تمهيد الوسائل في شرح الرسائل‏ - ج12

- الشيخ علي المروجي المزيد...
486 /
5

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.

أمّا بعد، فهذا الكتاب الذي بين يديك هو الجزء الثاني عشر من كتابنا الذي جمعنا فيه بين التوضيح و التحقيق حول ما أفاده شيخنا الأعظم (قدس سره) في فرائده، و أضفت إلى ما في الكتاب ما ذكره فحول الاصوليّين من النقض و الابرام في مطالب الكتاب كصاحب الكفاية، و المحقّق الأصفهاني، و المحقّق النائيني، و المحقّق العراقي (قدس اللّه اسرارهم)، و سيّدنا الاستاذ دام ظلّه و غيرهم، مع مناقشاتنا في كلمات القوم، و إضافات ما حضر ببالي القاصر.

أسأل اللّه جلّ شأنه أن يجعله ذخرا لي يوم لا ينفع مال و لا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم.

آمين ربّ العالمين‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقام الثاني: في التراجيح [1].

الترجيح [2]: تقديم إحدى الأمارتين على الاخرى في العمل؛ لمزيّة [3] لها عليها بوجه من الوجوه.

و فيه [4] مقامات:

الأوّل: في وجوب ترجيح أحد الخبرين بالمزيّة الداخليّة [5] أو الخارجيّة الموجودة فيه [6].

الثاني: في ذكر المزايا المنصوصة، و الأخبار الواردة.

____________

[تتمة التعادل و التراجيح‏]

[المقام الثاني في التراجيح‏]

[تعريف الترجيح‏]

[1] جمع الترجيح، كما مرّ تفصيله في أوّل مبحث التعادل و الترجيح، و قد ذكرنا هناك أنّ الحقّ هو الترجيح، لاحظ تفصيله.

[2] من هنا شرع في تعريف الترجيح، أي الترجيح عبارة عن تقديم إحدى الأمارتين على الأمارة الاخرى في مقام العمل، أي العمل بإحدى الأمارتين و طرح الأمارة الاخرى.

[3] أي التقديم إنّما يكون لأجل مزيّة للأمارة المتقدّمة على الأمارة المتقدّم عليها بمرجّح من المرجّحات الآتي ذكرها.

[4] أي يقع البحث في الترجيح في مقامات أربعة.

[5] سيأتي توضيح المراد من المزيّة الداخليّة و الخارجيّة في المقام الرابع من المقامات الأربعة.

[6] أي في أحد الخبرين المتعارضين.

8

الثالث: في وجوب الاقتصار عليها [1] أو التعدّي إلى غيرها.

الرابع: في بيان المرجّحات الداخليّة و الخارجيّة.

أمّا المقام الأوّل [2] فالمشهور فيه وجوب الترجيح. و حكى عن جماعة- منهم الباقلاني و الجبائيان- عدم الاعتبار بالمزيّة [3] و جريان حكم التعادل [4]. و يدلّ على المشهور [5]- مضافا إلى الإجماع [6] المحقّق و السيرة القطعيّة [7] المحكيّة عن الخلف و السلف [8] و تواتر الأخبار [9] بذلك [10]- أنّ حكم المتعارضين [11] من الأدلّة- على ما عرفت- بعد عدم‏

____________

[1] أي وجب الاقتصار في مقام الترجيح على المرجّحات المنصوصة أو جاز التعدّي إلى غير المرجّحات المنصوصة، و سيأتي توضيح هذا البحث.

[المقام الأوّل في وجوب ترجيح أحد الخبرين بالمزية الداخلية أو الخارجية]

[2] و هو وجوب ترجيح أحد الخبرين بالمرجّح الداخلي أو الخارجي.

[3] أي لا يقدّم إحدى الأمارتين على الاخرى لأجل وجود مزيّة فيها.

[4] أي حكى عن جماعة جريان حكم التعادل في المتعارضين حتّى مع وجود مرجّح في أحدهما، و هو التخيير.

[5] أي يدلّ على ما ذهب إليه المشهور من تقديم إحدى الأمارتين لوجود مرجّح فيها على الاخرى امور خمسة.

[6] هذا إشارة إلى الأوّل من الامور الخمسة التي استدلّ بها على مسلك المشهور.

[7] هذا إشارة إلى الأمر الثاني من الامور الخمسة ...

[8] أي المحكيّة عن المتأخّرين و المتقدّمين.

[9] هذا إشارة إلى الأمر الثالث من الامور الخمسة ...

[10] أي الأخبار المتواترة الدالّة على ترجيح إحدى الأمارتين.

[11] هذا إشارة إلى الأمر الرابع من الامور الخمسة، أي مضافا إلى قيام الامور الثلاثة بوجوب الترجيح بالمرجّح الداخلي أو الخارجي ان حكم المتعارضين ...

9

جواز طرحهما معا [1]. إمّا التخيير لو كانت الحجّية من باب الموضوعيّة و السببيّة [2]، و إمّا التوقّف [3] لو كانت من باب الطريقيّة، و مرجع التوقّف أيضا إلى التخيير [4] إذا لم نجعل الأصل من المرجّحات أو فرضنا الكلام في مخالفي الأصل؛ إذ على تقدير الترجيح بالأصل يخرج صورة مطابقة أحدهما

____________

[1] كما هو مبنى المصنّف، فإنّه يقول بعدم تساقط المتعارضين عن الاعتبار، و أنّ الأصل في المتعارضين ليس التساقط.

[2] لما عرفت من أنّه بناء على أنّ الأمارة حجّة من باب السببيّة يكون ملاك الحجّية في كلّ من المتعارضين موجودا، بحيث لو أمكن امتثالهما لوجب العمل بكلّ منهما، و إنّما المانع من إرادتهما معا عجز المكلّف عن امتثالهما، فيدخل المتعارضان على هذا المسلك في باب التزاحم، و يجري عليهما قانون باب التزاحم، و هو التخيير عند تعادلهما، فيكون حكم المتعارضين هو التخيير بناء على هذا المسلك.

[3] أي حكم المتعارضين التوقّف لو كانت حجّية الأمارات من باب الطريقيّة.

[4] و على هذا يصحّ أن يقال: إنّ حكم المتعارضين هو التخيير مطلقا، سواء قلنا بالسببيّة أو بالطريقيّة.

إن قلت: إنّ مرجع التوقّف إلى الاحتياط لا إلى التخيير؛ لكمال البينونة بين التوقّف و التخيير، فإنّ التوقّف و التخيير متغايران مفهوما و عملا.

و أجاب عنه صاحب الكفاية (قدس سره) بأنّ ظاهر العبارة لا يخلو عن تسامح.

و يمكن توجيه العبارة بأنّ المراد من رجوع التوقّف إلى التخيير بحسب المورد يعني ما كان بحسب الأصل الأوّلي موردا للتوقّف يكون في صورة التعادل موردا للتخيير بحسب أدلّة التخيير لو لم نجعل الأصل الموافق لأحد طرفي التخيير من المرجّحات، أو لم يكن أحد طرفي التخيير موافقا للأصل،

10

للأصل عن مورد التعادل، فالحكم بالتخيير على تقدير فقده [1] أو كونه مرجعا، بناء [2] على أنّ الحكم في المتعادلين مطلقا

____________

كما في مسألة وجوب الظهر أو الجمعة، فإنّ الحكم فيه هو التخيير، و لم يكن أحد طرفي التخيير- أي وجوب الظهر و لا وجوب الجمعة- موافقا للأصل‏ (1).

قال الميرزا النائيني: «إنّ التوقّف يرجع إلى التخيير فيما لو رجع التعارض إلى النفي و الإثبات، و كان الأمر دائرا بين المحذورين، و قلنا بعدم جواز الرجوع إلى الثالث و لو كان هو الأصل» (2).

أقول: إنّ العبارة كانت مشوّشة، و ما ذكره المحقّقان من التوجيه لا يخرج العبارة عن التشويش، و لكن مع ما ذلك كلّه أنّ المقصود واضح، و هو أنّ حكم التعارض التخيير مطلقا، غاية الأمر يكون التخيير عقليّا على السببيّة، و شرعيّا ثابتا بأخبار التخيير على الطريقيّة، و إن كان مقتضى الأصل الاولى على الطريقيّة الحكم بالتوقّف، و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما عند وجوده، و إلّا يرجع إلى التخيير العقلي نظير التخيير بين المحذورين في المسألة الفرعيّة.

[1] أي على تقدير فقد الأصل المطابق لأحد المتعارضين، أو كون الأصل المطابق لأحد المتعارضين مرجعا لا مرجّحا لأحدهما.

[2] و هو باعتبار متعلّقه خبر لقوله: «فالحكم بالتخيير»، أي ما ذكرنا من الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين، و كذا ما ذكرنا من أنّ مرجع التوقّف فيهما إلى التخيير مبنيّ على أن يكون الحكم في المتعارضين المتعادلين التخيير حتّى لو كان أحدهما مطابقا للأصل، و ذلك بمقتضى الأدلّة الثانويّة،

____________

(1) التعليقة على فرائد الاصول: 269.

(2) فوائد الاصول 4: 286.

11

التخيير [1]، لا الرجوع [2] إلى الأصل المطابق لأحدهما. و التخيير [3] إمّا بالنقل [4]؛ و إمّا بالعقل، أمّا النقل [5] فقد قيّد فيه التخيير بفقد المرجّح،

____________

و هي أدلّة التخيير، و إلّا فبمقتضى الأدلّة الأوّليّة لا يرجع التوقّف إلى التخيير، و كذا لا يحكم بالتخيير، بل يؤخذ بالأصل المطابق لأحدهما بعنوان أنّه المرجع.

[1] خبر لقوله: «على أنّ الحكم ...»، أي بناء على أنّ الحكم في المتعارضين التخيير مطلقا، أي سواء كان أحد المتعارضين مطابقا للأصل أم لا.

[2] أي ليس الحكم في المتعادلين الرجوع إلى الأصل المطابق لأحد المتعارضين، و إلّا فلا يصل المجال إلى التخيير.

[3] هذه تتمّة الدليل الرابع. و ملخّصه: أنّ إطلاقات أدلّة التخيير مخصّصة بالأدلّة الدالّة على الترجيح، فيكون الأخذ بالتخيير عند فقد مرجّح في البين، و العقل أيضا لا يحكم بالتخيير عند احتمال وجوب العمل بالراجح.

[4] أقول: إنّ كلّ واحد من التخييرين، إمّا واقعي و إمّا ظاهري. أمّا التخيير النقلي الواقعي فهو كحكم الشارع بالتخيير في كفّارات الصوم، و هو المشهور بالتخيير الشرعي الواقعي، و أمّا التخيير النقلي الظاهري فكحكم الشارع بالعمل بأيّ من الخبرين المتعارضين بقوله: «إذن فتخيّر».

و أمّا التخيير العقلي الواقعي فهو حكم العقل بالتخيير في باب تزاحم الحكمين إذا لم يكن أحد المتزاحمين أهمّ من الآخر، و أمّا التخيير العقلي الظاهري فحكم العقل بالتخيير في دوران الأمر بين المحذورين.

[5] أي: أمّا الأخبار الدالّة على التخيير في المتعارضين، و هي الأخبار العلاجيّة فهي طائفتان: طائفة يكون الأخذ بالتخيير فيها مقيّدا بفقد المرجّح لأحد المتعارضين، و إلّا فيؤخذ بما له مرجّح على الآخر، و هي كالمرفوعة

12

و به [1] يقيّد ما اطلق فيه التخيير، و أمّا العقل فلا يدلّ على التخيير بعد احتمال اعتبار الشارع للمزيّة [2] و تعيين العمل بذيها.

____________

التي حكم (عليه السلام) فيها بالتخيير بقوله: «إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به ودع الآخر» بعد فرض الراوي كلا الخبرين موافقين للاحتياط، أو مخالفين له.

و الطائفة الاخرى تدلّ على الأخذ بالتخيير مطلقا، سواء كان أحد الخبرين المتعارضين ذا مزيّة على الآخر أم لم يكن، كرواية الحسن بن الجهم، حيث قال: «فموسّع عليك بأيّهما أخذت»، فيحمل المطلق على المقيّد، و بعد التقييد تكون النتيجة أنّ الرجوع إلى التخيير إنّما يكون على تقدير فقد المرجّح لأحد المتعارضين.

[1] أي بالنقل الذي قيّد الحكم بالتخيير فيه بفقد المرجّح لأحد الخبرين يقيّد النقل الذي دلّ على التخيير مطلقا، أي حتّى مع وجود المرجّح.

