تنقيح الأصول‏ - ج3

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
652 /
1

تنقيح الاصول الجزء الثانى‏

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه الموسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره)

تأليف‏

آية اللَّه الشيخ حسين التقوى الاشتهاردى‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى (قدس سره)

2

هوية الكتاب‏

* اسم الكتاب: ... تنقيح الأصول/ ج 3*

* المؤلف: ... حسين التقوي الإشتهاردي*

* تحقيق و نشر: ... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: ... خرداد 1377- صفر المظفر 1419*

* الطبعة: ... الاولى*

* المطبعة: ... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: ... 3000 نسخة*

* السعر: ...*

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه ربِّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا خاتم الأنبياء و المرسلين محمّدٍ- (صلى الله عليه و آله) أجمعين- و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين.

و بعدُ:

فهذه من إفادات مولانا الأفخم و استاذنا الأعظم آية اللَّه العظمى الحاجّ آغا روح اللَّه الموسوي الخُميني- أدام اللَّه أيّام إفاداته و إفاضاته- بذلتُ جهدي لضبطها- بدون زيادة أو نقصان- كما أفاده؛ ليستفيد منها الطالب، و يكون ذخراً ليوم فقري و فاقتي. و به أستعين:

قال الشيخ الأعظم (قدس سره) في «الفرائد»: اعلم أنّ المكلَّف إذا التفت إلى‏ حكمٍ شرعيٍّ: إمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشكّ.

ثمّ بيَّن أقسام الشكّ و مجاري الاصول العمليّة (1).

و عدل المحقِّق صاحب الكفاية (قدس سره) عن تثليث الأقسام، و قال:

إنّ البالغ الذي وُضع عليه القلم إذا التفت إلى‏ حكمٍ شرعيٍّ فعليٍّ واقعيٍّ أو ظاهريّ: فإمّا أن يحصل له القطع أو لا.

____________

(1)- فرائد الاصول: 2.

6

ثمّ بيّن أقسام الشكّ و مجاري الاصول‏ (1).

و إنّما عدل عمّا صنعه الشيخ (قدس سره) لتداخل الأقسام بعضها في بعض فيما صنعه، فإنّ الظنّ إن قام دليل شرعيّ على اعتباره فهو داخل في القطع، و إلّا فهو داخل في الشكّ، و يجري عليه أحكامه، و لعدم اختصاص متعلّق القطع بالأحكام الواقعيّة فقط.

ثمّ قال: و إن أبيت إلّا عن تثليث الأقسام فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف: إمّا أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني: إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا ... إلى‏ آخر ما ذكره (قدس سره)(2).

و يرد على كلا الطريقين: أنّه إن اريد بالقطع القطع التفصيلي فقط، فلا يلتزمان 0 بذلك؛ لوقوع البحث عن أحكام العلم الإجمالي في هذا الباب، و إن اريد به الأعمّ من القطع التفصيلي و الإجمالي يرد عليه: أنّه لا يُناسبه- حينئذٍ- جَعْلُ باب الانسداد على الحكومة في قبال باب القطع؛ لوضوح أنّ من مقدّمات باب الانسداد العلمَ الإجمالي بوجود التكاليف، غاية الأمر أنّه لا يجب الإتيان بجميع أطراف العلم الإجمالي للزوم العُسْر و الحرج المنفيين. و كذلك لا يُناسبه جعل باب الاشتغال باباً على حدة فيما لو تعلّق القطع بالحكم، لا الحجّة، فإنّه من أقسام القطع الإجمالي، في قبال باب القطع و كذلك موارد التخيير في غير موارد دوران الأمر بين المحذورين، فإنّ المناسب- حينئذٍ- ذكر هذه المباحث في باب القطع.

و لا محيص عن هذه الإشكالات إلّا بالالتزام: بأنّ المقصود من ذكر هذه الأقسام في صدر الكتاب هو بيان ما يُبحث عنه في الكتاب إجمالًا، لا تحقيق بيان مجاري الاصول العمليّة و غيرها، كما ذكره المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره)(3).

____________

(1)- كفاية الاصول: 296.

(2)- كفاية الاصول: 296- 297.

(3)- أجود التقريرات 2: 3.

7

لكن لا يخفى‏ ما فيه، فإنّهما 0 في ذلك بصدد بيان التحقيق في مجاري الاصول؛ و لذلك قيّدوا الحالة السابقة في مجرى الاستصحاب بالملحوظة.

فالأولى أن يُجعل القطعُ الأعمَّ من التفصيلي و الإجمالي، و إدخال المباحث الثلاثة المتقدّمة آنفاً في باب القطع، و يقال في التقسيم: إنّ المكلَّف إذا التفت إلى‏ حكمٍ شرعيٍّ: إمّا أن يحصل له القطع أو لا، و يُراد من متعلّق القطع خصوص الحكم الواقعي.

و على الثاني: إمّا أن يحصل له الظنّ الذي قام على اعتباره دليل أو لا. ثمّ يعقَّب ببيان مجاري الاصول، و أنّ مجرى البراءة هو الشكّ في التكليف مع عدم الحالة السابقة، و كذلك موارد التخيير في صورة دوران الأمر بين المحذورين، و مجرى الاستصحاب هو الشكّ في التكليف مع وجود الحالة السابقة، و نذكر المباحث الثلاثة المتقدّمة آنفاً في باب القطع.

و هذا الكتاب يشتمل على أبوابٍ و فصول:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

المطلب السادس الأمارات المعتبرة عقلًا و شرعاً

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الباب الأوّل في القطع و فيه فصول:

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الفصل الأوّل في أنّ مسألة القطع ليس من المسائل الكلاميّة

لأنّ موضوع علم الكلام هو الوجود (1)، و البحث عن الحُسْن و القُبْح في علم الكلام إنّما هو بالنسبة إليه تعالى‏؛ بمعنى‏ أنّه لا يصدر منه إلّا الحَسَن، و يمتنع صدور القبيح منه تعالى‏.

و ليس البحث عن مطلق الحُسْن و القُبْح من المباحث الكلاميّة، فلا ريب في أنّ هذا البحث من المباحث الاصوليّة؛ لما عرفت من أنّ مسائل كلّ علم: عبارة عن جملة من القضايا المتناسبة المتّحدة سنخاً، و هذه المبحث- أيضاً- من سنخها؛ لوقوع نتيجتها كبرى‏ لاستنباط الأحكام الشرعيّة، أو لأجل أنّ الموضوع لعلم الاصول هو الحجّة في الفقه، و هو كذلك.

____________

(1)- انظر شوارق الإلهام: 7- 8.

14

الفصل الثاني في صحّة إطلاق الحجّة على القطع‏

إنّ ما ذكروه: من عدم إطلاق الحجّة على القطع، بخلاف الظنّ، و أنّ الحجّة:

عبارة عن الوسط لإثبات حكم، و الظنّ كذلك؛ لأنّه يمكن أن يقال: «هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة حرام، فهذا حرام»، بخلاف القطع، فلا يقال في الكبرى: «و كلّ مقطوع الخمريّة حرام»؛ لأنّ الحرمة متعلّقة بنفس الخمر الواقعي، لا العلم به، فيقال: «هذا خمر، و كلّ خمر حرام، فهذا حرام» (1).

فيه: أنّ الحرمة في صورة الظنّ- أيضاً- متعلّقة بالخمر الواقعي، لا بمظنون الخمريّة، فعلى هذا يرد الإشكال في إطلاق الحجّة على الظنّ أيضاً.

و الحلّ: أنّ الحجّة ليست عبارة عن الوسط، فإنّ الحجّة في اصطلاح الاصوليّين: هو ما يحتجّ به، و يقع به الاحتجاج بين الموالي و العبيد (2)، و لا فرق بين القطع و الظنّ المعتبر في إطلاق الحجّة عليهما بهذا المعنى، فإنّ القطع- أيضاً ممّا يحتجّ به بين الموالي و العبيد، أو أنّه عذر للعبيد عند الموالي.

____________

(1)- انظر فرائد الاصول: 2 سطر 12.

(2)- انظر نهاية الأفكار 3: 80.

15

الفصل الثالث في أنّ بعض الخطابات لا تعمّ غير المجتهدين‏

لا ريب و لا شبهة في أنّ جميع المكلّفين مأمورون بالعمل بالأحكام الشرعيّة المستفادة من الخطابات الصادرة من الشارع المقدّس، كما أنّه لا ريب في أنّ استفادة الأحكام الشرعيّة و استنباطها من مداركها مختصّ بالمجتهدين و لا حظَّ للعوامّ في ذلك، و مع ذلك اختلفوا: في أنّ الخطابات الصادرة من الشارع، مثل:

(لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ)

(1)، هل هي متوجِّهة إلى‏ خصوص المجتهدين، أو أنّها تعمّ جميع المكلّفين، و أنّ كلّهم مخاطبون بها، لكن حيث إنّ العوامّ لا يتمكّنون من الاستنباط و الفحص عن الأدلّة و المعارضات و نحو ذلك، فالمجتهدون ينوبون عنهم في ذلك‏ (2). و لكن النتيجة تعمّ جميع المكلّفين؟

لكن الحقّ: هو الأوّل؛ فإنّه لا معنى لنيابة المجتهدين عنهم، و لم تقع تلك النيابة و الاستنابة إلى‏ الآن في الخارج، بل المخاطب بها هم المجتهدون فقط، القادرون على الاستنباط، و لكن الحكم الشرعي الذي يستنبطه المجتهد حكم كلّيّ يشترك فيه عامّة المكلّفين.

____________

(1)- تهذيب الأحكام 1: 8/ 11، وسائل الشيعة 1: 174، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.

(2)- انظر فرائد الاصول: 440، كفاية الاصول: 533- 534.

16

الفصل الرابع في المراد من وجوب متابعة القطع‏

إنّهم ذكروا: أنّه لا ريب في وجوب متابعة القطع و لزوم الحركة على طبقه‏ (1):

فإن أرادوا أنّه يجب العمل بنفس القطع من حيث إنّه صفة خاصّة، فإنّه مع حصول القطع بشي‏ء يتحقّق أمران:

الأوّل: الصفة النفسانيّة القائمة بنفس القاطع.

الثاني: ما تعلّق به القطع من الموضوعات الخارجيّة أو الأحكام الشرعيّة.

فإن اريد من ذلك: وجوب العمل على نفس صفة القطع وجوباً عقليّاً أو شرعيّاً، فلا معنى له، إذ لا معنى للعمل بصفة القطع لعدم قبولها ذلك.

