مكاتيب الأئمة(ع) - ج5

- الشيخ علي الأحمدي الميانجي المزيد...
464 /
5

[الجزء الخامس‏]

الفهرس الإجمالي‏

مَكاتيبُ الإِمامِ عَليِّ بنِ موسى الرِّضا (عليهما السلام)

تصدير ..... 7

المقدّمة ..... 11

الفصل الأوّل: في التّوحيد ..... 21

الفصل الثاني: في الإمامة ..... 33

الفصل الثالث: في بعض معجزاته و غرائب شأنه (عليه السلام) ..... 57

الفصل الرّابع: في مكاتيبه (عليه السلام) الفقهيّة ..... 75

الفصل الخامس: رسالته (عليه السلام) في الطّبّ ..... 179

الفصل السّادس: في الدّعاء ..... 235

الفصل السّابع: في المواعظ ..... 253

الفصل الثّامن: في الواقفة ..... 265

الفصل التّاسع: مكاتيبه (عليه السلام) السياسيّة ..... 275

الفصل العاشر: في أُمورٍ شتّى ..... 293

6

مَكاتيبُ الإِمامِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الجَوادِ (عليهما السلام)

الفصل الأوّل: في التوحيد ..... 307

الفصل الثّاني: في الإمامة ..... 313

الفصل الثّالث: في بعض معجزات و غرائب شأنه (عليه السلام) ..... 321

الفصل الرّابع: في فضائل بعض أصحابه (عليه السلام) ..... 331

الفصل الخامس: في مكاتيبه (عليه السلام) الفقهية ..... 343

الفصل السّادس: في الدّعاء ..... 391

الفصل السّابع: في المواعظ ..... 423

الفصل الثّامن: في أُمورٍ شتّى ..... 437

الفهرس التفصيلي ..... 445

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تصدير

لقد عاش أئمّة الهدى (عليهم السلام) في ظروفٍ غلب عليها طابع الكبت و الرّعب و شتّى أنواع الضغوطات، و لكنّهم رغم ذلك لم يتوانوا لحظة واحدة عن أداء واجبهم، و لم يستسلموا لتلك الظروف، بل نهضوا بما تمليه عليهم رسالتهم في الحياة، فنظروا إلى متطلّبات زمانهم، و عملوا على تلبيتها بما يتناسب معها.

فكانت إجاباتهم عمّا يُعرض عليهم من الأسئلة على شكل أقوالٍ تارةً، أو سلوكٍ علميٍّ، أو آثارٍ مكتوبةٍ تارةً أُخرى، و خلّفوا وراءهم ما هو كفيل بهداية الأجيال اللّاحقة. و لكن ممّا يؤسف له حقّاً أنّه لم يصلنا من تلك الآثار و من ذلك التراث الغني إلّا القليل النادر ممّا لم يكن عرضة لعوادي الدهور و صروف الأيّام، و حتّى هذا القليل النادر لا يتّسم بما ينبغي أن يتّسم به من الشفّافية و الوضوح، و إنّما فيه متّسع للكلام و التعليق.

و يمكننا في هذا المجال أن نُشير- على سبيل المثال- إلى كتابين، هما: فقه الرّضا و صحيفة الرّضا؛ حيث هناك جدل حول صحّة أو عدم صحّة انتسابهما إلى الإمام الرّضا (عليه السلام)، و كُتبت بعض الآراء الّتي تتناول هذه المسألة بالبحث و التدقيق.

و هذا الكتاب الّذي بين أيديكم، هو المجلد الخامس من سلسلة مكاتيب الأئمة التي عني بجمعها و تحقيقها المرحوم آية اللَّه الحاج الشيخ علي الأحمدي الميانجي و يتضمن مكاتيب الإمامين الهمامين عليّ ابن موسى الرضا (عليه السلام) و محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام).

إنّ الكتاب الجامع لمكاتيب الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) قد طبع في زمن حياته عام 1411 ه. ق من قبل المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام) و ضمت تلك الطبعة 200 مكتوبة للإمام الرضا (عليه السلام). و لكنّها لم تكن مرتبة وفق ترتيب موضوعى مع ما زاده عليه، و قوامها إجاباته على ما كان يصل إليه من مكتوبات تتضمّن أسئلة أو أيّة قضايا أُخرى، فكان في المقابل يجيب عليها، أو يردّ عليها بخطّ يده، أو يأمر بكتابة الرّدّ عليها. و فيها بعض الموارد بادر ابتداءً إليها من غير أن تُعرض عليه، رغم أنّ بعض الأقسام مثل: مكتوبة محض الإسلام، و أجوبة مسائل ابن سنان، و علل ابن شاذان لا تخلو من مباحث وردت في فقه الرّضا و صحيفة الرّضا. كما أنّ بعض الأقسام أُضيفت إليها مطالب أُخرى طرداً للباب.

10

و بما أنّ المرحوم المؤلّف كان قد كتب مقدّمة مكاتيب الإمام الرضا (عليه السلام) في زمن تدوينه، لذلك فهي تُعتبر بمثابة وثيقة علميّة جديرة بالاهتمام، فأدرجناها بحذافيرها في مقدمة هذا القسم من الكتاب.

و لا بدّ من التنبيه إلى أنّ الإحصائيات و الأرقام الّتي أوردها المؤلّف في المطبوع، تستند إلى ما كان متوفّراً لديه من المعلومات في ذلك الوقت، إلّا أنّ هذه السلسلة من الكتب الّتي تصدر اليوم تحت عنوان مكاتيب الأئمّة، قد أُعيد النظر فيها و أُضيف إليها مزيداً من الأحاديث المكتوبة.

و قد رتبت مكاتيب الإمام الجواد (عليه السلام) في ثمانية موضوعات و هي تطبع اوّل مرّة و تشكّل القسم الثاني من هذا الكتاب.

و قد أُخضع هذا المجلّد- كما هو الحال بالنسبة إلى المجلّدات الأُخرى- للمراجعة و التنقيح، و أُضيفت إلى‏ ما كتبه (رحمه الله) زيادات، سواء في المتن أو في الهوامش، و أُعيد تنظيم المكاتيب فيه حسب الترتيب الموضوعي.

و هنا نرى بأنّ الواجب يملي علينا ضمن دعائنا للمؤلّف الرّاحل بالرحمة و المغفرة، أن نعرب عن فائق الشكر و التقدير لسماحة حجّة الإسلام مجتبى‏ فرجي؛ الَّذي تكفّل بمهمّة مراجعة الكتاب و تحقيقه مع ما زاده عليه.

و السلام عليكم‏

محمد كاظم رحمان ستايش‏

11

المقدّمة

الحمد للَّه ربّ العالمين، و صلّى اللَّه على رسوله محمّد و آله الطاهرين، و اللعن على أعدائهم و منكري فضائلهم و ولايتهم من الأوّلين و الآخرين.

اللّهمّ صلّ على وليّ أمرك القائم المؤمّل و العدل المنتظر، و حفّه بملائكتك، و أيّده بنصرك، و أعزّه بجندك، و أحيي به ما أماته الظالمون من معالم دينك. اللّهمّ أعزّه و اعزز به، و انصره و انتصر به، و انصره نصراً عزيزاً، و افتح له فتحاً يسيراً، و اجعلنا من شيعته و أعوانه و أنصاره. آمين ربّ العالمين.

و بعد، فبفضل اللَّه و منّه تسلّمت الدعوة من المؤتمر العالمي للإمام الرّضا- (صلوات الله عليه)- سنة 1365 ه. ش، الموافق لسنة 1406 ه. ق، فاغتنمت الفرصة لتلبيتها؛ لتقبيل العتبة السامية، و التشرّف بزيارة الإمام الثامن- (سلام الله عليه)- و الحضور في هذا المجمع الحافل بالعلماء المحقّقين. و حضرت المؤتمر و استفدت من محتوياته العالية؛ من خطبة تُلقى، و كتاب تحقيقيّ يُهدى، و رسالة جامعة تُقرأ، كلّها حول عظمة الإمام و تاريخ حياته و ....

و بما أنّني لم أكن قد أعددت شيئاً لهذه المناسبة، فقد حثّني بعض الإخوان- بحسن ظنّهم- على أن أكتب شيئاً و لو قليلًا كهدبة النملة، فرجعت إلى ما كنت قد جمعته في طوال السنين الغابرة- لعلّه منذ ثلاثين سنة- من كتب الإمام الرّضا (عليه السلام)، من دون أيّ تحقيق حول مصادر الكتاب و أسانيده، أو تحقيق حول مضامينه.

رجعت إليه و أهديته إلى المؤتمر، معتذراً لثامن الأئمّة عن التقصير، و لعلّ القليل‏

12

يُقبل و يُكرم؛ لأنّ المُهدى إليه كريم عادته الكرم و سجيّته الفضل و الإنعام.

هذا، و تشتمل هذه الوجيزة المتواضعة على كلّ ما روي عنه (صلوات الله عليه) من الكتب و الرّسائل، حتّى جواب الأسئلة في الأحكام و غيرها، و حتّى ما أملاه على آخرين فكتبوه، باستثناء ما طُبع مستقلًّا ممّا نُسب إليه (صلوات الله عليه)، كصحيفة الرّضا (عليه السلام) و فقه الرّضا (عليه السلام) المنسوبين إليه (صلوات الله عليه)؛ فإنّنا لم نحتج إلى نقلهما في هذه الوجيزة؛ فإنّهما قد طبعا مراراً و كتب حولهما العلماء المحقّقون، كالعلّامة المحقّق النوري (رحمه الله) في خاتمة المستدرك المجلّد الثالث، و بحار الأنوار في المقدّمة، و أعيان الشيعة في ترجمة الإمام الرّضا (عليه السلام).

نظرات هامّة

اهتمّ النبيّ العظيم (صلى الله عليه و آله) و آل بيته الطاهرين (عليهم السلام) بعد كتابة القرآن الكريم، بكتابة السنن و العلوم النبويّة. فقال (صلى الله عليه و آله):

«قيّدوا العلم بالكتاب»

. (1)

عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: قالت لي قريش: تكتب عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و إنّما هو بشر يغضب كما يغضب البشر. فأتيت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فقلت: يا رسول اللَّه، إنّ قريشاً يقول: تكتب عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و إنّما هو بشر يغضب كما يغضب البشر! قال: فأومأ لي شفتيه فقال:

«

و الّذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلّاحقّ فاكتب‏

»

.

(2)

و شكى رجل إليه سوء الحفظ، قال:

«استعن بيمينك»

و أومأ بيده للخطّ. (3)

____________

(1). تحف العقول: ص 36، بحار الأنوار: ج 77 ص 139 ح 9؛ المعجم الكبير: ج 1 ص 246 ح 700، الطبقات الكبرى: ج 7 ص 22، تاريخ بغداد: ج 10 ص 48 الرقم 5176، مسند الشهاب: ج 1 ص 370 ح 637، تاريخ دمشق: ج 37 ص 353، كنز العمّال: ج 10 ص 249 ح 29332 كلّها عن أنس بن مالك.

(2). المستدرك على الصحيحين: ج 1 ص 186 ح 357، سنن أبي داوود: ج 2 ص 176 ح 3646، المصنّف لابن أبي شيبة: ج 6 ص 229 ح 4، كنز العمّال: ج 10 ص 221 ح 26169 كلّها نحوه.

(3). راجع: سنن الترمذي: ج 5 ص 39 ح 2666، المعجم الأوسط: ج 1 ص 80 ح 2846 و ص 244 و ج 3 ص 169، كنز العمّال: ج 10 ص 245 ح 29305 و ص 249 ح 29333؛ بحار الأنوار: ج 2 ص 152.

13

«و اكتبوا هذا العلم؛ فإنّكم تنتفعون به إمّا في دنياكم أو في آخرتكم، و أنّ العلم لا يضيّع صاحبه».

(1)

«ضالّة المسلم العلم، كلّما قيّد حديثاً طلب إليه آخر».

(2)

«من ترك أربعين حديثاً بعد موته، فهو رفيقي في الجنّة».

(3)

هذا الحديث ورد بأسانيد متعدّدة متظافرة أو متواترة من طرق الفريقين بألفاظ متقاربة. (4)

«من كتب عنّي أربعين حديثاً رجاء أن يغفر اللَّه له، غفر اللَّه له و أعطاه ثواب الشهداء».

(5)

«اكتبوا عنّي و لا حرج»

أو

«اكتبوا و لا حرج».

(6)

قال عبد اللَّه بن عمرو: يا رسول اللَّه أُقيّد العلم؟

قال:

«نعم»

. قلت: و ممّا تقييده؟

قال:

«الكتاب»

. (7)

و الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «

قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): اكتب ما أُملي عليك‏

.

قال: يا نبي اللَّه أ تخاف عليَّ النسيان؟

فقال: لست أخاف عليك النسيان و قد دعوت اللَّه لك أن يحفظك و لا ينسيك، و لكن اكتب لشركائك‏

.

قال: قلت: و من شركائي يا نبيّ اللَّه؟

____________

(1). كنز العمّال: ج 10 ص 262 ح 29389 نقلًا عن الديلمي.

(2). كنز العمّال: ج 10 ص 143 ح 28724 نقلًا عن الديلمي في الفردوس.

(3). كنز العمّال: ج 10 ص 226 ح 29192 نقلًا عن الديلمي و ابن الجوزي في العلل.

(4). كنز العمّال: ج 10 ص 220 الباب الثالث في آداب العلم و ... آداب الكتابة.

(5). كنز العمّال: ج 10 ص 232 ح 29223 نقلًا عن ابن الجوزي في العلل.

(6). راجع: المعجم الكبير: ج 4 ص 276، كنز العمّال: ج 10 ص 232؛ وسائل الشيعة: ج 1 ص 9.

(7). المعجم الأوسط: ج 5 ص 194، تاريخ دمشق: ج 56 ص 281، كنز العمّال: ج 10 ص 307 ح 29540؛ عوالي اللآلي: ج 1 ص 68 ح 119، بحار الأنوار: ج 2 ص 147 ح 15.

14

قال: الأئمّة من ولدك، بهم تُسقى أُمّتي الغيث، و بهم يُستجاب دعاؤهم، و بهم يصرف اللَّه عنهم البلاء، و بهم تنزل الرّحمة من السماء، و هذا أوّلهم- و أومأ بيده إلى الحسن (عليه السلام)، ثمّ أومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام)، ثمّ قال (عليه السلام)-: الأئمّة من ولده»

. (1)

و عن الحارث الأعور، عن عليّ (عليه السلام)، قال: «

قيّدوا العلم، قيّدوا العلم‏

»، مرّتين. (2)

و قال (عليه السلام): «

من يشتري منّي علماً بدرهم؟

» أو «

يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم‏

». (3)

عن شرحبيل بن سعد، قال: دعا الحسن بن عليّ بنيه و بني أخيه، فقال:

«يا بني و بني أخي، إنّكم صغار قومٍ يوشك أن تكونوا كبار قومٍ آخرين، فتعلّموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه فيكتبه و يضعه في بيته»

. (4)

هذا كلّه في الاهتمام بكتابة العلم المرويّ عن النبيّ الأقدس (صلى الله عليه و آله). و أمّا ما روى الأئمّة من ولده- (صلوات الله عليه)-، فكثير لا تسعه هذه العجالة.