[2] أي مع وجود احتمال أنّ الشارع جعل المزيّة الموجودة في أحد الخبرين معتبرة، و أوجب العمل بالخبر الذي هو ذو مزيّة لا يحكم العقل بالتخيير، بل يحكم بالعمل بذي المرجّح، و ذلك لدوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة، و قد حقّق في محلّه أنّ العقل يحكم بالتعيين فيه؛ إذ لا شبهة في عدم كون الخبر الفاقد للمزيّة المحتملة مقدّما على الخبر الواجد للمزيّة المحتملة عند الشارع؛ لأنّ الخبر المشتمل على المزيّة إمّا مساو للخبر الفاقد للمزيّة، و إمّا مقدّم عليه، و لا يحتمل أن يحكم الشارع بأن يؤخذ بالخبر الفاقد لها و يطرح الخبر الواجد لها، و لكن يحتمل أن يحكم بطرح الفاقد و العمل بالواجد، و مع هذا الاحتمال العقل يحكم بالاحتياط، أي الأخذ بذي المزيّة؛ إذ العمل به مبرئ للذمّة قطعا، و هو إمّا مساو للفاقد فيكون الأخذ به من باب الأخذ بأحد فردي التخيير، و إمّا مقدّم عليه، فيكون الأخذ به واجبا

13

و لا يندفع [1] هذا الاحتمال بإطلاق أدلّة العمل بالأخبار؛

____________

تعيينا. إذن فالأخذ بما يحتمل كونه واجدا للمزيّة واجب على أي حال.

إن شئت فقل: إنّ ذا المرجّح حجّة قطعا، إمّا حجّة تعيينيّة، و إمّا حجّة تخييريّة، و أمّا حجّية الفاقد للمرجّح فهي مشكوكة، فلا يجوز الأخذ به، فلا يحكم العقل بالتخيير في هذا الفرض.

و ملخّص الكلام: أنّ حكم العقل بالتخيير في الخبرين المتعارضين لا يتمّ إلّا بعد تماميّة مقدّمات:

الاولى: عدم إمكان العمل بالخبرين.

الثانية: عدم إمكان طرحهما شرعا؛ و ذلك لإمكان الأخذ بأحدهما.

الثالثة: فقد مرجّح لأحد الخبرين و لو احتمالا، فمع انتفاء إحدى المقدّمات لا يحكم العقل بالتخيير.

[1] أي لا يندفع احتمال المزيّة. و هو إشارة إلى إشكال مقدّر، و هو أنّ العقل و إن لم يحكم بالتخيير عند احتمال مزيّة في أحد الخبرين المتعارضين، إلّا أنّ إطلاق أدلّة حجّية الخبر يدلّ على حجّية الخبر، سواء احتملت المزيّة لأحد المتعارضين أم لا. بتقريب أنّ الإطلاق هو المحكم عند الشكّ في التخصيص.

و بعبارة واضحة: أنّه مع وجود المزيّة في أحد المتعارضين لا تشمل أدلّة حجّية الخبر كلا الخبرين، و إنّما تشمل ذا المرجّح فقط؛ و ذلك لتخصيص إطلاق أدلّة حجّية الخبر بالأخبار العلاجيّة الدالّة على الأخذ بذي المرجّح فقط، فلا تشمل فاقد الترجيح. و أمّا مورد احتمال المزيّة فيه فيكون الشكّ فيه راجعا إلى الشكّ في تخصيص إطلاقات أدلّة الحجّية فيتمسّك بالإطلاق و يدفع به احتمال التخصيص، كما هو كذلك في جميع موارد الشكّ في التخصيص.

14

لأنّها [1] في مقام تعيين العمل بكلّ من المتعارضين مع الإمكان، لكن صورة التعارض ليست من صور إمكان العمل بكلّ منهما، و إلّا [2] لتعيّن العمل بكليهما. و العقل [3] إنّما يستفيد من ذلك الحكم المعلّق بالإمكان عدم [4]

____________

[1] تعليل لقوله: «لا يندفع ....»، و جواب عن الإشكال المذكور.

و ملخّصه: أنّ أدلّة حجّية الأخبار لا إطلاق لها كي يتمسّك به و يدفع احتمال المزيّة الذي يرجع إلى احتمال التخصيص؛ لأنّها تدلّ على حجّية كلّ خبر أمكن العمل به، لكن في صورة التعارض لا يمكن العمل بكلّ منهما لاستلزامه التعبّد بالمتناقضين. و النتيجة أنّ أدلّة حجّية الخبر لا تشمل المتعارضين كي يتمسّك بإطلاقها، و يدفع به احتمال المزيّة في أحد المتعارضين. و الحاصل أنّ أدلّة حجّية الخبر ليست في مقام البيان بالنسبة إلى المتعارضين كي يتمسّك بإطلاقها.

[2] أي لو كانت صورة التعارض من صور إمكان العمل بكلّ من الخبرين المتعارضين لوجب العمل بكلا المتعارضين، و هو مسلّم البطلان؛ لما عرفت من أنّ إيجاب العمل بالمتعارضين يستلزم إيجاب التعبّد بالمتناقضين.

[3] جواب عن سؤال مقدّر. و حاصل السؤال: إنّا سلّمنا عدم وجود إطلاق في أدلّة حجّية الخبر بالنسبة إلى المتعارضين كي يتمسّك به و يدفع احتمال اعتبار الخبر الذي فيه مزيّة، و يحكم بالتخيير بين المتعارضين، إلّا أنّ العقل يحكم بالتخيير بينهما و لو مع وجود الخبر الراجح.

[4] مفعول لقوله: «يستفيد» و هو إشارة إلى جواب السؤال المذكور، و توضيحه:

أنّك قد عرفت أنّ حكم الشارع بوجوب العمل بالخبرين معلّق على إمكان العمل بهما، و إيجاب العمل بكلا المتعارضين معا غير ممكن لاستلزامه التعبّد بالمتناقضين، و لكنّ العمل بأحدهما ممكن، فيكون العمل به واجبا،

15

جواز طرح كليهما، لا التخيير [1] بينهما، و إنّما يحكم بالتخيير بضميمة أنّ تعيين أحدهما ترجيح بلا مرجّح [2].

فإن استقلّ بعدم المرجّح حكم بالتخيير؛ لأنّه [3] نتيجة عدم إمكان الجمع و عدم جواز الطرح، و عدم وجود المرجّح لأحدهما [4]،

____________

فالعقل يستفيد من حكم الشارع بوجوب العمل بالمتعارضين معلّقا بإمكان العمل بهما عدم جواز طرح كليهما؛ لأنّ العمل بأحدهما ممكن، و لا وجه لطرحه، بل يجب العمل به؛ لوجود المقتضي و هو أدلّة الحجّية و عدم المانع من العمل به بعد إمكانه.

[1] أي لا يحكم العقل بالتخيير بين المتعارضين.

[2] أي العقل لا يحكم بالتخيير بين المتعارضين بمجرّد عدم إمكان التعبّد بكليهما، بل يحكم بالتخيير بعد تماميّة المقدّمتين الأخيرتين أيضا. و ملخّص الكلام: أنّك قد عرفت أنّ حكم العقل بالتخيير يتمّ بعد تماميّة ثلاث مقدّمات:

الاولى: عدم إمكان العمل بكلا المتعارضين.

الثانية: عدم جواز طرحهما معا.

الثالثة: قبح ترجيح أحدهما على الآخر من باب أنّ الترجيح بلا مرجّح قبيح، و بعد تماميّة هذه المقدّمات يحكم العقل بالتخيير، فحكم العقل بالتخيير متوقّف على حكمه بعدم وجود مرجّح في البين، فلو لم يستقلّ العقل به لتوقّف عن الحكم بالتخيير، فلا بدّ من العمل بما احتمل رجحانه عقلا، و ذلك من باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة، و قد عرفت أنّ العقل يحكم بالتعيين، و هو وجوب الأخذ بمحتمل الرجحان.

[3] أي لأنّ حكم العقل بالتخيير نتيجة المقدّمات الثلاث المذكورة في المتن.

[4] أي عدم وجود مرجّح لأحد الخبرين المتعارضين.

16

و إن لم يستقلّ [1] بالمقدّمة الثالثة توقّف عن التخيير، فيكون العمل بالراجح [2] معلوم الجواز، و العمل بالمرجوح مشكوكا.

فإن قلت [3]: أوّلا: أنّ كون الشي‏ء مرجّحا- مثل كون الشي‏ء دليلا- يحتاج إلى دليل؛ لأنّ التعبّد بخصوص الراجح إذا لم يعلم من الشارع كان‏

____________

[1] أي إن لم يستقلّ العقل بالحكم بعدم وجود مرجّح لأحد المتعارضين لا يحكم بالتخيير.

[2] أي يكون العمل بالخبر الذي يكون ذا مزيّة متيقّنة أو محتملة يقينيّا، و العمل بالخبر الفاقد لها مشكوكا، فيؤخذ بما هو معلوم الرجحان أو محتمل الرجحان، فيطرح المرجوح؛ و ذلك لدوران الأمر بين التعيين و التخيير، و قد عرفت أنّ العقل يحكم في دوران الأمر بين التعيين و التخيير بالتعيين؛ إذ العمل بالراجح أو بما يحتمل رجحانه مبرئ للذمّة يقينا، و أمّا العمل بالمرجوح فيشكّ في كونه مبرءا للذمّة، فالعقل يحكم بالعمل بما يبرئ ذمّته.

[3] قد ذكر (قدس سره) إيرادين على الأصل الذي أسّسه، و الأصل المؤسّس هو أنّ مقتضى الأصل الثانوي وجوب الأخذ بما يحتمل ترجيحه على الآخر. و ملخّص الإيراد الأوّل هو أنّه لم يقم دليل على تقديم ما يحتمل رجحانه؛ لأنّ كون الشي‏ء مرجّحا نظير كون الشي‏ء دليلا، فكما أنّ الثاني يحتاج إلى قيام دليل عليه، و كذا الأوّل.

و الحاصل: كما أنّ محتمل الدليليّة لا يكون دليلا كذلك محتمل المرجّحيّة لا يكون مرجّحا.

إن شئت فقل: إنّ مقتضى الأصل هو التخيير إلّا إذا قام دليل على مزيّة في أحد الخبرين، فيؤخذ به تعيينا، و أمّا إذا شكّ في وجود مزيّة فيه، فتنفى المزيّة بأصالة عدمها.

17

الأصل عدمه [1]، بل العمل به [2] مع الشكّ يكون تشريعا، كالتعبّد بما لم يعلم حجّيته.

و ثانيا: إذا دار الأمر بين وجوب أحدهما [3] على التعيين، و أحدهما على البدل، فالأصل براءة الذمّة عن خصوص الواحد المعيّن [4]، كما هو [5] مذهب جماعة في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

قلت: إنّ كون الترجيح كالحجّية أمرا يجب ورود التعبّد به من الشارع مسلّم [6]،

____________

[1] أي إذا لم يعلم التعبّد من الشارع بخصوص الراجح أو ما يحتمل رجحانه فالأصل عدم التعبّد بخصوصه.

[2] أي العمل بالخبر الذي يشكّ في رجحانه و إسناده إلى الشارع يكون تشريعا؛ لأنّه يكون من مصاديق إسناد ما لا يعلم أنّه من الشارع إلى الشارع فهو محرّم.

[3] أي إذا دار الأمر بين وجوب العمل بالخبر الراجح تعيينا و بين وجوب العمل بأحد الخبرين تخييرا تجري البراءة عن التعيين. و هذا إشارة إلى الإيراد الثاني على الأصل الذي أسّسه الشيخ.

[4] أي تجري أصالة البراءة عن خصوص الخبر الراجح أو المحتمل رجحانه.

[5] أي أصل براءة الذمّة عن خصوص الواحد المعيّن مذهب جماعة من العلماء فيما إذا دار الأمر بين التعيين و التخيير، كما إذا دار الأمر بين وجوب خصوص عتق الرقبة عليه تعيينا و بين واحد من العتق و الصيام، فإنّ الخصوصيّة تنفى بإجراء أصالة البراءة.

[6] أي إنّا نقبل أنّ كون الشي‏ء مرجّحا شرعيّا يحتاج إلى الدليل، فمع الشكّ في كونه مرجّحا شرعا يكون إسناده إلى الشارع، و القول بأنّ الشارع جعله مرجّحا للخبر تشريعا محرّما، فكما أنّ كون الشي‏ء حجّة و دليلا يحتاج إلى الدليل،

18

إلّا أنّ الالتزام بالعمل بما علم جواز العمل به من الشارع [1] من دون استناد [2] الالتزام إلى إلزام الشارع احتياطا [3] لا يجري [4] فيه ما تقرّر في وجه حرمة العمل بما وراء العلم، فراجع [5] نظير [6] الاحتياط بالتزام‏

____________

و مع الشكّ في أنّه هل هو حجّة شرعا أم لا يكون الالتزام بحجّيته شرعا، و إسنادها إلى الشارع تشريعا كذلك في المقام، فالأخذ بالخبر الراجح و الالتزام بأنّ الشارع جعله بخصوصه حجّة يكون تشريعا بلا كلام فيه.

[1] كالخبر الراجح، فإنّ جواز العمل به معلوم، إمّا من باب أنّه عدل الواجب التخييري، و إمّا من باب أنّه وجب العمل به تعيينا، فيكون جواز العمل به معلوما على أيّ حال؛ إذ هو القدر المتيقّن في جواز العمل به.

[2] أي الالتزام بالعمل بالراجح من دون أن يستند إلى الشارع أنّه أوجب العمل بخصوص الراجح.

[3] قيد لقوله: «إنّ الالتزام ...»، أي الالتزام بالعمل بالراجح احتياطا، لا بعنوان أنّ الشارع جعله بخصوصه واجبا.

