تمهيد الوسائل في شرح الرسائل‏ - ج10

- الشيخ علي المروجي المزيد...
511 /
5

[مقدمة المؤلف‏]

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.

أمّا بعد، فهذا الكتاب الذي بين يديك هو الجزء العاشر من كتابنا الذي جمعنا فيه بين التوضيح و التحقيق حول ما أفاده شيخنا الأعظم (قدس سره) في فرائده، و أضفت إلى ما في الكتاب ما ذكره فحول الاصوليّين من النقض و الابرام في مطالب الكتاب كصاحب الكفاية، و المحقّق الأصفهاني، و المحقّق النائيني، و المحقّق العراقي (قدس اللّه اسرارهم)، و سيّدنا الاستاذ دام ظلّه و غيرهم، مع مناقشاتنا في كلمات القوم، و إضافات ما حضر ببالي القاصر.

أسأل اللّه جلّ شأنه أن يوفّقني لطبع باقي أجزائه، و أن يجعله ذخرا لي يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.

آمين ربّ العالمين‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الأمر السابع [1]: لا فرق في المستصحب بين أن يكون مشكوك الارتفاع في الزمان اللاحق رأسا [2] و بين أن يكون مشكوك الارتفاع في جزء من الزمن اللاحق [3]

____________

[تتمة بحث الاستصحاب‏]

[تتمة تنبيهات الاستصحاب‏]

« [الأمر السابع‏] الكلام في جريان أصالة تأخّر الحادث»

[1] من الامور التي قال المصنّف: «و ينبغي التنبيه على امور». و ملخّص هذا الأمر هو البحث عن صورة الشكّ في تقدّم أحد الحادثين و تأخّره بعد العلم بتحقّق أصله، فتارة يلاحظ تقدّمه و تأخّره بالنسبة إلى أجزاء الزمان، كما إذا علم أنّ زيدا ميّت لا محالة، و لم يعلم أنّه مات يوم الخميس أو مات يوم الجمعة، و اخرى يلاحظ تقدّمه و تأخّره بالنسبة إلى حادث آخر قد علم بحدوثه أيضا، كما إذا علم بموت متوارثين على التعاقب، و لم يعرف المتقدّم منهما عن المتأخّر.

[2] أي في جميع الأزمنة اللاحقة، أي لا فرق بين أن يكون المستصحب مشكوك الارتفاع في جميع الزمان اللاحق أو في بعضه.

[3] و حاصله أنّ المعتبر في جريان الاستصحاب هو اليقين السابق و الشكّ اللاحق بأن يكون المستصحب يقينيّ الحصول سابقا، و مشكوك الارتفاع لاحقا، سواء كان الشكّ في الارتفاع في جميع الزمان اللاحق بأن لا يحصل له العلم بارتفاع المستصحب أصلا، أو يكون الشكّ في الارتفاع في جزء من الزمان اللاحق بأن يكون مشكوك الارتفاع في جزء من الزمن اللاحق، و إن حصل‏

8

مع القطع بارتفاعه [1] بعد ذلك الجزء.

فإذا شكّ في بقاء حياة زيد في جزء من الزمان اللاحق [2]، فلا يقدح في جريان استصحاب حياته علمنا [3] بموته بعد ذلك الجزء من الزمان و عدمه [4]، و هذا [5] هو الذي يعبّر عنه بأصالة تأخّر الحادث،

____________

العلم بارتفاعه بعدا، كما إذا حصل العلم بارتفاع حياة زيد و موته يوم الجمعة، لكن يشكّ في حدوثه يوم الخميس أو في يوم الجمعة، فإنّ الشكّ في ارتفاع الحياة يكون في جزء من الزمان و هو يوم الخميس فقط، و حصل القطع بارتفاعها بعده و هو يوم الجمعة.

[1] أي بارتفاع المستصحب بعد جزء من الزمن اللاحق، كالقطع بارتفاع الحياة يوم الجمعة بعد الشكّ في ارتفاعها يوم الخميس.

[2] كما إذا شكّ في بقاء حياته يوم الخميس.

[3] فاعل لقوله: «فلا يقدح»، أي لا يضرّ علمنا بموت زيد بعد يوم الخميس في جريان استصحاب حياته يوم الخميس، فإن علمنا بموته يوم الجمعة لا يكون مانعا من جريان استصحاب بقاء حياته يوم الخميس.

[4] أي عدم علمنا بموته بعد ذلك، فإنّ الاستصحاب يجري على كلا التقديرين.

[5] أي استصحاب حياة زيد في جزء من الزمان اللاحق.

ربّما يقال: حيث إنّ المقصود الأصلي من إعمال هذا الأصل كان إثبات صفة التأخّر فسمّوه بأصالة تأخّر الحادث، و لكن كما سيأتي أنّ صفة التأخّر مع قطع النظر عن المضاف إليه لا تكون مجرى للاستصحاب؛ إذ تأخّر الحادث لا يكون معلوما في زمان حتّى يستصحب فيما بعده، و إنّما المقصود منه استصحاب عدم ما علم بحدوثه في زمان لاحق، و شكّ في مبدإ حدوثه، كما في الحقيقة الشرعيّة، فإنّ الصلاة، مثلا، صارت حقيقة في الأركان المخصوصة و لكن يشكّ في مبدإ صيرورتها كذلك، فإنّ استصحاب عدم‏

9

يريدون به [1]: أنّه إذا علم بوجود حادث في زمان و شكّ في وجوده قبل ذلك الزمان، فيحكم باستصحاب عدمه [2] قبل ذلك [3]، و يلزمه عقلا تأخّر حدوث ذلك الحادث [4] فإذا شكّ في مبدإ موت زيد [5] مع القطع بكونه [6] يوم الجمعة ميّتا فحياته [7] قبل الجمعة الثابتة [8] بالاستصحاب مستلزمة عقلا لكون مبدإ موته يوم الجمعة [9].

____________

حدوث هذا المعنى للصلاة إلى زمن المتشرّعة لازمه العقلي تأخّر هذا المعنى عن زمن الشارع، إذن فصفة التأخّر لازم عقلي للمستصحب، لا أنّه هو المستصحب، إلّا أنّ هذا المقدار من المناسبة يكفي أن يكون وجها للتسمية.

[1] أي بالاستصحاب المذكور.

[2] أي عدم وجود الحادث.

[3] أي قبل الزمان الذي علم بوجود حادث فيه، و قد عرفت أنّه يحكم باستصحاب بقاء الحياة و عدم تحقّق الموت قبل يوم الجمعة الذي علم بتحقّق الموت فيه.

[4] أي يلزم من استصحاب عدم وجود الحادث يوم الخميس، مثلا، تأخّر حدوث ذلك الحادث كالموت عن يوم الخميس و حدوثه يوم الجمعة، و هذا اللزوم عقلي.

[5] بأنّه مات يوم الخميس أو يوم الجمعة.

[6] أي بكون زيد.

[7] أي حياة زيد.

[8] أي حياته الثابتة بالاستصحاب.

[9] إذ استصحاب الحياة يوم الخميس يثبت حياته في اليوم المذكور، و الحياة إذا ثبتت بالاستصحاب يوم الخميس فهي مستلزمة عقلا لحدوث الموت يوم‏

10

و حيث تقدّم في الأمر السابق أنّه لا يثبت بالاستصحاب- بناء على العمل به [1] من باب الاخبار- لوازمه [2] العقليّة، فلو ترتّب على حدوث موت زيد في يوم الجمعة- لا على مجرّد حياته قبل الجمعة- حكم [3] شرعي لم [4] يترتّب على ذلك. نعم، لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ [5]

____________

الجمعة؛ إذ بعد العلم بتحقّق الموت يوم الجمعة بالوجدان، و تحقّق الحياة يوم الخميس بالاستصحاب يحكم العقل بأنّ مبدأ حدوث الموت هو يوم الجمعة، و هذا معنى اللزوم العقلي هنا.

[1] أي بناء على أنّ العمل بالاستصحاب.

[2] فاعل لقوله: «لا يثبت»، أي قد تقدّم أنّه بناء على حجّية الاستصحاب من باب الاخبار لا تثبت بالاستصحاب اللوازم العقليّة للمستصحب.

[3] فاعل لقوله: «ترتّب»، أي لو ترتّب حكم شرعي على حدوث موت زيد في يوم الجمعة لم يثبت الحكم المذكور باستصحاب بقاء الحياة، إلّا على القول بحجّية الأصل المثبت، و هو كما ترى.

نعم، لو ترتّب حكم شرعي على مجرّد حياة زيد فإنّه يترتّب عليها باستصحاب بقاء حياته.

[4] جواب لقوله: «فلو ترتّب ...»، أي لم يترتّب الحكم الشرعي على استصحاب بقاء الحياة، مثلا: لو نذر أن يقرأ القرآن لمن مات يوم الجمعة، فاستصحاب بقاء الحياة إلى يوم الجمعة لا يثبت وجوب الوفاء بالنذر؛ إذ لا يثبت بالاستصحاب المذكور موته يوم الجمعة. نعم، يثبت عدم جواز تقسيم أمواله يوم الخميس، فإنّه حكم مترتّب على بقاء الحياة.

[5] فإنّه على هذا المبنى يكون الأصل المثبت حجّة، و استصحاب بقاء الحياة يوم الخميس يثبت حدوث الموت يوم الجمعة، و كذا لو كان الواسطة خفيّة

11

أو كان اللازم العقلي من اللوازم الخفيّة، جرى [1] فيه ما تقدّم ذكره [2].

و تحقيق المقام و توضيحه: أنّ تأخّر الحادث قد يلاحظ بالقياس إلى ما قبله من أجزاء الزمان، كالمثال المتقدّم [3].

فيقال: الأصل عدم موت زيد قبل الجمعة، فيترتّب عليه [4] جميع أحكام [5] ذلك العدم، لا أحكام [6]

____________

بحيث يرى العرف أنّ الحكم الشرعي مترتّب على المستصحب لا على لازمه العقلي أو العادي، كما إذا كان الأثر المترتّب على حدوث الموت في يوم الجمعة مترتّبا على عدم موته يوم الخميس في نظر العرف.

[1] جواب لقوله: «لو قلنا».

[2] من حجّية الاستصحاب على هذا المبنى، و يثبت به اللوازم العقليّة للمستصحب.

[3] هو ما علم بتحقّق الموت يوم الجمعة و شكّ في مبدإ حدوثه بأنّه في هذا اليوم، أو في يوم الخميس، فإنّ الشكّ في تأخّر الحادث «الموت» و تقدّمه قد لوحظ بالنسبة إلى أجزاء الزمان السابق، و معناه الشكّ في أنّ الحادث متأخّر عن أجزاء الزمان السابق أم لا؟ أي أنّ الموت متأخّر عن يوم الخميس أم لا؟

و بعبارة اخرى: أنّه يقصد من إجراء استصحاب عدم تحقّق الحادث في زمان سابق إثبات كون زمان وجوده هو الزمان المتأخّر، و يلزمه عقلا تأخّر وجود الحادث عن ذلك الزمان.

[4] أي على عدم موت زيد.

[5] أي جميع أحكام عدم الموت، فيترتّب عليه وجوب النفقة يوم الخميس.

[6] أي لا يترتّب أحكام حدوث الموت يوم الجمعة على استصحاب عدم موت‏

12

حدوثه يوم الجمعة؛ إذ [1] المتيقّن بالوجدان تحقّق الموت يوم الجمعة لا حدوثه. إلّا أن يقال [2]: إنّ الحدوث هو الوجود المسبوق بالعدم،

____________

زيد يوم الخميس، فلا يجب عليه الوفاء بالنذر إذا نذر قراءة القرآن على من مات في يوم الجمعة.

[1] أي إنّما قلنا بعدم ترتّب أحكام حدوث الموت يوم الجمعة؛ لأنّ ما هو معلوم بالوجدان كون زيد ميّتا يوم الجمعة، و أمّا حدوث موته و مبدؤه فليس بمعلوم بأنّه يوم الجمعة أو يوم الخميس و استصحاب عدم موته يوم الخميس لا يثبت حدوث الموت يوم الجمعة إلّا على القول بالأصل المثبت.

[2] و ملخّصه: أنّ المقصود من جريان استصحاب العدم ليس إثبات الوجود الآخر كي يكون مثبتا، بل المورد من الموارد التي يكون المستصحب فيها جزءا من الموضوع، و يكون الجزء الآخر محرزا بالوجدان، فإنّ إجراء الاستصحاب في مثل المقام لإحراز الموضوع لا يكون مثبتا؛ إذ الجزء الآخر محرز بالوجدان، و المقام من هذا القبيل؛ إذ حدوث الموت في يوم الجمعة مركّب من أمرين: تحقّق الموت يوم الجمعة، و هو محرز بالوجدان، و كون هذا الوجود مسبوقا بالعدم، و هو محرز باستصحاب عدم تحقّق الموت إلى يوم الجمعة، فيثبت به حدوث الموت بلا استلزامه للتمسّك بالأصل المثبت؛ لأنّ الحدوث هو الوجود المسبوق بالعدم، فالوجود محرز بالوجدان، و كونه مسبوقا بالعدم يثبت بالتعبّد. و إن شئت فقل: إنّ حدوث الموت يوم الجمعة يكون هو المستصحب، لا أنّه يكون ملازما له. نعم الفرق بينهما باختلاف اللفظ، فتارة يقال على هذا المعنى حدوث الموت يوم الجمعة، و اخرى الوجود المسبوق بالعدم بحكم الأصل، فلم يقصد من إجراء الأصل إثبات الوجود في زمان من الأزمنة حتّى يكون مثبتا، بل اريد منه نفس إثبات العدم إلى زمان القطع بانقلابه إلى الوجود،

13

و إذا ثبت بالأصل عدم الشي‏ء سابقا [1]، و علم بوجوده بعد ذلك [2]، فوجوده المطلق [3] في الزمان اللاحق إذا انضمّ إلى عدمه قبل ذلك [4] الثابت [5] بالأصل تحقّق [6] مفهوم الحدوث، و قد عرفت [7] حال الموضوع الخارجي الثابت أحد جزئي مفهومه بالأصل.

