَعِيَّتُه، والشَّقيُّ مَن شَقِيَت به رَعِيَّتُه، وخَيْرُ النَّاس خَيْرُهم لِنَفسه، وشَرُّهم شَرُّهم لِنَفسه، ولَيْس بيْنَ اللَّه وبينَ أحدٍ قَرابَةٌ، و «كُلُّ نَفْسِ‏م بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»

(1)

، والكَلامُ كَثِيرٌ، وإنَّما نُرِيدُ منْه اليَسِيرَ، فمَن لَم يَنْتَفِعْ باليَسيرِ ضَرَّهُ الكَثِيرُ، وقَد جَعَلْتُموني في حالَةِ مَن ضَلَّ وغَوَى وعن طَريقِ الحَقِّ هَوَى، خَرَجْتُم علَيَّ مخالِفين بَعْدَ أنْ بايَعْتُموني طائِعينَ غَيْرَ مُكْرَهين، فَنَقَضْتُم عهُودَكم، ونَكَثْتُم أيْمانَكم، ثمَّ لَم يَكْفِكم ما أنْتُم فيه مِن العَمى وشَقِّ العَصا، حتَّى وَثَبْتُم على عَبْدِ اللَّهِ بنِ خَبَّابِ فَقَتَلْتُمُوه وقَتَلْتُم أهْلَه ووَلَدَه، بغَيْر تِرَةٍ كانَتْ منه إليْكم ولا دخل، (ذَحْل)

(2)

، وهو ابنُ صاحِبِ رسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، ولَن يُغْنِي القُعُودُ عَنِ الطَّلَبِ بِدَمِهِ، فادفعوا إلَيْنا مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ ووَلَدَه وشَرِك في دمائِهِم، ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم علَى عَمىً وجَهْلٍ، فتَكُونوا حَدِيثاً لمَنْ بَعْدَكم.

وباللَّه أُقْسِم قَسَماً صادِقاً، لئِن لَم تَدْفَعُوا إلَيْنا قَاتِلَ صاحِبِنا عَبْدِ اللَّهِ بنِ خَبَّاب لم أنْصَرِفْ عَنْكُم دُونَ أنْ أقْضِي فِيْكم إرَبِي، وباللَّه أسْتَعينُ وعلَيْهِ أتَوَكَّلُ والسَّلامُ‏

____________

(1) المدثر: 38.

(2) ذَحْل: الحقد و العداوة.

11

والرَّحمةُ مِنَ الوَاحِدِ الخَلَّاق عَلى النَّبيِّينَ، وعَلى عِبادِهِ الصَّالحِينَ.

ثُمّ طوى الكتاب وخَتَمه ودَفَعه إلى عبد اللَّه بن أبي عقب، وأرسله.»

(1)

6 كتابه (عليه السلام) إلى ابن عبَّاس‏

وصيَّته (عليه السلام) لعبْد اللَّه بن العبَّاس، لمَّا بعثَه للاحتجاج على الخوارج:

«لا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ، تَقُولُ ويَقُولُونَ، ولَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً.»

(2)

7 كتابه (عليه السلام) إلى بعض أمَراء جيشه‏

قال سِبط ابن الجُوزِيّ: كتبه إلى بعض أمراء جيشه في قوم كانوا قد شردوا عن الطَّاعة، و فارقوا الجماعة، رواه الشَّعْبيّ، عن ابن عبَّاس:

«سَلامٌ عَليكَ، أمَّا بَعْدُ، فإنْ عادَتْ هذِه الشِّرْذِمَةُ إلى الطَّاعة فَذلِكَ الَّذي أُوثِرُهُ، وإنْ تَمادى‏ بهم العِصيانُ إلى الشِّقاقِ، فانْهَدْ بمَن أطاعَكَ إلى مَن عَصاكَ، واسْتَعِن بمَن انْقادَ مَعَكَ علَى مَن تَقاعَسَ عَنْكَ، فإنَّ المُتكارِهَ مَغِيبُه خَيْرٌ من حُضُورِهِ، وعدَمُه خيرٌ مِنْ وجُودِهِ، وقُعُودُه أغْنى‏ مِنْ نُهُوضِهِ».

(3)

____________

(1). الفتوح: ج 4 ص 262.

(2). نهج البلاغة: الكتاب 77.

(3). تذكرة الخواصّ: ص 157.

12

8 كتابه (عليه السلام) إلى زياد بن أبيه‏

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏

من عَبدِ اللَّهِ عَليِّ بنِ أبي طالب أميرِالمُؤمِنينَ إلى زيادِبنِ عُبَيدٍ؛ سلامٌ علَيْكَ أمَّا بَعْدُ؛ فإنّي قد بعثت أعْيَن بن ضُبَيْعَة لِيُفرِّقَ قومَهُ عَن ابنِ الحَضْرَمِيّ، فارقب ما يَكونُ مِنْهُ، فَإنْ فَعَلَ وبَلغَ مِن ذلِكَ ما يَظِنُّ بِهِ وكانَ في ذلِكَ تفريقُ تِلْكَ الأوباش‏

(1)

فهو ما نحبّ، وإن ترامت الامورُ بالقَوْمِ إلى الشِّقاقِ والعِصْيانِ، فانهَضْ بِمَنْ أطاعَكَ إلى مَنْ عَصاكَ، فَجاهِدْهُمْ فَإنْ ظَفِرْتَ فَهُو ما ظَنَنْتُ، وإلَّا فَطاوِلْهُمْ ومَاطِلْهُمْ، ثُمَّ تَسَمَّعْ بِهمِ وأَبْصِرْ فَكَأنَّ كَتائِبَ المُسلِمينَ قد أظلَّتْ علَيْكَ، فَقَتَلَ اللَّهُ المُفْسِدينَ الظَّالِمينَ، ونَصرَ المَؤمِنينَ المُحِقِّين، والسَّلامُ».

(2)

[أقول: كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الكتاب إلى زياد حينما استخلفه ابن عبَّاس على البصرة، و قدم على عليٍّ (عليه السلام) يعزّيه بمُحَمَّد بن أبي بَكر، و وقع الخلاف في البصرة لمجي‏ء ابن الحَضْرَمِيّ مِنْ قِبَلِ معاوية إلى البصرة، و دعوته أهل البصرة إلى معاوية؛ و ملخَّص الواقعة على ما نقله إبراهيم الثَّقَفيّ في‏ الغارات‏:]

أنَّ معاوية بن أبي سُفْيَان لمَّا أصاب مُحَمَّد بن أبي بَكر بمصر، و ظهر عليها، دعا عبد اللَّه بن عامر الحَضْرَمِيّ، فقال له: سِر إلى البصرة؛ فإن جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان و يعظّمون قتله و قد قتلوا في الطَّلب بدمه و هم موتورون ...

____________

(1) الأوباش من الناس: الأخلاط، و أوباش من النّاس: و هم الضروب المتفرقون. (لسان العرب: ج 6 ص 367)

(2). الغارات: ج 2 ص 397 و راجع: بحار الأنوار: ج 33 ص 517؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 4 ص 46، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 416، أنساب الأشراف: ج 3 ص 190.

13

[و حثّ معاوية على ذلك كتاب كتبه إليه عبَّاس بن الضَّحَّاك العبديّ، و هو كان ممّن يرى عثمان و يخالف قومه في حبّهم عليّا، فلبَّاه معاوية و كتب إليه في ذلك، و رأى معاوية أن يكتب إلى عَمْرو بن العاص في ذلك يستطلع رأيه و يستشيره، فكتب إليه عَمْرو معجباً برَأيه مصوّباً و مرعوباً، و لمّا جاءه كتاب عَمْرو دعا] ابن الحَضْرَمِيّ فقال: سِر على بركة اللَّه إلى أهل البصرة، فانزِلْ في مضر، و احذر ربيعة، و تَودد الأزْد، و انع عثمان بن عَفَّان، و ذكِّرهم الوقعة الَّتِي هلكتهم، و مَنِّ لمن سمع و أطاع دنيا لا تفنى، و أثرة لا يفقدها حَتَّى‏ يفقدنا أو نفقده، فودَّعه ثُمَّ خرج من عنده، و قد دفع إليه كتاباً، و أمره إذا قدم أن يقرأه على النَّاس.

[فقدم ابن الحَضْرَمِيّ و نزل في بني تميم، فاجتمع إليه من كان يرى رأي عثمان، فتكلّم ابنُ الحَضْرَمِيّ و ذكّرهم حرب الجمل و ما حلّ بهم‏] فقام إليه (رجل اسمه) الضَّحَّاك بنُ عبدِ اللَّهِ الهِلاليّ، فقال: قبَّح اللَّهُ ما جئتنا به و دعوتنا إليه، جئتنا و اللَّه بمثل ما جاء به صاحباك طَلْحَة و الزُبَيْر، أتيانا و قد بايعنا عليّاً (عليه السلام) و اجتمعنا له و كلمتنا واحدة، و نحن على سبيل مستقيم [إلى آخر ما قال.

فقام عبد اللَّه بن خازم السَّلمي، و ردَّ على الضَّحَّاك، و أجاب ابن الحَضْرَمِيّ، و طال الحِوار و اللَّفظ، و قرأ ابن الحَضْرَمِيّ على النَّاس كتاب معاوية، و اعتزل الأحنف قائلًا:] لا ناقة لي في هذا و لا جمل، و اعتزل أمرهم ذلك. فكثر الكلام بين الخطباء]

و أقبل النَّاس إلى ابن الحَضْرَمِيّ، فكثر تبعه ففزع لذلك زياد، و هاله و هو في دار الإمارة، فبعث إلى الحُصَيْن بن المُنْذِر و مالك بن مِسْمَع [فاستجارهما فقال مسمع: هذا أمر فيه نظر أرجع و أستشيره، و أمَّا الحُصَيْن فقال: نعم، و لم يطمئن زياد فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزْدِيّ فاستجاره، فأجاره بشرط أن ينزل داره،

14

فارتحل ليلًا حَتَّى‏ نزل دار صبرة، و كتب إلى عبد اللَّه بن العبَّاس، فرفع ذلك ابن عبَّاس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و شاع ذلك في النَّاس بالكوفة] و غلب ابن الحَضْرَمِيّ على البصرة و جباها و اجتمعت الأزْد على زياد، فصعد المنبر [و حثَّهم على نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) و الدِّفاع عنه، فقام شيمان و صبرة ابنه فوعداه النُّصرة.]

ثُمَّ إنَّ شَبَث بن رِبْعيّ قال لعليّ (عليه السلام): ابعث إلى هذا الحيِّ من تميم، فادعهم إلى طاعتك و لزوم بيعتك و لا تسلط عليهم أزد عمان البُعداء البغضاء، و قال مِخْنَف بن سُلَيْم الأزْدِيّ: إنَّ البعيد البغيض من عصى اللَّه و خالف أمير المؤمنين ...

[فنهاهما عليّ (عليه السلام) عن ذلك، و دعا أعْيَن بن ضُبَيْعَة المجاشعي فحكى له القصّة].

فقال: لا تستأْ يا أمير المؤمنين، و لا يكن ما تكره، ابعثني إليهم، فإنَّا لك زعيم بطاعتهم و تفريق جماعتهم و نفي ابن الحَضْرَمِيّ من البصرة أو قتله.

فقال فاخرج السَّاعة، فخرج من عنده و مضى حَتَّى‏ قدم البصرة، (مع الكتاب المتقدِّم) ثُمَّ دخل على زياد [و أوصل الكتاب‏]، فلمَّا قرأه زياد أقرأه أعْيَن بن ضُبَيْعَة، فقال له أعين: إنّي لأرجو أن تكفى هذا الأمر إن شاء اللَّه، ثُمَّ خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالًا من قومه، [فوعظهم و وبّخهم على عملهم، و حثّهم فأجابوا و أطاعوه، فنهض بهم إلى ابن الحَضْرَمِيّ فتصافوا و توافقوا، فوعظ أعْيَن بن ضُبَيْعَة المخالفين المنابذين، و هم يَشتِمُونه و ينالون منه، فانصرف عنهم فلمَّا آوى إلى رحله دخل عليه عشرة فقتلوه، فكتب زياد بذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فدعا جارية، و حكى له القصة] فقال: يا أمير المؤمنين ابعثني‏

15

إليهم و استعن باللَّه عليهم.