[4] خبر لقوله: «إنّ الالتزام ...»، أي لا يجري في الالتزام بالعمل بالخبر الراجح احتياطا إشكال التشريع الذي يورد على العمل بغير العلم؛ إذ المفروض أنّه لا يسند إلى الشارع شيئا لا يعلم أنّ الشارع أمر به، بل يأخذ بالراجح من باب الاحتياط و من باب رجاء إيجاب الشارع العمل به، فما تقرّر في وجه حرمة العمل بغير العلم من إشكال التشريع لا يجري فيما إذا عمل بشي‏ء من باب الاحتياط، و إلّا سدّ باب الاحتياط طرّا.

[5] أي راجع مبحث حجّية الظنّ كي يتّضح الحال.

[6] أي يكون العمل بالخبر الراجح نظير الاحتياط أو الأخذ بما دل خبر ضعيف على وجوب الشي‏ء مع احتمال حرمته، كما إذا قام خبر ضعيف على وجوب‏

19

ما دلّ أمارة غير معتبرة على وجوبه مع احتمال الحرمة أو العكس [1]، و أمّا إدراج المسألة [2] في مسألة دوران المكلّف به بين أحدهما المعيّن و أحدهما على البدل [3]، ففيه: أنّه [4] لا ينفع بعد ما اخترنا في تلك‏

____________

شي‏ء في دوران الأمر بين المحذورين مع احتمال حرمته، أو قام خبر ضعيف على حرمته مع احتمال وجوبه، فإنّ العقل و إن كان حاكما في الصورتين بالتخيير إلّا أنّ الالتزام بما قام خبر ضعيف عليه احتياطا لا مانع منه، كما لا يصدق عليه التشريع هناك، كذلك لا يصدق التشريع على الأخذ بخصوص الخبر الراجح احتياطا في المقام.

[1] أي ما دلّ أمارة غير معتبرة على حرمة شي‏ء مع احتمال وجوبه. فملخّص الجواب: أنّ الأخذ بالراجح عند الشكّ في كونه راجحا عند الشارع لا مانع منه احتياطا من باب احتمال رجحانه.

و لا يرد عليه إشكال التشريع؛ إذ التشريع عبارة عن إسناد شي‏ء لا يعلم أنّه من الشارع إليه على نحو الجزم.

[2] أي مسألة الأخذ بالخبر الذي يحتمل رجحانه. هذا جواب ثان عن الإيراد الذي ذكره بقوله: «إن قلت: ...».

[3] كوجوب الكفّارة، فإنّ أصل التكليف معلوم، إلّا أنّ المكلّف به مردّد بين أن يكون خصوص العتق أو مخيّرا بينه و بين الإطعام.

[4] أي إدخال مسألة الأخذ بالخبر الذي يحتمل رجحانه عند الشارع في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير لا ينفع الخصم، و لا يدلّ على جريان البراءة عن وجوب العمل بخصوص الخبر الذي يحتمل رجحانه عند الشارع بعد ما اخترنا في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة أنّ مقتضى الأصل هو التعيين و الاحتياط، فمقتضى الأصل هو الأخذ بما

20

المسألة [1] وجوب الاحتياط و عدم جريان قاعدة البراءة.

و الاولى منع إدراجها [2] في تلك المسألة؛ لأنّ [3] مرجع الشكّ في‏

____________

يحتمل رجحانه.

توضيحه: أنّ دوران الأمر بين التعيين و التخيير قد يكون في المسألة الفقهيّة و قد يكون في المسألة الاصوليّة، فالبراءة عن خصوص التعيين تجري في الاولى، و أمّا في الثانية فيحكم العقل بالتعيين؛ إذ المفروض أنّ محتمل الرجحان حجّة على أي تقدير، و أمّا المرجوح فهو مشكوك الحجّية، فالعقل يحكم بالأخذ بما هو مقطوع الحجّية.

[1] أي مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

[2] أي نمنع أن تكون مسألتنا هذه- و هي الأخذ بما يحتمل رجحانه من الخبرين- من قبيل مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

و لا يخفى أنّ مقصوده عدم إدراج المقام في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الفقهيّة التي تجري البراءة فيها، لا نفي إدراجها في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة؛ إذ لا شبهة في أنّها داخلة فيها لكن لا تجري فيها البراءة.

[3] أي إنّما قلنا بأنّ مسألة العمل بما يحتمل الرجحان لا تكون داخلة في مسألة التعيين و التخيير؛ إذ ليس الشكّ في المقام من المكلّف به، كما كان كذلك في مثال الكفّارة، فإنّ المكلّف به يدور أمره بين أن يكون خصوص العتق أو مخيّرا بينه و بين الإطعام- مثلا- ففي مثله يقال: إنّه شكّ في كون العتق واجبا تعيينيّا فيرتفع وجوبه التعييني بأصالة البراءة؛ لأنّ فيه كلفة زائدة، بل الشكّ في المقام في حجّية الخبر المرجوح بعد القطع بحجّية الخبر الراجح، و لا ريب أنّ قاعدة الاشتغال حاكمة بعدم جواز العمل بالأمارات التي‏

21

المقام إلى الشكّ في جواز العمل بالمرجوح، و لا ريب أنّ مقتضى القاعدة [1] المنع عمّا لم يعلم جواز العمل به من الأمارات، و هي ليست مختصّة بما إذا شكّ في أصل الحجّية ابتداء [2]، بل يشمل ما إذا شكّ في الحجّية الفعليّة مع إحراز الحجّية الشأنيّة،

____________

لم يثبت حجّيتها، فإنّ الشكّ في الحجّية مساوق للقطع بعدم الحجّية.

[1] و هي قاعدة الاشتغال المقتضية للقطع بالفراغ، و هو لا يحصل بالعمل بما هو مشكوك الحجّية، فهي دالّة على عدم جواز العمل به.

[2] كأنّه جواب عن إشكال مقدّر.

أمّا الإشكال فربّما يقال: إنّ ما ذكرت- من أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز العمل بما هو مشكوك الحجّية من الأمارات- إنّما يتمّ فيما إذا شكّ في أصل الحجّية ابتداء، كما إذا شكّ في حجّية الخبر الذي أعرض عنه الأصحاب، و أمّا في مثل المقام فلا شكّ في حجّية الخبر المرجوح؛ و لذا يكون معارضا للخبر الذي يحتمل رجحانه. إذن فلا يشكّ في حجّيته و شمول أدلّة الحجّية له كي يحكم بعدم حجّيته.

و أجاب عنه بأنّ مشكوك الحجّية قد يكون لأجل الشكّ في شمول أدلّة الحجّية له فيشكّ في حجّيته و لو ابتداء. و اخرى أنّه لا يشكّ في حجّيته الشأنية، و إنّما يشكّ في حجّيته الفعليّة، كما هو كذلك في معارضة الخبر المرجوح للخبر الذي يحتمل رجحانه، فإنّ الخبر المرجوح و إن لم تكن حجّيته الشأنيّة مشكوكة، إلّا أنّ حجّيته الفعليّة مشكوكة، و القاعدة تمنع من العمل بمشكوك الحجّية، سواء كانت حجّيته من الأصل مشكوكة، أو كانت حجّيته الفعليّة مشكوكة.

و ملخّص الكلام: أنّ مسألتنا هذه ليست داخلة في دوران الأمر بين التعيين‏

22

فإنّ المرجوح [1] و إن كان حجّة في نفسه، إلّا أنّ حجّيته فعلا مع معارضة الراجح- بمعنى جواز العمل به فعلا- غير معلوم، فالأخذ به [2] و الفتوى بمؤدّاه تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة.

هذا، و التحقيق [3]: إنّا إن قلنا بأنّ العمل بأحد المتعارضين في الجملة [4] مستفاد من حكم الشارع به [5] بدليل الإجماع و الأخبار العلاجيّة، كان اللازم الالتزام بالراجح و طرح المرجوح [6]،

____________

و التخيير في المسألة الفرعيّة كي تجري البراءة عن التعيين، بل الشكّ فيها يرجع إلى الشكّ في حجّية الطريق الذي هو مرجوح، و العقل يحكم بوجوب الأخذ بما علم طريقيّته، و هو الطريق الراجح، و لا يجوز الاقتصار على المشكوك في مقام الإطاعة.

[1] أي الخبر المرجوح.

[2] أي الأخذ بالخبر المرجوح الذي هو مشكوك الحجّية لأجل معارضته للخبر الراجح تشريع ...

[3] إنّه (قدس سره)- بعد جوابه عن الإيراد الذي أورد على الأخذ بالراجح من المتعارضين- أراد أن يبيّن ما أفاده من أنّ مقتضى الأصل الثانوي هو الأخذ بالراجح منهما.

[4] أي و لو بالأخذ بهما تخييرا. و ملخّص تحقيقه: هو أنّه لا بدّ من النظر إلى الدليل الدالّ على العمل بالمتعارضين تخييرا بأنّه الإجماع أو الأخبار العلاجيّة أو أدلّة حجّية الخبر.

[5] أي من حكم الشارع بوجوب العمل بأحد المتعارضين.

[6] أمّا لو كان دليل حجّية أحد المتعارضين الإجماع، فالأمر واضح، فإنّ القدر

23

و إن [1] قلنا بأصالة البراءة عند دوران الأمر في المكلّف به بين التعيين و التخيير لما عرفت [2] من أنّ الشكّ في جواز العمل بالمرجوح فعلا،

____________

المتيقّن منه حجّية الراجح منهما، فيبقى المرجوح مشكوك الحجّيّة، و أمّا لو كان دليل الحجّية له الأخبار العلاجيّة الدالّة على التخيير فلا بدّ أيضا من الأخذ بذي المرجّح؛ إذ هو القدر المتيقّن من الحجّية، و المرجوح مشكوك الحجّية، فإنّ مقتضى قاعدة الاشتغال عدم جواز العمل بمشكوك الحجّية؛ لعدم صلاحيّته للمؤمنيّة و المعذريّة.

هذا كلّه لو كانت الأخبار العلاجيّة دالّة على التخيير، و أمّا لو كانت دالّة على الأخذ بذي المرجّح- و لو احتمالا- فالأمر واضح، فيؤخذ بالراجح و يطرح المرجوح بمقتضى الأخبار العلاجيّة.

[1] كلمة «إن» وصليّة، أي يطرح المرجوح حتّى لو قلنا بجريان البراءة عن وجوب العمل بأحدهما تعيينا في دوران الأمر بين التعيين و التخيير؛ إذ جريان البراءة عن التعيين يجدي في المسألة الفقهيّة؛ لرجوعها إلى الأقلّ و الأكثر، فينفي الأكثر بالبراءة، و يأتي بالأقلّ دون المقام الذي تكون فيه المسألة اصوليّة، فإنّ جريان البراءة عن وجوب العمل بخصوص الراجح لا يدلّ على حجّية المرجوح، فإنّه مشكوك الحجّية حتّى بعد جريان الأصل عن وجوب العمل بخصوص الراجح.

و الحاصل: أنّ جريان البراءة عن التعيين في المسألة الفقهيّة لا يكون دليلا على جريانها في المسألة الاصوليّة أيضا التي هي ما نحن فيه.

[2] تعليل لما ذكره من الالتزام بالراجح و طرح المرجوح، أي إنّما قلنا بطرح المرجوح لأنّه مشكوك الحجّية حتّى بعد جريان أصالة البراءة عن الأخذ بخصوص الراجح.

24

و لا ينفع [1] وجوب العمل به عينا في نفسه مع قطع النظر عن المعارض، فهو [2] كأمارة لم يثبت حجّيتها أصلا. و إن لم نقل بذلك [3]، بل قلنا باستفادة العمل بأحد المتعارضين من نفس أدلّة العمل بالأخبار [4]، فإن قلنا بما اخترناه: من أنّ الأصل [5] التوقّف- بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقيّة و الكشف الغالبى عن الواقع- فلا دليل على وجوب الترجيح بمجرّد قوّة في أحد الخبرين؛ لأنّ كلّا منهما جامع لشرائط الطريقيّة [6]، و التمانع يحصل بمجرّد ذلك [7]، فيجب الرجوع إلى الاصول الموجودة في تلك‏

____________

[1] جواب عن سؤال مقدّر، و هو إنّا لا نسلّم كون المرجوح مشكوك الحجّية، بل هو أيضا حجّة قطعا مع قطع النظر عن وجود المعارض له.

و الجواب عنه: أنّ كونه حجّة في حدّ نفسه، و مع قطع النظر عن وجود المعارض، لا يوجب كونه حجّة فعلا.

[2] أي الخبر المرجوح يكون كالأمارة التي لم يثبت حجّيتها أصلا، فكما أنّ الأمارة التي لم تثبت حجّيتها أصلا لا يجوز العمل بها، كذلك الخبر الذي ثبت حجّيته في نفسه و لكن يشكّ في حجّيته؛ لأجل ابتلائه بالمعارض الذي يحتمل رجحانه لا يجوز العمل به؛ لأنّ الشكّ في الحجّية يكفي لعدم جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال.

[3] أي إن لم نقل بأنّ العمل بأحد المتعارضين مستفاد من الإجماع و الأخبار العلاجيّة.

[4] أي يستفاد حجّية أحد المتعارضين تخييرا من نفس أدلّة حجّية الخبر.