و إن اريد العمل بالمقطوع- أي الذي تعلّق به القطع- و مرجعه إلى‏ وجوب طاعة المولى و عدم مخالفته، فهو من المسائل الكلاميّة لا ارتباط لها بما نحن فيه؛ لأنّه ليس من أحكام القطع و مسائله حتّى يبحث عنه في الاصول، بل اللازم ذكره فيه هو أنّ القطع حجّة بنفسه لا بجعل جاعل.

و العجب من المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) حيث ذكر أنّ المراد بالقطع في قولهم: «يجب العمل بالقطع» هو المقطوع؛ لأنّ طريقيّة القطع ذاتيّة (2)، فإنّ دليله هذا لا يُناسب مُدّعاه، و لا ارتباط له به، إلّا أن يُوجَّه: بأنّ المراد أنّ القاطع حيث لا يرى إلّا المقطوع، و لا يحتمل الخلاف حين القطع: يلزمه العمل به.

____________

(1)- فرائد الاصول: 2 سطر 11، كفاية الاصول: 297.

(2)- فوائد الاصول 3: 6.

17

الفصل الخامس حجيّة القطع و طريقيّته‏

إنّهم ذكروا- أيضاً- أنّ كاشفيّة القطع و حجّيّته غير قابلة للجعل؛ لأنّ كاشفيّته و حجّيته من ذاتيّاته، أو عين ذاته، أو من لوازم ذاته، و الذاتيّات و كذلك لوازم الذات غير قابلة للجعل التأليفي‏ (1).

أقول: لا يخفى ما في ذلك، فإنّ طريقيّة القطع و كذلك حجّيّته ليست عين ذاته، و لا من ذاتيّاته، و لا من لوازم ذاته؛ لا الذاتي في باب الإيساغوجي، و لا في باب البرهان؛ أي ما لا ينفكّ عنه‏ (2)، فيشمل لوازم الماهيّة، أمّا كاشفيّته و طريقيّته فلأنّها لو كانت كذلك لما تخلّف عن الواقع، و لما وقع الجهل المركَّب أبداً (3)، مع وقوعه كثيراً. نعم القطع طريق إلى‏ الواقع و كاشف عنه، و لا يحتمل خلافه حين القطع، فهو كاشف عند القاطع حين القطع، و الذاتي لا يمكن أن يكون ذاتيّاً بالنسبة إلى‏ شخص دون شخص، بل الذاتي ذاتيّ دائماً و بالنسبة إلى‏ الكلّ.

مضافاً إلى‏ أنّ ما ليس مجعولًا- بالجعل التأليفي، و لا بالجعل البسيط المستقلّ- من اللوازم، هو لوازم الماهيّة، لا مطلق اللازم، فإنّ لوازم الوجود ليست كذلك، فإنّ الإشراق من لوازم وجود الشمس، ليس مجعولًا بجعل ماهيّة الشمس،

____________

(1)- انظر فرائد الاصول: 2 سطر 12، كفاية الاصول: 297، فوائد الاصول 3: 6.

(2)- شرح المنظومة (قسم المنطق): 30 سطر 9.

(3)- يمكن الإشكال عليه: بأنّه في صورة عدم مطابقته للواقع ليس هو قطعاً في الواقع، و ينكشف عدمه في الواقع، فالمراد هو العلم الحقيقي و الواقعي، و هو لا ينفكّ عن الكاشفيّة حينئذٍ. المقرّر حفظه اللَّه.

18

بل هو معلول لوجودها في الخارج.

فوجه عدم مجعوليّة طريقيّة القطع: هو أنّ المراد بالجعل: إمّا الجعل التكويني، فهو خارج عن البحث، و إمّا الجعل التشريعي، فلا معنى له؛ لأنّه إن طابق الواقع فهو طريق إليه و كاشف عنه، و لا أثر لجعل الشارع له و لا وجه له، فلا معنى لجعل الطريقيّة له، و لا فائدة فيه، فإنّ جعل الطريقيّة له مثل جعل الطريقيّة للشكّ في أنّه لا يفيد فائدة، و كذلك جعل الظنّ طريقاً تامّاً بعد ما لم يكن كذلك.

هذا بالنسبة إلى‏ طريقيّته و كاشفيّته عن الواقع.

و أمّا حجّيّته فهي- أيضاً- ليست من ذاتيّات القطع، بل هي من أحكامه العقلائيّة التي يُحتجّ بها بين الموالي و العبيد.

ثمّ إنّه ذكر المحقّق الخراساني في «الكفاية»: أنّه بذلك- أي بأنّ الطريقيّة من لوازم ذاته، لا بجعل جاعل- انقدح امتناع المنع عن تأثيره- أيضاً- مع أنّه يلزم منه اجتماع الضدّين اعتقاداً مطلقاً و حقيقة في صورة الإصابة (1).

أقول: قد تقدّم في مباحث الألفاظ: أنّ ما هو المعروف بين الاصوليّين، و المفروغ عنه بينهم من التضادّ بين الأحكام‏ (2)، غيرُ صحيح؛ لأنّ الضدّين أمران وجوديّان‏ (3)، و الوجوب و الحرمة و غيرهما هي من الامور الاعتباريّة المنتزعة عن البعث و الزجر، و امتناعُ المنع عن العمل بالقطع إنّما هو لأجل ما تقدّم من أنّ تشخّص الإرادة بالمراد، و أنّه يستحيل تعلُّق إرادتين للبعث و الزجر أو البعث و الزجر بشي‏ء واحد، مضافاً إلى‏ لزوم لَغْويّة الحكم الأوّل لو نهى عن العمل بالقطع، و أنّه يلزم نقض الغرض، كما لا يخفى.

____________

(1)- كفاية الاصول: 297.

(2)- قوانين الاصول 1: 142 سطر 14، كفاية الاصول: 193، فوائد الاصول 2: 437.

(3)- الأسفار 2: 112.

19

الفصل السادس في مراتب الحكم‏

ذكر المحقّق في «الكفاية»- أيضاً- أنّ للتكليف مراتب أربعاً:

الاولى: مرتبة الاقتضاء؛ و هي مرتبة لحاظ المصالح و المفاسد.

الثانية: مرتبة الإنشاء؛ أي مرتبة الأمر و النهي.

الثالثة: مرتبة الفعليّة؛ و هي مرتبة إعلام المكلَّفين و إبلاغهم بالتكاليف المجعولة.

الرابعة: مرتبة التنجّز، و تتحقّق بعد علم المكلَّف بها و معرفته لها (1).

لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ مرتبة الاقتضاء ليست من مراتب الحكم؛ لأنّه ليس في هذه المرتبة حكم أصلًا، و لعلّ منشأ عدّ هذه من مراتب الحكم هو ما ذكره الفلاسفة من وجود المعلول في مرتبة العلّة (2)، و لذا قال أرسطو (3): إنّ العقل نفسٌ ساكن، و النفس عقل متحرّك، و إنّ العلّة حدّ تامّ للمعلول، و المعلول حدّ ناقص للعلّة، فالحكم المعلول للمصالح و المفاسد متحقّق في مرتبتهما، و لكنّه لا يتمّ فيما نحن فيه، فإنّ المعلول إنّما يوجد في مرتبة العلّة بنحو ما ذُكر في العلّة الفاعليّة، لا العلّة الغائيّة، و المصالح و المفاسد ليست علّة فاعليّة يصدر عنها الحكم، بل الحكم إنّما يصدر عن الحاكم، و المصالح و المفاسد غاية لذلك.

____________

(1)- كفاية الاصول: 297، حاشية فرائد الاصول، المحقق الخراساني: 36 سطر 4.

(2)- الأسفار 2: 212 و 394.

(3)- انظر أثولوجيا أفلوطين عند العرب: 136، 196.

20

و أمّا مرتبة التنجّز فهي- أيضاً- ليست من مراتب الحكم، فإنّ علم المكلّف و جهله لا يوجبان تغيُّراً في الحكم و مزيد حالةٍ فيه؛ لتكون مرتبة اخرى‏ غير المرتبة التي قبلها، بل العلم و الجهل ممّا لهما دَخْل في معذوريّة المكلّف و عدمها عند المخالفة، فليس للحكم إلّا مرتبتان:

مرتبة الإنشاء: مثل‏ «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)، و «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» (2)، و نحوهما ممّا له مُقيّدات و مُخصِّصات تُذكر تدريجاً، و استُعمل اللفظ في جميع العقود بالإرادة الاستعماليّة، لكنّه غير مُراد بالإرادة الجدّيّة، و ليست هذه أحكاماً فعليّة، و كما في الأحكام الصادرة من الشارع المقدّس، لكن لم يأمر بإبلاغها لمصالح فيه، كنجاسة أهل الخلاف، كما ذكره صاحب الحدائق‏ (3)، أو لمكان مفسدةٍ في إبلاغها.

و مرتبة الفعليّة: كوجوب الصلاة و نحوها.

____________

(1)- المائدة (5): 1.

(2)- البقرة (2): 275.

(3)- الحدائق الناضرة 5: 177.

21

الفصل السابع مبحث التجرّي‏

الأمر الأوّل: هل البحث عن التجرّي من المباحث الاصوليّة أم لا؟

لا بدّ أوّلًا: من بيان أنّه من المسائل الاصوليّة أولا؟

فنقول: إنّه ليس من المسائل الاصوليّة؛ لأنّ البحث فيه: إمّا عن حسن عقوبة المتجرّي من اللَّه تعالى‏ أو قبحه، فهو- حينئذٍ- من المسائل الكلاميّة.

و إمّا عن حرمته و عدمها، فهو- حينئذٍ- من المسائل الفقهيّة.

و المناط في المسألة الاصوليّة: هو وقوع نتيجتها كبرى‏ القياس في مقام استنباط الأحكام الفرعيّة، أو وقوعها حجّة في الفقه، و هي ليست كذلك.

و قد يقال في وجه جعله من المسائل الاصوليّة: إنّ البحث فيه إنّما هو عن قبح التجرّي و عدمه، لكنّه لقاعدة الملازمة بين حكم العقل و الشرع يستتبع حرمته شرعاً، و حينئذٍ فنتيجة إثبات قبحه تقع في طريق الاستنباط، و ليس المراد من المسألة الاصوليّة إلّا ذلك‏ (1).

____________

(1)- انظر حاشية فرائد الاصول، المحقق الخراساني: 12- 13.