____________

فإذن لا مانع من إثبات حدوث الموت يوم الجمعة بالأصل المذكور.

[1] كعدم تحقّق الموت سابقا على الجمعة.

[2] أي علم بوجود الموت بعد العلم بعدم الموت سابقا.

[3] أي الموت المتحقّق في يوم الجمعة- لا الموت المقيّد بكون حدوثه يوم الجمعة- المحرز بالوجدان إذا انضمّ إلى عدمه قبل يوم الجمعة المحرز بالأصل يتمّ معنى الحدوث.

[4] أي قبل الزمان اللاحق كيوم الخميس.

[5] صفة لقوله: «عدمه»، أي العدم الذي ثبت بالاستصحاب.

[6] جواب لقوله: «إذا انضمّ»؛ لما عرفت من أنّ حقيقة الحدوث مركّبة من جزءين: أحدهما: أمر وجودي، و هو الموت. و ثانيهما: أمر عدمي، و هو كونه مسبوقا بالعدم، و الموت تحقّق يوم الجمعة بالوجدان، و الجزء الآخر الذي هو العدم ثبت بالأصل، فبانضمام ما هو محرز بالوجدان إلى ما هو محرز بالأصل يتحقّق مفهوم الحدوث.

[7] هذا إشكال من الشيخ على قوله: «إلّا أن يقال».

و ملخّصه: أنّ مجرّد كون الحدوث معناه هو الوجود المسبوق بالعدم لا يخرج الأصل المذكور عن كونه مثبتا؛ ضرورة أنّ إثبات المفهوم الثابت أحد جزئيه بالوجدان بإجراء الأصل في جزئه الآخر لا يخرج الأصل المذكور عن الاصول المثبتة، و أيضا قد عرفت- في التنبيه السابق- عدم الفرق في فساد

14

و ممّا ذكرنا [1] يعلم أنّه لو كان الحدث ممّا يعلم بارتفاعه بعد حدوثه [2] فلا يترتّب عليه [3] أحكام الوجود في الزمان المتأخّر أيضا [4]؛

____________

الأصل المثبت بين كونه مثبتا لتمام الموضوع الخارجي أو جزئه، فإنّ الأصل كما لا يثبت تمام اللازم العادي، كذلك لا يثبت به قيد وجودي أو عدمي.

أقول: إنّ الموضوع للحكم الشرعي لو كان مركّبا ممّا هو محرز بالوجدان، و ممّا هو محرز بالتعبّد، فلا يكون داخلا في الأصل المثبت؛ إذ لا يثبت بالأصل لازم المستصحب أو قيده، و إنّما يثبت به جزء الموضوع، فيترتّب عليه حكمه الشرعي ترتّب الحكم على موضوعه.

[1] من أنّ أصالة تأخّر الحادث، أي عدم موت زيد قبل الجمعة، لا تترتّب عليها أحكام ثبوته يوم الجمعة.

[2] كما إذا علم أنّ ماء الحوض في أحد اليومين- إمّا الجمعة، و إمّا الخميس- صار كرّا، ثمّ صار قليلا، و وقع فيه ثوب نجس في أحد اليومين، فلا يعلم أنّه وقع فيه في اليوم الذي صار فيه ماء الحوض كرّا كي لا يكون الماء متنجّسا، أو وقع فيه في اليوم الذي صار فيه قليلا؟ كي يتنجّس به، فإنّ استصحاب تأخّر الحادث- أي الكريّة عن يوم الخميس- لا يثبت حدوث الكريّة يوم الجمعة كي يحكم بعدم كون الماء متنجّسا.

[3] أي على استصحاب تأخّر الحادث.

[4] كما أنّه لا يترتّب عليه أحكام الوجود في الزمان المتقدّم.

توضيح الفرق بين المقام و مسألة حدوث الموت يوم الخميس أو يوم الجمعة: هو أنّ أصالة تأخّر الحادث لا يترتّب عليها أثر الحدوث في الزمان المتأخّر- أي يوم الجمعة- أي لا يثبت الأصل المذكور أنّ الموت حدث يوم الجمعة، لكن يترتّب أثر الوجود يوم الجمعة للعلم بوجوده، و أمّا في المقام فلا يترتّب على تأخّر الحادث أثر أصلا، لا أثر الحدوث، و لا أثر الوجود،

15

لأنّ وجوده مساوق لحدوثه [1].

نعم، يترتّب عليه [2] أحكام وجوده المطلق في زمان ما من الزمانين، كما إذا علمنا أنّ الماء لم يكن كرّا قبل الخميس، فعلم أنّه صار كرّا بعده [3] و ارتفع كرّيّته بعد ذلك [4]، فنقول: الأصل عدم كرّيّته في يوم الخميس و لا يثبت بذلك [5] كرّيّته يوم الجمعة، فلا يحكم بطهارة ثوب نجس وقع‏

____________

فإذا علم إجمالا بحدوث الكريّة يوم الخميس أو في يوم الجمعة، و كذا علم إجمالا بزوالها يوم الخميس أو الجمعة فلا يترتّب على أصالة تأخّر الحادث- أي على أصالة عدم تحقّق زوال الكريّة- حدوث الكريّة في يوم الجمعة، و لا وجودها فيه؛ إذ كما أنّ حدوثها يوم الجمعة مشكوك فلا يثبت بأصالة عدم الكريّة في يوم الخميس كذلك وجودها فيه مشكوك، فلا يثبت في يوم الجمعة بأصالة عدم الكرية؛ إذ لعلّ الحدوث و الوجود حصلا يوم الخميس، و ارتفع الوجود في نفس اليوم.

[1] أي أنّ وجوده إنّما يكون بحدوثه، كما أنّ حدوثه في الزمان المتأخّر مشكوك، كذلك وجوده أيضا مشكوك. فكما أنّ أصالة تأخّر الحادث لا تثبت حدوثه في الزمان المتأخّر كذلك لا تثبت وجوده فيه.

[2] أي تترتّب على الحادث أحكام وجوده المطلق، إمّا في يوم الخميس أو في يوم الجمعة؛ للقطع بوجوده في زمان ما من اليومين، لكن لا يترتّب عليه أحكام وجوده الخاصّ في خصوص يوم الخميس أو خصوص يوم الجمعة.

[3] أي بعد تحقّق الخميس.

[4] أي بعد ما علمنا بكرّيّته، كما إذا علمنا بكرّيّته في أحد اليومين، إمّا الخميس و إمّا الجمعة، ثمّ ارتفعت كرّيّته.

[5] أي لا يثبت بالأصل المذكور لازمه العادي، و هو كرّيّة الماء يوم الجمعة.

16

فيه [1] في أحد اليومين [2]؛ لأصالة بقاء نجاسته [3] و عدم أصل حاكم عليه [4].

نعم، لو وقع [5] فيه في كلّ من اليومين حكم بطهارته [6]

____________

نعم، يترتّب عليه أثر عدم الكرّيّة، فلو غسل ثوبه بالماء المذكور يوم الخميس يحكم ببقاء نجاسته.

[1] أي في الماء المذكور.

[2] أي امّا في يوم الخميس أو في يوم الجمعة.

[3] أي نجاسة الثوب.

[4] أي على أصالة بقاء نجاسة الثوب، و ينبغي أن يقول «عليها»، فإنّ الشكّ في نجاسة الثوب و إن كان مسبّبا عن الشكّ في الكرّيّة، إلّا أنّ أصالة عدم الكريّة لا تثبت كرّيّته يوم الجمعة، و لا أصل آخر مثبت للكريّة، فإذن فلا أصل حاكم في المقام على أصالة بقاء النجاسة.

[5] أي لو وقع الثوب في الماء في كلّ من يوم الخميس و يوم الجمعة.

[6] أي بطهارة الثوب؛ إذ المفروض أنّ الماء صار كرّا في زمان، فإن صار كرّا يوم الخميس يصير الثوب طاهرا؛ إذ المفروض أنّه صار مغسولا بالكرّ، و وقوعه مرّة ثانية في الماء القليل يوم الجمعة لا يوجب انفعاله، و إن صار كرّا يوم الجمعة فوقوع الثوب يوم الخميس فيه و إن لم يوجب طهارته، بل يكون الماء أيضا متنجّسا بوقوع الثوب فيه، إلّا أنّ وقوعه فيه مرّة ثانية يوجب طهارته؛ لوقوعه في الكرّ.

و لا يخفى عليك أنّ كريّة الماء يوم الجمعة تكون من قبيل الماء القليل النجس المتمّم كرّا بطاهر، فطهارة الثوب مبنيّة على طهارة الماء المنفعل المتمّم كرّا بطاهر، أو كان المتمّم ماء جاريا أو كرّا.

17

من باب انغسال الثوب بماءين مشتبهين [1].

____________

[1] أي يكون المقام من قبيل ما لو انغسل ثوبه النجس بماءين يعلم إجمالا بنجاسة أحدهما، و هذا إنّما يتصوّر فيما إذا كان ماءان كرّين، فإنّ نجاسة الثوب تزول بأحد الغسلين؛ إذ لو كان الكرّ الأوّل متنجّسا فيكون الثوب طاهرا بالغسل في الكرّ الثاني، و لو كان الكرّ الثاني متنجّسا فيكون الثوب طاهرا بالغسل في الكرّ الأوّل، فإنّ انغسال الثوب بأحد الماءين يوجب طهارة الثوب قطعا، و إنّما يشكّ في نجاسته مرّة ثانية باعتبار احتمال كونه مغسولا بالماء النجس بعد تغسيله بالماء الطاهر بأن كان الماء الذي غسل فيه ثانيا نجسا، فحيث أنّه مشكوك فتجري قاعدة الطهارة فيه، أو استصحابها بعد العلم بحصولها بسبب أحد الغسلين.

إن قلت: إنّ الحكم بطهارة الثوب مبنيّ على كون غسله بالماء الطاهر متأخّرا من غسله بالماء المتنجّس، و استصحاب تأخّر غسله بالماء الطاهر معارض مع استصحاب تأخّر غسله بالماء المتنجّس، و مع عدم إحراز غسله بالماء الطاهر متأخّرا لا يمكن الحكم بطهارة الثوب.

قلت: إنّ الأصل المحرز- بعد تعارض الأصلين المذكورين- استصحاب بقاء الطهارة في نفس الثوب الحاصلة بأحد الغسلين قطعا، أو قاعدة الطهارة في نفس الثوب، حيث يشكّ في عروض النجاسة عليه بعد العلم بطهارته بأحد الغسلين.

ربّما يقال: يمكن تصوّر الحكم بطهارة الثوب النجس فيما لو انغسل بماءين مشتبهين قليلين أيضا بعين البيان المذكور في انغساله بالكرّين المشتبهين، و لكنّه يتمّ البيان المذكور لو انغسل الثوب النجس بماءين قليلين مشتبهين إذا وقع الماءان على الثوب، و أمّا إذا وقع الثوب على الماءين‏

18

و قد [1] يلاحظ تأخّر الحادث بالقياس إلى حادث آخر، كما إذا علم بحدوث حادثين [2] و شكّ في تقدّم أحدهما على الآخر، فأمّا أن يجهل تاريخهما [3]، أو يعلم تاريخ أحدهما [4]، فإن جهل تاريخهما فلا يحكم بتأخّر أحدهما المعيّن عن الآخر [5]؛ لأنّ التأخّر في نفسه [6] ليس مجرى‏

____________

فلا يمكن الحكم بطهارة الثوب المغسول بهما؛ إذ لو كان الماء القليل الأوّل متنجّسا فنجاسة الثوب باقية، و إن كان طاهرا فيكون متنجّسا بملاقاته للثوب النجس، و هكذا الكلام في الماء الثاني.

[1] عطف على قوله: «و قد يلاحظ بالقياس إلى ما قبله ...»، أي إنّ تأخّر الحادث قد يلاحظ ...

[2] أي كما إذا علم بموت الأب و إسلام الوارث، و شكّ في أنّ الأب مات قبل إسلام الوارث، أو الوارث أسلم قبل موت الأب، و أنت ترى أنّ تأخّر الحادث، و هو موت الأب، مثلا: قد لوحظ بالقياس إلى حادث آخر كإسلام الوارث.

[3] بأن لا يعلم أنّ موت الأب- مثلا- وقع في أيّ زمن من الأزمنة، و كذا إسلام الوارث وقع في أي زمن فلا يعلم تاريخ شي‏ء منهما.