[5] أي مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين التوقّف، لا التساقط.

[6] أي كما أنّ الخبر الذي يحتمل رجحانه حجّة كذلك الخبر المرجوح حجّة.

[7] أي التعارض بين الخبرين يحصل بمجرّد كون كلّ منهما جامعا لشرائط

25

المسألة إذا لم تخالف [1] كلا المتعارضين، فرفع اليد عن مقتضى الأصل [2] المحكم في كلّ ما لم يكن طريق فعلى على خلافه، بمجرّد مزيّة لم يعلم اعتبارها لا وجه له؛ لأنّ [3] المعارض المخالف بمجرّده ليس طريقا فعليّا لابتلائه بالمعارض الموافق للأصل، و المزيّة الموجودة لم يثبت تأثيرها في رفع المعارض.

و توهّم: استقلال العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إلى الواقع،

____________

الحجّية، سواء كان أحدهما محتمل الرجحان أم لا، فيتعارضان و يتساقطان، و بعد سقوطهما يرجع إلى الأصل العملي من البراءة أو الاشتغال.

[1] أي الرجوع إلى الاصول العمليّة إنّما يكون فيما إذا لم تكن الاصول العمليّة مخالفة لكلا المتعارضين، مثلا: لو قام دليل على وجوب الجمعة، و دليل آخر على استحبابها، فالأصل العملي- الدالّ على عدم وجوب الجمعة، و عدم استحبابها- مخالف لكلا المتعارضين، ففي مثل ذلك لا يرجع إلى الأصل العملي، كالبراءة؛ لعدم وصول المجال إليه بعد كون المتعارضين حجّة في نفي الثالث، يعني كلا المتعارضين متّفقان في عدم كون الجمعة مباحة.

[2] أي مقتضى الأصل الثانوي في المتعارضين هو التخيير بعد كون مقتضى الأصل الأوّلي هو التوقّف، فرفع اليد عن هذا الأصل المسلّم بمجرّد احتمال الرجحان لا وجه له.

[3] أي إنّما قلنا لا دليل على وجوب الترجيح بمجرّد قوّة في أحد الخبرين؛ لأنّ الخبر المعارض المخالف للأصل ليس حجّة فعليّة؛ لابتلائه بالمعارض، و كونه حجّة شأنيّة لا يفيد، و المزيّة الموجودة حيث إنّها لم يقم دليل على اعتبارها لا تصلح لرفع التعارض، و تقديم أحد المتعارضين على الآخر.

26

و هو [1] الراجح.

مدفوع: بأنّ ذلك [2] إنّما هو فيما كان بنفسه طريقا- كالأمارات المعتبرة لمجرّد إفادة الظنّ [3]-

____________

[1] أي أقرب الطريقين إلى الواقع عبارة عن الخبر الراجح، فيؤخذ به بحكم العقل.

و ملخّص التوهّم أنّ ما ذكرت من عدم قيام دليل على ترجيح الخبر الذي فيه مزيّة على الآخر، فاسد، فأي دليل أقوى من حكم العقل.

[2] أي حكم العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إنّما يكون إذا كان الخبر بنفسه طريقا بحكم العقل.

[3] كحجّية الخبر من باب الظنّ الانسدادي بناء على الحكومة، فإنّه طريق بنفسه، و بحكم العقل لا يجعل الشارع، فإنّ الظنّ المذكور بناء على الحكومة تكون حجّيته ذاتيّة، كحجّية القطع، و هو يكون حجّة من باب إفادته الظنّ الشخصى. و نقول في توضيح الجواب عن التوهّم: إنّ حجّية الأمارات فيها ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: أن تكون حجّة بمناط إفادتها الظنّ الشخصي، كحجّية الخبر من باب الظنّ الانسدادي بناء على الحكومة.

القول الثاني: أن تكون حجّة إذا لم يكن الظنّ على خلافها.

القول الثالث: أن تكون حجّة من باب إفادتها للظنّ النوعي، و حكم العقل بوجوب الأخذ بأقرب الطريقين إنّما يتصوّر بناء على القولين الأوّلين دون الثالث.

أمّا على القول الأوّل فلأنّ المفروض أنّ المناط في حجّيتها هو الظنّ الشخصي، و هو أقوى في الخبر الراجح من الخبر المرجوح، فإذا صار الخبر

27

و أمّا الطرق المعتبرة شرعا من حيث إفادة نوعها الظنّ [1] و ليس اعتبارها [2] منوطا بالظنّ، فالمتعارضان المقيّدان منها بالنوع للظنّ في‏

____________

الراجح أقوى مناطا من الخبر المرجوح، فمع وجود الراجح يحكم العقل به دون المرجوح.

و أمّا على القول الثاني فلانتفاء مناط الحجّية في المرجوح؛ إذ المرجوح ما قام الظنّ على خلافه، و أمّا الراجح فلم يقم الظنّ على خلافه؛ إذ المفروض أنّ في الراجح ظنّا زائدا على الظنّ الموجود في المرجوح، فهذا الظنّ الزائد خال عن المعارض، فيؤخذ به بحكم العقل؛ لأنّه أقرب الطريقين إلى الواقع.

و أمّا على القول الثالث فلا وجه للأخذ بأقرب الطرق؛ إذ مناط الحجّية موجود في كلّ منهما، و هو الكشف النوعي، و رجحان أحدهما لا يوجب الرجحان في كشفه النوعي كي ينحصر المناط في الراجح، و لا يكون المرجوح فاقدا لمناط الحجّية، كما كان في القول الأوّل، و كذا لا يوجب انتفاء المناط في المرجوح كما في القول الثاني، فيكون الخبران متكافئين فيتساقطان. و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ الأمارات معتبرة من باب الكشف النوعي، فلا يخرج المرجوح عن الحجّية؛ لما عرفت من أنّ مناط الحجّية على هذا موجود فيه أيضا، و كون معارضه أقوى لا يضرّ بحجّيته بعد اشتماله على مناط الحجّية.

[1] أي الأمارات التي ليست طريقيّتها ذاتيّة، بل تكون حجّة بجعل الشارع، و كان مناط حجّيتها إفادتها الظنّ النوعي.

[2] أي ليس المناط في اعتبار الطرق المعتبرة إفادتها الظنّ الشخصي، بل المناط فيها الظنّ النوعي و شمول أدلّة الحجّية لها، سواء أفادت الظنّ فعلا أم لا.

28

نظر الشارع سواء [1]، و ما نحن فيه [2] من هذا القبيل؛ لأنّ [3] المفروض أنّ المعارض المرجوح لم يسقط من الحجّية الشأنيّة، كما يخرج الأمارة المعتبرة بوصف الظنّ [4] عن الحجّية إذا كان معارضها أقوى.

____________

[1] خبر لقوله: «فالمتعارضان ...»، أي الخبران المتعارضان اللذان تكون حجّيتهما بملاك إفادتهما للظنّ النوعي متساويان في نظر الشارع، و هما في حدّ سواء في الحجّية، سواء كان في أحدهما مزيّة و قوّة على الآخر أم لا.

[2] الذي هو تعارض الخبرين من قبيل اعتبار الطرق من باب إفادتها للظنّ النوعي، فإنّهما متساويان في نظر الشارع حتّى لو كان لأحدهما مزيّة على الآخر، فإنّ المزيّة المذكورة لا تخرج الخبر المرجوح عن تحت أدلّة الحجّية كي يكون الخبر الراجح باقيا بلا وجود معارض له.

[3] أي إنّما قلنا إنّ المتعارضين اللذين هما حجّتان من باب الظنّ النوعي على حدّ سواء في نظر الشارع و إن كان أحدهما ذا قوّة؛ لأنّ الخبر المرجوح لا يسقط عن الحجّية بمجرّد كون الخبر المعارض له ذا مزيّة، بل الراجح و المرجوح كلاهما متّصفان بالحجّية الشأنيّة.

[4] أي بوصف الظنّ الشخصي، أي الأمارة لو كانت حجّيتها منوطة بإفادتها الظنّ الشخصي يخرج المرجوحة منها عن الحجّية إذا كان معارضها أقوى؛ لما عرفت آنفا أنّ مع وجود معارض قويّ و هو الظنّ القويّ على خلاف المرجوح فهو لا يفيد الظنّ فعلا كي يكون حجّة، و مع عدم إفادته للظنّ لا يكون حجّة على الفرض؛ لأنّ حجّيته إنّما تكون بملاك إفادته للظنّ، و هو منتف في المقام فلا يكون حجّة، و لكنّ المقام ليس من ذاك القبيل؛ لأنّ المناط ليس إفادتها الظنّ الفعلي، بل هو الظنّ النوعي، و المزيّة في أحد الطرفين لا تنافي حصول الظنّ النوعي، فالمناط موجود في الراجح و المرجوح معا؛ إذ كلّ‏

29

و بالجملة [1]: فاعتبار قوّة الظنّ في الترجيح في تعارض [2] ما لم ينط اعتباره بإفادة الظنّ أو بعدم الظنّ على الخلاف‏

____________

منهما يصلح لإفادته للظنّ النوعي فيكون كلاهما حجّة.

[1] أي خلاصة الكلام: أنّ قوّة الظنّ في أحد الخبرين المتعارضين و وجود المزيّة فيه ما لم تكن حجّية الخبر منوطة بإفادة الظنّ الشخصي، أو تكون منوطة بعدم الظنّ على الخلاف، لا دليل على كونها سببا لتقدّم الخبر الذي فيه قوّة الظنّ و مزيّة على الخبر الآخر.

و توضيحه: كما عرفت سابقا أنّ في حجّية الخبر ثلاثة أقوال:

الأوّل: أنّ المناط في حجّيته إفادته الظنّ الشخصي.

الثاني: أنّ المناط فيها عدم الظنّ على خلاف مضمون الخبر، و كون قوّة الظنّ موجبة للترجيح منحصر بهذين القولين، و يكون ما يحتمل كونه مرجّحا لأحد الخبرين مرجّحا له و موجبا لتقديمه عليه؛ لأنّه بناء على القول الأوّل لا يكون المرجوح مفيدا للظنّ، فلا يكون مناط الحجّية فيه متحقّقا، فيكون الحجّة هو الراجح فقط، و كذا على الثاني، فإنّ مناط الحجّية لم يكن متحقّقا كي يكون الخبر المرجوح حجّة. و أمّا بناء على القول الثالث، و هو كون مناط الحجّية إفادته الظنّ النوعي، فإنّ قوّة الظنّ في أحد الخبرين لا توجب تقديم الخبر الراجح، و قد علمت تفصيله.

و أيضا علمت أنّ اعتبار الخبر يكون من باب إفادته الظنّ النوعي، فعلى هذا لا يكون ما يحتمل رجحانه مرجّحا، بل يؤخذ بالتخيير في المتعارضين بمقتضى الأصل الثانوي، و هو أصالة التخيير.

[2] أي في تعارض الخبرين اللذين لا يكون اعتبارهما منوطا بإفادة الظنّ الشخصي ...

30

لا دليل عليه [1]، و إن [2] قلنا بالتخيير- بناء على اعتبار الأخبار من باب السببيّة و الموضوعيّة- فالمستفاد [3] بحكم العقل من دليل وجوب العمل بكلّ من المتعارضين مع الإمكان، كون وجوب العمل بكل منهما عينا مانعا عن وجوب العمل بالآخر كذلك.

____________

[1] أي لا دليل على اعتبار قوّة الظنّ و كونها سببا لتقديم الخبر الراجح على المرجوح. هذا الذي ذكرناه من عدم كون قوّة الظنّ في أحد الخبرين موجبة لرجحانه على الآخر إنّما يتمّ على الطريقيّة، فعلى هذا المسلك يؤخذ بالتوقّف بمقتضى الأصل الأوّلي، و بالتخيير بمقتضى الأصل الثانوي.

[2] هذا عطف على قوله: «فإن قلنا بما اخترناه من أنّ الأصل التوقّف، بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقيّة».

إلى هنا بيّن أنّه بناء على مسلكه من أنّ الأصل الأوّلي في المتعارضين التوقّف، و بناء على الطريقيّة في حجّية الأخبار لا دليل على وجوب الترجيح بمجرّد قوّة في أحد الخبرين، و من هنا أراد أن يبيّن حكم ذلك بناء على السببيّة.

و حاصله: إذا قلنا بأنّ وجوب العمل بأحد المتعارضين لا يستفاد من الإجماع و الأخبار العلاجيّة، و إنّما استفيد ذلك من أدلّة حجّية الخبر، فمقتضى الأصل على السببيّة أيضا عدم وجوب الأخذ بالراجح؛ إذ المفروض أنّ كلّا من المتعارضين مشمول لأدلّة حجّية الخبر و جامع لشرائط السببيّة، فيجب العمل بكلّ منهما فيما أمكن العمل بكلّ منهما.

