البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج1

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
371 /
5

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله ربّ العالمين، و الصلاة و السّلام على أشرف الأنبياء و المرسلين أبي القاسم محمد، و على أئمة الهدى و العروة الوثقى آله الطيّبين الطاهرين.

أخي الطالب العزيز:

أضع بين يديك شرحاً متواضعاً لما جاء في مطالب الحلقة الثالثة من حلقات علم الأصول للسيّد الشهيد، و الأستاذ الكبير، و المجدّد في علم الأصول، آية الله العظمى، السيّد محمد باقر الصدر (قدس سره)، ظنّاً مني بكونه نافعاً و مفيداً لطلبة العلوم الدينيّة الذين يعكفون على دراسة الفكر الأصولي العظيم للسيّد الشهيد (قدس سره). ثم إن هذا الشرح لا يعد شرحاً جديداً بالمعنى الدقيق للكلمة، و إنّما هو إكمال لما قام به بعض أفاضل أساتذة الحوزة العلميّة، و على رأسهم سماحة الأستاذ الفاضل الشيخ باقر الإيرواني حفظه الله، الذي خدم بشرحه عدداً كبيراً من طلبة العلوم الدينية، غاية الأمر قد يختلف أسلوب الطرح و تناول الموضوع من شخص إلى آخر.

و نزولًا عند رغبة بعض الطلبة من الذين تشرفنا بخدمتهم عند تدريسنا لهذه الحلقة، و بعد تفكير طويل، توكلت على الله العليِّ القدير، و عزمت على أن أكتب هذا الشرح المتواضع، أملًا بتقديم بعض الخدمة لطلبة الحوزة العلميّة، فإن وفقت بعض الشي‏ء في هذا المشروع، فأشكر الله على ذلك، و إن أخفقت في ذلك لقصوري و تقصيري، فمن الله و منكم العذر.

و من خلال تجربتي و ممارستي لسنوات في تدريس كتاب الحلقات في علم الأصول للسيّد الشهيد الصدر (قدس سره)، و خصوصاً كتاب الحلقة الثالثة بقسميه، و لمستويات متفاوتة من الطلبة، تمكنتُ من الوقوف- بعض الشي‏ء- على ما يكون سبباً لعدم تلقي بعض الطلبة للمطالب العلميّة الأصولية بشكلها الصحيح، و وجدت أن بعض الطلبة، و على الرغم من أنهم يتمتعون بقابلية جيّدة وسعة إدراك لا بأس بها،

6

يشعرون أحياناً بأنّ هناك حلقة مفقودة تمنعهم من تصوّر المطلب العلمي بالشكل الصحيح و الراسخ، و هي تتمثل بمجموعة من النقاط بعضها يعود إلى الطالب نفسه، و البعض الآخر يعود إلى طريقة طرح المادة العلمية من قبل الأستاذ، تحول دون تلقّي المطالب الأصولية بالشكل المتكامل و الصحيح، و لأهميّة تلك النقاط، أحاول إجمالها بما يلي:

1- عدم إحاطة الطالب ببعض المقدّمات التي يعتمد عليها تقرير الموضوع محل البحث في الحلقة الثالثة، و التي كان ينبغي على الطالب الإحاطة بها- و لو إجمالًا- من خلال دراسة الحلقتين الأولى و الثانية. فمثلًا عند الشروع في البحث عن قيام الأمارة مقام القطع الطريقي و الموضوعي أو عدم قيامها مقامهما لا يتسنى للطالب التوجه بسهولة إلى ما يطرح في هذا البحث من توجيهات و تبريرات لذلك ما لم يتعرف مسبقاً على معنى القطع الطريقي و الموضوعي و الفرق بينهما من جهة و على دور كل واحد منهما و وظيفته من جهة أخرى.

و يرجع سبب ذلك: إما إلى عدم دراسة الحلقتين الأولى و الثانية أصلًا، كما هو الحال في بعض المدارس التي تشرع في تدريس الحلقة الثالثة ابتداءً بعد دراسة كتاب أصولي آخر كأصول الشيخ المظفّر (رحمه الله)، أو غيره، و إمّا أن الطالب لم يدرسها بالشكل المطلوب و الصحيح الذي يمكّنه من دراسة الحلقة الثالثة بشكل يتناسب مع مستوى ما هو مطروح فيها، إما لتقصيره، و إما لعدم طرح المطالب العلمية في الحلقتين و خصوصاً الحلقة الثانية، بالمستوى الذي يتناسب مع واقع ما هو مطروح فيها، مع العلم أن الحلقات إنما كتبت كمنهج دراسي متكامل، فلأجل تحقق الغرض المطلوب منها، لا بدّ للطالب إذن من التدرّج فيها بشكل صحيح.

2- عدم طرح المطالب العلميّة بأسلوبها العلمي و بالتعبير الذي يتناسب مع لغة هذا العلم، و الاعتماد على مفردات و ألفاظ ساذجة و بسيطة لا تنسجم في أغلب الأحيان من الناحية العلمية مع الفكرة التي قصد بيانها و توضيحها، الأمر الذي يجعل الطالب غير متمكن من الوقوف على نفس تلك الفكرة المطروحة في الكتب الأصولية الأخرى عند مطالعتها، و هذا من جملة الأسباب المهمة التي تجعل الطالب يشعر في‏

7

كثير من الأحيان عند تناوله لأحد الكتب الأصولية الأخرى و كأنه لم يدرس علم الأصول أصلًا، و من الواضح أن لكل علم لغته و مصطلحاته الخاصّة به، فلا بدّ من أنّ يتعوّد الطالب على التعبير الأصولي الصحيح بالشكل الذي ينسجم مع علم الأصول، و هذا لا يعني أنّني ضد تبسيط المادة العلمية بالنحو الذي يجعل الطالب متمكناً من فهم المطلب، بل المقصود هو أن لا يكون الطرح بالشكل الذي يفقد المطلب العلمي علميّته، و التي تعطي للطالب تصوراً و إيحاءً خاطئاً بأنه قد فهم ذلك المطلب.

3- عدم اتباع الأسلوب الفني في كيفية طرح المطالب العلميّة، من قبيل تقديم المقدمات التي يعتمد عليها بيان المطلب و فهرستها للطالب، لكي يتمكن الطالب من خلالها من فهم المطلب بوضوح.

4- عدم تنبيه الطالب أحياناً لوجه الارتباط بين المطالب الأصولية بعضها بالبعض الآخر، و إلى محل النزاع في البحث، و عدم تشخيصه الموضوع الأصلي للبحث في كل مسألة، فإن هذا سوف يحول دون فهم المطالب الأصولية بشكل كلّي و متكامل، مع أنّ المسائل الأصولية يرتبط بعضها بالبعض الآخر، فقد يكون البحث عن مسألة ما لتنقيح صغرى لكبرى يبحث عنها في مسألة أخرى.

فلهذه الأسباب و غيرها، تجد الطالب لا يخرج بحصيلة معتدّ بها من علم الأصول، تتناسب مع إكماله للمقدّمات و السطوح، و التي تجعله مهيأً لحضور أبحاث الخارج، مع أن السيّد الشهيد (قدس سره)، كتب في نهاية الحلقة الثالثة أن الطالب بعد إكماله لهذه الحلقة، يكون مهيأً لحضور أبحاث الخارج، و الحال أن القليل من الطلبة الذين درسوا الحلقة الثالثة يكون مهيأً فعلًا لحضور أبحاث الخارج بالشكل الذي يمكنه من استقبال المعلومات، و التوجّه إلى التفصيلات الكثيرة التي تحيط بكل مسألة من مسائل علم الأصول و إدراكها.

و الحق في نظري، ما قاله السيّد الشهيد (قدس سره)، و لكن مع الالتزام بدراسة الحلقات بالشكل المطلوب، و الالتفات إلى أنها منهج دراسي كتب لهذا الغرض، علماً أن السيّد الشهيد (قدس سره) قد راعى الدور المهم الذي يلعبه الأستاذ في ذلك.

و من الطبيعي أن الكتاب الذي يؤلف لأجل التدريس، يكتب بأسلوب يختلف عن‏

8

الكتاب الذي يؤلف لمجرد بيان مباني و نظريات مؤلفه، فإنّه في الحالة الثانية يحاول إيصال الفكرة بشتى الوجوه و الأشكال، و هذا بخلاف الكتاب الدراسي، فإنّ عبارته تكون مضغوطة و معقّدة أحياناً، و يأتي هنا الدور الكبير الذي يلعبه الأستاذ لإيصال المطالب العلميّة المطروحة، و شرح العبارات بالشكل الذي يتناسب مع ما تنطوي عليه من معان ربّما تكون خافية وراء السطور، و التي لا يكفي لبيانها شرح العبارة مجرّدة عن فهم اسلوب المؤلّف، و ما يتبنّاه من أفكار، و ما يطرحه من مصطلحات ربّما تختلف في بعضها عمّا يريده الآخرون منها عند إطلاقها.

و لأنني أعتقد بأن الخلل في الواقع يعود إلى ما طرحناه من أسباب و غيرها، حاولت قدر الإمكان أن أعالج بعض هذه المشكلات في هذا الشرح المتواضع، و بالطريقة الآتية:

1- تشخيص محل النزاع، وَ جِهة البحث في كل مسألة من المسائل الأصولية قبل الشروع في البحث.

2- الإشارة إلى الغرض الذي من أجله عقد البحث في كل مسألة.

3- بيان ثمرة البحث و ما يترتب عليه من نتائج سواءً أ كانت أصوليّة أم فقهيّة.

4- محاولة الربط بين المسائل الأصولية بعضها بالبعض الآخر.

5- بيان المقدّمات التي تساهم في تشخيص حقيقة المطلب، و التي تساهم في سهولة تحصيله.