[فقدم جارية البصرة مع خمسين رجلًا من تميم فبدأ بزياد فقام في الأزْد فجزاهم خيراً]، قال: جزاكم اللَّه من حيٍّ خيراً ما أعظم عناءكم، و أحسن بلاءكم، و أطوعكم لأميركم، و قد عرفتم الحقّ إذ ضيّعه من أنكرهُ، و دعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه، ثُمَّ قرأ عليهم و على من كان معه من شيعة عليّ (عليه السلام) و غيرهم كتاب عليٍّ (عليه السلام)، فإذا فيه .... (1)

زِيادُ بنُ أبيه‏

هو زياد بن سُميَّة؛ و هي امّه، و قبل استلحاقه بأبي سُفْيَان يقال له: زياد بن عبيد الثَّقَفيّ، تحدّثنا عنه مجملًا في مدخل البحث. كان من الخطباء (2) و السَّاسة. اشتهر بذكائه المفرط و مكره في ميدان السِّياسة (3). ولدته سُمَيَّة الَّتي كانت بغيّاً من أهل الطائف‏ (4)- و كانت تحت عبيد الثَّقَفيّ‏ (5)- في السَّنة الاولى من الهِجْرة (6)

____________

(1) راجع: الغارات: ج 2 ص 373- 397؛ تاريخ الطبري: ج 5 ص 110- 11 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 4 ص 35- 46، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 415- 416، أنساب الأشراف: ج 3 ص 185- 190، البداية و النهاية: ج 7 ص 316- 317.

(2). الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829، اسد الغابة: ج 2 ص 336 الرقم 1800، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 496 الرقم 11 الإصابة: ج 2 ص 528 الرقم 2994.

(3). الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829، العقد الفريد: ج 4 ص 6، الإصابة: ج 2 ص 528 الرقم 2994.

(4). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 219؛ مروج الذهب: ج 3 ص 15، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 495 الرقم 11 العقد الفريد: ج 4 ص 4، الإصابة: ج 2 ص 528 الرقم 2994.

(5). سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 495 الرقم 11 الإصابة: ج 2 ص 527 الرقم 2994، العقد الفريد: ج 4 ص 4.

(6). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 163، الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 494 الرقم 112 و فيهما «ولد عام الهجرة»، الوافي بالوفيات: ج 5 ص 2 ح 10، الطبقات الكبرى‏: ج 7 ص 100، المعارف لابن قتيبة: ص 346 و فيهما «ولد عام الفتح بالطائف».

16

أسلم زياد في خلافة أبي بكر (1). و لفت نظر عمر في عنفوان شبابه بسبب كفاءته و دهائه السِّياسي‏ (2)، فأشخصه في أيّام خلافته إلى اليمن لتنظيم ما حدث فيها من اضطراب‏ (3). كان عمر بن الخَطَّاب قد استعمله على بعض صدقات البصرة، أو بعض أعمال البصرة. (4)

كان زياد يعيش في البصرة، و عمل كاتباً لولاتها: أبي موسى الأشْعَرِيّ‏ (5)، و المُغِيْرَة بن شُعْبَة (6)، و عبد اللَّه بن عامر (7).

و كان كاتباً (8) و مستشاراً (9) لابن عبّاس في البصرة أيّام خلافة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). و لمّا توجّه ابن عبّاس إلى صفِّين جعله على خراج البصرة

____________

(1). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 16 سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 494 الرقم 11 الوافي بالوفيات: ج 5 ص 2 الرقم 10، الإصابة: ج 2 ص 528 الرقم 2994.

(2). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 166- 168، أنساب الأشراف: ج 5 ص 198.

(3). الاستيعاب: ج 2 ص 101 الرقم 829.

(4). الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829.

(5). الطبقات الكبرى‏: ج 7 ص 99، المعارف لابن قتيبة: ص 346، تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 162 و ص 169، الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 494 الرقم 11 أنساب الأشراف:

ج 5 ص 198.

(6). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 169، المعارف لابن قتيبة: ص 346، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 495 الرقم 11 أنساب الأشراف: ج 5 ص 198.

(7). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 169.

(8). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 169 و 170، المعارف لابن قتيبة: ص 346، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 495 الرقم 11 أنساب الأشراف: ج 5 ص 199.

(9). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 171.

17

و ديوانها و بيت مالها. (1)

و عند ما امتنع أهل فارس و كرمان من دفع الضَّرائب، و طردوا واليهم سَهْل بن حُنيف، استشار الإمام (عليه السلام) أصحابه لإرسال رجل مدبّر و سياسي إليهم، فاقترح ابن عبّاس زياداً (2)، و أكّد جاريةُ بن قُدامَة هذا الاقتراح‏ (3).

فتوجّه زياد إلى فارس و كرمان‏ (4). و تمكّن بدهائه السِّياسي من إخماد نار الفتنة. و في تلك الفترة نفسها ارتكب أعمالًا ذميمة فاعترض عليه الإمام (عليه السلام). (5)

لم يشترك زياد في حروب الإمام (عليه السلام)، و كان مع الإمام و ابنه الحسن المُجتبى‏ (عليهما السلام) حتَّى استشهاد الإمام (عليه السلام)، بل حتَّى الأيّام الاولى من حكومة معاوية (6).

ثمّ زلّ بمكيدة معاوية، و وقع فيما كان الإمام قد حذّره منه‏ (7)، و أصبح أداةً طيّعة لمعاوية تماماً، من خلال مؤامرة الاستلحاق. و سمّاه معاوية أخاه‏ (8).

و شهد جماعة على أنّه ابنُ زِنى‏. (9) و هكذا أصبح زياد بن أبي سُفْيَان!

____________

(1). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 170، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 495 الرقم 112 و فيه «ناب عنه ابن عبّاس بالبصرة».

(2). تاريخ الطبري: ج 5 ص 137، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 430، البداية و النهاية: ج 7 ص 318.

(3). تاريخ الطبري: ج 5 ص 137، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 29

(4). تاريخ الطبري: ج 5 ص 137، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 429، تاريخ خليفة بن خيّاط: ص 144 و فيه «وجّه عليٌّ زياداً فأرضوه و صالحوه و أدَّوا الخراج».

(5). نهج البلاغة: الكتاب 20 و 21.

(6). العقد الفريد: ج 4 ص 5.

(7). نهج البلاغة: الكتاب 44؛ الاستيعاب: ج 2 ص 101 الرقم 829، اسد الغابة: ج 2 ص 337 الرقم 1800.

(8). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 218؛ تاريخ الطبري: ج 5 ص 214، تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 16 سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 494 الرقم 11 الاستيعاب: ج 2 ص 101 الرقم 829، اسد الغابة: ج 2 ص 336 الرقم 1800، تاريخ الخلفاء: ص 235، العقد الفريد: ج 4 ص 4.

(9). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 219؛ مروج الذهب: ج 3 ص 14 و 15، العقد الفريد: ج 4 ص 4، الإصابة: ج 2 ص 528 الرقم 2994، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 495 الرقم 112.

18

كانت المفاسد و القبائح متأصّلة في نفس زياد، و قد أبرز خبث طينته و اسوداد قلبه في بلاط معاوية. ولّاه البصرة في بادئ الأمر، ثمّ صار أميراً على الكوفة أيضاً (1). و لمّا أحكم قبضته عليهما لم يتورّع عن كلِّ ضرب من ضروب الفساد و الظُّلم‏ (2). و تشدّد كثيراً على النَّاس، خاصّة شيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، (3) إذ سجن الكثيرين منهم في سجون مظلمة ضيّقة أو قتلهم‏ (4).

و أكره النَّاس على البراءة من الإمام (عليه السلام)(5) و سبّه مصرّا على ذلك. (6)

هلك زياد بالطَّاعون‏ (7) سنة 53 ه (8) و هو ابن 53 سنة، (9) بعد عِقْدٍ من الجور و العدوان و النَّهب و نشر القبائح و إشاعة الرِّجس و الفحشاء، و خَلّفَ من هذه‏

____________

(1). الطبقات الكبرى‏: ج 7 ص 99، أنساب الأشراف: ج 5 ص 205 و ص 207، المعارف لابن قتيبة: ص 346، مروج الذهب: ج 3 ص 33 و 34، تاريخ خليفة بن خيّاط: ص 156 و ص 158، تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 16 سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 496 الرقم 112.

(2). أنساب الأشراف: ج 5 ص 216، مروج الذهب: ج 3 ص 35، تاريخ الطبري: ج 5 ص 22 الكامل في التاريخ: ج 2 ص 474، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 204. و لمزيد الاطّلاع على حياة زياد بن أبيه راجع: أنساب الأشراف: ج 5 ص 205- 250.

(3). المعجم الكبير: ج 3 ص 70 ح 2690، الفتوح: ج 4 ص 316، الوافي بالوفيات: ج 5 ص 12 الرقم 10.

(4). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 20 مروج الذهب: ج 3 ص 35، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 496 الرقم 112.

(5). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 203، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 496 الرقم 112.

(6). مروج الذهب: ج 3 ص 35.

(7). أنساب الأشراف: ج 5 ص 288، تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 203، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 496 الرقم 11 الوافي بالوفيات: ج 5 ص 3 الرقم 10، وفيات الأعيان: ج 2 ص 462.

(8). الطبقات الكبرى‏: ج 7 ص 100، الطبقات لخليفة بن خيّاط: ص 328 الرقم 1516، المعارف لابن قتيبة:

ص 346، تاريخ دمشق: ج 19 ص 207، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 496 الرقم 11 الوافي بالوفيات: ج 5 ص 3 الرقم 10، اسد الغابة: ج 2 ص 337 الرقم 1800.

(9). تاريخ خليفة بن خيّاط: ص 166، الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829.

19

الشجرة الخبيثة ثمرة خبيثة تقطر قبحاً، و هو عبيد اللَّه الَّذي فاق أباه في الكشف عن سوء سريرته و ظلمه لآل عليّ (عليه السلام) و شيعته.

كان زياد نموذجاً واضحاً للسياسي الَّذي له دماغ مفكّر، و لكن ليس له قلب و عاطفة قطّ!

كان الشَّرَه، و العَبَث، و النِّفاق في معاملة النَّاس من صفاته الَّتي أشار إليها الإمام (عليه السلام)، في رسالة موقظة منبِّهة (1).

كان زياد عظيماً عند طلّاب الدُّنيا الَّذين يَعظُم في عيونهم زبرجها و بهرجها؛ و لذا مدحوه بالذكاء الحادّ و المكانة السَّامية (2). بَيد أنّ نظرة إلى ما وراء ذلك، تدلّنا على أنّه لم يَرْعَوِ من كلّ رجسٍ و دنسٍ و قبحٍ و خبث، حتَّى من تغيير نسبه أيضاً.

في‏ سِيَرِ أعلامِ النُّبلاء- في ذكر زياد بن أبيه-: هو زياد بن عُبيد الثَّقَفيّ، و هو زياد بن سُمَيَّة و هي امُّه، و هو زياد بن أبي سُفْيَان الَّذي استلحقه معاوية بأنّه أخوه. كانت سُميّة مولاة للحارث بن كلدة الثَّقَفيّ طبيب العرب، يُكنّى أبا المُغِيرَة. له إدراك، ولد عام الهجرة، و أسلم زمن الصِّدِّيق و هو مراهق، و هو أخو أبي بكرة الثَّقَفيّ الصَّحابيّ لُامّه، ثمّ كان كاتباً لأبي موسى الأشْعَرِيّ زمن إمرته على البصرة ....

و كان كاتباً بليغاً، كتب أيضاً للمُغِيرَةِ و لابن عبّاس، و غاب عنه بالبصرة.

يقال: إنّ أبا سُفْيَان أتى الطَّائف، فسكر، فطلب بغيّاً، فواقع سُمَيَّة، و كانت مزوّجة بعبيد، فولدت من جماعه زياداً، فلمّا رآه معاوية من أفراد الدَّهر،

____________

(1). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 204، نثر الدرّ: ج 1 ص 321.

(2). الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829، اسد الغابة: ج 2 ص 337 الرقم 1800.

20

استعطفه و ادّعاه، و قال: نزل من ظهر أبي. و لمّا مات عليّ (عليه السلام)، كان زياد نائباً له على إقليم فارس‏ (1).

و في‏ الاستيعاب‏- في ذكر زياد بن أبيه-: كان رجلًا عاقلًا في دنياه، داهية خطيباً، له قدر و جلالة عند أهل الدُّنيا (2).

و في‏ اسْد الغابَة: كان عظيم السِّياسة، ضابطاً لما يتولّاه‏ (3).

و في‏ تاريخ اليعقوبيّ‏: كان (المُغِيرَة) يختلف إلى امرأة من بني هلال يقال لها:

امّ جميل، زوجة الحجَّاج بن عُتيك الثَّقَفيّ، فاستراب به جماعة من المسلمين، فرصده أبو بكرة و نافع بن الحارث و شبل بن مَعْبَد و زياد بن عبيد، حتَّى دخل إليها فرفعت الرِّيح السِّتر فإذا به عليها، فوفد على عمر، فسمع عمر صوت أبي بكرة و بينه و بينه حجاب، فقال: أبو بكرة! قال: نعم. قال: لقد جئت ببشر؟

قال: إنّما جاء به المُغِيرَة. ثمّ قصّ عليه القصّة.