[4] بأن يعلم أنّ موت الأب وقع في غرّة رمضان، و لكن لم يعلم تاريخ إسلام الوارث بأنّه وقع قبل رمضان أو في غرّته أو بعده.

[5] أي لا يحكم بأنّ الموت متأخّر عن إسلام الوارث كي لا يرث، و كذا لا يحكم بأنّ إسلام الوارث متأخّر عن موت الأب كي يرث منه.

[6] أي من غير تعلّقه بحادث.

و قال المحقّق البارفروشي في وجه عدم كون التأخّر مجرى الاستصحاب:

أنّ التأخّر و التقدّم مثل الجهات الستّة فلا يكون مفاده معيّنا إلّا بالمضاف إليه؛ لكونه لازم الاضافة، فإنّ الفوق- مثلا- لا يفيد إلّا مفهوم الفوقيّة، و أمّا كونه‏

19

الاستصحاب؛ لعدم مسبوقيّته [1] باليقين. و أمّا أصالة عدم أحدهما [2] في زمان حدوث الآخر فهي معارضة بالمثل، و حكمه التساقط مع ترتّب‏

____________

فوق كذا و كذا لا يعلم إلّا بالاضافة، و كذا التأخّر فهو خلاف التقدّم، فلا يتميّز مؤدّاه إلّا بالمضاف إليه. فثبوت الحالة السابقة لمفهوم التأخّر و اليقين بعدم تحقّق الحالة السابقة له إنّما هو بلحاظ إضافته إلى الحادث، و أمّا نفس التأخّر بلا إضافة لا يفيد إلّا مفهومه، و هو لم يكن مسبوقا بالعدم، و إنّما يتحقّق له حالة سابقة بعد تحقّق الاضافة كموت زيد في يوم الجمعة، مثلا، فإنّ الحياة ثابتة في الأزمنة المتقدّمة على زمان العلم بتحقّق الموت، فثبوت الحالة السابقة و اليقين بعدم التأخّر إنّما يكون باعتبار إضافة التأخّر إلى الحياة.

و قال المحقّق الآشتياني: إنّ التحقيق عدم تعقّل جريان الاستصحاب في التأخّر و التقدّم و التقارن، لا من طرف الوجود، و لا من طرف العدم. أمّا في طرف الوجود، و هو استصحاب التأخّر، فلأنّ التأخّر من أنحاء الوجود و كيفيّاته، و من المعلوم ضرورة استحالة انقلاب الشي‏ء عمّا هو عليه من الحالة؛ إذ الشي‏ء لا ينقلب عمّا هو عليه، و معه لا يعرض الشكّ عليه بقاء كي يكون مجرى الاستصحاب، و أمّا في طرف العدم و هو استصحاب عدم التأخّر فلأنّ استصحاب عدم الأمر القائم بموجود بعد القطع بالوجود إنّما يمكن فيما أمكن اتّصاف الشي‏ء به في زمان و ارتفاعه عنه، و قد عرفت أنّ التأخّر يستحيل أن ينقلب عمّا هو عليه، و معه كيف يكون مجرى الاستصحاب.

[1] أي لا يكون التأخّر متيقّنا في زمان سابق كي يكون مشكوكا في الزمن اللاحق، و يكون مجرى للاستصحاب؛ و ذلك لما عرفت من عدم وجود حالة سابقة له.

[2] كأصالة عدم تحقّق إسلام الوارث في زمان حدوث موت الأب، و هي معارضة بأصالة عدم تحقّق موت الأب في زمان إسلام الوارث.

20

الأثر على كلّ واحد من الأصلين [1]، و سيجي‏ء تحقيقه إن شاء اللّه [2].

و هل يحكم بتقارنهما [3] في مقام يتصوّر التقارن [4]؛ لأصالة عدم كلّ منهما [5] قبل وجود الآخر؟

وجهان: من [6] كون التقارن أمرا وجوديا لازما لعدم كلّ منهما قبل‏

____________

[1] أمّا إذا لم يترتّب أثر شرعي على أحد الأصلين بأن يكون مثبتا، أو كان أحد المشتبهين خارجا عن مورد الابتلاء يبقى الأصل الآخر بلا معارض.

[2] أي في مبحث تعارض الاستصحابين.

[3] أي هل يحكم بتقارن الحادثين بالأصل بعد عدم جواز الحكم بتأخّر الحادث فيما إذا كان التقارن موضوعا للحكم الشرعي، كما إذا وقع إناء متنجّس في الماء الذي صار كرّا مقارنا لحصول كرّيّته، فأثره هو طهارة الإناء، كما لو نذر أن يتصدّق للمصلّيين المتقارنين، فثبت التقارن بأصالة تقدّم أو تأخّر أحدهما عن الآخر.

[4] و ذلك كما لو علم بحصول الكرّيّة للماء و بملاقاته للنجاسة بعد أن لم يكن كرّا، و لا ملاقيا للنجاسة سابقا، و جهل تاريخهما بأن وجد كرّ فيه نجاسة يعلم بعدم الكريّة للماء و بعدم وجود النجاسة فيه في زمان سابق، فإنّ في هذا المثال يحتمل تقدّم الكريّة، و يحتمل تقدّم الملاقاة و يحتمل التقارن، و أمّا ما لا يمكن فيه التقارن فذلك إمّا بالذات، كما لو علم بوجود الحدث و الطهارة منه، و وقع الشكّ في المتقدّم منهما، و إمّا بالعرض كما لو شكّ في تقدّم إحدى الجمعتين على الاخرى مع العلم الإجمالي بتقدّم إحداهما.

[5] أي كلّ من الحادثين.

[6] دليل على عدم جواز الحكم بتقارن الحادثين، أي التقارن بين الحادثين لازم عقلي لأصالة عدم كلّ من الحادثين قبل الحادث الآخر، فإنّه لا يثبت إلّا على‏

21

الآخر، و من [1] كونه من اللوازم الخفيّة حتّى كاد يتوهّم أنّه [2] عبارة عن عدم تقدّم أحدهما على الآخر في الوجود. و إن [3] كان أحدهما معلوم التاريخ فلا يحكم على مجهول التاريخ إلّا بأصالة عدم وجوده [4] في تاريخ ذلك، لا [5] تأخّر وجوده عنه بمعنى حدوثه بعده [6].

____________

القول بحجّية الأصل المثبت.

[1] دليل على جواز الحكم بالتقارن، أي من أنّ التقارن و إن كان لازما عقليّا لأصالة عدم كلّ من الحادثين قبل الآخر، و واسطة بين المستصحب و الحكم الشرعي، إلّا أنّه واسطة خفيّة.

[2] أي التقارن، و ملخّصه: أنّ التقارن واسطة خفيّة بحيث يتوهّم أنّه ليس لازما عقليّا لعدم تقدّم أحد الحادثين على الآخر، بل هو نفس عدم تقدّم أحد الحادثين على الآخر.

[3] عطف على قوله: «فإن جهل تاريخهما»، أي كان أحد الحادثين معلوم التاريخ، و الحادث الآخر مجهول التاريخ بأن علم أنّ المورث مات في غرّة رمضان لكن لا يعلم تاريخ إسلام الوارث هل هو أسلم في غرّة رمضان أو قبلها أو بعدها؟

[4] أي بأصالة عدم وجود مجهول التاريخ في تاريخ معلوم التاريخ، فلو كان لعدم وجوده مقارنا لمعلوم التاريخ أثر شرعي لترتّب عليه، و أمّا في ناحية معلوم التاريخ فلا مجال للأصل لعدم الشكّ في وجوده، و لا في زمانه كي يجري الأصل فيه.

[5] أي لا يثبت- بأصالة عدم وجود مجهول التاريخ في تاريخ معلوم التاريخ- تأخّر وجود مجهول التاريخ عن معلوم التاريخ.

[6] أي لا يثبت حدوث مجهول التاريخ بعد معلوم التاريخ؛ لأنّه لازم عقلي‏

22

نعم، يثبت ذلك [1] على القول بالأصل المثبت. فإذا علم تاريخ ملاقاة الثوب للحوض [2] و جهل تاريخ صيرورته كرّا [3]، فيقال: الأصل بقاء قلّته و عدم كرّيّته في زمان الملاقاة [4].

و إذا علم تاريخ الكريّة [5] حكم أيضا [6] بأصالة عدم الملاقاة في زمان الكريّة [7]،

____________

للمستصحب، فهو لا يثبت باستصحاب عدم وجود مجهول التاريخ في زمن معلوم التاريخ.

[1] أي حدوث مجهول التاريخ بعد معلوم التاريخ.

[2] بأن كانت الملاقاة يوم الجمعة، مثلا.

[3] بأن لا يعلم أنّه صار كرّا قبل يوم الجمعة، أو في نفس يوم الجمعة أو بعده.

[4] أي يجري الأصل في الكريّة؛ لكونها مجهول التاريخ، و يثبت عدم كون الماء كرّا في زمان الملاقاة، و لا تجري أصالة عدم ملاقاة الثوب حين عدم كونه كرّا لكونها معلومة التاريخ.

و ملخّص الكلام: أنّه إذا علم إجمالا بتحقّق الحادثين- الملاقاة و الكريّة- و لم يعلم تقدّم أحدهما على الآخر، و كان الملاقاة معلومة التاريخ، و الكرية مجهولة التاريخ يجري أصالة عدم الكرية، و لا يثبت بها حدوث الكرية بعد الملاقاة.

[5] و جهل تاريخ الملاقاة.

[6] كما حكم بأصالة عدم الكريّة في زمان الملاقاة فيما إذا كان الملاقاة معلومة التاريخ و الكريّة مجهولة التاريخ، كذلك حكم بأصالة عدم الملاقاة في زمان الكريّة فيما إذا علم تاريخ الكريّة و جهل تاريخ الملاقاة.

[7] و لا يحكم بحدوث الملاقاة بعد الكريّة.

23

و هكذا [1].

و ربّما يتوهّم [2]: جريان الأصل في طرف المعلوم [3] أيضا، بأن يقال:

الأصل عدم وجوده [4] في الزمان الواقعي للآخر.

و يندفع: بأنّ نفس وجوده [5] غير مشكوك في زمان، و أمّا وجوده في زمان آخر فليس مسبوقا بالعدم.

____________

[1] أي هذا الذي ذكرناه في مثال الملاقاة و الكرية يجري في جميع موارد الشكّ في تقدّم و تأخّر الحادثين.

[2] المتوهّمون جماعة، منهم صاحب الجواهر، حيث توهّم جريان أصالة العدم في المعلوم أيضا و معارضتها مع أصالة العدم في المجهول.

[3] أي معلوم التاريخ. فيكون صورة العلم بتاريخ أحدهما في حكم صورة الجهل بتاريخهما في تعارض الأصلين من الجانبين.

[4] أي الأصل عدم وجود المعلوم تاريخه في الزمان الواقعي للمجهول تاريخه؛ فإنّه و إن كان مجهولا عندنا إلّا أنّه معيّن واقعا و له زمان معيّن في الواقع، و الأصل أنّ معلوم التاريخ لا يوجد في الزمان الواقعي الذي وجد فيه مجهول التاريخ.

[5] أي نفس وجود المعلوم تاريخه لا شكّ فيه في زمان كي يجري فيه الاستصحاب؛ لأنّه قبل تاريخه معلوم العدم، و في زمانه مقطوع الوجود، فلا شكّ في أصل وجوده حتّى يمكن استصحابه. هذا إن كان المستصحب أصل الوجود، و أمّا إن كان المستصحب وجوده في زمان الآخر، فإنّه و إن كان مشكوكا إلّا أنّه ليس له حالة سابقة بمعنى أنّه لم يكن زمان كان مجهول التاريخ موجودا، و لم يكن معلوم التاريخ موجودا كي يستصحب عدم وجوده في الزمان الآخر؛ لاحتمال تقدّم مجهول التاريخ عليه، إلّا أن يتمسّك‏

24

ثمّ إنّه يظهر من الأصحاب هنا قولان آخران [1]:

أحدهما: جريان هذا الأصل [2] في طرف مجهول التاريخ، و إثبات تأخّره عن معلوم التاريخ بذلك [3]. و هو [4] ظاهر المشهور، و قد صرّح بالعمل به [5]: الشيخ [6] و ابن حمزة [7] و المحقّق [8] و العلّامة [9] و الشهيدان [10] و غيرهم في بعض الموارد، منها:

مسألة اتّفاق الوارثين على إسلام أحدهما [11] في غرّة رمضان،

____________

باستصحاب العدم الأزلي، بأن يقال: إنّ المجهول إذا لم يكن موجودا لم يكن معلوم التاريخ أيضا موجودا في الأزل، و المعلوم تاريخه صار موجودا في زمان فيشكّ في كون المعلوم تاريخه أيضا موجودا في ذلك الزمان المعلوم واقعا، و الأصل عدمه.

[1] بين إفراط و تفريط، و القول الأوّل إفراط، و القول الثاني تفريط، كما ستعرف.

[2] أي استصحاب العدم.

[3] أي بذلك الاستصحاب يثبت تأخّر مجهول التاريخ عن معلوم التاريخ، و يترتّب عليه أحكام التأخّر.