22

و فيه أوّلًا: أنّ قاعدة الملازمة بين حكم العقل و الشرع- على فرض تسليمها- إنّما هي في سلسلة العلل و المعلولات و مقام المصالح و المفاسد، فإنّها في مثل قبح الظلم عقلًا صحيحة، و أنّه يستلزم حرمته شرعاً، و أمّا في مثل وجوب الصلاة و حرمة الخمر فلا:

فلأنّه يستلزم التسلسل و استحقاق العاصي بارتكاب محرّم واحد عقوبات غير متناهية؛ حيث إنّه لو خالف المكلّف حكماً وجوبيّاً- كترك جواب السلام- فالعقل يحكم بقبح ذلك؛ لأنّه مخالفة لحكم المولى، و هي قبيحة عقلًا، و هو يستتبع حكماً شرعيّاً بحرمته لقاعدة الملازمة، و هذا الحكم الشرعي الثابت بقاعدة الملازمة يقبح مخالفته عقلًا، فيستتبع حرمته شرعاً ... و هكذا إلى‏ غير النهاية، فيلزم استحقاقه لعقوبات غير متناهية و عصيانات كذلك بارتكاب ذنبٍ واحد، و هو محال.

و ثانياً: لو أغمضنا عن ذلك كلّه، لكن المسألة الاصوليّة: إنّما هي ما تقع نتيجتها كبرى‏ في الاستنباط، كالبحث عن حجّيّة خبر الواحد، أو البحث عن الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها، و أمّا ما ليس كذلك- بل تقع نتيجته صُغرى القياس للاستنباط- فلا، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ البحثَ في قبح التجرّي و عدمه- حينئذٍ- بحثٌ عن الملزوم للحكم الشرعي، نظير البحث في أنّ هذا مقدّمة للواجب أولا، فإنّه من المبادئ التصديقيّة للُاصول.

نعم البحث في نفس الملازمة بين قبح شي‏ءٍ عقلًا و حرمته شرعاً كذلك مسألة اصولية، لكن مسألة التجري ليست كذلك. و أسوأ حالًا من هذا الوجه و التقرير ما قيل في وجه أنّها من المسائل الاصوليّة: إنّ البحث في مسألة التجرّي إنّما هو في أنّه هل لأدلّة الأحكام- مثل: «حُرّم عليكم الخمر»- إطلاق يشمل ما لو عُلم بأنّ مائعاً خمر مع عدم كونه خمراً في الواقع؟ فحينئذٍ فهو من المسائل الاصوليّة؛ لأنّ‏

23

البحث عن إطلاق الدليل و عدمه منها (1).

إذ لا يخفى ما فيه؛ لأنّ البحث عن حجّية الإطلاق و عدمه و إن كان من المسائل الاصوليّة، و أمّا البحث عن وجود الإطلاق للدّليل و تحقُّقه، كما في المقام فهو بحث صغرويّ و قد عرفت أنّ مثله لا يُعدّ من المسائل الاصوليّة.

فتلخّص: أنّ مبحث التجرّي خارج عن مسائل هذا العلم.

و هل يمكن عدّه من المسائل الفقهيّة؟ بأن يقال: إنّ البحث فيه إنّما هو في أنّه هل يحرم مقطوع الخمريّة فقد يقال بعدم إمكان ذلك؛ لوجهين:

أحدهما: ما أفاده في «الكفاية» و حاصله: أنّه يعتبر في متعلَّق الحكم الشرعي قدرة المكلّف عليه، و المقطوع الخمريّة ليس كذلك، فإنّ القاطع غافل عن قطعه؛ لأنّه آلة و طريق إلى‏ الواقع، و ما به ينظر، لا ما فيه ينظر، فالقاطع لا يريد المقطوع إلّا بعنوانه الأوّلي الاستقلالي، لا بعنوانه الطاري الآلي، فهو خارج عن تحت اختياره، و كذلك مصادفة قطعه للواقع، فإنّها ليست تحت اختياره و قدرته، فلا يمكن تعلّق الحكم بمعلوم الخمريّة؛ أي بهذا العنوان الطاري‏ (2).

الثاني: ما أفاده المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) و ملخّصه: أنّه لو تعلّق حكم تحريميّ بعنوان معلوم الخمريّة، فهو يستلزم اجتماع المثلين في نظر القاطع دائماً، و هو محال؛ و ذلك لتعلّق النهي أوّلًا بالخمر بعنوانه الأوّلي، و تعلّق النهي ثانياً به بما أنّه مقطوع، و حيث إنّ القاطع لا يحتمل مخالفة قطعه للواقع يتحقّق في نظره اجتماع المِثْلين- أي التحريمين- و إن أمكن مخالفة قطعه للواقع واقعاً و عدم خمريّته واقعاً؛

____________

(1)- انظر ما قرّره المحقّق النائيني في فوائد الاصول 3: 37- 39 و قد احتمل أن يكون ذلك هو مراد الشيخ الأنصاري في تصويره للوجه العقلي في استحقاق المتجرّي للعقوبة. فرائد الاصول: 5 سطر 3.

(2)- كفاية الاصول: 299.

24

لمكان العموم من وجه بين عنوان «الخمر» و بين عنوان «مقطوع الخمريّة»، لكن يكفي في الاستحالة لزوم اجتماع المِثْلين في نظر القاطع.

مضافاً إلى‏ أنّ النهي الثاني لا زاجريّة له، فهو لغْوٌ فإنّ القاطع: إمّا مُطيع للنهي الأوّل أو لا، و على كلا التقديرين لا أثر للنهي الثاني‏ (1). انتهى ملخّصه.

و في كلا الوجهين نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّا نرى بالوجدان أنّه يصدر من المكلّف هذا الشرب الذي يقطع بأنّه شُرْب الخمر بالاختيار و القصد، فليس خارجاً عن اختياره و قدرته.

و ثانياً: فلأنّ القاطع الغافل عن قطعه غالباً لا يمتنع عليه الالتفات إلى‏ قطعه حين القطع، بل يمكنه ذلك، و هو كافٍ في صحّة توجُّه التكاليف و الخطاب إليه، نظير قصد الإقامة عشرة أيّام للمسافر، فإنّ الحكم بوجوب القصر متعلّق بهذا القصد، لا الإقامة الواقعيّة عشراً مع أنّ هذا القصد و الإرادة مغفول عنه غالباً.

و الحاصل: أنّ القطع و القصد إنّما يمتنع تعلُّق التكليف بهما مع الغفلة عنهما بالكلّيّة؛ بحيث يمتنع الالتفات و التوجّه إليهما، و أمّا مع الإمكان فلا.

و أمّا الوجه الثاني: فهو- أيضاً- ممنوع، فإنّه (قدس سره) مع اعترافه: بأنّ كلّ واحد من النهيين متعلّق بعنوان غير ما تعلّق به الآخر كيف يستلزم ذلك اجتماع المِثْلين في نظر القاطع؟! و إنّما يستلزم ذلك لو تعلّقا بعنوان واحد لا بعنوانين؛ و إن فُرض تصادقهما دائماً في الخارج على واحد، فضلًا عمّا إذا افترقا فيه في بعض الموارد.

و أمّا ما ذكره: من لزوم لَغْويّة النهي الثاني، فهو- أيضاً- ممنوع، فإنّه مع وجود النهيين يلزمهما عقوبتان، فربّما لا ينزجر شخص عن نهي واحد و عقوبة واحدة يتحمّلها، و ينزجر بتكرار النهي و تعدُّد العقوبة.

و مع ذلك كلّه يمتنع جعلها من المسائل الفقهيّة؛ لاستحالة تعلُّق الحرمة

____________

(1)- فوائد الاصول 3: 45- 46.

25

بمقطوع الخمريّة- مثلًا- لما ذكرناه آنفاً من استلزامه التسلسل المستحيل، و أنّه لو تعلّقت الحرمة- مثلًا- بمقطوع الحرمة فالحرمة الثانية- أيضاً- مقطوع الحرمة، فيتعلّق به النهي، فيصير حراماً، و هو- أيضاً- مقطوع الحرمة، فيتعلّق به النهي ...

و هكذا إلى‏ غير النهاية، فيلزم وجود تكاليف غير متناهية، و عقوبات كذلك، فيما إذا قطع بخمريّة مائع، و هو مستحيل، فلا يمكن جعل هذه المسألة من المسائل الفقهيّة، فلا محيص عن جعلها عقليّة محضة.

توضيح ذلك: أنّه لو قلنا بحرمة مقطوع الخمريّة شرعاً، فلا بدّ لها من ملاك متحقّق في صورة مصادفة القطع للواقع- أيضاً- مثل هتك حرمة المولى، و لا يمكن اختصاص هذا الملاك بما إذا لم يُصادف الواقع، كعنوان عدم المصادفة له، فإنّه غير محتمل، فإنّ عكسه أولى بذلك، و حينئذٍ لو تعلّق الحرمة بالمقطوع حرمته بهذا الملاك فهذه الحرمة- أيضاً- مقطوعة، فيتعلّق بها نهي آخر؛ لوجود الملاك المذكور فيها- أيضاً- فتصير حراماً مقطوعاً به، فيتعلّق به نهي ثالث ... و هكذا هلمّ جرّاً، فتلزم نواهٍ غير متناهية فيما إذا خالف و أتى و ارتكب منهيّاً عنه مرّة واحدة، و يلزمه عقوبات كذلك، و هو محال، فلا بدّ من ملاحظة حكم العقل في التجرّي، و أنّه قبيح عقلًا أو لا.

و تحقيق الحال في المقام: يحتاج إلى‏ بيان أنّ العقاب في صورة العصيان الحقيقي علامَ يترتّب؟ و بيان ما به الاشتراك بينه و بين التجرّي؛ أي صورة عدم إصابة القطع للواقع، و ما به الامتياز بينهما، فنقول:

في صورة العصيان الحقيقي- أي إصابة قطعه للواقع- امور:

الأوّل: قبح الفعل الخارجي في الموارد التي يُدرك العقل قبحه كالظلم، لا في مثل صوم يومي الأضحى و الفطر، فإنّ العقل لا يدرك قبحه.

الثاني: قبح مخالفة المولى.

26

الثالث: الجرأة على المولى.

الرابع: تفويت الغرض.

و لا ريب في أنّ التجرّي يمتاز عن المعصية في الأمر الأوّل و الثاني و الرابع، فليس فيه قبح الفعل الخارجي، و لا مخالفة المولى، و لا تفويت غرضه، و إنّما يشترك معه في الأمر الثالث، و لا ريب في أنّ العقوبة في صورة العصيان الحقيقي ليست مترتّبة على الجرأة على المولى، بل إمّا على مخالفته أو تفويت غرضه، و الحقّ هو الأوّل، و حينئذٍ فليس في صورة التجرّي ما يترتّب عليه العقاب؛ لعدم تحقّق المخالفة فيه و لا تفويت الغرض و ليس فيه إلّا الجرأة على المولى، و هي لا تستتبع العقوبة. نعم توجب إيجاد ظلمة و كدورة معنوية في النفس، و تزيد تلك الظلمة و الكدورة تدريجاً بصدور التجرّي منه متكرّراً، حتّى أنّها ربّما توجب عدم قابليته للشفاعة، و تمنع عن نيلها؛ بناءً على تجسُّم الأعمال و ظهور الملكات بصورة الحيوانات، إلّا أن يصفو بالشدائد التي تصيبه في عالم البرزخ أو القيامة.