فبعث عمر أبا موسى الأشْعَرِيّ عاملًا مكانه، و أمره أن يُشخص المُغِيرَة، فلمّا قدم عليه جمع بينه و بين الشُّهود، فشهد الثَّلاثة، و أقبل زياد، فلمّا رآه عمر قال:

أرى وجه رجل لا يخزي اللَّه به رجلًا من أصحاب محمّد، فلمّا دنا قال: ما عندك يا سلح العقاب؟ قال: رأيت أمراً قبيحاً، و سمعت نفَساً عالياً، و رأيت أرجلًا مختلفة، و لم أرَ الَّذي مثل الميل في المكحلة.

فجلد عمر أبا بكرة، و نافعاً، و شبل بن مَعْبَد، فقام أبو بكرة و قال: أشهد أنّ المُغِيرَة زانٍ، فأراد عمر أن يجلده ثانية، فقال له: عليَّ إذاً توفّي صاحبك حجارة.

____________

(1). سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 494 الرقم 112.

(2). الاستيعاب: ج 2 ص 100 الرقم 829.

(3). اسد الغابة: ج 2 ص 337 الرقم 1800.

21

و كان عمر إذا رأى المُغِيرَة قال: يا مُغيرَة، ما رأيتك قطّ إلّا خشيت أن يرجمني اللَّه بالحجارة (1).

و في‏ الاستيعاب‏: بعث عمر بن الخَطَّاب زياداً في إصلاح فسادٍ وقع باليمن، فرجع من وجهه و خطب خطبة لم يسمع النَّاسُ مثلَها، فقال عَمْرو بن العاص: أما و اللَّه لو كان هذا الغلام قرشيّاً لساق العربَ بعصاه.

فقال أبو سُفْيَان بن حرب: و اللَّه إنّي لأعرف الَّذي وضعه في رحم امّه.

فقال له عليّ بن أبي طالب:

وَمَنْ هُوَ يا أبا سُفْيَان؟

قال: أنا.

قال:

مهلًا يا أبا سُفْيَان.

فقال أبو سُفْيَان:

أما و اللَّهِ لَو لا خَوْفُ شَخْصٍ‏ * * * يَراني يا عَلِيُّ مِنَ الأعادِي‏

لأظهرَ أمرَهُ صَخْرُ بنُ حَرْبٍ‏ * * * و لَمْ تكُنِ المَقَالَةُ عَنْ زِيادِ

وَ قَدْ طالَتْ مُجامَلَتِي ثَقِيفاً * * * و تَرْكِي فَيِهِمُ ثَمَرَ الفُؤادِ (2)

في‏ تاريخ مدينة دمشق‏ عن الشَّعْبيّ: أقام عليّ (عليه السلام) بعد وقعة الجمل بالبصرة

____________

(1). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 146؛ تاريخ مدينة دمشق: ج 60 ص 35- 39 نحوه، تاريخ الطبري: ج 4 ص 69- 7 الأغاني: ج 16 ص 103- 110 و فيه عن الشَّعبي «كانت امّ جميل بنت عمر- الَّتي رُمي بها المغيرة بن شعبة- بالكوفة تختلف إلى المغيرة في حوائجها، فيقضيها لها، قال: و وافقت عمر بالموسم و المغيرة هناك، فقال له عمر: أ تعرف هذه؟ قال: نعم، هذه امّ كلثوم بنت عليّ. فقال له عمر: أ تتجاهل عليَّ؟! و اللَّه ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك، و ما رأيتك إلّا خفت أن ارمى بحجارة من السماء».

(2). الاستيعاب: ج 2 ص 101 الرقم 829، اسد الغابة: ج 2 ص 336 الرقم 1800 نحوه و ليس فيه الأبيات، الوافي بالوفيات: ج 5 الرقم 10 و راجع تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 174، العقد الفريد: ج 4 ص 4.

22

خمسين ليلة، ثمّ أقبل إلى الكوفة و استخلف عبد اللَّه بن عبّاس على البصرة، فلم يزل ابن عبّاس على البصرة حتَّى سار إلى صفِّين. ثمّ استخلف أبا الأسْوَد الدُّؤلي على الصَّلاة بالبصرة، و استخلف زياداً على الخراج و بيت المال و الدِّيوان، و قد كان استكتبه قبل ذلك، فلم يزالا على البصرة حتَّى قدم من صفِّين‏ (1).

و في‏ تاريخ الطبريّ‏ عن الشَّعْبيّ: لمّا انتقض أهل الجبال و طمع أهلُ الخَراج في كسرهِ، و أخرجوا سَهْل بن حُنَيْف من فارس- و كان عاملًا عليها لعليّ (عليه السلام)- قال ابن عبّاس لعليّ: أكفيك فارس.

فقدم ابن عبّاس البصرة، و وجّه زياداً إلى فارس في جمع كثير، فوطئ بهم أهل فارس، فأدّوا الخراج‏ (2).

و عن عليّ بن كثير: إنّ عليّاً استشار النَّاس في رجل يولّيه فارس حين امتنعوا من أداء الخراج، فقال له جارية بن قُدامَة: أ لا أدلّك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرَّأي، عالم بالسياسة، كافٍ لما وُلِّي؟

قال:

من هو؟

قال: زياد.

قال:

هو لها.

فولّاه فارس و كرمان، و وجّهه في أربعة آلاف، فدوّخ تلك البلاد حتَّى استقاموا (3).

و في‏ شرح نهج البلاغة عن عليّ بن محمّد المَدائِنيّ: لمّا كان زمن عليّ (عليه السلام) ولّى‏

____________

(1). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 170.

(2). تاريخ الطبري: ج 5 ص 137، البداية و النهاية: ج 7 ص 318 نحوه.

(3). تاريخ الطبري: ج 5 ص 137، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 429، البداية و النهاية: ج 7 ص 321 كلاهما نحوه.

23

زياداً فارس أو بعض أعمال فارس، فضبطها ضبطاً صالحاً، و جبا خراجها و حماها، و عرف ذلك معاوية، فكتب إليه: أمّا بعد، فإنّه غرّتك قلاع تأوي إليها ليلًا، كما تأوي الطَّير إلى وكرها، و ايم اللَّه، لو لا انتظاري بك ما اللَّه أعلم به، لكان لك منّي ما قاله العبد الصَّالح:

«فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّاقِبَلَ لَهُم بِهَا وَ لَنُخْرِجَنَّهُم مّنْهَآ أَذِلَّةً وَ هُمْ صَاغِرُونَ»

(1)

.

و كتب في أسفل الكتاب شعراً من جملته:

تَنْسى أباكَ و قَدْ شالَتْ نَعامَتُهُ‏ * * * إذْ يَخطِبُ النَّاسَ و الوالي لَهُم عُمَرُ

فلمّا ورد الكتاب على زياد قام فخطب النَّاس، و قال: العجب من ابن آكلة الأكباد، و رأس النِّفاق! يهدّدني و بيني و بينه ابن عمّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و زوج سيّدة نساء العالمين، و أبو السبطين، و صاحب الولاية و المنزلة و الإخاء في مائة ألف من المهاجرين و الأنصار و التَّابعين لهم بإحسان! أما و اللَّه، لو تخطّى هؤلاء أجمعين إليّ لوجدني أحمر مخشّا ضرّاباً بالسَّيف. ثمّ كتب إلى عليّ (عليه السلام)، و بعث بكتاب معاوية في كتابه.

فكتب إليه عليٌّ (عليه السلام)، و بعث بكتابِهِ:

أمّا بَعْدُ، فإنّي قد ولَّيتُكَ ما وَلَّيتُكَ وأَنا أراكَ لِذلِكَ أَهْلًا ...

(2)

.

و في‏ أنساب الأشراف‏: كتب معاوية إلى زياد يتوعّده و يتهدّده، فخطب النَّاس فقال: أيُّها النَّاس، كتب إليّ ابن آكلة الأكباد، و كهف النِّفاق، و بقيّة الأحزاب، يتوعّدني، و بيني و بينه ابن عمّ رسول اللَّه في سبعين ألفاً، قبائع سيوفهم عند

____________

(1) النمل: 37.

(2). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 181، اسد الغابة: ج 2 ص 337 الرقم 1800، تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 175 و 176 كلاهما نحوه و راجع الإستيعاب: ج 2 ص 101 الرقم 829.

24

أذقانهم، لا يلتفت أحد منهم حتَّى يموت، أما و اللَّه، لئن وصل هذا الأمر إليه ليجدنّي ضرّاباً بالسَّيف‏ (1).

و في‏ تاريخ الخلفاء: و في سنة ثلاث و أربعين ... استلحق‏ (2) معاوية زياد بن أبيه، و هي أوّل قضيّة غيّر فيها حكم النَّبيّ (عليه الصلاة و السلام) في الإسلام‏ (3).

و في‏ تاريخ مدينة دمشق‏ عن سَعيد بن المُسَيّب: أوّل من ردّ قضاء رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، دعوة معاوية (4).

و عن ابن أبي نَجيع: أوّل حكم رُدّ من حكم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) الحكم في زياد (5).

و عن عَمْرو بن نعجة: أوّل ذلّ دخل على العرب قتل الحسين، و ادّعاء زياد (6).

و في‏ مروج الذَّهب‏: لمّا همّ معاوية بإلحاق زياد بأبي سُفْيَان أبيه- و ذلك في سنة أربع و أربعين- شهد عنده زياد بن أسماء الحرمازي و مالك بن ربيعة السَّلولي و المُنْذِر بن الزُّبير بن العوّام: أنّ أبا سُفْيَان أخبر أنّه ابنه ... ثمّ زاده يقيناً إلى ذلك شهادة أبي مريم السَّلولي، و كان أخبر النَّاس ببدء الأمر، و ذلك أنّه جمع بين أبي سُفْيَان و سُمَيَّة امّ زياد في الجاهليّة على زنا.

و كانت سُمَيَّة من ذوات الرَّايات بالطائف تؤدّي الضَّريبة إلى الحارث بن كلدة،

____________

(1). أنساب الأشراف: ج 5 ص 199، تاريخ الطبري: ج 5 ص 170 نحوه؛ وقعة صفّين: ص 366 و راجع المعارف لابن قتيبة: ص 346 و الغارات: ج 2 ص 647.

(2) في المصدر: «استخلف»، و الصحيح ما أثبتناه.

(3) في المصدر: «استخلف»، و الصحيح ما أثبتناه.

(4). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 179.

(5). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 179.

(6). تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 179.

25

و كانت تَنزِلُ بالموضِعِ الَّذي تنزل فيه البغايا بالطَّائف خارجاً عن الحضر في محلّة يقال لها: حارة البغايا (1).

و في‏ تاريخ اليعقوبيّ‏: كان زياد بن عبيد عامل عليّ بن أبي طالب على فارس، فلمّا صار الأمر إلى معاوية كتب إليه يتوعّده و يتهدّده، فقام زيادٌ خطيباً، فقال: إنّ ابن آكلة الأكباد، و كهف النِّفاق ...

فوجّه معاوية إليه المُغِيرَة بن شُعْبَة، فأقدمه ثمّ ادّعاه، و ألحقه بأبي سُفْيَان، و ولّاه البصرة، و أحضر زياد شهوداً أربعة، فشهد أحدهم أنّ عليّ بن أبي طالب أعلمه أنّهم كانوا جلوساً عند عمر بن الخَطَّاب حين أتاه زياد برسالة أبي موسى الأشْعَرِيّ، فتكلّم زياد بكلام أعجبه، فقال: أ كنت قائلًا للناس هذا على المنبر؟ قال: هم أهون عليَّ منك يا أمير المؤمنين، فقال أبو سُفْيَان: و اللَّه، لهو ابني، و لأنا وضعته في رحم امّه. قلت: فما يمنعك من ادّعائه؟ قال: مخافة هذا العير (2) النَّاهق.

و تقدّم آخر فشهد على هذه الشَّهادة. قال زياد الهَمْدانِيّ: لمّا سأله زياد كيف قولك في عليّ؟ قال: مثل قولك حين ولّاك فارس، و شهد لك أنّك ابن أبي سُفْيَان.

و تقدّم أبو مريم السَّلولي فقال: ما أدري ما شهادة عليّ، و لكنّي كنت خمّاراً بالطائف، فمرّ بي أبو سُفْيَان منصرفاً من سفر له، فطعم و شرب، ثمّ قال:

يا أبا مريم طالت الغربة، فهل من بغيّ؟ فقلت: ما أجد لك إلّا أمة بني عَجْلان. قال:

____________

(1). مروج الذهب: ج 3 ص 14.

(2) العَيْر: الحمار الوحشيّ (النهاية: ج 3 ص 328).

26

فَأْتني بها على ما كان من طول ثدييها و نتن رفغها (1)، فأتيته بها، فوقع عليها، ثمّ رجع إليّ فقال لي: يا أبا مريم، لاستلّت ماء ظهري استلالًا تثيب ابن الحبل في عينها.

