تمهيد الوسائل في شرح الرسائل‏ - ج8

- الشيخ علي المروجي المزيد...
496 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين.

اما بعد فهذا هو الجزء الثامن من كتابنا تمهيد الوسائل، و البحث فى كتابنا هذا يشرع فى الامر الثانى من الامور التى ينبغى التنبيه عليها فيما دار الامر بين الجزئية و الشرطية. نحمد اللّه و نشكره على ما أنعم علينا من التوفيق لكتابته و طبعه، و ارجو من فضله الدائم أن يوفقنى لطبع باقى اجزائه كما وفقنى لطبع هذا الجزء مع سائر اجزائه فانه سميع مجيب.

الامر الثانى: (1) اذا ثبت جزئية شى‏ء أو شرطيته فى الجملة (2)

____________

[تتمة المقصد الثالث في الشك‏]

[تتمة المقام الاول في الشك في الحكم من دون لحاظ الحالة السابقة]

[تتمة الموضع الثاني في الشك في المكلف به‏]

[تتمة المطلب الثاني في الشبهة الوجوبية]

[تتمة القسم الثاني فيما إذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر]

[تتمة الامور التى ينبغى التنبيه عليها]

[الامر الثانى اذا ثبت جزئية شى‏ء أو شرطيته فى الجملة فهل يقتضى الاصل جزئيته و شرطيته المطلقتين قولان‏]

(1) من الامور التى ينبغى التنبيه عليها.

(2) أى على نحو الموجبة الجزئية. توضيحه: ان الدليل الدال على جزئية شى‏ء للمركب قد يكون لفظيا يدل على الجزئية مطلقا سواء تمكن المكلف من الجزء المذكور أو تعذر منه، كقوله: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» فانه يدل على جزئية فاتحة الكتاب سواء تمكن المكلف من قراءتها أم لا؟ و قد يكون لبيا، كما اذا قام الاجماع‏

4

فهل يقتضى الاصل (1) جزئيته (2) و شرطيته المطلقتين حتى اذا تعذر سقط التكليف بالكل أو المشروط (3) أو اختصاص (4)

____________

على جزئية السورة، فلا يستفاد منه الا الجزئية فى الجملة اذ هو المتيقن من معقده، و محل الكلام هو الثانى.

(1) و المراد منه اعم من الاصل اللفظى، و العملى، و القاعدة المستفادة من الروايات.

(2) هذا و ما بعده مفعول لقوله: «يقتضى» اى هل الاصل يقتضى ان يكون ما ثبت جزئيته فى الجملة جزءا مطلقا؟ حتى فيما اذا لم يتمكن المكلف من الاتيان به فتكون نتيجته سقوط التكليف بالكل عند عدم التمكن من الاتيان بالجزء، و ما ثبت شرطيته فى الجملة شرطا مطلقا حتى حال عدم التمكن منه كى يكون التكليف بالمشروط ساقطا عند عدم التمكن من الشرط؟

و لا يخفى عليك ان المراد مما ثبت جزئيته او شرطيته فى الجملة أن ثبتت بنحو الموجبة الجزئية بحيث لا يعلم انه شرط مطلقا او مختص بحال التمكن.

(3) اذ مقتضى كون الجزئية او الشرطية مطلقة و باقية حتى عند التعذر من اتيان الجزء او الشرط أن يسقط التكليف عند تعذر الجزء أو الشرط اذ تعذر الجزء يوجب تعذر الكل، و تعذر الشرط يوجب تعذر المشروط، و مع تعذر المكلف به يسقط التكليف به قهرا لعدم معقولية التكليف بالمتعذر.

(4) أى أو يقتضى الاصل ان يكون اعتبار الجزئية أو الشرطية مختصا بحال التمكن.

5

اعتبارهما بحال التمكن؟ فلو (1) تعذر لم يسقط التكليف. وجهان:

بل قولان: للاول (2)،

____________

(1) هذا من متفرعات اختصاص الجزئية أو الشرطية بحال التمكن فبناء على هذا القول لو تعذر الجزء أو الشرط لا يسقط التكليف بالكل أو المشروط اذ المفروض أن جزئية السورة مثلا انما هى عند التمكن منها، و أما عند تعذرها فلم تكن هى جزءا للصلاة، بل الامر تعلق بالاجزاء ما عدا السورة فلا يوجب انتفاء السورة انتفاء الامر بالصلاة، لعدم كونها جزءا لها عند عدم التمكن منها كى يوجب عدم التمكن من السورة عدم التمكن من الصلاة فيسقط الامر بالصلاة.

[القول الاول القول بالجزئية و الشرطية المطلقتين‏]

(2) أى دليل القول الاول: و هو القول بالجزئية و الشرطية المطلقتين هى اصالة البراءة، و ملخص الكلام: هو انه ينبغى ان يقع البحث فى مواضع ثلاثة:

الموضع الاول: فى مقتضى الاصول العملية.

الموضع الثانى: فى مقتضى الاصول اللفظية.

الموضع الثالث فى مقتضى القواعد العامة المستفادة من الاخبار الواردة فى مقام اعطاء القاعدة.

اما الموضع الاول: فقد يقال: ان مقتضى اصالة البراءة عند الشك فى ان الجزئية او الشرطية مطلقة أو مقيدة بحال التمكن هو البناء على الجزئية و الشرطية المطلقتين، لرجوع الشك فى الدوران المذكور الى الشك فى اصل التكليف اذ المفروض احتمال الجزئية المطلقة بان يكون المشكوك جزئيته جزءا حتى عند التعذر، و مع احتمال كون المشكوك جزئيته جزءا فى حال التعذر يحتمل التكليف‏

6

اصالة البراءة من الفاقد (1)، و عدم ما يصلح لاثبات التكليف به (2)، كما سنبين. و لا يعارضها (3) استصحاب وجوب الباقى‏

____________

فى باقى الاجزاء، و لا يكون معلوما فيكون الشك فى وجوب الباقى شكا فى اصل التكليف فيجرى فيه اصالة البراءة.

و ملخص الكلام: ان الشك فى الجزئية او الشرطية المطلقة ملازم للشك فى وجوب باقى الاجزاء و الشرائط، فالمرجع هى البراءة، و نتيجة هذا الاصل كون الجزئية و الشرطية مطلقتين.

(1) اى من المركب الفاقد للجزء المشكوك جزئيته أو الشرط المشكوك كونه شرطا.

(2) اى بالفاقد. و ملخصه: عدم قيام دليل يصلح لاثبات التكليف بالمركب الفاقد للجزء المشكوك او الشرط المشكوك، فاذا لم يقم دليل على اثبات التكليف بالنسبة الى الفاقد تجرى اصالة البراءة بالنسبة اليه.

(3) اى لا يعارض اصالة البراءة استصحاب وجوب باقى الاجزاء كى يكون حاكما على الشرعية منها، و واردا على العقلية منها اذ لا يجرى الاستصحاب فى حد نفسه كى يكون معارضا لاصالة البراءة، و ذلك لعدم وجود المتيقن السابق الذى هو احد ركنى الاستصحاب اذ المستصحب ان كان وجوبا نفسيا لباقى الاجزاء فانه لم يكن متيقنا فى السابق كى يستصحب، بل كان مفروض الانتفاء سابقا، فان وجوب الاجزاء وجوب غيرى، و ان كان وجوبا غيريا فهو و ان كان متيقن الحدوث سابقا لكنه متيقن الارتفاع لاحقا، لكونه تابعا لوجوب الكل المرتفع وجوبه جزما و بارتفاع الوجوب عن الكل يرتفع وجوب الاجزاء ايضا اذ وجوب الاجزاء سواء كان ضمنيا او

7

لان وجوبه (1) كان مقدمة لوجوب الكل، فينتفى بانتفائه (2) و ثبوت وجوب النفسى له (3) مفروض الانتفاء. نعم (4) اذا ورد

____________

غيريا فرع تعلق الوجوب بالكل حدوثا و بقاء، و على اى تقدير لا مجال لاستصحاب الوجوب لباقى الاجزاء، فتكون اصالة البراءة حاكمة.

(1) اى لان وجوب باقى الاجزاء مقدمة لوجوب الكل فانه يرتفع بارتفاع وجوب الكل.

و الحاصل: ان وجوب باقى الاجزاء وجوب مقدمى تبعى، اى وجوبه تابع لوجوب الكل فاذا انتفى وجوب الكل بتعذر بعض اجزائه او شرائطه ينتفى وجوب باقى الاجزاء.

(2) اى ينتفى وجوب باقى الاجزاء بانتفاء وجوب الكل.

(3) اى لباقى الاجزاء، بمعنى ان الوجوب النفسى لباقى الاجزاء غير ثابت على الفرض، لما عرفت من ان وجوب الاجزاء ليس وجوبا نفسيا بل وجوب مقدمى تبعى فلا معنى للاستصحاب بعد كونه مفروض الانتفاء سابقا.

و ملخص الكلام: انه لا وجه لاستصحاب وجوب باقى الاجزاء بعد تعذر الكل اذ لو كان المراد من باقى الاجزاء وجوبه التبعى الموجود حال التمكن من الكل فانه ارتفع بعد ارتفاع الوجوب عن الكل بتعذره، و لو كان المراد منه الوجوب النفسى فانه لم يكن ثابتا لباقى الاجزاء سابقا كى يشك فى ارتفاعه لاحقا و يستصحب.

(4) هذا استدراك عما ذكره من ان مقتضى الاصل الجزئية المطلقة، و الشرطية المطلقة بحيث اذا تعذر الجزء او الشرط سقط التكليف بالكل او المشروط.

8

و ملخص الاستدراك: ان ما ذكرناه انما كان بحسب الاصل العملى، فقد عرفت ان مقتضاه سقوط التكليف بالكل عند تعذر الجزء.

و اما مقتضى الاصل اللفظى الذى هو الموضع الثانى من المبحث فهل هو أيضا سقوط التكليف بالكل عند تعذر الجزء او سقوط التكليف بالمشروط عند تعذر الشرط ام لا؟ فتحقيق الحال يحتاج الى بسط الكلام هنا.

فنقول: اذا ورد الامر بمركب، كالصلاة، و ثبت كون شى‏ء جزءا او شرطا له فى الجملة، و يشك فى كونه جزءا او شرطا مطلقا او فى حال التمكن منه خاصة فيتصور الامر فى ثلاثة فروض:

الفرض الاول: أن ثبت المركب بدليل لفظى، كالصلاة، التى ثبت وجوبها بدليل كقوله: «اقيموا الصلاة» و ثبت الجزء المشكوك فيه او الشرط كذلك بدليل لبى، كالاجماع، فاذا شك فى كون السورة، مثلا، جزءا او الطهارة شرطا فى حال التعذر أم لا؟ يرجع الى اطلاق دليل المركب، و يحكم بعدم الجزئية و الشرطية فى حال تعذرهما، فيرفع اليد عن اصالة البراءة القاضية بعدم وجوب باقى الاجزاء عند دوران الامر فى الجزئية و الشرطية بين كونهما مطلقتين و بين كونهما مختصتين بحال التمكن، بل يحكم بوجوب الباقى بمقتضى الاطلاق.

الفرض الثانى: ان ثبت الجزء و الشرط بنفس الامر بالكل، فلا وجه للقول بالتمسك باطلاق دليل المركب فى هذا الفرض لان‏

9

المركب ينتفى بانتفاء جزئه قهرا.

الفرض الثالث: ان يكون الالفاظ موضوعة للمعانى الصحيحة فعلى هذا يكون الجزء المشكوك فيه، او الشرط من القيود المقومة لصدق الصلاة، مثلا، فلا يمكن التمسك باطلاقها بعد الشك فى صدق عنوان الصلاة على الفاقد للجزء او الشرط.