[3] أي بناء على السببيّة يستفاد من أدلّة الحجّية وجوب العمل بكلّ من الخبرين المتعارضين فيما إذا أمكن العمل بكلّ منهما. هذا من ناحية، و من ناحية اخرى أنّه لا يمكن العمل بكلّ من المتعارضين تعيينا؛ لأنّ وجوب كلّ منهما

31

مانع عقلي من وجوب العمل بالآخر، فيحصل التمانع بينهما، و لا يجوز طرح كليهما بمجرّد عدم إمكان العمل بكلّ واحد منهما تعيينا. و العقل- بعد ملاحظة وجوب العمل بكلّ منهما مع الإمكان، و بعد ملاحظة أنّ العمل بكلّ منهما غير ممكن- يدرك أنّ المنشأ لعدم وجوب العمل بكلّ واحد منهما تعيينا هو وجوب العمل بالآخر تعيينا، و هو صار منشأ لعدم إمكان العمل بهما، فيحكم بوجوب العمل بهما تخييرا، فالمناط لحكم العقل بالتخيير في المتعارضين ليس إحراز التساوي بين الخبرين، كما كان كذلك على القول بالطريقيّة كي يقال: إنّ احتمال المزيّة مانع من حكم العقل بالتخيير، بل مناطه كون وجوب العمل بكلّ من الخبرين تعيينا مانعا عن وجوب العمل بالآخر، بمعنى أنّه يمكن أن يقال للمكلّف وجب عليك العمل بكلّ من المتعارضين تعيينا؛ إذ وجوب كلّ من الضدّين يمنع وجوب الضدّ الآخر عليه، و العقل بلحاظ هذا التمانع و عدم إمكان العمل بهما تعيينا و عدم جواز طرحهما، يحكم بالعمل بهما تخييرا. و مجرّد مزيّة أحد الخبرين على الآخر لا يكون مانعا عن العمل بالمرجوح؛ لما عرفت من أنّ المانع عن العمل بكلّ من الخبرين هو وجوب الآخر، و هذا المانع موجود في العمل بالراجح و المرجوح كليهما بلا تفاوت بينهما.

و الحاصل: بعد ما عرفت أنّ مناط حكم العقل بالتخيير عدم إمكان العمل بالمتعارضين، و منشأ عدم الإمكان وجوب كلّ منهما تعيينا، فهذا المناط موجود حتّى مع فرض وجود مزيّة في أحد الخبرين، و العقل يحكم بالتخيير حتّى مع وجود مزيّة في أحدهما بالتمانع و التنافي بين المتعارضين.

و بعبارة اخرى: أنّ حكم العقل لا يتوقّف على تكافؤهما، بل يحكم‏

32

و لا تفاوت [1] بين الوجوبين في المانعيّة قطعا [2]،

____________

بالتمانع بينهما بمجرّد وجوب العمل بكلّ منهما تعيينا. و هذا التمانع هو الموضوع لحكم العقل بالتخيير.

[1] أي كما أنّ الوجوب الراجح مانع عن الوجوب المرجوح، كذلك الوجوب المرجوح أيضا مانع عن الوجوب الراجح، فإنّ التمانع يحصل بين الخبرين بمجرّد وجوب العمل بكلّ منهما تعيينا، فإنّ وجوب العمل بالخبر الراجح تعيينا يمنع عن وجوب العمل بالخبر المرجوح تعيينا، فالتمانع يحصل عقلا بينهما بمجرّد وجوب العمل بكلّ منهما، فإنّ كون أحد الخبرين راجحا لا يخرج الخبر المرجوح عن تحت أدلّة حجّية الخبر، و لا يمنع عن وجوبه.

إذن فمع وجود مزيّة في أحد الخبرين التمانع بينهما موجود؛ لما عرفت من أنّ منشأ التمانع وجوب العمل بكلّ من الخبرين تعيينا.

[2] جواب عن إشكال مقدّر، و حاصل الإشكال هو: إنّا لا نسلّم عدم التفاوت بين الوجوبين في المانعيّة، فإنّ ما فيه المزيّة و القوّة يمنع عن الآخر، و أمّا الآخر المرجوح فلا يصلح للمانعيّة. إذن فمع وجود الأهمّية و المزيّة في أحد الخبرين لا يحكم العقل بالتخيير.

و ملخّص الجواب: أنّ المزيّة قد تكون بمعنى أنّ أحد الخبرين أقرب ايصالا إلى الواقع، و قد تكون بمعنى أنّ المصلحة في أحد الخبرين أزيد من المصلحة الموجودة في الخبر الآخر، و من الواضح أنّ مجرّد المزيّة بمعنى الأقربيّة إلى الواقع في أحد الخبرين لا يوجب أن يكون الخبر الذي فيه مزيّة و رجحان مانعا عن العمل بالمرجوح؛ لأنّ كون أحد الخبرين أقرب إيصالا إلى الواقع لا يكون سببا لخروج الخبر المرجوح عن تحت أدلّة حجّيته؛ إذ مناط الحجّية و هو السببيّة كما يكون في الخبر الراجح كذلك يكون في الخبر

33

و مجرّد مزيّة [1] أحدهما على الآخر بما يرجع إلى أقربيّته إلى الواقع لا يوجب كون وجوب العمل بالراجح مانعا عن العمل بالمرجوح دون العكس؛ لأنّ المانع [2] بحكم العقل هو مجرّد الوجوب، و المفروض وجوده [3] في المرجوح.

____________

المرجوح، و بعد وجود مناط الحجّية في المرجوح يجب العمل به أيضا، كما أنّه يجب العمل بالراجح.

[1] بحيث لا يكون المرجوح مانعا عن وجوب العمل بالراجح، بل كما أنّ الراجح يمنع عن وجوب العمل بالمرجوح، كذلك وجوب العمل بالمرجوح يكون مانعا من وجوب العمل بالراجح، فالتمانع بين الراجح و المرجوح موجود.

[2] أي إنّما قلنا إنّ مجرّد أقربيّة أحدهما إلى الواقع لا يوجب كون حجّيته و وجوب العمل به مانعا عن العمل بالآخر و عن حجّيته؛ لأنّ المانع من وجوب العمل بأحد الخبرين وجوب العمل بالآخر.

إن شئت فقل: إنّ المانع عن حجّية أحد الخبرين حجّية الآخر.

[3] أي المفروض وجود المانع- و هو وجوب العمل- في الخبر المرجوح و هو يمنع عن وجوب العمل بالخبر الراجح.

و ملخّص الكلام: أنّ مقتضى أدلّة حجّية الخبر وجوب العمل بكلا الخبرين، و حيث أنّ العقل يحكم بأنّ التمانع موجود بين وجوب العمل بالخبرين، و هو حجّية كلّ واحد منهما تعيينا، أي يستحيل عقلا حجّية كلّ واحد منهما تعيينا، و منشأ الاستحالة وجوب العمل بكلّ منهما تعيينا.

إن شئت فعبّر عنه: أنّ منشأ الاستحالة هو الحجّية التعيينيّة لكلّ واحد منهما، فإن حكم العقل بالتخيير نتيجة حجّية كلّ منهما، و عدم جواز طرح كليهما. و هذا موجود حتّى في صورة كون أحد الخبرين ذا مزيّة؛ إذ المفروض‏

34

و ليس [1] في هذا الحكم العقلي إهمال و إجمال و واقع مجهول حتّى يحتمل تعيين الراجح و وجوب طرح المرجوح.

____________

أنّ كون أحد الخبرين ذا مزيّة لا يمنع من دخول المرجوح تحت أدلّة الحجّية، بل وجب العمل به أيضا. إذن فالتمانع موجود بينهما عقلا حتّى في هذا الفرض، و العقل يحكم بالتخيير بعد فرض تحقّق التمانع بينهما.

[1] من هنا أراد أن يبيّن أنّ ما ذكرنا من عدم حكم العقل بالتخيير عند وجود مزيّة في أحد الخبرين، و حكمه بالأخذ بالراجح لا يأتي في المقام، و ذلك للفرق بين المقامين، فإنّ حكم العقل بالأخذ بالراجح و وجوب طرح المرجوح إنّما يكون على مبنى الطريقيّة في الأمارات؛ إذ على هذا المبنى يكون المطلوب واحدا مردّدا بين الخبرين، و لا يعلم أنّ أيّهما موصل إلى الواقع، و حيث إنّ الذي يكون ذا مزيّة بمعنى الأقرب طريقا إلى الواقع يحتمل تعيينه بأن لا يكون معه المرجوح طريقا، فالعقل يحكم بالأخذ بالراجح؛ لأنّه متيقّن الطريقيّة و الحجّية، فحكم العقل بالأخذ بالراجح ليس من باب أنّ العقل يدرك أنّه هو الواقع، بل يحكم بالأخذ به من باب القدر المتيقّن. و هذا بخلاف المقام، فإنّ حكم العقل ليس من باب القدر المتيقّن؛ إذ ليس المطلوب واحدا مردّدا؛ لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد من الخبرين ذو مصلحة، فبعد عدم إمكان الجمع بينهما و عدم جواز طرحهما يحكم العقل بالتخيير، و وجود المزيّة في أحد الخبرين بمعنى الأقربيّة إلى الواقع لا يوجب تغييرا في حكم العقل؛ لأنّ المرجوح و الراجح متساويان في المصلحة.

و ملخّص الكلام: بناء على الطريقيّة يكون في الحكم العقلي واقع مجهول و يحكم بالأخذ بالراجح من باب القدر المتيقّن، و أمّا في المقام فليس هنا واقع مجهول، بل الواقع عند العقل معلوم، و هو وجود التمانع بين الخبرين،

35

و بالجملة [1]: فحكم العقل بالتخيير نتيجة وجوب العمل بكلّ منهما في حدّ ذاته، و هذا الكلام [2] مطّرد في كلّ واجبين متزاحمين. نعم [3]، لو كان‏

____________

و ليس المطلوب أمرا واحدا مردّدا بين الخبرين، بل كلا الخبرين مطلوب، غاية الأمر أنّ وجود التمانع بينهما يمنع من الأخذ بهما، فالعقل يحكم بالتخيير.

[1] أي ملخّص الكلام: أنّ العمل بكلّ من المتعارضين واجب في حدّ نفسه؛ إذ كلّ منهما مشتمل على مصلحة بناء على السببيّة. هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى أنّ العمل بكلّ منهما مشروط بإمكان العمل به عقلا، فإنّ القدرة على الامتثال شرط عقلي لوجوب العمل و الامتثال، فالعقل بعد ملاحظة أنّ العمل بكلّ منهما واجب تعييني، و لا يمكن العمل بكلّ منهما يحكم بوجوب العمل بكلّ منهما تخييرا. إذن فحكم العقل بالتخيير نتيجة وجوب العمل بكلّ منهما تعيينا مع عدم إمكان العمل به لا مطلقا؛ إذ مع إمكانه يحكم العقل بوجوب العمل بكلّ منهما تعيينا.

[2] أي حكم العقل بالتخيير بمجرّد وجوب العمل بكلّ من الدليلين في حدّ نفسه جار في كلّ متزاحمين؛ إذ المفروض في باب التزاحم وجوب العمل بكلّ من الواجبين المتزاحمين في حدّ نفسه، و حيث إنّ المكلّف لا يتمكّن من العمل بكلّ واحد منهما تعيينا، فيحكم العقل بوجوب العمل بكلّ واحد منهما تخييرا.

[3] بعد بيان أنّ ما نحن فيه كالمتزاحمين في حكم العقل بالتخيير شرع في الفرق بينهما من جهة أخرى، و هو أنّ ما ذكرنا من أنّ العقل يحكم في المتزاحمين بالتخيير إنّما يتمّ فيما إذا لم يكن الوجوب في أحد المتزاحمين أهمّ من الوجوب في الآخر، و أمّا إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر، فالعقل‏

36

الوجوب في أحدهما آكد و المطلوبيّة فيه أشدّ، استقلّ العقل عند التزاحم بوجوب ترك غيره [1]، و كون [2] وجوب الأهمّ مزاحما لوجوب غيره من دون عكس [3]. و ما نحن فيه [4] ليس كذلك [5] قطعا، فإنّ وجوب العمل بالراجح من الخبرين ليس آكد من وجوب العمل بغيره [6].

____________

يحكم بتقديم الأهمّ أو ما هو محتمل الأهمّية، كما إذا دار الأمر بين أداء صلاته أو أداء دينه و ضاق وقت الصلاة، فيجب تقديم الصلاة لكونها أهمّ منه.

[1] أي غير الآكد كما عرفت، فإنّ العقل يحكم بوجوب ترك غير الأهمّ و العمل بالأهمّ.

[2] أي استقلّ العقل بكون وجوب الأهمّ مزاحما لغير وجوب الأهمّ.

[3] أي وجوب غير الأهمّ لا يكون مزاحما لوجوب الأهمّ، كما إذا دار الأمر بين وجوب أداء الصلاة و بين إنقاذ الغريق، فإنّ وجوب إنقاذ الغريق يزاحم وجوب أداء الصلاة، و يمنع من شمول إطلاق دليل وجوب الصلاة لها إذا كان أداء الصلاة مزاحما لإنقاذ الغريق، و أمّا وجوب الصلاة فلا يكون مزاحما لوجوب إنقاذ الغريق؛ إذ هو لا يتمكّن من تقييد إطلاق دليل وجوب إنقاذ الغريق.

و الحاصل: أنّ المزاحم الأهمّ يوجب تقييد إطلاق الأمر بالمهمّ، و أمّا المزاحم المهمّ فلا يوجب تقييد إطلاق الأمر بالأهمّ، و تحقيقه موكول إلى مبحث الترتّب.