كما أنّه (صلى الله عليه و آله) على رغم أنّه كان أُميّاً بعث في الاميّين، فقال (صلى الله عليه و آله): «

إنّي بُعثت إلى أُمّة أُميّة»

(5)

، و «

إنّا أُمّة أُميّة لا نكتب و لا نحسب‏

» (6)، فلم يكن- حينما بُعث- في مكّة و المدينة من يحسن الكتابة إلّا القليل.

____________

(1). كمال الدين و تمام النعمة: ص 206 ح 21 عن أبي الطفيل، علل الشرائع: ص 208 ح 8، الإمامة و التبصرة: ص 54، بصائر الدرجات: ص 187 ح 22، بشارة المصطفى: ص 133، بحار الأنوار: ج 36 ص 232 ح 14.

(2). تقييد العلم: ص 89 و 90.

(3). العلل لابن حنبل: ج 1 ص 213 ح 234، تاريخ بغداد: ج 8 ص 352، الطبقات الكبرى: ج 6 ص 168، تاريخ دمشق: ج 46 ص 301، كتاب العلم لأبي خيثمة النسائي: ص 34؛ الغارات: ج 2 ص 718 و فيهم: «قال علي (عليه السلام): من يشتري منّي علماً بدرهم، قال أبو خيثمة: يقول: يشترى صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم».

(4). سنن الدارمي: ج 1 ص 130، تاريخ دمشق: ج 13 ص 259؛ تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 227، بحار الأنوار: ج 2 ص 152 ح 37.

(5). صحيح ابن حبّان: ج 3 ص 14، تفسير القرطبي: ج 1 ص 42، مسند أبي داوود الطيالسي: ص 73.

(6). صحيح البخاري: ج 2 ص 230، صحيح مسلم: ج 3 ص 124، سنن أبي داوود: ج 1 ص 520، سنن النسائي: ج 4 ص 139، مسند ابن حنبل: ج 2 ص 43؛ المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 198، بحار الأنوار: ج 16 ص 134 ح 75.

15

اهتمّ كثيراً بتعليم المسلمين الكتابة في مكّة و المدينة، فشاعت الكتابة و ذاعت بين المسلمين، حتّى إنّه (صلى الله عليه و آله) في بدر يقبل ممّن لا مال له و هو يحسن الكتابة أن يعلّم عشراً من غلمان الأنصار (1). و أمر عبد اللَّه بن سعيد أن يعلّم النّاس الكتابة بالمدينة، و كان محسناً (2).

و كثرت الكتابة العربية في المدينة بعد الهجرة، و لعلّ كلّ ذلك استيحاء منه (صلى الله عليه و آله) عن القرآن الكريم، حيث يقسم بالقلم فيقول: «

ن وَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسْطُرُونَ»

(3)

، و يقول:

«

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذِى خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»

(4)

. و يشير سبحانه إلى أهمّية الكتابة، فيصف القرآن الكريم بالكتاب و يقول:

«ذَلِكَ الْكِتَبُ لَارَيْبَ فِيهِ»

(5)

، كما أنّه يصف ما نزل على موسى و عيسى- على نبيّنا و آله و (عليهم السلام)- بالكتاب، و يصف الّذين أُنزل عليهم التوراة و الإنجيل بأنّهم أهل الكتاب، بل يصف ما نزل على الأنبياء (عليهم السلام) بالصحف و الكتب، في قوله: «

أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الْأُولَى‏»

(6)

و «إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الْأُولَى‏* صُحُفِ إِبْرَهِيمَ وَ مُوسَى‏»

(7)

و «كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ»

(8)

و «مَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ»

(9)

«وَ لَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ»

(10)

إلى غير ذلك.

____________

(1). راجع: سنن أبي داوود: ج 2 ص 11، المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 23، المصنّف لابن عبد الرزّاق: ج 5 ص 206 و 352، تاريخ الطبري: ج 2 ص 46 الطبقات الكبرى‏: ج 2 ص 14؛ بحار الأنوار: ج 19 ص 355.

(2). راجع: الاستيعاب: ج 2 ص 374، الإصابة: ج 2 ص 344، أُسد الغابة: ج 3 ص 175.

(3). القلم: 1.

(4). العلق: 1- 5.

(5). البقرة: 2.

(6). الأعلى: 18 و 19.

(7). طه: 133.

(8). البقرة: 285.

(9). النساء: 136.

(10). الأنبياء: 105.

16

و يأمر سبحانه و تعالى المسلمين بالكتابة في الامور الجارية المتعارفة في معاملاتهم، و يقول:

«فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ»

(1)

و «وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيًا فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْضَعِيفًا أَوْ لَايَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا

شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى‏ وَ لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا

وَ لَا تَسْمُوا

أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى‏ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَ أَدْنَى‏ أَلَّا تَرْتَابُوا

...» (2). و يشير إلى الحكمة الداعية إلى الأمر بها.

أو استرشاداً ممّا يحكم به العقل السليم من أنّ الكتابة فيها ضبط أدقّ و أوفى، و لا سيما لجزئيات الامور، و أنّها وسيلة ناجحة لتقديم الخيرات للأجيال اللّاحقة، و تعاون البشرية على بناء حياتها، و أنّها تمثّل تراثاً و وثائقاً قويّةً تساعد كثيراً على دراسة كثير من الحالات و الظواهر الّتي قد لا تجد من يعبّر عنها في الظروف العادية لو لا هذا الكتاب.

كما أنّ الكتابة تمثّل التاريخ و الحضارة في الأقوام البائدة و مقدار الحضارة الغابرة.

و أوّل من عمل بوصية رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في كتابة السنن و الأخلاق و التفسير و الفقه و كلّ العلوم النبويّة، هو وصيّه و وزيره و ابن عمّه و أبو ولده أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، فإنّه كتب عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) كلّ ما يحتاج إليه النّاس إلى يوم القيامة، بإملائه (صلى الله عليه و آله)، كما أوردناه في مكاتيب الرّسول (صلى الله عليه و آله) الفصل التاسع من المقدّمة.

و كان أهل بيته (عليهم السلام) الوارثون لهذه الكتب، يفتخرون بها و يدّخرونها كما يدّخر

____________

(1). النور: 33.

(2). البقرة: 282.

17

أصحاب الدنيا كنوزهم، و قال عليّ (عليه السلام) في وصف أهل بيته (عليهم السلام):

«موضع سرّه، و لجأ أمره، و عيبة علمه، و موئل حكمه، و كهوف كتبه، و جبال دينه»

. (1)

و «الكتب» جمع أُريد به الكتب العديدة الكثيرة، لا القرآن فقط، و لذا قال المعتزلي في الشرح: و كتبه: يعني القرآن و السنّة عندهم، فهم كالكهوف له لاحتوائهم عليه، و واضح أنّ المراد هو السنّة المكتوبة الموجودة المحفوظة عندهم، بقرينة المقابلة مع قوله: «و عيبة علمه». (2)

و الضمائر الثمانية راجعة إلى محمّد (صلى الله عليه و آله)، كما مرّ ذكره في أوائل الخطبة، و هذا هو الأظهر بقرينة المقام، لا ما يظهر من ابن ميثم حيث أرجع الضمير إلى اللَّه تعالى، و قال: إنّ المراد من كتبه تعالى: القرآن و سائر الكتب السماوية.

و هذه كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) الّتي نقلها جهابذة العلم في الفنون المختلفة من العلوم الإسلامية، و كانت من الكثرة بحيث اختار منها الشريف الرّضيّ- (رضوان الله عليه)- على عادته في النهج طائفة، و ما تركها أو فات عنها كثير جدّاً، و لعمري إنّ كتبه (صلوات الله عليه) من ذخائر الإسلام، يجب على كلّ مسلم منصف أن يدرسها و يتعلّمها و يتأدّب بها و يستعين بها في دينه و دنياه.

هذا، و قد اتّبع أثره (صلوات الله عليه) بنوه المعصومون الأطهار (عليهم السلام) في كتابة العلم، فإنّهم (عليهم السلام) مع وجود الموانع الّتي أوجدها الأعداء الألدّاء الأمويّون؛ الشجرة الملعونة و شيعتهم و مواليهم الملعونون، و بعدهم العبّاسيون، حتّى إنّ الحسنين (عليهما السلام) طيلة حياتهما لم يُسألا عن شي‏ء من أحكام الدين و حقائقه إلّا فيما ندر و شذّ، و لأجل ذلك لا يوجد عنهما في كتب الحديث إلّا ما نقله عنهما آلهما و قليل من غيرهم. نعم، إنّهم مع وجود الموانع الكثيرة قد كتبوا في أجوبة المسائل الكلامية أو الفقهية، كما و كتبوا العديد من الرّسائل في المسائل الهامّة، كالتوحيد و الإمامة و الحقوق و العلل و ....

____________

(1). نهج البلاغة: الخطبة 2.

(2). راجع: منهاج البراعة: ج 2 ص 314 و ما بعدها، شرح ابن ميثم: ج 1 ص 24 نهج الصدق: ج 3 ص 48 و ما بعدها.

18

فها نحن نجد كتباً للحسنين (عليهما السلام) في الكلام و التفسير و الولاية و الوثائق السياسية و ... ما لم يصل إلينا.

كما إنّا نجد كتباً للإمام أبي الحسن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) في المعارف الإلهية في صورة الدعاء، و هناك كتبه (عليه السلام) في الحقوق و المواعظ و ... و لعلّها تقرب من أربعين كتاباً، هذا عدى ما روي عنه (عليه السلام) كتاب الصحيفة السجّادية بأسانيد جمّة.

و روي عن الصادقين (عليهما السلام) أيضاً كتب كثيرة، فانظر إلى ما كتبه أبو جعفر الباقر (عليه السلام) إلى بعض خلفاء بني أُميّة في الجهاد، و إلى ما كتبه إلى سعد الخير في المعارف و الأخلاق، و ما أعطاه لأبي حمزة من الدعاء الجامع.

و انظر إلى ما أملاه الصادق (عليه السلام) على المفضّل من التوحيد، و إلى ما كتبه إليه من مناظرته مع الهندي؛ فإنّها مناظرة هامّة جدّاً، و إلى ما كتبه إلى بني الحسن المعتقلين تعزيةً لهم، و إلى ما كتب في الدعاء، و إلى ما كتبه في المغانم، و إلى رسالته إلى شيعته، و إلى ما كتبه إلى المفضّل في الرّدّ على المنحرفين المنتحلين للإسلام ...

و لعلّها تبلغ إلى ثلاثة و تسعين و مائة كتاب.

و راجع كتب الإمام الكاظم (عليه السلام)- مع أنّه عاش معتقلًا في السجون- فيما كتبه للرشيد- لعنه اللَّه تعالى- في كلمات جامعة في الإسلام، و ما كتب إلى عليّ بن سويد في جوابه، و إلى فتح بن عبد اللَّه في التوحيد، و ما كتبه في صدقاته، و ما كتبه إلى المهديّ العبّاسيّ في جوابه، و ما كتب إلى الخيزران في تعزيتها بابنها موسى، و ... إلى ما ينيف على سبع و مائة كتاب.

و انظر إلى كتب أبي جعفر الإمام محمّد بن عليّ الجواد (عليه السلام)، و قد تصل إلى خمسة عشر و مائة كتاب، فيها كتابه (عليه السلام) إلى بعض أوليائه في الزهد، و كتابه (عليه السلام) إلى محمّد بن الفرج في الدعاء، و إلى حاكم سجستان، و كتابه في الخمس، و إلى عليّ بن مهزيار في أجوبة مسائله، و غير ذلك.

و انظر إلى كتب أبي الحسن الهادي (عليه السلام)، فإنّها تقرب من سبعة و ثمانين و مائتين‏

19

كتاب، و فيها كتابه (عليه السلام) في جواب يحيى بن أكثم، و رسالته في الرّدّ على أهل الجبر و التفويض، و كتابه إلى اليسع بن حمزة القمّي والي المتوكّل- لعنه اللَّه تعالى-، و كتابه في الزيارة المعروفة.

و انظر إلى كتب أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) الّتي تصل إلى سبعة و خمسين و مائة كتاب، منها كتابه (عليه السلام) إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري، و كتبه (عليه السلام) إلى محمّد بن الحسن الصفّار، و إلى أهل قم و آبة و إلى ابن بابويه القمّي، و كتابه (عليه السلام) في أحمد بن هلال، و فيمن ادّعوا النيابة من قبله (عليه السلام)، و إلى محمّد بن عبيد اللَّه في اختلاف النّاس، و كتابه (عليه السلام) في الصلوات، و كتابه (عليه السلام) في الدعاء، و ....

و انظر في التوقيعات الصادرة عن الحجّة القائم (عليه السلام)، فإنّها تقرب من ستّة و عشرين و مائة توقيع.

كلّها متضمّنة للعلوم الإلهية و السنن النبويّة؛ من التفسير و الفقه و الأخلاق و الأدعية و الزيارات، و كذا ما في هذه الوجيزة من الكتب المنسوبة إلى المولى الإمام عليّ بن موسى الرّضا (عليه السلام)، فإنّ فيها الكتاب الّذي كتبه (صلوات الله عليه) إلى المأمون العبّاسي- لعنه اللَّه تعالى- في محض الإسلام المشتمل على الاصول العقائدية، حيث قد أكّد على مسألة الولاية، مصرّحاً بأسماء الأئمّة (عليهم السلام)، و كذا الفروع ... و كذا ما كتبه من العلل إلى محمّد بن سنان، و إلى محمّد بن عبيد، و الفتح في الكلام، و إلى عبد اللَّه بن جندب في الولاية، و ... و لعلّها تصل إلى عشرين و مائتين كتاب.

و قد سبق إلى جمع قسم كبير منها العلّامة المحقّق المتتبّع، علم الهدى الكاشاني، في كتابه القيّم معادن الحكمة في مكاتيب الأئمّة (عليهم السلام)، و الفضل لمن سبق.

عليّ الأحمدي الميانجي‏

أوّل شوال المكرّم 1409 ه. ق‏

17/ 1/ 1368 ه. ش‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

[مكاتيب الامام على بن موسى الرضا (عليهما السلام)‏]

في التّوحيد

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

1

كتابه (عليه السلام) إلى هشام المشرقيّ في معاني التّوحيد

هشام المشرقيّ‏ (1)، قال: كتبت إلى أبي الحسن الخراساني (عليه السلام): رجلٌ يسأل عن معانٍ في التّوحيد؟ قال: فقال لي:

ما تَقولُ إِذا قالوا لَكَ أَخبِرنا عَنِ اللَّهِ، شَي‏ءٌ هوَ أَم لا شَي‏ء؟

قال: فقلتُ: إنّ اللَّه أثبت نفسه شيئاً فقال:

«قُلْ أَىُّ شَىْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ»

(2)

، لا أقول شيئاً كالأشياء، أو نقول إنّ اللَّه جسم؟

فقال:

وما الّذي يَضعُفُ فيهِ مِن هذا إنّ اللَّهَ جِسمٌ لا كالأَجسامِ وَ لا يَشبَهُهُ شَي‏ءٌ مِنَ المَخلوقينَ؟

قال: ثمّ قال:

إِنَّ لِلنَّاسِ في التَّوحيدِ ثَلاثَةَ مَذاهِبَ: مَذهَبُ نَفيٍ، و مَذهَبُ تَشبيهٍ، وَ مَذهَبُ إِثباتٍ‏

____________

(1). قال حمدويه: هشام المشرقيّ هو ابن إبراهيم البغداديّ، فسألته عنه و قلت: ثقة هو؟ فقال: ثقة، و قال: و رأيت ابنه ببغداد.

