تهذيب الأصول - ج3

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
748 /
1

تهذيب الاصول‏

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه موسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره)

تأليف‏

آية اللَّه الشيخ جعفر السبحانى‏

2

هوية الكتاب‏

* اسم الكتاب: ... تهذيب الاصول/ ج 3*

* المؤلف: ... آية اللَّه الشيخ جعفر السبحاني التبريزي*

* تحقيق و نشر: ... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: ... شهريور 1382- رجب المرجّب 1424*

* الطبعة: ... الاولى*

* المطبعة: ... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: ... 3000 نسخة*

* السعر: ... 21000 ريال*

* سعر الدورة: ... 55000 ريال*

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقصد السابع في الاصول العملية

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

القول في البراءة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

و ينبغي تقديم امور:

الأمر الأوّل: في بيان حالات المكلّف و ذكر مجاري الاصول‏

قد اختلفت كلمات الأعاظم في بيان حالات المكلّف و ذكر مجاري الاصول‏ (1)، و كلّها لا يخلو عن النقض و الإبرام.

فإنّ ما أفاده شيخنا العلّامة و إن كان أحسن و اتقن؛ فقال: إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم: فإمّا أن يكون قاطعاً به أو لا، و على الثاني: فإمّا أن يكون له طريق منصوب من قبل الشارع أو لا، و على الثاني: إمّا أن يكون له حالة سابقة ملحوظة أو لا، و على الثاني: إمّا أن يكون الشكّ في حقيقة التكليف أو في متعلّقه، و على الثاني: إمّا أن يتمكّن من الاحتياط أو لا (2)، انتهى.

لكن يرد عليه مع ذلك: أنّه لو كان المراد من القطع بالحكم هو القطع التفصيلي به ففيه- مضافاً إلى أنّه لا وجه لتخصيصه بالتفصيلي- أنّ ذلك لا يناسب‏

____________

(1)- راجع فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 24: 25، كفاية الاصول: 296، فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 4.

(2)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 323.

10

مع البحث عن القطع الإجمالي في مبحث القطع.

و إن أراد الأعمّ منه و من الإجمالي: فيقع التداخل بين مباحثه و مباحث الاشتغال، و عليه لا بدّ أن يبحث عن الشكّ في المتعلّق- الاشتغال- في أبحاث القطع لا في أبحاث الشكّ؛ فإنّ الشكّ في المتعلّق يلازم القطع الإجمالي بالحكم.

و منه يعلم: أنّه لو أراد من الطريق المنصوب من الشارع الأعمّ ممّا عرضه الإجمال في متعلّقه أو لا، يقع التداخل بينه و بين الشكّ في المتعلّق.

أضف إلى ذلك: أنّه ليس لنا طريق منصوب من الشارع، و أنّه ليس هنا أمارة تأسيسية، بل كلّها إمضائية.

و على ذلك يصير البحث عن تلك الأمارات الإمضائية بحثاً استطرادياً، فيكون عامّة مباحث الظنّ أبحاثاً استطرادياً، إلّا أن يراد بالطريق المنصوب أعمّ من الطرق الإمضائية. و مع ذلك يرد عليه الظنّ على الانسداد، بناءً على الحكومة. و لا محيص عن هذه الإشكالات و أشباهها.

و الأولى أن يقال: إنّ هذا التقسيم إجمال للمباحث الآتية مفصّلًا، و بيان لسرّ تنظيم المباحث؛ فإنّه لأجل حالات المكلّف بالنسبة إلى الأحكام؛ فإنّه لا يخلو بعد الالتفات من القطع بالحكم أو الظنّ أو الشكّ به.

و الشكّ لا يخلو: إمّا أن يكون له حالة سابقة أو لا، و الثاني لا يخلو: إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو المكلّف به، و الثاني لا يخلو: إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا. فرتّبت المباحث حسب حالات المكلّف، من غير نظر إلى المختار فيها.

فلا يرد الإشكال إلّا التداخل بين القطع و الشكّ في المتعلّق؛ فإنّه من القطع الإجمالي.

11

و يمكن أن يذبّ عنه: بأنّ ما ذكر في مبحث القطع هو حيث حجّية القطع و ما يرتبط به، و ما ذكر في مبحث الاشتغال جهات اخر مربوطة بالشكّ، فلا يتداخلان؛ لاختلاف اللحاظ.

و على ما ذكرناه لا يحتاج إلى تقييد الحالة السابقة بالملحوظة حتّى يرد عليه: أنّه من قبيل الضرورة بشرط المحمول.

بل الأولى في تنظيم مباحث الاصول: أن يبحث من القطع بقسميه في مبحثٍ، و ادرج فيه بعض مباحث الاشتغال ممّا كان الحكم معلوماً إجمالًا بالعلم الوجداني، كإمكان الترخيص و امتناعه؛ و لو في بعض الأطراف.

ثمّ اردف بمبحث الأمارات؛ سواء كانت الأمارة قائمة مفصّلًا أو إجمالًا، و ادرج فيه سائر مباحث الاشتغال و التخيير، و ادرج البحث عن التعادل و الترجيح في ذيل حجّية خبر الثقة. ثمّ اردف بمبحث الاستصحاب، ثمّ مبحث البراءة حتّى يكون الترتيب حسب ترتيب حالات المكلّف، و الأمر سهل.

الأمر الثاني: في وجه تقديم الأمارات على الاصول‏

قد عرّف المحقّقون الحكومة بتعاريف‏ (1)، و لعلّ محصّلها يرجع إلى كون الدليل الحاكم متعرّضاً للمحكوم نحو تعرّض، و لو بنحو اللزوم العرفي أو العقلي ممّا لا يرجع إلى التصادم في مرحلة الظهور. و إن شئت قلت: كون الدليل متعرّضاً لحيثية من حيثيات دليل المحكوم ممّا لا يتكفّله دليل المحكوم؛ توسعة و ضيقاً.

____________

(1)- راجع فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 27: 13، كفاية الاصول: 496، فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 594، 712- 714.

12

و بذلك- أي تعرّض الحاكم لما لم يتعرّض به المحكوم ممّا يرجع إلى حيثية من حيثياته- يعلم: أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل الحاكم و كيفية تأديته، فلا يتصوّر بين اللبّية الصرفة كالإجماع أو الأدلّة العقلية، نعم يتصوّر بينهما الورود أو التخصيص و غيرهما.

إذا عرفت ذلك: المشهور أنّ الأمارات حاكمة على الاصول العملية، و الظاهر أنّ في هذا التعبير مسامحة؛ فإنّ الحكومة إنّما هو بين أدلّة الأمارات و أدلّة الاصول لا بينهما، كما لا يخفى.

على أنّ أدلّة الأمارات ليست على نسق واحد حتّى يصير الترجيح على أدلّة الاصول بمثابة واحدة بل تختلف، و باختلافها يختلف وجه الترجيح.

فإنّ من الأمارات قول الثقة؛ فإن كان المدرك لحجّية قوله آية النبأ (1)، فالترجيح إنّما هو بالحكومة؛ فإنّ لسانها أنّ خبر العدل متبيّن، و ليس العمل على قوله عملًا بجهالة، فيقدّم على الاصول؛ لكون موضوعاتها الجهالة و عدم العلم أو الشكّ.

و إن كان حجّيتها لأجل بعض الأخبار الواردة فيها فلا يبعد أن يكون التقديم أيضاً على نحو الحكومة، مثل‏

قوله (عليه السلام):

«ما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان»

(2)

.

و إن كان المستند هو بناء العقلاء على العمل به في امورهم: فلا شكّ أنّ التقديم ليس لأجل الحكومة؛ لتقوّمها بلسان الدليل و دلالته اللفظية، و لا لسان للدليل اللبّي. فلا بدّ أن يكون التقديم بنحو الورود أو غيره.

____________

(1)- الحجرات (49): 6.

(2)- الكافي 1: 329/ 1، وسائل الشيعة 27: 138، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4.

13

و من ذلك يعلم: أنّ تقديم دليل أصالة الصحّة في فعل الغير على الاستصحاب ليس بنحو الحكومة، لكونه لبّياً، و هو بناء العقلاء.

و أمّا تقديم أدلّة قاعدة التجاوز على دليل الاستصحاب فالظاهر: أنّه على نحو الحكومة، بناءً على أنّ الاستصحاب أصل؛ فإنّ مفاده عدم نقض اليقين بالشكّ، و لسان الأدلّة في القاعدة هو عدم الشكّ أو عدم شيئيته، و هذا لسان الحكومة، بل أيّ حكومة أقوى من قوله:

«إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه»

(1)

،

أو

قوله (عليه السلام):

«فشكّك ليس بشي‏ء»

(2)

.

ثمّ‏ إنّ بعض أعاظم العصر نسب إلى الشيخ الأعظم أنّه قال هنا و في مبحث التعادل و الترجيح: إنّ التنافي بين الأمارات و الاصول هو التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري و أنّ الجمع هو الجمع.

ثمّ أورد عليه: بأنّ المقامين مختلفان تنافياً و جمعاً، و أنّ الجمع بين الأمارات و الاصول إنّما هو بالحكومة لا بما أفاده‏ (3)، انتهى.

و فيه: أنّ الشيخ الأعظم قد صرّح بحكومة الأمارات على الاصول في كلا المقامين، و ليس في كلامه ما يوهم ما نسبه إليه، فراجع‏ (4)

____________

(1)- تهذيب الأحكام 1: 101/ 262، وسائل الشيعة 1: 469، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 42، الحديث 2.

(2)- تهذيب الأحكام 2: 352/ 1459، وسائل الشيعة 8: 237، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 23، الحديث 1.

(3)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 326.

(4)- فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25: 11 و 27: 11.

14

الأمر الثالث: وحدة مناط البحث في جميع أقسام الشبهات‏

أنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) قد بحث عن كلّ من الشبهات بحثاً مستقلًّا، مع أنّ المناط في الجميع واحد؛ سواء كانت الشبهة تحريمية أو وجوبية، موضوعية كانت أو حكمية، كانت الشبهة في الحكم لأجل فقدان النصّ أو تعارضه أو إجماله.