فقال له زياد: إنّما أتينا بك شاهداً، و لم نأت بك شاتماً. قال: أقول الحقّ على ما كان، فأنفذ معاوية ... (2) قال: ما قد بلغكم و شهد بما سمعتم، فإن كان ما قالوا حقّاً، فالحمد للَّه الَّذي حفظ منّي ما ضيّع النَّاس، و رفع منّي ما وضعوا، و إن كان باطلًا، فمعاوية و الشُّهود أعلم، و ما كان عبيد إلّا والداً مبروراً مشكوراً (3).

و في‏ تاريخ الطبريّ‏ عن مَسْلَمَة: استعمل زياد على شرطته عبد اللَّه بن حصن، فأمهل النَّاس حتَّى بلغ الخبر الكوفة، و عاد إليه وصول الخبر إلى الكوفة، و كان يؤخّر العشاء حتَّى يكون آخر من يصلّي ثمّ يصلّي، يأمر رجلًا فيقرأ سورة البقرة و مثلها، يرتّل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أنّ إنساناً يبلغ الخريبة ... (4).

و في‏ مروج الذَّهب‏: قد كان زياد جمع النَّاس بالكوفة بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ، فمن أبى ذلك عرضه على السَّيف‏ (5).

و في‏ المعجم الكبير عن الحسن: كان زياد يتتبّع شيعة عليّ (عليه السلام) فيقتلهم، فبلغ‏

____________

(1) الرُّفْغ بالضم و الفتح: واحدُ الأرفاغ، و هي اصولُ المَغابن كالآباط و الحَوالب، و غيرها من مَطاوي الأعضاء، و ما يجتمع فيه من الوَسَخ و العَرَق (النهاية: ج 2 ص 244).

(2) بياض في المصدر.

(3). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 218 و راجع الفخري: ص 109، أنساب الأشراف: ج 5 ص 199- 203.

(4). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 204 و راجع أنساب الأشراف: ج 5 ص 206.

(5). مروج الذهب: ج 3 ص 35، تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 203 عن عبد الرحمن بن السائب نحوه.

27

ذلك الحسن بن عليّ (عليه السلام) فقال:

اللَّهمَّ تفرّد بموتِهِ، فإنّ القتلَ كُفَّارَةٌ

(1)

.

و في‏ سِيَرِ أعلامِ النُّبلاء عن الحسن البَصريّ: بلغ الحسن بن عليّ أنّ زياداً يتتبّع شيعة عليّ بالبصرة فيقتلهم، فدعا عليه.

و قيل: إنّه جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من أبي الحسن، فأصابه حينئذٍ طاعون في سنة ثلاث و خمسين‏ (2).

9 كتابه (عليه السلام) إلى ابن عبَّاس‏

من كتاب له (عليه السلام) إلى عبد اللَّه بن العبَّاس بعد مقتل محمَّد بن أبي بكر (رحمه الله):

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ، ومُحَمَّدُبْنُ أَبِي بَكْرٍ (رحمه الله) قَدِ اسْتُشْهِدَ، فَعِنْدَ اللَّه نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً، وعَامِلًا كَادِحاً، وسَيْفاً قَاطِعاً، ورُكْناً دَافِعاً، وقَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ، وأَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ، ودَعَوْتُهُمْ سِرّاً وجَهْراً وعَوْداً وبَدْء اً، فَمِنْهُمُ الآتِي كَارِهاً، ومِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً، ومِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلًا، أَسْأَلُ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلًا، فَوَاللَّه لَوْلا طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَة، وتَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّة، لأَحْبَبْتُ ألَّا أَلْقَى مَعَ هَؤُلاءِ يَوْماً وَاحِداً، ولا أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً».

(3)

____________

(1). المعجم الكبير: ج 3 ص 70 ح 2690.

(2). سِيَر أعلامِ النبلاء: ج 3 ص 496 الرقم 11 تاريخ مدينة دمشق: ج 19 ص 202 نحوه و زاد فيه «اللهمّ لا تقتلنّ زياداً و أمِته حتف أنفه» بعد «فدعا عليه» و راجع ص 203 و 204.

(3). نهج البلاغة: الكتاب 35 و راجع: الغارات: ج 1 ص 298؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 6 ص 9 تاريخ الطبري: ج 6 ص 341 أنساب الأشراف: ج 2 ص 405.

28

10 كتابه (عليه السلام) إلى العمّال‏

«مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عليٍّ أميرِالمُؤمِنينَ، إلى مَن قُرِئ عَليْهِ كِتابي هذا مِنَ العُمَّالِ، أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّ رجالًا لنا عندهم تبعة، خرجوا هُرَّاباً نَظُنُّهم خَرجُوا نَحوَ بِلادِ البَصْرَةِ، فاسأل عَنهُمْ أهلَ بِلادِكَ، واجْعَل عَليْهِم العُيون في كلِّ ناحيةٍ مِنْ أرضِكَ، ثُمَّ اكتُبْ إليَّ بِما يَنْتَهي إليْكَ عَنهُم. وَالسَّلامُ»

فخرج زياد بن خَصفة حَتَّى‏ أتى داره، و جمع أصحابه فحمد اللَّه، و أثنى عليه، ثُمَّ قال: يا معشر بَكر بن وائل، إنَّ أمير المؤمنين نَدَبني لأمر من أموره مهمّ له، و أمرني بالانكماش فيه بالعَشِيرَةِ، حَتَّى‏ آتي أمره؛ و أنتم شيعته و أنصاره و أوثق حَيٍّ من أحياءِ العرب في نفسه، فانتدبوا معي السَّاعةَ، و عجِّلوا. فو اللَّه ما كان إلَّا ساعة حَتَّى اجتمع إليه مائة و ثلاثون رجلًا، فقال: اكتفينا لا نريد أكثر من هؤلاء؛ فخرج حَتَّى قطع الجسر، ثُمَّ أتى دير أبي موسى فنزله، فأقام به بقية يومه ذلك، ينتظر أمر أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال إبراهيم بن هلال: فحدَّثني مُحَمَّد بن عبد اللَّه، عن ابن أبي سيف، عن أبي الصَّلت التَّيميّ، عن أبي سعيد، عن عبد اللَّه بن وأل التَّيمي، قال: إنّي لعند أمير المؤمنين؛ إذا فيج‏ (1) قد جاءه يسعى بكتاب من قَرَظَةَ بن كَعْب بن عَمْرو الأنْصاريّ- و كان أحد عمّاله- فيه:

لِعَبدِ اللَّهِ علِيٍّ أمير المؤمنين مِن قَرَظَةَ بن كَعْب، سلام عليك؛ فإنّي أحمدُ إليكَ اللَّهَ الَّذي لا إله إلَّا هو؛ أمَّا بعدُ:

فإنّي أخبر أمير المؤمنين، أنّ خيلًا مرّت من قِبَل الكوفة متوجّهة نحو نفّر،

____________

(1) الفيج: رسول السُّلطان على رجله؛ فارسي معرب «پيك» (تاج العروس: ج 2 ص 89).

29

و أنَّ رجلًا من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم و صلَّى، يقال له: زاذان فروخ؛ أقبل من عند أخوال له فلقوه، فقالوا له: أ مسلم أنت أم كافر؟ قال: بل مسلم، قالوا: فما تقول في عليّ قال: أقول فيه خيرا؛ أقول إنَّه أمير المؤمنين (عليه السلام) و سيّد البشر و وصيّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله). فقالوا: كفرت يا عدو اللَّه! ثُمَّ حملت عليه عصابة منهم، فقطّعوه بأسيافهم، و أخذوا معه رجلًا من أهل الذِّمة يهوديّاً، فقالوا له: ما دينك؟ قال:

يهوديّ، فقالوا: خلُّوا سبيل هذا، لا سبيل لكم عليه، فأقبل إلينا ذلك الذِّميّ، فأخبرنا الخبر، و قد سألت عنهم، فلم يخبرني أحد عنهم بشي‏ء، فليكتب إليَّ أمير المؤمنين فيهم برَأي أنتهِ إليه، إن شاء اللَّه‏ (1).

قصّة الخِرّيت بن راشد و ما جرى فيها من المكاتبات:

قال ابن هلال الثَّقَفيّ، و روى مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن عثمان، عن أبي سيف، عن الحارث بن كَعْب الأزْدِيّ، عن عمِّه عبد اللَّه بن قعين الأزْدِيّ:

كان الخِرّيت بن راشد النَّاجي أحد بني ناجية قد شهد مع علي (عليه السلام) صفِّين، فجاء إلى علي (عليه السلام) بعد انقضاء صفِّين و بعد تحكيم الحَكَمين، في ثلاثين من أصحابه، يمشي بينهم حَتَّى‏ قام بين يديه، فقال: لا و اللَّه، لا أطيع أمرك، و لا أصلّي خلفك، و إنّي غداً لمفارق لك.

فقال له:

«ثكلتك أمّك؛ إذاً تنقض عهدك، وتعصي ربّك، ولا تضرّ إلَّانفسك، أخبرني لِمَ تفعل ذلك؟»

قال: لأنَّك حكمت في الكتاب، و ضعفت عن الحقّ، إذ جدّ الجدّ، و ركنت إلى القوم الَّذين ظلموا أنفسهم، فأنّا عليك رادّ و عليهم ناقم، و لكم جميعا مُباينٌ.

____________

(1). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 3 ص 130.

30

فقال له علي (عليه السلام):

«ويحك هلمّ إليَّ، أُدارسك وأناظرك في السُّنن، وأُفاتحك أُموراً من الحقّ، أنَّا أعلم بها منك، فلعلّك تعرف ما أنت الآن له منكر، وتبصر ما أنت الآن عنه عمٍ وبه جاهل».

فقال الخِرّيت: فإنّي غاد عليك غداً.

فقال علي (عليه السلام):

«اغد ولا يستهوينَّك الشَّيطان، ولا يتقحمن بك رأي السُّوء، ولا يستخفنَّك الجهلاء الَّذين لا يعلمون، فو اللَّه إن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منّي لأَهدينَّكَ سبيل الرَّشاد».

فخرج الخِرِّيت من عنده منصرفاً إلى أهله.

قال عبد اللَّه بن قعين: فعجلت في أثره مسرعاً، و كان لي من بني عمّه صديق، فأردت أن ألقى ابن عمّه في ذلك، فأُعلمه بما كان من قوله لأمير المؤمنين، و آمر ابن عمّه أن يشتدّ بلسانه عليه، و أن يأمره بطاعة أمير المؤمنين و مناصحته، و يخبره أن ذلك خير له في عاجل الدُّنيا و آجل الآخرة.

قال: فخرجت حَتَّى‏ انتهيت إلى منزله و قد سبقني فقمت عند باب دار، فيها رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فو اللَّه ما رجع و لا ندم على ما قال لأمير المؤمنين، و ما ردّ عليه، و لكنّه قال لهم: يا هؤلاء، إنّي قد رأيت أن أُفارق هذا الرَّجل، و قد فارقته على أن أرجع إليه من غد، و لا أرى المفارقة، فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حَتَّى‏ تأتيه، فإن أتاك بأمر تعرفه قبلت منه، و إن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه!

قال لهم: نِعْمَ ما رأيتم؛ قال: فاستأذنت عليهم فأذنوا لي، فأقبلت على ابن عمّه- و هو مدرك بن الرَّيان النَّاجي، و كان من كبراء العرب- فقلت له: إنَّ لك عليَّ حقّاً لإحسانك و ودّك، و حقّ المسلم على المسلم. إنَّ ابن عمَّك كان منه ما قد ذكر لك، فاخلُ به فاردد عليه رأيه، و عظِّم عليه ما أتى؛ و اعلم أنّي خائف إن فارق‏

31

أمير المؤمنين أن يقتلك و نفسه و عشيرته، فقال: جزاك اللَّه خيراً من أخ! إن أراد فراق أمير المؤمنين (عليه السلام) ففي ذلك هلاكه، و إن اختار مناصحته و الإقامة معه ففي ذلك حظُّه و رشده.