و أبو جعفر محمّد بن عيسى العبيديّ قال: سمعت هشام بن إبراهيم الجبليّ و هو المشرقيّ يقول: استأذنت لجماعة على أبي الحسن (عليه السلام) في سنة تسع و تسعين و مائة، فحضروا و حضرنا ستّة عشر رجلًا على باب أبي الحسن الثّاني (عليه السلام) ... (رجال الكشّي: ج 2 ص 789 الرقم 955- 956 و راجع: رجال ابن داوود: ص 365 الرقم 1636).

(2). الأنعام: 19.

24

بِغَيرِ تَشبيهٍ، فَمَذهَبُ النَّفي لايَجوزُ، وَمَذهَبُ التَّشبيهِ لايَجوزُ؛ وذلِكَ أَنَّ اللَّهَ لايُشبِهُهُ شَي‏ءٌ، وَالسَّبيلُ في ذلِكَ الطَّريقَةُ الثَّالِثَةُ؛ وَ ذلِكَ أَنَّه مُثبَتٌ لا يُشبِهُهُ شَي‏ءٌ، وَ هوَ كَما وَصَفَ نَفسَهُ أَحَدٌ صَمَدٌ نورٌ

. (1)

و في رواية أُخرى عن هشام بن المشرقيّ، عن أبي الحسن الخراسانيّ (عليه السلام)، قال:

إِنَّ اللَّهَ كَما وَصَفَ نَفسَهُ، أحَدٌ صَمَدٌ نورٌ

. ثمّ قال:

«بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ»

(2)

. فقلت له: أ فله يدان هكذا؟ و أشرت بيدي إلى يده.

فقال:

لَو كانَ هكَذا كانَ مَخلوقاً.

(3)

2

كتابه (عليه السلام) إلى محمّد بن زيد

محمّد بن الحسن عن سهل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع‏ (4)، عن محمّد بن زيد (5) قال: جئت إلى الرّضا (عليه السلام) أسأله عن التّوحيد، فأملى عليَّ:

الحَمدُ للَّهِ فاطِرِ الأَشياءِ إِنشاءً، ومُبتَدِعِها ابتِداعاً بِقُدرَتِهِ وحِكمَتِهِ، لا مِن شَي‏ءٍ فَيَبطُلَ الاختِرَاعُ وَلا لِعِلَّةٍ فَلا يَصِحَّ الابتِداعُ، خَلَقَ ما شاءَ كَيفَ شاءَ، مُتَوَحِّداً بِذلِكَ لإِظهارِ حِكمَتِهِ وَحَقيقَةِ رُبوبيَّتِهِ، لا تَضبِطُهُ العُقولُ وَلا تَبلُغُهُ الأَوهامُ وَلا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَلا يُحيطُ بِهِ مِقدارٌ، عَجَزَت دونَهُ العِبَارَةُ وَكَّلتُ دونَهُ الأَبصارُ وَضَلَّ فيهِ تَصاريفُ الصِّفاتِ، احتَجَبَ بِغَيرِ حِجابٍ‏

____________

(1). تفسير العيّاشي: ج 1 ص 356 ح 11، و راجع: بحار الأنوار: ج 3 ص 263 ح 19.

(2). المائدة: 64.

(3). تفسير العيّاشي: ج 1 ص 330 ح 14 بحار الأنوار: ج 3 ص 291 ح 1.

(4). راجع: ص 104 الرقم 45.

(5). محمّد بن زيد الرِّزاميّ خادم الرضا (عليه السلام) (رجال النجاشي: ص 368 الرقم 1000)، أورده ابن داوود في القسم الأوّل (ص 172 الرقم 1381).

و في رجال الطوسي: محمّد بن زيد الطبريّ، أصله كوفيّ، و عدّه من أصحاب أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) (ص 364 الرقم 5403 و راجع: ص 132 الرقم 83).

25

مَحجوبٍ واستَتَرَ بِغَيرِ سِترٍ مَستورٍ، عُرِفَ بِغَيرِ رُؤيَةٍ وَوُصِفَ بِغَيرِ صورَةٍ وَنُعِتَ بِغَيرِ جِسمٍ، لا إِلهَ إلَّااللَّهُ الكَبيرُ المُتَعالِ.

(1)

3

كتابه (عليه السلام) إلى يونس بن بهمن في السّؤال عن جوهريّة اللَّه‏

عليّ بن محمّد قال: حدّثني محمّد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسين بن بشّار الواسطيّ‏ (2)، عن يونس بن بهمن‏ (3)، قال: قال لي يونس: اكتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) فاسأله عن آدم، هل فيه من جوهريّة اللَّه شي‏ء؟

قال: فكتب إليه، فأجابه:

هذِهِ المَسأَلَةُ مَسأَلَةُ رَجُلٍ عَلَى غَيرِ السُّنَّةِ

. فقلت ليونس، فقال: لا يسمع ذا أصحابنا فيبرءون منك. قال، قلت ليونس:

يبرؤون منّي أو منك‏ (4)؟

و في رواية أُخرى‏: طاهر بن عيسى قال: حدّثني جعفر بن أحمد، قال: حدّثني‏

____________

(1). الكافي: ج 1 ص 105 ح 3، التوحيد: ص 98 ح 5 و فيه «محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن سهل بن زياد ...»، علل الشرائع: ص 9 ح 3 و فيه «محمّد بن عليّ ماجيلويه رضى الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن سهل بن زياد ...»، بحار الأنوار: ج 4 ص 263 ح 11.

(2). راجع: ص 153 الرقم 120.

(3). يونس بن بهمن: غالٍ خطّابيّ كوفيّ يضع الحديث، روى عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) (راجع: رجال ابن داوود: ص 527 الرقم 546، رجال العلّامة الحلّي: ص 266 الرقم 3، رجال ابن الغضائري: ص 101 الرقم 153) و أورده العلّامة في القسم الثاني: و هو فيمن تركت روايته أو توقّفت فيه، قائلًا عن ابن الغضائري: غالٍ خطّابي، يضع [الحديث‏]. رجال العلّامة الحلّي: ص 266 الرقم 3).

و الرّجل من أصحاب الصادق (عليه السلام)، و روى عن أبي الحسن المطلق (عليه السلام) (راجع: الاستبصار: ج 4 ص 86 ح 328، تهذيب الأحكام: ج 9 ص 69 ح 296). و لم نجد روايته عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام)، و الّذي عدّ من أصحاب الرّضا (عليه السلام) ابنه عليّ بن يونس بن بهمن كما في رجال الشيخ (راجع: رجال الطوسي: ص 363 الرقم 5382).

(4). رجال الكشّي: ج 2 ص 785 الرقم 942، بحار الأنوار: ج 3 ص 292 ح 11 و ج 85 ص 79.

26

الشّجاعيّ، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسين بن بشّار، عن الحسن بن بنت إلياس، عن يونس بن بهمن، قال: قال يونس بن عبد الرّحمن‏ (1): كتبت إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) سألته عن آدم (عليه السلام) هل كان فيه من جوهرية الرّبّ شي‏ء؟ قال: فكتب إليّ جواب كتابي:

لَيسَ صاحِبُ هذِهِ المَسأَلَةِ عَلى شَي‏ءٍ مِن السُّنَّةِ، زِنديقٌ‏

. (2)

4

كتابه (عليه السلام) إلى محمّد بن عبيد في نفي الرّؤية

أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (3)، عن عليّ بن سيف، عن‏

____________

(1). يونس بن عبد الرّحمن: مولى عليّ بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد أبو محمّد، كان وجهاً متقدّماً، عظيم المنزلة، ولد في أيّام هشام بن عبد الملك، و رأى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) بين الصّفا و المروة و لم يرو عنه. و روى عن أبي الحسن موسى و الرّضا (عليهما السلام)، و كان الرّضا (عليه السلام) يشير إليه في العلم و الفتيا. و كان ممّن بُذِل له على الوقف مال جزيل و امتنع (فامتنع) من أخذه و ثبت على الحقّ. و قد ورد في يونس بن عبد الرّحمن (رحمه الله) مدح و ذمّ. و كانت له تصانيف كثيرة أكثر من ثلاثين. و عدّه من أصحاب أبي الحسن موسى و الرّضا (عليهما السلام).

و قال أبو عمرو الكشّي: الفضل بن شاذان قال: حدّثني عبد العزيز بن المهتدي و كان خير قميّ رأيته و كان وكيل الرّضا (عليه السلام) و خاصّته فقال: إنّي سألته فقلت: إنّي لا أقدر على لقائك في كلّ وقت فعمن آخذ معالم ديني؟ فقال (عليه السلام): خذ عن يونس بن عبد الرّحمن. و هذه منزلة عظيمة. و مثله رواه عن الحسن بن عليّ بن يقطين سواء. و قال في كتاب مصابيح النّور: عبد اللَّه بن جعفر الحميريّ قال: قال لنا أبو هاشم داوود بن القاسم الجعفريّ (رحمه الله): عرضت على أبي محمّد صاحب العسكر (عليه السلام) كتاب يوم و ليلة ليونس فقال لي: تصنيف من هذا؟ فقلت: تصنيف يونس مولى آل يقطين. فقال: أعطاه اللَّه بكلّ حرف نوراً يوم القيامة. و مدائح يونس كثيرة ليس هذا موضعها و هو من أصحاب الإجماع بل أفقههم (راجع: رجال النجاشي: ج 2 ص 420 الرقم 1209، رجال الطوسي: ص 346 الرقم 5167 ص 266 و ص 368 5478، الفهرست للطوسي: ص 266 الرقم 813، رجال الكشّي: ج 2 ص 458 الرقم 357 و ص 489 الرقم 401 و ص 779 الرقم 910- ص 788 الرقم 954.

(2). رجال الكشّي: ج 2 ص 787 الرقم 949، بحار الأنوار: ج 3 ص 292 ح 12.

(3). راجع: ص 130 الرقم 79.

27

محمّد بن عبيد (1)، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) أسأله عن الرّؤية و ما ترويه العامّة و الخاصّة، و سألته أن يشرح لي ذلك. فكتب بخطّه:

اتَّفَقَ الجَميعُ لا تَمانُعَ بَينَهُم، أَنَّ المَعرِفَةَ مِن جِهَةِ الرُّؤيَةِ ضَرورَةٌ، فإِذا جازَ أَن يُرَى اللَّهُ بِالعَينِ، وَقَعتِ المَعرِفَةُ ضَرورَةً، ثُمَّ لَم تَخْلُ تِلكَ المَعرِفَةُ مِن أَن تَكونَ إِيماناً أَو لَيسَت بِإِيمانٍ. فإِن كانَت تِلكَ المَعرِفَةُ مِن جِهَةِ الرُّؤيَةِ إِيماناً، فالمَعرِفَةُ الَّتي في‏دار الدُّنيا مِن جِهَةِ الاكتِسابِ لَيسَت بِإِيمانٍ؛ لِأَنَّها ضِدُّهُ، فَلا يَكونُ في الدُّنيا مُؤمِنٌ؛ لِأَنَّهُم لَم يَرَوا اللَّهَ عَزَّ ذِكرُهُ.

وَإِن لَم تَكُن تِلكَ المَعرِفَةُ الَّتي مِن جِهَةِ الرُّؤيَةِ إِيماناً، لَم تَخْلُ هذِهِ المَعرِفَةُ الَّتي مِن جِهَةِ الاكتِسابِ أَن تَزولَ، وَلا تَزولُ في المِعادِ، فَهذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عز و جل لا يُرى بِالعَينِ؛ إذِ العَينُ تُؤَدِّي إِلى ما وَصَفناهُ.

(2)

5

كتابه (عليه السلام) إلى فتح بن يزيد الجرجانيّ في نفي التّشبيه‏

عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق (رحمه الله)، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ، قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكيّ، قال: حدّثني عليّ بن العبّاس، قال: حدّثني جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن فتح بن يزيد الجرجانيّ‏ (3)، قال: كتبت‏

____________

(1). محمّد بن عبيد: و الّذي ورد في التوحيد (ص 109 ح 8) و بحار الأنوار (ج 4 ص 10 ح 20) «محمّد بن عبيد»، و الظّاهر هو الصحيح، بقرينة سائر الرّوايات مع اتّحادها مع ما نحن فيه من حيث السند، فراجع: عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): ج 1 ص 110 ح 13 و كتاب التوحيد للصدوق: ص 153 ح 2، و القصص للراوندي: ص 160، و لم نجد للرجل ترجمة في مصادرنا الرّجاليّة، و الظّاهر اتّحاده مع محمّد بن عبيدة الهمداني الرّاوي عن الرّضا (عليه السلام) (راجع: الكافي: ج 5 ص 441 ح 7).

(2). الكافي: ج 1 ص 96 ح 3، التوحيد: ص 109 ح 8 و فيه «عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق (رحمه الله)، قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس ...»، بحار الأنوار: ج 4 ص 56 ح 33.

(3). الفتح بن يزيد أبو عبد اللَّه الجرجانيّ، أخبرنا أبو الحسن بن الجنديّ قال: حدّثنا محمّد بن همام قال: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن أحمد بن أبي عبد اللَّه، عن الفتح بها. هو صاحب المسائل لأبي الحسن (عليه السلام)، و اختلفوا أيّهم هو؟ الرّضا أم الثّالث (عليهما السلام)؟ (راجع: رجال النجاشي: ج 1 ص 177 الرقم 851، الفهرست للطوسي: ص 201 الرقم 573، رجال الطوسي: ص 390 الرقم 5741، رجال البرقي: ص 60، رجال ابن الغضائري: ص 84 الرقم 110).

قال السيّد الخوئي: لا ينبغي الرّيب في روايته عن الرّضا (عليه السلام)، و المراد بأبي الحسن هو الرّضا (عليه السلام)، بقرينة اتّحاد السند مع ما صرّح فيه بروايته عن الرّضا (عليه السلام)، و يؤكّد ذلك أنّ فتح بن يزيد كان يسكن خراسان على ما يظهر من روايته في منصرفه من الحجّ إلى خراسان، و يؤيّد ذلك بأنّ الرّوايات الواردة في التوحيد و المعارف أكثرها عن الرّضا (عليه السلام)، و لكنّه مع ذلك فهو قد روي عن الهادي (عليه السلام) (راجع: معجم رجال الحديث: ج 14 ص 268 الرقم 9319).

و قال العلّامة: كان خارجيّاً ثمّ رجع إلى التشيّع بعد أن كان بايع على الخروج و إظهار السيف (راجع: رجال العلّامة الحلّي: ص 19 الرقم 30).