و مجرّد اختصاص بعض الأقسام بالخلاف دون بعض، أو عمومية بعض الأدلّة دون بعض لا يوجب إفراد البحث لكلّ واحدة من الأقسام.

إذا عرفت هذه المقدّمات فنقول:

15

حول استدلال الاصوليّين على البراءة

استدلّ على البراءة بالأدلّة الأربعة:

الاستدلال بالآيات‏

فمنها: قوله تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (1).

وجه الاستدلال على وجه يندفع ما اشكل عليه من الإيراد أن يقال: إنّ المتفاهم عرفاً من الآية- لأجل تعليق العذاب على بعث الرسول الذي هو مبلّغ لأحكامه تعالى، و بمناسبة الحكم و الموضوع- هو أنّ بعث الرسول ليس له موضوعية في إنزال العقاب، بل هو طريق لإيصال التكاليف إلى العباد، و إتمام الحجّة به عليهم.

و ليس المراد من بعث الرسول هو بعث نفس الرسول؛ و إن لم يبلّغ أحكامه، فلو فرض أنّه تعالى بعث رسولًا لكن لم يبلّغ الأحكام في شطر من الزمان- لمصلحة أو جهة اخرى- لا يصحّ أن يقال: إنّه تعالى يعذّبهم؛ لأنّه بعث الرسول.

____________

(1)- الإسراء (17): 15.

16

و كذا لو بلّغ بعض الأحكام دون البعض يكون التعذيب بالنسبة إلى ما لم يبلّغ مخالفاً للوعد في الآية. و كذا لو بلّغ إلى بعض الناس دون بعض لا يصحّ أن يقال: إنّه يعذّب الجميع؛ لأنّه بعث الرسول. و كذا لو بلّغ جميع الأحكام في عصره ثمّ انقطع الوصول إلى الأعصار المتأخّرة.

و هذا أو أشباهه يدلّ على أنّ الغاية لاستحقاق العذاب هو التبليغ الواصل، و أنّ ذكر بعث الرسول مع انتخاب هذه الكلمة كناية عن إيصال الأحكام و إتمام الحجّة، و أنّ التبليغ غير الواصل في حكم العدم، و أنّه لا يصحّح العذاب، كما أنّ وجود الرسول بين الامّة بلا تبليغ كذلك.

و على ذلك: فلو بحث المكلّف عن تكليفه و وظيفته بحثاً أكيداً، فلم يصل إلى ما هو حجّة عليه- من علم تفصيلي أو إجمالي و غيرهما من الحجج- فلا شكّ أنّه يكون مشمولًا لقوله عزّ و جلّ: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»؛ لما عرفت من أنّ الغاية للوعيد بحسب اللبّ هو إيصال الأحكام إلى العباد، و أنّ بعث الرسل ليس له موضوعية فيما رتّب عليه.

و إن شئت قلت: إنّ قوله تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ» تنزيه للحقّ تعالى شأنه، و هو يريد بهذا البيان أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لمقامه الربوبي، و أنّ شأنه تعالى أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر؛ فلذلك عبّر بقوله: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ»، دون أن يقول: «و ما عذّبنا»، أو «ما أنزلنا العذاب»، و ذلك للإشارة إلى أنّ هذا الأمر منافٍ لمقامه الأرفع و شأنه الأجلّ.

و بعبارة أوضح: أنّ الآية مسوقة: إمّا لإفادة أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لعدله و قسطه، أو منافٍ لرحمته و عطوفته و لطفه على العباد.

فلو أفاد الأوّل لَدلّ على نفي الاستحقاق و أنّ تعذيب العبد حين ذاك أمر

17

قبيح مستنكر يستحيل صدوره منه، و لو أفاد الثاني لدلّ على نفي الفعلية، و أنّ العذاب مرتفع؛ و إن لم يدلّ على نفي الاستحقاق. و سيأتي عدم الفرق بين المفادين فيما هو المهمّ.

و قد اورد على الاستدلال بالآية امور:

منها: ما عن بعض أعاظم العصر من أنّ مفاد الآية أجنبي عن البراءة؛ فإنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم من حيث إنّه مشتبه‏ (1).

و فيه: ما عرفت في تقرير الاستدلال من أنّ بعث الرسل كناية عن إيصال الأحكام، فالمشتبه الحكم داخل في مفاد الآية؛ إمّا لما ذكرناه من أنّ بعث الرسل لأجل كونها واسطة في التبليغ، أو بإلغاء الخصوصية و إلحاق مشتبه الحكم بالموارد التي لم يبلّغها الرسل.

منها: أنّ الآية راجعة إلى نفي التعذيب عن الامم السالفة قبل بعث الرسل، فلا مساس له بالمقام‏ (2).

و فيه أوّلًا: أنّ التأمّل في الآيات المتقدّمة عليها يعطي خلاف ذلك، فإليك بمراجعة ما تقدّمها من الآيات تجد صحّة ما ادّعيناه.

و ثانياً: لو فرض أنّ موردها ما ذكر، غير أنّ التعبير بقوله تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ» حاكٍ عن كونه سنّة جارية للَّه عزّ شأنه، من دون فرق بين السالفة و القادمة، و أنّ تلك الطريقة سارية في عامّة الأزمان، من غير فرق بين السلف و الخلف.

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 333- 334.

(2)- فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25: 23.

18

و لو لم نقل: إنّ ذلك مفاد الآية حسب المنطوق فلا أقلّ يفهم العرف من الآية- و لو بإلغاء الخصوصية و مناسبة الحكم و الموضوع- أنّ التعذيب قبل البيان لم يقع و لن يقع أبداً.

منها: أنّ الاستدلال بها لما نحن فيه متقوّم بكونها في مقام نفي الاستحقاق لا نفي الفعلية؛ لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب المشتبه و عدمه، لا في فعلية العقاب‏ (1).

و فيه: أنّ ذلك أوّل الكلام؛ إذ النزاع بين الاصولي و الأخباري إنّما هو في ثبوت المؤمّن و عدمه في ارتكاب الشبهات، و أنّه هل يلزم الاحتياط أو لا؟ و هذا هو مصبّ النزاع بين الطائفتين، و أمّا البحث عن الاستحقاق و عدمه فهو خارج عمّا يهمّ على كلا الفريقين.

و بالجملة: أنّ المرمي للقائل بالبراءة هو تجويز شرب التتن المشتبه الحكم لأجل وجود مؤمّن شرعي أو عقلي حتّى يطمئنّ أنّه ليس في ارتكابه محذور؛ سواء كان ذلك لأجل رفع العقوبة الفعلية أو نفي الاستحقاق.

و الشاهد على ما ذكرنا: أنّك ترى القوم يستدلّون على البراءة بحديث الرفع الظاهر عندهم في رفع المؤاخذة، لا نفي الاستحقاق.

و بما ذكرنا يظهر: أنّ الآية أسدّ الأدلّة التي استدلّ بها للبراءة، و أنّ ما اورد عليه من الإيرادات غير خالٍ عن الضعف.

نعم، لا يستفاد من الآية أكثر ممّا يستفاد من حكم العقل الحاكم على قبح العقاب بلا بيان؛ فلو دلّ الدليل على لزوم الاحتياط أو التوقّف لصار ذلك نفسه بياناً، فيكون ذاك الدليل وارداً على العقل و ما تضمّنته الآية.

____________

(1)- الفصول الغروية: 353/ السطر 7، كفاية الاصول: 385.

19

و منها: قوله تعالى:

«لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» (1).

بيان الاستدلال: أنّ المراد من الموصول التكليف، و من «الإيتاء» الإيصال و الإعلام، و معناها: أنّ اللَّه لا يكلّف نفساً إلّا تكليفاً أوصلها و بلّغها.

و يمكن بيانه بوجه آخر حتّى ينطبق على ما سبقها من الآيات بأن يقال: إنّ المراد من الموصول هو الأعمّ من الأمر الخارجي و نفس التكليف، و أنّ المراد من «الإيتاء» الأعمّ من نفس الإقدار و الإيصال، و يصير مفادها: أنّ اللَّه لا يكلّف نفساً تكليفاً و لا يكلّفه بشي‏ء- كالإنفاق- إلّا بعد الإيصال و الإقدار.

و في كلا التقريرين نظر، بل منع:

أمّا الأوّل: فلأنّ إرادة خصوص التكليف منه مخالف لمورد الآية و ما قبلها و ما بعدها.

نعم، الظاهر أنّ قوله: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» هو الكبرى الكلّية، و بمنزلة الدليل على ما قبلها، كما يظهر من استشهاد الإمام (عليه السلام) بها في رواية عبد الأعلى؛ حيث سأل أبا عبد اللَّه (عليه السلام): هل كلّف الناس بالمعرفة؟

قال: «لا، على اللَّه البيان، «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها»، و «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها»» (2).

و لعلّ المراد بالمعرفة هي المعرفة الكاملة التي لا يمكن إلّا بإقداره تعالى‏

____________

(1)- الطلاق (65): 7.

(2)- الكافي 1: 163/ 5.

20

و تأييده، لا مطلق العلم بوجود صانع للعالم، الذي هو فطري.

ثمّ إنّ التعبير بالإيتاء الذي بمعنى الإعطاء لا يبعد أن يكون مشاكلة لقوله:

«فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ».

و أمّا ثاني التقريرين: فالمنع فيه أوضح؛ لأنّ إرادة الأعمّ من الموصول مع إسناد فعل واحد إليه غير ممكن في المقام؛ إذ لو اريد من الموصول نفس التكليف ينزّل منزلة المفعول المطلق.

و لو اريد مع ذلك الأمر الخارجي الذي يقع عليه التكليف يصير مفعولًا به و تعلّق الفعل بالمفعول المطلق- سواء كان نوعياً أم غيره- يباين نحو تعلّقه بالمفعول به؛ لعدم الجامع بين التكليف و المكلّف به بنحو يتعلّق التكليف بهما على وزان واحد.