قال: فأردت الرُّجوع إلى علي (عليه السلام) لأُعلمه الَّذي كان؛ ثُمَّ اطمأننت إلى قول صاحبي، فرجعت إلى منزلي، فبتّ ثُمَّ أصبحت، فلمَّا ارتفع النَّهار أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام)، فجلست عنده ساعة، و أنا أريد أن أحدّثه بالَّذي كان على خلوة، فأطلت الجلوس، و لا يزداد النَّاس إلَّا كثرة، فدنوت منه، فجلست وراءه، فأصغى إليَّ برَأسه، فأخبرته بما سمعته من الخِرِّيت، و ما قلت لابن عمّه، و ما ردّ عليَّ، فقال (عليه السلام):

«دعه، فإن قبل الحقّ ورجع عرفنا له ذلك، وقبلناه منه»

، فقلت: يا أمير المؤمنين، فلم لا تأخذه الآن فتستوثق منه؟ فقال:

«إنّا لو فعلنا هذا بكل من يتّهم من النَّاس ملأنا، السُّجون منهم، ولا أراني يسعني الوثوب بالنَّاس، والحبس لهم، وعقوبتهم حَتَّى‏ يظهروا لي الخلاف»

. قال: فسكتّ عنه و تنحّيت، فجلست مع أصحابي هنيهة، فقال لي (عليه السلام):

«ادن منّي»

، فدنوت، فقال لي مُسِرّاً:

«اذهب إلى منزل الرَّجل فاعلم ما فعل؛ فإنَّه قلَّ يوم لم يكن يأتيني فيه قبل هذه السَّاعة»

فأتيت إلى منزله، فإذا ليس في منزله منهم ديّار، فدرت على أبواب دور أخرى، كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داع و لا مجيب. فأقبلت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال لي حين رآني:

«أ وطنوا فأقاموا، أم جبنوا فظعنوا؟»

قلت: لا بل ظعنوا، فقال:

«أبعدهم اللَّه كما بعدت ثمود! أما واللَّهِ لو قَدْ أُشرِعَتْ لَهُمُ الأَسنَّةُ، وصُبَّت علَى هامِهِمُ السُّيوفُ، لَقدْ نَدِموا؛ إنّ الشَّيطانَ قَد استهواهُم وأَضلَّهُم، وهو غَداً مُتبرّئٌ مِنهُم، ومُخَلٍّ عَنهُم»

؛ فقام إليه زياد بن خصفة، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّه لو لم يكن من مضرّة

32

هؤلاء إلّا فراقهم إيّانا لم يَعظُم فقدُهم علينا، فإنّهم قلّما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، و قلَّما ينقصون من عددنا بخروجهم منّا، و لكنّا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممّن يقدمون عليهم من أهل طاعتك، فائذن لي في اتّباعهم حَتَّى‏ أردّهم عليك إن شاء اللَّه.

فقال له (عليه السلام):

«فَاخْرُجْ فِي آثارِهِم راشِداً»

؛ فلمَّا ذهب ليخرج قال له:

«وهَلْ تَدرِي أيْنَ تَوجَّهَ القَوْمُ»

؟ قال: لا و اللَّه؛ و لكنّي أخرج فأسأل و أتبع الأثر، فقال:

«اخرُجْ رحِمَكَ اللَّهُ حَتَّى‏ تَنزِلَ دَيْرَ أبي مُوسى، ثُمَّ لا تَبْرحْهُ حَتَّى‏ يأتِيَكَ أمْرِي؛ فَإنَّهُم إنْ كانُوا خَرجُوا ظاهِرينَ بارِزينَ للناسِ في جَماعَةٍ؛ فَإنَّ عُمَّالي سَتْكتُبُ إليَّ بِذلِكَ، وإنْ كانُوا مُتَفرِّقِينَ مُسْتَخْفِين؛ فَذلِكَ أخفَى لَهُم، وسأَكْتُبُ إلى مَن حَوْلِي مِن عُمَّالي فِيهِم»

. فكتب نسخة واحدة و أخرجها إلى العمّال:

كتابه (عليه السلام) إلى قَرَظة

فكتب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام):

«أمّا بَعْدُ؛ فَقَدْ فَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ مِنْ أمْرِ العِصابَةِ الَّتي مَرَّت بِعَمَلِكَ، فَقَتلَتِ البَرَّ المُسلِمَ، وأَمِنَ عِندَهُم المُخالِفُ المُشرِكُ؛ وإنَّ أُولئِكَ قَوْمٌ استَهْواهُمُ الشَّيْطانُ فَضَلُّوا، كالَّذِين حَسِبُوا ألَّا تَكونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا، فأَسمِعْ بِهِم وأَبْصِرْ يَوْمَ تُخْبَرُ أعْمالُهُم! فَالزَمْ عَملكَ وأَقبِلْ علَى خَراجِكَ؛ فَإنَّكَ كَما ذَكرْتَ فِي طاعَتِكَ ونَصيحَتِكَ، والسَّلامُ».

[أقول: كان قَرَظَةُ بن كَعْب، كاتب عليٍّ (عليه السلام) على عين التَّمر، لجباية الخَراج، و كان قبلها عاملًا له (عليه السلام) على الكوفة، و سيأتي كتابه (عليه السلام) إليه بعد فتح البصرة، و كان قبلها عاملًا له على البِهقُباذَات.] قال:

فكتب عليّ (عليه السلام) إلى زياد بن خَصفة مع عبد اللَّه بن وائل التَّيميّ كتاباً نسخته:

33

«أمَّا بَعدُ؛ فَقَدْ كُنْتُ أمَرْتُكَ أنْ تنزِلَ دَيْرَ أبي مُوسى حَتَّى‏ يأتِيَكَ أَمرِي، وذلِكَ أنّي لَمْ أكُنْ عَلِمْتُ أيْنَ تَوَجَّهَ القَوْمُ، وَقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُم أخَذُوا نَحْوَ قَرْيَةٍ مِن قُرى‏ السَّوادِ، فاتَّبِعْ آثارَهُم، وسَلْ عَنْهُم؛ فَإنَّهم قد قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ أهْلِ السَّوادِ مُسْلِماً مُصَلِّياً، فَإذا أنْتَ لَحِقْتَ بِهِم فَاردُدْهُم إليَّ، فَإنْ أبَوا فَناجِزْهُم، واستَعِنْ باللَّهِ عَلَيْهِم؛ فَإنَّهُم قَدْ فارَقُوا الحَقَّ، وَسَفكُوا الدَّمَ الحَرامَ، وأَخافُوا السَّبِيلَ، والسَّلامُ».

قال عبد اللَّه بن وأل: فأخذت الكتاب منه (عليه السلام)- وأنا يومئذ شابّ- فمضيت به غير بعيد ثُمَّ رجعت إليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أمضي مع زياد بن خصفة إلى عدوّك، إذا دفعت إليه كتابك؟

فقال: «يابنَ أخِي، افعَلْ، فو اللَّهِ إنِّي لأَرجُو أنْ تَكونَ مِن أعوانِي علَى الحَقِّ وأنصاري علَى القوْمِ الظَّالِمينَ».

قال: فو اللَّه ما أُحِبُّ أنَّ لي بمقالته تلك حُمر النِّعَم، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أنا واللَّه كذلك من أُولئك؛ أنا واللَّه حيثُ تُحِبُّ.

(1)

ثُمَّ مضيت إلى زياد بكتاب عليٍّ (عليه السلام)- ثُمَّ ساق الحديث إلى أن قال: فدعونا أصحابنا، ودعا الخِرِّيتُ أصحابه، ثُمَّ اقتتلنا؛ فواللَّه ما رأيت قتالا مثله منذ خلقني اللَّه، لقد تطاعَنّا بالرِّماح حَتَّى‏ لم يبق في أيدينا رمح، ثُمَّ اضطربنا بالسيوف حتى انحنت، وعُقِرَت عامَّةُ خَيْلِنا وخَيْلِهم، وكثرت الجِراح فيما بيننا وبينهم ... ثُمَّ مضوا فذهبوا وأصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا؛ فواللَّه، ما كرهنا ذلك؛ فمضينا حَتَّى‏ أتينا البصرة، وبلغنا أنَّهم أتوا الأهواز، فنزلوا في جانب منها، وتلاحق بهم ناس‏

____________

(1) وفي انساب الأشراف: فكتب عليّ (عليه السلام) إلى أبي موسى، ثُمَّ نقل ما يقرب هذا الكتاب، ثُمَّ قال: ويقال: انَّ عليَّاً لم يكتب إلى أبي موسى في هذا بشي‏ء. (أنساب الأشرا ف: ج 3 ص 178). أقول: هذا باطل قطعا، لأنّ عليَّا (عليه السلام) عزل أبا موسى قبل حرب الجمل، وهو معلوم.

34

من أصحابهم نحو مئتين كانوا معهم بالكوفة، لم يكن لهم من القوَّة ما ينهضون به معهم حين نهضوا؛ فاتَّبعوهم من بعد لحوقهم بالأهواز، فأقاموا معهم.

قال: وكتب زياد بن خَصفة إلى عليّ (عليه السلام) (الخبر).

فلمّا أتاه الكتاب قرأه على النَّاس، فقام إليه مَعْقِل بن قَيْس الرِّياحي، فقال:

أصلحك اللَّه يا أمير المؤمنين إنَّما كان ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء الَّذِين بعثتهم في طلبهم عشرة من المسلمين، فإذا لحقوهم استأصلوا شأفتهم‏

(1)

، وقطعوا دابرهم، فأمّا أن تلقاهم بأعدادهم؛ فلعمري ليصبرنَّ لهم، فإنَّهم قوم عرب، والعُدَّة تصبر للعدَّة، فيقاتلون كلَّ القتال.

قال: فقال (عليه السلام) له: «تَجَهَّز يا مَعْقِل إليْهمِ»، ونَدَب معه ألفين من أهل الكوفة، فيهم يزيد بن مَعْقِل.

وكتب إلى عبد اللَّه بن العبَّاس بالبصرة:

«أمَّا بعدُ؛ فابعث رجلًا من قِبَلِكَ صلِيباً شُجاعاً، مَعرُوفاً بالصَّلاحِ، في ألفي رَجُلٍ مِنْ أهْلِ البَصرَةِ، فَلْيَتْبَع مَعْقِلَ بن قَيْسٍ؛ فَإذا خَرَج من أرض البَصْرَةِ، فَهُو أميرُ أصحابِهِ حَتَّى‏ يَلْقَى مَعْقِلًا؛ فإذا لَقِيَهُ فَمَعْقِلٌ أميرُ الفَرِيقَينِ، فَلْيَسْمَعْ مِنْهُ ولْيُطِعْهُ ولا يُخالِفْهُ؛ ومُرْ زِيادَبنَ خَصَفَةَ فَلْيُقْبِلْ إِليْنا، فَنِعْمَ المَرءُ زِيادٌ؛ ونِعْمَ القَبِيلُ قَبيلُهُ! والسَّلامُ».

[أقول: فجهَّز ابن عبَّاس جيشا، توجَّه إلى مَعْقِل خالد بن معدان الطَّائيّ في ألفي رجل، و كتب إليه ما يأتي‏] قال:

و كتب (عليه السلام) إلى زياد بن خصفة:

____________

(1) الشَّأفة في الأصل: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب؛ و إذا قطعت مات صاحبها؛ و قولهم: استأصل اللَّه شأفته؛ أي أذهبه كما تذهب القرحة، و معناه أزاله من أصله.

35

«أمَّا بعدُ؛ فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به النَّاجيّ وأصحابه، «الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى‏ قُلُوبِهِمْ»

(1)

، «وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ»

(2)

؛ فهم حَيَارى عَمُون، «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»

(3)

؛ ووصفْت ما بلغ بك وبهم الأمر؛ فأمّا أنت وأصحابك فللَّه سعيكم وعليه جزاؤكم! وأيسر ثواب اللَّه للمؤمن خير له من الدُّنيا الَّتي يُقْبل الجاهلون بأنفسهم عليها، ف «مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَ مَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»

(4)

، وأمّا عدوَّكم الَّذِين لَقِيتُم فحسبهم خروجهم من الهدى، وارتكاسُهم في الضَلالة، وردُّهم الحقَّ، وجماحهم في التِيه، فذرهم وما يفترون، ودعهم في طغيانهم يعمهون، فأسمِع بهم وأبصر؛ فكأنَّك بهم عن قليل بين أسير وقتيل، فأقبِل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء، والسَّلام».

قال: ونزل النَّاجيّ جانبا من الأهواز، واجتمع إليه علوج كثير من أهلها؛ ممّن أراد كسر الخَراج ومن اللُّصوص، وطائفة أخرى من الأعراب ترى رأيه.

قال: إبراهيم بن هلال: فحدثنا مُحَمَّد بن عبد اللَّه، قال: حدَّثني ابن أبي سيف، عن الحارث بن كَعْب، عن عبد اللَّه بن قُعَين، قال: كنت أنا وأخي كَعْب بن قُعَين في ذلك الجيش مع مَعْقِل بن قَيْس، فلمَّا أراد الخروج أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) يودّعه، فقال:

«يا مَعْقِل بن قَيْس اتّق اللَّه ما استطعت؛ فإنَّه وصية اللَّه للمؤمنين؛ لا تبغ على‏

____________

(1) النحل: 108.

(2) النمل: 24.

(3) الكهف: 104.

(4) النحل: 96.

36

أهل القبلة، ولا تَظلِم أهل الذِّمة ولا تتكبّر؛ فإن اللَّه لا يحبُّ المتكبّرين».

فقال: معقل اللَّه المستعان، فقال: «خير مستعان».

ثُمَّ قام فخرج، و خرجنا معه؛ حَتَّى‏ نزل الأهواز، فأقمنا ننتظر بعْث البصرة، فأبطأ علينا، فقام مَعْقِل فقال: أيُّها النَّاس؛ إنَّا قد انتظرنا أهل البصرة، و قد أبطئوا علينا، و ليس بنا بحمد اللَّه قِلّة و لا وحشة إلى النَّاس؛ فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذَّليل؛ فإنّي أرجو أن ينصرَكم اللَّه و يهلكهم.