و ملخص الكلام: انه يعتبر فى جواز التمسك بالاطلاق او العموم عند الدوران فى كون الجزء او الشرط مختصا بحال التمكن او أعم منه و من حال التعذر امور:

الاول: كون الالفاظ موضوعة للاعم اذ بناء على كونها موضوعة للصحيح فلا يمكن التمسك بالاطلاق، كما تقدم تفصيله فى محله.

الثانى: فرض العموم و الاطلاق للامر بالمركب بالنسبة الى الاجزاء و الشرائط، بان يكون الحكم المترتب على المركب ثابتا بالدليل اللفظى.

الثالث: عدم العموم، او الاطلاق للدليل الذى يدل على التخصيص و التقييد اذ مع فرض العموم او الاطلاق للمخصص يتمسك به، لا بعموم العام او اطلاق المطلق و لا باصالة البراءة و الامر فيما ذكرناه كله واضح.

الرابع: ان لا يكون الجزئية او الشرطية ثابتة بنفس الدليل المتوجه الى المركب، و إلّا ينتفى الامر بالكل او المشروط بانتفاء الجزء او الشرط.

10

الامر بالصلاة و قلنا: بكونها (1) اسما للاعم كان (2) ما دل على اعتبار الاجزاء غير المقومة (3) فيه من قبيل التقييد (4) فاذا لم يكن للقيد اطلاق (5)

____________

(1) اى بكون الصلاة موضوعة للاعم من الصحيح و الفاسد.

و لا يخفى ان قوله «نعم اذا ورد الامر بالصلاة ...» اشارة الى الفرض الاول، و اما اذا قلنا بكونها اسماء لخصوص الصحيح فلا يمكن التمسك بالاطلاق، كما سيأتى. و هو «(قدس سره)» ذكر جواز التمسك بالاطلاق و عدمه من ثمرات القول بكون الفاظ العبادات موضوعة للصحيح او للاعم، و تحقيق ذلك فى محله.

(2) جواب الشرط، اى اذا ورد الامر بالصلاة، و قلنا: انها موضوعة للاعم من الصحيح و الفاسد فيتمسك باطلاقها، و ينفى كل جزء محتمل أو شرط مشكوك فيه، و يكون ما دل على اعتبار الاجزاء، كالدليل الدال على كون السورة جزءا للصلاة، او القنوت جزءا لها، او الطهارة شرطا لها مقيدا لاطلاق الصلاة.

(3) اى الاجزاء غير الركنية. و انما قيد بالاجزاء غير المقومة لانه مع الشك فى الاجزاء التى يتوقف صدق الصلاة عليها، و تكون هى ما تتقوم الصلاة بها لا يمكن التمسك بالاطلاق اذ مع الشك فيها لا يحرز عنوان الصلاة كى يتمسك باطلاقها.

(4) كما ان التقييد الوارد على المطلقات يكون مقيدا لها كذلك الادلة الدالة على اعتبار الاجزاء من الصلاة تكون مقيدة لاطلاق الصلاة.

(5) اى بحسب الحالات. هذا اشارة الى الامر الثالث من الامور التى تعتبر فى جواز التمسك بالعام.

11

بأن قام الاجماع على جزئيته (1) فى الجملة (2) و على وجوب المركب (3) من هذا الجزء فى حق القادر عليه (4) كان المتيقن منه (5) ثبوت مضمونه (6) بالنسبة الى القادر.

اما العاجز فيبقى اطلاق الصلاة بالنسبة اليه (7) سليما عن‏

____________

و ملخصه: ان التمسك بالعام مشروط بعدم وجود الاطلاق للدليل المخصص بحسب الحالات بان كان دليلا لبيا كالاجماع، و اما اذا كان الدال على التخصيص او التقييد دليلا لفظيا يتمسك باطلاق الدليل المخصص او المقيد لا باطلاق الدليل العام او المطلق لانه اذا كان للمخصص او للمقيد اطلاق شامل لحال التمكن و التعذر يكون هو حاكما على عموم العام او اطلاق المطلق.

(1) اى على جزئية الجزء الفلانى كالسورة.

(2) بحيث لم يستفد منه كونه جزءا للمركب فى حال العجز عنه.

(3) و هو تفسير لقوله: فى الجملة اى قام الاجماع على ان الصلاة المركبة من هذا الجزء كالسورة واجبة على من هو متمكن من هذا الجزء.

(4) اى على الجزء.

(5) اى من الاجماع.

(6) اى مضمون الدليل الذى هو الاجماع اعنى به جزئية السورة.

(7) اى بالنسبة الى الجزء الذى لم يكن المكلف قادرا عليه فان المفروض ان الدليل المقيد لبّى و ليس له اطلاق كى يتمسك به، و يحكم بجزئيته حتى فى حق العاجز، فان المعيار فى الادلة اللبية

12

المقيد، و مثل ذلك (1) الكلام فى الشروط نعم (2) لو ثبت الجزء و الشرط بنفس الامر بالكل و المشروط (3)، كما، لو قلنا، بكون‏

____________

هو الاخذ بالقدر المتيقن فيؤخذ به و يحكم بجزئيته بالنسبة الى القادر، اما العاجز عنه فيبقى اطلاق الصلاة بالنسبة اليه سليما عن المقيد و يؤخذ به و يحكم بعدم كونه جزءا بالنسبة اليه.

(1) اى مثل الكلام الذى سمعت منّا فى الاجزاء يقع الكلام فى الشروط فان ما دل على اعتبار الشروط يكون مقيدا للمطلقات فان كان الدليل الدال على اعتبار شرط دليلا لبيا فيقتصر فيه على القدر المتيقن، و هو حال التمكن منه و اما فى صورة العجز عنه يؤخذ باطلاق المطلق و يحكم بعدم شرطيته، و اما اذا كان دليلا لفظيا فيؤخذ باطلاقه، و يكون اطلاقه حاكما على اطلاق المطلق.

(2) هذا اشارة الى الفرض الثانى.

(3) بأن يكون معنى قوله: «صل» وجوب الصلاة مع السورة او مع الطهارة فاذا لم يتمكن من السورة او الطهارة فلا يمكن التمسك بالاطلاق و الحكم بصحة الفاقد للجزء او الشرط، و الوجه فيه هو ان وجوب الجزء او الشرط و وجوب الكل او المشروط قد حصلا بامر واحد، و قد صار المطلوب فى اول الامر مقيدا بقول مطلق فيكون الجزء، مثلا، جزء للمركب المأمور به بالنسبة الى القادر و العاجز معا، فاذا انتفى الجزء انتفى الكل فلا معنى لبقاء الطلب بالنسبة الى المقيد اذ بعد كون الجزء و الكل بطلب واحد و بامر فارد يسقط الامر بالكل بتعذر الجزء. و هذا بخلاف ما لو ثبت‏

13

الالفاظ اسامى للصحيح (1) لزم (2) من انتفائهما انتفاء الامر،

____________

التكليف بالمطلق، ثم ثبت تقييده بامور من الخارج فانه يمكن ان يجعل الاطلاق دليلا على ثبوت الفاقد للجزء او الشرط فى حق العاجز، و ينفى كونه جزءا او شرطا بالنسبة الى العاجز من اتيانه، و يحكم بصحة الفاقد للجزء او الشرط.

(1) اى الصحيح حال التمكن، و بهذا القيد يجاب عما يقال بانه لم يثبت كون الفاقد غير صحيح حال التعذر.

و ملخص كلامه: انه بناء على كون الفاظ العبادات اسامى للصحيح يثبت الجزء و الشرط بنفس الامر بالكل و المشروط فان المطلوب من اول الامر مقيد بالجزء و الشرط بحيث انتفائهما او انتفاء احدهما يوجب انتفاء المسمى، و صدق الاسم على الفاقد و بعد انتفائه لا معنى لبقاء الطلب بالنسبة الى الباقى من الكل، و هذا بخلاف القول بكون الالفاظ اسامى للاعم فان التكليف ثبت بالمطلق ثم ثبت تقييده بالجزء او الشرط من الادلة الخارجة الدالة على اعتبار الاجزاء غير المقومة. و ملخص الكلام: انه بناء على الصحيح كل الاجزاء و الشرائط مقوم للصدق بحيث انتفاء احدهما يوجب انتفاء المسمى بخلاف القول بالاعم فان الادلة الدالة على اعتبار الاجزاء غير المقومة ادلة خارجية دلت على تقييد المطلق الذى تعلق به التكليف فان تعذر جزء او شرط لا يقدح فى جواز التمسك بالمطلق.

(2) جواب لقوله: «لو ثبت» اى لزم من انتفاء الجزء و الشرط انتفاء الامر بالكل و المشروط.

14

و لا امر آخر (1) بالعارى عن المفقود، و كذلك (2) لو ثبت اجزاء

____________

(1) اى ليس امر آخر متعلق بفاقد الجزء غير الامر المتعلق بالكل كى يتمسك باطلاقه لما عرفت من انه على القول بالصحيح ثبت الجزء و الكل بنفس الامر المتعلق بالكل بحيث انتفاء الجزء يوجب انتفاء الكل، و بعد انتفاء الكل ينتفى الامر بانتفاء موضوعه و يبقى الفاقد بلا امر.

(2) اى كذا ينفى الامر بالكل بانتفاء الجزء. و هذا اشارة الى الفرض الثالث، و ملخصه: انه لو ثبت اجزاء المركب باوامر متعددة، كما، اذا قال: كبّر، و طهر، و اسجد، و نحوها و انتزع الامر بالمركب، كالامر بالصلاة، منها فان كل واحد من هذه الاوامر امر غيرى، و كما كان انتفاء الجزء او الشرط موجبا لانتفاء الكل كذلك انتفاء الوجوب الغيرى بسبب العجز من امتثاله يوجب ارتفاع الامر بذى المقدمة اذ المفروض لا امر بالمركب الذى هو ذو المقدمة، و ان الامر به انتزع من الامر باجزائه فاذا انتفى الامر باحد اجزائه ينتفى الامر المنتزع من الاوامر المتعلقة بالاجزاء، و لا يكون الامر بالصلاة منتزعا من الاوامر الباقية المتعلقة بالاجزاء الباقية، و من ذلك ذهب بعضهم الى عدم وجوب الاتيان بالاجزاء الباقية فيما اذا تعذر الاتيان ببعض أجزاء المركب المأمور به.

و هنا كلام لبعض المحشين و هو انه لا بد من فرض الكلام فيما اذا لم يكن هناك امر بالكل على حدة و بذى المقدمة كذلك و إلّا فلا بد مع انتفاء الاوامر المتعددة من جهة التعذر من الرجوع الى اصالة اطلاق الامر بالكل على مذهب الاعمى اذ لا فرق فى الرجوع‏

15

المركب من اوامر متعددة، فان كلّا منها (1) أمر غيرى اذا ارتفع فيه (2) الامر بسبب العجز ارتفع الامر بذى المقدمة (3) فينحصر الحكم بعدم سقوط الباقى (4) فى الفرض الاول (5)، كما ذكرنا

____________

الى اصالة الاطلاق على هذا المذهب بين ثبوت الاجزاء كلها بالاجماع، مثلا، و بين ثبوتها بالاوامر المتعددة المختصة بحال التمكن و بين ثبوت بعضها بذاك و بعضها بهذا، و لعله لذلك ضرب الكلام المذكور، و هو قوله: «و كذلك لو ثبت اجزاء المركب ...» فى بعض نسخ الكتاب.