و إن شئت قلت: المفعول المطلق هو المصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل، و المفعول به ما يقع عليه الفعل المباين معه، و لا جامع بين الأمرين حتّى يصحّ الإسناد.

ثمّ إنّ بعض محقّقي العصر (قدس سره) وجّه إرادة الأعمّ من الموصول و الإيتاء، ما هذا خلاصته: إنّ الإشكال إنّما يرد في فرض إرادة الخصوصيات المزبورة من شخص الموصول، و إلّا فبناءً على استعمال الموصول في معناه الكلّي العامّ و إرادة الخصوصيات المزبورة من دوالّ اخر خارجية فلا يتوجّه محذور؛ لا من طرف الموصول، و لا في لفظ الإيتاء، و لا من جهة تعلّق الفعل بالموصول:

أمّا من جهة الموصول فلأجل استعماله في معناه الكلّي، و أنّ إفادة الخصوصيات من دوالّ اخر.

و أمّا الإيتاء فهو مستعمل في معنى الإعطاء، غير أنّه يختلف مصاديقه؛

21

من كونه تارة هو الإعلام عند إضافته إلى الحكم، و اخرى الملكية عند إضافته إلى المال.

و أمّا تعلّق الفعل بالموصول؛ حيث لا يكون له إلّا نحو تعلّق واحد به، و مجرّد تعدّده بالتحليل لا يقتضي تعدّده بالنسبة إلى الجامع الذي هو مفاد الموصول، غاية الأمر يحتاج إلى تعدّد الدالّ و المدلول‏ (1)، انتهى.

قلت: إنّ كون الشي‏ء مفعولًا مطلقاً ليس معناه إلّا كونه ملحوظاً عند إضافة الفعل إليه بأنّه من شؤون الفعل و كيفياته على نحو يكون وجوده بعين وجود الفعل، كما أنّ المفعول به يلاحظ عند إضافة الفعل إليه بأنّه أمر موجود في الخارج وقع الفعل عليه، و مع ذلك فكيف يمكن إرادتهما باستعمال واحد؟

و بعبارة اخرى: أنّ نحو تعلّق الفعل بهما مباين لا جامع بينهما. و تعدّد الدالّ و المدلول أو إقامة القرينة على الخصوصيات فإنّما يصحّ إذا كان في المقام جامع واقعي حتّى يكون الخصوصيات من مصاديقه، و أمّا مع عدمه و عدم إمكان إرادتهما منها فلا معنى لإقامة القرينة، كما لا يخفى.

نعم، لو صحّ ما ذكره أخيراً- من إمكان كون المراد من التكليف في الآية هو الكلفة و المشقّة، لا الحكم الشرعي‏ (2)- لرجع النسبتان إلى نسبة واحدة؛ إذ يجعل الموصول- حينئذٍ- عبارة عن المفعول به أو المفعول النشوي المعبّر عنه في كلام بعضهم بالمفعول منه. فيصير مفاد الآية: أنّه سبحانه لا يوقع عباده في كلفة حكم إلّا الحكم الذي أوصله إليهم، و ارتفع الإشكال، لكنّه غير مفيد للمقام، كما يأتي الكلام فيه.

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 202- 203.

(2)- نفس المصدر 3: 203.

22

ثمّ إنّه (قدس سره) بعد ما استوجه وجود الجامع استشكل في التمسّك بالإطلاق: تارة بوجود القدر المتيقّن؛ حيث إنّ القدر المتيقّن- حسب سياق الآيات- هو المال، و اخرى بأنّ المستفاد منها عدم الكلفة من قبل التكاليف المجهولة غير الواصلة إلى المكلّف، لا نفي الكلفة مطلقاً؛ و لو من قِبل إيجاب الاحتياط، فيكون مفادها مساوقاً لحكم العقل، فلو ثبت ما يدّعيه الأخباري لصار وارداً عليه‏ (1)، انتهى.

و أنت خبير بما فيه؛ إذ وجود القدر المتيقّن غير مضرّ في التمسّك بالإطلاق، كما أوضحناه في مبحث المطلق و المقيّد (2).

كما أنّ جعل الاحتياط لأجل التحفّظ على التكاليف الواقعية لا يناسب مع سوق الآية؛ لأنّ مساقها مساق المنّة و الامتنان، و الإخبار عن لطفه و عنايته؛ بأنّه لا يجعل العباد في الكلفة و المشقّة من جهة التكليف إلّا مع إيصالها.

و من المعلوم: أنّ جعل الاحتياط تضييق على المكلّف بلا إيصال؛ لأنّ المرمي من الاحتياط هو التحفّظ على الواقع، لا كونه طريقاً موصلًا إلى الواقع، فإيجاب التحفّظ في الشبهات البدوية كلفة بلا إيصال و لا إعلام.

ثمّ إنّه (قدس سره) استشكل ثالثاً في التمسّك بالإطلاق ما حاصله: إنّ مساقها مساق‏

قوله (عليه السلام):

«إنّ اللَّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً»

(3)

فيكون دلالتها ممحّضة في نفي الكلفة عمّا لم يوصل علمه إلى العباد؛ لمكان سكوته‏

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 203- 204.

(2)- تقدّم في الجزء الثاني: 273.

(3)- الفقيه 4: 53/ 193، وسائل الشيعة 27: 175، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 68.

23

و عدم بيانه و إظهاره، لا نفي الكلفة مطلقاً عمّا لم يصل علمه إلى العباد؛ لإخفاء الظالمين‏ (1)، انتهى.

و فيه: أنّ ذلك بعيد عن مفاد الآية جدّاً؛ إذ حينئذٍ يصير من قبيل توضيح الواضح؛ إذ مآلها حسب قول القائل إلى أنّ اللَّه لا يكلّف نفساً بما هو ساكت عنه، و هو كما ترى.

نعم، يمكن منع التمسّك بالإطلاق بطريق آخر، بيانه: أنّ معنى الإطلاق- كما مرّ (2)- هو كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم، فلو احتملنا دخالة شي‏ء غير مذكور في الحكم فنحكم به على عدم جزئيته و شرطيته.

و لكن الاحتجاج به بعد انعقاد الظهور لما وقع تحت دائرة الحكم حتّى يحتجّ بعدم تعرّضه على قيد آخر على عدم دخالته، و هذا الشرط منتفٍ في المقام؛ إذ لم يثبت أنّ المتكلّم أراد المعنى الجامع الانتزاعي الذي يحتاج في تصوّر إرادته إلى تكلّف، أو أراد إحدى المعاني الاخر، و مع ذلك التردّد لا مجال للإطلاق؛ إذ غاية ما ذكرنا من المعاني و الوجوه احتمالات و إمكانات، و هو لا ينفع من دون الظهور.

على أنّ الظاهر حسب السياق هو المعنى الأوّل؛ أعني جعل المراد من الموصول الأمر الخارجي، و من «الإيتاء» هو الإقدار و الإعطاء، فلاحظ.

و ممّا ذكرناه: يظهر النظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر في المقام بما هذا حاصله: إنّ المراد من الموصول خصوص المفعول به، و مع ذلك يكون شاملًا للتكليف و موضوعه؛ لأنّ إيتاء كلّ شي‏ء بحسبه.

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 204.

(2)- تقدّم في الجزء الثاني: 159.

24

أضف إلى ذلك: أنّ المفعول المطلق النوعي و العددي يصحّ جعله مفعولًا به بنحو من العناية، كما أنّ الوجوب و التحريم يصحّ تعلّق التكليف بهما باعتبار ما لهما من المعنى الاسم المصدري‏ (1)، انتهى.

و فيه‏- مضافاً إلى عدم إمكان شمول الموصول لهما بما مرّ (2)- أوّلًا: أنّ قوله (قدس سره) إنّ المفعول المطلق يصحّ جعله مفعولًا به بنحو من العناية لا محصّل له، كقوله: إنّ الوجوب و التحريم يصحّ تعلّق التكليف بهما؛ إذ كيف يتصوّر تعلّق البعث بهما على نحو المفعول به؛ و لو اعتبرا بنحو الاسم المصدري؟

و ثانياً: أنّ لازم ما أفاد هو الجمع بين الاعتبارين المتنافيين؛ فإنّ المفعول به مقدّم في الاعتبار على المصدر؛ لأنّه إضافة قائمة به في الاعتبار، و أمّا المفعول المطلق فهو عبارة عن حاصل المصدر، و هو متأخّر رتبةً عن المصدر، فكيف يجمع بينهما في الاعتبار؟ فيلزم ممّا ذكره اعتبار المتأخّر في الاعتبار متقدّماً في الاعتبار في حال كونه متأخّراً.

ثمّ إنّه استشكل على دلالة الآية: بأنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المؤاخذة لا تحسن إلّا بعد بعث الرسل و تبليغ الأحكام، و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث و الإنزال و عروض اختفاء التكليف بما لا يرجع إلى الشارع.

فالآية لا تدلّ على البراءة، بل مفادها مفاد قوله تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (3)، انتهى.

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 332- 333.

(2)- تقدّم في الصفحة 20.

(3)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 333.

25

و فيه: ما عرفت‏ (1) في توضيح دلالة الآية المتقدّمة؛ بأنّ الميزان هو الإبلاغ و الإيصال في استحقاق العقاب، لا الإبلاغ و لو مع عدم الوصول.

على أنّ دلالة تلك- بعد الغضّ عمّا ذكرنا من الإشكال‏ (2)- أوضح من المتقدّمة؛ لوضوح دلالتها في الإبلاغ و الإيصال، من دون أن نحتاج إلى إلغاء الخصوصية، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ القوم استدلّوا ببعض الآيات؛ و حيث إنّ فيما ذكرنا أو ما نذكره من السنّة و الأدلّة العقلية غنىً عن الخوض فيه طوينا البيان عنه، و نذكر ما استدلّوا به من السنّة.

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 15- 16.

(2)- تقدّم في الصفحة 19.

26

الاستدلال بالروايات على البراءة

الرواية الاولى: حديث الرفع‏

روى الصدوق في «الخصال» بسند صحيح عن حريز عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال:

«قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله و سلم) رفع عن امّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد و الطيرة و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة»

(1)

.