6- محاولة المقارنة- في بعض الأحيان- بين المباني الأصولية الموجودة في المسألة، بالمقدار الذي يعطي الطالب صورة واضحة عن حقيقة المسألة المطروحة.

7- محاولة صياغة العبارة بأساليب متنوّعة مع الحفاظ على أصل الفكرة.

8- محاولة تقسيم البحث و إضافة عناوين جديدة، مراعياً فيها تسلسل البحث في المسألة الأصولية بالشكل الذي يعطي للطالب صورة واضحة و شاملة للفكرة المطروحة في المسألة.

9- إرجاع بعض الأقوال التي يتعرّض لها السيّد الشهيد (قدس سره) في البحث إلى مصادرها الرئيسيّة، و نقل عبارات أصحابها من مصادرها بحسب ما يقتضيه الموقف،

9

و بيان كيفية

الاستفادة منها في ما ينسب إليهم إن لم تكن تلك الاستفادة واضحة و صريحة.

10- التعرّض في الحاشية إلى بعض المباني الأصولية الأخرى التي لم يتعرّض لها السيّد الشهيد (قدس سره) في البحث.

11- الإشارة إلى المبنى النهائي للسيد الشهيد (قدس سره) في ما إذا كان مخالفاً لما انتهى إليه في الحلقة الثالثة، و ذلك بالرجوع إلى تقريرات بحثه.

و أخيراً، لا يسعني إلّا أن أتقدّم بشكري و تقديري إلى كل أساتذتي الأفاضل، و إلى كل من ساهم في إيصال هذا الكتاب إلى الشكل الذي هو عليه.

كما أود أن أشير إلى أن هذا الكتاب، لا يمثّل إلّا خطوة بقدر كاتبه من الخطوات المطلوبة للوصول إلى الهدف المنشود، أدعوه سبحانه و تعالى أن يردفها بخطوات أخرى من المعنيين و المهتمين بتراث السيد الشهيد (قدس سره).

و الحمد لله أولًا و آخراً، و أسأله العفو و المغفرة، و التوفيق إلى ما فيه الخير و الصلاح.

أياد المنصوري‏

التاسع من ربيع الأول 1423 هجرية

قم المقدسة

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تمهيد

اعتاد أرباب العلوم عند الشروع في البحث عن أي علم و التعرض إلى مسائله، على تقديم مقدّمة تتضمن تعريف العلم و بيان موضوعه و غايته‏ (1)، و ذكروا إنّ هذه المقدّمة مما يتوقف عليها ذلك الأمر، فقد جاء في شرح الشمسيّة في توجيه ذلك ما نصّه: «لا بدّ من تصوّر العلم برسمه ليكون الشارع فيه على بصيرة في طلبه؛ فإنه إذا تصوّر العلم برسمه، وقف على جميع مسائله إجمالًا، حتى إنّ كل مسألة منه ترد عليه علم أنها من ذلك العلم، كما أنّ من أراد سلوك طريق لم يشاهده و لكن عرف أماراته، فهو على بصيرة في سلوكه، و أما على بيان الحاجة إليه، فلأنه لو لم يعلم غاية العلم و الغرض منهُ، لكان طلبه عبثاً، و أمّا على موضوعه، فلأن تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات، فإن علم الفقه مثلًا إنما يمتاز عن علم أصول الفقه بموضوعه؛ لأن علم الفقه يبحث فيه عن أفعال المكلفين من حيث أنها تحل و تحرم و تصح و تفسد، و علم أصول الفقه باحث عن الأدلة السمعيّة من حيث أنها تستنبط منها الأحكام الشرعية، فلما كان لهذا موضوع و لذلك موضوع آخر، صارا علمين متميّزين منفرداً كل منهما عن الآخر، فلو لم يعرف الشارع في العلم أنّ موضوعه أي شي‏ء هو، لم يتميّز العلم المطلوب عنده و لم يكن له في طلبه بصيرة» (2)

و جاء- أيضاً- في شرح الألفية للشهيد الثاني: (فاعلم إن من حق طالب كثرة تضبطها جهة واحدة، أن يعرفها بتلك الجهة، و أن يعرف غايتها؛ ليزداد فيها نشاطاً، و لا يكون سعيه عبثاً، فلذلك جرت عادة العلماء بتقديم تعريف ما يقصدون البحث فيه من العلوم، و ذكر غايته، و موضوعه على الشروع في مسائله) (3).

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، المجلد الأول ص 17:) و لمّا كان دأب أرباب العلوم عند الشّروع في العلم ذكر موضوع العلم، و تعريفه، و غايته، فنحن أيضاً نقتفي أثرهم (

(2) (2) شرح الشمسيّة: ص 5 و 6

(3) شرح الألفية: ص 21.

12

و السيّد الشهيد (قدس سره)، كغيره من العلماء الآخرين و اقتفاءً لأثرهم، قدّم قبل الشروع في مسائل علم الأصول تمهيداً يتضمن الأمور التالية:

1- تعريف علم الأصول.

2- موضوع علم الأصول.

3- الحكم الشرعي و تقسيماته.

4- تقسيم بحوث الكتاب.

و اكتفى بما ذكره في الحلقة السابقة من بيان الغرض من علم الأصول و الحاجة إليه، و سوف يتم التعرّض لكل واحد من هذه الأمور تباعاً إن شاء الله تعالى.

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

التمهيد 1 تعريف علم الأصول‏

15

بسم الله الرحمن الرحيم‏

تعريف علم الأصول‏

الغرض من تعريف العلم:

قبل التعرّض لتعريف علم الأصول، لا بدّ من بيان الغرض من تعريف العلم بصورة عامة، و من تعريف علم الأصول بصورة خاصّة فنقول:

إنَّ العلم عبارة عن مجموعة مسائل مشتتة، جمعها الغرض الذي من أجله دوّن ذلك العلم؛ حيث إنّ لكل علمٍ غرضاً تساهم تلك المسائل رغم تشتتها و تكثّرها في تحقيقه و تحصيله، «فكل علم متقوّم بمسائله تقوّم الكل بأجزائه؛ لانتفاء العلم بانتفاء مسائله» (1).

و حيث أن تعريف كلّ شي‏ء لا بدّ أن يكون بما يتقوّم به ذلك الشي‏ء- كتعريف الإنسان بأنّه حيوان ناطق، حيث كانت الحيوانيّة و الناطقيّة هي المقوّمة للإنسان-؛ إذ لا يمكن الوقوف على حقيقة الشي‏ء من دون معرفة ما يتقوم به، فلا بدّ إذن من تعريف العلم بمسائله؛ لأنها هي التي يتقوّم بها العلم؛ لما ذكرناه سابقاً من انتفاء العلم بانتفاء مسائله.

ثمَّ إنّ الغرض من تعريف كل علم، هو التوجه إلى مسائل ذلك العلم و لو بشكل إجمالي؛ لكي يتسنى للباحث من خلال ذلك، البحث عن تلك المسائل- فإن البحث عن المجهول المطلق مستحيل-، و هذا الغرض لا يمكن الوصول إليه و تحقيقه إلا عن طريق إعطاء صياغة محددة ناجحة تكون جامعة لكافة المسائل المبحوث عنها في ذلك العلم، و مانعة عن دخول غيرها من المسائل التي لا تكون من مسائل ذلك العلم‏ (2).

____________

(1) تهذيب الأصول للسيد عبد الأعلى السبزواري: ج 1، ص 8

(2) و هذا هو معنى اشتراطهم الجامعية و المانعية في صحة التعريف، أي: كونه جامعاً لكل أفراد المعرَّف، و مانعاً عن دخول غيرها من الأفراد التي لا يشملها ذلك المعرَّف.

16

و بعبارة أخرى: إعطاء الضابطة الأساسية و الميزان الواضح و المحدد الذي يتم على وفقه و أساسه تمييز ما هو داخل في العلم من مسائل عمّا هو خارج عنها (1)، كما أن هذه الضابطة لا بدّ و أن تكون متقدمة على تأليف العلم و تدوينه، أي: لا بدّ من إعطاء تلك الضابطة و تحديدها قبل الخوض و البحث في مسائل ذلك العلم، و لا يكفي مجرد انتزاع جامع من خلال ما هو مطروح فعلًا من مسائل في علم الأصول‏ (2)؛ لأنه قبل إعطاء تلك الضابطة لا يمكن معرفة مسائل ذلك العلم و تشخيصها حتى يبحث عنها، و ليس من المعقول أن يبحث عن كل المسائل أوّلًا، ثم بعد ذلك يتم تشخيص مسائل ذلك العلم عن غيره، فإن هذا غير ممكن.

و النتيجة التي نخرج بها من كل ذلك هي: أن تماميّة كل تعريف منوطة بتوفر أمرين:

الأول: أن يكون التعريف معطياً للضابطة الأساسية التي يتم من خلالها تمييز مسائل‏

____________

(1) كأن يُقال: إن كل ما وقع كبرى في قياس الاستنباط فهو من المسائل الأصولية، أو يقال: كل ما كان عنصراً مشتركاً في العملية الاستنباطية فهو من المسائل الأصولية، أو غير ذلك مما يعتبر ضابطاً أو ميزاناً في تشخيص المسألة الأصولية، و تمييزها عن غيرها من مسائل العلوم الأخرى.