[4] أي ما نحن فيه الذي هو تعارض الخبرين من باب السببيّة.

[5] أي لا تكون المزيّة في أحد الطرفين موجبة لتقديم ذي المزيّة الذي هو راجح على الطرف الآخر الذي ليس فيه أيّ مزيّة.

[6] أي بغير الراجح. و الحاصل: أنّ الراجح فيما نحن فيه ما كان هو أقرب الطرق‏

37

هذا، و قد عرفت فيما تقدّم [2]: إنّا لا نقول بأصالة التخيير في تعارض الأخبار، بل و لا غيرها من الأدلّة [3]، بناء على أنّ الظاهر من أدلّتها [4] و أدلّة حكم تعارضها [5]

____________

إلى الواقع، و هو لا يوجب اقوائيّة الوجوب في الراجح من الوجوب في المرجوح؛ لأنّ اقوائيّة الوجوب إنّما تتحقّق باقوائيّة المصلحة في أحد الطرفين، و هي منتفية على الفرض، و مجرّد كون أحدهما أقرب الطرق لا يوجب تقديمه على غيره.

[2] لمّا بيّن أنّ مقتضى القاعدة هو حكم العقل بالتخيير بناء على السببيّة قال بعد ذلك: إنّا لا نقول في حجّية الأمارات بالسببيّة كي نلتزم بأصالة التخيير في المتعارضين، بل نستظهر من الأدلّة أنّها تكون حجّة من باب الطريقيّة، و لازم مسلكنا هذا القول بالتوقّف في المتعارضين.

[3] أي من الأدلّة الاجتهاديّة كتعارض البيّنتين.

[4] أي الظاهر من أدلّة حجّية الأخبار و الأدلّة التي بيّنت حكم تعارض الأخبار كالأخبار العلاجيّة، كون حجّية الأخبار و الأمارات من باب الطريقيّة. أمّا ظاهر أدلّة حجّية الأخبار فلأنّ المستفاد منها وجوب العمل بخبر العدل أو الثقة معلّلا بأنّ في غيره يحتمل الوقوع في الندم، و لو كان الأخبار حجّة من باب السببيّة، فلا معنى للوقوع في الندم؛ لأنّه لا يفوت منه شي‏ء كي يقع في الندم. و أمّا ظاهر الأخبار العلاجيّة فإنّ ذكر المزايا فيها دليل على أنّ اعتبار الخبر يكون من باب الأقربيّة إلى الواقع، و هي تتصوّر بناء على الطريقيّة، و أمّا على السببيّة فلا معنى لأن يكون أحدهما أقرب إلى الواقع، بل كلّ منهما هو الواقع.

[5] أي الأدلّة التي وردت في بيان أحكام تعارض الأخبار المسمّاة بالأخبار العلاجيّة.

38

كونها [1] من باب الطريقيّة، و لازمه [2] التوقّف و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما [3] أو أحدهما [4] المطابق للأصل،

____________

[1] خبر لقوله: «إنّ الظاهر»، أي الظاهر من أدلّة حجّية الأخبار و أدلّة حكم تعارض الأخبار كون الأخبار حجّة من باب الطريقيّة.

[2] أي لازم كون الأصل حجّة من باب الطريقيّة التوقّف بمقتضى الأصل الأوّلي.

[3] بناء على أنّ الأصل مرجع، و على هذا فيؤخذ بالأصل المطابق لأحد المتعارضين بعد تساقطهما بالتعارض.

إن قلت: إنّه لا وجه لتقييد الأصل بعد سقوط المتعارضين بكونه مطابقا لأحد المتعارضين، فإنّ المرجع بعد التعارض يكون هو الأصل، سواء كان مطابقا لأحد المتعارضين أم لا.

قلت: إنّ ما ذكرت إنّما يكون تامّا بناء على أنّ الأصل الأوّلي في المتعارضين التساقط، و أمّا بناء على أنّه التوقّف كما هو مبنى الشيخ، فلا بدّ أن يكون المرجع هو الأصل المطابق لأحدهما؛ إذ الأصل المخالف لكليهما يدلّ على حكم ثالث، و هو منفي على مسلك التوقّف؛ لما عرفت أنّه بناء هذا المسلك يكون المتعارضان ساقطين في الجملة، أي بالنسبة إلى خصوص المؤدّى لكلّ من المتعارضين، و لكنّهما يتّفقان في نفي الثالث، فيكون الأصل المخالف لكلا المتعارضين منفيّا بالدلالة الالتزاميّة لكلّ من المتعارضين.

و ملخّص الكلام: أنّ الحكم الثالث منفي بالمدلول الالتزامي للمتعارضين، و معه لا يصل المجال إلى الأصل. نعم، بالنسبة إلى الأصل المطابق لأحد الخبرين سقط المتعارضان عن الاعتبار، فيكون الأصل حجّة بلا مزاحم له.

[4] أي الرجوع إلى أحد المتعارضين المطابق للأصل. و هذا إنّما يكون بناء على أنّ الأصل مرجّح فيكون الخبر الموافق لهذا الأصل ذا مرجّح، فيؤخذ به‏

39

إلّا أنّ [1] الدليل الشرعي دلّ على وجوب العمل بأحد المتعارضين في الجملة [2]، و حيث كان ذلك [3] بحكم الشرع، فالمتيقّن [4] من التخيير هو صورة تكافؤ الخبرين، أمّا مع مزيّة أحدهما على الآخر فالمتيقّن جواز العمل بالراجح، و أمّا العمل بالمرجوح فلم يثبت، فلا يجوز الالتزام به [5]،

____________

و يطرح الآخر.

[1] ملخّص كلامه: أنّ مقتضى الأصل الأوّلي و إن كان هو التوقّف في المتعارضين، إلّا أنّ الدليل الشرعي قام على منع التوقّف عن العمل بالمتعارضين، و وجوب العمل بأحدهما.

[2] و ذلك لعدم إطلاق في أدلّة الحجّية بأنّه يجب العمل بأحد المتعارضين، سواء كان له مرجّح على الآخر أم لا، بل وجوب العمل ثابت بالدليل اللبّي فهو يثبت في الجملة، أي لا يعلم بأنّه مع وجود مزيّة في أحدهما يجوز العمل بالآخر أم لا.

[3] أي حيث كان وجوب الأخذ بأحد المتعارضين كان بالأدلّة الشرعيّة الدالّة على التخيير.

[4] لما عرفت من عدم إطلاق لأدلّة التخيير كي يحكم بمقتضاه على التخيير حتّى في صورة مزيّة في أحد المتعارضين، و إنّما ثبتت حجّية أحد المتعارضين في الجملة، فالقدر المتيقّن ثبوت التخيير عند تساوي المتعارضين.

[5] إذ يكون المقام من قبيل دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة؛ إذ الخبر الراجح إمّا حجّة تعيينا؛ لاحتمال أن يكون وجود المزيّة فيه موجبا لترجيحه على المرجوح، و إمّا حجّة تخييرا بناء على عدم كون المزيّة صالحة للترجيح، فعلى أي تقدير يكون الراجح حجّة قطعا، فالعمل به مبرئ للذمّة قطعا. و هذا بخلاف المرجوح، فإنّ حجّيته مع وجود الراجح مشكوك فيها فلا يؤخذ به.

40

فصار الأصل [1] وجوب العمل بالراجح، و هو أصل ثانوي، بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجّحا الترجيح به [2]، إلّا أن يرد عليه [3] إطلاقات التخيير؛ بناء على وجوب الاقتصار في تقييدها [4] على ما علم كونه مرجّحا.

____________

[1] أي الأصل الجاري في دوران الأمر بين التعيين و التخيير. و هو عبارة عن قاعدة الاشتغال.

[2] أي مقتضى قاعدة الاشتغال أيضا الترجيح بما يحتمل الترجيح به، كما إذا احتمل أن يكون موافقة الأصل مرجّحة، و ذلك بعين الملاك المتقدّم، و هو أنّ الأصل في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة هو التعيين، فإنّ ما يحتمل الرجحان فيه إمّا عدل ما لا يحتمل فيه، فيكون الواجب تخييريا، و إمّا يقدّم عليه، إذن فهو حجّة قطعا، و ما يقابله مشكوك الحجّية.

[3] أي أن يرد على الأصل- وجوب العمل بما يحتمل فيه الرجحان- إطلاقات أدلّة التخيير، فمعها لا يؤخذ بالأصل، إذ مع وجود الاطلاقات لا يصل المجال إلى الأصل العملي المذكور.

[4] أي في تقييد الإطلاقات، أي وجب الاقتصار في تقييد الاطلاقات على ما علم كونه مرجّحا فيؤخذ بالراجح فيما إذا علم بكونه مرجّحا، و يرجع فيما يحتمل ترجيحه إلى الإطلاقات الدالّة على الأخذ بالتخيير.

ملخّص ما أفاده الشيخ في المقام هو أنّ اللازم في الخبرين المتعارضين هو الأخذ بالراجح بمقتضى الأصل الثانوي، و التوقّف بمقتضى الأصل الأوّلي، بناء على الطريقيّة، و الأخذ بالتخيير بناء على القول بالسببيّة. و لكنّ الحقّ هو أنّ مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين التساقط لا التوقّف؛ و ذلك لأنّ شمول أدلّة الحجّية لكلا المتعارضين مستلزم للتعبّد بالمتناقضين، و شمولها لأحدهما بعينه ترجيح بلا مرجّح، و شمولها لأحدهما لا بعينه لا دليل‏

41

عليه، فيتعيّن القول بالتساقط، و على هذا فلا مجال للبحث عن التخيير و بسط الكلام فيه، و لكن لو أغمضنا عمّا ذكرناه و قلنا بعدم جواز طرح المتعارضين و تساقطهما فمقتضى القاعدة الأخذ بالراجح؛ لكونه متيقّن الحجّية، و طرح المرجوح لكونه مشكوك الحجّية. هذا كلّه على القول بالطريقيّة، و أمّا على القول بالسببيّة، فهل مقتضى القاعدة هو التخيير، أو الأخذ بالراجح؟ فنقول: إنّ التخيير المتصوّر في المقام أربعة أنحاء؛ إذ التخيير إمّا عقلي، أو شرعي، و على التقديرين إمّا التخيير واقعي، و إمّا ظاهري.

القسم الأوّل: ما كان التخيير واقعيا عقليّا، كالتخيير بين المتزاحمين، فإنّ المصلحة في كلّ من المتزاحمين موجودة، كإنقاذ الغريقين، إلّا أنّ المكلّف لا يتمكّن من امتثال كليهما، فلو كانت مزيّة في أحد المتزاحمين بمعنى أشدّية المصلحة، فيقدّم ذو المزيّة على الآخر. و أمّا لو كانت المزيّة بمعنى كون أحدهما أقرب الايصال إلى الواقع، كما هو كذلك في المقام، فهي لا توجب التقديم.

القسم الثاني: ما كان التخيير ظاهريا عقليّا، و مورده ما إذا كان المصلحة في أحدهما المعيّن في الواقع و لا يكون معيّنا عندنا، فمقتضى حكم العقل هو الأخذ بذي المزيّة، و ذلك كدوران الأمر بين التعيين و التخيير. و المتعارضان من هذا القبيل، فإنّ المصلحة تكون في أحدهما غير المعيّن عندنا، و العقل يحكم بالأخذ بأحدهما تخييرا عند تكافؤهما، و بالأخذ بالراجح، أو بما يحتمل رجحانه عند وجود مزيّة في أحدهما.

القسم الثالث: ما كان التخيير واقعيّا شرعيّا، كالتخيير بين الخصال في كفّارة شهر رمضان. تارة نتكلّم مع وجود الإطلاق الدالّ على التخيير

42

الشرعي، و اخرى على تقدير عدمه.

و قد يستدلّ [1] على وجوب الترجيح: بأنّه لو لا ذلك [2] لاختلّ نظم‏

____________

أمّا على الأول فمقتضى الإطلاق هو الأخذ بالتخيير، سواء كان مزيّة في أحد الخبرين أم لا. و أمّا على الثاني فالمسألة داخلة في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الفرعيّة.

فإن قلنا بالاحتياط هناك نقول بالاحتياط في المسألة، و هو الأخذ بذي المزيّة، و إن قلنا بالبراءة عن التعيين هناك نقول هنا أيضا بالبراءة، و المختار في المسألة هي البراءة.

القسم الرابع: ما كان التخيير شرعيّا ظاهريّا، كالتخيير في الأدلّة و الطرق، فالحكم هو التخيير عند تكافؤهما و الأخذ بالراجح مع وجود الرجحان في أحد الطرفين؛ لأنّه من قبيل دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة.

و هنا قسم خامس من التخيير، و هو داخل في التخيير الواقعي العقلي، إلّا أنّه لا يكون من قبيل المتزاحمين، و هو ما إذا تعلّق الحكم بالطبيعة، فالتخيير بين الأفراد هو تخيير عقلي.

إذا عرفت هذه الأقسام، فالتخيير في المتعارضين على القول بالسببيّة من قبيل المتزاحمين، فالعقل يحكم بالتخيير، و المزيّة الموجودة في أحد المتعارضين تكون بمعنى أقرب الطرق إلى الواقع، فلا تصلح للترجيح في المتزاحمين، و إنّما المرجّح فيهما هو المزيّة بمعنى آكد مصلحة و هذه ليست بموجودة في المتعارضين.