و قد ذكر القوم كيفية دلالتها على المقام، غير أنّ المهمّ بيان امور يتمّ بها ما يستفاد من الحديث الشريف:

الأمر الأوّل: في شمول الحديث للشبهات الحكمية

قد استشكل في الاستدلال به للشبهات الحكمية بأُمور:

أوّلها: أنّه لا شكّ أنّ أكثر ما ذكر في الحديث الشريف موجود في الخارج كثير وجوده بين الامّة، مع أنّ ظاهره الإخبار عن نفي وجوده، فلا بدّ من تقدير أمر في الحديث حسب دلالة الاقتضاء؛ صوناً لكلام الحكيم عن اللغوية و الكذب.

فالظاهر: أنّ المقدّر هو المؤاخذة، غير أنّه يصحّ في‏

«ما لا يطيقون» و «ما اضطرّوا إليه» و «ما استكرهوا عليه»،

و أمّا

«ما لا يعلمون»

فإن اريد منه الشبهة

____________

(1)- الخصال: 417/ 9، التوحيد، الصدوق: 353/ 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

27

الموضوعية و المجهول من ناحية المصداق فيصحّ التقدير أيضاً؛ و إن اريد منه الأعمّ أو نفس الحكم المجهول فتقدير المؤاخذة يحتاج إلى العناية (1).

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر أجاب عن الإشكال: بأنّه لا حاجة إلى التقدير؛ فإنّ التقدير إنّما يحتاج إليه إذا توقّف تصحيح الكلام عليه، كما إذا كان الكلام إخباراً عن أمر خارجي، أو كان الرفع رفعاً تكوينياً، فلا بدّ في تصحيح الكلام من تقدير أمر يخرجه عن الكذب.

و أمّا إذا كان الرفع تشريعياً فالكلام يصحّ بلا تقدير؛ فإنّ الرفع التشريعي- كالنفي التشريعي- ليس إخباراً عن أمر واقع، بل إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع و النفي،

كقوله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«لا ضرر و لا ضرار»،

و

قوله (عليه السلام):

«لا شكّ لكثير الشكّ»

و نحو ذلك ممّا يكون متلوّ النفي أمراً ثابتاً في الخارج‏ (2).

و فيه: أنّ الفرق بين الإنشاء و الإخبار في احتياج أحدهما إلى التقدير دون الآخر كما ترى؛ فإنّ الكلام في مصحّح نسبته إلى المذكورات، فلو كان هناك مصحّح؛ بحيث يخرج الكلام عن الكذب و اللغوية تصحّ النسبة مطلقاً؛ إخباراً كان أو إنشاءً، و إن كان غير موجود فلا تصحّ مطلقاً.

و الحاصل: أنّ إسناد الشي‏ء إلى غير ما هو له يحتاج إلى مناسبة و ادّعاء، فلو صحّ لوجود المناسبة يصحّ مطلقاً، بلا فرق بين الإنشاء و الإخبار.

أضف إلى ذلك: أنّ النبي و الأئمّة من بعده (عليهم السلام) ليسوا مشرّعين حتّى يكون الحديث المنقول عنه إنشاءً، بل هو إخبار عن أمر واقع؛ و هو رفع الشارع الأقدس.

____________

(1)- فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25: 28.

(2)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 342- 343.

28

مضافاً إلى أنّ الإخبار بداعي الإنشاء لا يجعله إنشاءً، لا يسلخه عن الإخبارية؛ فإنّ الإخبار بداعي الإنشاء لا يجعل الشي‏ء من قبيل استعمال الإخبار في الإنشاء، بل هو يبقى على إخباريته؛ و إن كان الداعي إليه هو البعث و الإنشاء.

كما هو الحال في الاستفهام الإنكاري و التقريري؛ فإنّ كلمة الاستفهام مستعملة في معناها حقيقة؛ و إن كان الغرض أمراً آخر مخرجاً به عن المحذور.

على أنّ الرفع التشريعي مآله إلى رفع الشي‏ء باعتبار آثاره و أحكامه الشرعية، و هو عين التقدير.

نعم ما ادّعاه (قدس سره) من عدم احتياجه إلى التقدير صحيح، لا لما ذكره بل لأجل كون الرفع ادّعائياً، و سيأتي توضيحه، فانتظر (1).

ثانيها: لا شكّ أنّ المراد من الموصول في‏

«ما لا يطيقون»،

و

«ما استكرهوا» و «ما اضطرّوا»

هو الموضوع الخارجي لا الحكم الشرعي؛ لأنّ هذه العناوين الثلاثة لا تعرض إلّا للموضوع الخارجي دون الحكم الشرعي.

فليكن وحدة السياق قرينة على المراد من الموصول في‏

«ما لا يعلمون»

هو الموضوع المشتبه، لا الحكم المشتبه المجهول، فيختصّ الحديث بالشبهات الموضوعية (2).

ثالثها: أنّ إسناد الرفع إلى الحكم الشرعي المجهول من قبيل الإسناد إلى ما هو له؛ لأنّ الموصول الذي تعلّق الجهل به بنفسه قابل للوضع و الرفع الشرعي، و أمّا

____________

(1)- يأتي في الصفحة 33- 34.

(2)- فرائد الاصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25: 28.

29

الشبهات الموضوعية فالجهل إنّما تعلّق فيها بالموضوع أوّلًا و بالذات، و بالحكم ثانياً و بالعرض.

فيكون إسناد الرفع إلى الموضوع من قبيل إسناد الشي‏ء إلى غير ما هو له؛ لأنّ الموضوع بنفسه غير قابل للرفع، بل باعتبار حكمه الشرعي، و لا جامع بين الموضوع و الحكم، فلا بدّ أن يراد من الموصول هو الموضوع؛ تحفّظاً على وحدة السياق‏ (1).

و أجاب بعض أعاظم العصر (قدس سره)؛ قائلًا بأنّ المرفوع في جميع التسعة إنّما هو الحكم الشرعي، و إضافة الرفع في غير

«ما لا يعلمون»

إلى الأفعال الخارجية لأجل أنّ الإكراه و الاضطرار و نحو ذلك إنّما يعرض الأفعال الخارجية لا الأحكام، و إلّا فالمرفوع فيها هو الحكم الشرعي.

كما أنّ المرفوع في‏

«ما لا يعلمون»

أيضاً هو الحكم الشرعي، و هو المراد من الموصول، و هو الجامع بين الشبهات الموضوعية و الحكمية.

و مجرّد اختلاف منشأ الشبهة لا يقتضي الاختلاف فيما اسند الرفع إليه؛ فإنّ الرفع قد اسند إلى عنوان «ما لا يعلم»، و لمكان أنّ الرفع التشريعي لا بدّ أن يرد على ما يكون قابلًا للوضع و الرفع الشرعي فالمرفوع إنّما يكون هو الحكم الشرعي؛ سواء في ذلك الشبهات الحكمية و الموضوعية. فكما أنّ‏

قوله (عليه السلام):

«لا تنقض اليقين بالشكّ»

يعمّ كلا الشبهتين بجامع واحد، كذلك‏

قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«رفع عن امّتي تسعة أشياء»

(2)

،

انتهى.

____________

(1)- درر الفوائد، المحقّق الخراساني: 190.

(2)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 345.

30

و أنت خبير: بأنّ في المقام إشكالين، و هو (قدس سره) يريد الجواب عنهما معاً: أمّا الأوّل فحاصله: أنّ وحدة السياق يقتضي حمل الموصول في‏

«ما لا يعلمون»

على الموضوع حتّى يتّحد مع أخواته، فالقول بأنّ رفع تلك العناوين بلحاظ رفع آثارها و أحكامها لا يفي بدفع الإشكال.

و منه يعلم ما في جوابه عن ثاني الإشكالين؛ لأنّ مناطه إنّما هو في الإسناد بحسب الإرادة الاستعمالية؛ فإنّ الإسناد إلى الحكم إسناد إلى ما هو له، دون الإسناد إلى الموضوع، فلا بدّ أن يراد في جميعها الموضوع حتّى يصحّ الإسناد المجازي في الجميع. فكون المرفوع بحسب الجدّ الحكم الشرعي لا يدفع الإشكال.

فالحقّ في دفع المحذورين: ما أفاده شيخنا العلّامة- أعلى اللَّه مقامه-:

أمّا عن الأوّل: فلأنّ عدم تحقّق الاضطرار و الإكراه في الأحكام لا يوجب التخصيص في‏

قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«ما لا يعلمون»

و لا يقتضي السياق ذلك؛ فإنّ عموم الموصول إنّما يكون بملاحظة سعة متعلّقه و ضيقه، فقوله:

«ما اضطرّوا إليه»

اريد منه كلّ ما اضطرّ إليه في الخارج، غاية الأمر: لم يتحقّق الاضطرار بالنسبة إلى الحكم.

فيقتضي اتّحاد السياق أن يراد من قوله‏

«ما لا يعلمون»

أيضاً كلّ فرد من أفراد هذا العنوان، أ لا ترى أنّه إذا قيل: «ما يؤكل و ما يرى» في قضية واحدة لا يوجب انحصار أفراد الأوّل في الخارج ببعض الأشياء تخصيص الثاني بذلك البعض.

و بعبارة أوضح: أنّ الإشكال نشأ من الخلط بين المستعمل فيه و ما ينطبق عليه؛ فإنّ الموصول و الصلة في عامّة الفقرات مستعمل في معناهما لا في المصاديق‏

31

الخارجية، و الاختلاف بين المصاديق إنّما يظهر عند تطبيق العناوين على الخارجيات، و هو بمعزل عن مقام الاستعمال.

و هذا خلط سيّال في أكثر الأبواب، و من هذا الباب توهّم أنّ الإطلاق يفيد العموم الشمولي أو البدلي أو غيرهما، مع أنّ الإطلاق لا يفيد قطّ العموم، بل هو مقابل العموم، كما مرّ تحقيقه في مقامه‏ (1).