(1) اى كل من الاوامر المتعددة.

(2) اى اذا ارتفع فى جزء من أجزاء المركب الامر الغيرى.

(3) و هو الامر بالمركب لان تعذر الجزء بسبب العجز يوجب انتفاء الكل، و بعد انتفائه يرتفع الامر بذى المقدمة من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

(4) اى الباقى من المركب بعد تعذر جزئه.

(5) و هو ما ذكره بقوله: «نعم اذا ورد الامر بالصلاة ...» و قد ذكرنا فى الفرض الاول ان ما دل على اعتبار الاجزاء غير المقومة فى المركب المأمور به ان كان دليلا لفظيا يوجب تقييد المطلق فيكون المأمور به هو المركب من هذا الجزء المدلول عليه بدليل معتبر و ان لم يكن ذلك الدليل لفظيا فينفى الجزء الشكوك متمسكا بالاطلاق فيبقى المطلق سليما عن معارضة دليل المقيد فلا يسقط التكليف بالباقى بانتفاء الجزء المشكوك و فقده عن العاجز غير المتمكن من اتيانه.

16

و لا يلزم (1) فيه استعمال لفظ المطلق فى المعنيين اعنى المجرد عن ذلك الجزء بالنسبة الى العاجز، و المشتمل على ذلك الجزء

____________

(1) جواب عن سؤال مقدر، و ملخص السؤال: ان الحكم باختصاص تقيد المركب بالجزء او الشرط بصورة التمكن من الجزء و الشرط مستلزم لاستعمال المطلق، و هو الصلاة مثلا، فى معنيين فى المركب الواجد للجزء بالنسبة الى القادر، و فى المركب الفاقد للجزء بالنسبة الى العاجز.

و ملخص الجواب: ان المطلق على ما اخترناه تبعا لجمع من المحققين و منهم سلطان العلماء فى تعليقاته على المعالم، موضوع للماهية المهملة المعراة عن جميع القيود يعنى لمطلق الماهية لا بشرط الانتشار و عدمه، و بعبارة ثانية انه موضوع لنفس الطبيعة اللابشرط المقسمى، و يكون ارادة الخصوصية من الخارج، و على هذا فعدم استعمال المطلق فى معنيين امر واضح اذ على هذا المبنى ان المطلق قد استعمل دائما فى الماهية المهملة، و استفادة القيد انما هو من دال آخر، فان تعدد المدلول انما هو لاجل تعدد الدال، فهو كما يطلق على الماهية الفاقدة للجزء حقيقة كذلك يطلق على الماهية الواجدة للجزء حقيقة، كما هو مقتضى قولهم:

«ان الماهية لا بشرط مجتمعة مع الف شرط» و كما انها فى الفاقدة حقيقة كذلك فى الواجدة ايضا حقيقة كاطلاق الانسان على افراده لانه على الحالتين قد استعمل المطلق فى الماهية المهملة.

و اما على مبنى المشهور من كون المطلق موضوعا للطبيعة المنتشرة اى اللابشرط القسمى، او الحصة المنتشرة فحيث ان قيد الانتشار مأخوذ فى مدلول المطلق على مسلكهم فانه لا بد من‏

17

بالنسبة الى القادر لان المطلق كما بين فى موضعه موضوع للماهية المهملة الصادقة على المجرد عن القيد و المقيد (1)، كيف و لو كان كذلك (2) كان كثير المطلقات مستعملا كذلك (3)، فان الخطاب الوارد بالصلاة قد خوطب به جميع المكلفين الموجودين او مطلقا (4) مع كونهم (5) مختلفين من التمكن من الماء و عدمه فى الحضر و السفر، و الصحة و المرض و غير ذلك، و كذا غير الصلاة

____________

تجريده عن الوصف المذكور و استعماله مجازا فى نفس الطبيعة حتى لا يلزم استعمال اللفظ فى معنيين و إلّا فيلزم.

و الحاصل: بناء على هذا المسلك لو استعمل الصلاة فى المقيد بالنسبة الى القادر و فى المطلق هو المعرى عن القيد بالنسبة الى العاجز فيلزم استعمال اللفظ فى معنيين. إلّا ان مختار الشيخ هو مبنى سلطان العلماء فلا يرد عليه الايراد المذكور.

(1) لان الماهية المهملة هى الماهية اللابشرط التى يجتمع مع الف شرط فانه يكون كاطلاق الانسان على افراده.

(2) اى لو كان استعمال المطلق فى المركب الواجد للاجزاء و الشرائط و الفاقد لبعضهما من باب استعمال اللفظ فى معنيين.

(3) اى مستعملا فى معنيين.

(4) اى الاعم من الموجودين و المعدومين.

(5) اى مع كون المكلفين. و ملخص كلامه: انه يلزم من القول باستعمال المطلق فى معنيين فى المقام ان يكون مستعملا فى اكثر من معنى واحد فى كثير من مطلقات الصلاة فان لها افرادا متعددة بحسب حالات المكلفين، و الحال انه ليس كذلك. هذا بالنقض.

و اما حله: فان المطلق كما عرفت مستعمل فى الماهية المهملة،

18

من الواجبات (1) و للقول الثانى (2) استصحاب وجوب الباقى (3) اذا كان المكلف مسبوقا بالقدرة (4)

____________

و الخصوصيات مستفادة من الدليل الخارجى فان قوله تعالى:

«فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»* يكون من قبيل تعدد الدال و المدلول، فلفظ الرقبة يدل على مطلوبية الطبيعة، و لفظ مؤمنة يدل على مطلوبية الايمان‏

(1) كالصوم، و الزكاة، و الحج. فان الخطاب الوارد فيها استعمل فى الماهية، و الخصوصيات مستفادة من الدليل الخارجى من قبيل تعدد الدال و المدلول.

[القول الثانى اختصاص اعتبار الجزئية او الشرطية بحال التمكن‏]

[استصحاب وجوب الباقى‏]

(2) الى هنا كان كلامنا فى بيان وجه القول الاول، و هو ان مقتضى الاصل أن الجزئية و الشرطية مطلقتان حتى فى حال عدم التمكن من الجزء و الشرط، و نتيجة هذا القول هو سقوط التكليف عن المركب بتعذر الجزء او الشرط. و من هنا شرع فى بيان وجه القول الثانى، و هو اختصاص اعتبار الجزئية او الشرطية بحال التمكن.

(3) اى يشك فى ارتفاع وجوب باقى المركب و بقائه بتعذر الجزء او الشرط و حيث كان وجوبه معلوما سابقا قبل تعذر الجزء او الشرط فبعد تعذره يشك فى بقاء الوجوب و ارتفاعه، فيستصحب وجوب باقى اجزاء المركب.

(4) اى استصحاب وجوب باقى اجزاء المركب انما يجرى فيما اذا كان المكلف قادرا سابقا على الاتيان بجميع اجزاء المركب و شرائطه، و اما اذا لم يكن قادرا عليه من الاول فالشك يكون فى‏

19

بناء (1) على ان المستصحب هو مطلق الوجوب بمعنى لزوم الفعل (2) من غير الالتفات الى كونه لنفسه او لغيره، او الوجوب النفسى (3) المتعلق بالموضوع الاعم من الجامع لجميع الاجزاء و الفاقد لبعضها. بدعوى: (4) صدق الموضوع عرفا على هذا

____________

نفس الوجوب لا فى بقائه و عندئذ لا مجال لجريان الاستصحاب.

(1) اى جريان استصحاب بقاء الوجوب فى المركب الفاقد للجزء او الشرط مبنى على التصرف فى نفس المستصحب بان يقال: ان المستصحب هو القدر المشترك بين الوجوب النفسى و الغيرى و هو مطلق المطلوبية. بدعوى: ان اهل العرف لا يفرقون بين مطلق المطلوبية و المطلوبية النفسية، و يزعمون ثبوت الثانية بثبوت الاولى بزعم اتحادهما و عدم التغاير بينهما.

(2) و هو القدر المشترك بين الوجوب النفسى و الغيرى.

فعلى هذا التقريب يكون المسامحة فى نفس الحكم المستصحب.

(3) اى جريان الاستصحاب مبنى على التصرف فى موضوع المستصحب، لا فى الحكم المستصحب بان يكون المراد من الوجوب هو الوجوب النفسى بلا تصرف، و لا تسامح فيه و انما كان التصرف فى موضوعه بان كان المراد منه الاعم من المركب الواجد لجميع الاجزاء و الفاقد لبعضها، بان يقال: ان هذه الاجزاء الباقية كانت واجبة سابقا اى قبل تعذر بعض اجزائه، فالاصل بقاؤها على ما كانت عليه.

(4) اى المتمسك بهذا الاستصحاب يدعى ان العرف لا يرى فرقا بين المركب الواجد لجميع الاجزاء و الفاقد لبعضها.

20

المعنى الاعم الموجود فى اللاحق (1) و لو مسامحة، فان اهل العرف يطلقون على من عجز عن السورة بعد قدرته عليها ان الصلاة كانت واجبة عليه (2) حال القدرة على السورة و لا يعلم بقاء وجوبها (3) بعد العجز عنها و لو لم يكف هذا المقدار (4) فى الاستصحاب لاختل جريانه (5) فى كثير من الاستصحابات، مثل استصحاب كثرة الماء و قلته فان الماء المعين الذى اخذ بعضه، او زيد عليه يقال: انه كان كثيرا او قليلا و الاصل بقاء ما كان، مع ان هذا

____________

(1) اى صدق الموضوع عرفا على الموضوع الموجود فى اللاحق، و هو المركب الناقص، و كان صدقه عليه بحسب التسامح العرفى اذ بحسب الدقة و التأمل التغاير بين المركب الواجد لجميع الاجزاء و بين المركب الفاقد لبعضها واضح.

(2) بالوجوب النفسى.

(3) اى لا يعلم بقاء وجوب السورة بعد العجز عن السورة فيتمسكون باستصحاب بقاء الوجوب النفسى لان الموضوع عندهم هو الاعم من الصلاة مع السورة، و بدونها، فان انتفاء بعض اجزاء المركب او شرائطه عندهم من قبيل تبدل الحالات، و لا يضر بجريان استصحاب الوجوب النفسى المتعلق بالمركب.

(4) بان كان الموضوع باقيا بحسب المسامحة العرفية.

(5) اى جريان الاستصحاب. لان الشك فى بقاء الحكم كثيرا ما ينشأ عن حصول التغير فى الموضوع، و لو كان تغير الموضوع على اطلاقه مانعا من جريان الاستصحاب لاختل جريانه فى كثير من موارده. و حله ان التغير الحاصل فى الموضوع ان كان مما

21

الماء الموجود لم يكن متيقن الكثرة (1) او القلة (2)، و إلّا (3) لم يحتمل الشك فيه فليس الموضوع فيه (4) الا الاعم من هذا الماء (5) مسامحة (6) فى مدخلية الجزء الناقص او الزائد فى‏

____________

يتسامح فيه العرف بحيث يراه ما كان سابقا فلا يقدح فى جريان الاستصحاب.

(1) لانه كان متيقن الكثرة مع الماء الذى اخذ منه و اما الماء الموجود فعلا الذى اخذ بعضه لم يكن متيقن الكثرة كى يستصحب.

(2) لانه متيقن القلة بدون الماء الذى زيد عليه، و اما الماء الموجود فعلا الذى زيد عليه لم يكن متيقن القلة كى يستصحب.