فقام إليه أخي كَعْب بن قُعَين فقال: أصبت إن شاء اللَّه رأينا رأيك، و إنّي لأرجو أن ينصرنا اللَّه عليهم؛ و إن كانت الأخرى؛ فإنَّ في الموت على الحقّ لتعزيةً عن الدُّنيا. فقال: سيروا على بركة اللَّه. فسرنا، فو اللَّه ما زال مَعْقِل بن قَيْس لي و لأخي مكرِما وادّاً، ما يعدِل بنا أحدا من الجند، و لا يزال يقول لأخي: كيف قلت: إن في الموت على الحقّ لتعزية عن الدُّنيا! صدقت و اللَّه و أحسنت، و وفقت وفقك اللَّه! قال: فو اللَّه ما سِرنا يوما؛ و إذا بفيْج يشتدّ بصحيفة في يده.

من عبد اللَّه بن عبَّاس إلى مَعْقِل بن قَيْس:

أمَّا بعدُ؛ فإن أدركك رسولي بالمكان الَّذي كنت مقيما به، أو أدركك و قد شَخَصْت منه؛ فلا تبرحَنّ من المكان الَّذي ينتهي إليك رسولي و أنت فيه، حَتَّى‏ يقدَم عليك بعثنا الَّذي وجَّهناه إليك، فقد وجَّهت إليك خالد بن معدان الطَّائيّ، و هو من أهل الدين و الصَّلاح و النَّجدة، فاسمع منه و أعرِف ذلك له إن شاء اللَّه، و السَّلام.

قال: فقرأه مَعْقِل بن قَيْس على أصحابه. فسرُّوا به، و حمِدوا اللَّه، و قد كان ذلك الوجه هَالَهم. و أقمنا حَتَّى‏ قدِم علينا خالد بن معدان الطَّائيّ، و جاءنا حَتَّى‏ دخل‏

37

على صاحبنا، فسلّم عليه بالإمْرة، و اجتمعنا جميعا في عسكر واحد، ثُمَّ خرجنا إلى النَّاجيّ و أصحابه، فأخذوا يرتفعون نحو جِبال رامهُرْمُز، يريدون قلعة حَصِينة، و جاءنا أهل البلد. فأخبرونا بذلك، فخرجنا في آثارهم فلحقناهم ...

قال: و سار فينا مَعْقِل يحرّضنا، و يقول: يا عباد اللَّه، لا تبدء وا القوم، و غُضُّوا الأبصار، و أقلّوا الكلام، و وطنوا أنفسكم على الطَّعن و الضَّرب، و أبشروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنَّما تقاتلون مارقةً مرَقتْ و علُوجا منعوا الخَراج، و لصوصا و أكراداً فما تنتظرون! فإذا حملت فشدّوا شدّة رجل واحد.

قال: فمرَّ في الصَّفّ يكلّمهم، يقول هذه المقالة، حَتَّى‏ إذا مرَّ بالنَّاس كلّهم أقبل فوقف وسط الصَّفّ في القلب، و نظرنا إليه ما يصنع، فحرّك رأسَه تحريكتين، ثُمَّ حمَل في الثَّالثة؛ و حَمَلنا معه جميعا، فو اللَّه ما صبروا لنا ساعة حَتَّى‏ ولّوا و انهزموا، و قتلنا سبعين عربيّا من بني ناجية، و من بعض من اتّبعه من العرب، و نحو ثلاثمائة من العُلوج و الأكراد.

قال: كَعْب و نظرت، فإذا صديقي مدرك بن الرّيان قتيلا، و خرج الخِرّيت منهزما، حَتَّى لحق بسيف من أسياف البحر؛ و بها جَماعة من قومه كثير، فما زال يسير فيهم و يدعوهم إلى خلاف عليّ (عليه السلام)، و يزيّن لهم فِراقه، و يخبرهم أن الهدى في حربه و مخالفته، حَتَّى‏ اتّبعه منهم ناس كثير.

و أقام مَعْقِل بن قَيْس بأرض الأهواز، و كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالفتح، و كنت أنا الَّذي قدِم بالكتاب عليه، و كان في الكتاب:

لعبد اللَّه عليّ أمير المؤمنين، من مَعْقِل بن قَيْس سلام. عليك فإنّي أَحمَد إليك اللَّه الَّذي لا إله إلَّا هو. أمَّا بعدُ؛ فإنَّا لقِينا المارقين؛ و قد استظهروا علينا بالمشركين؛ فقتلنا منهم ناساً كثيراً و لم نَعْد فيهم سيرتك فلم نقتل منهم مُدبِرا و لا أسيراً؛ و لم‏

38

نُذَفِّف منهم على جريح، و قد نصرك اللَّه و المسلمين، و الحمد للَّه ربّ العالمين.

قال: فلمَّا قدمت بالكتاب على عليّ (عليه السلام)، قرأه على أصحابه و استشارهم في الرَّأي، فاجتمع رأي عامّتهم على قول واحد. قالوا: نرى أن تكتب إلى مَعْقِل بن قَيْس؛ يتبع آثارهم، و لا يزال في طلبهم حَتَّى‏ يقتلَهم أو ينفيَهم من أرض الإسلام؛ فإنّا لا نأمن أن يفسدوا عليك النَّاس.

قال: فردّني إليه، و كتب معي:

كتابه (عليه السلام) إلى مَعْقِل بن قَيْس‏

«أمَّا بعدُ؛ فالحمد للَّه على تأييده أولياءه، وخَذْله أعداءه، جزاك اللَّه والمسلمين خيرا؛ فقد أحسنتم البلاء، وقضيْتم ما عليكم، فاسأل عن أخي بني ناجية، فإن بلَغَك أنَّه استقرّ في بلد من البلدان، فسِرْ إليه حَتَّى‏ تقتله أو تنفيَه، فإنَّه لم يزل للمسلمين عدوَّا، وللفاسقين وليَّا، والسَّلام».

قال: فسأل مَعْقِل عن مسيره و المكان الَّذي انتهى إليه، فنُبِّئ بمكانه بسيف البحر بفارس، و أنَّه قد ردّ قومه عن طاعة عليّ (عليه السلام)، و أفسد من قبله من عبد القَيس، و مَن والاهم من سائر العرب، و كان قومه قد منعوا الصَّدقة عام صفِّين، و منعوها في ذلك العام أيضاً، فسار إليهم مَعْقِل بن قَيْس في ذلك الجيش من أهل الكوفة و البصرة، فأخذوا على أرض فارس، حَتَّى‏ انتهوْا إلى أسياف البحر؛ فلمَّا سمع الخِرّيت بن راشد بمسيره، أقبل على من كان معه من أصحابه- ممَّن يرى رأي الخوارج- فأسرَّ إليهم: إنِّي أرى رأيكم، و إنَّ عليّا ما كان ينبغي له أن يحكِّم في دين اللَّه. و قال: لمن منع الصَّدقة: شُدُّوا أيديكم على صدقاتكم. قال: فلمَّا رجع مَعْقِل، قرأ على أصحابه كتاباً من عليّ (عليه السلام) فيه:

39

كتابه (عليه السلام) إلى المارقين‏

«من عَبدِ اللَّهِ عليٍّ أميرِالمُؤمِنينَ إلى مَن قُرِئ عَليهِ كتابي هذا؛ مِنَ المُسلِمينَ والمُؤمِنينَ والمارِقينَ والنَّصارى والمُرتدِّينَ. سلامٌ علَى مَنِ اتَّبعَ الهُدى، وآمَنَ باللَّهِ ورَسُولِهِ وكتابِهِ، والبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ وافياً بِعَهْدِ اللَّهِ؛ ولَم يَكُنْ مِنَ الخائِنينَ.

أمَّا بَعْدُ؛ فإنِّي أدعوكُم إلى كتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ؛ وأَن أعمَلَ فِيكُم بالحَقِّ وبِما أمَرَ اللَّهُ تعالى فِي كتابِهِ، فَمَنْ رجَعَ مِنكُمْ إلى رَحْلِهِ وكَفَّ يَدَهُ، واعتَزَلَ هذا المارِقَ الهالِكَ المُحارِبَ؛ الَّذي حارَبَ اللَّهَ ورَسولَهُ والمُسلِمينَ، وسعَى في الأرضِ فَساداً، فَلَهُ الأَمانُ على مالِهِ وَدمِهِ. ومَنْ تابَعَهُ علَى حَرْبِنا والخُروجِ مِنْ طاعَتِنا، استَعَنَّا باللَّهِ عَليْهِ، وجَعلْناهُ بَيْننا وَبيْنَهُ، وكفَى باللَّهِ ولِيّاً، والسَّلامُ».

قال: فأَخرج مَعْقِل رايةَ أمان فنصبها، و قال: مَن أتاها من النَّاس فهو آمن، إلّا الخِرّيت و أصحابه الَّذِين نابذوا أوّل مرّة، فتفرَّق عن الخِرّيت كل من كان معه من غير قومه ... [ثُمَّ وقعت حرب شديدة، قتل فيها النَّاجي‏] قتله النُّعْمَان بن صهبان الرَّاسبيّ و قتل معه في المعركة سبعون و مائة، و ذهب الباقون في الأرض يميناً و شمالًا ...

و كتب مَعْقِل إلى عليّ (عليه السلام):

أمَّا بعدُ؛ فإنّي أخبر أمير المؤمنين عن جُنْده، و عن عدوّه، أنَّا دفعنا إلى عدوّنا بأسْياف البحر، فوجدنا بها قبائل ذات حَدّ و عدد؛ و قد جمعوا لنا، فدعوناهم إلى الجماعة و الطَّاعة، و إلى حكم الكتاب و السُّنَّة؛ و قرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، و رفعنا لهم راية أمان؛ فمالت إلينا طائفة منهم، و ثبتت طائفة أُخرى، فقبِلْنا أمر الَّتي أقبلت، و صمَدنْا إلى الَّتي أدبرتْ، فضرب اللَّه وجوههم،

40

و نصَرَنا عليهم؛ فأمّا من كان مسلماً؛ فإنَّا مننَّا عليه، و أخذنا بيعته لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و أخذنا منهم الصَّدقة الَّتي كانت عليهم؛ و أمَّا مَن ارتدَّ فعرضْنا عليهم الرُّجوع إلى الإسلام؛ و إلَّا قتلناهم؛ فرجعوا إلى الإسلام؛ غيرَ رجل واحد فقتلناه؛ و أمَّا النَّصارى؛ فإنَّا سبيْناهم و أقبلنا بهم؛ ليكونوا نَكالا لمن بعدهم من أهل الذِّمة، كي لا يمنعوا الجزية، و لا يجترئوا على قتال أهل القبلة؛ و هم للصّغار و الذّلّة أهل. رحمك اللَّه يا أمير المؤمنين، و عليك الصَّلاة و السَّلام، و أوجب لك جنَّات النَّعيم، و السَّلام.

قال: ثُمَّ أقبل بالأُسارى، حَتَّى‏ مرّ على مَصْقلة بن هُبيرة الشَّيْبانيّ، و هو عامل لعليّ (عليه السلام) على أردشيرخُرَّة (1)، و هم خمسمائة إنسان، فبكى إليه النِّساء و الصِّبيان، و تصايح الرِّجال: يا أبا الفضل، يا حامل الثِّقَل، يا مؤوي الضَّعيف، و فكَّاك العصاة، امنن علينا فاشترنا و أعتقْنا ... [فاشتراه مصقلة على خمسمائة ألف درهم، على أن يصدر المال أوَّلًا و ثانياً؛ فرجع مَعْقِل إلى عليّ (عليه السلام)، و أخبره الخبر].

فقال (عليه السلام) له:

«أحسَنْتَ وأصَبْتَ وَوُفِّقْتَ»

. و انتظر عليّ (عليه السلام) مصقلة أن يبعث بالمال، فأبطأ به. و بلغ عليّا (عليه السلام) أنَّ مصقلة خلَّى الأُسارى، و لم يسألهم أن يعينوه في فَكاك أنفسهم بشي‏ء.

فقال (عليه السلام):

«ما أرى مَصْقَلَةَ إلَّاقَدْ حَمَل حَمالَةً، ولا أراكُم إلَّاسَترَوْنَهُ عَنْ قَرِيبٍ مُبَلْدَحاً»

(2)

، ثُمَّ كتب إليه:

«أمَّا بَعْدُ؛ فَإنَّ من أعظَمِ الخِيانَةِ، خِيانَةُ الأُمّةِ ...».

(3)

____________

(1) أرْدَشِيْرخُرَّه، بالفتح ثُمَّ السُّكون و فتح الدال المهملة، و كسر الشِّين المعمجة، و ياء ساكنة وراء، و خاء معجمة مضمومة، وراء مفتوحة مشدّدة و هاء: من كور فارس (مراصد الاطلاع).