28

إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) أسأله عن شي‏ء من التّوحيد؟

فكتب إليَّ بخطّه- قال جعفر: و إنّ فتحاً أخرج إليَّ الكتاب فقرأته بخطّ أبي الحسن (عليه السلام)-:

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ‏

الحَمدُ للَّهِ المُلهِمِ عِبادَهُ الحَمدَ، وَ فاطِرِهِم عَلى مَعرِفَةِ رُبوبِيَّتِهِ، الدَّالِّ عَلى وُجودِهِ بِخَلقِهِ، وَ بِحُدُوثِ خَلقِهِ عَلى أَزَلِهِ، وَ بِأَشباهِهِم عَلى أَلّا شِبهَ لَهُ، المستَشهِدِ آياتِهِ عَلى قُدرَتِهِ، المُمتَنِعِ مِنَ الصِّفاتِ‏

(1)

ذاتُهُ، وَ مِنَ الأَبصارِ رُؤيَتُهُ، وَ مِنَ الأَوهامِ الإِحاطَةُ بِهِ، لا أَمَدَ لِكَونِهِ، وَ لا غايَةَ لِبَقائِه، لا يَشمُلُهُ المَشاعِرُ وَ لا يَحجُبُه الحِجابُ، فَالحِجابُ بَينَهُ وَ بَينَ خَلقِهِ، لامتِناعِهِ مِمَّا يُمكِنُ في ذَواتِهِم، وَ لإِمكانَ ذَواتِهِم مِمِّا يَمتَنِعُ مِنهُ ذاتُهُ، وَ لافتِراقِ الصَّانِعِ و المَصنوعِ، وَ الرَّبِّ و المَربوبِ، وَ الحادِّ و المَحدودِ، أَحدٌ لا بِتَأويلِ عَدَدٍ، الخالِقُ لا بِمَعنى حَرَكَةٍ، السَّميعُ لا بِأَداةٍ، البَصيرُ لا بِتَفريقِ آلَةٍ، الشَّاهِدُ لا بِمُماسَّةٍ، البائِنُ لا بِبَراحِ‏

(2)

مَسافَةٍ، الباطِنُ لا بِاجتِنانٍ‏

(3)

، الظَّاهِرُ لا بمُحاذٍ، الّذي قَد حَسَرَت دونَ كُنهِهِ نَواقِدُ الأَبصارِ، وَ امتَنَعَ وُجودُهُ‏

____________

(1). أي: من الوصف.

(2). البراح- بالفتح-: المتّسع من الأرض لا زرع فيها و لا شجر؛ أي: بائنٌ عن خلقه لا ببعده عنهم بالمسافة (راجع: مجمع البحرين: ج 1 ص 179).

(3). الاجتنان: الستر (النهاية: ج 1 ص 296).

29

جَوائِلَ الأَوهامِ.

أَوَّلُ الدِّيانَةِ مَعرِفَتُهُ، وَ كَمَالُ المَعرِفَةِ تَوحيدُهُ، وَ كَمَالُ التَّوحيدِ نَفيُ الصِّفاتِ عَنهُ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيرُ المَوصوفِ، وَ شَهادَةِ المَوصوفِ أَنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ، وَ شَهادَتِهِما جَمِيعاً عَلى أَنفُسِهِما بِالبَيِّنَةِ المُمتَنِعِ مِنها الأَزَلُ، فَمَن وَصَفَ اللَّهَ فَقَد حَدَّهُ، وَ مَنَ حَدَّهُ فَقَد عَدَّهُ، وَ مَن عَدَّهُ فَقَد أَبطَلَ أَزَلَهُ، وَ مَن قالَ: كَيف فَقَدِ استوصَفَهُ، وَ مَن قالَ: عَلى مَ فَقَد حَمَلَهُ، وَ مَن قالَ: أَينَ فَقَد أَخلى مِنهُ، وَ مَن قالَ: إلى مَ فَقَد وَقَّتَهُ، عالِمٌ إِذ لا مَعلومَ، وَ خالِقٌ إذ لا مَخلوقَ، وَ رَبٌّ إِذ لا مَربوبَ، وَ إِلهٌ إِذ لا مَألوهَ، وَ كَذلِكَ يُوصَفُ رَبُّنا، وَ هوَ فَوقَ ما يَصِفُهُ الواصِفونَ.

(1)

6

إملاؤه (عليه السلام) إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي في المشيئة و الإرادة

في عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): حدّثنا أبي رضى الله عنه و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه، قالا: حدّثنا سعد بن عبد اللَّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ‏ (2)، عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّ أصحابنا

____________

(1). التوحيد: ص 56 ح 14، بحار الأنوار: ج 4 ص 284 ح 17.

(2). أحمد بن محمّد بن عمرو بن أبي نصر زيد، مولى السّكون أبو جعفر، قيل: أبو عليّ المعروف بالبزنطيّ، كوفيّ ثقة جليل القدر، لقي الرّضا و أبا جعفر (عليهما السلام)، و كان عظيم المنزلة عندهما. و له كتب.

و مات أحمد بن محمّد سنة إحدى و عشرين و مائتين بعد وفاة الحسن بن عليّ بن فضّال بثمانية أشهر، ذكر محمّد بن عيسى بن عبيد أنّه سمع منه سنة عشرة و مائتين (راجع: رجال النجاشي: ص 75 الرقم 180، الفهرست للطوسي: ص 61 الرقم 63، رجال الطوسي: ص 332 الرقم 4954 و ص 351 الرقم 5196 و ص 373 الرقم 5518، رجال البرقي: ص 54.

و قال الشيخ في كتاب الغيبة في عنوان الواقفة: كان واقفاً، ثمّ رجع لمّا ظهر من المعجزات على يد الرّضا (عليه السلام) الدالّة على صحّة إمامته، فالتزم الحجّة، و قال بإمامته و إمامة من بعده من ولده. و قال فيه أيضاً: إنّه من آل مهران الّذين يقولون بالوقف، و كان على رأيهم (راجع: الغيبة للطوسي: ص 71 ح 75).

و عدّ في جملة من أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء و تصديقهم، و أقرّوا لهم بالفقه و العلم، بل هو أفقه منهم (راجع: رجال الكشّي: ج 2 ص 830 الرقم 1050).

30

بعضهم يقول بالجبر و بعضهم يقول بالاستطاعة. فقال لي:

اكتُب:

قالَ اللَّهُ تَعالى: يا بنَ آدَمَ، بِمَشيَّتي كُنتَ أنتَ الّذي تَشاءُ، وَ بِقوَّتي أَدَّيتَ لي فَرائِضي، وَبِنِعمَتي قَوِيتَ عَلى مَعصِيَتي، جَعَلتُكَ سَميعاً بَصيراً قَويَّاً، ما أَصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفسِكَ، وَ ذلِكَ أَنِّي أَولى بِحَسَناتِكَ مِنكَ، وَ أَنتَ أَولى بِسَيِّئاتِكَ مِنِّي، وَ ذلِكَ أَنِّي لا أُسأَلُ عَمَّا أَفعَلُ وَ أَنتُم تُسأَلونَ، وَ قَد نَظَمتُ لَكَ كُلَّ شَي‏ءٍ تُريدُ.

(1)

7

كتابه (عليه السلام) إلى حَمدان بن سليمان في أفعال العباد

عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس النّيسابوريّ العطّار رضى الله عنه، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن محمّد بن قُتَيبة النّيسابوريّ، عن حَمدان بن سليمان‏ (2)، قال: كتبت إلى الرّضا (عليه السلام) أسأله عن أفعال العباد أ مخلوقةٌ هي أمْ غير مخلوقة؟ فكتب (عليه السلام):

أَفعالُ العِبادِ مُقدَّرةٌ في عِلمِ اللَّهِ عز و جل قَبلَ خَلقِ العِبادِ بِأَلفي عامٍ.

(3)

____________

(1). عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): ج 1 ص 144 ح 49، التوحيد: ص 338 ح 6.

(2). حَمدان بن سليمان، أبو سعيد النيشابوري، ثقة، من وجوه الأصحاب، عدّه من أصحاب الرضا و الهادي و العسكري (عليهم السلام) (راجع: رجال النجاشي: ص 138 الرقم 357، رجال الطوسي: ص 356 الرقم 5270 و ص 398 الرقم 5839، رجال العلّامة: ص 62 الرقم 1، رجال ابن داوود: ص 85 الرقم 525).

(3). التوحيد: ص 416 ح 16، عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): ج 2 ص 124 ح 34، بحار الأنوار: ج 5 ص 29 ح 35.

31

8

كتابه (عليه السلام) إلى طاهر بن حاتم في أدنى المعرفة

عليّ بن محمّد عن سهل بن زياد، عن طاهر بن حاتم‏ (1)- في حال استقامته- أنّه كتب إلى الرّجل: ما الّذي لا يُجتزأ (2) في معرفة الخالق بدونه؟ فكتب إليه:

لَم يَزَل عالِماً وَسامِعاً وَبَصيراً، وَهو الفَعَّالُ لِما يُريدُ.

و سُئل أبو جعفر (عليه السلام) عن الّذي لا يُجتزأ بدون ذلك من معرفة الخالق؟ فقال:

لَيسَ كَمِثلِهِ شَي‏ءٌ وَ لا يُشبِهُهُ شَي‏ءٌ، لَم يَزَل عالِماً سَميعاً بَصيراً

. (3)

و في التّوحيد: أبي و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمهما الله، قالا: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، و أحمد بن إدريس جميعاً، عن محمّد بن أحمد، عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عليّ الطّاحي، عن طاهر بن حاتم بن ماهويه، قال: كتبت إلى الطيّب- يعني أبا الحسن موسى (عليه السلام)-: ما الّذي لا تُجزِئُ معرفة الخالق بدونه؟ فكتب:

____________

(1). قال النجاشي: طاهر بن حاتم بن ماهويه القزوينيّ، أخو فارس بن حاتم، كان صحيحاً ثمّ خلط، له كتاب (رجال النجاشي: ج 1 ص 208 الرقم 551).

و قال الشّيخ: طاهر بن حاتم بن ماهويه، كان مستقيماً ثمّ تغيّر و أظهر القول بالغلوّ، و له روايات، أخبرنا برواياته في حال الاستقامة جماعة ... (الفهرست للطوسي: ص 149 الرقم 370). و عدّه في رجاله تارةً من أصحاب الرّضا (عليه السلام) قائلًا: طاهر بن حاتم غال، كذّاب، أخو فارس رجال الطوسي: (ص 359 الرقم 5314)، و أُخرى في من لم يرو عنهم (عليهم السلام) قائلًا: طاهر بن حاتم بن ماهويه روى عنه محمّد بن عيسى بن يقطين، غالٍ (رجال الطوسي: ص 428 الرقم 6156).

و عدّه البرقي في أصحاب الكاظم (عليه السلام) (رجال البرقي: ص 123 الرقم 137). و قال ابن الغضائري: طاهر بن حاتم بن ماهويه القزوينيّ، أخو فارس، كان فاسد المذهب ضعيفاً، و قد كانت له حال استقامة، كما كانت لأخيه، و لكنّها لا تثمر (راجع: رجال العلّامة: ص 362 الرقم 142 رجال ابن داوود: ص 112 الرقم 788 و ص 251 الرقم 243 و ص 295 الرقم 25).

(2). الاجتزاء: الاكتفاء.

(3). الكافي: ج 1 ص 86 ح 2.

32

لَيسَ كَمِثلِهِ شَي‏ءٌ، وَ لَم يَزَل سَميعاً وَ عَليماً وَ بَصيراً، وَ هوَ الفَعَّالُ لِما يُريدُ

. (1)

____________

(1). التوحيد: ص 284 ح 4.

33

في الإمامة

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

9

كتابه (عليه السلام) إلى الحسن بن العبّاس المعروفيّ في الفرق بين الرّسول و النّبيّ و الإمام‏

عليُّ بن إبراهيم عن أبيه، عن إسماعيل بن مرَّار (1)، قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفيّ‏ (2) إلى الرّضا (عليه السلام): جُعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرَّسول و النَّبيِّ و الإمام؟ قال: فكتب أو قال:

الفَرقُ بَينَ الرَّسولِ وَ النَّبيِّ وَ الإِمامِ: أَنَّ الرَّسولَ الّذي يُنزَلُ عَليهِ جِبرَئيلُ فَيَراهُ وَ يسمَعُ‏

____________

(1). إسماعيل بن مرّار: يحتمل وقوع التصحيف في عنوان «ابن مرار» بدل «ابن مهران» و «ابن العبّاس المعروفي»، و ذلك لورود هذا الخبر سنداً و متناً في البصائر، و فيه روى الصفّار عن إبراهيم بن هاشم، قال: أخبرنا إسماعيل بن مهران، قال: كتب الحسن بن العبّاس بن المعروف إلى الرّضا (عليه السلام) (بصائر الدرجات: ص 369 ح 4). و في الإختصاص: إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مهران، قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفي ... (الاختصاص: ص 328).

و لإسماعيل بن مهران كُتب، منها: كتاب الملاحم، ثواب القرآن، و كتاب الإهليلجة، و كتاب صفة المؤمن و الفاجر، و ... وثّقه النجاشي، و لقي الرّضا (عليه السلام) (راجع: رجال النجاشي: ص 26 الرقم 49، الفهرست للطوسي: ص 11 الرقم 32).

لعلّ صحة عنوان إسماعيل بن مرار في السند المبحوث عنه و ذلك بقرينة كثرة رواية إبراهيم بن هاشم عنه و عدّه الشيخ في من لم يرو عن الأئمّة (عليهم السلام) (راجع: رجال الطوسي: ص 412 الرقم 5972) إلّا أنّه روى كثيراً عن يونس بن عبد الرحمن.

(2). لم نجده بهذا العنوان في التّراجم.

36

كَلامَهُ وَ يُنزَلُ عَلَيهِ الوَحيُ، وَ رُبَّما رَأَى في مَنَامِهِ نَحوَ رؤيا إبراهيم (عليه السلام)، و النَّبيُّ رُبَّما سَمِعَ الكَلامَ وَ رُبَّما رأَى الشَّخصَ وَ لَم يَسمَع، وَ الإِمامُ هوَ الّذي يَسمَعُ الكَلامَ وَ لا يَرى الشَّخصَ.

(1)

10

كتابه (عليه السلام) إلى عبد اللَّه بن جُندَب في أنّ الأئمّة ورثوا علم النّبيّ و جميع الأنبياء و الأوصياء

في الكافي: عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن عبد العزيز بن المُهتدي‏ (2)، عن عبد اللَّه بن جندب‏ (3)، أنّه كتب إليه الرّضا (عليه السلام):

أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) كانَ أَمينَ اللَّهِ في خَلقِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ (صلى الله عليه و آله) كُنَّا أَهلَ البَيتِ وَرَثَتَهُ، فَنَحن أُمَناءُ اللَّهِ في أَرضِهِ، عِندَنا عِلمُ البَلايا وَالمَنايا وأَنسابُ العَرَبِ وَمَولِدُ الإِسلامِ، وإِنَّا لَنَعرِفُ الرَّجُلَ إِذا رَأَيناهُ بِحَقيقَةِ الإِيمانِ وَحَقيقَةِ النِّفاقِ، وإِنَّ شيعَتَنا لَمَكتوبونَ بِأَسمائِهِم وَأَسماءِ آبائِهِم، أَخَذَ اللَّهُ عَلَينا وَعَلَيهِمُ الميثاقَ، يَرِدُونَ مَورِدَنا وَيَدخُلونَ مَدخَلَنا، لَيسَ عَلى مِلَّةِ الإِسلام غَيرُنا وَغَيرُهُم، نَحنُ النُّجَباءُ النُّجَاةُ، وَنَحنُ أَفراطُ الأَنبياءِ وَنَحنُ أَبناءُ الأَوصياءِ، وَنَحنُ المَخصوصونَ في كِتابِ اللَّهِ عز و جل، وَنَحنُ أَولى النَّاسِ بِكِتابِ اللَّهِ، وَنَحنُ أَولى النَّاسِ بِرَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله).