و أمّا ما ذكر المحقِّق العراقي من أنّ العقوبة مترتّبة على ما هو الجامع بين صورتي التجرّي و العصيان الحقيقي، و هو الجرأة على المولى، ففي صورة العصيان الحقيقي- أيضاً- إنّما تترتّب العقوبة على الجرأة على المولى؛ لوجودها فيه- أيضاً- إلّا أنّ الجرأة فيها أطول و أدوم من الجرأة عليه في صورة التجرّي‏ (1)، فهو للفرار عن إشكال يرد على ما اختاره من ترتُّب العقوبة على الجرأة على المولى، و هو أنّه يلزمه استحقاق عقوبتين في صورة العصيان؛ لوجود التجرّي فيها- أيضاً- مضافاً إلى مخالفة المولى، و هو خلاف الضرورة، فما ذكره إنّما هو لدفع هذا الإشكال.

كما أنّ ما ذكره صاحب الفصول (قدس سره) من تداخل العقوبتين في صورة العصيان‏

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 35- 36.

27

الحقيقي‏ (1)، إنّما هو لدفع هذا الإشكال- أيضاً- الوارد عليه.

ثمّ على فرض قُبح التجرّي هل يسري قبحه إلى‏ الفعل الخارجي الصادر منه أولا؟ فلا بدّ من ملاحظة ما يصدق على الفعل الصادر منه في الخارج، و ينطبق عليه بالذات أو بالعرض من العناوين، حتّى يتّضح الحال في المقام.

فنقول: إنّ ما يصدق على الفعل الصادر من المتجرّي هو شرب الماء فيما لو قطع بأنّ مائعاً خمر، فبان أنّه ماءٌ، و كذلك يصدق عليه الطغيان على المولى و هتك حرمته في بعض الموارد، و لكن لا يصدق عليه التجرّي؛ لأنّه من الصفات النفسانيّة القائمة بالنفس، فلا يمكن صدقه على الفعل الخارجي، غاية الأمر أنّ له إضافة إلى‏ الخارج، و هو كاشف عنه، فلا ينطبق على الخارج؛ ليصير الفعل الخارجي قبيحاً، و لا معنى لخروج الواقع عمّا هو عليه بذلك، و ليس هنا وصف ملازم للتجرّي دائماً ينطبق على الفعل الخارجي ليتّصف بالقُبح؛ لما عرفت من أنّ الطغيان و هتك حرمة المولى ربّما لا يتحقّقان بالتجرّي.

الأمر الثاني: إنّ المناط في صحة العقوبة هو صدور الفعل عن إرادة و اختيار

ثمّ إنّه قال في «الكفاية» في المقام ما حاصله: إنّ العقاب و الثواب يترتّبان على العزم على المعصية و الإطاعة.

ثم استشكل عليه: بأنّ الإرادة و العزم ليسا بالاختيار و إلّا لتسلسل.

و أجاب عن ذلك:

تارة: بأنّها و إن كانت كذلك، إلّا أنّ بعض مباديها- غالباً- بالاختيار؛ للتمكّن من عدمه بالتأمّل فيما يترتّب عليه من تبعة العقوبة و اللّوم و المذمّة.

____________

(1)- الفصول الغروية: 87 سطر 34.

28

و اخرى‏: بأنّه يمكن أن يقال: إنّ حسن العقوبة و المؤاخذة إنّما هو لأجل بُعده عن سيِّده بتجرّيه عليه، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنّه يوجب البُعد عنه، كذلك لا غَرْوَ في أن يوجب حسنَ العقوبة، فإنّه و إن لم يكن باختياره إلّا أنّه بسوء سريرته و خبث باطنه؛ بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتاً و إمكاناً، و إذا آل الأمر إليه يرتفع الإشكال، و ينقطع السؤال؛ فإنّ الذاتيّات ضروريّة الثبوت للذات، و بذلك ينقطع السؤال عن أنّه لِمَ اختار الكافرُ و العاصي الكفرَ و العصيان، و المؤمنُ الإطاعةَ؟ فإنّه يساوق السؤال عن أنّ الحمار لِمَ صار حماراً لا ناطقاً، و الإنسان ناطقاً؟

و بالجملة: تفاوت أفراد الإنسان- في البعد عنه تعالى‏ و القرب منه- سبب لاختلافهم في استحقاق الجنّة و النار، و موجب لتفاوتهم في نيل الشفاعة و عدمه، و تفاوتهم في ذلك بالآخرة يكون ذاتيّاً، و الذاتيُّ لا يُعلّل.

إن قلت: فلا فائدة في بعث الرُّسُل و إنزال الكُتُب و الوعظ و الإنذار.

قلت: ذلك لينتفع به من حَسُنت سريرته، و طابت نفسه؛ لتكمل به نفسه، و يخلص مع ربّه انسه‏ «ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ» (1)، و يكون حجّة على من ساءت سريرته، و خبثت طينته‏ «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (2) (3). انتهى.

أقول: قد تقدَّم البحث في ذلك مُستقصى في باب الأوامر، لكن لا بأس بالإشارة إلى‏ بعض ما يلزم ذكره هنا؛ ليتّضح الخَلَل الواقع في كلامه (قدس سره) و من ذلك:

بيان ما هو موضوع صحّة العقوبة؟ و على أيّ شي‏ء تصحّ؟

____________

(1)- الأعراف (7): 43.

(2)- الأنفال (8): 42.

(3)- كفاية الاصول: 298- 301.

29

فنقول: قد استشكل في المقام على اختياريّة الأفعال الصادرة من المكلَّفين:

بأنّ الفعل الاختياري هو ما كان مسبوقاً بالإرادة و الاختيار، فننقل الكلام إلى‏ هذه الإرادة و الاختيار، فيقال: إنّها لا يمكن أن تكون بالاختيار؛ للزوم كونها مسبوقةً بإرادة اخرى‏، و ننقل الكلام إليها .. و هكذا، فإمّا أن تتسلسل، و هو محال، أو تنتهي إلى‏ إرادة أزليّة، فيلزم الجبر، و حينئذٍ فلا تصحّ العقوبة على الفعل الصادر من المكلَّف‏ (1).

أقول: قبل الخوض في إقامة البرهان على اختياريّة الأفعال لا بدّ من الرجوع إلى‏ الوجدان و حكم العقل و العقلاء في المقام، ثمّ إقامة البرهان عليه فنقول لا ريب في أنّ موضوع صحّة العقوبة عند العقل و العقلاء في جميع الأعصار و الأمصار هو صدور الفعل عن المكلَّف بالإرادة و الاختيار، لا بالإكراه و الاضطرار، مثل حركة يد المرتعش بدون الالتفات و التوجّه إلى‏ نفس الإرادة و مباديها؛ و أنّها بالاختيار أولا.

و بالجملة: موضوع صحّة العقوبة هو صدور الفعل بالاختيار فقط، لا اختياريّته مع مباديه، و إلّا فلو فرض أنّه كذلك فلا بدّ أن يقع بجميع مباديه بالاختيار، و لا وجه للتفصيل- حينئذٍ- بين المبادي؛ و أنّ المعتبر صدور الفعل مع بعض مباديه بالاختيار دون البعض الآخر منها، و من المبادي وجود الفاعل، بل وجود الأفلاك، بل وجود الباري تعالى‏ الموجد لكلّ شي‏ءٍ، فكما أنّ الخطور و التصديق بالفائدة من مبادي الفعل، كذلك هذه المذكورات، و لا ريب في أنّها خارجة عن تحت اختيار المكلَّف، و لا يمكن الالتزام بأنّ موضوعها هو اختياريّة الفعل مع جميع مباديه، و لا وجه للتفكيك بين بعضها و بعضها الآخر، فتعيّن أنّ المعتبر هو صدور الفعل عن إرادة و اختيار؛ أ لا ترى‏ أنّ الإنسان قد يشتاق إلى‏ الفعل غاية الاشتياق و مع ذلك لا يريده، و قد يكرهه غاية الكراهة و مع ذلك يريده، و هذا دليل على أنّ اختياره ليس‏

____________

(1)- نفس المصدر.

30

بالاضطرار، فقد يريد الشي‏ء اختياراً، و قد لا يريده كذلك.

و أمّا البرهان على ذلك: فهو أنّه لا ريب في أنّ علمه تعالى‏ عين ذاته، و كذلك قدرته و إرادته، خلافاً للحشويّة؛ حيث إنّهم ذهبوا إلى‏ أنّ إرادته تعالى‏ زائدة عن ذاته‏ (1) لبعض رواياتٍ ظاهرها ذلك‏ (2)، لكنّ البراهين الكثيرة القاطعة قائمة على خلاف ذلك و على بطلان مذهبهم، و أنّ إرادته تعالى‏- كعلمه و قدرته- عينُ ذاته، و ليس المقام مقام ذكرها، لكن نذكر واحداً منها:

و هو أنّه لو كانت إرادته زائدة عن ذاته تعالى‏، لزم أن يُتصوَّر وجود الأكمل منه تعالى‏ و النقص في وجوده، و هو محال:

أمّا الأوّل: فلأنّه لو فرض أنّ في العالم موجوداً علمه و إرادته عين ذاته و في مرتبة ذاته، فهو أكمل من الذي ليس علمه و إرادته عين ذاته و في مرتبتها، بل زائداً على ذاته، فيلزم أن يكون هو المبدأ.

و أمّا الثاني: فلأنّه لو فرض أنّ مرتبة الذات خالية عنها يلزم التركيب، المستلزم للإمكان الذي هو نقص في ذاته؛ و ذلك لأنّ للذات جهةَ فعليّةٍ و جهةَ قوّةٍ و استعداد لقبولها، و حامل القوّة و الاستعداد هو الهيولى، فيلزم تركُّب ذاته من الهيولى و الصورة، فيلزم التركيب في ذاته تعالى‏، و المركّب محتاج إلى‏ أجزائه، و المحتاج ممكن، و الإمكان نقص، و هو محال. و هاتان الاستحالتان ناشئتان عن فرض زيادة الإرادة على الذات، فيلزم القول بأنّ إرادته و قدرته عين ذاته، و لا محيص عنه، و لا يُنافي ذلك بساطته، و ليس معنى القدرة صحّة الفعل و الترك، بل معناها: إن شاءَ فعل، و إن لم يشأ لم يفعل؛ و لو بمشيّةٍ أزليّة.