[1] المستدلّ هو صاحب المفاتيح على ما حكي عنه.

[2] أي لو لم يكن الأخذ بالترجيح واجبا بأن وجب على المكلّف التوقّف في مورد الخبرين المتعارضين أو التخيير.

43

الاجتهاد [1]، بل نظام الفقه [2] من [3] حيث لزوم التخيير بين الخاصّ و العام، و المطلق و المقيّد، و غيرهما من الظاهر و النصّ [4] المتعارضين.

____________

هذا هو الوجه الخامس من الأدلّة التي اقيمت على وجوب الأخذ بالراجح، و هو محكيّ عن صاحب المفاتيح. بتقريب أنّه لو لم يؤخذ بالراجح من المتعارضين فلا بدّ من أحد الأمرين: إمّا التوقّف، أو التخيير، فيلزم منه أحد المحذورين: إمّا تعطيل الفقه رأسا كما في الأوّل، أو تأسيس فقه جديد كما في الثاني؛ إذ الأدلّة في أكثر مسائل الفقه إمّا مخصّصة أو مقيّدة، فلو لم يؤخذ بالراجح من الخاص و المقيّد و النصّ لزم التخيير بين العام و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و بين الظاهر و النصّ، و هو مستلزم لفقه جديد، و التوقّف مستلزم لتعطيل الفقه رأسا بأن لا يعمل بالعامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و الظاهر و النصّ، فلا يبقى شي‏ء يستنبط به الأحكام الشرعيّة.

[1] لأنّ الاجتهاد هو معرفة العامّ و الخاصّ، و حمل العامّ على الخاصّ، و لو قلنا بالتخيير بينهما لكان الأخذ بالعامّ جائزا، و هو يفيد خلاف المراد، و لم يتمكّن الفقيه من استنباط الأحكام الشرعيّة.

[2] أي يلزم تأسيس فقه جديد من الالتزام بالتخيير بين الدليلين المتعارضين.

[3] كلمة «من» للنشئيّة، أي الاختلال في الفقه ينشأ من لزوم التخيير.

[4] و هو كما إذا كانت النسبة بين الدليلين التباين، لكن أحدهما نصّ في المراد و الآخر ظاهر فيه، فإنّ التخيير بينهما و عدم حمل الظاهر على النصّ يوجب الاختلال في نظم الاجتهاد، كما إذا ورد «اغتسل للجمعة»، فإنّه ظاهر في وجوب غسل الجمعة، ثمّ ورد «لا يعاقب على ترك غسل الجمعة»، فإنّه نصّ في عدم وجوب غسل الجمعة، و هو يكون قرينة على حمل الأمر بالغسل على الاستحباب، و لو لم يقدّم النصّ على الظاهر و حكم بالتخيير

44

و فيه [1]: أنّ الظاهر خروج مثل هذه المعارضات عن محلّ النزاع، فإنّ الظاهر لا يعدّ معارضا للنصّ، إمّا لأنّ العمل به [2] لأصالة عدم الصارف المندفعة بوجود النصّ، و إمّا لأنّ ذلك [3] لا يعدّ تعارضا في العرف. و محلّ‏

____________

بينهما لاختلّ نظام الفقه و الاجتهاد.

[1] و ملخّص ما أجاب به المصنّف (قدس سره): أنّ الأخذ بالخاصّ و المقيّد و النصّ ليس من باب الأخذ بالراجح في الخبرين المتعارضين؛ لأنّ مثل هذه المعارضات خارجة عن محلّ النزاع؛ لكون التعارض فيها بدويّا، بحيث يزول بأدنى تأمّل، فإنّ النصّ و الظاهر و نظائرهما لا تكون من أقسام المتعارضين، إمّا لأجل أنّ حجّية الظهور متوقّفة على عدم وجود قرينة على خلافه، و النصّ قرينة على خلاف الظهور، أو من جهة أنّ العرف لا يرى تنافيا بينهما.

و المصنّف اقتصر على ذكر النصّ و الظاهر، و لم يتعرّض للجواب عن العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، اعتمادا على وضوحه بعد ذكر الجواب عن تعارض النصّ و الظاهر.

[2] أي العمل بالظاهر إنّما يجوز لأجل جريان أصالة الظهور، و أصالة عدم القرينة. و ملخّص ما ذكره في وجه عدم التعارض بين الظاهر و النصّ: هو أنّ العمل بالظاهر متوقّف على جريان أصالة عدم قرينة صارفة عن هذا الظاهر المسمّاة بأصالة الظهور، و مع وجود النصّ يندفع الأصل المذكور، و مع عدم جريانه لا ينعقد الظهور كي يكون معارضا للنصّ. و أمّا العمل بالنصّ فلا يتوقّف على أي شي‏ء.

[3] أي تعارض النصّ و الظاهر تعارض بدوي يزول بأدنى تأمّل، و هما لا يعدّان من المتعارضين عند العرف كسائر موارد القرينة و ذي القرينة. و ملخّصه: أنّ موارد الجمع العرفي- كالتعارض بين العامّ و الخاصّ، و بين المطلق و المقيّد،

45

النزاع [1] في غير ذلك. و كيف كان [2] فقد ظهر [3] ضعف القول المزبور و ضعف دليله المذكور له [4]، و هو [5] عدم الدليل على الترجيح بقوّة

____________

و بين الظاهر و النصّ- ليست تعارضا في نظر العرف.

[1] أي محلّ النزاع في أنّ أي الخبرين المتعارضين يقدّم على الآخر في غير النصّ و الظاهر اللذين هما من موارد الجمع العرفي. و الحاصل: أنّ محلّ النزاع في تقديم الراجح على المرجوح و عدمه و هو لا يجري في مثل الظاهر و النصّ؛ لأنّ محلّ النزاع في المتعارضين و موارد الجمع العرفي خارج عن التعارض تخصّصا.

[2] أي سواء تمّ هذا الوجه الأخير لوجوب تقديم الراجح أم لم يتمّ.

[3] أي قد ظهر من ملاحظة سائر الأدلّة التي ذكرناها لوجوب الأخذ بالراجح ضعف القول بعدم وجوب الأخذ بالراجح، فإنّ القول المذكور مردود بالأدلّة المذكورة.

[4] أي قد ظهر ضعف الدليل المذكور للقول بعدم الأخذ بالراجح، و هو كان عبارة عن إطلاق أدلّة التخيير، و أصالة البراءة عن الراجح.

أقول: إنّ إيراده على أصالة البراءة صحيح، فإنّها لا تجري في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الاصوليّة، بل المحكم فيه قاعدة الاشتغال، و أمّا إطلاقات أدلّة التخيير كما هو اعترف به بقوله: «إلّا أن يرد إطلاقات التخيير ...»، فإنّها تامّة و معها لا تجري قاعدة الاشتغال الحاكمة على الأخذ بالراجح، إلّا أن يقال: إنّ الإجماع القطعي قائم على الأخذ بالراجح، و هو يخصّص إطلاقات أدلّة التخيير.

[5] أي الدليل المذكور على عدم وجوب الأخذ بالراجح هو عدم الدليل عليه، فتجري أصالة البراءة عن وجوب الأخذ به.

46

الظنّ. و أضعف من ذلك [1] ما حكي [2] عن النهاية، من احتجاجه بأنّه لو وجب الترجيح بين الأمارات في الأحكام لوجب عند تعارض البيّنات.

و التالي باطل [3]؛ لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين. و أجاب عنه [4] في محكي النهاية و المنية لعميد الدين: بمنع بطلان التالي، و أنّه يقدّم شهادة الأربعة على الاثنين سلّمنا [5]، لكن عدم الترجيح في الشهادة ربّما كان مذهب أكثر الصحابة، و الترجيح هنا مذهب الجميع، انتهى.

____________

[1] أي أضعف من القول المزبور و من دليله. وجه الأضعفيّة هو أنّ العمل بالأخبار من باب إفادتها الظنّ، و أمّا العمل بالبيّنات، فإنّما هو من باب التعبّد الشرعي و إن لم تفد الظنّ.

[2] أقول: إنّ قوله: «ما حكي عن النهاية» إشارة إلى وجه ثالث؛ لعدم لزوم الأخذ بالراجح.

[3] أي تقديم الراجح في البيّنات ممنوع، و لو شهدت أربعة عدول على أنّ الدار لزيد، و شهد عدلان بأنّها لعمرو، فلا تقدّم شهادة الأربعة على شهادة الاثنين، بل تجري عليهما أحكام التعارض. و هذا الجواب في الحقيقية جواب نقضيّ على القائل بلزوم الأخذ بالخبر الراجح، و قبله جوابان حلّيان عنه.

الجواب الأوّل: هو إطلاقات أدلّة التخيير. الجواب الثاني: عدم الدليل على الترجيح بمجرّد قوّة الظنّ، و ما حكي عن النهاية يكون جوابا ثالثا عنه.

[4] أي عن الإشكال على تقديم الراجح. و الجواب المحكيّ عن النهاية يرجع إلى وجهين:

الأوّل: إنّا نسلّم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين. هذا هو الجواب الأوّل.

[5] هذا إشارة إلى الوجه الثاني من جوابه، أي لو سلّمنا عدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين، لكن هو لا يكون دليلا على عدم الترجيح في الأمارات في‏

47

و مرجع الأخير [1] إلى أنّه لو لا الإجماع حكمنا بالترجيح في البيّنات أيضا. و يظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا [2]، فإنّا لو بنينا على حجّية البيّنة من باب الطريقيّة [3]، فاللازم مع التعارض التوقّف [4] و الرجوع إلى ما يقتضه الاصول في ذلك المورد من التحالف [5]، أو القرعة، أو غير ذلك [6].

____________

الأحكام؛ إذ عدم التقديم هناك كان مذهب أكثر الصحابة و الترجيح في المقام مذهب الجميع و لا يقاس أحدهما بالآخر.

[1] أي مرجع الوجه الأخير من الوجهين اللذين ذكر العدم وجوب الأخذ بالراجح إلى أنّه لو لا قيام الإجماع على عدم الأخذ بالراجح في البيّنات لحكمنا بالأخذ بالراجح فيها أيضا، كما حكمنا به في الأمارات في الأحكام. إلّا أنّ الإجماع قام بعدم الأخذ بالراجح في البيّنات، و مراده من الإجماع هو أكثر الصحابة، و أجيب عنه بأنّ الذي استظهره الشيخ من عبارة النهاية خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر منها أنّ وجوب الأخذ بالراجح في الأمارات في الأحكام لأجل قيام الإجماع عليه، لا أنّه مقتضى القاعدة. و أمّا وجوب الأخذ بالراجح في البيّنات فإنّه ليس بإجماعيّ و إنّما هو مختار الأكثر، كما عرفت.

[2] لما استظهر الشيخ من عبارة النهاية و المنية أنّهما يقولان أنّ مقتضى القاعدة في البيّنات أيضا الترجيح، و إنّما رفعنا اليد عنها بالإجماع أو رد عليهما بأنّك قد عرفت ممّا ذكرنا سابقا أنّ مقتضى القاعدة عدم الترجيح، إلّا أن يقوم الدليل على خلافها، كما قام الإجماع عليه في الأمارات.

[3] من هنا شرع في بيان حكم تعارض البيّنات.

[4] لأنّ شمول أدلّة الحجّية لاحداهما المعيّنة لا دليله عليه و لكلتيهما تعبّد بالمتناقضين، فلا بدّ من التوقّف في العمل بهما، و الرجوع إلى القواعد الآخر.

[5] من باب التفاعل بأن يحلف كلّ من المدّعي و المنكر.

[6] كالرجوع إلى قاعدة العدل و الإنصاف.

48

و لو بنى على حجّيتها [1] من باب السببيّة و الموضوعيّة، فقد ذكرنا: أنّه لا وجه للترجيح بمجرّد أقربيّة أحدهما إلى الواقع؛ لعدم تفاوت الراجح و المرجوح في الدخول فيما دلّ على كون البيّنة سببا للحكم على طبقها، و تمانعهما مستند إلى مجرّد سببيّة كلّ منهما، كما هو المفروض [2]، فجعل أحدهما [3] مانعا دون الآخر لا يحتمله العقل. ثمّ إنّه يظهر من السيّد الصدر- الشارح للوافية- الرجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير أو التوقّف أو الاحتياط [4]،

____________

[1] أي على حجّية البيّنات.

[2] أي المفروض أنّ كلّا من البيّنتين مشتمل على مصلحة فيه، فيجب العمل بكلّ منهما تعيينا، و كلّ منهما سبب لإيجاد المصلحة، و التمانع و التنافي بينهما إنّما هو لأجل أنّ كلّا منهما سبب لجعل الحكم الشرعي و تحقّق المصلحة فيه، و بمجرّد هذا التمانع الناشئ من سببيّة كلّ من البيّنتين لوجوب العمل به يحكم العقل بالتخيير، سواء كانت إحدى البيّنتين أقرب إيصالا إلى الواقع أم لا؛ لأنّه لا واقع إلّا مؤدّى كلّ من البيّنتين.