(2) فلو أخذنا علم الأصول و نظرنا إلى ما يبحث فيه من مسائل، لوجدنا أنه يبحث مثلًا عن أنّ خبر الثقة هل هو حجّة أو لا؟ و يبحث عن الظهور هل هو حجّة أو لا؟ و يبحث عن أن الأمر بشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده أو لا؟ و يبحث عن أن إيجاب شي‏ء هل يستلزم إيجاب مقدّمته شرعاً أو لا؟ و غيرها من الملازمات العقلية الأخرى، فنجد- مثلًا- أن نتيجة البحث عن خبر الثقة و عن الظهور و عن الملازمات العقلية جميعاً تقع كبرى في قياس الاستنباط، فننتزع جامعاً ينطبق على كل المسائل المبحوث عنها في علم الأصول، و هو عبارة عن وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، و لكن مع ذلك فإنّ هذا لا يصحح لنا أن نعرّف علم الأصول أو المسائل الأصولية بأنها ما وقعت كبرى في قياس الاستنباط؛ و ذلك لأنّ مثل هذا الجامع لا يحقّق الغرض المطلوب من التعريف، و هو: تمييز المسألة الأصولية عن غيرها، و تبرير دخول هذه المسألة أو تلك في علم الأصول دون غيرها من المسائل الأخرى، و مجرّد انطباق ذلك الجامع على كل مسائل علم الأصول، لا يحقق ذلك الغرض؛ لأنه لم يبيّن لنا الضابطة التي على أساسها دخلت تلك المسائل في علم الأصول دون غيرها، مع أنّ الغرض من التعريف أن يكون معطياً لتلك الضابطة، فلا بدّ- إذن- من أن تكون تلك الضابطة متقدمة على تأليف العلم و تدوينه لا أن تكون في طوله.

17

ذلك العلم عن غيرها من المسائل الأخرى، بحيث تكون جامعة لمسائل ذلك العلم و مانعة عن دخول غيرها فيه، أي: إبداء الضابط الموضوعي الذي يشكل الجامع الحقيقي لمسائل ذلك العلم بحيث يكون مقياساً لدخول هذه المسألة أو تلك في ذلك العلم أو خروجها عنه.

الثاني: أن تكون تلك الضابطة محدّدة قبل البدء و الخوض في البحث عن مسائل ذلك العلم، لا أن يكون التعريف في طول تأليف العلم و تدوينه؛ لأنه لا يكفي مجرد انتزاع جامع ينطبق خارجاً على المسائل المبحوث عنها فعلًا في هذا العلم أو ذاك، فإنّ مثل هذا الجامع لا يتم على أساسه تمييز مسائل العلم عن غيرها، و لا يبرّر لنا دخول هذه المسألة في هذا العلم دون غيرها.

فمتى ما تمّ كلا الأمرين المزبورين في تعريف العلم، كان ذلك التعريف تاماً، و إلّا فلا يكون تامّاً و لن يحصل الغرض المطلوب منه.

و على هذا، فلو أردنا أن نعرّف علم الأصول بتعريف تام، فلا بدّ أن نَلحظَ كلا الأمرين السابقين في تعريفه.

التعريف المشهور لعلم الأصول:

قوله‏ (قدس سره) ص 9: «عُرِّفَ علم الأصول بأنه ... إلخ» (1).

و بعد أن عرفنا ما سبق، نشرع في تعريف علم الأصول فنقول:

عُرّف علم الأصول بأنه: (العلم بالقواعد المُمَهَّدة لاستنباط الحكم الشرعي) (2). بمعنى أن كل قاعدة مُهّدت من قبل الأصوليين لغرض استنباط الحكم الشرعي فهي أصولية و من مسائل ذلك العلم.

توضيح ما ورد في التعريف:

لو وردت رواية عن زرارة عن الإمام (ع) أنه قال: «إذا أردت أن تصلي و لم تجد

____________

(1) اعتمدنا في نقل المتون من الحلقة الثالثة على طبعة إسماعيليان الثانية

(2) قوانين الأصول: الطبعة الحجرية ص 5، و كذلك صاحب الفصول: ص 9 و 10، حيث قال: «و كيف كان فقد ذكروا له- أي لعلم الأصول- تعريفات عديدة أظهرها أنه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعيّة عن أدلتها التفصيلية».

18

ماءً فتيمّم بالصعيد»، و أردنا أن نستنبط منها حكماً شرعياً، فلا بدّ من إثبات عدّة أمور، بعضها يرتبط بإثبات صدور هذه الرواية من الشارع، و البعض الآخر يرتبط بتشخيص دلالة تلك الرواية و بيان مدلولها.

فبالنسبة إلى ما يرتبط بإثبات صدور هذه الرواية، فهو يتوقّف على إثبات الأمرين التاليين:

الأول: إثبات كون الراوي لهذه الرواية ثقة، أي: إثبات وثاقة زرارة (1).

الثاني: إثبات أن كل ثقة خبره حجّة.

و بعد إثبات هذين الأمرين نقول:

زرارة ثقة. «صغرى» و كل ثقة خبره حجّة.

«كبرى»

فينتج: أن خبر زرارة حجّة.

و النتيجة الحاصلة من هذين الأمرين هي إثبات صدور هذه الرواية من الشارع، بمعنى أن ما نقله زرارة من ألفاظ و كلمات أو مضمون في هذه الرواية، قد سمعه من المعصوم، فيثبت مفاد و مدلول تلك الرواية.

و أمّا بالنسبة إلى ما يرتبط بتحديد دلالة تلك الرواية، فهو يتم عن طريق إثبات الأمور التالية:

الأول: إثبات أن «تيمّم» ظاهر في الوجوب.

الثاني: إثبات أن «الصعيد» ظاهر في خصوص التراب.

الثالث: إثبات أن كل ظهور حجّة.

و بعد إثبات هذه الأمور نقول:

«تيمّم» ظاهر في الوجوب. «صغرى» و كل ظهور حجّة.

«كبرى»

فينتج: أن ظهور «تيمّم» في الوجوب حجّة، فيثبت وجوب التيمم.

ثم نقول- بعد ذلك-:

«الصعيد» ظاهر في خصوص التراب. «صغرى» و كل ظهور حجّة.

«كبرى»

____________

(1) و كذلك إثبات وثاقة كل من وقع في سند هذه الرواية من الرواة، و إنّما اقتصرنا على ذكر راوٍ واحد تسهيلًا للمطلب.

19

فينتج: أنّ ظهور الصعيد في خصوص التراب حجّة.

فتكون النتيجة الحاصلة من مجموع هذه الأمور الثلاثة هي أن مدلول هذه الرواية عبارة عن: وجوب التيمم بخصوص التراب دون غيره من أجزاء الأرض الأخرى.

و بضم هذه النتيجة إلى النتيجة المتقدمة و التي هي عبارة عن صدور هذه الرواية من الشارع، ينتج:

إن وجوب التيمّم بخصوص التراب حكم قد صدر من الشارع، و بهذا نكون قد استنبطنا حكماً شرعياً من هذه الرواية- اعتماداً على إثبات الأمور المتقدمة جميعاً- مفاده: وجوب التيمم بخصوص التراب دون غيره من أجزاء الأرض الأخرى.

فكل واحد من هذه الأمور الخمسة دخيل في استنباط الحكم الشرعي بوجوب التيمم بالتراب، بحيث لو لم نتمكن من إثبات أحدها، لما تمكّنا من استنباط الحكم الشرعي المتقدّم.

و حيث أن كل واحدة من الأمور المتقدمة قاعدة قد وقعت في طريق استنباط الحكم الشرعي، فلا بدّ أن تكون من مسائل علم الأصول بناءً على التعريف المتقدم؛ و ذلك لجريان ضابطة المسألة الأصولية في كل واحدة منها ( (1) (.

الاعتراضات الواردة على تعريف المشهور:

قوله (قدس سره) ص 9: «و قد لوحظ على هذا التعريف ... إلخ».

و لتحقيق و معرفة مدى تمامية هذا التعريف أو عدم تماميته، و هل أنه يحقق الغرض المطلوب من التعريف أم لا؟ لا بدّ من الرجوع إلى ما جعلناه ضابطاً لتماميّة كل تعريف، و الذي ذكرنا أنه عبارة عن وجود الأمرين المتقدّمين.

و الصحيح: عدم توفّر كلا الأمرين في التعريف المتقدّم.

____________

(1) وعليه، فضابط المسألة الأصولية بناءً على تعريف المشهور، هو عبارة عن مجموع أمرين:

الأول: كون المسألة قاعدة من القواعد، و نعني بالقاعدة كل أمر كلي ينطبق على مصاديقه بنكتة ثبوتية واحدة بحيث ترجع إلى حقيقة واحدة، كقولنا: «كل حديد يتمدد بالحرارة»، و في المقام نقول: «كل ثقة خبره حجّة» أو: «كل ظهور حجة»، و هكذا.

الثاني: كونها مُهِّدت في علم الأصول لغرض الاستنباط.

20

أما بالنسبة للأمر الثاني، و هو أن لا يكون التعريف في طول تأليف العلم و تدوينه؛ فلأن وصف القاعدة بالتمهيد في قولهم: «القواعد المُمَهَّدة» الوارد في التعريف، يعني أنّ تلك القواعد قد دوّنت و بحثت، و بعد البحث و التحقيق فيها قد مُهّدت للاستنباط، و هذا يعني أن أصولية المسألة منوطة بتمهيدها و تدوينها في علم الأصول، فكل قاعدة مُهدت للبحث في علم الأصول فهي أصولية و إلا فلا، الأمر الذي يعني أنه بمقتضى هذا التعريف لا نستطيع تشخيص المسألة الأصولية و معرفتها إلا بعد تمهيدها في علم الأصول، مع أن المطلوب من التعريف معرفة المسألة الأصولية قبل ذلك.

و هذا يعني أنّ هذا التعريف، كان في طول تأليف العلم و تدوينه، مع أنّ المراد من التعريف هو أن يكون قبل ذلك و هذا هو أوّل الاعتراضات الواردة على تعريف المشهور، و قد أشار إليه السيد الشهيد (قدس سره) في الحلقة السابقة (1)، و هذا هو الوجه في تقديم الكلام عنه هنا على الأمر الأول الآتي.