(2) المبلدح: الملقى على الأرض من الضرب.

(3). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 3 ص 128- 145؛ الغارات: ج 1 ص 332- 364، بحار الأنوار:

ج 33 ص 405- 419 كلاهما نحوه و راجع: تاريخ الطبري: ج 3 ص 137- 146، تاريخ مدينة دمشق: ج 58 ص 271- 273، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 417- 423، الفتوح: ج 4 ص 242- 244، أنساب الأشراف:

ج 3 ص 177- 184.

41

أقول: زياد بن خصفة، هو التيميّ البَكريّ، من المخلصين في ولاء عليّ (عليه السلام)، و ابنه المجتبى السِّبط الأكبر، بعثه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية لإتمام الحجَّة، و الدَّعوة إلى الحقّ. (1)

و هو قاتل عبيد اللَّه بن عمر في صفِّين، كما صرَّح به ابن سعد. (2)

كفى في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) إيّاه في كتابه إليه:

«أنْتَ وأصحابُكَ مأجورون، فقد أطَعْتُم وسَمِعْتُم وأحسَنْتُم البَلاءَ».

و في كتابه (عليه السلام) إلى ابن عبَّاس:

«فَنِعْمَ المرءُ زِيادٌ، ونِعْمَ القَبِيلُ قَبِيلُهُ».

و عدَّه الطَّبري: من الرُّؤساء الَّذِين كان يخرجهم أمير المؤمنين (عليه السلام) للحرب في صفِّين، كل يوم جنداً مع رئيس. (3) و عدَّه الطَّبري: من الَّذِين أرسلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية للاحتجاج، قال زياد في جواب معاوية:- حيث قال معاوية لزياد: فإن قطع أرحامنا، و قتل إمامنا، و آوى قتلة صاحبنا، و إنِّي أسألك النُّصرة بأُسرتك و عشيرتك و لك عليّ عهد اللَّه و ميثاقه إذا ظهرت أن أُوليك أيَّ المصرين أحببت- فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال: أمَّا بعدُ؛ فإنِّي على بيِّنة من ربِّي، و بما أنعم عليَّ، فلن أكون ظهيراً للمجرمين. (4)

____________

(1) راجع: تاريخ الطبري: ج 5 ص 5؛ قاموس الرجال: ج 4 ص 499.

(2) راجع: الطبقات الكبرى‏: ج 5 ص 18.

(3). تاريخ الطبري: ج 5 ص 10- 11، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 366.

(4) راجع: تاريخ الطبري: ج 5 ص 7، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 368، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 4 ص 2- 22؛ وقعة صفّين: ص 197- 199، بحار الأنوار: ج 32 ص 454- 455.

42

و عدَّه الطَّبريّ من الرُّؤساء الَّذِين أجابوا أمير المؤمنين (عليه السلام) للخروج إلى حرب معاوية بعد قصّة الحكمين، و كتبوا أسماء مقاتلة قومهم، و بعثه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المَدائِن، لإشخاصهم إلى الحرب. (1)

و لمّا خان خالد بن المعمَّر السُّدوسي، أو اتَّهم بذلك، قال: زياد بن خصفة لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، استوثق من ابن المعمَّر بالأيمان لا يغدر. (2)

فقال أبو الصَّلت التَّيميّ:- لمّا فرَّ يزيد بن حجية إلى معاوية- كان دعاؤه (عليه السلام):

«اللَّهمَّ إنَّ يزيدَبنَ حُجَيَّةَ هَرَبَ بمالِ المُسلِمينَ، ولَحِقَ بالقَوْمِ الفاسِقينَ، فاكفِنا مَكْرَهُ، وكَيْدَهُ، واجزِهِ جَزاءَ الظَّالِمينَ»

. قال: و رفع القوم أيديهم يؤمنون، و كان في المسجد عفاق بن شرحبيل بن أبي رهم التَّيميّ شيخاً كبيراً، و كان يعدّ ممَّن شهد على حُجْر بن عَدِيّ، حَتَّى‏ قتله معاوية، فقال عفاق: على من يدعو القوم؟ قالوا على يزيد بن حُجَيَّة، فقال: تربت أيديكم أَ على أشرافنا تدعون، فقاموا إليه فضربوه حَتَّى‏ كاد يهلك، و قام زياد بن خصفة، و كان من شيعة عليّ (عليه السلام) ... يذكر ضرب النَّاس عفاقا:

دَعَوْتُ عِفَاقاً لِلهُدى فاستَغَشَّنِي‏ * * * وَ وَلَّى فَرِيّاً قَولُهُ و هُوَ مُغْضَبُ‏

وَ لوْ لا دِفاعِي عَنْ عِفاق و مَشْهَدِي‏ * * * هَوَتْ بِعفاقٍ عَوضُ عَنْقاءَ مُغْرِبُ‏

أُنَبِّئهُ أَنَّ الهُدى في اتِّباعِنا * * * فَيَأْبى و يُضْرِيهِ المِرَاءُ فَيَشْغَبُ‏

فَإِنْ لا يُشايِعْنا عِفَاقُ فَإِنَّنا * * * علَى الحقِّ ما غَنَّى الحَمَامُ المُطَرِّبُ‏

سَيُغنِي الإلهُ عَنْ عِفَاقٍ و سَعْيِهِ‏ * * * إذا بُعِثَتْ للناسِ جَأْوَاءُ تُحْرَبُ‏

____________

(1) راجع: تاريخ الطبري: ج 5 ص 79، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 402؛ قاموس الرجال: ج 4 ص 500.

(2) راجع: وقعة صفِّين: ص 288؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 5 ص 226.

43

قَبائِلُ مِنْ حَيَّيْ مَعَدٍّ و مِثْلُها * * * يَمانِيَةٌ لا تَنْثَنِي حِينَ تُنْدَبُ‏

لَهُم عَدَدٌ مِثلُ التُّرابِ و طَاعَةٌ * * * تُوَدُّ و بَأْسٌ فِي الوَغى لا يُؤَنَّبُ‏ (1)

فقال زياد بن خصفة- بعد غارة بُسْر بن أرطاة و خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام)-: نحن شِيعَتُكَ يا أميرَ المؤمنين، الَّتي لا نعصيك و لا نخالفك، فقال:

«أَجَلْ أَنتُم كَذلِكَ، فَتَجهَّزُوا إلى غَزوِ الشَّامِ»

. (2)

[و هو من الَّذِين قاموا إلى الحسن (عليه السلام)، و أظهروا له الإخلاص و الوفاء و النَّصيحة،] فقال لهم:

«صَدَقْتُم رَحِمَكُم اللَّهُ! ما زِلْتُ أَعرِفُكُم بِصِدْقِ النِّيَّةِ والوَفاءِ والقَبُولِ والمَودَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَجزاكُمُ اللَّهُ خَيْراً»

. (3)

مَعْقِل بن قَيْس الرِّياحي‏

من تميم، كان من رجال أمير المؤمنين (عليه السلام) و شيعته المخلصين، و أوليائه المتفانين فيه، و أعوانه على إقامة الدِّين، و قمع الظَّالمين. (4)

قال ابنُ أبي الحديد: مَعْقِل بن قَيْس، كان من رجال الكوفة و أبطالها، و له رئاسة و قدم، أوفده عَمَّار بن ياسِر إلى عمر بن الخَطَّاب مع الهرمزان لفتح تستر، و كان من شيعة عليّ (عليه السلام)، وجَّهه إلى بني ساقة، فقتل منهم و سبى، و حارب المستورد بن علفة الخارجي من تَميم الرَّباب، فقتل كل واحد منهما صاحبه بدجلة. (5)

____________

(1). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 4 ص 85 و راجع: تاريخ مدينة دمشق: ج 65 ص 149؛ الغارات: ج 2 ص 528 و 530 و 637.

(2). الغارات: ج 2 ص 637.

(3). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 39، مقاتل الطالبيين: ص 70؛ بحار الأنوار: ج 44 ص 50.

(4). رجال الطوسي: ص 47، الغارات: ج 2 ص 782.

(5). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 15 ص 92 و راجع: تاريخ مدينة دمشق: ج 59 ص 367، الإصابة: ج 6 ص 241 الرقم 8470، الكامل للمبرّد: ج 3 ص 1163.

44

قال ابن حَجَر: و ذكره يعقوب بن سُفْيَان في أُمراء عليٍّ يوم الجمل، و قال الهَيْثم بن عديّ: كان صاحب شرطة عليّ. (1)

قال المفيد (رحمه الله): إنَّ معقلًا كان على رجّالة بني تميم، في جند أمير المؤمنين (عليه السلام)، في حرب الجمل. (2)

[كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتهيأ لحرب صفِّين، دخل عليه جمع فيهم حَنْظَلَة بن الرَّبيع التَّميميّ، و عبد اللَّه بن المعتم، فأشاروا بالتَّأخير في الحرب، و المكاتبة مع معاوية؛] فقام إليه مَعْقِل بن قَيْس اليَرْبُوعيّ ثُمَّ الرِّياحيّ فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ هؤلاء و اللَّه ما أتوك بنصح، و لا دخلوا عليك إلَّا بغشّ، فاحذرهم فإنَّهم أدنى العدوّ. (3)

[لمّا عزم أمير المؤمنين (عليه السلام) على الخروج إلى صفِّين، جاءه ابن عبَّاس من البصرة، و معه رءوس الأخماس، و أُمراء الأسباع من أهل الكوفة منهم،] مَعْقِل بن قَيْس اليَرْبُوعيّ على تميم و ضَبَّة و الرَّباب و قريش و كِنانَة و أسَد. (4)

[و لمّا أراد أن يرحل من النُّخيلة خطب النَّاس و استنفرهم،] فقام إليه مَعْقِل بن قَيْس الرِّياحيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، و اللَّه لا يتخلَّف عنك إلَّا ظنين، و لا يتربّص بك إلَّا منافق، فأمر مالك بن حبيب أن يضرب أعناق المتخلفين. (5)

[بعثه أمير المؤمنين (عليه السلام)‏] من المَدائِن في ثلاثة آلاف رجل، و قال له:

____________

(1). الإصابة: ج 6 ص 241 الرقم 8470.

(2). الجمل: ص 321.

(3). وقعة صفّين: ص 96؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 3 ص 175.

(4). وقعة صفّين: ص 117؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 3 ص 193.

(5). وقعة صفّين: ص 13 بحار الأنوار: ج 32 ص 422؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 3 ص 202.

45

«خُذْ علَى المَوْصِلِ، ثُمَّ نَصِيبينَ، ثُمَّ القَنِي بالرَّقَةِ، فَإنّي مُوافِيها، وسكِّنِ النَّاسَ وأمِّنْهُم، ولا تُقاتِلْ إلَّامَنْ قاتَلَكَ، وسِرْ البَرْدَيْنِ، وغَوِّر بالنَّاسِ، وأَقِمِ اللَّيلَ، ورَفّهْ في السَّيْرِ، ولا تَسِرْ في اللَّيلِ، فَإنَّ اللَّه جَعلَهُ سَكنا، أرِحْ فِيهِ بَدنَكَ وجُنْدَكَ وظَهْرَكَ، فإذا كانَ السَّحَرُ أو حِينَ ينبَطِحُ الفَجْرُ فَسِرْ»

. (1)

كان مَعْقِل من الرُّؤساء الَّذِين يأمرهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقتال في صفِّين كل يوم واحداً منهم. (2)

كان مَعْقِل بن قَيْس الرِّياحي من الرُّؤساء المخلصين، الَّذِين قاموا إلى أبي الحسن بن عليّ (عليهما السلام) و كلّموه و أظهروا له الإخلاص، بمثل كلام عَدِيّ بن حاتم في الإجابة و القبول، فقال لهم الحسن (عليه السلام):

«صَدقْتُم رَحِمَكُم اللَّهُ، ما زِلْتُ أَعرِفُكُم بِصدْقِ النِّيَّةِ والوفاءِ والقَبولِ والمَوَدَّةِ الصَّحيحَةِ، فَجَزاكُمُ اللَّهُ خَيْراً»

. [كلامُ عَدِيّ (رحمه الله)‏] ... ثُمَّ استقبل الحسنَ بوجهه فقال: أصاب اللَّه بك المراشد، و جنَّبك المكاره، و وفَّقك لما يُحمَدُ وِردُهُ و صَدرُهُ، قد سَمِعْنا مقالتك، و انتهينا إلى أمرك و سمعنا لك، و أطعناك فيما قلت و ما رأيت. (3)

[لمّا أغار سُفْيَان بن عَوْف الغامدي على الأنبار ... خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) النَّاس و حرّضهم و أنّبهم ...] فلمَّا دخل منزله و دخل عليه وجوه أصحابه، قال لهم:

«أشيروا عَليَّ بِرَجُلٍ صلِيبٍ ناصِحٍ يَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ السَّوادِ»

، فقال له سعيد بن قيس: يا أمير المؤمنين، أُشير عليك بالنَّاصح الأريب، الشُّجاع‏

____________

(1). وقعة صفّين: ص 148؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 3 ص 208، ربيع الأبرار: ج 2 ص 394.