[4] أي هذا القول.

[5] أي بالأصل المذكور.

[6] المبسوط 8: 273.

[7] الوسيلة: 225.

[8] الشرائع 4: 120.

[9] التحرير 2: 300.

[10] الدروس 2: 108، و المسالك 2: 319.

[11] أي أحد الوارثين: بأن اتّفقا على أنّ إسلام أحدهما كان في غرّة رمضان،

25

و اختلافهما في موت المورث قبل الغرّة أو بعدها، فإنّهم حكموا بأنّ القول قول مدّعي تأخّر الموت [1]. نعم، ربّما يظهر من إطلاقهم التوقّف [2] في بعض المقامات- من غير تفصيل بين العلم بتاريخ أحد الحادثين و بين الجهل بهما- عدم [3] العمل بالأصل في المجهول مع علم تاريخ الآخر، كمسألة [4] اشتباه تقدّم الطهارة أو الحدث [5]، و مسألة اشتباه الجمعتين [6]،

____________

و إنّما اختلفا في موت المورث بأنّه مات قبل الغرّة أو بعدها؟

[1] حكمهم بتقديم قول مدّعي تأخّر الموت إنّما يكون بأصالة عدم حدوث موت المورث إلى حين إسلام الوارث، فيثبت به تأخّر الموت عن الإسلام، فهذا شاهد على التزامهم بجريان الأصل في مجهول التاريخ، و إثبات تأخّره عن معلوم التاريخ.

[2] مفعول للإطلاق.

[3] فاعل لقوله: «يظهر»، أي يظهر من إطلاقهم التوقّف في العمل بالأصل في المجهول مع كون الحادث الآخر معلوما- و توضيحه: أنّهم أطلقوا الحكم بالتوقّف في بعض موارد توارد الحادثين، و لم يتمسّكوا بالأصل من دون تفصيل بين معلوم التاريخ و بين مجهوله، فإنّ إطلاق كلامهم يشمل صورتي الجهل بتاريخهما و الجهل بتاريخ أحدهما- أنّهم متوقّفون في المقام أيضا، و هو ما كان أحد الحادثين معلوم التاريخ، و الآخر مجهول التاريخ.

[4] مثال لبعض المقامات التي لم يفصلوا فيها بين العلم بتاريخ أحد الحادثين و بين الجهل بتاريخهما، بل حكموا بالتوقّف في موارد توارد الحالتين على الإطلاق.

[5] بأن علم بحدوث طهارة و حدث منه لكن شكّ في المتقدّم و المتأخّر منهما، فإنّهم حكموا فيه بالتوقّف على الإطلاق و لم يحكموا بالطهارة و لا بالحدث.

[6] بأن انعقدت الجمعتان في أقلّ من فرسخ، و لم يعلم أنّ أيّتهما مؤخّرة،

26

و اشتباه موت المتوارثين [1]، و مسألة اشتباه تقدّم رجوع المرتهن عن الإذن في البيع [2] على [3] وقوع البيع أو تأخّره [4] عنه، و غير ذلك [5].

لكن الإنصاف: عدم الوثوق [6] بهذا الإطلاق، بل هو [7] إمّا محمول على صورة الجهل بتاريخهما، و أحالوا صورة العلم بتاريخ أحدهما على [8] ما صرّحوا به في مقام آخر.

____________

فإنّهم لم يفرّقوا بين الجهل بتاريخهما و العلم بتاريخ أحدهما دون الآخر، بل حكموا بالتوقّف و عدم العمل بالأصل في المجهول مطلقا.

[1] كما إذا علم موت الأب و الابن و لم يعلم المتقدّم منهما.

[2] بأن إذن المرتهن للراهن في بيعه العين المرهونة، ثمّ رجع عن إذنه و لم يعلم أنّ الرجوع كان متقدّما على بيع الراهن، فيبطل البيع، أو البيع متقدّم على الرجوع فيصحّ بيعه، فإنّهم أطلقوا التوقّف و عدم العمل بالأصل في مجهول التاريخ، من غير تفصيل بين العلم بتاريخ أحدهما و الجهل بهما معا.

[3] الجارّ متعلّق بقوله: «تقدّم ...».

[4] أي: أو تأخّر رجوع المرتهن عن الإذن في البيع.

[5] من المقامات التي أطلقوا الحكم بالتوقّف فيها، فلاحظ.

[6] أي لا يحصل الاطمئنان بتحقّق الإطلاق في كلامهم.

[7] أي إطلاق كلامهم، هذا إشارة إلى الجواب الأوّل.

[8] الجار متعلّق بقوله: «أحالوا»، أي لم يبيّنوا صورة العلم بتاريخ أحدهما في المقام، بل أحالوها على مقام آخر، كمسألة إسلام الوارث في غرّة رمضان، و الشكّ في تاريخ موت الأب، فإنّهم بيّنوا هناك جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ.

27

أو على [1] محامل أخر. و كيف كان، فحكمهم في مسألة الاختلاف في تقدّم الموت على الإسلام و تأخّره مع إطلاقهم في تلك الموارد، من قبيل النصّ و الظاهر [2]. مع أنّ جماعة [3] منهم نصّوا على تقييد هذا الإطلاق في موارد، كالشهيدين في الدروس‏

(1)

و المسالك‏

(2)

في مسألة الاختلاف في تقدّم الرجوع عن الإذن في بيع الرهن على [4] بيعه و تأخّره،

____________

[1] معطوف على قوله: «على صورة الجهل ...»، أي امّا محمول على محامل أخر، بأن يقال: إنّ ما صرّحوا به في مقام آخر من جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ يكون مقيّدا للإطلاق المذكور.

[2] أي حكمهم في مورد الاختلاف في تقدّم الموت على الإسلام بأنّ القول قول مدّعي تأخّر الموت نصّ في جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ، و إثبات تأخّره عن المعلوم تاريخه، و إطلاقهم في الحكم بالتوقّف ظاهر في عدم جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ، و النصّ مقدّم على الظاهر فيؤخذ بالنصّ و يلتزم بجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ، و يرفع اليد عن إطلاق حكمهم بالتوقّف.

[3] هذا جواب ثان من إطلاقهم التوقّف في بعض المقامات، أي جماعة من العلماء صرّحوا بأنّ الإطلاق المذكور في كلامهم مقيّد بصورة الجهل بهما معا، فإنّ التوقّف في مسألة توارد الحادثين إنّما هو في هذه الصورة لا في صورة العلم بتاريخ أحدهما.

[4] الجار متعلّق بقوله: «تقدّم»، أي الاختلاف في تقدّم رجوع المرتهن على بيعه و تأخّر الرجوع عن بيعه.

____________

(1) الدروس 3: 409.

(2) المسالك 4: 78.

28

و العلّامة الطباطبائي‏

(1)

في مسألة اشتباه السابق من الحدث و الطهارة [1].

هذا [2] مع أنّه لا يخفى- على متتبّع موارد هذه المسألة [3] و شبهها ممّا يرجع في حكمها إلى الاصول- أنّ غفلة بعضهم، بل أكثرهم، عن مجاري الاصول في بعض شقوق المسألة غير عزيزة [4].

الثاني [5]: عدم العمل بالأصل و إلحاق صورة جهل تاريخ أحدهما بصورة جهل تاريخهما [6].

____________

[1] أي لا يعلم أنّ المتقدّم هو الحدث أو الطهارة، فإنّ العلّامة أيضا صرّح بأنّ التوقّف إنّما يكون في صورة الجهل بتاريخ الحادثين.

[2] هذا إشارة إلى جواب ثالث.

[3] أي مسألة توارد الحادثين و شبهها من المسائل التي يرجع فيها إلى الاصول العلميّة.

[4] حيث إنّهم حكموا في مسألة توارد الحادثين بالتوقّف، و غفلوا من أنّ الأصل يجري في بعض شقوق المسألة، فيكون حكمهم بالتوقّف في موارد الجهل بالحادثين مطلقا غفلة عن جريان الأصل في صورة العلم بأحدهما.

[5] أي القول الثاني، و هو تفريط منهم.

و ملخّصه: عدم جريان أصالة عدم حدوث مجهول التاريخ و إن ترتّب الأثر الشرعي على نفس عدم حدوث مجهول التاريخ في زمان حدوث المعلوم تاريخه.

[6] كما لا يجري الاستصحاب في صورة الجهل بتاريخ الحادثين، كذلك لا يجري في صورة جهل تاريخ أحدهما.

____________

(1) الدرّة النجفيّة: 23.

29

و قد صرّح به [1] بعض المعاصرين- تبعا [2] لبعض الأساطين- مستشهدا [3] على ذلك بعدم تفصيل الجماعة في مسألة الجمعتين و الطهارة و الحدث و موت المتوارثين، مستدلّا [4] على ذلك بأنّ [5] التأخّر ليس أمرا مطابقا للأصل، و ظاهر استدلاله [6] إرادة ما ذكرنا: من عدم ترتيب‏

____________

[1] أي بعدم العمل بالأصل. و ملخّصه: أنّ صاحب الجواهر صرّح بعدم الفرق بين ما إذا كان تاريخ الحادثين مجهولا أو كان تاريخ أحدهما مجهولا في لزوم التوقّف و عدم جواز العمل بالأصل.

[2] أي تبع صاحب الجواهر بعض الأساطين، و هو صاحب مفتاح الكرامة، و كاشف الغطاء.

[3] أي استشهد بعض الأساطين على عدم جواز العمل بالأصل مطلقا بأنّ الجماعة حكموا بالتوقّف في المسائل المذكورة من غير تفصيل بين مجهولي التاريخ و بين ما كان أحدهما معلوما.

[4] أي استدلّ صاحب مفتاح الكرامة على عدم جواز العمل بالأصل في مورد الجهل بتاريخ أحد الحادثين.

[5] الجارّ متعلّق بقوله: «مستدلّا»، أي استدلّ على عدم جواز العمل بالأصل بأنّ التأخّر ليس أمرا مسبوقا بالعدم حتّى يجري أصالة تأخّر أحد الحادثين عن الآخر. و يقال: إنّ مجهول التاريخ متأخّر عن المعلوم تاريخه، و حدوثه و إن كان مسبوقا بالعدم إلّا أنّ أصالة عدم حدوثه لا يثبت صفة التأخّر، إلّا على القول بالأصل المثبت.

[6] أي ظاهر استدلال صاحب مفتاح الكرامة هو ما ذكرناه من أصالة عدم حدوث مجهول التاريخ في زمان معلوم التاريخ لا توجب أن يكون مجهول التاريخ متأخّرا عن المعلوم تاريخه، و يترتّب عليها أحكام التأخّر، و مقصوده من عدم‏

30

أحكام صفة التأخّر، و كون [1] المجهول متحقّقا بعد المعلوم. لكن [2] ظاهر استشهاده [3] بعدم تفصيل الأصحاب في المسائل المذكورة [4] إرادة [5] عدم ثمرة مترتّبة على العلم بتاريخ أحدهما أصلا.

____________

كون التأخّر مطابقا للأصل هو هذا المعنى، أي الأصل المذكور لا يثبت صفة التأخّر، و لا يترتّب عليه الحكم المترتّب على صفة المتأخّر، و ليس مقصوده منع جريان الأصل رأسا حتّى بالنسبة إلى إثبات عدم حدوث مجهول التاريخ في زمان المعلوم، فإنّه لا ينفي الأصل بالنسبة إلى هذا، بل هو أيضا ملتزم بترتّب الأثر على عدم حدوث الحادث في زمان معلوم التاريخ.

[1] أي لا يثبت الأصل المذكور أنّ مجهول التاريخ متحقّق بعد معلوم التاريخ.

[2] أي الذي يكون موافقا لما ذكرناه هو استدلاله، و أمّا استشهاده فلا يكون موافقا لما ذكرناه، بل المستفاد منه عدم جريان الأصل في توارد الحادثين مطلقا، سواء كانا مجهولين، أو أحدهما معلوما.

و الحاصل: أنّ مفاد استدلاله مغاير لمفاد استشهاده، فإنّ مفاد استدلاله أنّ الأصل لا يثبت صفة التأخّر، و هذا موافق لما ذكره الماتن، و أمّا مفاد استشهاده فالتوقّف مطلقا، و العلم بتاريخ أحدهما لا ينفع في توارد الحالتين.

[3] أي استشهاد صاحب مفتاح الكرامة بعدم تفصيل الأصحاب بين مجهول التاريخ و بين ما إذا كان أحدهما معلوما، و حكمهم بالتوقّف فيه مطلقا.

[4] أي في المسائل المذكورة لتوارد الحادثين المتقدّمة، كمسألة اشتباه تقدّم الطهارة و الحدث و اخواتها، فلاحظ.

[5] أي ظاهر استشهاد صاحب مفتاح الكرامة أنّه أراد عدم ثمرة مترتّبة على العلم بتاريخ أحدهما أي لا يجري الأصل في معلوم التاريخ أصلا، لا أنّه يجري، و لا يثبت به صفة التأخّر، فيكون استدلاله مغايرا لاستشهاده.