و أما بالنسبة للأمر الأول، و هو إعطاء الضابطة التي على أساسها يتم تمييز مسائل علم الأصول عن غيرها؛ فلأن التعريف المتقدم لا يعطي الضابطة الأساسية المطلوبة، وعليه، فلا يكون التعريف جامعاً مانعاً.

و لأجل ذلك اعترض عليه بثلاثة اعتراضات نجمعها بعبارة واحدة و هي: «أن التعريف غير جامع و غير مانع».

و هذه الاعتراضات هي:

____________

(1) قال في الحلقة الثانية ص 157- طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي-: «و قد يُلاحظ على التعريف، أنَّ تقييد القاعدة بوصف التمهيد، يعني أنّها تكتسب أصوليّتها من تمهيدها و تدوينها لغرض الاستنباط، مع أنّنا نطلب من التعريف إبداء الضابط الموضوعي الذي بموجبه يدوّن علماء الأصول في علمهم هذه المسألة دون تلك!».

و من المعلوم أن هذا الإشكال إنما يرد على تعريف المشهور في ما لو قرأنا كلمة «الممهّدة» بصيغة اسم المفعول، أي: «الممهَّدة» بمعنى التي تُمهَّد لغرض الاستنباط، أما لو قرأناها بصيغة اسم الفاعل، أي: «الممهِّدة» بمعنى التي تمهّد أو تقع في طريق الاستنباط، فلا يرد هذا الإشكال؛ لأنه على ذلك، سوف يكون مناط أصوليّة المسألة، كونها تُمهِّد لاستنباط الحكم الشرعي، أي: التي تقع في طريق الاستنباط، لا أنّها مُهِّدت للاستنباط، و لكن مع ذلك يبقى التعريف غير تام كما سوف يتضح ذلك.

21

أوّلًا: إنّه يشمل القواعد الفقهية، كقاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

ثانياً: إنّه لا يشمل الأصول العملية مع أنها من أمهات المسائل الأصولية.

ثالثاً: إنّه يعم المسائل اللغوية، كظهور كلمة الصعيد في التراب- مثلًا-؛ لدخولها في استنباط الحكم الشرعي‏ (1).

و الاعتراض الأول و الثالث مرجعهما إلى أنّ التعريف غير مانع من دخول الأغيار، و الاعتراض الثاني مرجعه إلى أنّه غير جامع لكل مسائل العلم.

و النتيجة: إنّ التعريف المذكور لم يتمكن من إعطاء ضابطة محددة يتم على أساسها تمييز مسائل هذا العلم عن غيره كما مرّ ذلك.

تقريب هذه الاعتراضات:

و لمعرفة الوجه في هذه الاعتراضات الثلاثة المتقدمة و تقريبها، لا بدّ من الرجوع إلى التعريف المتقدم؛ حيث أنّه جعل ضابطة المسألة الأصولية مجموع أمرين:

الأول: كونها قاعدة، و به يخرج ما ليس بقاعدة و إن وقع في طريق الاستنباط.

الثاني: كونها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، و به يخرج ما لا يقع في طريق الاستنباط و إن كان قاعدة.

وعليه، فكلّما توفّر هذان الأمران في المسألة فهي أصولية، و إلّا فلا، إذا تبيّن ذلك، وقع البحث حينئذ في بيان الوجه في الاعتراضات المتقدمة.

تقريب الاعتراض الأول:

أما تقريب الاعتراض الأول، و هو شمول التعريف للقواعد الفقهية، كقاعدة أن ما

____________

(1) الاعتراض الأول و الثالث تعرّض لهما صاحب الفصول الغروية و أجاب عنهما، قال في الفصول ص 10: «ثمَّ على طرد الحدّ إشكالان:

الأول: إنّه يتناول النحو و الصرف و غيرهما ممّا يستنبط منه الأحكام. و جوابه: إنّ اللام- في قولنا: لاستنباط- للاختصاص، فيخرج تلك العلوم؛ لأنها ليست ممهدة لخصوص ذلك.

الثاني: إنّ جميع القواعد الفقهية داخلة في الحدّ؛ إذ يُستنبط منها أحكام فروع كثيرة. و الجواب: إن تلك القواعد ليست مُمَهدة في الفقه للاستنباط، بل الغرض من بيانها فيه معرفتها لأنفسها، و استنباط الفروع منها ممّا لا ينافيه».

22

يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فهو أنّ كلا الأمرين المتقدّمين ينطبقان على القاعدة الفقهية المشار إليها؛ أما كونها قاعدة فهو واضح؛ لأنها أمر كلّي له عدّة تطبيقات، و لذا نقول: «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، فيمكن تطبيقها على البيع و الإجارة و غيرهما، و أما كونها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي؛ فلأنها يستنبط منها وجوب الضمان في العقد الفاسد إذا كان في صحيحه ضمان، كعقد البيع، فإن في صحيحه ضمان و هو الثمن المسمّى في العقد، الذي يدفعه المشتري إلى البائع مقابل العين التي يأخذها منه، فهي مضمونة بهذا الثمن، فلو تبيّن بعد ذلك فساد العقد لاختلال شرط من شروطه، حُكم بوجوب الضمان على المشتري لو تلفت تلك العين في يده؛ و ذلك تطبيقاً لقاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده». و بهذا نكون قد استنبطنا حكماً شرعياً بوجوب الضمان استناداً إلى هذه القاعدة.

إذن، هذه القاعدة قد وقعت في طريق الاستنباط، مع أنها- باعتراف الجميع- قاعدة فقهية لا أصولية، فالتعريف غير مانع من دخول الأغيار.

تقريب الاعتراض الثاني:

و أما الاعتراض الثاني:- و هو عدم شمول التعريف للأصول العملية مع أنها من أمّهات المسائل الأصولية- فتقريبه هو: أن الأصول العملية و إن كانت من القواعد الكلية إلا إنها لا يستنبط منها حكم شرعي، بل هي مجرد وظائف عملية، إما أن يقرّرها العقل العملي و ليست من الأحكام الشرعية بوجه كالبراءة العقلية على القول بقبح العقاب بلا بيان، و الاحتياط العقلي على القول بمسلك حقّ الطاعة، و إمّا أن يقرّرها الشرع كالبراءة الشرعية و غيرها من الأصول العملية الشرعية، و هي مما لا يستنبط منها حكم شرعي، بل نتيجتها إثبات المنجزية أو المعذرية تجاه الحكم الشرعي المشكوك.

فالبراءة الشرعية- مثلًا-، مفادها التعذير تجاه التكليف المشكوك، و أن المكلّف معذور عند مخالفة الواقع، و أصالة الاحتياط مفادها تنجيز الواقع و إدخاله في عهدة المكلف، و صحّة مؤاخذته و استحقاق العقاب عليه فيما لو كان ثابتاً في الواقع، فأين الأحكام الشرعية التي تقع الأصول العملية في طريق استنباطها؟

23

وعليه، فالركن الثاني في التعريف المتقدم يخرجها عن كونها أصولية، مع أنها من المسائل الأصولية جزماً.

فالتعريف- إذن- غير جامع لكل مسائل علم الأصول.

تقريب الاعتراض الثالث:

و أما الوجه في الاعتراض الثالث، و هو شموله لبعض المسائل اللغوية (1) كظهور كلمة الصعيد في معنى معيّن، فهو: إنَّه لا إشكال في أن تحديد معنى الصعيد يُرجع فيه إلى اللغة، فهو من المسائل اللغوية لا من المسائل الأصولية، و لكنه أيضاً يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي؛ لأن استنباط الحكم الشرعي المتعلّق بمادة الصعيد مما يتوقّف على تشخيص ظهور كلمة الصعيد، و هل أنها ظاهرة في خصوص التراب، أو أنها ظاهرة في مطلق وجه الأرض؟ فمثلًا قوله تعالى‏ فتيمّموا صعيداً طيباً (2)، هل يدل على وجوب التيمّم بخصوص التراب، أم أنه يجوز بمطلق وجه الأرض؟ و معرفة ذلك ترجع إلى تشخيص معنى كلمة الصعيد و ظهورها في المعنى الأول أو الثاني.

و على هذا، فتشخيص ظهور الصعيد في معنى معيّن، يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، فهل يلتزم أحد بأنه من المسائل الأصولية؟!

فإن قيل: إنَّ ضابطة المسألة الأصولية- بناءً على التعريف المتقدم- هي مجموع أمرين:

الأول: كونها قاعدة.

و الثاني: كونها مما تقع في طريق الاستنباط.

____________

(1) و كذا المسائل الرجالية كوثاقة الراوي؛ لأن تعيين كون الراوي ثقة، مما يقع في طريق الاستنباط أيضاً، كما لو روى زرارة- مثلًا- عن الإمام أنه قال: «إذا رأيت الهلال فادع»، فإنّ استنباط وجوب الدعاء منها يتوقف على كون زرارة- راوي الخبر- ثقة؛ ليحكم بحجّية خبره بناءً على أنَّ كل ثقة خبره حجّة، ثم يُقال: إن «ادع» ظاهر في الوجوب، و كل ظهور حجّة، فيتم استنباط الحكم الشرعي بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

و من المعلوم أنّه لو لا إثبات وثاقة الراوي لهذا الخبر لما تمكّنا من استنباط وجوب الدعاء. إذن تعيين وثاقة الراوي قد وقع في طريق الاستنباط فيكون داخلًا في التعريف المتقدّم‏

(2) المائدة: 6.