(3) اى الماء المعين الذى اخذ بعضه او زيد عليه لو لم يقل عرفا انه هو الماء الذى كان كثيرا او قليلا بل كان الماء الموجود غير الماء السابق فى نظرهم لم يعقل الشك فى بقاء الكثرة او القلة اذ بلحاظ قبل اخذه منه كان كثيرا، و اما الماء الذى اخذ منه فلم يكن كثيرا سابقا كى يستصحب بل هو قليل قطعا، و كذا الماء القليل.

(4) اى فى الذى جرى استصحاب الكثرة فيه بعد اخذ بعضه او استصحاب القلة فيه بعد زيادة الماء عليه.

(5) اى الاعم من الماء الذى زيد عليه مقدار او نقص منه ذلك المقدار.

(6) اى يتسامحون فى مدخلية الجزء الناقص فى صدق الكثرة عليه، و هذا المقدار من النقص من قبيل تبدل الاحوال فى نظرهم، و كذا يتسامحون فى مدخلية الجزء الزائد فى عدم صدق القلة عليه فانهم يرون أن الزيادة بهذا المقدار لا تقدح فى صدق القلة، و هذا

22

المشار اليه (1)، و لذا يقال: فى العرف هذا الماء كان كذا و شك فى صيرورته كذا من غير ملاحظة زيادته (2) و نقيصته، و يدل على المطلب (3) ايضا النبوى و العلويان المرويان فى غوالى اللئالى، فعن النبى (ص) «اذا أمرتكم بشى‏ء فأتوا منه ما استطعتم»

(1)

و عن على (ع) «الميسور لا يسقط بالمعسور»

(2)

«و ما لا يدرك كله لا يترك كله»

(3)

و ضعف اسنادها (4) مجبور باشتهار التمسك بها

____________

المقدار من الزيادة عليه من قبيل تبدل الاحوال.

(1) فى قوله: «ان هذا الماء كان كثيرا او قليلا سابقا و الاصل بقاؤه على ما كان».

(2) اى لا يلاحظون ان هذا الماء كان قليلا زيد عليه، او كان كثيرا اخذ منه بل يرون ان هذا الماء هو الماء السابق و يشكون فى بقاء كثرته و قلته فيتمسكون بالاستصحاب.

[في الاستدلال بالروايات على وجوب الجزء عند التمكن‏]

(3) و هو اختصاص الجزئية او الشرطية بحال التمكن و نتيجته عدم سقوط الامر بباقى اجزاء المركب عند تعذر جزئه او شرطه.

و من هنا شرع فى الموضع الثالث، و هو أن مقتضى القاعدة المستفادة من الاخبار ما ذا؟

(4) هذا اشارة الى خلاف بين المشهور و بين غيرهم، فان المشهور قائلون بانجبار ضعف سند الرواية بعمل المشهور بها، و انكر ذلك بعض المحققين، و هو الحق، و تحقيقه موكول الى محله ..

____________

(1 و 2 و 3) عوالى اللئالى ج 4 ص 58.

23

بين الاصحاب فى ابواب العبادات، كما لا يخفى. نعم قد يناقش فى دلالتها (1).

اما الاولى: (2) فلاحتمال كون من بمعنى الباء (3) او بيانيا، و ما مصدرية زمانية (4). و فيه: ان كون من بمعنى الباء مطلقا (5)

____________

(1) اى فى دلالة الروايات الثلاث.

(2) و هى قوله (ص) «اذا أمرتكم ...»

(3) و ملخص النقاش: هو ان الاستدلال بالرواية مبنى على أن تكون كلمة من تبعيضية، و كلمة ما موصولة فيكون معنى الرواية على هذا فأتوا بعض المأمور به، و هو الذى استطعتم منه لكنها ليست كذلك لاحتمال ان تكون كلمة «من» بمعنى الباء، فعلى هذا يكون معنى الرواية فأتوا بالمأمور به ما دام استطاعتكم. و يحتمل ان تكون كلمة من بيانية اى فأتوا ما استطعتم من الشى‏ء المأمور به ما دامت استطاعتكم، و مع وجود هذين الاحتمالين لا تكون الرواية ظاهرة فى المعنى الاول كى يتمسك بها للمطلوب.

(4) هذا راجع الى كلا الاحتمالين كون «من» بمعنى الباء او بيانيا فيكون مفاد الرواية على الاحتمالين وجوب الاتيان بالمأمور به ما دامت القدرة و الاستطاعة فيكون وزانه وزان الادلة الدالة على أن التكاليف مشروطة بالقدرة فلا دلالة فيها على كلا التقديرين على وجوب الاتيان بالمقدور من الاجزاء بعد سقوط وجوبه من غير المقدور منها، كما هو المطلوب.

(5) سواء كان فى المقام او فى غيره.

24

و بيانية فى خصوص المقام (1) مخالف للظاهر (2)، و بعيد، كما لا يخفى على العارف باساليب الكلام. و العجب (3) معارضة هذا الظاهر بلزوم تقييد الشى‏ء بناء على المعنى المشهور بما كان له اجزاء حتى يصح الامر باتيان ما استطيع منه.

____________

(1) اى فى خصوص الرواية.

(2) اذا الظاهر من لفظ «من» هو التبعيض فان حمل لفظ «من» على كونه بمعنى الباء يحتاج الى تأويل اذ مادة الاتيان بمعنى الفعل تتعدى بنفسها لا بالباء.

و ملخص الكلام: جعل كلمة من بمعنى الباء مجاز، و هو خلاف الاصل، و جعل ما مصدرية ايضا خلاف الاصل و ايضا تأويل الفعل بالمصدر خلاف الظاهر، و الاصل.

و اضف اليه ان كون من بيانية يقتضى ان يكون معنى الحديث وجوب الاتيان بالمأمور به و هذا ليس إلّا تأكيدا للايجاب الثابت من الامر و التأسيس اولى من التأكيد.

(3) و المصنف يتعجب من صاحب الفصول حيث انه سلم ظهور النبوى فى المعنى المشهور، و هو كون كلمة منه ظاهرة فى التبعيض، و كون المراد من الشى‏ء مركبا ذا اجزاء، و عدم ظهوره فى المعنيين اللذين احتملهما، و هو كون من بيانيا او بمعنى الباء إلّا انه يقول: ان هذا الظاهر معارض بامور ثلاثة:

الاول انه يلزم تقييد لفظ الشى‏ء فى قوله (ص) «اذا امرتكم بشى‏ء ...» بما له اجزاء ليصلح الامر باتيان ما يستطاع من الاجزاء بعد العجز عن الاتيان ببعض الاجزاء.

25

ثم تقييده (1) بصورة تعذر اتيان جميعه، ثم ارتكاب التخصيص فيه (2).

____________

الثانى: انه بعد تقييد الشى‏ء بما له اجزاء و بان المراد من الشى‏ء هو المركب يلزم تقييد أمر آخر ايضا، و هو تقييد المركب بتعذر الاتيان ببعض ذلك المركب.

الثالث: انه يلزم مع هذين التقييدين تقييد آخر ايضا، و هو التخصيص فى الحكم الدال عليه النبوى بان يخرج ما دل على الجزئية و الشرطية المطلقتين عن اطلاق النبوى، ففى هذا الفرض لا يجب الاتيان بالباقى بعد تعذر الجزء او الشرط فلا بد من تخصيص النبوى الدال على وجوب الاتيان بالباقى بغير هذه الصورة، و كذا لا بد أن يخصص النبوى بغير ما قام الاجماع على عدم الاتيان بالباقى فيصير معنى النبوى على هذا «اذا أمرتكم بشى‏ء ذى اجزاء تعذر بعضها فأتوا بما لم يتعذر الا ما خرج» و هذه الامور الثلاثة تصادم ترجيح الظهور فلا يمكن الاخذ به، و قال الشيخ فى مقام الجواب بعد تعجبه: ان المناقشة فى الظهور ناشئة عن اعوجاج الفهم.

(1) اى تقييد الشى‏ء بعد تقييده بكونه ذا اجزاء. بصورة عدم التمكن من اتيان جميع اجزاء المركب.

(2) اى فى الشى‏ء اى يخرج موارد قيام الاجماع بعدم وجوب الاتيان بباقى اجزاء المركب عن مورد الرواية. بأن يكون معنى الرواية: اذا امرتكم بشى‏ء تعذر الاتيان بجميع اجزائه فأتوا ما استطعتم منه الا ما خرج من هذا الشى‏ء.

26

باخراج ما لا يجرى فيه هذه القاعدة اتفاقا (1)، كما (2) فى كثير من المواضع اذ لا يخفى ان التقييدين الاولين يستفادان (3) من قوله: «فأتوا منه الخ» و ظهوره (4).

____________

(1) كما قام الاجماع فى مورد ان المركب اذا تعذر بعض اجزائه لا يجب الاتيان بالباقى، فان قاعدة الميسور لا بد أن تخصص فى هذا المورد.

(2) اى يكون تخصيص القاعدة فى كثير من الموارد كالوضوء، و الصلاة، و الصوم، و الحج و امثالها فانه لا شبهة فى انه لا يجب على من قدر على اتيان ركعة من صلاة الصبح ان يأتى بها دون الباقى المتعذر، و كذلك غسل مواضع الوضوء، فان من لا يتمكن من غسل الوجه بتمامه لا يجب عليه غسل ما تمكن منه.

(3) وجه الاستفادة دعوى ظهور لفظة من فى التبعيض و بعد ظهورها فى التبعيض لا بد ان يكون المراد بالشى‏ء شيئا له اجزاء بمعنى ارادة المركب منه، و ان يكون المركب مما تعذر بعض اجزائه كى يصدق عليه «فأتوا منه ما استطعتم» اذا الامر باتيان المقدور من المأمور به المركب لا يعقل إلّا فى شى‏ء ذى أجزاء تعذر بعضه اذن فقوله: «فأتوا منه» يدل بظاهره على كلا القيدين، و لا يكون التقييدان خلاف الظاهر.

(4) اى بعد الاعتراف بظهور كلمة «من» فى التبعيض، و كون الشى‏ء بلحاظ كلمة «من» ظاهرة فى المركب الذى تعذر بعض اجزائه لا يكون التقييدان الاولان خلاف الظهور بل يكون ظهوره حاكما على التقييدين يعنى ظهور قوله (ص): «فأتوا منه‏

27

حاكم عليهما (1): نعم اخراج كثير من الموارد لازم (2)،

____________

ما استطعتم» فى التقييدين حاكم على التقييدين يعنى دال عليهما فلا تكون الحكومة بالمعنى المصطلح. فتأمل كى تعرف.

و يمكن حمل كلامه على الحكومة المصطلحة ايضا بأن يقال:

ان معنى قوله: «ظهوره حاكم عليهما» ان الظاهر من قوله: «فأتوا منه» هو التبعيض، و هذا الظاهر حاكم على اصالة الاطلاق فيهما، فلا بد من الالتزام بالتقييدين المزبورين بقرينة الظهور المزبور لان ظهور من فى التبعيض مستند الى الوضع، و ظهور الاطلاق منته الى مقدمات الحكمة فيكون الاول مقدما على الثانى. و الحاصل:

ظهور اصالة الاطلاق معلق على عدم مجى‏ء المقيد فمع وجوده لا يبقى لها موضوع، و بهذه المناسبة يمكن ان يحمل الحكومة فى قول الماتن على الحكومة المصطلحة.

(1) اى ظهور قوله: «فأتوا منه ما استطعتم» حاكم على التقييدين.