(2). وقعة صفّين: ص 195، بحار الأنوار: ج 32 ص 428.

(3). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 39، مقاتل الطالبيين: ص 70؛ بحار الأنوار: ج 44 ص 50.

46

الصَّليب، مَعْقِل بن قَيْس التَّميميّ، قال: نعم، ثُمَّ دعاه فَوَجَّهَهُ، فَسارَ فَلَمْ يَقدِمْ حَتَّى‏ أُصيبَ أميرُ المُؤمِنينَ (عليه السلام). (1)

لمّا ندب أمير المؤمنين (عليه السلام) للخروج إلى الشَّام ثانياً، بعد الحكمين، و أمر كل رئيس أن يكتب: ما عشيرته و مواليهم و يرفعه إليه. أجابه جمع، منهم مَعْقِل بن قَيْس الرِّياحيّ. (2) و كان مَعْقِل في حرب الخوارج: على ميسرة أمير المؤمنين (عليه السلام). (3)

عند ما أغار يزيد بن شجرة على مكّة و المدينة، هَبَّ مَعْقِل إلى مواجهته، فأسَر عدداً من أصحابه، و لاذ الباقون بالفرار (4).

لمّا عزم الإمام (عليه السلام) على معاودة قتال معاوية بعد إخماد فتنة النَّهروان، و استبان الاستعداد النِّسبي الَّذي أبداه أهل الكوفة للقتال، ذهب مَعْقِل إلى أطراف الكوفة لجمع المقاتلين، لكنّه تلقّى- و هو في مهمّته- الخبر المُفجِعَ لاستشهاد الإمام عليٍّ (عليه السلام)(5).

أقول: و الَّذي تحصَّل ممَّا سردنا، أنَّه كان من رجال الحرب، و فرسان الطِّعان من زمن عمر، و حضر الحروب في عصره، ثُمَّ صار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كان من رجاله المعروفين و الشجعان المشهورين، و كان ناصحاً أريباً، و شجاعاً صليباً، و ظهر منه في تلكم الحروب ما يحكي عن بسالته و عقله و تدبيره، حَتَّى‏

____________

(1). شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 2 ص 90؛ الغارات: ج 2 ص 482.

(2) راجع: تاريخ الطبري: ج 5 ص 79، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 402.

(3) راجع: تاريخ الطبري: ج 5 ص 85.

(4). الغارات: ج 2 ص 511.

(5). الغارات: ج 2 ص 638؛ الأخبار الطوال: ص 213.

47

وقع عند أمير المؤمنين (عليه السلام) موقع الرِّضا و القبول. و الَّذي أتعجَّبُ منه، هو مقاتلته مع المستورد تحت راية معاوية، و هو هو، و الرَّاية رايته، و الحكومة حكومته الغاشمة الظَّالمة، بل الكافرة.

و الَّذي يحتمل، هو أن يكون مجبوراً لا خيار له، أو حاربهم من أجل أنَّهم يبغضون عليّا (عليه السلام) و يُكَفِّرونهُ.

قال الطَّبري: فلمّا أراد الخروج (لحرب خِرّيت) أقبل إلى عليّ (عليه السلام) فودّعه (عليه السلام) فقال:

«يا مَعْقِل، اتَّقِ اللَّه ما استَطَعْتَ، فإنَّها وصيَّةُ اللَّهِ للمُؤمِنينَ، لا تَبْغِ علَى أهْلِ القِبلَةِ، ولا تَظْلِم أهلَ الذِّمَّةِ، ولا تتكبَّر، فإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُتكبِّرينَ»

. (1)

في سنة 43 ه خرج المُسْتَورد- أحد أقطاب الخوارج- في أيّام حكومة معاوية الغاصبة (2)، و هو يريد الشِّيعة، فنهض مَعْقِل إلى قتاله. و استشهد بعد أن دَحَر جيشه و قتَله في مبارزة بينهما (3). وصفه سعيد بن قَيْس بأنّه: ناصح أريب، صليب شجاع‏ (4).

يَزيدُ بنُ حُجَيَّة

من أصحاب الإمام (عليه السلام)(5)، و شهد معه حروبه‏ (6). و جعله الإمام (عليه السلام) أحد الشُّهود

____________

(1). تاريخ الطبري: ج 5 ص 122.

(2). أنساب الأشراف: ج 5 ص 175.

(3). أنساب الأشراف: ج 5 ص 176 و 177، تاريخ الطبري: ج 5 ص 206، الكامل للمبرّد: ج 3 ص 1163، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 465، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 15 ص 92.

(4). الأمالي للطوسي: ص 174 ح 293، الغارات: ج 2 ص 638.

(5). تاريخ مدينة دمشق: ج 65 ص 147.

(6). الكامل في التاريخ: ج 2 ص 367، الأخبار الموفّقيّات: ج 575 ص 374.

48

في التَّحكيم‏ (1). استعمله الإمام (عليه السلام) على الرَّيّ‏ (2) و دَسْتَبَى‏ (3). لكنّه انتهج الخيانة، إذ نقل ابن الأثير أنّه استحوذ على ثلاثين ألف درهم من بيت المال؛ و طالبه الإمام بالنقص الحاصل في بيت المال، فأنكر ذلك، فجلده‏ (4) و سجنه، ففرّ من السِّجن و الْتَحَقَ بمعاوية (5). و شهد على حُجْر بن عَدِيّ حين أراد معاوية قتله. (6)

11 كتابه (عليه السلام) إلى مصقلة بن هبيرة الشّيْبانِيّ‏

و هو عامله على أردشيرخُرَّة:

بَلَغَنِي عَنْك أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَك، وعَصَيْتَ إِمَامَك، أَنَّك تَقْسِمُ فَيْ ءَالْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وخُيُولُهُمْ وأُرِيقَتْ عليه دِمَاؤُهُمْ فِيمَنِ اعْتَامَك مِن أَعْرَابِ قَوْمِك، فَو الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَة، لَئِن كان ذلك حَقّاً لَتَجِدَنَّ لك‏

____________

(1). تاريخ الطبري: ج 5 ص 54، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 389، تاريخ مدينة دمشق: ج 65 ص 147 و فيه «كان أحد الشُّهود في كتاب الصلح».

(2) الرَّي: مدينة من بلاد فارس، و النسبة إليها «الرازي» (تقويم البلدان: ص 421). و هي اليوم تعدّ إحدى نواحي مدينة طهران و ضواحيها.

(3) دَسْتَبَى: كورة (بلدة) كبيرة كانت مقسومة بين الري و همذان؛ فقسم منها يسمّى «دستبى الرازي» و قسم منها يسمّى «دستبى هَمَذان» (معجم البلدان: ج 2 ص 454). الغارات: ج 2 ص 525؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 215 و 216، الأخبار الموفّقيّات: ج 575 ص 374، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 367، تاريخ مدينة دمشق:

ج 65 ص 147، و فيهما «استعمله على الريّ».

(4). الكامل في التاريخ: ج 2 ص 367.

(5). الغارات: ج 2 ص 525- 528؛ أنساب الأشراف: ج 3 ص 216، الكامل في التاريخ: ج 2 ص 367، الأخبار الموفّقيّات: ج 575 ص 374 و ليس فيه «حَبَسه»، تاريخ مدينة دمشق: ج 65 ص 147.

(6). الغارات: ج 2 ص 528؛ أنساب الأشراف: ج 5 ص 268، تاريخ الطبري: ج 5 ص 273.

49

علَيَّ هَوَاناً، ولَتَخِفَّنَّ عنْدِي مِيزَاناً، فلا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّك، ولا تُصْلِحْ دُنْيَاك بِمَحْقِ دِينِك، فَتَكُونَ مِن الأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، ألا وإِنَّ حَقَّ مَن قِبَلَك وقِبَلَنا مِن الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْ ءِ سَوَاءٌ يَرِدُونَ عِنْدِي عليه ويَصْدُرُونَ عنه.

(1)

قال اليعقوبي: بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّ مصقلة يفرّق و يهب الأموال (أي أموال أردشيرخُرَّة) و كان عليها، فكتب إليه:

«أمَّا بعدُ؛ فَقَدْ بَلغَنِي عَنْكَ أمرٌ أكْبَرْتُ أنْ أُصَدِّقَهُ: أنَّك تَقسِمُ فَي ءَالمُسلِمينَ في قَومِكَ، ومَنِ اعتَراكَ مِنَ السَّأَلَةِ والأحزابِ، وأهْلِ الكِذْبِ مِنَ الشُّعَراءِ، كما تُقَسِّمُ الجَوْزَ، فو الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، لأُفتِشَنَّ عَنْ ذلِكَ تفتِيشاً شَافِياً، فَإنْ وَجْدتُهُ حَقَّاً لَتَجِدَنَّ بِنَفْسِكَ علَيَّ هَواناً، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ أعْمالًا، «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»»

(2)

.

فكتب مصقلة في الجواب:

أمَّا بَعْدُ؛ فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين، فليسأل إن كان حقّاً، فليعجِّل عزلي بعد نكالي، فكلّ مملوكي حرّ، و علَيَّ آثامُ ربِيعَةَ و مضر، إن كنت رزأت‏ (3) من عملي دِيناراً و لا درهماً و لا غيرهما، منذ ولّيته إلى أن ورد عليَّ كتاب أمير المؤمنين، و لتعلَمَنَّ أنَّ العزْلَ أهونُ علَيَّ مِنَ التُّهمَةِ.

فلمَّا قرأ كتابه قال:

ما أظُنُّ أبا الفضل إلَّاصادقاً.

(4)

و نقل‏ أنساب الأشراف‏ بنحو آخر أحببت إيراده هنا، و هو:

____________

(1). نهج البلاغة: الكتاب 43، بحار الأنوار: ج 33 ص 516 ح 712؛ نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 175.

(2) الكهف: 104.

(3) يقال: رزأ- من باب منع، و المصدر كالمنع و القفل و المعركة- رزا و رزأ و مرزنة الرجل ماله: نقصة.

(4). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 201.

50

«بلغني عَنْكَ أمرٌ، إن كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَد أتيتَ شَيْئاً إدَّا

(1)

، بَلَغَنِي أنَّك تَقْسِمُ فَي ءَ المُسلِمينَ فِيمَنِ اعتَناكَ وتغشَّاك مِن أعرابِ بَكْرِبنِ وائِلٍ، فو الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، وأحاطَ بِكُلِّ شي‏ءٍ عِلْماً، لَئِنْ كان ذلِكَ حَقَّاً لتَجِدَنَّ بِكَ علَيَّ هواناً، فلا تَستَهِينَنَّ بِحَقِّ رَبِّكَ، ولا تُصلِحَنَّ دُنياكَ بِفَسادِ دِينِكَ ومَحْقِهِ، فَتَكونُ من الأخسرِينَ أعْمالًا، «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»

(2)

»

. (3)

[أقول: كان مصقلة بن هبيرة الشّيْبانيّ عاملًا على أردشيرخُرَّة، و أردشير خُرَّة: كورة من كور فارس، و قد مرَّ كتاب له (عليه السلام) حين اشترى سبي بني ناجية و أعتقهم،] و أخّر المال، فكتب إليه علي (عليه السلام) بما قدمنا، ثُمَّ هرب مصقلة إلى معاوية، فلمَّا بلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:

«قَبَّحَ اللَّهُ مَصْقَلَةَ فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ، وفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيد، فمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى‏ أَسْكَتَهُ، ولا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى‏ بَكَّتَهُ، ولو أقام لأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ، وانْتَظَرْنَا بِمَالِه وُفُورَهُ.»

(4)

مَصْقَلَةُ بنُ هُبَيْرَة

كان أحد أصحاب الإمام (عليه السلام)(5)، و نائب ابن عبّاس، و والي أردشيرخرّه‏ (6) (7)،

____________

(1). الراغب: أي أمراً منكراً يقع فيه جلبة.

(2) الكهف: 104.

(3). أنساب الأشراف: ج 2 ص 389.

(4). نهج البلاغة: الخطبة 44.

(5). رجال الطوسي: ص 83 الرقم 832.

(6) أردشيرخُرَّة: من أجَلّ بقاع فارس، و قد بناها أردشير بابكان، و منها مدينة شيراز و مِيمَنْد و كازرون، و هي بلدة قديمة (راجع معجم البلدان: ج 1 ص 146).

(7). أنساب الأشراف: ج 2 ص 389، تاريخ مدينة دمشق: ج 58 ص 269 الرقم 7450؛ نهج البلاغة: الكتاب 43 و فيه «هو عامله على أردشيرخرّة»، تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 201 و فيه «يهب أموال أردشيرخرّة و كان عليها».