24

و عدم انطباق أحد الأمرين عليها يخرجها عن كونها أصولية و إن كان الأمر الآخر منطبقاً عليها، و في المقام، مسألة ظهور الصعيد في معنى معيّن تخرج عن التعريف؛ لأنها ليست قاعدة.

كان الجواب: إنَّ القاعدة غير متقوّمة بوجود مصاديقها خارجاً و بالفعل، و لم يؤخذ في معنى القاعدة الوجود الخارجي الفعلي لمصاديقها و ما تنطبق عليه، بل القاعدة عبارة عن ذلك الأمر الكلّي الذي من شأنه أن ينطبق على مصاديقه لو وجدت‏ (1). فلا علاقة لوجود المصداق خارجاً بكون الشي‏ء قاعدة أصلًا. و لذا يصحّ أن تقول: «كلما وردت كلمة الصعيد في كلام الشارع المقدّس فهي ظاهرة في خصوص التراب». فلا فرق- إذن- بين ظهور صيغة «افعل» في الوجوب و ظهور كلمة «الصعيد» في خصوص التراب من حيث أن كلًا منهما قاعدة تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

إذن، فكلمة «الصعيد» يصح انطباق ضابطة القاعدة عليها، فيكون التعريف المتقدم شاملًا لها.

و لأجل هذا الذي ذكرناه في الجواب نقول:

إن ظهور «افعل» في الوجوب يبقى من القواعد الأصولية، حتى لو افترضنا أنها لم ترد إلّا في رواية واحدة مثلًا، و الوجه في ذلك، إننا نبحث عن المسألة الأصولية بقطع النظر عن تطبيقاتها الفعليّة في علم الفقه، بل يكفي في أصوليتها و كونها قاعدة صلاحيتها للشمول و الاستيعاب فيما لو وردت لها مصاديق في الفقه.

و من خلال ما ذكرناه يتبيّن عدم الدقة في ما يرد على ألسنة البعض في مقام التعبير عن العناصر الخاصة بأنها لم ترد في جميع أبواب الفقه و إنما وردت في باب فقهي معيّن، بل التعبير الصحيح هو أنها غير صالحة للدخول في جميع الأبواب الفقهية، بل هي مختصة بهذا الباب أو ذاك و بقطع النظر عن ورودها فعلًا أو عدم ورودها.

هذه هي أهم الاعتراضات الواردة على تعريف المشهور، لعدم إعطائه الضابطة الأساسية التي تميّز المسألة الأصولية عن غيرها. فلأجل ذلك دخل ما ليس من‏

____________

(1) كما يقال بأنّ «الشمس» مفهوم كلي قابل للانطباق على كثيرين، مع أنّه لا يوجد في الخارج لهذا المفهوم إلّا مصداق واحد و هو هذه الشمس.

25

المسائل الأصولية فيه و خرج ما كان منه عنه، فلا بدّ- إذن- من دفع هذه الاعتراضات الثلاثة بما ينسجم مع الغرض المطلوب من التعريف.

دفع الاعتراضات المذكورة على تعريف المشهور:

أولًا: دفع الاعتراض الأول‏

قوله (قدس سره) ص 9: «أمّا الملاحظة الأولى فتندفع ... الخ».

لدفع الاعتراض الأول و الجواب عنه، لا بدّ من معرفة المراد من الحكم الشرعي الوارد في التعريف، و الذي تقع القاعدة الأصولية في طريق استنباطه فنقول:

تارة يُراد من الحكم الشرعي ما يعم الحكم الشرعي الجزئي المرتبط بآحاد المكلّفين، و الناتج من تطبيق كبرى الجعل الشرعي على صغراه، أي: موضوعه، كما لو علمنا بكبرى: «الخمر حرام»، و علمنا- أيضاً- بأنّ هذا خمر، فينتج: حرمة شرب هذا الخمر؛ من باب تطبيق الكلي على مصاديقه.

و أخرى يُراد بالحكم الشرعي خصوص الحكم الشرعي الكلي الذي يعم جميع المكلفين، أي: الجعل الشرعي، فتكون أصولية المسألة منوطة بوقوعها في طريق استنباط جعل شرعي.

و حينئذٍ: إنْ أُريد من الحكم الشرعي الوارد في التعريف المعنى الأول، كان للاعتراض المذكور وجهٌ؛ لما عرفت سابقاً من أنّ القاعدة الفقهية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي و إن كان جزئياً.

و إن أريد منه المعنى الثاني، خرجت القواعد الفقهية عن التعريف؛ لأن أصولية المسألة- بناءً على ذلك- هو وقوعها في طريق استنباط الجعل الشرعي خاصّة، لا مطلق ما يقع في طريق الاستنباط حتى لو كان حكماً شرعياً جزئياً ناتجاً عن تطبيق الجعل الشرعي على موضوعه، و القاعدة الفقهية المشار إليها لا تقع في طريق استنباط جعل شرعي؛ لأنها بنفسها جعل كلّي على موضوعه؛ فإنّ الشارع قد جعل حكماً شرعياً و هو وجوب الضمان في العقد الفاسد على موضوع كلّي و هو عبارة عن العقد الذي في صحيحه ضمان- كعقد البيع و الإجارة و غيرهما-، فلا تكون نتيجتها جعلًا شرعياً كلياً، بل تكون نتيجتها من باب تطبيق الكلّي على مصاديقه، أي: تطبيق الجعل‏

26

الكلّي على موضوعه، فلا ينتج عنها إلّا تطبيقات لذلك الجعل الكلّي على مصاديقه و أفراده عند تحقّقها في الخارج، فعند تطبيقها على عقد البيع- مثلًا- نقول:

كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. «كبرى».

و عقد البيع مضمون بصحيحه. «صغرى»

فينتج: إنّ عقد البيع مضمون بفاسده.

فلو لاحظنا هذه النتيجة، لوجدناها حصّة خاصّة من ذلك الجعل الكلّي، نتجت عن تطبيقه على مصداقه و هو عقد البيع بحسب الفرض، فلا يوجد أي استنباط في المقام، بل هو تطبيق لأمر كلّي على مصداقه.

و بهذا يتبيّن خروج هذه القاعدة عن التعريف؛ لأن المطلوب في صيرورة القاعدة أصولية، هو وقوعها في طريق استنباط جعل شرعي كما وضّحنا ذلك‏ (1).

و بعبارة أُخرى: إذا كانت نسبة القاعدة إلى النتيجة نسبة الاستنباط و التوسيط (2) فهي‏

____________

(1) وعليه، فالمائز بين المسألة الأصولية و القاعدة الفقهيّة كقاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» بعد اشتراكهما في أن كلًا منهما يقع في طريق استنتاج الحكم الشرعي و الوصول إليه، هو أنّ المستنتج من المسألة الأصولية لا يكون إلّا حكماً كلياً أي: جعلًا شرعياً، بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهيّة فإنّه يكون حكماً جزئياً

(2) بمعنى أن لا تكون النتيجة من صغريات تلك القاعدة، بل يتم التوصّل إليها عن طريق توسيط شي‏ء ثالث، و هو عبارة عن صغرى تلك القاعدة، بخلاف ما إذا كانت النسبة بينهما نسبة التطبيق، فتكون النتيجة من صغريات تلك القاعدة.

ففرق بين أن نستنبط وجوب الدعاء عند رؤية الهلال عن طريق تطبيق حجّية خبر الثقة على صغراها فنقول:

كل ما رواه الثقة فهو حجّة. «كبرى»

و قد روى الثقة: وجوب الدعاء عند رؤية الهلال. «صغرى»

فينتج: أن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال حجّة.

و بين أن نستنبط وجوب الضمان في العقد الفاسد اعتماداً على قاعدة «ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده» حيث نقول:

كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. «كبرى»

و هذا البيع مضمون بصحيحه. «صغرى»

فينتج: هذا البيع مضمون بفاسده.

فإنّ نسبة النتيجة في الأول- و هي وجوب الدعاء- إلى القاعدة- و هي كلّ ثقة خبره حجّة- نسبة الاستنباط و التوسيط، أي كونها ناتجة من تطبيق الكبرى- أي: كلّ ثقة خبره حجّة- على صغراها- أي: ناقل هذا الخبر ثقة- و من الواضح أن النتيجة التي توصلنا إليها من خلال ذلك القياس غير الصغرى في ذلك القياس.

و أمّا في الثاني، فإنَّ نسبة النتيجة- و هي وجوب الضمان في العقد الفاسد- إلى القاعدة- و هي كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده- نسبة الكلّي إلى مصداقه؛ لأن وجوب الضمان في ذلك العقد الفاسد من مصاديق كل ما يضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، فالنتيجة الحاصلة لم تكن شيئاً مغايراً للصغرى.

27

قاعدة أصولية، و إن كانت نسبة الكلّي إلى مصداقه- أي: نسبة التطبيق- فهي قاعدة فقهية، و هذا ما هو حاصل فعلًا في القواعد الفقهية.

و توضيح ذلك: لنأخذ مثالًا للقاعدة الأصولية «كل ما رواه الثقة فهو حجة»، و لنفترض أنّ الثقة قد روى لنا وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فنشكّل قياساً منطقياً نستنبط منه حكماً شرعياً كلياً فنقول:

كل ما رواه الثقة فهو حجة.