31

فإذا فرضنا [1] العلم بموت زيد في يوم الجمعة، و شككنا في حياة ولده في ذلك الزمان [2]، فالأصل بقاء حياة ولده [3]، فيحكم له [4] بإرث أبيه، و ظاهر هذا القائل [5] عدم الحكم بذلك، و كون حكمه [6] حكم الجهل بتاريخ موت زيد أيضا في عدم التوارث بينهما [7]. و كيف كان، فإن أراد هذا القائل [8]

____________

[1] هذا بيان لظهور الثمرة بين التفصيل بين مجهولي التاريخ و بين ما كان تاريخ أحدهما معلوما.

[2] أي في يوم الجمعة.

[3] يستصحب حياة ولده إلى زمان موت أبيه على مختار المصنّف.

[4] أي يحكم للولد بأنّه يرث أباه؛ إذ استصحاب بقاء حياته يثبت كونه حيّا حين موت أبيه، فيترتّب عليه كونه وارثا له.

[5] و هو صاحب مفتاح الكرامة القائل بعدم جريان الأصل في مجهول التاريخ، أي ظاهر هذا القائل عدم الحكم بإرث الولد من أبيه.

[6] أي حكم الجهل بتاريخ حياة الولد مع العلم بتاريخ موت زيد في يوم الجمعة كحكم الجهل بتاريخ موت زيد أيضا، أي كحكم الجهل بتاريخهما في لزوم التوقّف، و عدم العمل بالاستصحاب.

[7] كما إذا كان كلاهما- أي موت زيد و موت ولده- مجهولين من حيث التاريخ، لا يحكم بالتوارث بينهما، بل يجب التوقّف؛ و ذلك لأجل عدم جريان الأصل فيهما، كذلك لا يحكم بالتوارث بينهما فيما إذا كان تاريخ أحد الحادثين معلوما و تاريخ الحادث الآخر مجهولا.

[8] و هو صاحب مفتاح الكرامة. و الحاصل: إن أراد هذا القائل من عدم جواز العمل بالاستصحاب في مجهول التاريخ أنّه لا يترتّب عليه إثبات تأخّر مجهول التاريخ عن المعلوم تاريخه فالحقّ معه، و نحن أيضا ننكر جريان‏

32

ترتيب آثار تأخّر ذلك الحادث- كما هو [1] ظاهر المشهور- فإنكاره [2] في محلّه. و إن أراد عدم جواز التمسّك باستصحاب عدم ذلك الحادث [3] و وجود ضدّه [4] و ترتيب [5] جميع آثاره الشرعيّة في زمان الشكّ، فلا [6] وجه لإنكاره؛ إذ لا يعقل الفرق بين مستصحب علم بارتفاعه في زمان [7] و ما [8] لم يعلم. و أمّا ما ذكره: من عدم تفصيل الأصحاب في مسألة

____________

الأصل بهذا المعنى.

[1] أي ترتيب ...، أي ظاهر المشهور من إنكار جريان الأصل في مجهول التاريخ هو أنّ الأصل في مجهول التاريخ يجري و يترتّب عليه تأخّره عن المعلوم.

[2] جواب لقوله: «فإن أراد ...»، أي إنكار صاحب مفتاح الكرامة جريان الأصل في مجهول التاريخ بالمعنى المذكور في محلّه.

[3] أي استصحاب عدم الموت الولد في المثال المذكور.

[4] و هو حياة الولد، أي أن أراد صاحب مفتاح الكرامة عدم جواز التمسّك باستصحاب بقاء حياة الولد في زمان موت أبيه فيما لو كان تاريخ موت الولد مجهولا و تاريخ موت زيد معلوما.

[5] أي إن أراد عدم جواز ترتيب جميع آثار استصحاب عدم الحادث عليه في زمان الشكّ، كوجوب النفقة المترتّب على استصحاب عدم موت الولد في زمان الشكّ في موته.

[6] جواب لقوله: «و إن أراد».

[7] كما نحن فيه، فإنّه يعلم بارتفاع حياة الولد في زمان لكن لا يعلم أنّه ارتفعت زمان حياة أبيه، أو بعده.

[8] أي بين مستصحب لم يعلم ارتفاعه أصلا، كما أنّ الاستصحاب يجري في الأوّل كذلك يجري في الثاني، كما عرفت. و الحاصل: أنّه كما يستصحب‏

33

الجمعتين و أخواتها [1]، فقد عرفت ما فيه [2]. فالحاصل: أنّ المعتبر في مورد الشكّ في تأخّر حادث عن آخر [3] استصحاب [4] عدم الحادث في زمان حدوث الآخر.

فإن كان زمان حدوثه [5] معلوما فيجري أحكام بقاء المستصحب [6] في زمان الحادث المعلوم [7] لا غيرها [8]، فإذا علم بتطهّره في الساعة الاولى من النهار [9]، و شكّ [10] في تحقّق الحدث قبل تلك الساعة أو بعدها،

____________

حياة الولد فيما لو شكّ في أصل حياته كذلك تستصحب فيما علم موته، لكن نشكّ في حياته في زمان موت أبيه.

[1] من الأمثلة المتقدّمة في كلام صاحب مفتاح الكرامة.

[2] من الحمل على صورة الجهل بتاريخهما، أو غيره من المحامل.

[3] أي عن حادث آخر.

[4] أي أنّ المعتبر استصحاب عدم موت الولد في زمان حياة أبيه، مثلا، و يترتّب الحكم الشرعي على هذا العدم على تقدير ثبوت الحكم الشرعي له.

[5] أي كان زمان حدوث الحادث الآخر معلوما، كزمان موت الأب، فإنّه علم بكونه يوم الجمعة.

[6] أي يجري استصحاب بقاء حياة الأب، و يترتّب عليها أحكام الحياة من وجوب النفقة على زوجته و كونه وارثا.

[7] كزمان موت الأب المعلوم تاريخه.

[8] أي لا يجري أحكام حدوث الحادث متأخّرا.

[9] بأن علم زيد بأنّه متوضّئ في الساعة الثامنة من نهار يوم الجمعة.

[10] أي شكّ بأنّ الحدث تحقّق في الساعة السابعة أو التاسعة بأن كان تاريخ الحدث مجهولا.

34

فالأصل [1] عدم الحدث فيما قبل الساعة الاولى، لكن لا يلزم من ذلك [2] ارتفاع الطهارة المتحقّقة في الساعة الاولى كما تخيّله [3] بعض الفحول.

و إن كان [4] مجهولا كان حكمه [5] حكم أحد الحادثين المعلوم حدوث أحدهما إجمالا، و سيجي‏ء توضيحه.

____________

[1] أي يستصحب عدم الحدث إلى الساعة الثامنة، و يترتّب عليه الأحكام الشرعيّة المترتّبة على عدم الحدث.

[2] أي لا يلزم من جريان أصالة عدم الحدث فيما قبل الساعة الاولى ارتفاع الطهارة- التي هي متيقّنه الحصول في الساعة الثامنة- بعد الساعة المذكورة، أي استصحاب عدم الحدث فيما قبل الساعة لا يثبت تأخّر الحدث عن الساعة الثامنة، و وقوعه في الساعة التاسعة، و ارتفاع الطهارة في الساعة التاسعة.

[3] أي ارتفاع الطهارة في ما بعد الساعة الاولى و وقوع الحدث متأخّرا عنها، و المتخيّل هو العلّامة الطباطبائي، فإنّه رتّب على الأصل المذكور وصف التأخّر أيضا، و قال: إنّ الحدث واقع بعد الطهارة المعلومة الزمان فهي مرتفعة به.

[4] عطف على قوله: «فإن كان زمان حدوثه معلوما»، أي إن كان زمان حدوث الآخر أيضا مجهولا بأن كان كلاهما مجهولي التاريخ.

[5] أي كان حكم الحادثين اللذين علم بحدوثهما، و شكّ في المتأخّر منهما حكم أحد حادثين علم إجمالا بحدوث أحدهما، كما إذا علم بموت أحد و لم يعلم بأنّه زيد أو عمرو، فكما أنّ أصالة عدم موت زيد هنا معارضة بأصالة عدم موت عمرو كذلك فيما نحن فيه، فإنّ أصالة عدم أحدهما في زمان الآخر معارضة بمثلها.

35

«التحقيق»

أقول: إنّ الغرض من هذا التنبيه التحقيق في جريان الاستصحاب و عدمه فيما إذا كان الشكّ في تقدّم أحد الحادثين على الآخر و تأخّره عنه بعد العلم بتحقّق أصله، فالكلام فيه يقع تارة فيما إذا لوحظ التأخّر و التقدّم بالنسبة إلى أجزاء الزمان، و اخرى فيما إذا لوحظا بالنسبة إلى حادث آخر.

أمّا الأوّل: فهو كما إذا علمنا بوجود زيد يوم الجمعة، و شككنا في حدوثه يوم الخميس أو يوم الجمعة، فيجري استصحاب عدم حدوث وجود زيد إلى يوم الجمعة، و يترتّب الأثر الشرعي على عدم حدوثه لو كان هو موضوعا للأثر الشرعي.

و هل يثبت بهذا الاستصحاب تأخّر وجوده عن يوم الخميس؟

و الحقّ أنّه لا يثبت إلّا على القول بالأصل المثبت، و كذا لا يثبت باستصحاب عدم وجوده يوم الخميس أنّه حدث في يوم الجمعة؛ إذ الحدوث أمر بسيط، و وجود خاصّ، و هو الوجود المسبوق بالعدم، و استصحاب عدم الحدوث يوم الخميس لا يثبته إلّا على القول بالأصل المثبت. نعم، لو كان الحدوث مركّبا من أمرين: أي الوجود يوم الجمعة، مثلا، و عدم الوجود يوم الخميس لكان من قبيل ما احرز أحد جزئي الموضوع بالوجدان و الجزء الآخر بالتعبّد، لكنّك قد عرفت أنّ الحدوث أمر بسيط.

و أمّا الثاني: و هو ما إذا كان الشكّ في تقدّم حادث و تأخّره بالنسبة إلى حادث آخر- بأن علم حدوث أمرين، و شكّ في تقدّم حدوث أحدهما على الآخر و تأخّره عنه- كما إذا علم بموت الوالد و بإسلام ولده، و شكّ في أنّ الإسلام كان قبل الموت كي يرث منه أو كان بعده كي لا يرث منه، فالشكّ إنّما هو في تأخّر الإسلام عن الموت و تقدّمه عليه، فالصور المتصوّرة هنا ثمان.

36

أقول: قبل الدخول في البحث عن الصور المذكورة لا بدّ من ذكر مقدّمة، و هي:

أنّك قد عرفت آنفا أنّ الموضوع للحكم الشرعي إذا كان بسيطا، فلا يمكن إحرازه بالاستصحاب، فإنّ الحدوث، مثلا، عبارة عن مجموع الوجود المسبوق بالعدم، فإذا علمنا بإسلام زيد و شككنا في حدوثه يوم الخميس أو يوم الجمعة فإنّ استصحاب عدم حدوث إسلامه يوم الخميس لا يثبت حدوثه يوم الجمعة؛ إذ ترتّب عنوان الوجود المسبوق بالعدم على استصحاب عدم حدوثه يوم الخميس يكون ترتّبا عقليّا.

نعم، لو كان الموضوع مركّبا من أمرين: كموضوع الإرث، فإنّه مركّب من موت الوالد، و حياة الولد حين موت الوالد، فإنّ أحد الجزءين- و هو موت الوالد- محرز بالوجدان، و الجزء الآخر- و هو حياة الولد- يحرز بالاستصحاب، فيترتّب عليه جواز الإرث.

إن قلت: إنّ الوجود المسبوق بالعدم أيضا مركّب من أمرين: أحدهما الوجود، و الآخر المسبوق بالعدم، و الفرق بينهما- بأنّه أمر بسيط، و هذا بخلاف موت الوالد و حياة الولد حين موته، فإنّه أمر مركّب- غير تامّ.

قلت: الفرق بينهما واضح، فإنّ الموضوع في الفرض الأوّل عبارة عن عنوان المجموع المركّب الذي لا يمكن إثباته باستصحاب أحد الجزءين، و هذا بخلاف الموضوع في الفرض الثاني، فإنّه عبارة عن ذوات الجزءين، و لم يكن لعنوان المجموع دخل فيه، فيحرز إحدى الذاتين بالوجدان و الاخرى بالتعبّد. إذا عرفت ذلك فلنشرع إلى التحقيق حول الصور الثمان:

الصورة الاولى: أن يكون الحادثان مجهولي التاريخ، و يكون الأثر مترتّبا على الوجود الخاصّ من التقدّم و التأخّر

بمفاد كان التامّة، كما إذا كان موضوع الإرث تقدّم موت المورث على موت الوارث، ففي هذه الصورة إمّا يكون الأثر مترتّبا على تقدّم‏

37

أحد الحادثين فقط و لم يكن لتقدّم الحادث الآخر على هذا الحادث أثر، و إمّا يكون الأثر مترتّبا على تقدّم كلّ من الحادثين على الآخر، و على الأوّل فلا شبهة في جريان أصالة عدم التقدّم، كاستصحاب عدم تقدّم موت المورّث على موت الوارث، فيترتّب عليه عدم الإرث، و كذا على الثاني لا مانع من جريان استصحاب عدم تقدّم كلّ من الحادثين على الآخر، و لا يقع التعارض بين الأصلين؛ و ذلك لاحتمال التقارن بين الحادثين. نعم، فيما إذا لم يكن فيه احتمال التقارن موجودا، كما إذا علم إجمالا بتقدّم أحدهما على الآخر لا مجال للرجوع إلى أصالة عدم السبق لمعارضتها بأصالة عدم التأخّر.