و أمّا عن الثاني: فإنّ الأحكام الواقعية إن لم تكن قابلة للرفع، و تكون باقية بفعليتها في حال الجهل يكون الإسناد في كلّ العناوين إسناداً إلى غير ما هو له، و إن كانت قابلة للرفع يكون الإسناد إلى‏

«ما لا يعلمون»

إسناداً إلى ما هو له، و إلى غيره إلى غير ما هو له، و لا يلزم محذور؛ لأنّ المتكلّم ادّعى قابلية رفع ما لا يقبل الرفع تكويناً، ثمّ أسند الرفع إلى جميعها حقيقة.

و بعبارة اخرى: جعل كلّ العناوين بحسب الادّعاء في رتبة واحدة و صفّ واحد في قبولها الرفع، و أسند الرفع إليها حقيقة، فلا يلزم منه محذور (2).

ثمّ إنّ بعض محقّقي العصر أنكر وحدة السياق في الحديث؛ قائلًا بأنّ من الفقرات في الحديث: الطيرة و الحسد و الوسوسة، و لا يكون المراد منها الفعل، و مع هذا الاختلاف كيف يمكن دعوى ظهور السياق في إرادة الموضوع المشتبه؟!

على أنّه لو اريد تلك فهو يقتضي ارتكاب خلاف الظاهر من جهة اخرى؛ فإنّ الظاهر من الموصول في‏

«ما لا يعلمون»

هو ما كان بنفسه معروض الوصف، و هو عدم العلم كما في غيره من العناوين الاخر، كالاضطرار و الإكراه و نحوهما؛

____________

(1)- تقدّم في الجزء الثاني: 157- 159.

(2)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 441- 442.

32

حيث كان الموصول فيها معروضاً للأوصاف المزبورة.

فتخصيص الموصول بالشبهات الموضوعية ينافي هذا الظهور؛ إذ لا يكون الفعل فيها بنفسه معروضاً للجهل، و إنّما المعروض له هو عنوانه. و حينئذٍ يدور الأمر بين حفظ السياق من هذه الجهة بحمل الموصول في‏

«ما لا يعلمون»

على الحكم، و بين حفظه من جهة اخرى بحمله على إرادة الفعل، و العرف يرجّح الأوّل‏ (1)، انتهى.

و الجواب عن الأوّل‏- مضافاً إلى أنّ المدّعى وحدة السياق فيما يشتمل على الموصول، لا في عامّة الفقرات- أنّ الفقرات الثلاث أيضاً فعل من الأفعال، غاية الأمر أنّها من قبيل الأفعال القلبية، و لأجل ذلك تقع مورداً للتكليف؛ فإنّ تمنّي زوال النعمة عن الغير فعل قلبي محرّم. و قس عليه الوسوسة و الطيرة؛ فإنّها من الأفعال الجوانحية.

و عن الثاني: أنّ المجهول في الشبهات الموضوعية إنّما هو نفس الفعل أيضاً لا عنوانه فقط، بل الجهل بالعنوان واسطة لثبوت الجهل بالنسبة إلى نفس الفعل، لا واسطة في العروض. فالشرب في المشكوك خمريته أيضاً مجهول؛ و إن كان الجهل لأجل إضافة العنوان إليه.

أضف إلى ذلك: أنّه لو سلّم ما ذكره فلا يختصّ الحديث بالشبهة الحكمية؛ لأنّ الرفع ادّعائي، و يجوز تعلّقه بنفس الموضوع، فيدّعى رفع الخمر بما لها من الآثار، فيعمّ الحديث كلتا الشبهتين.

و ربّما يدّعى‏ اختصاص الحديث بالشبهة الحكمية؛ لأنّ الموضوعات الخارجية غير متعلّقة للأحكام، و إنّما هي متعلّقة بنفس العناوين. فرفع الحكم عنها

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 216.

33

فرع وضعها لها، و قد عرفت منعه.

و فيه أوّلًا: بالنقض بالاضطرار و نحوه؛ فإنّه يتعلّق بالموضوع بلا إشكال؛ فأيّ معنىً لرفع الحكم فيه فليكن هو المعنى في‏

«ما لا يعلمون».

و ثانياً: يمكن أن يقال إنّ الرفع في الشبهات الموضوعية راجع إلى رفع الحكم عن العناوين الكلّية، كما هو الحال في الاضطرار و الإكراه؛ فإنّ الحكم مرفوع عن البيع المكره و الشرب المضطرّ و الخمر المجهول حكماً أو موضوعاً.

و إن شئت قلت: إنّ رفع الحكم مآله إلى نفي المؤاخذة أو رفع إيجاب الاحتياط أو رفع الفعلية، من غير فرق بين الشبهة الحكمية أو الموضوعية.

الأمر الثاني: معنى الرفع في الحديث‏

هل الرفع في الحديث بمعناه الحقيقي، أو هو بمعنى الدفع، استعمل في المقام مجازاً؟

التحقيق هو الأوّل؛ سواء قلنا إنّ المرفوع هو نفس الموضوعات ادّعاءً- كما هو المختار- أو المرفوع آثارها و أحكامها بالتزام تقدير في الكلام.

أمّا على الأوّل فبيانه: أنّ معنى الرفع الحقيقي هو إزالة الشي‏ء بعد وجوده و تحقّقه، و قد اسند إلى نفس هذه العناوين التسعة المتحقّقة في الخارج، فلا بدّ أن يحمل الرفع إلى الرفع الادّعائي، و هو يحتاج إلى وجود المصحّح لهذا الادّعاء.

ثمّ المصحّح كما يمكن أن يكون رفع الآثار يمكن أن يكون دفع المقتضيات عن التأثير؛ لأنّ رفع الموضوع تكويناً كما يوجب رفع الآثار المترتّبة عليه و المتحقّقة فيه، كذلك يوجب عدم ترتّب الآثار عليه بعد رفعه و إعدامه، و هذا مصحّح الدعوى؛ لا سيّما مع وجود المقتضي.

34

فيجوز نسبة الرفع إلى الموضوع ادّعاءً بواسطة رفع آثاره أو دفعها أو دفع المقتضي عن التأثير، و ذلك لا يوجب أن يكون الرفع المنسوب إلى الموضوع بمعنى الدفع، بل لو بدّل الرفع بالدفع ليخرج الكلام عمّا له من البلاغة إلى الابتذال.

و أمّا على الثاني‏- أعني كون المرفوع هو الآثار بالتزام تقدير- فتوضيحه: أنّ إطلاق الرفع إنّما هو لأجل شمول إطلاقات الأدلّة أو عمومها لحالات الاضطرار و الإكراه و النسيان و الخطأ و عدم الطاقة، فعمومات الكتاب- مثل: «وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما» (1) و أضرابه- و السنّة شاملة حسب الإرادة الاستعمالية هذه الحالات.

و إطلاق الرفع إنّما هو حسب تلك الإرادة؛ و إن كان حسب الإرادة الجدّية دفعاً؛ لعدم شمولها لهذه الحالات من أوّل الأمر، لكنّ المصحّح لاستعمال الرفع هو الإرادة الاستعمالية التي مآله إلى ضرب القانون عموماً على موضوعات الأحكام، بلا تقييد و تخصيص. فيستقرّ في ذهن المخاطب بدواً ثبوت الحكم للمضطرّ و الناسي و أشباههما.

ثمّ إنّ المتكلّم يخبر برفع الآثار و الأحكام عن الموضوعات المضطرّ إليها و المستكره بها، و إطلاق الرفع لأجل شمول العامّ القانوني لها، و استقراره في أذهان المخاطبين.

و هذا كلّه بناءً على جواز خطاب الناسي واضح، و أمّا بناءً على عدم جواز خطابه يكون الرفع في الأحكام التكليفية في حقّه في غير مورده.

و أمّا الطيرة و الوسوسة: فالمصحّح لاستعمال الرفع كونهما محكومين‏

____________

(1)- المائدة (5): 38.

35

بالأحكام في الشرائع السابقة، و لم يكن الشرائع السماوية محدودة ظاهراً، بل أحكامها حسب الإرادة الاستعمالية كانت ظاهرة في الدوام و البقاء؛ و لهذا يقال: إنّها منسوخة.

و إن شئت قلت: كان هناك إطلاق أو عموم يوهم بقاء الحكم في عامّة الأزمنة، فإطلاق الرفع لأجل رفع تلك الأحكام الظاهرة في البقاء و الدوام، و يشهد على ذلك‏

قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«عن امّتي»

؛ و إن كان كلّ ذلك دفعاً حسب اللبّ و الجدّ، إلّا أنّ مناط حسن الاستعمال هو الاستعمالية من الإرادتين لا الجدّية، بل لو كان الميزان للرفع هو إطلاق الأحكام في الشرائع السماوية يمكن أن يكون وجه استعمال الرفع في عامّة الموضوعات التسعة لأجل ثبوت الحكم فيها في الشرائع السابقة على نحو الدوام و الاستمرار.

و أمّا

«ما لا يعلمون»

: فالرفع فيه لأجل إطلاق الأدلّة و ظهورها في شمول الحكم للعالم و الجاهل بلا فرق، كما هو المختار في الباب. نعم لو لم نقل بإطلاق الأدلّة فلا شكّ في قيام الإجماع على الاشتراك في التكاليف.

فالرفع لأجل ثبوت الحكم حسب الإرادة الاستعمالية لكلّ عالم و جاهل؛ و إن كان الجاهل خارجاً حسب الإرادة الجدّية، غير أنّ المناط في حسن الاستعمال هو الاستعمالي من الإرادة.

فتلخّص: كون الرفع بمعناها؛ سواء كان الرفع بلحاظ رفع التسعة بما هي هي، أو كان رفع تلك الامور حسب الآثار الشرعية.

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر أفاد: أنّ الرفع بمعنى الدفع؛ حيث قال: إنّ استعمال الرفع مكان الدفع ليس مجازاً، و لا يحتاج إلى عناية أصلًا؛ فإنّ الرفع في الحقيقة يمنع و يدفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق؛ لأنّ بقاء الشي‏ء كحدوثه يحتاج‏

36

إلى علّة البقاء. فالرفع في مرتبة وروده على الشي‏ء إنّما يكون دفعاً حقيقة، باعتبار علّة البقاء؛ و إن كان رفعاً باعتبار الوجود السابق.