«كبرى»

و راوي هذا الخبر ثقة. «صغرى»

فينتج: أن ما رواه هذا الراوي حجّة و صادر من الشارع، فيثبت مفاده و هو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال. بمعنى أنّ الشارع جعل وجوباً للدعاء عند رؤية الهلال، فلو لاحظنا النسبة بين النتيجة و هي «وجوب الدعاء عند رؤية الهلال» الثابت بمقتضى كون خبر هذا الراوي حجة، و بين القاعدة «كل ما رواه الثقة فهو حجة»؛ لوجدنا أنّها من نسبة الاستنباط و التوسيط، أي تمَّ التوصّل إليها عن طريق توسيط تلك القاعدة لا نسبة التطبيق؛ لأن هذه النتيجة- كما هو واضح- ليس من صغريات تلك القاعدة و مصاديقها، بل من نتائجها، فلأجل كون المستنبط من هذه القاعدة حكماً شرعياً كلّياً بمعنى الجعل الشرعي، كانت هذه القاعدة أُصوليّة.

فالقاعدة الأصولية هي: ما وقع في طريق استنباط جعل شرعي، لا ما وقع في طريق استنباط حكم شرعي جزئي.

أما لو أخذنا القاعدة الفقهية: «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، بمعنى أن كل عقد كان في صحيحه ضمان ففي فاسده ضمان أيضاً؛ فهذه القاعدة بنفسها جعل شرعي كلّي لوجوب الضمان على موضوع كلّي، و هو

العقد الفاسد الذي كان في‏

28

صحيحه ضمان، فعند تطبيقها على مصاديقها كعقد البيع و الإجارة و غير ذلك، تكون نتيجتها حكماً شرعياً جزئياً لا كلِّياً، و تكون النسبة بينها و بين تلك النتيجة- و هي وجوب الضمان في البيع الفاسد- نسبة التطبيق لا الاستنباط، أي نسبة الكلّي إلى أفراده و مصاديقه؛ لأن وجوب الضمان في البيع الفاسد، من مصاديق قاعدة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، و لا معنى لأن نقول: إنّنا استنبطنا جعل الشارع لوجوب الضمان في البيع الفاسد؛ لأن هذا الجعل ثابت بنفس القاعدة، غاية الأمر، أنّ المولى قد بيّن هذه الجعولات المتعددة بصيغة كلية جامعة بقوله: «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

فالنتيجة الحاصلة من تلك القاعدة، تمثل إحدى صغريات تلك القاعدة لا شيئاً جديداً مغايراً لها، فلا يوجد أي استنباط في المقام، فنقول هكذا:

كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. «كبرى»

و البيع مما يضمن بصحيحه. «صغرى»

فتكون النتيجة: أنه يضمن بفاسده.

و نحن و إن كُنّا قد انتهينا إلى جعل الشارع لوجوب الضمان في البيع الفاسد، و لكن من الواضح أنَّ هذا ليس شيئاً جديداً غير الصغرى الثابتة في القياس المتقدّم، فهي حصّة خاصّة من حصص ذلك الجعل الكلّي، فلا يوجد أي استنباط في المقام؛ لأن النتيجة إحدى صغريات تلك القاعدة، بينما المراد من الاستنباط، هو أن النتيجة الحاصلة لا تشكل إحدى صغريات القاعدة، بل يتم التوصل إليها عن طريق ضم الكبرى إلى صغراها، كما في الحالة الأولى.

فتلخّص من جميع ما تقدم: إنّ الاعتراض الأول مدفوع؛ لكون المراد من الحكم الشرعي الوارد في التعريف هو جعل الحكم الشرعي على موضوعه الكلي، أي: كون المستنبط من القاعدة الأصولية حكماً كلياً، لا جزئياً ناتجاً من تطبيق الجعل الشرعي‏

على موضوعه الخاص‏ (1).

____________

(1) هذا ما ذكره المحقق النائيني كما جاء عنه في أجود التقريرات: ج 1، ص 3 حيث قال: «و أما تعريفه- أي: علم الأصول-، فقد علم مما سبق إجمالا، و تفصيله هو: العلم بالقواعد التي إذا انضمت إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية و هي الحكم الكلّي الشرعي الثابت لموضوعه المقدّر وجوده، على ما هو الشأن في القضايا الحقيقيّة، و هذا التعريف أسد من تعريف المشهور» و كذلك في فوائد الأصول: ج 1، ص 19.

29

و بهذا تخرج القواعد الفقهية عن التعريف؛ لأنها لا يُستنبط منها جعل شرعي على موضوع كلّي، بل هي بنفسها جعل شرعي لوجوب الضمان على موضوع كلّي و هو العقد الفاسد، و لا يستنتج من هذه القاعدة إلّا تطبيقات ذلك الجعل الكلّي و تفصيلاته؛ لأن ما يتم إثباته بتلك القاعدة، ما هو إلّا ضمانات متعدّدة كلّها مجعولة بجعل واحد و هو: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».

فنحن في حجية خبر الثقة- مثلًا- نستطيع أن نستنبط جعل الشارع لوجوب السورة، إذا كان مفاد خبر الثقة وجوب السورة، و نستنبط جعل الشارع لحرمة العصير العنبي، إذا كان مفاد خبر الثقة ذلك .... و هكذا؛ فهي- إذن- أُصولية.

و بهذا يكون التعريف- بناءً على ذلك- هو: «العلم بالقواعد التي تقع في طريق استنباط جعل شرعي»، و لا يكون شاملًا للقواعد الفقهية بهذه الصياغة الجديدة، كما اتّضح ممّا بيّنّا.

و لكن هذا التعديل، لا يغيّر الحال بالنسبة إلى الاعتراضين الآخرين، فلا بدّ- أيضاً- من دفعهما.

ثانياً: دفع الاعتراض الثاني‏

قوله‏ (قدس سره) ص 10: «و أمّا الملاحظة الثانية فقد يجاب عليها ... إلخ».

محاولتان لدفع الاعتراض الثاني:

هذا و قد ذكرت محاولتان لدفع الاعتراض الثاني، و هما:

الأولى: محاولة صاحب الكفاية

حاول صاحب الكفاية دفع هذا الاعتراض بإضافة قيد جديد لتعريف المشهور، و هو «أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل» (1)؛ لأجل إدخال الأصول العملية في‏

____________

(1) قال في كفاية الأصول ص 23 في مقام تعريفه لعلم الأصول: «صناعة يُعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل».

30

التعريف؛ لأنها مما ينتهى إليها في مقام العمل؛ حيث يتم من خلالها تعيين الوظيفة العملية للمكلف عند الشكّ و الحيرة، سواء أ كان الأصول العملية العقلية منها، كأصالتي البراءة و الاحتياط العقليتين، أم كان الأصول العملية الشرعية منها، كأصالتي البراءة و الاحتياط الشرعيتين، و بهذا يكون التعريف شاملًا للأصول العملية أيضاً (1).

الثانية: محاولة السيد الخوئي‏

و أمّا السيد الخوئي (قدس سره)(2)، فقد حاول دفع هذا الاعتراض و إدخال الأصول العملية بنوعيها السابقين في التعريف، عن طريق التصرف في معنى الاستنباط الوارد في التعريف‏ (3)؛ فإنّه إن أُريد من الاستنباط إثبات الحكم الشرعي حقيقة، بمعنى كون‏

لسان القاعدة لسان تحديد و تشخيص الواقع و أن الواقع كذا- مثلًا-، خرجت الأصول العملية عن التعريف؛ لأن مفادها التنجيز أو التعذير تجاه الواقع المشكوك من دون‏

____________

(1) و قد اعترض عليه السيد الشهيد بالقول: «إن هذه المحاولة و إن كانت نتيجتها إدخال الأصول العملية في التعريف لكنه ليس تصحيحاً فنياً؛ لعدم اشتماله على إبراز المائز الحقيقي الجامع بين مسائل ذلك العلم». راجع بحوث في علم الأصول: ج 1 ص 21.

لكن يمكن أن يقال: إنّ ما أفاده صاحب الكفاية من إضافة قيد «أو الانتهاء إلى وظيفة عملية» يفي بالغرض المطلوب من التعريف، فبضميمة ما تقدم في التعريف يكون ضابط المسألة الأصولية أحد أمرين:

الأول: كونها قاعدة تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

الثاني: كونها قاعدة ينتهى بها إلى وظيفة عملية.

فأحد هذه الأمرين إذا توفر في المسألة كانت أصولية، و مع عدمهما معاً لا تكون المسألة أصولية، و ليس من الضروري أن يعبّر بالجامع بين الأمرين.

نعم، ما جاء به صاحب الكفاية، ليس رفعاً للإشكال، بل هو تسليم به و محاولة حلّه بإضافة ذلك القيد و الإتيان بتعريف جديد

(2) المحاضرات: ج 1، ص 10

(3) و هذا المعنى قد ذهب إليه المحقق الأصفهاني كما في نهاية الدراية: ج 1 ص 42 حيث قال: «إنّ الاستنباط لا يتوقف على إحراز الحكم الشرعي، بل يكفي الحجّة عليه في استنباطه؛ إذ ليس حقيقة الاستنباط و الاجتهاد إلّا تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي».

ثم قال- أيضاً-: «وعليه فعلم الأصول: ما يُبحث فيه عن القواعد الممهِّدة لتحصيل الحجّة على الحكم الشرعي».

31

إشارة إلى تحديد ذلك الواقع و نوعه من وجوب أو حرمة أو غير ذلك، فليس لسانها أنّ الواقع كذا أو كذا.

و إن كان المراد بالاستنباط الأعم من ذلك و من إثبات الحكم الشرعي و لو تنجيزاً أو تعذيراً- أي: مطلق الإثبات التنجيزي و التعذيري للحكم الشرعي-، دخلت الأصول العملية؛ لأن التنجيز و التعذير تجاه الواقع المشكوك نوع إثبات للحكم، و لكن ليس إثباتاً حقيقياً له، و هذا النحو من الإثبات للحكم، تشترك فيه الأدلة المحرزة و الأصول العملية. و حيث إنّ المراد من الاستنباط الوارد في التعريف هو المعنى الثاني، أي: مطلق الإثبات التنجيزي و التعذيري للحكم الشرعي، دخلت الأصول العمليّة في التعريف‏ (1).