و أمّا الآيات و الروايات: منها أحكاميّة تتضمّن الأحكام الإلهيّة، و هي مُنزّلة

____________

(1)- المطالب العالية 3: 179.

(2)- الكافي 1: 85/ 1.

31

على الأفهام العُرفية.

و منها الواردة في المبدأ تعالى‏ و أوصافه، مثل: «وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (1) و «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» (2)،

و في الصحيح أنّه تعالى‏ قال: (ما تردّدتُ في شي‏ءٍ أنا فاعله كتردّدي في قبض روح عبدي المؤمن)

(3)، و أمثال ذلك، فلا يمكن تنزيلها على الفهم العرفي و الاعتماد و الأخذ بظاهرها؛ لاستلزامها المحال، فلا بدّ من تفسيرها بمبادٍ عقليّة و تأويلها أو ردّ علمها إلى‏ أهلها.

و من ذلك ما ورد: من أنّ علمه تعالى‏ عينُ ذاته‏ (4)، و لكنّه أراد بعد ما لم يُرِدْ، فإنّ مقتضى ظاهرها وقوع ذاته المقدّسة مَعرض الحوادث، و يلزم منه ما ذكرنا من المحذور المحال، بل الأفعال صادرة منه تعالى‏ بإرادة هي عين ذاته و في مرتبتها، و عن علم و شعور هو عين ذاته، و بقدرة هي عين ذاته، لا بإرادة زائدة عن ذاته؛ لينقل الكلام إليها، فنقول: إنّ إرادة النفس بوجه بعيد غاية البعد هكذا، فإنّ للنفس نحوين من الفعل:

أحدهما: ما يصدر منها بوسائط الآلات، مثل شرب الماء، فإنّه يتحقّق بتحريك العضلات و بسط اليد و قبضها مثلًا.

و ثانيهما: ما يصدر منها بلا واسطة آلة، بل النفس خلّاقة له بلا واسطة و بالاختيار، و هذا مثل إيجادها للصور الذهنيّة و الخياليّة أو إيجادها التفاصيل في‏

____________

(1)- الفجر (89): 22.

(2)- طه (20): 5.

(3)- الكافي 2: 192/ 6.

(4)- الأسفار 6: 133، المنظومة (قسم الفلسفة): 159. و قد وردت أحاديث تؤكّد صحّة هذا الكلام من قبيل‏

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة الاولى من نهج البلاغة (و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ...)

نهج البلاغة (شرح محمّد عبده): 69.

32

قوّة الخيال، مع وجود ملكاتها في النفس.

و بالجملة: للنفس أفعال تصدر عنها بلا واسطة آلة، و إلّا فلو كان صدور جميع الأفعال منها بالآلة و الواسطة لتسلسلت الآلات و الوسائط، فالنفس تريد شيئاً بذاتها بالاختيار بدون مسبوقيّة تلك الإرادة بإرادة اخرى‏؛ ليلزم التسلسل أو الانتهاء إلى‏ إرادة أزليّة؛ كي يُقال بعدم صحّة العقوبة، و أنّ الإرادة ليست بالاختيار؛ فإنّ اختياريّة كلّ فعلٍ إنّما هي بالاختيار، و ليست اختياريّة الاختيار باختيارٍ آخر، بل بنفسه و ذاته.

نعم يصحّ إسناد هذا الفعل الصادر من المكلّف إلى‏ اللَّه تعالى‏ باعتبار أنّه تعالى‏ موجده، و هذا معنى «الأمر بين الأمرين».

فاتّضح بذلك: فساد ما ذكروه من الشبهة في المقام، فالمناط في صحّة العقوبة هو صدور الفعل عن إرادة و اختيار فقط.

فما يظهر من «الكفاية»- من ترتُّب استحقاق العقوبة على العزم و الجزم‏ (1)، كما يظهر من موضع منها- فهو غير مستقيم.

و أمّا ما أجاب به عن التسلسل أوّلًا: بأنّه يكفي في اختياريّة الإرادة اختياريّةُ بعض مباديها، فهو لا يدفع ذلك الإشكال؛ لأنّه ينقل الكلام إلى‏ ذلك البعض، و يلزم التسلسل.

و أمّا ما ذكره: من أنّ استحقاق العقوبة إنّما هو لأجل البعد عن المولى بتجرّيه.

ففيه: أنّه إن أراد من القرب و البعد التكوينيّين منهما فإنّ للوجود أفراداً متفاوتة من جهة النقص و الكمال، فوجود الباري تعالى‏ أكمل أفراده، و بعضها و إن لا يبلغ في الكمال إليه تعالى‏، بل لا يمكن قياس وجوده تعالى‏ مع وجود سائر الأفراد،

____________

(1)- كفاية الاصول: 298.

33

لكن بعضها أتمّ و أكمل من بعض آخر، كوجود خاتم الأنبياء (صلى الله عليه و آله و سلم) و هكذا إلى‏ أن يبلغ إلى‏ وجود أمثالنا و وجود الحيوانات و النباتات و الجمادات، فإنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قريب منه تعالى‏؛ بمعنى‏ أنّه الأكمل و الأتمّ من سائر أفراد الموجودات من حيث الصفات الحميدة و الكمالات، و لكن وجود أمثالنا و وجود الحيوانات و غيرها بعيد عنه تعالى‏؛ لفقدانه الكمالات و الصفات الحميدة، و هذا القرب و البعد تكوينيّان، فلا ريب في أنّه (قدس سره) لا يلتزم بأنّ العقوبة تترتّب على هذا البعد، فلا بدّ أن يريد منهما القرب و البعد الاعتباريّين؛ أي المنزلة و الجاه، كما يقال: فلان قريب من السلطان؛ بمعنى‏ أنّ له المنزلة عنده بإطاعته له، و فلان بعيد عنه؛ يعني ليس له عنده منزلة و جاه؛ لعدم طاعته له، و لا ريب في أنّ هذا القرب و البعد اعتباريّان منتزعان عن الطاعة و المعصية؛ فإن أطاع المولى و لم يعصِهِ يحصل له القرب و المنزلة عنده، و إن عصاه و خالفه يلزمه البعد و عدم المنزلة لديه، و ليس هذا القرب و البعد ذاتيّين؛ كي لا يُعلّلا، و ينقطعَ السؤال «بِمَ» و «لِمَ».

لكن التحقيق كما عرفت: أنّ استحقاق العقوبة إنّما يترتّب على المخالفة العمديّة و ما ذكره في الحاشية: من أنّه كيف لا؟! و الحال أنّه لا يمكن أن تترتّب العقوبة على المخالفة العمديّة؛ لأنّها غير اختياريّة لعدم تعلُّق العمد بالمخالفة العمديّة (1).

فيه: أنّ استحقاق العقوبة يترتّب على المخالفة إذا صدرت عن عمد و قصد، لا عليها مع العمد؛ بأن يكون العمد جزء موضوعها، و قد عرفت أنّ اختياريّة الفعل إنّما هو بالعمد و الاختيار و أمّا اختياريّة العمد و الاختيار فليس بهما.

____________

(1)- كفاية الاصول: 300/ الهامش 2.

34

بحث استطرادي حول الطلب و الإرادة

و أمّا ما ذكره هنا و في باب الطلب و الإرادة: من أنّ السعادة و الشقاوة و الخبث الباطني من ذاتيّات الإنسان، و الذاتي لا يُعلَّل‏ (1) فهو- أيضاً- فاسد.

و توضيح الفساد يحتاج إلى‏ تقديم امور:

الأمر الأوّل: أنّ المفاهيم في العالَم على ثلاثة أقسام:

قسم يحكي عن حقيقة، مثل مفهوم الوجود، فإنّه حاكٍ عن حقيقته.

و قسم يحكي عمّا ليس له حقيقة، مثل مفهوم العدم.

و قسم لا يحكي عن ذا و لا ذاك، مثل مفاهيم الماهيّات، كمفهوم الإنسان.

الأمر الثاني: المحمول في كلّ قضيّة: إمّا ضروريّ الثبوت لموضوعها، و لا ينفكّ عنه، و إمّا ممتنع الثبوت له، و إمّا ممكن الثبوت له، و لا تخلو قضيّة من القضايا عن إحدى‏ هذه الجهات، و الحصر عقليّ لا رابع لها، و القضايا و الجهات المذكورة في المنطق من شعب هذه الثلاث.

الأمر الثالث: كلّ ما هو ضروريّ لشي‏ء لا يُعلّل؛ لأنّه ذاتيّ له، و لا يمكن أن تناله يد الجعل، إلّا أنّه في ضروريّ الوجود لأجل أنّه فوق الجعل و أجلّ من أن تناله يد الجاعل، و في ضروريّ العدم لأجل أنّه دون الجعل و أدون من أن تناله يد الجاعل، و كلّ ما يمكن ثبوته لشي‏ء فهو معلَّل في الواقع، محتاج إلى‏ الجعل، فمناط الافتقار إلى‏ الجعل هو الإمكان الذي هو عين الفقر إلى‏ العلّة، و الوجوب عين الاستغناء عن العلّة.

إذا عرفت هذه الامور فنقول: لو لاحظنا صفحة الوجود نعلم أنّه ليس في عالم الكون ما وجوده ضروريّ الثبوت له؛ بدون الاحتياج إلى‏ العلّة و الجعل، إلّا

____________

(1)- كفاية الاصول: 89- 90.

35

وجود واجب الوجود تعالى‏، فإنّ الوجود ضروريّ الثبوت له تعالى‏، و فوق أن تناله يد الجعل و لا يحتاج إلى العلّة، فإنّه عين التحقّق، و أمّا سائر الموجودات- غير الحقّ تعالى‏- فليس فيها ما وجوده ضروريّ الثبوت له، بمعنى استغنائها عن العلّة و الجعل، و إلّا لكان شريكاً له تعالى‏، و البرهان القاطع قائم على استحالته، فثبت أنّ الوجود الذي هو ضروريّ الثبوت للذات، و مستغنٍ عن العلّة و الجعل، هو وجود واجب الوجود فقط ليس إلّا، و أنّ وجود سائر الموجودات ممكن الثبوت لذواتها؛ يحتاج إلى‏ العلّة و الجعل، و أمّا الماهيّات فذاتها و ذاتيّاتها و لوازم ذاتها ضرورية الثبوت لها؛ بمعنى‏ أنّ ثبوتها لها لا يحتاج إلى‏ الجعل المستقلّ، بل هي مجعولة بجعلها، فهي لا تُعلّل، لكنّها ذاتها مع ذاتيّاتها و لوازم ذاتها امور اعتبارية.