فاستعمال الرفع في مقام الدفع لا يحتاج إلى علاقة المجاز، بل لا يحتاج إلى عناية أصلًا، بل لا يكون خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ؛ لأنّ غلبة استعمال الرفع فيما يكون له وجود سابق لا يقتضي ظهوره في ذلك‏ (1)، انتهى.

و في كلامه مواقع للنظر:

منها: أنّ اللغة و الارتكاز قد تطابقا على أنّ معنى الرفع هو إزالة الشي‏ء عن صفة الوجود بعد تحقّقه و تحصّله، فعلى هذا فلو استعمل بمعنى الدفع فلا مناص عن العناية و ما به يتناسب الاستعمال، و إنكار احتياجه إلى العناية مكابرة ظاهرة.

منها: أنّ ما أفاده (قدس سره)؛ من أنّ بقاء الشي‏ء يحتاج إلى العلّة كحدوثه صحيح لا ريب فيه إلّا أنّ ما أفاده من أنّ الرفع عبارة عن دفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق غير صحيح؛ فإنّ دفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق لا يطلق عليه الرفع، بل يطلق عليه الدفع، و إنّما يستعمل الرفع في هذه الحالة لا بهذه الحيثية، بل باعتبار إزالة الشي‏ء عن صفحة الوجود بعد تحقّقه.

و مجرّد تواردهما أحياناً على مورد واحد أو حالة واحدة لا يجعلهما مترادفين، و لا يرفع احتياج الاستعمال إلى العناية.

و إن شئت فاعتبر الحدوث و البقاء؛ فإنّ الأوّل عبارة عن وجود الشي‏ء بعد عدمه وجوداً أوّلياً، و الثاني عبارة عن استمرار هذا الوجود، و تواردهما على المورد لا يجعل الحدوث بقاءً و لا بالعكس.

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 337.

37

منها: أنّ ما اختاره في المقام ينافي مع ما أفاده في الأمر الخامس في بيان عموم النتيجة؛ حيث قال: إنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، و أنّ الرفع يتوجّه على الموجود، فيجعله معدوماً (1).

و ينافي أيضاً مع ما أفاده في التنبيه الأوّل من تنبيهات الاشتغال؛ حيث قال: إنّ الدفع إنّما يمنع عن تقرّر الشي‏ء خارجاً و تأثير المقتضي في الوجود، فهو يساوق المانع، و أمّا الرفع فهو يمنع عن بقاء الوجود و يقتضي إعدام الشي‏ء الموجود عن وعائه.

نعم، قد يستعمل الرفع في مكان الدفع و بالعكس، إلّا أنّ ذلك بضرب من العناية و التجوّز. و الذي يقتضيه الحقيقة هو استعمال الدفع في مقام المنع عن تأثير المقتضي في الوجود، و استعمال الرفع في مقام المنع عن بقاء الشي‏ء الموجود (2)، انتهى.

و بقي في كلامه أنظاراً تركناها مخافة التطويل.

الأمر الثالث: في كيفية حكومة حديث الرفع‏

لا شكّ في أنّه لا تلاحظ النسبة بين هذه العناوين و ما تضمّنه الأدلّة الواقعية؛ لحكومتها عليها، كحكومة أدلّة نفي الضرر و العسر و الحرج عليها، إلّا أنّ الكلام في كيفية الحكومة و فرقها في هذه الموارد الثلاثة:

فقال بعض أعاظم العصر (قدس سره): إنّه لا فرق بين أدلّة نفي الضرر و العسر و الحرج‏

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 353.

(2)- نفس المصدر 4: 222.

38

و بين حديث الرفع؛ سوى أنّ الحكومة في أدلّة نفي الضرر و الحرج إنّما يكون باعتبار عقد الحمل؛ حيث إنّ الضرر و العسر و الحرج من العناوين الطارئة على نفس الأحكام؛ فإنّ الحكم قد يكون ضررياً أو حرجياً، و قد لا يكون.

و في دليل رفع الإكراه و نحوه إنّما يكون باعتبار عقد الوضع؛ فإنّه لا يمكن طروّ الإكراه و الاضطرار و الخطأ و النسيان على نفس الأحكام، بل إنّما تعرض موضوعاتها و متعلّقاتها. فحديث الرفع يوجب تضييق دائرة موضوعات الأحكام، نظير قوله:

«لا شكّ لكثير الشكّ»،

و

«لا سهو مع حفظ الإمام»

(1)

،

انتهى.

و فيه أمّا أوّلًا: أنّ معنى قوله تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (2) هو نفي جعل نفس الحرج لا الأمر الحرجي. و كذا

قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«لا ضرر و لا ضرار»

(3)

هو نفي نفس الضرر لا الأمر الضرري.

فعلى ذلك لا يصحّ ما أفاد: أنّ الحكومة في أدلّة نفي الضرر و الحرج باعتبار عقد الحمل؛ فإنّه إنّما يصحّ لو كان المنفي الأمر الضرري و الحرجي؛ حتّى يقال: إنّ الحكم قد يكون ضررياً أو حرجياً.

و ثانياً: أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل، كما سيوافيك بيانه في محلّه‏ (4)، و لسان الدليلين- أعني‏

«لا ضرر و لا ضرار»

و «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»- متغايران؛ فإنّ الأوّل ينفي نفس الضرر و الثاني ينفي جعل الحرج، و بينهما

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 347.

(2)- الحجّ (22): 78.

(3)- الكافي 5: 292/ 2، وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3.

(4)- الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 234- 238.

39

فرق في باب الحكومة، و يأتي الكلام من أقسام الحكومة في بابها.

و ثالثاً: أنّ الضرر و الحرج من العناوين الطارئة على الموضوعات التي وقعت تحت دائرة الحكم، كالصوم و الوضوء و المعاملة المغبون فيها أحد الطرفين؛ فإنّ الموصوف بالضرر و الحرج نفس هذه العناوين.

نعم، قد ينسبان إلى أحكامها بنحو من العناية و المجاز؛ فإنّ إلزام الشارع و تكليفه ربّما يصير سبباً لوقوع المكلّف في الضرر و الحرج، و على هذا فلا يصحّ قوله: إنّ الضرر و الحرج من العناوين الطارئة على نفس الأحكام. اللهمّ إلّا أن يريد ما قلنا من المسامحة.

و رابعاً: لا شكّ أنّ الخطأ و النسيان قد يعرضان على الموضوع و قد يعرضان على الأحكام.

فمن العجيب ما أفاده (رحمه الله) من أنّ الخطأ و النسيان لا يمكن طروّهما على نفس الأحكام، و لعلّه سهو من قلم المقرّر (رحمه الله).

الأمر الرابع: في بيان المصحّح لإسناد الرفع‏

لا شكّ: أنّ الرفع تعلّق بهذه العناوين في ظاهر الحديث، مع أنّها غير مرفوع عن صفحة الوجود، فيحتاج تعلّق الرفع بها إلى عناية و مناسبة. و هل المصحّح للدعوى هي رفع المؤاخذة أو جميع الآثار أو الأثر المناسب؟ ذهب إلى كلٍّ فريق:

فاختار الأوّل شيخنا العلّامة- أعلى اللَّه مقامه- حيث أفاد: من أنّ الظاهر لو خلّينا و أنفسنا أنّ نسبة الرفع إلى المذكورات إنّما تكون بملاحظة رفع المؤاخذة (1)، انتهى.

____________

(1)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 442.

40

و فيه‏- مضافاً إلى أنّ المؤاخذة أمر تكويني لا يناسب رفعه و لا وضعه مع مقام التشريع- أنّ المؤاخذة ليست من أظهر خواصّها؛ حتّى يصحّ رفع العناوين لأجل رفعها.

مع أنّ صحيحة البزنطي‏ (1) التي استشهد الإمام (عليه السلام) فيها بهذا الحديث على رفع الحلف الإكراهي أوضح دليل على عدم اختصاص الحديث برفع المؤاخذة فقط، و الخصم لم يتلقّ حكم الإمام أمراً غريباً، بل أمراً جارياً مجرى الامور العادية.

و أمّا رفع الأثر المناسب: فقد استشكل فيه شيخنا العلّامة- أعلى اللَّه مقامه- بأنّه يحتاج لملاحظات عديدة (2).

و الظاهر: أنّ ما ذكره ليس مانعاً عن الذهاب إليه؛ إذ لا نتصوّر فيه منعاً إذا ناسب الذوق العرفي، بل الوجه في بطلانه: أنّ رفع الموضوع برفع بعض آثاره ليس أمراً صحيحاً عند العرف الساذج، بل يرى العرف رفع الموضوع مع ثبوت بعض آثاره أمراً مناقضاً، و إنّما يصحّ في نظره رفع الموضوع إذا رفع جميع آثاره تشريعاً حتّى يصحّ ادّعاء رفعه عن صفحة الوجود.

فإن قلت: لو كان الأثر المناسب من أشهر خواصّه و آثاره؛ بحيث يعدّ العرف ارتفاعه مساوقاً لارتفاع الموضوع فمنع توافق العرف على هذا الرفع ممنوع.

قلت: رفع الموضوع برفع بعض الآثار الظاهرة إنّما يصحّ لو نزّل غيره منزلة العدم.

____________

(1)- المحاسن: 339/ 124، وسائل الشيعة 23: 226، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 12.

(2)- درر الفوائد، المحقّق الحائري: 443.

41

و إن شئت قلت: إنّ رفع الموضوع بلحاظ رفع بعض آثاره يتوقّف على تصحيح ادّعاءين: الاولى دعوى أنّ رفع هذا البعض رفع لجميع آثاره و خواصّه، الثانية دعوى أنّ رفع جميع الآثار و خلوّ الموضوع عن كلّ أثر مساوق لرفع نفس الموضوع.

و هذا بخلاف ما لو قلنا: إنّ المرفوع هو عامّة الآثار؛ فإنّه لا يحتاج إلّا إلى الدعوى الثانية فقط. هذا، مع أنّ إطلاق الدليل أيضاً يقتضي رفع الموضوع بجميع آثاره.