و توضيح ذلك: إن القاعدة التي يتم من خلالها إثبات الحكم الشرعي‏

و تحديده كالأدلة المحرزة، يحكم العقل بتنجيزه تبعاً لثبوته، و إذا دلّت القاعدة على نفي الحكم الشرعي حكم العقل بالمعذرية، فكل من المنجزية و المعذرية لازم لثبوت الحكم سواء أ كان ثبوتاً وجدانياً كما في موارد

____________

(1) و هناك محاولة ثالثة لدفع هذا الاعتراض، و هي عبارة عمّا ذهب إليه المحقق النائيني، كما جاء عنه في أجود التقريرات: ج 1 ص 3 حيث قال: «ثم لا يخفى أنه إذا أريد من الحكم المأخوذ في التعريف ما هو الأعم من الواقعي و الظاهري، فمباحث الأصول العمليّة تدخل في المسائل التي يستنبط منها الحكم الشرعي».

و قد أورد عليه السيّد الشهيد- في بحوث في علم الأصول ج 1 ص 21- إيرادين:

الأول: إنّ الأصول العمليّة العقليّة كالبراءة العقليّة و غيرها، ما هي إلّا وظائف عملية يقرّرها العقل العملي و ليست من الأحكام الشرعيّة بوجه، فالمحاولة المذكورة إن تمت فهي لا تتم بلحاظ الأصول العمليّة العقلية؛ لأنها ليست من الأحكام الشرعية حتى الظاهرية كما هو واضح.

الثاني: إنّ هذه المحاولة غير تامّة حتى بلحاظ الأصول العملية الشرعية؛ لأنّ الحكم الظاهري في موارد الأصول العمليّة يمثل نفس القاعدة الأصولية العمليّة، و ليس مستنبطاً منها، فمثلًا أصالة البراءة الشرعية، هي بنفسها قاعدة أصولية عمليّة، و الحكم الظاهري في موردها و هو الحجّية المجعولة لتلك الأصالة يمثّل نفس القاعدة لا أنّه مستنبط منها كما هو واضح.

32

القطع، أم ثبوتاً تعبّدياً كما في موارد الأمارات المجعولة حجّة من قبل الشارع. و التنجيز و التعذير مرحلة من مراحل الحكم، فالقاعدة الدالة على ثبوت اللازم- أعني المنجزية و المعذريّة- كما في موارد الأصول العمليّة، دالّة بنفسها على ثبوت الملزوم و هو إثبات الحكم الشرعي أو نفيه، بمعنى إقامة الحجّة على ذلك. فالإثبات التنجيزي و التعذيري- إذن- نحو إثبات للحكم الشرعي‏ (1)، و الأصول العملية- أيضاً- تثبت التنجيز أو التعذير تجاه الحكم الشرعي المشكوك. فيكون الاستنباط بالمعنى المتقدّم جامعاً بين الأدلة المحرزة و الأصول العمليّة، حيث إنها جميعاً تنتهي إلى التنجيز أو التعذير تجاه الحكم الشرعي المشكوك، و بذلك يتم إبراز المائز الحقيقي الجامع بين مسائل علم الأصول. و بذلك يتم التغلّب على الاعتراض الثاني‏ (2).

ثالثاً: دفع الاعتراض الثالث‏

قوله (قدس سره) ص 10: «و أمّا الملاحظة الثالثة فهناك عدّة محاولات ... إلخ».

الاعتراض الثالث كان عبارة عن شمول التعريف لبعض المسائل اللغوية من قبيل ظهور كلمة الصعيد في معنى معين، فإنها مما تقع في طريق الاستنباط أحياناً، و قد وضّحنا ذلك سابقاً. أما الآن فيقع الكلام في كيفية دفع هذا الاعتراض و صياغة

التعريف بالشكل الذي يفي بالغرض المطلوب منه، ليخرج أمثال ظهور كلمة الصعيد و غيرها من المسائل و التي لا تُعد أصولية.

محاولتان لدفع الاعتراض الثالث:

و توجد بهذا الصدد محاولتان:

الأولى: محاولة المحقق النائيني‏

جاء في تعريف المحقق النائيني لعلم الأصول أنه قال: «العلم بالكبريات التي لو

____________

(1) مثلًا لو دلّ الدليل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فمقتضى ذلك تنجّز ذلك الوجوب تبعاً لثبوته؛ لأن ثبوت الوجوب موضوع لحكم العقل بالمنجزية، فالدليل أو القاعدة التي أثبتت الوجوب أثبتت بنفسها ما هو لازم له و هو المنجزية، و مثله بالنسبة إلى المعذرية. فالإثبات التنجيزي و التعذيري أعم من إثباته بإثبات الحكم الشرعي و بالواسطة، حيث إنه عن طريق إثبات الحكم الشرعي أو نفيه يتم إثبات التنجيز أو التعذير كما هو الحال في الأدلة المحرزة، و من إثباته مباشرة و بلا واسطة كما هو الحال في الأصول العملية التي كون مفادها التنجيز أو التعذير ابتداءً، من دون أن تكون ناظرة إلى تشخيص و تحديد الواقع‏

(2) و هذا ما تبنّاه أيضاً السيد الشهيد، راجع بحوث في علم الأصول: ج 1 ص 21.

33

انضمت إليها صغرياتها يُستنتج منها حكم شرعي فرعي كلّي» (1)؛ فإنّه (قدس سره) وفقاً لهذا، قد جعل المناط في أصولية المسألة هو وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، حيث إنّ القياس يتألف من مقدمتين كبرى و صغرى؛ فما وقع كبرى في القياس هو الذي يكون من القواعد الأصولية دون ما وقع صغرى فيه‏ (2).

____________

(1) فوائد الأصول: ج 1، ص 2

(2) المقصود بقياس الاستنباط- الذي يكون مناطاً لكون كبراه مسألة أصوليّة- ما كان آخر قياس يتم التوصل به إلى الحكم الشرعي، بحيث يتم من خلاله استنباط الحكم الشرعي مباشرةً و تكون نتيجته حكماً شرعياً كلياً؛ و ذلك لأن التوصّل إلى الحكم الشرعي و استنباطه تارةً يكون عن طريق تشكيل قياسين، يثبت أحدهما صدور الدليل من الشارع، و يثبت الآخر دلالته على الحكم الشرعي، كما لو ورد دليل ظني السند و الدلالة على الحكم الشرعي. و تارة أخرى عن طريق قياس واحد كما لو ورد خبر قطعي السند ظنّي الدلالة أو ظني السند قطعي الدلالة.

و توضيح ذلك:

أنّه لو افترضنا أن الثقة قد روى لنا عن الإمام قوله: «إذا رأيت الهلال فادعُ»، فلاستنباط الحكم الشرعي بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال من هذا الخبر لا بدّ من إثبات أمرين:

الأول: صدوره من الشارع.

الثاني: دلالته على الوجوب.

فلإثبات الأمر الأول نقول:

كل ما رواه الثقة فهو حجّة و صادر من الشارع. «كبرى»

و الراوي لهذا الخبر ثقة. «صغرى»

ينتج: أن ما رواه هذا الراوي فهو حجّة و صادر من الشارع.

و لإثبات الأمر الثاني نقول:

كل ظهور حجّة. «كبرى»

و «ادعُ» ظاهر في وجوب الدعاء. «صغرى»

ينتج أن ظهور «ادعُ» في الوجوب حجّة، و بعد إثبات هذين الأمرين نقول:

الدعاء عند رؤية الهلال مما قام على وجوبه خبر الثقة. «صغرى»

و كل ما قام على وجوبه خبر الثقة فهو واجب أو يجب اتباعه. «كبرى»

فيستنتج من تأليف القياس: وجوب الدعاء عند رؤية الهلال. و هذا القياس هو المسمّى ب- (قياس الاستنباط)؛ لأنه قد تم استنباط الحكم الشرعي منه.

و الصغرى المتقدّمة كانت نتيجة القياس الثاني الذي أثبتنا به الدلالة على الوجوب، كما إن الكبرى المتقدّمة كانت نتيجة البحث عن مسألة حجيّة خبر الثقة، و حيث إن مسألة حجيّة خبر الثقة قد وقعت كبرى في قياس الاستنباط تكون من المسائل الأصولية.

أما لو كان قوله: «إذا رأيت الهلال فادعُ» قد وصل إلينا بطريق قطعي كالتواتر- مثلًا-، فحينئذ لو أردنا استنباط الحكم الشرعي منه نقول: «ادع» ظاهر في الوجوب، و كل ظهور حجة، فينتج وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فحيث أنّ حجّية الظهور قد وقعت كبرى في قياس الاستنباط، فهي من المسائل الأصولية إذن.

و بهذا يتضح المراد من كون المسألة الأصولية ما وقع كبرى في قياس الاستنباط.

و إلى ما ذكرنا قد أشار المحقق النائيني في فوائد الأصول ج 1، ص 18 حيث قال: «إن علم الأصول يقع كبرى لقياس الاستنباط، و سائر العلوم تقع في صغرى القياس. مثلًا استنباط الحكم الفرعي من خبر الواحد يتوقف على عدّة أمور، فإنّه يتوقف على معرفة معاني الألفاظ التي تضمنها الخبر، و يتوقف أيضاً على معرفة أبنية الكلمات و محلّها من الإعراب ليتميّز الفاعل عن المفعول و المبتدأ عن الخبر، و يتوقف أيضاً على معرفة سلسلة سند الخبر و تشخيص رواته و تمييز ثقتهم عن غيره، و يتوقف أيضاً على حجية الخبر. و من المعلوم: إنّ هذه الأمور مترتبة من حيث دخلها في الاستنباط حسب ترتبها في الذكر، و المتكفّل لإثبات الأمر الأول هو علم اللغة، و لإثبات الثاني هو علم النحو و الصرف، و لإثبات الثالث هو علم الرجال، و لإثبات الرابع الذي يتم به الاستنباط هو علم الأصول، فرتبة علم الأصول متأخرة عن جميع العلوم، و يكون كبرى لقياس الاستنباط».