هذا كلّه لو كان الأثر مختصّا بالتقدّم، و أمّا لو كان للتأخّر عن الآخر أيضا أثر فلا مانع من جريان الاستصحاب في عدم التقدّم و التأخّر، و لا يقع التعارض بين الاستصحابين؛ لاحتمال التقارن. نعم عند العلم الإجمالي بتقدّم أحدهما يقع المعارضة بينهما.

الصورة الثانية: نفس الصورة الاولى، إلّا أنّ الأثر يترتّب على الوجود بمفاد كان الناقصة،

كما إذا فرض أنّ الإرث مترتّب على اتّصاف المورّث بالتقدّم على موت الوارث، ففي هذه الصورة أيضا لا شبهة في جريان استصحاب عدم اتّصاف هذا الحادث بالتقدّم على الحادث الآخر باستصحاب العدم الأزلي.

الصورة الثالثة: أن يترتّب الأثر على عدم أحدهما في زمان الآخر بمفاد ليس التامّة

الذي يعبّر عنه بالعدم المحمولي، كما إذا شككنا في تقدّم موت الوالد على إسلام الولد فإنّ استصحاب عدم إسلام الولد إلى زمان موت الوالد يترتّب عليه عدم إرثه منه، بخلاف استصحاب عدم موت الوالد إلى زمان إسلام الولد، فإنّه لا يترتّب عليه أثر؛ لأنّ الأثر مترتّب على الموت عن وارث مسلم، و الاستصحاب المذكور

38

لا يثبته إلّا بالأصل المثبت، ففي هذه الصورة يجري الاستصحاب على مسلك شيخنا الأعظم (قدس سره)؛ لعدم معارض له، و ناقش فيه صاحب الكفاية (قدس سره) بأنّه لم يكن زمان الشكّ في المقام متّصلا بزمان اليقين؛ لأنّ الحادثين في محلّ الكلام مسبوقان بالعدم و يشكّ في المتقدّم منهما مع العلم بحدوث كلّ منهما، فلم يحرز اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين، إلّا أنّك قد عرفت عدم قيام دليل على اعتبار اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين، و إنّما الدليل قائم على اعتبار الاتّصال بين المتيقّن و المشكوك، و تقدّم زمان المتيقّن على زمان المشكوك فيه، و هو حاصل في المقام.

الصورة الرابعة: أن يترتّب الأثر على عدم أحدهما في زمان الآخر بمفاد ليس الناقصة

- الذي يعبّر عنه بالعدم النعتي- و لا مانع من جريان الاستصحاب في هذه الصورة أيضا، خلافا لصاحب الكفاية، حيث قال: لا يقين بوجود هذا الحادث متّصفا بالعدم في زمان حدوث الآخر، و لكن قد حقّق في محلّه أنّ ما ذكره إنّما يتمّ في القضيّة المعدولة، فلا بدّ فيها من فرض وجود الموضوع لها، و أمّا القضيّة السالبة فإنّ صدقها غير متوقّف على وجود الموضوع سابقا؛ لأنّ مفادها سلب الربط، و هو لا يحتاج إلى وجود الموضوع، و هو إنّما يعتبر في ربط السلب، كما هو كذلك في القضيّة المعدولة هذه الصور الأربع في مجهولي التاريخ.

الصورة الخامسة: ما إذا كان أحد الحادثين معلوم التاريخ و الآخر مجهوله، و كان الأثر مترتّبا على الوجود الخاصّ‏

من التقدّم أو التأخّر بمفاد كان التامّة، فقد ظهر الحال في جريان الاستصحاب فيه في مجهول التاريخ، فإنّه يجري مع احتمال التقارن، و يسقط بالمعارض مع عدم احتماله، كمورد العلم الإجمالي بسبق أحدهما على الآخر.

الصورة السادسة: ما إذا كان الأثر مترتّبا على الوجود النعتي‏

- بمعنى الاتّصاف‏

39

بالتقدّم أو التأخّر- و قد ظهر الحال فيه ممّا ذكرنا سابقا من جريان استصحاب العدم النعتي، فإنّ عدم الاتّصاف له حالة سابقة، خلافا لصاحب الكفاية، حيث قال:

إنّ الاتّصاف بالوجود أو العدم ليست له حالة سابقة، و قد حقّقنا في محلّه أنّ ما ذكره يتمّ في الاتّصاف بالوجود بأن يستصحب اتّصافه بالوجود، و أمّا عدم الاتّصاف فله حالة سابقة.

الصورة السابعة: أن يكون الأثر مترتّبا على العدم النعتي المعبّر عنه بمفاد ليس الناقصة،

و قد ظهر جريان الاستصحاب فيه ممّا ذكرناه آنفا.

الصورة الثامنة: أن يكون الأثر مترتّبا على العدم المحمولي المعبّر عنه بمفاد ليس التامّة

بأن يكون الأثر مترتّبا على أحدهما في زمان وجود الآخر، كمسألة موت المورّث و إسلام الوارث، فإنّ موضوع الإرث مركّب من وجود الإسلام و عدم الحياة، ففصل شيخنا الأعظم و صاحب الكفاية و المحقّق النائيني بين معلوم التاريخ و مجهوله بجريان الاستصحاب في مجهول التاريخ و عدمه في معلومه، و لا كلام لنا معهم في مجهول التاريخ؛ إذ الأمر كما ذكروه فإنّ عدمه سابقا متيقّن فنشكّ في انقلابه إلى الوجود في زمان وجود الآخر، و الأصل بقاؤه، و إنّما كلامنا معهم في معلوم التاريخ، حيث أنكروا جريان الاستصحاب فيه، و قد ذكر صاحب الكفاية لعدم جريانه وجها، و الشيخ و المحقّق النائيني ذكرا وجها آخر، أمّا ما ذكره صاحب الكفاية فهو أنّه يعتبر في جريان الاستصحاب اتّصال زمان اليقين بالشكّ، فلا تشمل أدلّة الاستصحاب موارد انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين، بل و لا موارد احتمال الانفصال، أمّا موارد الانفصال اليقيني فعدم جريان الاستصحاب فيها واضح. و مثاله ما إذا علمنا بالطهارة، ثمّ بالحدث، ثمّ شككنا في الطهارة فإنّ زمان الشكّ غير متّصل بزمان اليقين بالطهارة، و معه لا مجال لجريان استصحاب الطهارة؛ لأنّ اليقين‏

40

بالطهارة قد انتقض باليقين بالحدث، بل يجري استصحاب الحدث. و أمّا موارد احتمال الانفصال فلأنّ التمسّك بأدلّة الاستصحاب فيها تمسّك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقيّة، و المقام من هذا القبيل، فإنّ الاتّصال غير محرز في المقام.

و توضيحه: أنّا إذا علمنا بأنّ زيدا كان حيّا يوم الجمعة، و ابنه كان حيّا فيه، و علمنا بموت زيد يوم السبت، و شككنا يوم الأحد في أنّ إسلام ابنه وقع ليلة السبت حتّى يرث أباه، أو يوم الأحد حتّى لا يرثه؛ لكونه كافرا حين موت أبيه، فإن لوحظ الشكّ في حدوث الموت في عمود الزمان يكون زمان الشكّ متّصلا بزمان اليقين، فيجري استصحاب عدم تحقّق الموت، و لكن لا أثر لهذا الاستصحاب، فإنّ الأثر و هو الإرث مترتّب على عدم الموت في زمان وجود الإسلام، و لا يكون مترتّبا على عدم الموت في عمود الزمان، فلا بدّ من جريان الاستصحاب في عدم الموت في زمان وجود الإسلام، و هو لا يجري؛ إذ زمان وجود الإسلام مردّد بين ليلة السبت و يوم الأحد، فإن كان حدوثه ليلة السبت فزمان الشكّ متّصل بزمان اليقين، و إن كان حدوث الإسلام يوم الأحد فزمان الشكّ منفصل عن زمان اليقين؛ لأنّ زمان اليقين يوم الجمعة على الفرض، و زمان الشكّ يوم الأحد، فيوم السبت- الذي هو يوم اليقين بالموت- فاصل بين زمان اليقين و زمان الشكّ، فحيث إنّ زمان حدوث الإسلام مردّد بين ما يكون الاتّصال موجودا على تقدير و غير موجود على تقدير آخر، فيكون احتمال انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين موجودا، و معه يكون التمسّك بدليل حجّية الاستصحاب تمسّكا به في الشبهة المصداقية.

و بعبارة ملخّصة: أنّ تاريخ الموت معلوم و هو يوم السبت، و تاريخ حدوث الإسلام مردّد بين ليلة السبت و بين يوم الأحد، فيرجع الشكّ في تاريخ حدوث الإسلام إلى أنّه وقع قبل موت المورث أو بعده، فإنّ موت المورث إذا كان بعد إسلام الوارث يكون زمان الشكّ في الإسلام متّصلا بزمان اليقين بعدمه؛ إذ معنى كون‏

41

موت المورث بعد إسلام الوارث أنّه أسلم قبل يوم السبت؛ إذ المفروض حصول العلم بموته يوم السبت فيكون حدوث إسلامه ليلة السبت؛ إذ كان متيقّنا بعدم الإسلام يوم الجمعة و يشكّ في حدوثه ليلة السبت، فأنت ترى أنّ زمان الشكّ متّصل بزمان اليقين.

و أمّا إذا كان موت المورث قبل إسلام الوارث، فالمفروض أنّه مات يوم السبت، و معنى كون موت المورث قبل إسلام الوارث أنّ إسلامه كان يوم الأحد، فزمان الشكّ منفصل عن زمان اليقين بالإسلام بالعلم بالموت يوم السبت، و حيث أنّه لا يعلم أنّ إسلامه كان ليلة السبت كي يكون الاتّصال موجودا أو أنّه كان يوم الأحد كي لا يكون موجودا فلا يمكن التمسّك بأدلّة الاستصحاب؛ لأنّه إنّما يشمل الموارد التي أحرز فيها الاتّصال، و مع الشكّ فيه يكون التمسّك بها التمسّك بالعموم أو المطلق في الشبهات المصداقيّة.

و لكن قد حقّق في محلّة أنّه لم يقم دليل على اعتبار اتّصال زمان اليقين بزمان الشكّ، و المراد من اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين عدم تخلّل يقين آخر بين المتيقّن السابق و المشكوك اللاحق، و الذي يعتبر في الاستصحاب هو اليقين الفعلي بالمتيقّن السابق و الشكّ الفعلي في البقاء، سواء اتّصل زمان الشكّ باليقين أم لا، و هو كذلك في المقام، فإنّ اليقين الفعلي بعدم الموت يوم الجمعة موجود، و كذا الشكّ في بقائه إلى زمان حدوث الإسلام، فهذا المتيقّن مشكوك البقاء بلا تخلّل يقين آخر بينهما.

إن قلت: إنّا لا نسلّم عدم تخلّل يقين بينهما فإنّ اليقين بالموت قد تخلّل بينهما.

قلت: إنّ حدوث الموت يوم السبت و إن كان متيقّنا إلّا أنّ وجوده حين وجود الإسلام مشكوك فيه، فالأصل عدم وجوده حين الإسلام، و مقتضاه عدم الإرث.

42

و اعلم أنّه قد يوجد شي‏ء في زمان و يشكّ في مبدئه [1]، و يحكم بتقدّمه [2]؛ لأنّ تأخّره [3] لازم لحدوث حادث آخر قبله و الأصل عدمه [4]، و قد يسمّى ذلك [5] بالاستصحاب القهقرى. مثاله: أنّه إذا ثبت أنّ صيغة الأمر حقيقة في الوجوب في عرفنا، و شكّ في كونها كذلك قبل‏

____________

«في حجّيّة الاستصحاب القهقرى بناء على الأصل المثبت»

[1] كظهور صيغة الأمر في الوجوب في زماننا هذا، فإنّه يشكّ في مبدإ هذا الظهور: بأنّه كان في زمن الشارع أو لم يكن فيه، و إنّما نقل إلى الوجوب بعده.

[2] أي يحكم بتقدّم هذا الشي‏ء الموجود في زمان بأنّه كان موجودا في الزمان السابق أيضا.

[3] أي تأخّر هذا الشي‏ء الموجود في زماننا و عدم تحقّقه في الزمان السابق مستلزم لحدوث حادث آخر قبله؛ و ذلك كالحكم بتأخّر ظهور صيغة الأمر في الوجوب و عدم كونها ظاهرة في الوجوب سابقا، فإنّه مستلزم لحدوث النقل قبله، و الأصل عدم ثبوت النقل، و يثبت به كون الأمر ظاهرا في الوجوب في السابق أيضا.

[4] أي الأصل عدم حدوث حادث آخر قبل هذا الحادث الفعلي، و هو كون الأمر ظاهرا في الوجوب.