____________

(1). الكافي: ج 1 ص 176 ح 2، الاختصاص: ص 328 و فيه «الهيثم بن أبي مسروق النّهديّ و إبراهيم بن هاشم عن إسماعيل بن مهران، قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفيّ إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام): جُعلت فداك ...»، بصائر الدرجات: ص 108.

(2). راجع: الرقم 140.

(3). عبد اللَّه بن جُنْدَب- بضمّ الجيم و سكون النّون و فتح الدّال-: هو عبد اللَّه بن جندب البجليّ الكوفيّ، ثقة جليل القدر، من أصحاب الصّادق و الكاظم و الرّضا (عليهم السلام)، و أنّه من المخبتين، و كان وكيلًا لأبي إبراهيم و أبي الحسن (عليهما السلام)، و كان عابداً رفيع المنزلة لديهما على ما ورد في الأخبار. و لمّا مات قام مقامه عليّ بن مهزيار (راجع: رجال الطوسي: ص 232 الرقم 3143 و ص 340 الرقم 5059 و ص 358 الرقم 5316. رجال العلّامة: ص 1050 الرقم 16).

37

وَنَحنُ الَّذينَ شَرَعَ اللَّهُ لَنا دِينَهُ فَقالَ في كِتابِهِ: «شَرَعَ لَكُم» يا آلَ مُحَمَّدٍ «مّنَ الدّينِ مَا وَصَّى‏ بِهِ نُوحًا» قَد وَصَّانا بِما وَصَّى بِهِ نُوحاً «وَ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ» يامُحَمَّدٍ «وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَ مُوسَى‏ وَ عِيسَى‏» فَقَدَ عَلَّمَنا وَبَلَّغَنا عِلمَ ما عَلِمنا، واستَودَعَنا عِلمَهُم نَحنُ وَرَثَةُ أُولي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ «أَنْ أَقِيمُوا

الدّينَ» يا آلَ مُحَمَّدٍ «وَ لَا تَتَفَرَّقُوا

فِيهِ» وَ كُونوا على جَمَاعَةٍ «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ» مَن أَشرَكَ بِوَلايَةِ عَليٍّ «مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» مِن وَلايَةِ عَليٍّ، إِنَّ «اللَّهُ» ... يا مُحَمَّدُ «يَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ»

(1)

مَن يُجيبُكَ إِلى وَلايَةِ عَليٍّ (عليه السلام).

(2)

و في تفسير فرات: جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعناً عن الحسين بن عبد اللَّه بن جندب، قال: أخرج [خرج‏] إلينا صحيفة، فذكر أنّ أباه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام):

جُعلت فداك، إنّي قد كبرت و ضعفت و عجزت عن كثير ممّا كنت أقوى عليه، فأحبّ جُعلت فداك أن تعلّمني كلاماً يقرّبني من ربّي [بربّي‏]، و يزيدني فهماً و علماً. فكتب إليه:

قَد بَعَثتُ إِليكَ بِكِتابٍ فَاقرَأَهُ وَ تَفَهَّمَهُ؛ فإِنَّ فيهِ شِفاءٌ لِمَن أَرادَ اللَّهُ شِفاه، وَ هُدىً لِمَن أَرادَ اللَّهُ هُداهُ، فأَكثِر مِن ذِكرِ بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، لا حَولَ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظيم، وَاقرأها عَلى صَفوانَ وَ آدَمَ. قالَ عَليُّ بنُ الحُسَينِ (عليهما السلام): إنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) كانَ أَمينُ اللَّهِ في أَرضِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ مُحَمَّدٌ

[

(صلى الله عليه و آله)

]

كُنَّا أَهلَ البَيتِ أُمَناءَ اللَّهِ في أَرضِهِ، عِندَنا عِلمُ البَلايا وَ المَنايا وَ أَنسابُ العَرَبِ وَ مَولِدُ الإسلامِ، و إِنَّا لَنَعرِفُ الرَّجُلَ إِذا رأَيناهُ بِحَقيقَةِ الإِيمانِ وَ بِحقيقَةِ النِّفاقِ، وَ إِنَّ شيعَتَنا لَمَكتوبونَ بِأَسمائِهِم وَ أَسماءِ آبائِهِم، أَخَذَ اللَّهُ الميثاقَ عَلَينا

[

وَ عَلَيهِم‏

]

، يَرِدونَ مَوارِدَنا وَ يدخُلونَ مَداخِلَنا، لَيسَ عَلى مِلَّةِ إِبراهيمَ خَليلُ الرَّحمنِ غَيرُنا وَ غَيرُهُم، إِنَّا يَومَ القِيامَةِ آخِذِينَ بِحُجزَةِ نَبِيِّنا وَ نَبِيُّنا آخِذٌ بِحُجزَةِ رَبِّه، وَ إِنَّ الحُجزَةَ النُّورُ، وَ شيعَتُنا آخِذينَ بِحُجزَتِنا، مَن فارَقَنا هَلَكَ وَ مَن تَبِعَنا نَجا،

[

مُفارِقُنا

]

وَ الجاحِدُ لِوَلايَتِنا كافِرٌ، وَ شيعَتُنا وَ تابِعُ وَلايَتِنا

[

وَ مُتَّبِعُنا وَ تابِعُ أَوليائِنا لِوَلايَتِنا

]

____________

(1). الشورى: 13.

(2). الكافي: ج 1 ص 223 ح 1، بصائر الدرجات: ص 119 ح 3.

38

مُؤمِنٌ، لا يُحِبُّنا كافِرٌ وَ لا يُبغِضُنا مُؤمِنٌ، مَن ماتَ وَ هو مُحِبُّنا

[

يُحِبُّنا

]

كانَ حَقّاً عَلى اللَّهِ أَن يَبعَثَهُ مَعَنا.

نَحنُ نُورٌ لِمَن تَبِعَنا وَ نُورٌ لِمَن اقتَدَى بِنا، مَن رَغِبَ عَنَّا لَيسَ مِنَّا، وَ مَن لَم يَكُن مِنَّا

[

مَعَنا

]

فَلَيسَ مِن الإِسلامِ في شَي‏ءٍ. بِنا فَتَحَ اللَّهُ وَ بِنا يَختِمُهُ، وَ بِنا أَطعَمَكُم اللَّهُ عُشبَ الأَرضِ، وَ بِنا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَيكُم قَطرَ السَّماءِ، وَ بِنا آمَنَكُم اللَّهُ مِنَ الغَرَقِ في بَحرِكُم وَ مِنَ الخَسفِ في بَرِّكُم، وَ بِنا نَفَعَكُم اللَّهُ في حَياتِكُم وَ في قُبورِكُم وَ في مَحشَرِكُم وَ عِندَ الصِّراطِ وَ عِندَ المِيزانِ وَ عِندَ دُخولِكُم الجِنانَ.

إِنَّ مَثَلَنا في كِتابِ اللَّهِ كَمَثَلِ المِشكاةِ وَ المِشكاةُ في القِنديلِ، فَنَحنُ المِشكاةُ «فِيهَا مِصْبَاحٌ» وَ المِصباحُ‏

[

هوَ

]

مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله) «الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ» نَحنُ الزُّجاجَةُ «كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لَا غَرْبِيَّةٍ» لا مُنكِرَةٍ وَ لا دَعيَّةٍ «يَكَادُ زَيْتُهَا» نورُها «يُضِي‏ء وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ» نورُ الفُرقانِ «نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ» لِوَلايَتِنا «مَن يَشَاءُ»

(1)

، «وَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْ‏ءٍ قَدِيرٌ»

(2)

عَلى أَن يَهدِي مَن أَحَبَّ لِوَلايَتِنا، حَقّاً عَلى اللَّهِ أَن يَبعَثَ وَلِيَّنا مُشرِقاً وَجهُهُ نَيِّراً بُرهانُهُ عَظيماً عِندَ اللَّهِ حُجَّتُهُ،

[

حَقّاً عَلى اللَّهِ أَن‏

]

يَجي‏ء عَدوُّنا يَومَ القِيامَةِ مُسوَدّاً وَجهُهُ مُدحَضَةٌ عِندَ اللَّهِ حُجَّتُهُ، حَقّاً

[

حَقٌ‏

]

عَلى اللَّهِ أَن يَجعَلَ وَلِيَّنا رفيق النَّبِيِّينَ و الصِّدِّيقينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً، وَ حَقٌ‏

[

حَقّاً

]

عَلى اللَّهِ أَن يَجعَلَ عَدوَّنا رَفيقاً لِلشَّياطينِ وَ الكافِرينِ وَ بِئسَ أُولئِكَ رَفيقاً.

لِشهيدِنا فَضلٌ‏

[

أَفضل‏

]

عَلى الشُّهَدَاءِ بِعَشرِ دَرَجاتٍ، وَ لِشَهيدِ شيعَتِنا عَلى شَهيدِ غَيرِنا سَبعُ دَرَجاتٍ. نَحنُ النُّجَبَاءُ، وَ نَحنُ أَبناءُ الأَوصياءِ، وَ نَحنُ أَولى النَّاسِ بِاللَّهِ، وَ نَحنُ المُخلَصونَ‏

[

المُختَصُّونَ المَخصوصونَ‏

]

في كِتابِ اللَّهِ، وَ نَحنُ أَولى النَّاسِ بِدينِ اللَّهِ، وَ نَحنُ الَّذين شَرَعَ اللَّهُ‏

[

لَنا

]

دِينَهُ فَقالَ اللَّهُ: «شَرَعَ لَكُم مِنَ الدّينِ مَا وَصَّى‏ بِهِ نُوحًا وَ الَّذِي‏

____________

(1). النور: 35.

(2). البقرة: 284.

39

أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ» يا مُحَمَّدُ وَ ما وَصَّى بِهِ إِبراهيمَ وَ إِسماعيلَ‏

[

وَ إِسحاقَ‏

]

وَ يَعقوبَ، فَقَد عَلَّمَنا وَ بَلَّغَنا ما عَلَّمنا وَ استَودَعَنا عِلمَهُم.

نَحنُ وَرَثَةُ الأَنبياءِ وَ نَحنُ ذُرِّيَّةُ أُولي العِلمِ «أَنْ أَقِيمُوا

الدّينَ» بِآلِ مُحَمَّدٍ «وَ لَا تَتَفَرَّقُوا

فِيهِ» وَ كونوا عَلى جَماعَتِكُم «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ» مَن أَشرَكَ بِولَايَةِ عَليِّ بنِ أَبي طَالِبٍ (عليه السلام) «مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» مِن وَلايةِ عَليٍّ «إنَّ اللَّهَ» يا مُحَمَّدُ «يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَ يَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ»

(1)

[

قالَ‏

]

مَن يُجيبُكَ إِلى وَلايةِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ (عليه السلام).

(2)

و في تفسير القمّي: عبد اللَّه بن جندب‏ (3)، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) أسأل عن تفسير هذه الآية:

«اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الأَرْضِ‏

...» (4) إلى آخر الآية.

فكتب إليَّ الجواب:

أَمّا بَعدُ، فإِنَّ مُحَمَّدَاً كانَ أَمينَ اللَّهِ في خَلقِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبيُّ (صلى الله عليه و آله) كُنَّا أَهلَ البَيتِ وَرَثَتَهُ، فَنَحنُ أُمَناءُ اللَّهِ في أَرضِهِ، عِندَنا عِلمُ المَنايا وَ البَلايا وَ أَنسابُ العَرَبِ وَ مَولِدُ الإِسلامِ، وَ ما مِن فِئَةٍ تُضِلُّ مِئَةً بِهِ وَ تَهدِي مِئَةً به إِلَّا وَ نَحنُ نَعرِفُ سائِقَها وَ قائِدَها وَ ناعِقَها، و إِنَّا لَنعرِفُ الرَّجُلَ إِذا رَأَيناهُ بِحَقيقَةِ الإِيمانِ وَ حَقيقَةِ النِّفاقِ، و إِنَّ شيعَتَنا لَمَكتوبونَ بِأَسمائِهِم وَ أَسماءِ آبائِهِم، أَخَذَ اللَّهُ عَلَينا وَ عَلَيهِمُ الميثاقَ، يَرِدُونَ مَورِدَنا وَ يَدخُلونَ مَدخَلَنا، لَيسَ عَلى مِلَّةِ الإِسلامِ غَيرُنا وَ غَيرُهُم إِلى يَومِ القِيامَةِ.

نَحنُ آخِذونَ بحُجزَةِ نَبِيِّنا وَ نَبِيُّنا آخِذٌ بِحُجزَةِ رَبِّنا، وَ الحُجزَةُ النُّورُ، وَ شيعَتُنا آخذونَ بحُجزَتِنا، مَن فارَقَنا هَلَكَ وَ مَن تَبِعَنا نَجا، وَ المُفارِقُ لَنا وَ الجاحِدُ لِولَايَتِنا كافِرٌ، وَ متّبعنا وَ تابع أوليائنا مؤمن، لا يُحِبُّنا كافِرٌ وَ لا يُبغِضُنا مُؤمِنٌ، وَ مَن ماتَ وَ هو يُحِبُّنا كانَ حَقَّاً عَلى اللَّهِ أَن يَبعَثَهُ مَعَنا.

نَحنُ نورٌ لِمَن تَبِعَنا، وَ هُدَىً لِمَن اهتَدَى بِنا، وَ مَن لَم يَكُن مِنّا فَلَيسَ مِن الإِسلامِ في شَي‏ءٍ،

____________

(1). الشورى: 13.

(2). تفسير فرات: ص 283 ح 384، بحار الأنوار: ج 23 ص 312 ح 20.

(3). راجع: ص 32 الرقم 10.

(4). النور: 35.

40

وَ بِنا فَتَحَ اللَّهُ الدِّينَ وَ بِنَا يَختِمُهُ، وَ بِنا أَطعَمَكُم اللَّهُ عُشبَ الأَرضِ، وَ بِنا أَنزَلَ اللَّهُ قَطرَ السَّماءِ، وَ بِنا آمَنَكُم اللَّهُ مِن الغَرَقِ في بَحرِكُم وَ مِنَ الخَسفِ في بَرِّكُم وَ بِنا نَفَعَكُم اللَّهُ في حَياتِكُم وَ في قُبورِكُم وَ في مَحشَرِكُم وَ عِندَ الصِّراطِ وَ عِندَ المِيزانِ وَ عِندَ دُخولِكُم الجِنانَ.