لا يقال: إنّ الدعوى الاولى ممّا لا خلاف فيه و لا إشكال؛ فإنّ لهذه العناوين آثاراً غير شرعية، فهي غير مرفوعة جدّاً. فلا بدّ من دعوى أنّ الآثار غير الشرعية في حكم العدم، أو أنّ الآثار الشرعية جميع الآثار، و أيّ فرق بين أن يقال: إنّ هذا الأثر الشرعي جميع الآثار الشرعية، أو أنّ الآثار الشرعية تمام الآثار؟

لأنّا نقول: لا حاجة إلى هذه الدعوى بعد ما كان الرفع في محيط التشريع؛ فإنّ وظيفة الشارع رفع أو وضع ما هو بيده، و أمّا الخارج عن يده فليس له بالنسبة إليهما شأن. فالآثار التكوينية مغفول عنها، فلا يحتاج إلى الدعوى.

لا يقال: إنّ المرفوع بالحديث عند طروّ الخطأ و النسيان الآثار المترتّبة على ذات المعنونات، و أمّا الآثار المترتّبة على نفس الخطأ و النسيان فغير مرفوع قطعاً.

فعلى هذا يحتاج إلى الدعوى الاولى.

لأنّا نقول: إنّ المرفوع إنّما هو آثار الخطأ و النسيان المأخوذين طريقاً إلى متعلّقاتهما، و عنواناً و مرآة إلى معنونهما؛ فإنّه المتبادر من الحديث عند الإلقاء.

فعلى هذا فالآثار المترتّبة على نفس الخطأ و النسيان على نحو الموضوعية مغفولة عنها، فلا يحتاج إلى الدعوى.

42

و إن شئت قلت: إنّ العرف لا يفهم من رفعهما إلّا رفع آثار ما أخطأ و نسي، كما هو المتبادر إذا قيل: «جهالاتهم معفوّة». و يدلّ على ذلك تعبير الإمام في صحيحة البزنطي؛ حيث نقل الحديث بلفظ: «ما أخطئوا».

فظهر: عدم شمول الحديث للآثار المترتّبة على نفس العناوين، و عدم لزوم التفكيك بين فقرات الحديث؛ فإنّ أكثر العناوين المذكورة في الحديث مأخوذ على نحو الطريقية؛ خصوصاً فيما نسب فيه الرفع إلى الموصول، فيكون ذلك قرينة على انتقال الذهن عند استماع إسناد الرفع إليها إلى رفع آثار معنوناتها، لا غير.

نعم، العناوين الثلاثة الأخيرة- الحسد، و الطيرة و الوسوسة- عناوين نفسية، لا مناص فيها إلّا رفع ما هو آثار لأنفسها؛ لعدم قابليتها على الطريقية؛ و إن لزم منه التفكيك، إلّا أنّ هذا المقدار ممّا لا بدّ منه.

و إن أبيت إلّا عن وحدة السياق يمكن أن يقال: إنّ الرفع قد تعلّق في الجميع بعناوين نفسية حسب الإرادة الجدّية، إلّا أنّ ذلك إمّا بذكر نفس تلك العناوين النفسية، أو بذكر ما هو طريق إليها؛ من الخطأ و النسيان، أو بتوسّط الموصول، من دون تفكيك أو ارتكاب خلاف ظاهر.

الأمر الخامس: في شمول الحديث للُامور العدمية

بعد ما أثبتنا: أنّ المرفوع في الحديث هو عموم الآثار، فهل يختصّ بالأُمور الوجودية- أي رفع آثار امور موجودة في الخارج إذا انطبق عليها إحدى تلك العناوين- أو يعمّ؟

مثلًا: لو نذر أن يشرب من ماء الفرات، فاكره على الترك أو اضطرّ إليه أو

43

نسي أن يشربه فهل يجب عليه الكفّارة- بناءً على عدم اختصاصها بصورة التعمّد- أو لا؟

فيظهر عن بعض أعاظم العصر (قدس سره) اختصاصه بالأُمور الوجودية؛ حيث قال:

إنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود؛ لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً، و المفروض أنّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه أو نسيان، فلم يصدر منه أمر وجودي قابل للرفع.

و لا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال مرفوعاً و جعله كالشرب؛ حتّى يقال: إنّه لم يتحقّق مخالفة النذر، فلا حنث و لا كفّارة.

و الحاصل: أنّه فرق بين الوضع و الرفع؛ فإنّ الوضع يتوجّه إلى المعدوم فيجعله موجوداً و يلزمه ترتيب آثار الوجود، و الرفع بعكسه، فالفعل الصادر من المكلّف عن نسيان أو إكراه يمكن ورود الرفع عليه، و أمّا الفعل الذي لم يصدر من المكلّف عن نسيان أو إكراه فلا محلّ للرفع فيه؛ لأنّ رفع المعدوم لا يمكن إلّا بالوضع و الجعل، و الحديث حديث رفع لا حديث وضع‏ (1)، انتهى.

و فيه: أنّ ترك الشرب بعد ما تعلّق عليه النذر و صار ذات أثر يكون له ثبوت في عالم الاعتبار؛ إذ ما لا ثبوت له- و لو بهذا النحو من الثبوت- لا يقع تحت دائرة الحكم، و لا يصير موضوعاً للوفاء و الحنث.

كيف، و قد فرضنا أنّ الكفّارة قد تترتّب على ترك ذاك الترك، و صار ملاكاً للحنث، و بعد هذا الثبوت الاعتباري لا مانع من تعلّق الرفع عليه بما له من الآثار.

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 353.

44

و أمّا ما أفاده من أنّ الرفع لا يمكن إلّا بالوضع غريب جدّاً؛ فإنّ الرفع قد تعلّق بحسب الجدّ على أحكام تلك العناوين و آثارها، فرفع تلك الآثار- سواء كانت أثر الفعل أو الترك- لا يستلزم الوضع أصلًا.

على أنّ التحقيق: أنّه لا مانع من تعلّق الرفع بالأُمور العدمية؛ إذ الرفع رفع ادّعائي لا حقيقي، و المصحّح له ليس إلّا آثار ذلك العدم و أحكامها، كما أنّ المصحّح لرفع الامور الوجودية هو آثارها و أحكامها.

أضف إلى ذلك: أنّ مصبّ الرفع و إن كان نفس الأشياء لكن لا بما هي هي، بل بمعرّفية العناوين المذكورة في الحديث، فكلّ أمر يتعلّق عليه الاضطرار أو يقع مورد النسيان و الإكراه فهو مرفوع الأثر لأجل تلك العناوين، من غير فرق؛ سواء كان المضطرّ إليه أمراً وجودياً أو عدمياً.

و ربّما يقال‏ في مقام جواب المستشكل: أنّ الرفع مطلقاً متعلّق بموضوعية الموضوعات للأحكام؛ فمعنى رفع‏

«ما اضطرّوا إليه»

أنّه رفع موضوعيته للحكم، و كذا في جانب العدم و الترك‏ (1)، انتهى.

و فيه: أنّه لو رجع إلى ما قلناه فنِعْم الوفاق و الاتّفاق، و إن أراد ظاهره من تقدير موضوعية كلّ واحد لأحكامها فهو ضعيف جدّاً؛ لأنّه يكون أسوأ حالًا من تقدير الآثار، بل لا يصير الرفع ادّعائياً، مع أنّه قد اعترف القائل في بعض كلماته:

أنّ الرفع ادّعائي‏ (2)

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 219.

(2)- نفس المصدر 3: 209.

45

الأمر السادس في شمول الحديث للأجزاء و الشرائط و الأسباب و المسبّبات‏

القول في نسيان الجزء و الشرط في العبادات‏

لو نسي شرطاً أو جزءًا من المأمور به فهل يمكن تصحيحها بالحديث- بناءً على عموم الآثار- أو لا يمكن؛ و إن كان المرفوع هو العموم؟

و اختار الثاني بعض أعاظم العصر (قدس سره)، و أوضحه بوجوه:

منها: أنّ الحديث لا يشمل الامور العدمية؛ لأنّه لا محلّ لورود الرفع على الجزء و الشرط المنسيين؛ لخلوّ صفحة الوجود عنهما، فلا يمكن أن يتعلّق الرفع بهما.

و منها: أنّ الأثر المترتّب على الجزء و الشرط ليس إلّا الإجزاء و صحّة العبادة، و هما ليسا من الآثار الشرعية التي تقبل الوضع و الرفع، بل من الآثار العقلية.

و منها: أنّه لا يمكن أن يكون رفع السورة بلحاظ رفع أثر الإجزاء و الصحّة؛ فإنّ ذلك يقتضي عدم الإجزاء و فساد العبادة، و هو ينافي الامتنان و ينتج عكس المقصود؛ فإنّ المقصود من التمسّك بالحديث تصحيح العبادة لا فسادها. هذا كلّه بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط.

و أمّا بالنسبة إلى المركّب الفاقد للجزء أو الشرط المنسي فهو و إن كان أمراً وجودياً قابلًا لتوجّه الرفع إليه إلّا أنّه:

أوّلًا: ليس هو المنسي أو المكرَه عليه ليتوجّه الرفع إليه.

و ثانياً: لا فائدة في رفعه؛ لأنّ رفع المركّب الفاقد للجزء أو الشرط لا يثبت‏

46

المركّب الواجد له؛ فإنّ ذلك يكون وضعاً لا رفعاً. و ليس للمركّب الفاقد للجزء أو الشرط أثر يصحّ رفع المركّب بلحاظه؛ فإنّ الصلاة بلا سورة- مثلًا- لا يترتّب عليها أثر إلّا الفساد و عدم الإجزاء، و هو غير قابل للرفع الشرعي.

و لا يمكن أن يقال: إنّ الجزئية و الشرطية مرفوعتان؛ لأنّ جزئية الجزء لم تكن منسية، و إلّا كان من نسيان الحكم، و محلّ الكلام إنّما هو نسيان الموضوع.