[5] أي الأصل المذكور يسمّى بالاستصحاب القهقري، و إنّما سمّى بالقهقري؛ لأنّ الاستصحاب المصطلح يثبت ما كان متيقّنا سابقا في الزمان اللّاحق عند الشكّ في بقائه، فيجرّ ما ثبت سابقا إلى الزمان اللّاحق، و هذا بخلاف الاستصحاب القهقرى، فإنّه يثبت ما ثبت لاحقا في الزمان السابق عند الشكّ في كون الموجود فعلا موجودا في الزمان السابق أيضا، فيجرّ ما ثبت لاحقا إلى الزمان السابق.

43

ذلك [1] حتّى تحمل خطابات الشارع على ذلك [2] فيقال مقتضى الأصل كون الصيغة حقيقة في ذلك الزمان [3]، بل قبله [4]؛ إذ لو كان في ذلك الزمان [5] حقيقة في غيره [6] لزم النقل [7] و تعدّد الوضع، و الأصل عدمه [8].

و هذا [9] إنّما يصحّ بناء على الأصل المثبت، و قد استظهرنا سابقا

____________

[1] أي قبل عرفنا كعرف الشارع.

[2] أي على الوجوب.

[3] أي في زمان خطابات الشارع. و ملخّص الكلام: إذا ثبت ظهور الصيغة في الوجوب و شكّ في كونها ظاهرة فيه في خطابات الشارع أيضا أم كانت ظاهرة فيها في غير الوجوب، و نقلت عنه إلى الوجوب في الأزمنة المتأخّرة، فيقال إنّ مقتضى أصالة عدم النقل هو كون الصيغة ظاهرة في الوجوب في خطابات الشارع أيضا.

[4] أي قبل زمان خطابات الشارع.

[5] أي في زمان خطابات الشارع و قبله.

[6] أي في غير الوجوب.

[7] أي لزم نقل صيغة الأمر من معنى غير الوجوب كالندب إلى الوجوب، و لازم ذلك أن يكون وضع صيغة الأمر متعدّدا تارة للندب و اخرى للوجوب.

[8] أي الأصل عدم النقل و عدم تعدّد الوضع.

[9] أي الأصل عدم النقل إنّما يصحّ التمسّك به بناء على حجّية الأصل المثبت؛ إذ إثبات كون الأمر في زمان خطابات الشارع أيضا حقيقة في الوجوب لازم عقلي لأصالة عدم النقل و عدم تعدّد الوضع، فإنّ استصحاب عدم نقل صيغة الأمر عن معناها الحقيقي إلى زماننا هذا يستلزم عقلا أنّ ما هو المعنى‏

44

أنّه [1] متّفق عليه في الاصول اللفظيّة، و مورده [2] صورة الشكّ في وحدة المعنى و تعدّده. أمّا إذا علم التعدّد [3] و شكّ في مبدإ حدوث الوضع المعلوم في زماننا هذا، فمقتضى الأصل عدم ثبوته [4] قبل الزمان المعلوم؛ و لذا [5] اتّفقوا [6] في مسألة الحقيقة الشرعيّة على أنّ الأصل فيها عدم الثبوت.

____________

الحقيقي لصيغة الأمر في زماننا هذا هو ما وضع له اللفظ في الزمان السابق.

[1] أي أنّ الأصل المثبت يكون حجّة باتّفاق العلماء عند الكلام في الاصول اللفظيّة و إن لم يكن حجّة في غيرها.

[2] أي مورد الأصل المذكور هو فيما إذا شكّ في أنّ اللفظ له معنى واحد أو متعدّد، كما مرّ في صيغة الأمر.

[3] و هو كما في الصلاة، فإنّا نعلم أنّها في اللغة بمعنى الدعاء، و في الاصطلاح بمعنى العبادة الخاصّة، لكن نشكّ في أنّ وضع الصلاة للعبادة الخاصّة هل حدث في زمن الشارع أو بعده؟ فإنّ الاستصحاب القهقري لا يجري في المقام، بل المرجع هو أصالة عدم ثبوت كون الصلاة حقيقة في العبادة المخصوصة في زمن الشارع.

[4] أي عدم ثبوت حدوث الوضع في زمان الشارع.

[5] أي لأجل أنّه إذا علم تعدّد المعنى و شكّ في مبدإ حدوث الوضع المعلوم في زماننا لا يجري الاستصحاب القهقري المثبت لمبدا الوضع المعلوم في زماننا بأنّه كان سابقا؛ لما عرفت من أنّ مورده صورة الشكّ في وحدة المعنى و تعدّده، بل يكون مقتضى الأصل عدم ثبوت مبدإ حدوث الوضع المعلوم في زماننا في زمان الشكّ فيه، و هو زمان الشارع.

[6] أي اتّفق العلماء- في مسألة أنّ الصلاة مثلا موضوعة للأعمال المخصوصة

45

الأمر الثامن [1]: قد يستصحب صحّة العبادة عند الشكّ [2] في طروّ مفسد [3]،

____________

في زمن الشارع أو أنّها كانت مستعملة في معناها اللغوي في ذاك الزمان، و هو الدعاء، و نقلت عنه إلى الأعمال المخصوصة في عصر المتشرّعة- على أنّ الأصل في هذه المسألة عدم ثبوت الوضع للعبادة الخاصّة في زمن الشارع، و هو الأصل العملي المراد منه الاستصحاب، و لم يتمسّكوا بالأصل اللفظي و هو الاستصحاب القهقري لإثبات أنّ المعنى المستعمل فيه للصلاة هو المعنى المستعمل فيه في عصر الشارع، و السرّ في عدم تمسّكهم بالاستصحاب القهقري في المسألة أنّها من مصاديق صورة العلم بتعدّد المعنى، و الشكّ في مبدإ حدوث وضع المعلوم في زماننا، و قد عرفت أنّ هذه الصورة خارجة عن مورد الاستصحاب القهقري.

[1] من الامور التي قال المصنّف و ينبغي التنبيه على امور، و الغرض من هذا التنبيه هو التحقيق في جريان استصحاب الصحّة فيما إذا شكّ فيه في صحّة العبادة و فسادها.

[2] و من الواضح أنّ مراده (قدس سره) من الشكّ في صحّة العبادة هو الشكّ في أثنائها؛ إذ لو كان الشكّ بعدها تجري قاعدة الفراغ لما ستعرف أنّها مصحّحة للعبادة التي شكّ في صحّتها بعد الفراغ و هي حاكمة على استصحاب الصحّة. هذا كلّه بناء على عدم جريان قاعدة الفراغ فيما إذا شكّ في صحّة العمل في أثنائه، و أمّا بناء على ما حقّقناه في محلّه أنّ مجرى قاعدة الفراغ الشكّ في صحّة الموجود، سواء كان الشكّ في أثناء العمل أو بعده، فلا مجال لاستصحاب الصحّة.

[الأمر الثامن قد يستصحب صحّة العبادة عند الشكّ في طروّ مفسد]

[3] سواء كان الشكّ في وجود مفسد أو في مفسدية الموجود، و الشكّ في‏

46

كفقد ما يشكّ في اعتبار وجوده في العبادة [1]، أو وجود ما يشكّ في اعتبار عدمه [2]. و قد اشتهر التمسّك بها [3] بين الأصحاب، كالشيخ [4] و الحلّي [5]

____________

عروض مفسد قد يكون لأجل الشكّ في انتفاء جزء العبادة أو شرطها، و قد يكون لأجل الشكّ في وجود المانع لها، و قد يكون لأجل الشكّ في عروض ما ينقطع به الهيئة الاتّصاليّة المعتبرة في الصلاة، و قد يكون لأجل الشكّ في مفسديّة الموجود، و قد فصّل شيخنا الأعظم (قدس سره) بين الوجوه المذكورة، حيث إنّه التزم بعدم جريان استصحاب الصحّة فيما إذا كان الشكّ في ترك جزء أو شرط أو في وجود مانع و بجريانه فيما إذا كان الشكّ في انقطاع الهيئة الاتّصاليّة.

[1] هذا إشارة إلى ما كان الشكّ في طروّ مفسد للعبادة و هو عبارة عن ترك ما يحتمل جزئيّته، كالإقامة، أو ما يحتمل شرطيّته، كعدم الالتفات في أثناء العبادة إلى الامور الدنيويّة.

[2] أي كوجود ما يشكّ في كونه مانعا من صحّة العبادة، كالتيمّم حال الصلاة، فإنّه يكون منشأ للشكّ في صحّة العبادة؛ إذ يشكّ في أنّه هل يعتبر عدم التيمّم حال الصلاة أم لا؟ فكلّما يكون عدمه شرطا فوجوده مانع، فالشكّ في اعتبار عدم شي‏ء يرجع إلى الشكّ في مانعيّة وجوده.

[3] و الإتيان بضمير المؤنّث باعتبار أصالة الصحّة، و كان الأنسب أن يأتي بضمير المذكّر؛ لأنّ مرجعه استصحاب الصحّة، و كيفما كان فالأمر سهل، أي أنّ التمسّك باستصحاب الصحّة هو المشهور بين الأصحاب.

[4] الخلاف 3: 150.

[5] السرائر 1: 220.

47

و المحقّق [1] و العلّامة [2] و غيرهم. و تحقيقه و توضيح جريانه [3]: أنّه لا شكّ و لا ريب في أنّ المراد بالصحّة المستصحبة ليس صحّة مجموع العمل [4]؛ لأنّ المفروض التمسّك به [5] عند الشكّ في الأثناء.

و أمّا صحّة الأجزاء السابقة فالمراد بها [6]: إمّا موافقتها للأمر المتعلّق بها، و إمّا ترتيب الأثر عليها [7]؛ أمّا موافقتها للأمر المتعلّق، فالمفروض أنّها متيقّنة، سواء فسد العمل أم لا [8]؛ لأنّ فساد العمل لا يوجب خروج الأجزاء المأتي بها على طبق الأمر المتعلّق بها عن كونها [9] كذلك؛ ضرورة

____________

[1] المعتبر 1: 54.

[2] تذكرة الفقهاء 1: 24.

[3] أي تحقيق استصحاب صحّة العبادة، و توضيح مورد جريانه بأنّه في أيّ مورد يجري و في أيّ مورد لا يجري.

[4] إذ المفروض أنّ محلّ الكلام هو مورد الشكّ في صحّة العبادة في أثناء العمل، و لم يحصل وجود الكلّ حتّى يستصحب صحّته.

[5] أي باستصحاب الصحّة عند الشكّ في أثناء العمل.

[6] الضمير في قوله: «بها» راجع إلى «صحّة ...»، و في قوله: «موافقتها» راجع إلى الأجزاء. هذا هو المصطلح عند المتكلّمين، فإنّ الصحّة عندهم هي موافقة أجزاء العمل للأمر المتعلّق بها، أي مطابقة المأتي به للمأمور به.

[7] أي على الأجزاء السابقة، و سيأتي معنى ترتيب الأثر عليها.

[8] إذ المفروض أنّه أتى بالأجزاء السابقة بحيث يوافق الأمر الضمني المتعلّق بها.

و عروض المفسد عليها في أثناء العمل لا يخرج الأجزاء المأتي بها عن كونها موافقة للأمر بعد كونها موافقة له قبل عروض المفسد.

[9] أي عن كون الأجزاء على طبق الأمر.

48

عدم انقلاب الشي‏ء عمّا وجد عليه [1]. و أمّا ترتّب الأثر [2]، فليس الثابت منه [3]- للجزء من حيث أنّه جزء- إلّا كونه بحيث لو ضمّ إليه الأجزاء الباقية مع الشرائط المعتبرة لالتأم [4] الكلّ، في مقابل الجزء الفاسد، و هو الذي لا يلزم من ضمّ باقي الأجزاء و الشرائط إليه وجود الكلّ، و من المعلوم أنّ هذا الأثر [5] موجود في الجزء دائما، سواء قطع بضمّ الأجزاء الباقية أم قطع بعدمه [6]،

____________

[1] فإنّ الأجزاء بعد كونها مطابقة للأمر المتعلّق بها لا تخرج عن كونها موافقة بسبب طروّ المفسد في أثناء العمل؛ لأنّ الشي‏ء لا ينقلب عمّا هو عليه.

[2] على الأجزاء السابقة. و من هنا شرع في بيان الصحّة بالمعنى الثاني. و ملخّص كلامه: أنّ الصحّة إمّا بمعنى موافقة ما أتى به من الأجزاء للأمر المتعلّق بها، فهي قطعيّة، و إمّا بمعنى ترتّب الأثر على الأجزاء السابقة المعبّر عنها بالصحّة التأهليّة، فهي أيضا قطعيّة.

[3] أي من الأثر.

[4] أي تحقّق الكلّ من ضمّ بعض الأجزاء إلى الآخر.

[5] و هو أنّه لو ضمّ إليه الأجزاء السابقة لتحقّق الكلّ.

[6] أي بعدم ضمّ الأجزاء الباقية إلى الأجزاء السابقة؛ ضرورة عدم توقّف الشرطيّة على الشرط، بل القضيّة الشرطيّة صادقة مع امتناع طرفيها.