[3] أي جعل الراجح من البيّنتين مانعا عن العمل بالبيّنة الاخرى دون المرجوح منهما غير محتمل عقلا؛ إذ الرجحان بمعنى أقرب الطرق لا يكون موجبا للتقديم بناء على السببيّة. هذا تمام الكلام في الأدلّة التي استدلّ بها للقول بعدم لزوم الأخذ بالراجح، و أنّ الأدلّة التي استدلّوا بها على لزوم الأخذ به غير خالية عن النقاش.

[4] ظاهر العبارة لا يخلو عن تشويش، فإنّ الترديد المذكور في كلامه (قدس سره) لعلّه سهو من النسّاخ؛ إذ ليس في العبارة التي حكاها عن السيّد الصدر ترديد، و كيفما كان فالمقصود واضح، و هو التخيير في الخبرين المتعارضين في مقام‏

49

و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، حيث قال [1]- بعد إيراد الإشكالات على العمل بظاهر الأخبار [2]-: «إنّ الجواب عن الكلّ [3] ما أشرنا إليه: من أنّ الأصل التوقّف في الفتوى [4]، و التخيير في العمل [5] إن لم يحصل من دليل آخر العلم بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع، و أنّ الترجيح [6] هو الفضل و الأولى»،

____________

العمل، و التوقّف و الاحتياط في مقام الفتوى، و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب.

[1] أي قال السيّد الصدر.

[2] أي بعد ذكر الإشكالات الواردة على أخبار الترجيح، و نحن نذكر بعضها، منها: أنّ مخالفة العامّة لا توجب الرجحان لإمكان صدور الخبر المخالف لهم، و للواقع تقيّة من سلطان لا يبالي بالدين. و منها: أنّ العرض على الكتاب إن اريد منه العرض على نصّه فلا ثمرة فيه للاستغناء حينئذ عن الخبر، و إن اريد العرض على ظاهره فلا يوجب الرجحان؛ لاحتمال إرادة خلاف الظاهر، فيكون الخبر المخالف لظاهره موافقا للواقع، و غيرهما من الإشكالات.

[3] أي الجواب عن جميع الإشكالات الواردة على أخبار الترجيح.

[4] أي لا يفتي بحجّية أحد الخبرين المتعارضين تعيينا.

[5] أي هو مخيّر بأن يعمل بأحد الخبرين المتعارضين عند عدم العلم بمطابقة أحد الخبرين للواقع، و إلّا فيعمل بما هو مطابق للواقع، و يطرح ما يعلم أنّه مخالف للواقع.

[6] أي ترجيح أحد الخبرين على الآخر هو المستحبّ.

و الحاصل: أنّه (قدس سره) أورد الإشكالات على المشهور القائلين بالترجيح بمقتضى الأخبار الدالّة على الأخذ بالراجح، و بعد ذكر الإيرادات على أخبار

50

و لا يخفى بعده [1] عن مدلول أخبار الترجيح. و كيف يحمل الأمر بما [2] يخالف العامّة و طرح ما [3] وافقهم على [4] الاستحباب، خصوصا مع التعليل [5] ب «أنّ الرشد في خلافهم»،

____________

الترجيح حمل الأخبار على الاستحباب.

[1] أي بعد الاستحباب عن مدلول أخبار الترجيح، فلا يصحّ حملها على الاستحباب. و ملخّص الكلام أنّ شيخنا الأعظم (قدس سره) قد أجاب عن السيّد الصدر بوجوه ستّة:

الأوّل: ما أشار إليه بقوله: «و كيف يحمل الأمر ...». و ملخّصه: أنّ الأخبار الدالّة على الأخذ بالراجح تأبى عن الحمل على الاستحباب.

[2] أي كيف تحمل على الاستحباب الأخبار الدالّة على الأخذ بما يخالف العامّة كقوله (عليه السلام): «ما خالف العامّة فيؤخذ به»، فإنّ ظاهر هذه الأخبار تعيّن العمل بما يخالف العامّة؛ لأنّه أقرب إلى الحقّ لعدم احتمال التقيّة فيه.

[3] أي كيف يحمل الأمر بطرح ما وافق العامّة على الاستحباب، كقوله: «ما خالف الكتاب، و وافق العامّة فيترك»، فإنّه ظاهر في تعيّن الأخذ به، و لزوم طرح الخبر الموافق لهم؛ و ذلك لاحتمال التقيّة فيه.

[4] الجار متعلّق بقوله: «يحمل ...».

و الحاصل: أنّ الظاهر من الأخبار الدالّة على الترجيح أنّها في مقام تمييز الحجّة عن اللّاحجّة بأنّ الموافق لهم لا يكون حجّة، و إنّما الحجّة هو المخالف لهم، و لا معنى لحملها على الاستحباب.

[5] هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجوه التي أجاب بها الشيخ عن السيّد الصدر (قدس سره). وجه الخصوصيّة: هو أنّ معنى أنّ الرشد في خلاف العامّة أنّ وفاقهم ضلال، فهو يدلّ على أنّ الخبر الموافق لهم يوجب الضلال، و معه‏

51

و أنّ [1] «قولهم في المسائل مبنيّ على مخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما يسمعونه منه»، و كذا [2] الأمر بطرح الشاذّ النادر،

____________

كيف يمكن حمل أخبار الترجيح على الاستحباب.

[1] عطف على قوله: «التعليل ...»، أي مع أنّ قول العامّة ...، و هذا إشارة إلى الوجه الثالث من الوجوه التي أجاب بها الشيخ عن السيّد الصدر.

و ملخّصه: كيف يحمل الأخبار الدالّة على طرح ما خالفهم على الاستحباب، مع أنّ قول العامّة مبنيّ على مخالفة الأمير (عليه السلام) في المسائل التي يسمعونها منه (عليه السلام)، حيث إنّهم كانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السلام) ما لا يعلمون، و كانوا يخالفون ما قال به (عليه السلام)، و الشيخ (قدس سره) أشار بهذا إلى ما روي في الوسائل في كتاب القضاء، في باب وجوب الجمع بين الأحاديث المختلفة عن أبي إسحاق، رفعه قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ تدري لم امرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة؟

فقلت: لا أدري.

فقال: إنّ عليّا (عليه السلام) لم يكن يدين بدين اللّه إلّا خالف عليه الامّة، إلى غيره، إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الشي‏ء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّا من عندهم، ليلتبسوا على النّاس‏ (1).

فتلخّص: أنّ الأمر بما خالف العامّة إنّما كان لأجل أنّهم أخذوا ضدّ الحقّ، فيكون ما يوافقهم باطلا. و معه كيف يمكن حمل الأخبار الدالّة على طرح ما يوافقهم على الاستحباب.

[2] هذا إشارة إلى الوجه الرابع من الوجوه التي أجاب بها الشيخ عن السيّد الصدر.

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 24.

52

و بعدم [1] الاعتناء و الالتفات إلى حكم غير الأعدل و الأفقه من الحكمين.

مع أنّ في [2] سياق تلك المرجّحات موافقة الكتاب و السنّة و مخالفتهما،

____________

و ملخّصه: أنّ بعض أخبار الترجيح يدلّ على الأخذ بالمشهور، و طرح الشاذّ النادر كقوله (عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النادر»، فكيف يمكن أن يقال: إنّ الأخذ بما اشتهر راجح؛ إذ معناه جواز الأخذ بالشاذّ النادر. و الحال أنّه مسلّم البطلان؛ إذ المراد بما اشتهر هو الخبر المقطوع، فإنّ الشهرة بمعنى الوضوح فما يقع في مقابل الوضوح يكون مسلّم البطلان.

[1] هذا إشارة إلى الوجه الخامس من الوجوه التي أجاب بها الشيخ عن السيّد الصدر، أي الأمر بعدم الاعتناء و الالتفات إلى حكم غير الأعدل و الأفقه، حيث قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث، و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر». ملخّص كلامه أنّه كيف يحمل الأمر بعدم الاعتناء بحكم هؤلاء على الرجحان، مع أنّه صرّح (عليه السلام) بعدم الالتفات إلى الحاكم غير الأعدل و أمثاله.

[2] هذا إشارة إلى الوجه السادس من الوجوه التي أجاب بها عن السيّد الصدر.

و ملخّصه: أنّ الأخبار الدالّة على الترجيح في سياق الأخبار الدالّة على وجوب الأخذ بالخبر الذي هو موافق للكتاب و السنّة، و وجوب طرح الخبر الذي هو مخالف للكتاب و السنّة، كقوله (عليه السلام): «فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة، و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف الكتاب و السنّة».

و من الواضح أنّ الأمر بالأخذ بما يوافق الكتاب و السنّة، و كذا الأمر بطرح ما يخالف الكتاب و السنّة لا يحمل على الاستحباب، فإنّ مخالف الكتاب و السنّة مقطوع الفساد، فيكون طرحه واجبا، و كذا يكون الأخذ بما يوافق الكتاب و السنّة واجبا، فيحمل باقي أخبار الترجيح أيضا على وجوب الأخذ

53

و لا يمكن حمله على الاستحباب، فلو حمل غيره عليه لزم التفكيك، فتأمّل [1].

و كيف كان، فلا شكّ أنّ التفصّي عن الإشكالات الداعية له [2] إلى ذلك أهون [3] من هذا الحمل؛

____________

بالمرجّحات، و ذلك بمقتضى وحدة السياق؛ إذ لو حمل غير هذه الأخبار من الأخبار الدالّة على الترجيح على الاستحباب لزم التفكيك بين المرجّحات المتّحدة سياقا.

[1] لعلّه إشارة إلى أنّ التفكيك بين السياق إذا قام دليل عليه لا بأس به، و لقائل أن يقول: إنّ في خصوص موافقة الكتاب و السنّة و مخالفتهما قامت القرينة على حمل الأمر بالأخذ بالموافق لهما، و الأمر بطرح ما يخالفهما على اللزوم فنأخذ به، و يحمل باقي أخبار الترجيح على الاستحباب.

و الحاصل: أنّه بعد تماميّة الإشكالات على أخبار الترجيح تحمل الأخبار المذكورة على الاستحباب، إلّا الأخبار الدالّة على الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة، فيحمل خصوص هذه الأخبار على الوجوب، و التفكيك في السياق في أمثال المقام لا مانع منه.

[2] أي الداعية للسيّد الصدر إلى حمل أخبار الترجيح على الاستحباب.

[3] خبر لقوله: «إنّ التفصّي»، أي التفصّي عن الإشكالات، و الجواب عنها أسهل من حمل أخبار الترجيح على الاستحباب. و ملخّصه: أنّ الذي صار داعيا للسيّد الصدر أن يحمل أخبار الترجيح على الاستحباب وجود الإشكالات الواردة على أخبار الترجيح، فالأمر يدور بين الالتزام بالإشكالات، و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، كما فعله السيّد الصدر، و بين دفع الإشكالات عن أخبار الترجيح، و حملها على وجوب الترجيح، فإنّ الثاني- و هو دفع الإشكالات- أسهل من الأوّل، و هو حمل أخبار الترجيح على‏

54

لما عرفت [1]: من عدم جواز الحمل على الاستحباب. ثمّ لو [2] سلّمنا دوران الأمر بين تقييد أخبار التخيير و بين حمل أخبار الترجيح على‏

____________

الاستحباب. وجه الأهونيّة هو ما عرفت من أنّ أخبار الترجيح آبية عن الحمل على الاستحباب.

[1] أي إنّما قلنا بأنّ الجواب عن الإشكالات أسهل من حمل أخبار الترجيح على الاستحباب؛ لأنّ حملها على الاستحباب غير تامّ، كما عرفت من أنّها آبية عن الحمل على الاستحباب بوجوه ستّة ذكرها الشيخ (قدس سره).

[2] هذا جواب عن سؤال مقدّر، و هو أنّ أخبار التخيير حيث إنّها وردت في مقام البيان و الحاجة فهي أيضا آبية عن تقييدها بأخبار الترجيح، فيتعيّن حمل أخبار الترجيح على الاستحباب.

و أجاب عنه المصنّف بوجوه:

الأوّل: ما أشار إليه بكلمة «لو»، أي نمنع أن تكون أخبار الترجيح قابلة لحملها على الاستحباب.

الثاني: لو سلّمنا أنّها قابلة للحمل على الاستحباب، فالأمر يدور بين تقييد أخبار التخيير بالأخبار الدالّة على الترجيح، فتكون أخبار التخيير باقية على ظاهرها في وجوب الترجيح و بين حمل أخبار الترجيح على الاستحباب.

بدعوى أنّ أخبار التخيير لورودها في مقام الحاجة و البيان آبية عن التخصيص، فيكون تقييد أخبار التخيير أولى؛ إذ مجرّد كون أخبار الترجيح واردة في مقام البيان لا يمنع من كونها قابلة للتقييد. هذا أوّلا. و ثانيا: أنّ التقييد راجح على سائر التصرّفات في الظاهر؛ و ذلك لأجل أنّ التقييد في باب المطلقات أغلب من سائر التجوّزات.

الثالث: لو تنزّلنا عمّا ذكرناه، و قلنا إنّ تقييد أخبار التخيير ليس بأقوى من‏