مَثَلُنا في كِتابِ اللَّهِ كَمَثَلِ مِشكاةٍ وَ المِشكاةُ في القِنديلِ، فَنَحنُ المِشكاةُ فيها مِصباحٌ، المِصباحُ مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) «الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ» مِن عُنصُرَةٍ طاهِرَةٍ «الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّاشَرْقِيَّةٍ وَ لَاغَرْبِيَّةٍ» لا دَعيَّةٍ وَ لا مُنكِرَةٍ «يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِى‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ» القُرآنُ «نُّورٌ عَلَى‏ نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فَالنُّورُ عَلِيٌّ (عليه السلام)، يهدي اللَّه لِوَلايَتِنا مَن أَحَبَّ.

وَ حَقٌّ عَلى اللَّهِ أَن يَبعَثَ وَلِيَّنا مُشرِقاً وَجهُهُ مُنيراً بُرهانُهُ ظاهِرَةٌ عِندَ اللَّهِ حُجَّتُهُ، حَقٌّ عَلى اللَّهِ أَن يَجعَلَ أَولياءَنا المُتَّقينَ وَ الصِّدِّيقينَ وَ الشُّهداءَ وَ الصَّالِحينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً، فَشُهداؤنا لَهُم فَضلٌ عَلى الشُّهداءِ بِعَشرِ دَرَجاتٍ، وَ لِشَهيدِ شيعَتِنا فَضلٌ عَلى كُلِّ شَهيدٍ غَيرنا بِتِسعِ دَرَجاتٍ.

نَحنُ النُّجَبَاءُ، وَ نَحنُ أَفراطُ الأَنبياءِ، وَ نحنُ أَولادُ الأَوصياءِ، وَ نحن المَخصوصونَ في كِتابِ اللَّهِ، وَ نحنُ أَولى النَّاسِ بِرَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، وَ نَحنُ الَّذينَ شَرَعَ اللَّهُ لَنا دينَهُ فَقَالَ في كِتابِهِ:

«شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصَّى‏ بِهِ نُوحًا وَ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ» يا مُحَمَّدُ «وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَ مُوسَى‏ وَ عِيسَى‏».

قَد عَلَّمَنا وَ بَلَّغَنا ما عَلَّمنا وَ استَودَعَنا عِلمَهُم، وَ نَحنُ وَرَثَةُ الأَنبياءِ، وَ نَحنُ وَرَثَةُ أُولي العِلم وَ أُولي العَزمِ مِن الرُّسلِ «أَنْ أَقِيمُوا

الدّينَ» وَ «لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنتُم مُّسْلِمُونَ»

(1)

كَما قَالَ اللَّهُ: «وَ لَا تَتَفَرَّقُوا

فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» مِن الشِّركِ مَن أَشرَكَ بِوَلايةِ عَلِيٍّ (عليه السلام) «مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» مِن وَلايةِ عَليٍّ (عليه السلام) يا مُحَمَّد فيهِ هُدىً «وَ يَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ»

(2)

مِن يُجيبُكَ إِليَّ بِوَلايةِ عَلِيٍّ (عليه السلام). وَ قَد بَعَثتُ إِليكَ بِكتابٍ فَتَدَبَّرهُ و افهَمهُ؛ فإِنَّهُ‏

____________

(1). البقرة: 132.

(2). الشورى: 13.

41

شِفاءٌ لِما في الصُّدورِ وَ نورٌ، وَ الدَّليلُ عَلى أَنَّ هذا مَثَلٌ لَهُم.

(1)

و في بصائر الدّرجات: عبد اللَّه بن عامر عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، (2) قال:

كتب أبو الحسن الرّضا (عليه السلام) رسالة و أقرأنيها، قال:

قالَ عَليُّ بنُ الحُسَينِ (عليه السلام): إِنَّ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله) كانَ أَمينَ اللَّهِ في أَرضِهِ، فَلَمَّا قُبِضَ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله) كُنَّا أَهلَ البَيتِ وَرَثَتَهُ، وَ نَحن أُمَناءُ اللَّهُ في أَرضِهِ، عِندَنا عِلمُ البَلايا وَ المَنايا وَ أَنسابُ العَرَبِ وَ مَولِدُ الإِسلامِ، وَ إِنَّا لَنَعرِفُ الرَّجُلَ إِذا رَأَيناهُ بِحَقيقَةِ الإِيمانِ وَ حَقيقَةِ النِّفاقِ، وَ إِنَّ شيعَتَنا لَمَكتوبونَ بِأَسمائِهِم، وأَسماءِ آبائِهِم، أَخَذَ اللَّهُ عَلَينا وَ عَلَيهِمُ الميثاقَ، يَرِدونَ مَورِدَنا وَ يَدخُلونَ مَدخَلَنا.

نَحنُ النُّجَباءُ وَأَفراطُنا أَفراطُ الأَنبياءِ، وَ نَحنُ أَبناءُ الأَوصياءِ، وَ نَحنُ المَخصوصونَ في كِتابِ اللَّهِ، وَ نَحنُ أَولى النَّاسِ بِاللَّهِ، وَ نَحنُ أَولى النَّاسِ بِكِتابِ اللَّهِ، وَ نَحنُ أَولى النَّاسِ بِدينِ اللَّهِ، وَ نَحنُ الَّذينَ شَرَعَ لَنا دينَهُ فَقالَ في كِتابِهِ: «شَرَعَ لَكُم» يا آلَ مُحَمَّدٍ «مّنَ الدّينِ مَا وَصَّى‏ بِهِ نُوحًا» وَ قَد وَصَّانا بِمَا أَوصى بِهِ نَوحاً «وَ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ» يا مُحَمَّدُ «وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ» وإِسماعيل «وَ مُوسَى‏ وَ عِيسَى‏» وَ إِسحاقَ وَيَعقوبَ، فَقَد عَلَّمَنا وَ بَلَّغَنا ما عَلِمنا وَ استَودَعَنا عِلمَهُم. نَحنُ وَرَثَةُ الأَنبياءِ.

وَ نَحنُ وَرَثَةُ أُولي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ «أَنْ أَقِيمُوا

الدّينَ» يا آلَ مُحَمَّدٍ «وَ لَا تَتَفَرَّقُوا

فِيهِ» وَ كونوا عَلى جَماعَةٍ «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ» مَن أَشرَكَ بِوَلايَةِ عَلِيٍّ «مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» مِن وَلايَةِ عَلِيٍّ إنّ «اللَّهُ» يا مُحَمَّدُ «يَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ»

(3)

مَن يُجيبُك إلى وَلاية عَليٍّ (عليه السلام).

(4)

____________

(1). تفسير القمّي: ج 2 ص 104، بحار الأنوار: ج 26 ص 241 ح 5.

(2). عبد الرّحمن بن أبي نجران التّميميّ، مولى كوفيّ، كان من أصحاب الإمام الرّضا و الجواد (عليهما السلام) (رجال الطوسي: ص 360 الرقم 5323 و ص 376 الرقم 5567، الفهرست للطوسي: ص 177 الرقم 475). و قال النجاشي: كان عبد الرّحمن ثقة ثقة، معتمداً على ما يرويه (راجع: رجال النجاشي: ص 235 الرقم 622).

(3). الشورى: 13.

(4). بصائر الدرجات: ص 118 ح 1، بحار الأنوار: ج 26 ص 142 ح 16.

42

11

كتابه (عليه السلام) إلى أحمد بن محمّد في أنّهم (عليهم السلام) الذّكر و أهل الذكر

أحمد بن محمّد (1) قال: كتب إليّ أبو الحسن الرّضا (عليه السلام):

عافانا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ أَحسَنَ عافيَةٍ، إِنَّما شيعَتُنا مَن تابَعَنا وَ لَم يُخالِفنا، وَ إذا خِفنا خافَ وَ إِذا أَمنَّا أَمِنَ، قالَ اللَّهُ: «فَسَلُوا

أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»

(2)

قال: «فَلَوْ لَا نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُوا

فِى الدّينِ وَ لِيُنذِرُوا

قَوْمَهُمْ»

(3)

الآية، فَقَد فُرِضَت عَلَيكُم المَسأَلَةُ وَ الرَّدُّ إِلَينا، وَ لَم يُفرَض عَلَينا الجَوابُ، أَو لَم تُنهَوا عَن كَثرَةِ المَسائِلِ فَأَبَيتُم أَن تَنتَهوا، إِيَّاكُم وَ ذاكَ، فإِنَّهُ إِنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبلَكُم بِكَثرَةِ سُؤالِهِم لأَنبيائِهِم، قالَ اللَّهُ: «يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا

لَا تَسْئَلُوا

عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»

(4)

.

(5)

12

كتابه (عليه السلام) إلى سليمان بن جعفر فيما عند الأئمّة (عليهم السلام) من سلاح رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)

الحسين بن عليّ عن محمّد بن عبد اللَّه بن المغيرة، عن سليمان بن جعفر (6)، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام): عندك سلاح رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)؟ فكتب إليَّ بخطّه‏

____________

(1). المراد به هو أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، و ذلك بقرينة كثرة روايته عنه (عليه السلام) (راجع: ص 27 الرقم 6 و ص 250 الرقم 172).

(2). النحل: 43.

(3). التوبة: 122.

(4). المائدة: 101.

(5). تفسير العيّاشي: ج 2 ص 261 ح 33 و ص 117 ح 160 و راجع: ج 1 ص 346 ح 212، عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): ج 2 ص 274، بحار الأنوار: ج 23 ص 183 ح 44 وج 1 ص 221 ح 2.

(6). راجع: ص 12 الرقم 67.

43

الّذي أعرفه:

هَو عِندي.

(1)

و في كشف الغمّة: قال صاحب كتاب الدلائل- الحميري-: عن جعفر بن محمّد بن يونس‏ (2)، قال: كتب رجل إلى الرّضا (عليه السلام) يسأله مسائل، و أراد أن يسأله عن الثّوب المُلحَم‏ (3) يلبسه المحرم، و عن سلاح رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فنسي ذلك و تلهّف عليه. فجاء جواب المسائل و فيه:

لا بَأسَ بِالإِحرامِ في الثَّوبِ المُلحَمِ، وَ اعلَم أَنَّ سِلاحَ رَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) فينا بِمَنزِلَةِ التَّابوتِ في بَني إِسرائيلَ، يَدورُ مَعَ كُلِّ عالِمٍ حَيثُ دارَ.

(4)

13

كتابه (عليه السلام) إلى محمّد بن الفضيل‏

الهيثم النّهديّ عن محمّد بن الفضيل الصّيرفيّ‏ (5) قال: دخلت على أبي الحسن‏

____________

(1). بصائر الدرجات: ص 185 ح 42، بحار الأنوار: ج 26 ص 211 ح 20.

(2). جعفر بن محمّد بن يونس الأحول الصّيرفيّ مولى بجيلة. روى عن أبي جعفر الثّاني و أبي الحسن الثّالث عليّ بن محمّد الهادي (عليهما السلام)، و روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى (راجع: رجال النجاشي: ص 120 الرقم 307، رجال الطوسي: ص 384 الرقم 5533 و الرقم 5660، الفهرست للطوسي: ص 93 الرقم 149 و ص 109 الرقم 51.

(3). جنس من الثياب (راجع: لسان العرب: ج 12 ص 538).

(4). كشف الغمّة: ج 3 ص 89، بحار الأنوار: ج 72 ص 142 ح 4.

(5). الظاهر أنّ الصيرفيّ مُصحّف و مُحرَّف، و الصّحيح محمّد بن الفضيل البصري، و هو محمّد بن القاسم بن الفضيل بن يسار النهدي البصري، و الرّجل من أصحاب الكاظم و الرّضا (عليهما السلام) (رجال البرقي: ص 52 و رجال الطوسي: ص 336 الرقم 5443).

عنونه النّجاشي في رجاله بعنوان محمّد بن القاسم بن الفضيل بن يسار النهدي و قال: ثقة هو و أبوه و عمّه العلاء و جدّه الفضيل، و روى عن الرّضا (عليه السلام) (رجال النجاشي: ص 362 الرقم 973).

و عنونه الصدوق في المشيخة بعنوان محمّد بن القاسم بن الفضيل البصري صاحب الرّضا (عليه السلام) (من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 91 [المشيخة]).

و عنونه الشّيخ في الفهرست بعنوان محمّد بن القاسم، له كتاب (الفهرست للطوسي: ص 235 الرقم 701).

و ورد في بعض الأسانيد بعنوان: محمّد بن الفضيل البصري (راجع: مستطرفات السرائر: ص 580 و بحار الأنوار: ج 49 ص 261 ح 3 و ج 80 ص 150 ح 12) و الدليل على التصحيف أُمور:

أولًا: إنّا لم نقف على رواية الهيثم بن أبي مسروق النهدي بجميع عناوينه عن محمّد بن الفضيل الصّيرفي إلّا هذا المورد، و لكن روى الهيثم بن أبي مسروق النهدي عن محمّد بن الفضيل من دون ذكر لقب و نسب (عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): ج 2 ص 221 ح 39). و هو محمّد بن القاسم بن الفضيل، نسب الرّجل إلى جدّه تجوّزاً كما في بعض الرّواة، مثل الحسن بن فضّال و محمّد بن سنان و عمر بن يزيد و ...

ثانياً: يقوّى وقوع التّصحيف في السّند أنّ الهيثم بن أبي مسروق و محمّد بن الفضيل كلاهما من قبيلة واحدة و منسوبان إلى النهدي (رجال النجاشي ص 437 الرقم 1175 و رجال الطوسي: ص 449 الرقم 6387).

و قال السمعاني: هذه النسبة إلى بني نهد، و هو نهد بن زيد بن ليث بن سود ... إليه ينتسب النّهديون، و منهم باليمن و الشّام، كلّهم من ولد خزيمة بن نهد (راجع: الأنساب: ج 5 ص 541).

ثالثاً: إنّ تصحيف البصري بالصّيرفي أمر قريب؛ للشبه الموجود في رسم الخطّ بينهما، خصوصاً في الأزمنة السّالفة الّتي كان النّسّاخ يكتبون الحروف من دون وضع نقطة فيها.

و على ما ذكرنا فرواية البصائر و الخرائج حسنة أو صحيحة؛ لأنّ الهيثم بن أبي مسروق وقع في إسناد كامل الزيارات، و راجع: ص 245 الرقم 166.

44

الرّضا (عليه السلام)، فسألته عن أشياء و أردت أن أسأله عن السّلاح فاغفلته، فخرجت و دخلت على أبي الحسن بن بشير، فإذا غلامه و معه رقعته و فيها:

بِسمِ اللَّهِ الرّحمنِ الرَّحيمِ‏

أَنا بِمَنزِلَةِ أَبي وَوارِثُهُ، وَعِندي ما كانَ عِندَهُ.

(1)

و في الخرائج و الجرائح: محمّد بن الفضيل الصّيرفيّ، قال: دخلت على الرّضا (عليه السلام) فسألته عن أشياء، و أردت أن أسأله عن سلاح رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فأغفلته، فخرجت فدخلت إلى منزل الحسين بن بشّار، فإذا رسول للرّضا (عليه السلام) أتى، و كان معه رقعة فيها:

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

أَنا بِمَنزِلَةِ أَبي، وَوارثُهُ كُلَّ ما كانَ عِندَه، وَسِلاحُ رَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله) عِندي.