و حينئذٍ فإن أراد (قدس سره) أنّ السعادة و الشقاوة من ذاتيّات ماهيّة الإنسان أو لوازم ذاتها، و مع ذلك هما منشآن للآثار من الطاعة و المعصية و القرب و البعد، فقد عرفت أنّ الماهيّة و ذاتيّاتها و لوازم ذاتها، و إن لم تكن مجعولة بجعلٍ مستقلّ، لكنها امور اعتباريّة لا يمكن أن تصير منشأً للآثار.

و إن أراد أنّهما من سِنْخ الوجود، و نحو من أنحائه، و ضروريّا الثبوت للإنسان، فهو يستلزم أن يوجد في عالم الكون ما هو وجود ضروريّ لذاته سوى الحقّ تعالى‏، و تقدّم أنّ البراهين القاطعة قائمة على امتناع ذلك، و أنّه تعالى‏ واحد لا شريك له.

و إن أراد أنّ السعادة و الشقاوة من لوازم الوجود للإنسان لا لماهيّته، ففيه:

أوّلًا: أنّ لوازم الوجود معلَّلات، و عللها هي ملزوماتها، فلا يصحّ ما ذكره: من أنّه لا تعلّل ذلك، و لا يُناسبه أيضاً.

و ثانياً: لا يمكن الالتزام بذلك، فإنّ لوازم الوجود دائمة اللزوم له؛ لا تنفكّ عنه أصلًا كالحرارة للنار، و لو كانت السعادة و الشقاوة كذلك، لَلَزم أن يصدر الحسن من‏

36

السعيد و القبيح عن الشقيّ دائماً حتّى في حال النوم، فيلزم أن يكون الشقيّ مُتجرِّياً و عاصياً دائماً، و السعيد مطيعاً كذلك، و لا يصدر من السعيد القبيح أصلًا، مع أنّا نرى بالعيان خلافه.

فالحق: أنّ السعادة و الشقاوة أمران اعتباريّان منتزعان عن الأفعال الصادرة من المكلّف، و أنّ المكلّف الصادر منه الأفعال الحسنة الحميدة بإرادته و اختياره يُطلق عليه السعيد، و الصادر منه الأفعال الذميمة القبيحة كذلك يطلق عليه الشقيّ، و هو معنى‏

(السعيدُ سعيدٌ في بطن امّه، و الشقيُّ شقيٌّ في بطن امّه)

(1)، فإنّا لو علمنا أنّ الحمل في بطن امّه إذا تولّد و بلغ، يصدر منه الأفعال الحسنة الحميدة أو الذميمة القبيحة، علمنا أنّه سعيد أو شقيّ.

____________

(1)- التوحيد: 356/ 3، في المصدر تقديم و تأخير.

37

الفصل الثامن في أقسام القطع و أحكامها

متعلّق القطع: إمّا حكم أو موضوع ذو حكم أو غير ذي حكم، و هو طريق إلى‏ متعلّقه، و قد يؤخذ موضوعاً لحكم، و لا إشكال في أنّ الأوّل حجّة مطلقاً، بخلاف الثاني، فإنّه تابع للدليل الذي أخذه موضوعاً للحكم، فقد يدلّ على موضوعيّته بنحو الإطلاق، و قد يقيَّد في لسان الدليل بحصوله من سبب خاصّ أو من شخص خاصّ، و هذا ممّا لا كلام فيه.

و إنّما الكلام فيما يتصوّر من الأقسام للقطع الموضوعي:

فنقول: إنّ العلم من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، و هو ظاهر بنفسه مُظهر لغيره، فمن جهة الحقيقة هو صفة قائمة بنفس القاطع من حيث قيام الصورة بنفسه، و الإضافة إلى‏ هذه الصورة إشراقية، و هذه الصورة معلومة بالذات، و لها إضافة إلى‏ الخارج إضافة عَرَضيّة، و يسمّى الخارج بالمعلوم بالعَرَض، و هذه الجهة هي كاشفيّته عن الواقع، و الكشف: إمّا تامّ و إمّا ناقص و إمّا مطلق، فهنا ثلاثة أشياء:

الأوّل: العلم من حيث إنّه صفة خاصّة قائمة بنفس القاطع مع قطع النظر عن‏

38

كشفه عن الواقع.

الثاني: كشفه عن الواقع.

الثالث: كشفه التامّ عن الواقع، فإنّ للكشف مرتبتين: إحداهما التامّة، مثل كشف القطع عنه، و ثانيتهما الناقصة، مثل كاشفيّة الأمارات عنه.

فللحاكم أن يجعل القطع بإحدى‏ هذه الجهات موضوعاً لحكمه؛ بأن يأخذه- من حيث إنّه صفة خاصّة- في موضوع حكمه، و أن يأخذه بما أنّه كاشف تامّ عن الواقع في موضوع حكمه، و أن يأخذه بما أنّه كاشف بنحو الإطلاق، فهذه أقسام ثلاثة.

و على أيّ تقدير: إمّا أن يؤخذ تمام الموضوع للحكم؛ سواء صادف الواقع أم لا، أو جزء الموضوع، فالأقسام ستّة.

ثمّ إنّه قد يؤخذ تمام الموضوع أو جزء الموضوع لحكمٍ مماثلٍ لحكم متعلّقه، أو مضادٍّ له، أو مخالف:

فالأوّل: مثل أن يقول: «إذا قطعت بوجوب الصلاة يجب عليك الصلاة»، فهناك وجوبان تعلّق أحدهما بالصلاة، و ثانيهما بالصلاة المقطوع بها بأحد الأنحاء المتقدّمة.

و الثاني: مثل أن يقول: «الخمر المقطوع الخمريّة مكروه، أو مباح».

و الثالث: مثل أن يقول: «إذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدُّق».

ثمّ إنّه هل يمكن القسم الأوّل و الثاني؛ أي أخذه في موضوع حكمٍ مماثلٍ أو مضادٍّ لحكم متعلَّقه أو لا يمكن؟

ذهب في «الكفاية» إلى‏ الثاني؛ حيث قيّد الحكم الذي اخذ القطع في موضوعه بعدم كونه مماثلًا أو مضادّاً لحكم متعلَّقه، و علّله باستلزامه اجتماع المِثْلين‏

39

أو الضدّين، و هو محال‏ (1).

و لكنّ الحقّ: هو الأوّل فيما إذا كان القطع تمام الموضوع؛ و ذلك لأنّ موضوع حكم المتعلَّق هو عنوان الخمر أو الصلاة، و موضوع الحكم المماثل أو المضادّ هو القطع بهما، و هما عنوانان متغايران، لكن بينهما عموم من وجه، و لا يستلزم ذلك اجتماع المِثلين أو الضدّين في موضوع واحد؛ لتعدّد العنوانين في عالم العنوانيّة، و أمّا في الخارج فهما و إن تصادقا في مورد الاجتماع، لكن الخارج ليس متعلَّقاً للحكم، كما تقدّم بيانه في باب اجتماع الأمر و النهي.

نعم لو جُعل القطع جزء الموضوع فالحقّ هو الثاني، فإنّه لا يمكن حرمة طبيعة الخمر و حرمة الطبيعة المقيَّدة بالقطع بها أو حلّيّتها؛ لأنّ المقيّد عين المطلق بزيادة قيد إليها، و ليسا عنوانين متغايرين على وجه الطريقيّة.

ثمّ إنّه قد يظهر من كلام بعض الأعاظم- و هو المحقّق الميرزا النائيني على ما في التقريرات-: أنّه لا يمكن أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقيّة؛ لأنّ أخذه تمام الموضوع كذلك يستدعي عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجهٍ من الوجوه، و أخذُهُ على وجه الطريقيّة لحاظُهُ و لحاظ ذي الصورة (2).

و بعبارة اخرى‏: أخذه على وجه الطريقيّة يستدعي لحاظه آليّاً، و أخذه تمام الموضوع يستدعي لحاظه استقلاليّاً، و الجمع بين اللحاظين ممتنع.

و لكنّه من الأعاجيب؛ لما فيه:

أوّلًا: النقض بما لو اخذ كذلك جزء الموضوع، مع أنّه (قدس سره) لم يذهب إلى‏ امتناعه.

و ثانياً: بالحلّ بأنّ امتناع لحاظ القطع آليّاً و استقلاليّاً معاً، إنّما هو بالنسبة إلى‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 303.

(2)- انظر أجود التقريرات 2: 17- 18.

40

نفس القاطع حين القطع، و أمّا بالنسبة إلى‏ شخص آخر غير قاطع فلا امتناع له، و ما نحن فيه كذلك، فإنّ الحاكم يُلاحظ قطع القاطع بوصف الكاشفيّة، و يجعله موضوعاً لحكمٍ من الأحكام؛ أ لا ترى‏ أنّه عُلِّق وجوب الإتمام على من قصد الإقامة عشراً، لا الإقامة واقعاً، مع أنّ القصد آلة للحاظ المقصود، و قد جعله تمام الموضوع للحكم، فعلى ما ذكره يلزم أن يمتنع ذلك.

ثمّ إنّه هل يمكن أخذه موضوعاً بالنسبة إلى‏ نفس الحكم الذي تعلّق به العلم و شخصه، أولا؟

لا ريب في إمكانه في بعض الفروض، و هو ما لو فرض صدور أحكام إنشائيّة لا فعليّة من المولى، ثمّ أمر المجتهد بالاستنباط و الاجتهاد و علّق الوجوب العقلي- مثلًا- على ما إذا قطع به الذي صدر منه إنشاءً، و حينئذٍ تصير الأحكام الفعليّة تابعة لآراء المجتهدين، و هذا و إن يرجع إلى‏ التصويب، لكنّه ممكن، و ليس بممتنع، لكنّه تصويب باطل.

و إنّما الإشكال فيما لو اخذ العلم بالحكم الفعلي موضوعاً لشخص هذا الحكم؛ لاستلزامه الدور الواضح؛ فإنّ العلم بالحكم- حينئذٍ- موقوف على وجود الحكم الفعلي قبله، و الفرض أنّ وجوده موقوف على العلم به، و هو محال.

و تُفُصِّي عن الإشكال بوجهين:

الأوّل: ما ذكره المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) و هو ما تفصّى به عن الإشكال في مسألة الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، و هو أنّه يمكن تصحيحه بنحو نتيجة التقييد.