(2) اى اخراج كثير من موارد تعذر بعض اجزاء المركب، او شرائطه عن اطلاق هذا الحديث لازم، فان قاعدة الميسور لا تجرى فيها قطعا. ربما يعد منها ما لو قدر على بعض الفاتحة، او السورة او بعض ذكر الركوع او السجود او التشهد او السلام او على غسل بعض من الوجه او اليدين او بعض المسح فى باب الوضوء او قدر على ركعة من ركعتى، الفجر او ثلاث ركعات من الظهرين و العشاء و ركعتين من المغرب و هكذا، فان الفقهاء لم يلتزموا بوجوب الاتيان بالميسور فى امثال هذه الموارد.

28

و لا بأس به (1) فى مقابل ذلك البعيد (2). و الحاصل: ان المناقشة فى ظهور الرواية من اعوجاج الطريقة فى فهم الخطابات العرفية.

و اما الثانية (3) فلما قيل من أن معناه ان الحكم الثابت للميسور لا يسقط بسبب سقوط المعسور، و لا كلام.

____________

(1) اى لا بأس باخراج كثير من الموارد. و ملخصه: انا نسلم ان تخصيص القاعدة يلزم، و نلتزم به.

(2) اذ الامر دائر بين ارتكاب المجاز البعيد و هو حمل كلمة «من» على معنى الباء، او على البيانية و حمل كلمة «ما» على المصدرية و بين ارتكاب التخصيص فى قاعدة الميسور من الرواية، و ارتكاب التخصيص اسهل من ارتكاب المجاز البعيد و حمل كلمة من على معنى الباء او البيان.

(3) اى الرواية الثانية. و هى قوله (ع): «الميسور لا يسقط بالمعسور». و ملخص النقاش فيه كما حكى عن صاحب الفصول (قدس سره): ان الرواية ظاهرة من جهة لفظ السقوط فى بقاء الحكم السابق الثابت للميسور، و انه لا بد من ابقائه مع سقوط حكم المعسور، و هذا المعنى لا ينطبق على ما نحن فيه من المركبات التى تعذر بعض اجزائها لان سقوط الشى‏ء يستلزم ثبوته اولا، و المقصود من اثبات وجوب باقى الاجزاء هو اثبات الوجوب النفسى له فاذا اريد تطبيق الرواية على ما نحن فيه فلا بد ان يقال: ان الاجزاء الباقية كانت واجبة عند التمكن من الكل فاذا سقط وجوب الكل لاجل تعذره لا يسقط وجوب الاجزاء الغيرى، و الحال قد ارتفع هذا الوجوب بتعذر الكل يقينا، و ليس المقصود من اثبات وجوب باقى الاجزاء اثبات الوجوب الغيرى بل المقصود بعد تعذر

29

فى ذلك (1) لان سقوط حكم شى‏ء (2) لا يوجب بنفسه سقوط الحكم الثابت للآخر (3) فيحمل الرواية على رفع توهم السقوط فى الاحكام المستقلة (4) التى يجمعها دليل واحد، كما فى (اكرم‏

____________

الكل اثبات الوجوب النفسى للاجزاء الباقية، و هو لم يكن ثابتا اولا فيكون الشك فى حدوث الوجوب النفسى للبعض الميسور و عدمه، لا فى بقائه، اذن فلا تنطبق الرواية على المقام فلا بد من حملها على رفع توهم السقوط فى الاحكام المستقلة التى يجمعها دليل واحد كما فى «اكرم العلماء» حيث ان الحكم الثابت لزيد العالم من وجوب اكرامه مع تيسره لا يسقط من جهة سقوط وجوب اكرام عمرو العالم من جهة تعسره او تعذره و ان كان ربما يتوهم سقوطه من جهة كون الدليل المثبت لوجوب اكرامهما واحدا، و هو «اكرم العلماء» إلّا انه توهم فاسد.

(1) اى فى ان الحكم الثابت لموضوع لا يسقط بسبب سقوط الحكم المعسور عن موضوع آخر.

(2) و هو المعسور.

(3) و هو الميسور.

(4) لان الاحكام غير المستقلة التابعة لوجوب المركب كالحكم الغيرى او الضمنى لا يتصور بقاؤها بعد تعذر المركب، و سقوط وجوبه فضلا عن الحكم عليها بعدم السقوط. نعم لا بد من الاحكام المستقلة ان يجمعها دليل واحد اذ حملها على بيان حكم ما لا يجمعها دليل واحد كالصلاة، و الصوم و الحج، مثلا، فى غاية البعد اذ لا يتوهم احد سقوط احد هذه الواجبات بتعذر الآخر حتى يحتاج الى البيان فلا بد ان تحمل الرواية على بيان حكم الافراد

30

العلماء) و فيه: اولا (1) ان عدم السقوط محمول على نفس الميسور لا على حكمه (2) فالمراد به (3) عدم سقوط الفعل الميسور بسبب (4) المعسور يعنى ان الفعل الميسور (5) اذا لم يسقط

____________

التى كان كل واحد منها واجبا بالوجوب النفسى، و كان بينها رابطة و لو بكونها واقعة تحت دليل واحد.

(1) ملخص الجواب: ان النقاش المذكور مبنى على كون الرواية دالة على بيان عدم سقوط حكم الموضوع الميسور بسبب سقوط حكم الموضوع المعسور، و هو خلاف ظاهر الرواية لان عدم السقوط محمول على نفس الميسور، لا على حكمه. و الظاهر من المعسور و الميسور هو الفعل، لا الحكم.

(2) حيث قال (ع): «لا يسقط الميسور بالمعسور» و لم يقل:

«لا يسقط حكم الميسور بسقوط حكم المعسور».

و الظاهر من قوله (ع): «لا يسقط» هو الانشاء فيكون المراد الحكم ببقاء الفعل السابق اى سقوط فعل ثابت فى الذمة بسبب تعذره لا يصير سببا لسقوط الفعل الميسور، و لا شك ان هذا الكلام انما يقال: فيما كان ارتباط وجوب الفعل الميسور بالتمكن من فعل المعسور محققا ثابتا، كما فى الامر بالمركب فان وجوب الجزء الميسور منه مرتبط بالتمكن من الجزء المعسور بحيث يسقط التكليف عن الميسور عند عدم التمكن من المعسور، او متوهما كما فى «اكرم العلماء» و سيأتى توضيحه.

(3) اى المراد بعدم سقوط الميسور.

(4) اى بسبب تعذر المعسور و سقوطه.

(5) كالاجزاء الميسورة من المركب.

31

عند عدم تعسر شى‏ء (1) فلا يسقط بسبب تعسره (2) و بعبارة اخرى (3) ما وجب عند التمكن من شى‏ء آخر فلا يسقط عند تعذره و هذا الكلام (4) انما يقال فى مقام يكون ارتباط وجوب الشى‏ء بالتمكن من ذلك الشى‏ء الآخر محققا ثابتا من دليله.

كما فى الامر بالمركب (5).

____________

(1) اى عند عدم تعسر جزء من اجزاء المركب بان يتمكن من جميع اجزائه.

(2) اى لا يسقط الاجزاء الميسورة من المركب بسبب تعسر الجزء الذى كان ميسورا سابقا.

(3) اى يستفاد من الرواية ان باقى اجزاء المركب التى وجبت عند التمكن من شى‏ء آخر، كالسورة، مثلا فلا يسقط عند تعذر السورة.

(4) اى قوله: «ما وجب عند التمكن من شى‏ء آخر ...» انما يقال: فيما كان ارتباط وجوب فعل الميسور بالتمكن من فعل المعسور متحققا ثابتا من دليله كما فيما نحن فيه اى يشمل الرواية ما اذا كان الارتباط بين شيئين ثابتا. كما فى الامر بالكل فانه يدل بالالتزام على وجوب ارتباط بين الاجزاء الميسورة و بين التمكن من الجزء المعسور، فكما ان وجوب المركب مرتبط بالتمكن من القراءة، مثلا كذلك وجوب الاجزاء الميسورة مرتبط بالتمكن منها.

(5) و قد عرفت أن فى مورد الامر بالمركب يكون الارتباط بين الاجزاء الميسورة و المعسورة محققا اذ الامر بالمركب انما يعقل‏

32

او متوهما (1) كما فى الامر بما له عموم (2).

و ثانيا: ان ما ذكر (3) من عدم سقوط الحكم الثابت للميسور

____________

بعد لحاظ الاجزاء امرا واحدا و مرتبطا بعض اجزائه الى بعض آخر.

(1) اى هذا الكلام انما يقال فى مقام يكون الارتباط بين الميسور و المعسور متوهما.

(2) كقوله: «اكرم العلماء» فان له عموما أفراديا فانما كل فرد من العالم كان موضوعا مستقلا لوجوب الاكرام، بحيث لو أكرم فردا و لم يكرم الآخر اطاع، و عصى لكن وحدة الدليل توجب ان يتوهم ان اكرام افراد العالم ارتباطى بحيث انتفاء اكرام فرد منه يوجب انتفاء الكل.

(3) و ملخصه: انا لو اغمضنا عن الجواب الاول و سلمنا ان عدم السقوط لا يكون محمولا على نفس الميسور، بل محمول على حكم الميسور فيكون المراد من الرواية ان حكم الميسور لا يسقط بسقوط حكم المعسور اى لا ملازمة بين سقوط حكم الموضوع المعسور و سقوط حكم الموضوع الميسور إلّا انه مع ذلك ايضا يثبت المطلوب، و هو وجوب الاتيان بباقى الاجزاء بعد تعذر الاتيان بالكل. بتقريب: ان الاجزاء الباقية حين التمكن من الكل و ان كانت واجبة بالوجوب الغيرى مقدمة لوجوب الكل، إلّا ان أهل العرف بعد تعسر بعض اجزائه يقولون: ان هذه الاجزاء الباقية كانت واجبة حين التمكن من الكل، و يزعمون بقاء هذا الوجوب بعد تعسر بعض اجزائه من دون التفات منهم الى ان الموجود حين التمكن من الكل هو الوجوب الغيرى، و المقصود بالاثبات بعد تعذر

33

بسبب سقوط الحكم الثابت للمعسور كاف (1) فى اثبات المطلوب بناء (2) على ما ذكرنا فى توجيه الاستصحاب من ان اهل العرف يتسامحون (3) فيعبرون عن وجوب باقى الاجزاء بعد تعذر غيرها من الاجزاء ببقاء (4) وجوبها، و عن عدم وجوبها بارتفاع وجوبها

____________

بعض الاجزاء هو الوجوب النفسى، و لذا يعبرون عن وجوب الباقى بعد تعسر بعض اجزائه بالبقاء، و عن عدمه بالسقوط مع انه بحسب الدقة العقلية لا معنى للحكم بالبقاء لان الوجوب الثابت فى السابق كان غيريا قد ارتفع، و الوجوب الثابت فى اللاحق وجوب نفسى لم يكن ثابتا فى السابق فكيف يحكم بالبقاء.

(1) خبر لقوله: «ان ما ذكر ...» اى كاف فى اثبات ان حكم الاجزاء الباقية لا يسقط بسبب سقوط حكم الكل بتعذر بعض اجزائه.

(2) اى كفاية ما ذكر مبنية على ما ذكرنا فى توجيه جريان الاستصحاب فى موارد تبدل الموضوع بالدقة العقلية و عدم تبدله عند العرف، و قلنا ان المعيار هو بقاء الموضوع عرفا.

(3) فى الوجوب. و لا يفرقون بين الوجوب النفسى و غيره، و يعبرون عن وجوب باقى الاجزاء بالوجوب النفسى، مع أنه كان غيريا.

و ملخصه: ان المسامحة العرفية المصححة لجريان الاستصحاب موجودة هنا ايضا.