(2)

____________

(1). بصائر الدرجات: ص 252 ح بحار الأنوار: ج 97 ص 47 ح 43.

(2). الخرائج و الجرائح: ج 2 ص 663 ح 6.

45

14

إملاؤه (عليه السلام) لعلماء نيسابور في معنى حصن اللَّه عز و جل‏

في عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضى الله عنه، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن جعفر الأسديّ، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الصّولي، قال:

حدّثنا يوسف بن عقيل عن إسحاق بن راهويه، قال: لمّا وافى أبو الحسن الرّضا (عليه السلام) نيسابور و أراد أن يخرج منها إلى المأمون، اجتمع عليه أصحاب الحديث، فقالوا له: يا بن رسول اللَّه، ترحل عنّا و لا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك؟ و كان قد قعد في العُمّارية فأطلَع رأسه و قال:

سَمِعتُ أَبي موسى بنَ جَعفَرٍ يَقولُ: سَمِعتُ أَبي جَعفَرَ بنَ مُحَمَّدٍ يَقولُ: سَمِعتُ أَبي مُحَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ يَقولُ: سَمِعتُ أَبي عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ يَقولُ: سَمِعتُ أَبي الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ يَقولُ: سَمِعتُ أَبي أَميرَ المُؤمِنينَ عَلِيَّ بنَ أَبي طالِبٍ (عليهم السلام) يَقولُ: سَمِعتُ النَّبيَّ (صلى الله عليه و آله) يَقولُ: سَمِعتُ اللَّهَ عز و جل يَقولُ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ حِصني، فَمن دَخَلَ حِصني أَمِنَ مِن عَذابي‏

. قال: فلمّا مرّت الرّاحلة نادانا:

بِشُروطِها وَ أَنا مِن شُروطِها

. قال مصنّف هذا الكتاب (رحمه الله): من شروطها الإقرار للرّضا (عليه السلام) بأنّه إمام من قبل اللَّه عز و جل على العباد، مفترض الطّاعة عليهم.

و يقال: إنّ الرّضا (عليه السلام) لمّا دخل نيسابور، نزل في محلّة يقال لها «الفرويني»، فيها حمّام، و هو الحمّام المعروف (اليوم) بحمّام الرّضا (عليه السلام)، و كانت هناك عين قد قلّ ماؤها، فأقام عليها من أخرج ماءها حتّى توفّر و كثر، و اتّخذ من خارج الدّرب حوضاً يُنزل إليه بالمراقي‏ (1) إلى هذه العين، فدخله الرّضا (عليه السلام) و اغتسل فيه ثمّ خرج‏

____________

(1). المراقي جمع المرقاة: الدّرجة.

46

منه و صلّى على ظهره، و النّاس يتناوبون ذلك الحوض و يغتسلون فيه و يشربون منه التماساً للبركة، و يصلّون على ظهره و يدعون اللَّه عز و جل في حوائجهم فتُقضى لهم، و هي العين المعروفة بعين كهلان، يقصدها النّاس إلى يومنا هذا. (1)

و في كشف الغمّة: أورد صاحب كتاب تاريخ نيسابور في كتابه: إنّ عليّ بن موسى الرّضا (عليه السلام) لمّا دخل إلى نيسابور في السّفرة الّتي فاز فيها بفضيلة الشّهادة، كان في مهدٍ على بغلةٍ شهباء عليها مركب من فضّة خالصة، فعرض له في السّوق الإمامان الحافظان للأحاديث النّبويّة، أبو زرعة و محمّد بن أسلم الطوسي رحمهما الله، فقالا: أيّها السّيد ابن السّادة، أيّها الإمام و ابن الأئمّة، أيّها السّلالة الطّاهرة الرّضيّة، أيّها الخلاصة الزّاكية النّبويّة، بحقّ آبائك الأطهرين و أسلافك الأكرمين، إلّا ما أريتنا وجهك المبارك الميمون، و رويت لنا حديثاً عن آبائك عن جدّك نذكرك به.

فاستوقف البغلة و رفع المظلّة، و أقرّ عيون المسلمين بطلعته المباركة الميمونة، فكانت ذؤابتاه كذؤابتي رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و النّاس على طبقاتهم قيام كلّهم، و كانوا بين صارخ و باك و ممزّق ثوبه و متمرّغ في التّراب و مقبّل حزام بغلته و مطوّل عنقه إلى مظلّة المهد، إلى أن انتصف النّهار و جرت الدّموع كالأنهار و سكنت الأصوات.

و صاحت الأئمّة و القضاة: معاشر النّاس اسمعوا وعوا، و لا تؤذوا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في عترته و انصتوا. فأملى (عليه السلام) هذا الحديث، و عدّ من المحابر أربع و عشرون ألفاً، سوى الدّوي، و المستملي أبو زرعة الرّازي و محمّد بن أسلم الطوسي رحمهما الله. فقال (عليه السلام):

حَدَّثَني أَبي موسى بنُ جَعفَرٍ الكاظِمُ، قالَ: حَدَّثَني أَبي جَعفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الصّادقُ، قالَ: حَدَّثَني أَبي مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الباقِرُ، قالَ: حَدَّثَني أَبي عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ زينُ العابِدينَ، قالَ: حَدَّثَني أَبي الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ شهيدُ أَرضَ كَربَلاء، قالَ: حَدَّثَني أَبي أَميرُ المُؤمِنينَ عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ شَهيدُ أَرضَ الكوفَةِ، قالَ: حَدَّثَني أَخي وابنُ عَمِّي مُحَمَّدٌ رسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله)، قالَ: حَدَّثَني جَبرَئيلُ (عليه السلام)، قالَ:

____________

(1). عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): ج 2 ص 135 ح 4، التّوحيد: ص 25 ح 23، معاني الأخبار: ص 370 ح 1، ثواب الأعمال: ص 6، الأمالي للصدوق: ص 305 ح 349، بحار الأنوار: ج 49 ص 123 ح 4.

47

سَمِعتُ رَبَّ العِزَّةِ سُبحانَهُ وَ تَعالى يَقولُ: كَلِمَةُ لا إِلهَ إلّااللَّهُ حِصني، فَمَن قالَها دَخَلَ حِصني، وَ مَن دَخَلَ حِصني أَمِنَ مِن عَذابي، صَدَقَ اللَّهُ سُبحانَهُ وَ صَدَقَ جَبرَئيلُ وَ صَدَقَ رَسولُهُ وَ صَدَقَ الأَئِمَّةُ (عليهم السلام).

قال الاستاذ أبو القاسم القشيري (رحمه الله): إنّ هذا الحديث بهذا السّند بلغ بعض أُمراء السّامانيّة، فكتبه بالذّهب و أوصى أن يدفن معه، فلمّا مات رؤي في المنام، فقيل:

ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر اللَّه لي بتلفّظي بلا إله إلّا اللَّه و تصديقي محمّداً رسول اللَّه مخلصاً، و إنّي كتبت هذا الحديث بالذّهب تعظيماً و احتراماً. (1)

15

كتابه (عليه السلام) إلى إبراهيم بن أبي سمّاك في الإمام لا يغسله إلّا الإمام‏

حدّثنا معاوية بن حكيم، عن إبراهيم بن أبي سمّاك، (2) قال: كتبت إلى أبي الحسن الرّضا (عليه السلام): إنّا قد روينا عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) أنّ الإمام لا يغسِله إلّا الإمام، و قد بلغنا هذا الحديث، فما تقول فيه؟ فكتب إليَّ:

إِنَّ الّذي بَلَغَكَ هوَ الحَقُّ.

قال: فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت له: أبوك من غسّله و من وليه؟ فقال:

لَعَلَّ الَّذينَ حَضَروهُ أَفضَلَ مِن الَّذينَ تَخلَّفوا عَنهُ.

قلت: و مَن هم؟ قال:

حَضَروهُ الَّذينَ حَضَروا يوسُفَ (عليه السلام) مَلائِكَةُ اللَّهِ وَ رَحمَتُهُ.

(3)

____________

(1). كشف الغمّة: ج 3 ص 98.

(2). لم نجده بهذا العنوان في التّراجم.

(3). مختصر بصائر الدرجات: ص 13، بحار الأنوار: ج 27 ص 288 ح 1.

48

16

كتابه (عليه السلام) إلى أحمد بن عمر الحلّال من علامات الإمام‏

أحمد بن محمّد بن أبي نصر (1) قال: كتب أبو الحسن الرّضا (عليه السلام) إلى أحمد بن عمر الحلّال‏ (2) في جواب كتابته:

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ‏

عافانا اللَّهُ و إِيَّاكَ بِأَحسَنِ عافيةٍ، سَأَلتَ عَنِ الإِمامِ إِذا ماتَ بِأَيِّ شَي‏ءٍ يُعرَفُ الإِمامُ الّذي بَعدَهُ.

الإِمامُ لَهُ علاماتٌ، مِنها: أَن يَكونَ أَكبَرَ وُلدِهِ، وَ يَكونَ فيهِ الفَضلُ، و إِذا قَدِمَ الرَّكبُ المَدينَةَ قالوا: إِلى مَن أَوصى فُلانٌ؟ قالوا: إلى فُلانِ بنِ فُلانٍ، و السِّلاحُ فينا بِمَنزِلَةِ التَّابوتِ في بَني إِسرائيلَ، فَكونوا مَعَ السِّلاحِ أَينَما كانَ‏

(3)

.

و في الكافي: محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر، قال: قلت لأبي الحسن الرّضا (عليه السلام): إذا مات الإمام بِمَ يُعرف الّذي بعده؟ فقال (عليه السلام):

لِلإِمامِ عَلاماتٌ، منها: أن يَكونَ أَكبرَ وُلدِ أَبيهِ، وَ يَكونَ فيهِ الفَضلُ وَ الوَصيَّةُ، وَيقدَمَ الرّكبُ فَيَقولَ: إلى مَن أَوصى فُلانٌ؟ فَيُقالَ: إلى فُلانٍ، و السِّلاحُ فينا بِمَنزِلَةِ التَّابوتِ في بَني إِسرائيلَ، تَكونُ الإِمامَةُ مَعَ السِّلاحِ حَيثُما كانَ.

(4)

17

كتابه (عليه السلام) إلى الحسين بن قياما في الإشارة و النّص على إمامة الجواد (عليه السلام)

أحمد بن محمّد عن جعفر بن يحيى، عن مالك بن أشْيَم، عن الحسين بن بَشّار،

____________

(1). راجع: ص 27 الرقم 6.

(2). راجع: ص 64 الرقم 34.

(3). مختصر بصائر الدرجات: ص 8.

(4). الكافي: ج 1 ص 284 ح 1، بحار الأنوار: ج 25 ص 166 ح 35.

49

قال: كتب ابن قياما (1) إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتاباً يقول فيه: كيف تكون إماماً و ليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن الرّضا (عليه السلام)- شِبهَ المُغضَب-:

و ما عَلَّمَكَ أَنَّهُ لا يَكونُ لي وَلَدٌ، وَ اللَّهِ لا تَمضي الأَيَّامُ وَ اللَّيالي حَتَّى يَرزُقَنيَ اللَّهُ وَلَداً ذَكَراً يَفرُقُ بَينَ الحَقِّ و الباطِلِ.

(2)

و في عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): حدّثنا حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بقم في رجب سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة، قال: أخبرني عليّ بن إبراهيم بن هاشم فيما كتب إليَّ سنة سبع و ثلاثمائة، قال: حدّثني محمّد بن عيسى بن عبيد عن عبد الرّحمن بن أبي نجران و صفوان بن يحيى‏(3)، قالا: حدّثنا الحسين بن قياما، و كان من رؤساء الواقفة، فسألنا أن نستأذن له على الرّضا (عليه السلام) ففعلنا، فلمّا صار بين يديه قال له: أنت إمام؟

قال:

نَعَم‏

.

____________

(1). الحسين بن قياما بن موسى: واقفيّ، من أصحاب الكاظم (عليه السلام)، و كان يجحد أبا الحسن الرّضا (عليه السلام) (راجع: رجال الطوسي: ص 336 الرقم 4997، رجال ابن داوود: ص 445 الرقم 143).

قال الحسين بن بشّار: استأذنت أنا و الحسين بن قياما على الرّضا (عليه السلام) في صريا فأذن لنا، قال: أفرغوا من حاجتكم. قال له الحسين: تخلو الأرض من أن يكون فيها إمام؟ فقال: لا. قال: فيكون فيها اثنان؟ قال: لا إلّا واحد، صامت لا يتكلّم. قال: فقد علمت أنّك لست بإمام! قال: و من أين علمت؟ قال: إنّه ليس لك ولد، و إنّما هي في العقب. فقال له: فو اللَّه إنّه لا تمضي الأيّام و اللّيالي حتّى يولد لي ذكر من صلبي يقوم بمثل مقامي، يحيي الحقّ و يمحي الباطل.

و قال الحسين بن الحسن: قلت لأبي الحسن الرّضا (عليه السلام): إنّي تركت ابن قياما من أعدى خلق اللَّه لك. قال: ذلك شرّ له. قلت: ما أعجب ما أسمع منك جعلت فداك؟! قال: أعجب من ذلك إبليس، كان في جوار اللَّه عز و جل في القرب منه فأمره فأبى و تعزّز فكان من الكافرين، فأملى اللَّه له، و اللَّه ما عذّب اللَّه بشي‏ء أشدّ من الإملاء، و اللَّه يا حسين ما عذّبهم اللَّه بشي‏ء أشدّ من الإملاء (رجال الكشّي: ج 2 ص 828 الرقم 1044 و 1045).

(2). الكافي: ج 1 ص 320 ح 4، الإرشاد: ج 2 ص 277 و فيه «أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد عن محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن جعفر بن يحيى، عن مالك بن أشيم، عن الحسين بن يسار ...»، إعلام الورى: ص 346، كشف الغمّة: ج 2 ص 352، بحار الأنوار: ج 50 ص 22 ح 10.

(3). راجع: ص 117 الرقم 62.

50

قال: إنّي أُشهد اللَّه أنّك لست بإمام. قال: فنكت (عليه السلام) في الأرض طويلًا منكس الرّأس، ثمّ رفع رأسه إليه فقال له:

ما عِلمُكَ أَنِّي لَستُ بِإِمامٍ؟

قال له: إنّا قد روينا عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) أنّ الإمام لا يكون عقيماً، و أنت قد بلغت السّنّ و ليس لك ولد. قال: فنكس رأسه أطول من المرّة الاولى، ثمّ رفع رأسه فقال:

إِنِّي أُشهِدُ اللَّهَ أَنَّهُ لا تَمضي الأَيَّامَ وَ اللَّياليَ حَتَّى يَرزُقَنيَ اللَّهُ وَلَداً مِنِّي‏

. قال عبد الرّحمن بن أبي نجران: فعددنا الشّهور من الوقت الّذي قال، فوهب اللَّه له أبا جعفر (عليه السلام) في أقلّ من سنة.