و بعبارة واضحة: الصحّة بهذا المعنى تسمّى بالصحّة التأهّليّة، بمعنى كونها قابلة لانضمام باقي الأجزاء إليها بحيث لو انضمّ إليها باقي الأجزاء مع شرائطها لتحقّق الكلّ الذي هو المأمور به، و الصحّة بهذا المعنى لا تكون محتملة الارتفاع، بل هي باقية قطعا فلا موضوع لاستصحابها. و هذا بخلاف فساد الأجزاء السابقة، فإنّه لو انضمّ إليها باقي الأجزاء لم يتحقّق الكلّ،

49

أم نشكّ في ذلك [1]. فإذا شكّ في حصول الفساد من غير جهة تلك الأجزاء [2]، فالقطع ببقاء صحّة تلك الأجزاء [3] لا ينفع في تحقّق الكلّ مع وصف هذا الشكّ [4]، فضلا [5] عن استصحاب الصحّة. مع ما عرفت: من أنّه ليس الشكّ في [6] بقاء صحّة تلك الأجزاء، بأي معنى اعتبر من معاني الصحّة [7]. و من هنا [8]،

____________

و لم يترتّب عليه الأثر.

[1] أي في ضمّ الأجزاء الباقية.

[2] كما هو المفروض في المقام، فإنّ الشكّ في فساد العبادة ليس من جهة الشكّ في أنّ الأجزاء السابقة موافقة للأمر أم لا، بل هو من جهة الشكّ في طروّ مانع، مثلا.

[3] أي الأجزاء السابقة.

[4] أي مع وصف الشكّ في صحّة الأجزاء من جهة وجود مانع، أو فقد جزء في حال الشكّ؛ إذ القطع ببقاء صحّة الأجزاء السابقة لا ينفي عدم طروّ المفسد من جهة وجود المانع، أو فقد الشرط، أو الجزء فعلا.

و إن شئت فقل: إنّ الصحّة التأهّليّة لا تنافي الفساد الفعلي.

[5] أي القطع ببقاء صحّة الأجزاء السابقة إذا لم ينفع في تحقّق الكلّ، فاستصحاب الصحّة لا ينفع فيه بطريق أولى.

[6] أي لا يشكّ في بقاء صحّة الأجزاء السابقة كي يحتاج إلى الاستصحاب، بل هو أمر مقطوع به.

[7] أي سواء كان معناها موافقة الأجزاء السابقة للأمر المتعلّق بها، أو كان معناها ترتيب الأثر على الأجزاء السابقة.

[8] من أنّ استصحاب الصحّة لا يجري في المقام لعدم الشكّ في الصحّة التأهليّة.

50

ردّ هذا الاستصحاب [1] جماعة [2] من المعاصرين ممّن يرى حجّية الاستصحاب مطلقا.

لكن التحقيق: التفصيل بين موارد التمسّك [3]. بيانه [4]: أنّه قد يكون الشكّ في الفساد من جهة احتمال فقد أمر معتبر [5]، أو وجود [6] أمر مانع، و هذا [7] هو الذي لا يعتنى في نفيه [8] باستصحاب الصحّة؛ لما عرفت: من أنّ فقد بعض ما يعتبر من الامور اللّاحقة لا يقدح في صحّة الأجزاء السابقة [9].

____________

[1] أي استصحاب الصحّة.

[2] فاعل لقوله: «ردّ»، فإنّهم مع التزامهم بحجّية الاستصحاب في جميع الموارد حتّى في مثبتاته أنكروا استصحاب الصحّة، و ليس ذلك إلّا من جهة عدم تماميّة أحد ركني الاستصحاب، و هو الشكّ في البقاء؛ لما عرفت من أنّ الصحّة بكلا معنييها أمر مقطوع به، فلا مجال للاستصحاب.

[3] أي التمسّك باستصحاب الصحّة بأن يقال: إنّ استصحاب الصحّة لا يجري فيما إذا كان الشكّ في الصحّة من جهة فقد الشرط أو الجزء أو من جهة وجود المانع، و يجري فيما إذا كان الشكّ فيها من جهة انقطاع الهيئة الاتّصاليّة المعتبرة في الصلاة.

[4] أي بيان التفصيل.

[5] كفقد ما يحتمل كونه جزءا للعبادة كالإقامة، أو شرطا لها كالخضوع في الصلاة.

[6] أي الشكّ في فساد العبادة قد يكون من جهة احتمال وجود أمر مانع عن صحّة الصّلاة، كما إذا احتمل زيادة ركن عمدا في صلاته.

[7] أي هذا القسم من الشكّ في فساد العبادة.

[8] أي في نفي الشكّ في الصحّة.

[9] فيكون فقد ما يحتمل اعتباره غير قادح في صحّة الأجزاء السابقة بطريق أولى.

51

و قد يكون [1] من جهة عروض ما ينقطع معه الهيئة الاتّصاليّة المعتبرة في الصلاة، فإنّا [2] استكشفنا- من تعبير الشارع عن بعض ما يعتبر عدمه في الصلاة بالقواطع [3]- أنّ [4] للصلاة هيئة اتّصاليّة ينافيها توسّط بعض الأشياء [5] في خلال أجزائها الموجب [6] لخروج الأجزاء اللّاحقة عن‏

____________

و الحاصل: أنّه لا شكّ في صحّة الأجزاء السابقة مع فقد بعض الأجزاء و الشرائط؛ لما عرفت من أنّ الصحّة بكلا معنييها لا تنقلب إلى الفساد، و هي مقطوعة البقاء.

[1] أي قد يكون الشكّ في الفساد من جهة عروض القاطع للهيئة الاتّصاليّة، كالتبسّم الذي يحتمل كونه قاطعا للصلاة.

[2] كأنّه جواب عن سؤال مقدّر، و حاصل السؤال: هو أنّك من أين علمت أنّه يعتبر في الصلاة الهيئة الاتّصاليّة مضافا إلى اعتبار الأجزاء و الشرائط و عدم الموانع.

و ملخّص الجواب: أنّا استكشفنا اعتبار الهيئة الاتّصاليّة في الصلاة عن بعض تعبيرات الشارع، حيث عبّر عن بعض ما يعتبر عدمه فيها بالقواطع، كالحدث و القهقهة و الفعل الكثير، فيستفاد من هذا التعبير أنّ الصلاة يعتبر فيها هيئة اتّصاليّة أيضا، و يقال لها: الجزء الصوري.

[3] الجار متعلّق بقوله: «التعبير».

[4] أي استكشفنا أنّ للصلاة ...

[5] كالفعل الكثير، فإنّ وقوعه في وسط أجزاء الصلاة ينافي الهيئة الاتّصاليّة المعتبرة في الصلاة.

[6] صفة لقوله: «توسّط بعض الأشياء»، أي توسّط بعض الأشياء بين أجزاء الصلاة يكون موجبا لأن لا يكون الأجزاء اللّاحقة قابلة لأن تكون منضمّة إلى الأجزاء السابقة، و الأجزاء السابقة قابلة لأنّ تكون منضمّا إليها.

52

قابليّة الانضمام و الأجزاء السابقة عن قابليّة الانضمام إليها، فإذا شكّ في شي‏ء من ذلك وجودا [1] أو صفة [2] جرى [3] استصحاب صحّة الأجزاء- بمعنى [4] بقائها على القابليّة المذكورة- فيتفرّع على ذلك [5] عدم وجوب استينافها [6]، أو استصحاب [7] الاتّصال الملحوظ بين الأجزاء السابقة و ما يلحقها من الأجزاء الباقية، فيتفرّع عليه [8] بقاء الأمر بالاتمام.

____________

و إن شئت فقل: إنّ توسّط بعض الأشياء يقطع الارتباط بين الأجزاء السابقة و اللّاحقة، بحيث لا يكون الأجزاء السابقة و الأجزاء اللّاحقة قابلتين للانضمام و الاتّصال.

[1] أي إذا شكّ في وجود شي‏ء من الأشياء التي تكون قاطعة للهيئة الاتّصاليّة، كالشكّ في طروّ القهقهة.

[2] أي علمنا بتحقّق شي‏ء، لكن لا نعلم أنّه من القواطع أم لا؟ كالشكّ في أنّ الضحك غير القهقهة من القواطع أم لا.

[3] جواب لقوله: «فإذا شكّ».

[4] أي معنى صحّة الأجزاء أنّها باقية على أن ينضمّ إليها الأجزاء اللّاحقة.

[5] أي على استصحاب صحّة الأجزاء السابقة.

[6] أي يتفرّع على استصحاب الصحّة عدم وجوب الإتيان بالأجزاء السابقة، بل يحكم بصحّتها، و ضمّ الأجزاء الباقية إليها.

[7] عطف على قوله: «جرى استصحاب الأجزاء»، أي جرى استصحاب بقاء الأجزاء السابقة على قابليّة الانضمام، أو جرى استصحاب الاتّصال الذي لاحظه الشارع بين الأجزاء السابقة و الأجزاء اللّاحقة.

إن شئت فقل: جرى استصحاب الهيئة عند الشكّ في انقطاعها.

[8] أي يتفرّع على استصحاب الاتّصال أنّ الأمر بإتمام الصلاة باق، فيجب‏

53

و هذا الكلام [1] و إن كان قابلا للنقض و الإبرام، إلّا أنّ الأظهر بحسب المسامحة العرفيّة في كثير من الاستصحابات جريان [2] الاستصحاب في المقام، و ربّما يتمسّك في مطلق الشكّ [3] في الفساد باستصحاب [4] حرمة القطع و وجوب المضيّ.

____________

عليه إتمامها.

[1] أي استصحاب القابليّة، و استصحاب الاتّصال. أمّا استصحاب القابلية فيمكن أن يقال: إنّها ليست حكما شرعيّا، و كذا الهيئة الاتّصاليّة، فإنّ ترتّب بقاء الأمر عليها عقلي لا شرعي.

و الحاصل: يمكن الإشكال على الاستصحاب المذكور بأنّه مثبت، و قد تقدّم توضيح ذلك في مسألة البراءة في مقام بيان زيادة الجزء.

[2] خبر لقوله: «إنّ الأظهر»، أي أنّ الأظهر جريان استصحاب الصحّة في المقام؛ لأنّ جريان كثير من الاستصحابات مبنيّ على التسامح العرفي و هو المعيار في باب الاستصحاب، بلا فرق بين المقام و غيره، فإنّ الواسطة في المقام و إن كانت عقليّة إلّا أنّها خفيّة، فإنّ المقصود من بقاء القابليّة عندهم ليس إلّا عدم وجوب الاستئناف، و المقصود من بقاء الهيئة هو بقاء الأمر بها، و هكذا، فتأمّل.

[3] بلا تفصيل بين ما كان الشكّ في الصحّة من جهة فقد الجزء، أو الشرط، أو وجود المانع، و بين ما كان من جهة الشكّ في انقطاع الهيئة الاتّصاليّة.

[4] الجارّ متعلّق بقوله: «يتمسّك» أي يتمسّك باستصحاب حرمة قطع الصلاة، مثلا، عند الشكّ في فسادها، و باستصحاب وجوب المضيّ عليها، أي وجوب إتمامها بأن يقال: قبل طروّ ما يحتمل كونه مفسدا للعمل كان قطعه حراما، و المضيّ عليه واجبا، فيستصحب حرمة القطع، و وجوب المضيّ بعد طروّ ما يحتمل كونه مفسدا له.

54

و فيه [1]: أنّ الموضوع في هذا المستصحب هو الفعل الصحيح لا محالة، و المفروض الشكّ في الصحّة، و ربّما يتمسّك في إثبات الصحّة في محلّ الشكّ، بقوله تعالى:

وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏

[2]، و قد بيّنا عدم دلالة الآية على المطلب في أصالة البراءة عند الكلام في مسألة الشكّ في الشرطيّة، و كذلك [3] التمسّك بما عداها من العمومات المقتضية للصحّة،

____________

[1] و ملخّص الجواب: أنّ شرط جريان الاستصحاب منتف في المقام، و هو إحراز بقاء الموضوع، و الموضوع غير محرز في المقام؛ إذ هو عبارة عن العمل الصحيح، و الذي حرام قطعه شرعا هو العمل الصحيح، و مع الشكّ في صحّته لا يحرز الموضوع كي يستصحب حرمة القطع، و كذا وجوب المضيّ موضوعه العمل الصحيح، و مع الشكّ في صحّته لا يكون الموضوع محرزا كي يجري استصحاب وجوب المضيّ.

[2] بتقريب أنّ المستفاد من الآية حرمة إبطال العمل و قطعه مطلقا، سواء كان معلوم الصحّة أو مشكوكها.

[3] كما أنّ التمسّك بالآية لإثبات الصحّة غير تامّ، كذلك التمسّك بغيرها من العمومات أيضا، كإطلاقات الصلاة، غير تامّ.

أمّا على القول بكونها أسماء للصحيحة، فالموضوع غير محرز، فلا يمكن التمسّك بها في الشبهة المصداقيّة، و أمّا على القول بكونها أسامي للأعمّ فلا تكون العمومات في مقام البيان من هذه الجهة.

قال المحقّق الآشتياني: لا يخفى عليك أنّه لم يسبق من الاستاذ العلّامة في أصالة البراءة التمسّك بما عدا الآية الشريفة في مسألتنا هذه، و إن سبق منه الاستدلال بها في غير المقام. و أورد عليه رحمت اللّه بأنّه لا يستفاد من كلام الشيخ أنّه ذكر التمسّك بما عدا الآية في أصالة البراءة.