توضيح ذلك:

أنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم، فلا يمكن فيه الإطلاق و التقييد اللحاظي؛ لاستلزامه الدور المذكور، فإنّه لا يمكن أخذ العلم- و كلّ‏

41

ما هو من الانقسامات اللاحقة للمتعلَّق- قيداً- جزءاً أو شرطاً أو مانعاً- في مرتبة الجعل، و إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً؛ لأنّ التقابل بينهما هو تقابل العدم و الملكة، و لكن الإهمال الثبوتي- أيضاً- غير معقول، بل لا بدّ فيه إمّا من نتيجة الإطلاق أو من نتيجة التقييد، فإنّ الملاك الذي اقتضى تشريع الحكم إمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فقط، فلا بدّ من نتيجة التقييد، أو في كلتا حالتي العلم و الجهل، فلا بدّ من نتيجة الإطلاق، و حيث يمتنع تكفّل الجعل الأوّلي لذلك و بيانه، فلا بدّ من جعلٍ آخر يُستفاد منه نتيجة الإطلاق أو التقييد، و هو المصطلح عليه بمتمِّم الجعل.

و قد ادّعى تواتر الأدلّة على اشتراك الأحكام بالنسبة إلى‏ العالم و الجاهل‏ (1)، و نحن لم نعثر على تلك الأدلّة سوى بعض الأخبار الآحاد- التي ذكرها صاحب الحدائق في مقدّمات كتابه‏ (2)- إلّا أنّ الظاهر قيام الإجماع- بل الضرورة- على ذلك، و يستفاد من تلك الأدلّة نتيجة الإطلاق، و أنّ الحكم مطلق بالنسبة إلى‏ العالم و الجاهل، لكن تلك الأدلّة عامّة صالحة للتخصيص، و قد خُصِّصت في غير مورد، كما في مورد الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام؛ حيث قام الدليل على نتيجة التقييد، و اختصاص الحكم فيهما بالعالم فقط، فقد اخذ العلم شرطاً في ثبوت الحكم واقعاً، و كما يصحّ ذلك يصحّ أخذ العلم بالحكم من وجه خاصّ و سبب خاصّ مانعاً عن ثبوت الحكم، كما في باب القياس؛ حيث قام الدليل على أنّه لا عبرة بالعلم الحاصل منه، مثل رواية «أبان» في دِيَة الأصابع‏ (3)، و كذلك تقييد العلم بحصوله من الكتاب‏

____________

(1)- فرائد الاصول: 27 سطر 10.

(2)- الحدائق الناضرة 1: 78.

(3)- الكافي 7: 299/ 6، تهذيب الأحكام 10: 184/ 719، وسائل الشيعة 19: 268، كتاب الديات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 1.

42

و السُّنّة، لا من مثل الرمل و الجفر، فإنّه يمكن كلّ ذلك بنتيجة التقييد (1). انتهى ملخّصاً.

أقول: بعد تسليم امتناع الإهمال الثبوتي في الأحكام، كما اعترف (قدس سره) به هل الحكم في الواقع و نفس الأمر يتعلّق بالمطلق اللحاظي أو بالمقيّد؟ فلو فرض وجود مناط الحكم في المقيّد، فلا يمكن تعلُّقه بغيره ممّا ليس فيه هذا المناط، و لا يمكن تقييد متعلَّقه بالعلم بالحكم؛ لاستلزامه الدور المحال. هذا في مقام الجعل و التشريع.

نعم، يمكن ذلك في الانقسامات اللاحقة للحكم في مقام الثبوت، نظير قصد الأمر و نحوه.

و ثانياً: ما ذكره من أنّه إذا لم يمكن التقييد لم يمكن الإطلاق- أيضاً- لمكان تقابل الملكة بينهما، فهو مُسلّم، لكن الحكم في العدم و الملكة بما ذكره، إنّما هو فيما إذا كان عدم قبوله للتقييد لعدم إمكانه ذاتاً، كتقييد زيدٍ بفردٍ دون فرد، فإنّه لا يقبل هذا التقييد، فلا يصحّ إطلاقه اللحاظي، أمّا لو كان عدم إمكان التقييد لأجل محذور آخر و علل اخرى‏، مع صلاحيّته لذلك ذاتاً، فلا نُسلّم عدم إمكان الإطلاق فيه، كما فيما نحن فيه، فإنّ عدم إمكان أخذ العلم قيداً للحكم إنّما هو لأجل لزوم الدور، لا لعدم القابليّة الذاتيّة.

و الحاصل: أنّ التقييد و إن كان يحتاج إلى‏ اللّحاظ، لكن الإطلاق لا يحتاج إلى‏ اللّحاظ، و حينئذٍ فعدم إمكان الإطلاق إنّما هو فيما إذا امتنع التقييد ذاتاً، و أمّا لو كان عدم إمكان التقييد لا لعدم قبوله له ذاتاً، بل لأجل لزوم محذور آخر، مع قبوله شأناً و ذاتاً، كما في ما نحن فيه، فلا نُسلِّم عدم إمكان الإطلاق فيه، و لذلك يتمسّكون بالإطلاق في أدلّة التكاليف و الأحكام بالنسبة إلى‏ العالم و الجاهل.

و أمّا ثالثاً: فلأنّ التفصّي عن الإشكال في مسألتي الجهر و الإخفات و القصر

____________

(1)- فوائد الاصول 3: 11- 14.

43

و الإتمام، ليس بما ذكره من نتيجة التقييد، بل لوجوه اخر مذكورة في محلّها.

منها: أنّ ذلك من قبيل تقبُّل الناقص بدل الكامل.

و منها: شمول حديث‏

(لا تُعاد)

(1) لصورة العمد أيضاً، و أنّ الأركان الخمسة مُجزية و إنْ ترك سائر الواجبات، و استحقّ العقوبة- أيضاً- لعدم إمكان تدارك المصلحة ثانياً فرضاً.

و أمّا العلم الحاصل من القياس و منع العمل به، فليس لأجل أنّه مانع عن ثبوت الأحكام به، بل لأجل قصور عقول البشر عن الاطّلاع على الأحكام الواقعيّة، و كذلك الاستحسانات، و لذا

ورد في الخبر أنّه (عليه السلام) قال لأبي حنيفة: (أ تزعم أنّك تقيس؟) قال: نعم، فقال (عليه السلام): (البول أشدّ نجاسةً أو المنيّ؟) قال: البول، فقال (عليه السلام):

(فلِمَ لا يوجب البول الغسل و يوجبه المنيّ)

(2).

و أمّا ما ذكره: من تقييد العلم بعدم حصوله من الرمل و الجفر و نحوهما، ففيه:

أنّ العلم طريق إلى‏ الواقع، و حجّة مطلقاً من أيّ سبب حصل.

الوجه الثاني للتفصّي عن الإشكال: ما ذكره المحقّق العراقي (قدس سره) حيث قال ما حاصله:

إنّه يمكن دفع الإشكال بنتيجة التقييد، لكن لا بمتمِّم الجعل- كما ذكره بعضهم- بل بوجه آخر اطّلعنا عليه: و هو أنّ العلم بالحكم و إن لم يمكن أخذه في لسان الدليل في موضوعه، لكن الحكم متعلّق- في الواقع في مرتبة متقدّمة على الحكم تقدّم الموضوع على الحكم- بحصّة ملازمة للعلم بالحكم في المرتبة المتأخّرة،

____________

(1)- تهذيب الأحكام 2: 152/ 597، وسائل الشيعة 4: 934، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 10، الحديث 5.

(2)- علل الشرائع: 89/ 5، وسائل الشيعة 18: 30، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6، الحديث 27.

44

فالحرمة- مثلًا- متعلّقة بحصّة متقدّمة من طبيعة الخمر تقدّم الموضوع على حكمه، توأمة مع العلم بالحرمة في المرتبة المتأخّرة، فيمكن أخذ العلم بالحكم في موضوعه بهذا النحو، و إن لم يمكن أخذه كذلك في لسان الدليل، و من هذا القبيل الأعراض بالنسبة إلى معروضاتها- كالبياض اللاحق للجسم- فإنّها تعرض على حصّة متقدِّمة على العارض، ملازمة معه في مرتبة متأخّرة، و لذلك تكون العلّة متقدّمة على المعلول في الرتبة، مع أنّها مع المعلول زماناً (1). انتهى ملخّص كلامه.

أقول: الحصّة- في الاصطلاح-: عبارة عن الطبيعة المقيّدة بقيد، كما قال المحقّق السبزواري (قدس سره) في المنظومة:

و الحصّةُ الكلّي مقيّداً يجي‏* * * تقيّدٌ جزءٌ و قيدٌ خارجي‏ (2)

فالطبيعة من حيث هي ليس فيها الحصّة، بل الحصّة تحصل بتقييدها بقيد، كتقييد طبيعة الإنسان بالأبيضيّة، فيتحقّق به حصّة من الإنسان، و حينئذٍ فلا يمكن حصول الحصّة في المقام بدون تقييد الخمر بمعلوم الخمريّة مثلًا؛ لما عرفت من أنّ الطبيعة بدون التقييد، ليس فيها حصّة في نفس الأمر؛ حتى يتعلّق الحكم بها في الواقع.

و إن أراد أنّه و إن لم يمكن تقييد الخمر بالعلم بالحرمة، و جعله موضوعاً لها في لسان الدليل، و لكنّه متعلِّق بهذه الحصّة واقعاً.

ففيه: أنّه إذا تعلّق الحكم بموضوع مقيّد بالعلم واقعاً و في مقام الثبوت، فلا بدّ أن يتحقّق الحكم قبل نفسه؛ حتّى يتعلّق العلم به، فيبقى الإشكال بحاله.

و أمّا الأعراض فهي تعرض على نفس الطبيعة، لا على الحصّة، فالبياض- مثلًا- يعرض على طبيعة الجسم، لا على حصّة من الجسم ملازمة للبياض توجد

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 15- 16.

(2)- شرح المنظومة (قسم الفلسفة): 27.

45

في مرتبة متأخّرة عن عروض ذلك، و لا أقلّ أنّها في مرتبة عروض هذا العارض، و أمّا ما ذكره: من تقدُّم العلّة على المعلول مرتبة، فلا ارتباط له بالمقام، فإنّ العلّة قد تكون بسيطة من جميع الجهات، فلا يتصوّر فيها الحصّة.

و التحقيق في المقام: التفصيل بين ما إذا اخذ القطع تمام الموضوع؛ سواء صادف الواقع أم لا، و بين ما إذا اخذ جزء الموضوع؛ بأن يجعل الموضوع هو القطع بالحرمة- مثلًا- إذا صادف الواقع، و تسليم لزوم الدَّور فيه، دون الأوّل، فإنّه إذا جعل الموضوع هو القطع بها- بجعل القطع جزء الموضوع، و الجزء الآخر نفس الحرمة- يلزم الدور؛ لأنّ الحكم- حينئذٍ- يتوقّف على القطع بها توقّف الحكم على موضوعه، و القطع بها موقوف على وجودها واقعاً؛ لأنّ المراد منه هو المصادف للواقع، و هو دور واضح، بخلاف ما إذا جعل القطع تمام الموضوع، فإنّ الحكم- حينئذٍ- و إن كان يتوقّف على القطع توقّف الحكم على موضوعه، لكنّ القطع به لا يتوقّف على ثبوته في نفس الأمر، فإنّه كثيراً ما يحصل القطع بشي‏ء، و يكون جهلًا مركّباً، و المفروض أنّ القطع تمام الموضوع، يترتّب عليه الحكم سواء صادف الواقع أم لا.