قال: و كان الحسين بن قياما هذا واقفاً في الطواف، فنظر إليه أبو الحسن الأوّل (عليه السلام) فقال:

ما لَكَ حَيَّرَكَ اللَّهُ تَعالى؟

فوقف عليه بعد الدّعوة. (1)

18

كتابه (عليه السلام) إلى عبد اللَّه بن جُندَب في الولاية و وجوب طاعتهم (عليهم السلام)

عبد اللَّه بن جُندَب‏ (2) قال: كتب إليَّ أبو الحسن الرّضا (عليه السلام):

ذَكَرتَ رَحِمَكَ اللَّهُ هَؤُلاءِ القَومِ الَّذينَ وَصَفتَ أَنَّهُم كانوا بِالأَمسِ لَكُم إِخواناً، وَ الّذي صاروا إِليهِ مِنَ الخِلافِ لَكُم وَ العَداوَةِ لَكُم وَ البَراءَ ةِ مِنكُم، وَ الَّذينَ تَأَفَّكوا بِهِ مِن حَياةِ أَبي (صلوات الله عليه) وَ رَحمَتُهُ.

____________

(1). عيون أخبار الرّضا (عليه السلام): ج 2 ص 209 ح 13.

(2). راجع: ص 32 الرقم 10.

51

و ذكر في آخر الكتاب:

إِنَّ هؤُلاءِ القَومَ سَنَحَ لَهُم شَيطانٌ اغتَرَّهُم بِالشُّبهَةِ وَ لَبَّسَ عَلَيهِم أَمرَ دينِهِم، وَ ذلِكَ لَمَّا ظَهَرَت فِريَتُهُم و اتَّفَقَت كَلِمَتُهُم وَ كَذَّبوا

[

نَقَموا

]

عَلى‏ عالِمِهِم، وَ أَرادوا الهُدى‏ مِن تِلقَاءِ أَنفُسِهِم، فَقَالوا: لِمَ وَ مَن وَ كَيفَ؟ فَأَتاهُمُ الهُلكُ مِن مَأمَنِ احتياطِهِم، وَ ذلِكَ بِما كَسَبَت أَيديهِم وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلعَبيدِ. وَ لَم يَكُن ذلِكَ لَهُم وَ لا عَلَيهِم، بَل كانَ الفَرضُ عَلَيهِم، وَ الواجِبُ لَهُم مِن ذلِكَ الوُقوفَ عِندَ التَّحَيُّرِ، وَ رَدَّ ما جَهِلوهُ مِن ذلِكَ إِلى عالِمِهِ وَ مُستَنبِطِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقولُ في مُحكَمِ كِتابِهِ: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى‏ أُوْلِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ»

(1)

يَعني آلَ مُحَمَّدٍ، وَ هُمُ الَّذينَ يَستَنبِطونَ مِنَ القُرآنِ، وَ يَعرِفونَ الحَلالَ وَ الحَرامَ، وَ هُمُ الحُجَّةُ للَّهِ عَلى خَلقِهِ.

(2)

19

كتابه (عليه السلام) إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر في الولاية و ...

أحمد بن محمّد بن عيسى‏ (3) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر (4)، قال: كتبت إلى الرّضا (عليه السلام): إنّي رجل من أهل الكوفة، و أنا و أهل بيتي ندين اللَّه عز و جل بطاعتكم، و قد أحببت لقاء ك لأسألك عن ديني، و أشياء جاء بها قوم عنك بحجج يحتجّون بها عليّ فيك، و هم الّذين يزعمون أنّ أباك صلّى اللَّه عليه حيّ في الدّنيا لم يمت يقيناً، و ممّا يحتجّون به أنّهم يقولون: إنّا سألناه عن أشياءٍ فأجاب بخلاف ما جاء عن آبائه و أقربائه كذا، و قد نفى التّقيّة عن نفسه، فعليه أن يخشى. ثمّ إنّ صفوان لقيك‏

____________

(1). النساء: 83.

(2). تفسير العيّاشي: ج 1 ص 260 ح 206، بحار الأنوار: ج 23 ص 295 ح 36.

(3). راجع: ص 130 الرقم 79.

(4). راجع: ص 27 الرقم 6.

52

فحكى لك بعض أقاويلهم الّتي سألوك عنها، فأقررت بذلك و لم تنفه عن نفسك، ثمّ أجبته بخلاف ما أجبتهم، و هو قول آبائك، و قد أحببت لقاء ك لتخبرني لأيّ شي‏ء أجبت صفوان بما أجبته، و أجبت أولئك بخلافه، فإنّ في ذلك حياة لي و للناس، و اللَّه تبارك و تعالى يقول:

«وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»

(1)

. فكتب (عليه السلام):

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ‏

قَد وَصَلَ كِتابُكَ إِليَّ، وَ فَهِمتُ ما ذَكَرتَ فيهِ مِن حُبِّكَ لِقائي وَ ما تَرجو فيهِ، وَ يَجِبُ عَلَيكَ أَن أُشافِهكَ في أَشياءٍ جاءَ بِها قَومٌ عَنِّي، وَ زَعَمتَ أَنَّهُم يَحتَجُّونَ بِحُجَجٍ عَلَيكُم وَ يَزعُمونَ أَنِّي أَجِبتُهُم بِخِلافِ ما جاءَ عَن آبائي، وَ لَعَمري ما يُسمِعُ الصُّمَّ وَ لا يَهدي العُمي إِلَّا اللَّهُ «فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ»

(2)

«إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»

(3)

. وَ قَد قَالَ أَبو جَعفَرٍ: لَو استَطاعَ النَّاسُ لَكانوا شيعَتَنا أَجمَعينَ، وَ لكِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالى أَخَذَ ميثاقَ شيعَتِنا يَومَ أَخَذَ ميثاقَ النَّبيِّينَ.

وَ قالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام): إِنَّما شيعَتُنا مَن تابَعَنا وَ لَم يُخالِفنا، وَ مَن إِذا خِفنا خافَ، وَ إِذا أَمِنَّا أَمِنَ، فَأُولئِكَ شيعَتُنا. وَ قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وَ تَعالى: «فَسَلُوا

أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون»

(4)

وَ قالَ اللَّهُ: «وَ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا

كَافَّةً فَلَوْ لَا نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُوا

فِى الدّينِ وَ لِيُنذِرُوا

قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا

إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»

(5)

فَقَد فُرِضَت عَلَيكُمُ المَسأَلَةُ وَ الرَّدُّ إِلَينا، وَ لَم يُفرَض عَلَينا الجَوابُ، قالَ اللَّهُ عز و جل: «فَإِن لَمْ يَسْتَجِيبُوا

لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ‏

____________

(1). المائدة: 32.

(2). الأنعام: 125.

(3). القصص: 56.

(4). النحل: 43، الأنبياء: 7.

(5). التوبة: 122.

53

اللَّهِ»

(1)

يَعني مَن اتَّخَذَ دينَهُ رَأيَهُ بِغيرِ إِمامٍ مِن أَئِمَّةِ الهُدى.

فكتبت إليه: إنّه يعرض في قلبي ممّا يروي هؤلاء في أبيك. فكتب:

قَالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام): ما أَحَدٌ أَكذَبَ عَلى اللَّهِ وَ عَلى رَسولِهِ (صلى الله عليه و آله) مِمَّن كَذَّبَنا أَهلَ البَيتِ أَو كَذَبَ عَلَينا؛ لأَنَّهُ إِذا كَذَّبَنا أَو كَذَبَ عَلَينا فَقَد كَذَّبَ اللَّهَ وَ رَسولَهُ (صلى الله عليه و آله)؛ لِأَنَّا إِنَّما نُحدِّثُ عَن اللَّهِ تَبارَكَ وَ تَعالى وَ عَن رَسولِهِ.

قالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام)، وَ أَتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: إِنَّكُم أَهلُ بَيتِ الرَّحمَةِ، اختَصَّكُمُ اللَّهُ بِها. فَقالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام): نَحنُ كَذلِكَ- وَ الحَمدُ للَّهِ- لَم نُدخِل أَحَداً في ضَلالَةٍ وَ لَم نُخرِجهُ عَن هُدَىً، وَ إِنَّ الدُّنيا لا تَذهَبُ حَتَّى يَبعَثَ اللَّهُ مِنَّا- أَهلَ البَيتِ- رَجُلًا يَعمَلُ بِكِتابِ اللَّهِ عز و جل، لا يَرى مُنكَراً إِلَّا أَنكَرَهُ.

فكتب إليه: جُعلت فداك، إنّه لم يمنعني من التّعزية لك بأبيك إلّا أنّه كان يعرض في قلبي ممّا يروي هؤلاء، فأمّا الآن فقد علمت أنّ أباك قد مضى (صلوات الله عليه)، فآجرك اللَّه في أعظم الرّزيّة، و هنّاك أفضل العطيّة، فإنّي أشهد أن لا إله إلّا اللَّه و أنّ محمّداً عبده و رسوله (صلى الله عليه و آله). ثمّ وصفت له حتّى انتهيت إليه. فكتب:

قَالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام): لا يَستَكمِل عَبدٌ الإِيمانَ حَتَّى يَعرِفَ أَنَّهُ يَجري لِآخِرِهِم ما يَجري لِأَوَّلِهِم في الحُجَّةِ وَ الطَّاعَةِ وَ الحَرامِ وَ الحَلالِ سَواءٌ، وَ لِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله) وَ لأَميرِ المُؤمِنينَ فَضلُهُما.

وَ قَد قالَ رَسولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله): مَن ماتَ وَ لَيسَ عَلَيهِ إِمامٌ حَيٌّ يَعرِفُهُ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً.

وَ قالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام): إنَّ الحُجَّةَ لا تَقومُ للَّهِ عز و جل عَلى خَلقِهِ إِلَّا بِإِمامٍ حَيٍّ يَعرِفونَهُ.

وَ قالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام): مَن سَرَّهُ أَلّا يَكونَ بَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ حِجابٌ حَتَّى يَنظُرَ إلى اللَّهِ وَ ينظُرَ اللَّهُ إِلَيهِ، فَليَتَوَلَّ آلَ مُحَمَّدٍ وَ يَبرأَ مِن عَدُوِّهِم، وَ يَأتَمَّ بِالإِمامِ مِنهُم، فَإِنَّه إِذا كانَ كَذلِكَ نَظَرَ اللَّهُ‏

____________

(1). القصص: 50.

54

إلَيهِ وَ نَظَرَ إِلى اللَّهِ. وَ لَولا ما قالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام) حينَ يَقولُ: لا تَعجَلوا عَلى شيعَتِنا، إِن تَزِلَّ قَدَمٌ تَثبُتُ أُخرى، وَ قالَ: مَن لَكَ بِأَخيكَ كُلِّهِ، لَكانَ مِنِّي مِنَ القَولِ في ابنِ أَبي حَمزَةَ و ابنِ السَّرَّاجِ وَ أَصحابِ ابنِ أَبي حَمزَةَ.

أمَّا ابنُ السَّرَّاجِ‏

(1)

فَإِنَّما دَعاهُ إِلى مُخالَفَتِنا وَ الخُروجِ عَن أَمرِنا، أَنَّهُ عَدا عَلى مالٍ لِأَبي الحَسَنِ- (صلوات الله عليه)- عَظيمٍ فَاقتَطَعَهُ في حَياةِ أَبي الحَسَنِ، وَ كابَرَني عَلَيهِ وَ أَبى أَن يَدفَعَهُ، وَ النَّاسُ كُلُّهُم مُسلِمونَ مُجتَمِعونَ عَلى تَسليمِهِم الأَشياءَ كُلَّها إِليَّ، فَلَمَّا حَدَثَ ما حَدَثَ مِن هَلاكِ أَبي الحَسَنِ (صلوات الله عليه)، اغتَنَمَ فِراقَ عَليِّ بنِ أَبي حَمزَةَ وَ أَصحابِهِ إِيَّايَ، وَ تَعلَّلَ، وَ لَعَمري ما بِهِ مِن عِلَّةٍ إِلَّا اقتِطاعَهُ المالَ وَ ذَهابَهُ بِهِ.

وَ أَمَّا ابنُ أَبي حَمزَةَ فَإِنَّهُ رَجُلٌ تَأوَّلَ تَأويلًا لَم يُحسِنهُ، وَ لَم يُؤتَ عِلمَهُ، فَأَلقاهُ إِلى النَّاسِ، فَلَجَّ فيهِ وَكَرِهَ إِكذابَ نَفسِهِ في إِبطالِ قَولِهِ بِأَحاديثَ تَأَوَّلَها وَ لَم يُحسِن تَأويلَها وَ لَم يُؤتَ عِلمَها، وَرَأَى أَنَّه إِذا لَم يُصَدِّق آبائي بِذلِكَ، لَم يَدرِ لَعَلَّ ما خَبَّرَ عَنهُ مِثلُ السُّفيانيِّ وَ غَيرُهُ أَنَّهُ كائِنٌ لا يَكونُ مِنهُ شَي‏ءٌ، وَ قالَ لَهُم: لَيسَ يَسقُطُ قَولُ آبائِهِ بِشَي‏ءٍ، وَ لَعَمري ما يَسقُطُ قَولَ آبائي شي‏ءٌ، وَ لكِن قَصَرَ عِلمُهُ عَن غاياتِ ذلِكَ وَ حَقائِقِهِ، فَصارَ فِتنةٌ لَهُ وَ شُبِّهَ عَلَيهِ وَ فَرَّ مِن أَمرٍ فَوَقَعَ فيهِ.

وَ قالَ أَبو جَعفَرٍ (عليه السلام): مَن زَعَمَ أَنَّه قَد فَرَغَ مِنَ الأَمرِ فَقَد كَذَبَ؛ لِأَنَّ للَّهِ عز و جل المَشيئَةَ في خَلقِهِ، يُحدِثُ ما يَشاءُ وَ يَفعَلُ ما يُريدُ. و قال: «ذُرّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»

(2)

فآخِرُها مِن أَوَّلِها و أَوَّلُها مِن آخِرِها، فَإِذا أُخبرَ عَنها بِشَي‏ءٍ مِنها بِعَينِهِ أَنَّه كائِنٌ فَكانَ في غَيرِهِ مِنهُ، فَقَد وَقَعَ الخَبَرُ عَلى ما أُخبِرَ، أَلَيسَ في أَيديهِم أَنَّ أَبا عَبدِ اللَّهِ (عليه السلام) قالَ: إِذا قيلَ في المَرءِ شَي‏ءٌ فَلَم يَكُن فيهِ ثُمَّ كانَ في وَلَدِهِ مِن بَعدِهِ، فَقَد كانَ فيهِ.

(3)

____________

(1). راجع: ص 139 الرقم 96.

(2). آل عمران: 34.

(3). قرب الإسناد: ص 348 ح 1260، بحار الأنوار: ج 49 ص 264 ح 8 و راجع: الاصول الستّة عشر: ص 59 و بحار الأنوار: ج 25 ص 353 ح 2 وج 26 ص 223 ح 3 وج 39 ص 91 ح 2 وج 27 ص 51 ح 2.