فلم يتعلّق النسيان بالجزئية حتّى يستشكل بأنّ الجزئية غير قابلة للرفع؛ فإنّها غير مجعولة، فيجاب بأنّها مجعولة بجعل منشأ انتزاعها (1)، انتهى.

و قبل الخوض فيما يرد على كلامه نذكر ما هو المختار:

فنقول: إنّ النسيان قد يتعلّق بالجزئية و الشرطية، فيكون مساوقاً لنسيان الحكم الكلّي، و قد يتعلّق بنسيان نفس الجزء و الشرط مع العلم بحكمهما، كما هو المبحوث في المقام.

و حينئذٍ فلا مانع من أن يتعلّق الرفع بنفس ما نسوا حتّى يعمّ الرفع كلا القسمين؛ فإنّ المنسي قد يكون الجزئية و قد يكون نفس الجزء و الشرط؛ فلو تعلّق الرفع بنفس ذات الجزء و الشرط بما لهما من الآثار يصير المأمور به- عندئذٍ- هو المركّب الفاقد لهما، و يكون تمام الموضوع للأمر في حقّ الناسي هو ذلك الفاقد، و هو يوجب الإجزاء على ما مرّ تفصيله في مبحث الإجزاء (2).

و إن شئت قلت: إنّ الحديث حاكم على أدلّة المركّبات أو على أدلّة الأجزاء و الشرائط، و بعد الحكومة تصير النتيجة اختصاص الأجزاء و الشرائط بغير حالة

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 353- 354.

(2)- تقدّم في الجزء الأوّل: 277- 278.

47

النسيان، و يكون تمام المأمور به في حقّ المكلّف عامّة الأجزاء و الشرائط، غير المنسي منها.

و القول بحكومتها في حال نسيان الحكم- الجزئية- لا في حال نسيان نفس الجزء و الشرط تحكّم محض بعد القول بتعلّق الرفع بنفس ما نسوا؛ أي المنسي على نحو الإطلاق.

فإن قلت: إنّ النسيان إذا تعلّق بالموضوع و لم يكن الحكم منسياً لا يرتفع جزئية الجزء للمركّب؛ لعدم نسيانها، فلا بدّ من تسليم مصداق واجد للجزء؛ حتّى ينطبق عليه عنوان المأمور به.

و لا معنى لرفع الجزء و الشرط من مصداق المأمور به. و لو فرض رفعه لا يكون مصداقاً للمأمور به ما لم يدلّ دليل على رفع الجزئية.

و بالجملة: لا يعقل صدق الطبيعة المعتبرة فيها الجزء و الشرط على المصداق الفاقد لهما، و لا معنى لحكومة دليل الرفع على الأدلّة الواقعية مع عدم تعلّق النسيان بالنسبة إليها، كما أنّه لا معنى لحكومته على مصداق المأمور به.

قلت: هذا رجوع عمّا ذكرناه أساساً لهذا البحث؛ فإنّ عقد هذا البحث إنّما هو بعد القول برفع الآثار عامّة. و عليه: فمعنى رفع نفس الجزء رفع جميع آثاره الشرعية التي منها الجزئية.

فمرجع رفع الجزء إلى رفع جزئية الجزء للمركّب عند نسيان ذات الجزء، و يتقيّد دليل إثبات الجزء بغير حالة النسيان، و مرجع رفع جزئيته إلى كون المركّب الفاقد تمام المأمور به، و إتيان ما هو تمام المأمور به يوجب الإجزاء و سقوط الأمر، و يكون بقاء الأمر بعد امتثاله بلا جهة و لا ملاك.

فإن قلت: لو كان مفاد رفع جزئية المنسي مطلقاً- حتّى بعد التذكّر

48

و الالتفات- ملازماً لتحديد دائرة المأمور به في حال النسيان بما عدا المنسي لكان لاستفادة الإجزاء و عدم وجوب الإعادة مجال، و لكن ذلك خارج عن عهدة حديث الرفع؛ حيث إنّه ليس من شأنه إثبات التكليف بالفاقد للمنسي، و إنّما شأنه مجرّد رفع التكليف عن المنسي ما دام النسيان‏ (1).

قلت: قد ذكر ذلك الإشكال بعض محقّقي العصر، غير أنّه يظهر ضعفه بعد المراجعة بما حرّرناه في مبحث الإجزاء (2)؛ فإنّ معنى حكومته على الأدلّة الواقعية ليس إلّا تقييد الدليل الدالّ على جزئيته بغير حالة النسيان، أو تخصيصه بغير هذه الحالة، فلو أتى بالمركّب الفاقد للجزء فقد امتثل الأمر الواقعي، و لا معنى بعدم الإجزاء بعد امتثاله.

و بعد الوقوف على ما ذكرنا يظهر لك: أنّه لا يحتاج إلى إثبات كون حديث الرفع محدّداً لدائرة التكليف أو متعرّضاً إلى بعد حال النسيان، أو غير ذلك ممّا هو مذكور في كلامه.

إذا عرفت ذلك: يظهر لك الخلل فيما نقلناه عن بعض الأعاظم (قدس سره)(3)؛ إذ فيما أفاده مواقع للأنظار، نشير إلى بعضها:

منها: أنّ ما هو متعلّق الرفع إنّما هو نفس الجزء المنسي بما له من الآثار، و قد مرّ أنّ معنى رفعه إخراجه عن حدود الطبيعة المأمور بها، و أمّا ترك الجزء فليس متعلّقاً له حتّى يرد عليه ما أفاد من أنّ الرفع لا يتعلّق بالأعدام.

و منها: أنّ الأثر المترتّب على الجزء و الشرط إنّما هو الجزئية و الشرطية،

____________

(1)- نهاية الأفكار 3: 218.

(2)- تقدّم في الجزء الأوّل: 277- 278.

(3)- تقدّم في الصفحة 45.

49

و هما ممّا تنالهما يد الجعل باعتبار منشأ انتزاعهما، و لا يحتاج في رفعهما إلى أثر آخر؛ حتّى يقال: إنّ الإجزاء و صحّة العبادة من الآثار العقلية، كما لا يخفى.

و منه يظهر النظر في ثالث الوجوه التي ذكرها (قدس سره)، فراجع.

فإن قلت: إنّما يصحّ عبادة الناسي، و يكون المركّب الفاقد تمام المأمور به في حقّه فيما إذا أمكن تخصيص الناسي بالخطاب، و أمّا مع عدم إمكانه- لأجل كون الخطاب بقيد أنّه ناسٍ يوجب انقلاب الموضوع إلى الذاكر- فلا يمكن تصحيح عبادته.

قلت: قد ذكر المشايخ- (قدّس اللَّه أسرارهم)- وجوهاً صحّحوا بها تخصيص الناسي بالخطاب‏ (1)؛ و إن كان كلّها غير خالٍ عن التكلّف، إلّا أنّ التصحيح لا يتوقّف على تخصيصه بالتكليف.

بل الأمر المتعلّق بالصلاة في الكتاب و السنّة كافٍ في التصحيح؛ فإنّ الذاكر و الناسي إنّما يقصد بقيامه و قعوده امتثال تلك الخطابات المتعلّقة بالطبيعة التي منها قوله تعالى: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ» (2)، و الداعي إلى العمل و الباعث نحو الفعل في الذاكر و الناسي أمر واحد بلا اختلاف في هذه الجهة، و إنّما الاختلاف في مصداق الطبيعة، و هو لا يوجب اختلافاً في الأمر.

و بالجملة: أنّ الفرد الكامل و الفرد الناقص كلاهما فردان من الطبيعة المأمور بها، غير أنّه يلزم على الذاكر إيجادها في ضمن ذلك الفرد الكامل، و على الناسي إيجادها في ضمن ذلك الناقص؛ لرفع جزئية الجزء في حقّ الناسي لأجل حكومة

____________

(1)- كفاية الاصول: 418، فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4: 213- 216، نهاية الأفكار 3: 420- 423.

(2)- الإسراء (17): 78.

50

الحديث، و إيجاد الفرد إيجاد لنفس الطبيعة المأمور بها، و إيجادها مسقط للأمر محصّل للغرض موجب للإجزاء.

و إن شئت فنزّل المقام بما دلّ على الاكتفاء بالطهارة الترابية عند فقدان الماء؛ فإنّ باعث الواجد و الفاقد إنّما هو أمر واحد؛ و هو الأوامر المؤكّدة في الكتاب و السنّة، و المأمور به هو الطبيعة الواحدة- أعني طبيعة الصلاة- غير أنّه يجب على الواجد إيجادها بالطهارة المائية و على غير المتمكّن إيجادها بالطهارة الترابية.

و الاختلاف في المصداق لا يوجب تعدّد الأمر و الخطاب، و لا يوجب وقوع طبيعة الصلاة متعلّقاً لأمرين.

و إذا اتّضح الحال فيها: فقس المقام عليه؛ فإنّ حديث الرفع يجعل الفاقد مصداق الطبيعة، و لا يصير الطبيعة متعلّقة لأمرين، و لا تحتاج إلى خطابين، و لا إلى توجّهه بحاله، و لا إلى كون المصداق هو الناقص؛ حتّى يبحث عن إمكان اختصاص الناسي بالخطاب.

فقد اتّضح ممّا ذكر صحّة عبادة الناسي بحديث الرفع.

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر (قدس سره) قد أيّد ما ادّعاه- قصور حديث الرفع عن إثبات صحّة عبادة الناسي- بأنّ المدرك لصحّة الصلاة الفاقدة للجزء و الشرط نسياناً إنّما هو قاعدة لا تعاد. فلو كان المدرك حديث الرفع كان اللازم صحّة الصلاة بمجرّد نسيان الجزء أو الشرط مطلقاً، من غير فرق بين الأركان و غيرها؛ فإنّه لا يمكن استفادة التفصيل من حديث الرفع. و يؤيّد ذلك: أنّه لم يعهد من الفقهاء التمسّك بحديث الرفع لصحّة الصلاة و غيرها من سائر المركّبات‏ (1)، انتهى.

____________

(1)- فوائد الاصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 355.