(4) الجار متعلق بقوله: «فيعبرون» اى يقولون: ان وجوب باقى الاجزاء باق او مرتفع، مع أن فى تعبيرهم مسامحة اذ البقاء و الارتفاع فرع الثبوت، و لم يثبت الوجوب الذى يريدون اثباته،

34

و سقوطه، لعدم مداقتهم فى كون الوجوب الثابت سابقا غيريا، و هذا الوجوب الذى يتكلم فى ثبوته و عدمه نفسى فلا يصدق على ثبوته (1) البقاء و لا على عدمه (2) السقوط و الارتفاع، فكما يصدق هذه الرواية (3) لو شك- بعد ورود الامر باكرام العلماء بالاستغراق الافرادى- فى ثبوت (4) حكم اكرام البعض الممكن الاكرام و سقوطه بسقوط حكم اكرام من يتعذر اكرامه، كذلك يصدق لو شك بعد الامر بالمركب فى وجوب الاجزاء بعد تعذر بعضه (5) كما لا يخفى.

____________

و هو الوجوب النفسى، و الذى كان ثابتا، و هو الوجوب الغيرى قد ارتفع قطعا.

(1) اى على ثبوت الوجوب النفسى.

(2) اى على عدم الوجوب النفسى. و الوجه فى عدم صدق الارتفاع على عدمه ما عرفت من ان الوجوب النفسى للاجزاء الباقية لم يكن ثابتا سابقا كى يصدق الارتفاع على عدمه، فان ارتفاع الشى‏ء فرع ثبوته.

(3) اى الرواية الدالة على قاعدة الميسور.

(4) الجار متعلق بقوله: لو شك.

(5) اى كما يصدق قاعدة الميسور فيما اذا أمر بوجوب اكرام العلماء، و تعذر اكرام بعض منهم، فيحكم بوجوب اكرام الباقى، كذلك تصدق فى ما اذا أمر بالمركب، و تعذر بعض اجزائه.

و الجامع بين الموردين أن فى مورد الامر باكرام العلماء يكون الارتباط بين المعسور و الميسور متوهما، و فى الامر بالمركب يكون الارتباط بينهما محققا ثابتا فيكون مفاد الرواية راجعا الى‏

35

و بمثل ذلك (1) يقال: فى دفع دعوى جريان الايراد المذكور (2) على تقدير تعلق عدم السقوط بنفس الميسور لا بحكمه بان يقال:

____________

بيان حكم افراد يجمعها الرابطة، سواء كان الرابطة واقعية بينها، كما فى مورد الامر بالمركب، او توهميا، كما فى مورد الامر باكرام العلماء، و لا وجه لتخصيصه بالثانى فقط.

(1) و هو بناء على المسامحة العرفية.

(2) و ملخص الدعوى: فى المقام على تقدير حمل الميسور و المعسور على فعلهما لا على حكمهما هو ان الاتيان بالجزء الباقى بعد تعذر الجزء الآخر من المركب بمقتضى الرواية مستلزم لترك الملازمة بين المقدمة و ذيها لان ذا المقدمة مركب من الجزء الميسور و الجزء المعسور، و الجزء مقدمة للكل و تابع له، فالحكم بعدم سقوط الميسور بسبب سقوط المعسور حكم بعدم الملازمة بين المقدمة و ذيها. و ملخص الكلام: ان وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها فيكون ثبوتها تابعا لثبوته و سقوطها تابعا لسقوطه فلا يعقل الحكم بعدم سقوط فعل المقدمة عند سقوط ذيها اذ يرجع الى التفكيك بين المتلازمين، و هو غير معقول اذن فلا يمكن حمل الرواية على الجزء و الكل، فلا بد من حملها على ما له عموم افرادى مثل «اكرم العلماء» دفعا لتوهم السقوط عن بعض الافراد من جهة تعذر بعض افراده.

و ملخص الدفع: ان ما ذكره ان فعل المقدمة تابع لوجود ذى المقدمة ثبوتا و سقوطا انما هو بحسب العقل، اذ لا معنى لبقاء المقدمة بوصف كونها مقدمة فى الذمة بعد سقوط ذيها فانه يرى ان الحكم بوجوب المقدمة بعد سقوط ذيها تفكيك بين المتلازمين،

36

ان سقوط المقدمة لما كان لازما لسقوط ذيها (1) فالحكم بعدم الملازمة (2) فى الخبر لا بد ان يحمل على الافعال المستقلة فى الوجوب لدفع توهم السقوط الناشئ عن ايجابها (3) بخطاب واحد: و اما فى الثالثة: (4) فما قيل (5): من ان جملة «لا يترك»

____________

و التفكيك بينهما غير جائز لكن المعيار فى المقام هو نظر العرف، فانهم يزعمون كون الباقى من الاجزاء بعد تعسر الكل هو الموجود عند التمكن منه من دون التفات الى ان الموجود عند التمكن من الكل هى هذه الاجزاء من حيث كونها مقدمة للكل، و الثابت بعد تعذر الكل هى هذه الاجزاء من حيث مطلوبيتها فى نفسها فهم يرون ان الموجود هو الذى كان سابقا و ان كان بحسب المداقة غير ذلك.

(1) فلا يمكن التفكيك بينهما بالقول بعدم سقوط المقدمة بعد سقوط ذيها.

(2) حيث حكم بان الميسور لا يسقط بالمعسور.

(3) اى ايجاب الافعال المستقلة بخطاب واحد. حيث ان ايجاب اكرام العلماء بخطاب واحد و هو «اكرم العلماء» صار منشأ لتوهم سقوط الميسور من اكرام بعضهم بسبب معسور اكرام بعضهم الآخر، مع ان اكرام بعضهم فعل مستقل لا ربط له باكرام البعض الآخر منهم، فانه يثاب باكرام بعضهم، و يعاقب بترك اكرام البعض الآخر منهم.

(4) اى الرواية الثالثة. و هو قوله: «ما لا يدرك كله لا يترك كله».

(5) القائل هو المحقق النراقى. و ملخص الكلام: هنا ايرادات اربعة على الرواية.

37

خبرية لا يفيد إلّا الرجحان (1) مع انه لو اريد منها الحرمة لزم مخالفة الظاهر فيها، اما بحمل الجملة (2) على مطلق المرجوحية، او اخراج المندوبات، و لا رجحان للتخصيص (3) مع انه (4) قد يمنع كون الجملة انشاء لا مكان كونه اخبارا عن طريقة الناس، و انهم لا

____________

(1) بيان للايراد الاول. و توضيحه: ان قوله: «لا يترك» جملة خبرية مستعملة فى مقام الانشاء تجوزا، و مثله لا يثبت الزائد عن رجحان عدم تركه و مرجوحية تركه، و هى الكراهة، و لا تدل على الحرمة التى هى مقصود المستدل.

(2) اى جملة «لا يترك ...» بيان للايراد الثانى. توضيحه:

انه لو اغمضنا عما ذكرناه و قلنا: ان جملة «لا يترك» ظاهرة فى الحرمة إلّا انه لا يمكن ارادة هذا الظهور اذ يلزم من الاخذ بالظهور الالتزام بحرمة ترك الاجزاء الميسورة عند التعذر من الكل فى المندوبات ايضا، و هو باطل قطعا فلا بد من رفع اليد عن هذا الظهور، و حمله اما على مطلق مرجوحية الترك لتلائم عموم الموصول فى قوله: ما لا يدرك كله الشامل للواجبات، و المندوبات جميعا، و اما تخصيص الموصول و اخراج المندوبات عنه ليلائم ظهور الجملة الخبرية فى الحرمة، و لا ترجيح لاحدهما على الآخر فتكون مجملة.

(3) اى لا رجحان لتخصيص المندوبات، و اخراجها عن عموم لا يترك على حمله على مطلق المرجوحية مجازا فان اولوية التخصيص من المجاز و ان كانت مشهورة إلّا انها ممنوعة.

(4) اى يمنع كون جملة لا يترك انشائية هذا بيان للايراد

38

يتركون الشى‏ء بمجرد عدم ادراك بعضه. مع احتمال (1) كون لفظ الكل للعموم الافرادى لعدم ثبوت كونه حقيقة فى الكل المجموعى، و لا مشتركا معنويا بينه و بين الافرادى فلعله (2) مشترك لفظى، او حقيقة خاصة فى الافرادى فيدل على ان الحكم الثابت لموضوع عام بالعموم الافرادى (3) اذا لم يمكن الاتيان به على وجه العموم‏

____________

الثالث. و ملخصه: ان حمل الجملة الاخبارية على الانشاء خلاف الظاهر، فان مقتضى اصالة الحقيقة هو حملها على الاخبار.

(1) اى يحتمل ان يكون لفظ «كل» فى قوله: «ما لا يدرك كله ...» للعموم الافرادى فيكون معنى الحديث على هذا أن من لا يتمكن من الاتيان بجميع افراد الفعل المأمور به لا يترك جميع افراده، فيكون الحديث اجنبيا عن المقام. هذا بيان للايراد الرابع و ملخصه: ان الاستدلال بها انما يتم بناء على احراز ان لفظ «كل» فى قوله: «لا يترك كله» حقيقة فى الكل المجموعى او كان مشتركا معنويا بين العام المجموعى و بين العام الافرادى، و على هذا يكون معنى الجملة ان المركب الذى لا يمكن الاتيان بمجموعه لا يترك ما يمكن الاتيان به من اجزائه فيكون الاستدلال به تاما لكنه غير محرز، اذ كما يحتمل ان يكون ظاهرا فى العام المجموعى او مشتركا بينهما، كذلك يحتمل ان يكون حقيقة فى العام الافرادى فقط، و مع وجود هذا الاحتمال لا يمكن التمسك بالرواية. و الحاصل:

ان تمامية الاستدلال بالرواية موقوفة على القطع بكون المراد بالكل هو المركب اى الكل المجموعى، و هو غير معلوم.

(2) اى فلعل لفظ الكل.

(3) كوجوب الاكرام الثابت لجميع افراد العلماء. فان هذا

39

لا يترك موافقته فيما امكن من الافراد. و يرد (1) على الاول: ظهور الجملة (2) فى الانشاء الالزامى، كما ثبت فى محله. مع انه (3) اذا ثبت الرجحان ثبت الوجوب لعدم القول بالفصل فى المسألة الفرعية (4).

____________

الحكم اى وجوب الاكرام ثابت لجميع افراد العلماء، فان هذا الحديث يدل على ان المكلف اذا لم يتمكن من اكرام جميع افراد العلماء لا يترك اكرام من تمكن من اكرامهم من افراد العلماء.

فيكون اجنبيا عن المقام الذى هو الكل المجموعى اى المركب.

(1) هذا جواب عن الايراد الاول. و ملخص الجواب: ان الجملة ظاهرة فى الانشاء الالزامى، و ليست بظاهرة فى مطلق الرجحان، و ذلك للتبادر بل يكون دلالة الجملة الخبرية المستعملة فى الانشاء على الالزام اشد و اقوى من دلالة الجملة الانشائية عليه.

(2) اى أن جملة «ما لا يدرك كله ...» ظاهرة فى المعنى الانشائى حتى قيل: ان استعمال الجملة الخبرية آكد لافادة الحكم الالزامى من الجملة الانشائية.

(3) هذا جواب عن الايراد الثانى. و توضيح الجواب: أنه لو سلمنا ان قوله: «لا يترك» ظاهر فى رجحان عدم الترك فاذا ثبت بالرواية رجحان عدم ترك الاجزاء الميسورة بعد تعذر الكل يثبت وجوب الاتيان بها، و ذلك لعدم القول بالفصل فى الواجبات فان كل من قال بالرجحان فى الواجبات قال بالوجوب فيها فيستفاد من الرواية ان كلما كان الاتيان بالاجزاء الميسورة راجحا فيكون واجبا لعدم القول بالفصل.