46

الفصل التاسع في قيام الأمارات و الاصول مقام القطع‏

هل تقوم الأمارات و الاصول بمقتضى‏ أدلّتها مقام القطع مطلقاً- سواء كان طريقيّاً محضاً، أو موضوعيّاً بأقسامه- أو لا مطلقاً أو التفصيل بين الطريقيّ المحض، فتقوم مقامه، دون غيره من الأقسام، أو التفصيل بين الطريقي و الموضوعي الذي اخذ موضوعاً بما أنّه كاشف عن الواقع و طريق إليه، فتقوم مقامهما، بخلاف غيرهما من الأقسام؟ أقوال.

و لا بدّ من البحث هنا في مقامين:

أحدهما: في إمكان قيام الأمارات و الاصول بمقتضى‏ أدلّتها مقامه ذاتاً و عقلًا.

ثانيهما: في وقوع ذلك في أدلّة الأمارات الشرعيّة بعد الفراغ عن إثبات إمكانه ذاتاً و عقلًا.

في إمكان قيام الأمارات و الاصول مقام القطع‏

أمّا المقام الأوّل: فلا إشكال في إمكان قيامها مقام الطريقي المحض، و إنّما

47

الكلام في إمكان قيامها مقام القطع الموضوعي الذي اخذ فيه بما أنّه كاشف عن الواقع، فإنّه ربّما يقال بعدم إمكانه بمقتضى‏ نفس أدلّتها لوجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكره في «الكفاية»، و حاصله:

أنّ ذلك ممتنع؛ لاستلزامه الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي، و هو محال، فإنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يحتاج إلى‏ لحاظ الظنّ و القطع آليّاً، و تنزيل الظنّ منزلة القطع يحتاج إلى‏ لحاظهما استقلاليّاً، و الجمع بينهما في لحاظٍ واحد مستحيل‏ (1). انتهى.

أقول: و كأنّ أصل الإشكال عندهم مُسلَّم و مفروغ عنه؛ أي لزوم اجتماع اللحاظين و امتناعه، و أنّه لا مفرّ عنه.

فأجابوا عنه: تارةً بأنّه ليس فيه إلّا تنزيل واحد، و هو تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة المقطوع، و لكن يلزمه عرفاً تنزيل الظنّ منزلة القطع. ذكره في «الحاشية على الفرائد» (2).

و اخرى‏: بأنّه ليس فيه إلّا تنزيل الظنّ منزلة القطع و لحاظهما آليّاً، و يلزمه تنزيل المظنون منزلة الواقع‏ (3).

و لكن لا يخفى فساد أصل الإشكال:

أمّا أوّلًا: فلأنّا لا نُسلِّم عدم إمكان الجمع بين اللحاظين، فإنّه قد يتوجّه القاطع بشي‏ءٍ- ككونه قاطعاً بجلوسه في المسجد- إلى‏ قطعه بذلك، مع توجُّهه إلى‏ كونه فيه، كما نجده بالوجدان.

و يدلّ على ذلك: تعليق الحكم بوجوب التمام على المسافر القاصد

____________

(1)- كفاية الاصول: 304.

(2)- حاشية فرائد الاصول، المحقق الخراساني: 8- 9.

(3)- انظر نهاية الدراية 2: 17 سطر 19.

48

للإقامة عشرةَ أيّام، فإنّ القصد كالقطع فيما ذُكر و قد تعلّق الحكم به، مع امتناع تعلّق الحكم بما يمتنع الالتفات إليه، و السرّ فيه إمكان الالتفات إلى‏ قصد الإقامة، و كذلك القطع، فإنّه يمكن توجُّه القاطع إلى‏ قطعه. نعم نفس القطع غالباً مغفول عنه بالنسبة للقاطع.

و ثانياً: سلّمنا ذلك، لكنّه إنّما يصحّ بالنسبة إلى‏ نفس القاطع و أمّا بالنسبة إلى‏ شخص آخر غير القاطع كالحاكم، فلا إشكال في إمكان لحاظه قَطْع الغير- بما هو قطع و بما هو كاشف عن الواقع في عرض واحد- فيعلّق حكمه به، فالملحوظان الآلي و الاستقلالي يجتمعان في نظر الحاكم معاً بلحاظٍ واحد.

الوجه الثاني: أيضاً ذكره في «الكفاية» إشكالًا على ما أجاب به عن امتناع اللحاظين في «الحاشية على الفرائد»: من أنّه ليس في الأمارات إلّا تنزيل واحد، و هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فيُفهم منه بالملازمة العُرفيّة تنزيل الظنّ منزلة العلم‏ (1)، و حاصل الإشكال الذي ذكره في «الكفاية» على ذلك:

هو أنّه يستلزم الدَّور؛ و ذلك لأنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع متوقّف على تنزيل الظنّ منزلة القطع بالملازمة المذكورة؛ لأنّ المفروض عدم دليل أو أصل يُحرَز به ذلك؛ لأنّ التنزيل إنّما يصحّ إذا ترتّب عليه أثر شرعيّ، و الأثر فيما نحن فيه- و هو الحكم الواقعي- متعلِّق بجزءين: أحدهما القطع، و الثاني المقطوع به موقوف على تنزيل الظنّ منزلة القطع في عرض ذلك التنزيل؛ ليترتّب عليه الأثر، و إلّا فبدون إحراز الجزء الآخر للموضوع ليس هنا أثر شرعيّ يترتّب على التنزيل، و المفروض أنّ تنزيل الظنّ منزلة القطع موقوف على تنزيل المظنون منزلة الواقع، و هو دور (2). انتهى.

____________

(1)- حاشية فرائد الاصول، المحقّق الخراساني: 9 سطر 7.

(2)- كفاية الاصول: 306- 307.

49

أقول: اعتبار ترتُّب الأثر الشرعي في صحّة التنزيل، إنّما هو لأجل دفع محذور اللَّغْويَة، و إلّا فلا دليل لفظيّ يدلّ على ذلك، و حينئذٍ نقول: لا يُعتبر في الأثر المترتِّب عليه فعليّة التأثير، بل المعتبر هو ترتّب ما يُدفع به محذور اللَّغْويّة و إن لم يكن الأثر فعليّاً، و حينئذٍ فيكفي في صحّة تنزيل المظنون منزلة المعلوم إحرازُ جزء الموضوع للأثر؛ ليصير فعليّاً بعد إحراز الجزء الآخر- كما في ما نحن فيه- فلا يتوقّف تنزيل المظنون منزلة المعلوم على تنزيل الظنّ منزلة العلم بالملازمة العرفيّة بين التنزيلين.

فتلخّص: أنّه لا محذور عقليّ في قيام الأمارات و الاصول مقام القطع بأقسامه.

و إنّما الكلام في المقام الثاني: و هو أنّه هل هو واقع في أدلّة الأمارات و الاصول أو لا؟

فذهب الميرزا النائيني (قدس سره) إلى‏ أنّ ذلك واضح فيها في القطع الطريقي المحض، و فيما اخذ موضوعاً بما أنّه كاشف عن الواقع، لا فيما اخذ موضوعاً بما أنّه صفة خاصّة، و ملخص ما أفاده في بيان ذلك هو:

أنّ في هذا القطع ثلاث جهات:

الجهة الاولى: القطع بما أنّه صفة خاصّة قائمة بالنفس.

الثانية: كشفه عن الواقع و طريقيّته إلى‏ الواقع.

الثالثة: الجري العملي على طبقه و الحركة إلى الإتيان و العمل على وفقه.

ثمّ إنّ المجعول في باب الأمارات و الطرق هي الجهة الثانية- على ما هو الحقّ عندنا- و في باب الاصول المُحرزة هي الجهة الثالثة، فكأنّ الشارع جعل الأمارات طريقاً تامّاً بعد ما كان لها الطريقيّة الناقصة، فتمّم كشفها و جعلها مُحرِزاً للواقع كالقطع.

50

و منه يظهر: أنّ حكومة الأمارات على الأحكام الواقعيّة حكومة ظاهريّة، و هي عبارة عمّا يوجب التوسعة و التضييق في إحراز الواقع، و أنّ إحرازه لا يختصّ بالقطع فقط، بل يمكن إحرازه بالأمارات أيضاً، لا حكومة واقعيّة، و هي ما يوجب التوسعة و التضييق في الواقع مثل:

(الطواف بالبيت صلاة)

(1)، و ليس في الحكومة الظاهريّة توسعة و تضييق في الواقع، إلّا بناءً على بعض الوجوه لجعل المؤدّى الذي يرجع إلى‏ التصويب.

و الحاصل: أنّ حكومة الأمارات على الأحكام الواقعيّة ظاهريّة و في طولها و في طريق إحرازها، و المجعول فيها نفس المُحرِزيّة للواقع لدى من قامت الأمارة عنده، كما في صورة العلم، و المفروض أنّ الأثر مترتِّب على الواقع المُحرَز، فإنّ ذلك من لوازم أخذ العلم موضوعاً من حيث الكاشفيّة، و بنفس دليل الأمارات يحرز الواقع، فتقوم مقامه بلا التماس دليل آخر، و تركيب الموضوع من الواقع و الإحراز ليس على حدّ الموضوع المركّب من الأجزاء العرضيّة، كالصلاة التي يحتاج إلى‏ إحراز كلٍّ منها إلى‏ المحرِز الوجداني أو التعبُّدي، فإنّه بنفس إحراز ذلك الشي‏ء يتحقّق كلا جزءي الموضوع، و لا يفتقر إلى‏ إحرازين أو تعبُّدين‏ (2). انتهى.

أقول: لا بدّ أوّلًا من ملاحظة أدلّة الأمارات و الاصول، و أنّها هل تدلّ على تنزيل الظنّ منزلة القطع، و أنّ إحراز الواقع أوّلًا و بالذات إنّما هو بالقطع، و إحرازه بالأمارات إنّما هو بواسطة قيامها مقام القطع و تنزيلها منزلته أو أنّه ليس فيها ما يدلّ على ذلك؟

____________

(1)- عوالي اللآلي 1: 214/ 70، مستدرك الوسائل 9: 410، كتاب الحج، أبواب الطواف، الباب 38، الحديث 2.

(2)- فوائد الاصول 3: 16- 22.