(4) و اما فى المسألة الاصولية فالفصل بين القول بالرجحان‏

40

و اما (1) دوران الامر بين تخصيص الموصول و التجوز فى الجملة (2) ممنوع لان المراد بالموصول فى نفسه ليس هو العموم قطعا لشموله (3) الافعال المباحة بل المحرمة، فكما يتعين حمله (4)

____________

و بين القول بالوجوب موجود، و لذا ذهب بعض الى دلالة الصيغة على الرجحان و بعض آخر الى الوجوب، و هذا بخلاف المسألة الفرعية فكل من قال فيها برجحان الاتيان بها قال بوجوب الاتيان بها.

(1) هذا ايضا جواب عن الايراد الثانى.

(2) اى جملة «لا يترك» اى ليس الامر دائرا بين تخصيص الموصول بغير المندوبات و بين التجوز فى الجملة «لا يترك» و حملها على المرجوحية بل خروج المندوبات و غيرها من الموصول يكون من باب التخصيص كما سيظهر.

(3) تعليل لعدم كون المراد من الموصول هو العموم اى انما لم يكن المراد من الموصول هو العموم لانه لو كان المراد منه العموم ليشمل الافعال المباحة و المحرمة فيكون معناه ان الافعال المباحة و المحرمة لو لم يدرك كلها لا يترك كلها، و هذا ظاهر الفساد، فيكون هذا قرينة على عدم انعقاد العموم للموصول.

(4) اى حمل الموصول. اى كما ان قوله: «لا يترك» يكون قرينة على عدم شمول الموصول للافعال المباحة و المحرمة و اختصاصه بالافعال الراجحة، كذلك يكون قرينة على اختصاصه بالواجبات، فيكون خروج غيرها من باب التخصص، لا من باب التخصيص. و ملخص الكلام: ان عموم الموصول تابع للمعهود من‏

41

على الافعال الراجحة بقرينة قوله «لا يترك» كذلك يتعين حمله على الواجبات بنفس هذه القرينة الظاهرة فى الوجوب، و اما (1) احتمال كونه اخبارا عن طريقة الناس فمدفوع بلزوم الكذب او اخراج اكثر وقائعهم (2) و اما احتمال كون لفظ الكل للعموم الافرادى فلا وجه له لان المراد بالموصول (3) هو (4) فعل‏

____________

صلته فان كان المعهود منها فى خصوص المقام هو الواجبات خاصة يكون عمومها بالنسبة اليها خاصة فيكون عدم شموله للمستحبات و المباحات من قبيل التخصص دون التخصيص، و لا ريب ان المعهود من صلته هنا بقرينة قوله: «لا يترك» هو خصوص الواجبات.

(1) هذا جواب عن الايراد الثالث. و ملخصه: ان احتمال كون قوله: «لا يترك» اخبارا عن طريقة الناس يستلزم احد الامرين:

لزوم الكذب ان كان اخبارا عن أن طريقة الناس أنهم لا يتركون الميسور بسبب المعسور دائما لعدم كون طريقتهم ذلك فى جميع أفعالهم بل كثيرا ما يتركون الميسور من الافعال بسبب المعسور، و لزوم اخراج اكثر الوقائع ان كان اخبارا عن انهم يفعلون ذلك فى بعض افعالهم اذ حمل قوله «لا يترك كله» على ان الناس فى بعض أفعالهم لا يتركون الميسور بسبب المعسور مستلزم لتخصيص الاكثر.

(2) هذا جواب عن الايراد الرابع.

(3) فى قوله: «ما لا يدرك ...»

(4) لا افعاله كى يحمل قوله: «ما لا يدرك كله لا يترك كله»

42

المكلف، و كله (1) عبارة عن مجموعه. نعم لو قام قرينة على ارادة المتعدد من الموصول بان اريد ان الافعال التى لا يدرك كلها كاكرام زيد و اكرام عمرو و اكرام بكر لا يترك كلها كان (2) لما احتمله وجه، لكن لفظ الكل حينئذ (3) ايضا مجموعى لا افرادى اذ لو حمل على الافرادى كان المراد ما لا يدرك لشى‏ء منها لا يترك شى‏ء منها، و لا معنى له (4)، فما ارتكبه فى احتمال العموم الافرادى‏

____________

على العموم الافرادى.

و ملخص الكلام: ان افادة لفظ الكل للعموم الافرادى او المجموعى تابع للموارد فان كان مدلوله امورا متعددة، مثل قوله:

«كل دابة فى الارض» افاد الكل استغراق هذه الامور و ان كان ذا اجزاء افاد استغراق هذه الاجزاء، مثل «اكلت الرغيف كله او اشتريت العبد كله».

(1) اى كل فعل المكلف عبارة عن مجموعه فيكون المستفاد منه عاما مجموعيا لان فعل المكلف ذو اجزاء لا ذو افراد اذ الفعل الواحد الجزئى لا يعقل ان يكون ذا افراد.

(2) جواب قوله: «لو قام».

(3) اى حين ارادة الافعال من الموصول.

(4) اذ يكون معناه ان ما لا يمكن الاتيان بشى‏ء منها يحرم ترك شى‏ء منها، بل يجب الاتيان بجميعها. و لا يخفى ان اشكاله (قدس سره) مبنى على ان يكون مقتضى الرواية عموم النفى، و الحال ان مثل هذا التركيب ظاهر فى نفى العموم، و نتيجته وجوب الاتيان بالممكن منها.

43

مما لا ينبغى له (1)، فثبت مما ذكرنا ان مقتضى الانصاف تمامية الاستدلال بهذه الروايات، و لذا شاع بين العلماء بل جميع الناس الاستدلال بها فى المطالب حتى انه يعرفه العوام بل النسوان و الاطفال. ثم ان الرواية الاولى (2) و الثانية (3) و ان كانتا ظاهرتين فى الواجبات إلّا انه يعلم جريانهما فى المستحبات بتنقيح المناط العرفى (4).

____________

(1) اى ما ارتكبه صاحب الفصول من احتمال العموم الافرادى لا ينبغى ان يصدر منه، و لا ينفعه، و لا يضر بالاستدلال بالرواية، لما عرفت من ان المراد بالموصول هو فعل المكلف فينطبق على الاجزاء.

(2) و هو قوله: «اذا امرتكم بشى‏ء» وجه ظهور هذه الرواية فى الوجوب وجود الامر فى هذه الرواية و هو قوله: «فأتوا».

(3) و هو قوله: «ما لا يدرك كله ...» وجه ظهور هذه الرواية وجود النهى، و هو قوله: «لا يترك» و هو مانع من شمولها للمستحبات.

(4) ان كان المراد منه هى الاولوية فهى ممنوعة إلّا ان يراد منه ان العرف لا يفرق بين الواجبات و المستحبات فى ملاك الحكم.

و ملخصه: ان قوله (ص): «اذا امرتكم بشى‏ء» و كذا قوله (ص):

«ما لا يدرك كله» و ان كانا ظاهرين فى وجوب الاتيان بالميسور من اجزاء المركب الواجب، و لا يشملان المركب المستحب، كالنوافل إلّا انه يحكم بشمول الحكم للنوافل ايضا بعدم الفرق بينهما بتنقيح المناط فان المناط للحكم باتيان الاجزاء الميسورة فى الواجبات موجود فى المستحبات ايضا.

44

مع كفاية الرواية الثانية (1) فى ذلك (2).

____________

(1) و هو قوله: «الميسور لا يسقط بالمعسور».

(2) اى فى شمولها للمستحبات. و لا يخفى ان فى كفاية هذه الرواية خلافا بين المحشين. قال المحقق الآشتياني: ان الرواية الثانية متكفلة لبيان حكم العبادات المستحبة ايضا عند تعذر بعض اجزائها او شرائطها على تقدير حملها على الاخبار، و اما على تقدير حملها على الانشاء فسبيلها سبيل الروايتين.

و قال بعض المحشين: انه على تقدير حملها على الانشاء ايضا تشمل المستحبات لوجود خصوصية فى المقام، و هو ظهور المادة فى الشمول للمستحبات فان معنى عدم السقوط بقاء حكم الميسور على ما كان عليه من الواجبات و المستحبات فيكون قرينة على ان المراد من النهى هنا مطلق المرجوحية.

(التحقيق)

ملخص الكلام فى هذا الامر الثانى: هو انه اذا علم بكون شى‏ء جزءا أو شرطا للمأمور به فى الجملة، و دار الامر بين كونه جزءا أو شرطا مطلقا، حتى فى حال العجز عنه ليبطل العمل بفقدانه، اذ لازم كون الشى‏ء المتعذر جزءا، او شرطا فى حال التعذر سقوط الامر بالمركب فى حال التعذر، و ذلك لعدم القدرة عليه بعد تعذر جزئه او شرطه، و بين كونه مختصا بحال التمكن بأن لا يكون جزءا او شرطا فى حال العجز عنه، و لازمه ثبوت الامر بالباقى من اجزاء المركب، فمقتضى القاعدة ما ذا؟ و فى المسألة وجهان، بل قولان.

45

فيقع الكلام فى المقام تارة فى مقتضى الاصول اللفظية، و أخرى فى مقتضى الاصول العملية. اما المقام الاول: فنقول: ان الكلام يقع فى صور اربع:

الاولى: ان يكون لكل من الامر بالقيد و المقيد اطلاق، بأن يكون كل واحد من دليل الجزئية او الشرطية، و دليل اصل الواجب مطلقا، كقوله: «صل»، و قوله: «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» ففى هذه الصورة يكون اطلاق دليل الجزئية او الشرطية مقدما على اطلاق دليل الواجب، لما حقق فى محله من أن اطلاق دليل المخصص او المقيد حاكم على اطلاق دليل العام او المطلق، و معه لا يصل المجال الى الاصول العملية، و ليس معنى اطلاق دليل الجزئية او الشرطية ثبوت الجزئية او الشرطية حال التعذر منه كى يقال: انه غير معقول، اذ بعد تعذر الجزء او الشرط يكون المركب متعذرا، و معه يسقط الامر به، و مع سقوط الامر بالمركب لا معنى لبقاء الامر بالجزء او الشرط، فانه ينتزع من الامر بالمركب فكيف يكون باقيا بعد سقوطه، بل المراد منه ثبوت الامر بالجزء او الشرط فى جميع حالات المكلف، و لازمه سقوط الامر بالمركب عند تعذر الجزء او الشرط، فيكون النتيجة فى هذا الفرض هو سقوط الامر بالباقى عند عدم التمكن من جزء المأمور به، او شرطه.

الثانية: ان يكون للامر بالقيد اطلاق من دون أن يكون للامر بالمقيد اطلاق، بأن ثبت أصل الواجب بالاجماع، و ثبت أجزاؤه و شرائطه بالدليل اللفظى، فالامر فى هذه الصورة اتضح مما

46

ذكرنا فى الصورة الاولى، و لا وجه للاعادة.

الثالثة: أن لا يكون لكل من الامر بالقيد و المقيد اطلاق، بل كان كل منهما مجملا بالنسبة الى حالة التمكن من القيد و عدمه اى لا يكون لدليل الجزئية او الشرطية اطلاق، و لا لدليل الواجب اطلاق، فتصل النوبة فى هذه الصورة الى الاصول العملية.

الرابعة: أن لا يكون للامر بالقيد اطلاق، و كان للامر بالمقيد اطلاق بأن لم يكن لدليل الجزئية او الشرطية اطلاق، و كان لدليل الواجب اطلاق، فيؤخذ باطلاق الامر بالمقيد، و يحكم بوجوب باقى الاجزاء و صحتها. هذا تمام الكلام فى مقتضى الاصول اللفظية، و الى ما ذكرناه من التمسك بالاصول اللفظية اشار شيخنا الاعظم (قدس سره) بقوله: «نعم اذا ورد الامر بالصلاة ...» هذا كله فى مقتضى الاصول اللفظية.

و اما مقتضى الاصول العملية فنقول: اذا شككنا فى وجوب الباقى من اجزاء المركب يرجع شكنا الى الشك فى الاطلاق و التقييد، بمعنى انا نشك فى أن ما هو جزء للواجب او شرط له مطلق بمعنى انه جزء للواجب او شرط حتى فى حال عدم التمكن منه ليترتب عليه سقوط الامر بالمركب عند تعذره، او انه مقيد بحال التمكن، ليكون الامر بالباقى ثابتا، و يكون واجبا، فالمرجع هى البراءة عن وجوب الباقى. الى هنا تم كلامنا حول الاصول اللفظية، و العملية.

و من هنا يقع الكلام فى انه هل يمكن اثبات وجوب الباقى بقاعدة الميسور أم لا؟ فيقع الكلام تارة فى ثبوت هذه القاعدة بمقتضى الاستصحاب، و أخرى من جهة الدليل الاجتهادى، فلو تمت هذه‏

47

القاعدة بالاستصحاب، او بالدليل الاجتهادى فلا يصل المجال الى البراءة.

اما الاستصحاب فيمكن تقريبه بوجوه:

الوجه الاول ما ذكره شيخنا الاعظم (قدس سره) من استصحاب وجوب باقى الاجزاء اذا كان المكلف مسبوقا بالقدرة، و هو استصحاب كلى الوجوب الجامع بين الوجوب النفسى و الوجوب الغيرى. بتقريب: ان وجوب باقى الاجزاء كان معلوما سابقا بالوجوب الغيرى اذ المفروض أن المركب كان واجبا قبل عروض التعذر من بعض اجزائه او شرائطه فيكون اجزاؤه واجبة بالوجوب الغيرى، و هو و ان ارتفع عن باقى الاجزاء بارتفاع وجوب المركب، إلّا أنه يحتمل تعلق الوجوب النفسى به فيستصحب كلى الوجوب الجامع بينهما، و التسامح الموجود فى هذا الاستصحاب انما هو فى المستصحب.

و الجواب عنه بوجوه:

الاول: انه مبنى على جريان استصحاب القسم الثالث من استصحاب الكلى، و هو ما اذا كان الشك فى بقاء الكلى ناشئا من الشك فى حدوث فرد آخر مع العلم بزوال الفرد السابق الذى كان الكلى متحققا به، و نفس الشيخ (قدس سره) لم يلتزم بجريانه، و فى المقام ايضا ذكره بعنوان ما يمكن أن يستدل به، لا انه استدل به فانه اجل من ذلك.

الثانى: انا قد انكرنا فى مبحث مقدمة الواجب وجود الوجوب‏

48

الغيرى فى الشريعة، و قد بيّنا ان الاجزاء لا يمكن ان تتصف بالوجوب الغيرى. فلاحظ.

الثالث: ان ثبوت الوجوب الغيرى للاجزاء الباقية لا اثر له، فيكون استصحاب الجامع بين الوجوب الغيرى و الوجوب النفسى استصحاب الجامع بين ما له اثر، و ما ليس له اثر فان استصحاب الجامع بينهما لا اثر له، اذ العقل لا يحكم بوجوب اطاعة الواجب الغيرى.

الوجه الثانى: ما ذكره شيخنا الاعظم (قدس سره) ايضا، و هو استصحاب الوجوب النفسى الشخصى الثابت سابقا. بتقريب: ان الصلاة الفاقدة للجزء متحدة مع الصلاة الواجدة له بنظر العرف اذ العرف يرى الاجزاء الباقية و المركب التام شيئا واحدا، فيقال:

ان هذه الصلاة كانت واجبة قبل طروء التعذر فيستصحب وجوبها بعد التعذر ايضا، و هذا الوجه ما اختاره شيخنا الاعظم، و لذا قال:

و لو لم يكف هذا المقدار فى الاستصحاب لاختل جريانه فى كثير من الاستصحابات، و المستصحب هنا شخصى لكن يتسامح فى الموضوع، و هذا التقريب قابل للنقاش من وجوه:

الاول: ان هذا التقريب للاستصحاب انما هو تام فيما يرى العرف الباقى متحدا مع المركب التام بأن كان المتعذر جزءا واحدا، و اما اذا تعذرت كمية من الاجزاء فلا يتم تقريب المذكور لعدم صدق وحدة الموضوع عرفا بين الاجزاء الباقية و بين المركب التام، و على هذا فيكون الدليل اخص من المدعى.

الثانى: ان الاستصحاب المذكور استصحاب فى الاحكام الكلية،

49

و قد عرفت انه لا زال معارضا باستصحاب عدم جعل الزائد.

الثالث: ان هذا التقريب انما يتم فى موارد العلم بوحدة الموضوع عند العرف، و اما اذا شككنا فى المركبات الشرعية كما نشك دائما، او غالبا فى أن المتعذر من مقومات المركب، او من غير مقوماته، فلا طريق لنا الى تمييز المقوم من غيره فكل جزء او شرط كان متعذرا يحتمل أن يكون مقوما، و معه لا يصح جريان الاستصحاب لعدم احراز القضية المتيقنة و المشكوك فيها.

ان قلت: ان المعيار فى امثال المقام هو العرف فانه يميز المقوم من اجزاء المركب عن غيره.

قلت: ان العرف هو المعيار فيما لو كان المركب من المركبات العرفية فان تمييز المقوم من اجزاء المركبات الاعتبارية موكول الى نظر العرف، و ليس كذلك فى المركبات الشرعية.

و هذا الاشكال موجود فى كلام السيد الاستاذ (قدس سره) (1) لكن بتقريب آخر. و ملخصه: ان نظر العرف معيار فيما لو كان الاختلاف فى قيود الموضوع بان أى قيد منها مقوم، و أيا منها غير مقوم؟ و هو يرى قيد العلم مقوما للموضوع فى مثل قوله:

«قلد العالم» بحيث مع زوال العلم يزول موضوع وجوب التقليد، و يراه غير مقوم فى مثل قوله: «اطعم العالم» حيث انه يرى ان جهة العلم جهة تعليلية.

و اما بالنسبة الى متعلقات الاحكام فلا يتأتى فيها المسامحة

____________

(1) منتقى الاصول ج 5 ص 282.

50

العرفية اذ ارتباط الحكم بمتعلقه جعلى يرتبط بالمولى الجاعل نفسه و ان كان المولى عرفيا.

و اجاب الاستاذ الاعظم‏ (1) عن هذا الاشكال بانه اذا ثبت من الشرع كون جزء او شرط مقوما للمركب فلا اشكال فى عدم جريان الاستصحاب عند تعذره، و اما اذا لم يصدر من الشارع بيان فى ذلك، فالظاهر ايكال الامر الى العرف.

اضف اليه ان ما ذكره السيد الاستاذ و غيره من عدم جريان الاستصحاب فى كثير من الموارد، كالكرية و القلة و المسافة، و غيرها من الامور التى يرتبط بيانها الى الجاعل و هو و ان التزم به لكنه مشكل كما ترى.

و سيدنا الاستاذ دام ظله‏ (2) بعد ما ذكر الجواب الذى ذكره الاستاذ الاعظم قال ان ما افاده من الغرائب و اورد على كلامه بايرادات اربعة:

الاول: ان ما تعلق به الوجوب سابقا كان موضوعا آخر، و الوجوب المتعلق به سقط قطعا بتعذر الجزء او الشرط، و الوجوب المتعلق بالباقى غير معلوم.

و يمكن الجواب عنه: بأن بعد كون الامر فى تشخيص المقوم عن غيره بيد العرف، كما هو مفروض كلام الاستاذ الاعظم، و هو اذا ميّز بأن المتعذر ليس بمقوم المركب فمعنى ذلك ان‏

____________

(1) مصباح الاصول ج 2 ص 474.

(2) آراؤنا ج 2 ص 285.

51

الباقى متحد مع المركب التام، و بعد هذا لا مجال لان يقال: ان ما تعلق به الوجوب سابقا كان موضوعا آخر.

و الاستاذ الاعظم انما يقول: بجريان الاستصحاب فى هذا الفرض، لا فى فرض كون المركب التام مغايرا للباقى.

الثانى: انه على فرض الالتزام به يختص بمورد كان الوجوب محرزا، و اما مع عدم الاحراز كما لو كان التعذر من اول الوقت فلا مجال لجريان الاستصحاب.

و يمكن الجواب عنه: ان هذا الشرط مفروض فى كلامه (قدس سره) حيث كان كلامه راجعا الى استصحاب الوجوب الاستقلالى الثابت للصلاة، مثلا فيما اذا لم يكن الجزء متعذرا، فان البحث فى هذا الاستصحاب راجع الى اثبات وحدة الموضوع بعد الفراغ عن تحقق سائر شرائطه.

الثالث: ان جريان الاستصحاب بالتقريب المذكور مبنى على جريانه فى الاحكام الكلية.

و الجواب عنه: أنه (قدس سره) صرح بذلك فى كلامه حيث قال:

تمامية هذا الوجه تتوقف على جريان الاستصحاب فى الاحكام الكلية.

الرابع: ان جريان الاستصحاب بالتقريب المذكور يتوقف على جريانه فى القسم الثالث من الكلى.

و يمكن الجواب عنه: بان الاستصحاب الجارى فى المقام هو الاستصحاب الشخصى، بدعوى المسامحة العرفية فى موضوعه، و لا يكون من قبيل الاستصحاب المذكور. فتلخص: ان الاشكالات‏

52

المذكورة من سيدنا الاستاذ دام ظله على استاذه غير تامة.

و مع ذلك لا يمكن الاعتماد على هذا الاستصحاب لما عرفت.

الوجه الثالث ما ذكره الاستاذ الاعظم (قدس سره) (1) من استصحاب الوجوب الجامع بين الضمنى و الاستقلالى المتعلق بالاجزاء الباقية. بتقريب: أن الاجزاء الباقية كانت متعلقة للوجوب الضمنى فى ضمن وجوب المركب، و نشك فى ارتفاع اصل الوجوب بارتفاعه، فنتمسك بالاستصحاب.

و فيه: أنه مبنى على جريان الاستصحاب فى القسم الثالث من الكلى. و لا يخفى أن هذا الجواب ايضا موجود فى كلامه.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقق الاصفهانى‏ (2): و هو أن الاجزاء الباقية و ان لم يكن لها وجوب غيرى، و لا وجوب نفسى إلّا انه تعلق بها وجوب ضمنى، فيستصحب بلا مسامحة فى الموضوع، و لا فى المستصحب، و من دون أخذ الجامع، و الفرق بين هذا التقريب و سابقه هو: أن فى التقريب السابق يكون المستصحب هو الجامع بين الوجوب الضمنى و الاستقلالى، و فى المقام يكون المستصحب هو الضمنى فقط، و هو (قدس سره) حيث كان ملتفتا الى أن الوجوب الضمنى فى ضمن وجوب المركب قد زال قطعا بزوال الامر بالمركب. قال: لا بد من المسامحة فيه بان يقال: ان الوجوب المتعلق بالباقى و ان كان وجوبا آخر، إلّا ان العرف يراه‏

____________

(1) مصباح الاصول ج 2 ص 472.

(2) نهاية الدراية ج 2 ص 298.