34

فالتعديل الذي أجراه المحقّق النائيني على تعريف المشهور، هو إضافة قيد الكبروية في التعريف؛ فيكون التعريف بإضافة هذا القيد عبارة عن «العلم بالقواعد التي تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي»، و هو نفس ما نقلناه عنه سابقاً. و بذلك يخرج أمثال ظهور كلمة الصعيد لأنها تقع صغرى في القياس، لا كبرى كما هو واضح؛ لأن القياس في مثل هذه الحالة بحاجة دوماً إلى كبرى حجية الظهور،

و لنوضّح ذلك من خلال المثال التالي:

الأمر بالتيمم بالصعيد ظاهر في الوجوب. «صغرى»، و كلّ ظهور حجة. «كبرى»

فينتج: وجوب التيمّم بالصعيد.

و لكن لم يتم الاستنباط بعد؛ فنحن بحاجة إلى معرفة المراد من كلمة (الصعيد) الذي يجب التيمّم به، فنقول:

«الصعيد» ظاهر في التراب. «صغرى»، و كل ظهور حجة. «كبرى»

فينتج: إنّ ظهور الصعيد في التراب حجّة، و يثبت وجوب التيمم بخصوص التراب‏

35

دون غيره من أجزاء الأرض الأخرى. و بما أن الصعيد قد وقع صغرى في القياس- بل لا يمكن إلّا أن يقع كذلك لاحتياجه دائماً إلى كبرى حجية الظهور-، فإنه سوف يخرج عن التعريف؛ لعدم انطباق ضابط المسألة الأصولية عليه. فبهذا القيد أي: قيد الكبروية، خرجت أمثال كلمة الصعيد و غيرها من التعريف.

فأركان التعريف- بناءً على هذا- تكون ثلاثة، و هي:

1- كون المسألة قاعدة، و بهذا يخرج ما ليس بقاعدة أصلًا.

2- كونها ممّا يقع في طريق الاستنباط، و بهذا يخرج ما كان من القواعد و لكنّه لا يقع في طريق الاستنباط.

3- أن تقع كبرى في قياس الاستنباط، و بهذا تخرج القواعد التي وقعت في طريق الاستنباط و لم تقع كبرى في قياسه، كالقواعد الرجاليّة و المسائل اللغويّة، و غيرهما.

و بهذا يتحدد ضابط المسألة الأصولية عند المحقق النائيني.

تعليق السيّد الشهيد (قدس سره) على هذه المحاولة:

و هذه المحاولة و إن كانت قد وفّقت في إخراج المسائل اللغوية مثل ظهور كلمة الصعيد و غيرها من التعريف، و لكنها قد أخفقت في جانب آخر؛ إذ أخرجت جملة من القواعد الأصولية عن هذا التعريف، و ذلك لعدم انطباق تلك الضابطة عليها؛ لأنها لم تقع كبرى في قياس الاستنباط، بل لا تقع إلّا صغرى، كظهور صيغة (افعل) في الوجوب، و ظهور النهي في التحريم،

و كذلك ظهور بعض الأدوات في العموم من قبيل: (كل، و كافة، و جميع)، أو ظهور بعض الأدوات في المفهوم كأداة الحصر و أداة الشرط، و غيرها من الدلالات العامة للدليل الشرعي؛ لاحتياجها دائماً إلى كبرى حجية الظهور (1). و كذلك تخرج مسألة اجتماع الأمر و النهي؛ إذ القول بالامتناع فيها يحقق‏

____________

(1) الظاهر عدم ورود النقض بالموارد التي ذكرت على المحقق النائيني، ليس لأجل عدم خروجها عن التعريف؛ لأن خروجها واضح؛ بل لعدم كونها من المسائل الأصولية عنده كما صرّح بذلك في فوائده، ج 4 ص 308، حيث قال: «فإن علم اللغة و الصرف و النحو، إنما يتكفّل تشخيص الظاهر عن غيره، و المبحوث عنه في المسألة الأصولية هو حجية الظواهر. و بذلك يظهر أن البحث عن ظهور الأمر و النهي في الوجوب و الحرمة لا يرجع إلى علم الأصول، بل هو من المبادئ، و إنما ذكر في علم الأصول استطراداً».

و قال في المجلد الأول ص 398: «إن الظاهر كون المسألة- أي مسألة اجتماع الأمر و النهي- من المبادئ لا من المسائل الأصولية ... الخ».

نعم، يمكن أن يكون نظر السيّد الشهيد إلى أنّ هذه المحاولة غير موفقة عند مَنْ يرى أن مثل هذه المسائل من المسائل الأصولية خلافاً لما ذهب إليه المحقّق النائيني فيكون الإشكال على هذه المحاولة مبنائياً.

36

صغرى لكبرى التعارض بين خطابي صلّ و لا تغصب، كما أنّ القول بالجواز فيها يحقق صغرى لكبرى حجية الإطلاق‏ (1).

و لتوضيح ذلك نقول: إننا إذا أردنا استنباط الوجوب من صيغة الأمر نقول:

صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب «صغرى»، و كل ظهور حجّة. «كبرى»

إذن: ظهور الأمر في الوجوب حجّة.

فتخرج مسألة ظهور صيغة الأمر في الوجوب عن كونها أصولية؛ لأنها لم تقع كبرى في القياس المذكور، بل لا تقع إلّا صغرى كما هو واضح.

و إذا أردنا استنباط الحرمة من النهي نقول:

النهي ظاهر في التحريم. «صغرى»، و كل ظهور حجّة. «كبرى»

إذن: ظهور النهي في التحريم حجّة.

فخرجت عن التعريف بنفس النكتة السابقة، و هكذا الحال في بقية الدلالات الأخرى.

و أما الوجه في خروج مسألة اجتماع الأمر و النهي عن التعريف، و وقوعها صغرى في قياس الاستنباط، فهذا ما سوف يتم بيانه، و لكن بعد أن نقدّم عرضاً مختصراً عن هذه المسألة، فنقول:

قد وقع الخلاف بين المحقّقين في مسألة اجتماع الأمر مع النهي، فمنهم من ذهب إلى امتناع اجتماعهما، و منهم من ذهب إلى جوازه‏ (2)؛ فعلى القول باستحالة

____________

(1) المقصود بكبرى حجّية الإطلاق هو حجّية الظهور، أي: أنّ كل ظهور حجّة؛ لأن الإطلاق أحد مصاديق أصالة الظهور، فنقول: اسم الجنس الخالي عن القيد مثل: (عالم) في قولنا «أكرم العالم» ظاهر في الإطلاق، و كل ظهور حجة، فتثبت: حجيّة هذا الإطلاق‏

(2) لا بأس هنا بالإشارة و لو بنحو الإجمال إلى نكتة مهمة ترتبط بهذه المسألة و إن كان بيانها مفصلًا سيأتي في محلّه، و هي أنّ الخلاف في مسألة اجتماع الأمر و النهي ليس كبروياً كما قد يتوهمه البعض؛ إذ لا خلاف و لا إشكال في استحالة اجتماعهما على شي‏ء واحد و متعلق واحد؛ لأنهما ضدّان، كما أنه لا إشكال في جواز تعلّق الأمر بشي‏ء كالصلاة و تعلّق النهي بشي‏ء آخر كالغصب، و لكن قد يتفق أحياناً اجتماعهما كما لو دخل وقت الصلاة على المكلّف و كان في أرض مغصوبة، فهنا وقع الخلاف بين الأصوليين في أن الصلاة في الأرض المغصوبة هل هو من الفعل الواحد و المتعلق الواحد حتى يقال بامتناع اجتماعهما، أم أنهما فعلان انضمّ أحدهما إلى الآخر فيجوز اجتماعهما.

و بعبارة أخرى: إن الخلاف ينصب على أن المورد المذكور هل هو من موارد اجتماع الأمر مع النهي على متعلق واحد حتى يكون مستحيلًا أم أن الأمر قد تعلق بشي‏ء و النهي تعلق بشي‏ء آخر و بالتالي لا معنى للقول باستحالته.

37

اجتماعهما، يقع التعارض بين دليل الأمر و دليل النهي، و على القول بجواز اجتماعهما، يمكن التمسك بإطلاق كل من الدليلين لمورد الآخر.

و مثال ذلك: ما لو ورد في الشريعة «صلّ» و ورد- أيضاً- «لا تغصب»، فتارة يستطيع المكلف أن يمتثل كلًا من الأمر و النهي؛ بأن يتجنّب الغصب و يصلّي في بيته، و أخرى قد لا يمكن له امتثالهما معاً؛ بمعنى أنّه لو امتثل الأمر بالصلاة لكان عاصياً من جانب النهي، و لو امتثل جانب النهي و ترك الغصب لكان عاصياً من جانب الأمر؛ كما لو افترضنا أن المكلف قد دخل أرض الغير بدون إذنه فكان غاصباً، و افترضنا- أيضاً- أنّه قد حان وقت الصلاة، و حينئذٍ قد وقع البحث في أن مثل هذه الحالة هل يكون المكلف مأموراً بالصلاة و منهياً عن الغصب في آن واحد؟ أو أن ذلك غير ممكن، و يكون المكلّف مخاطباً بأحد التكليفين إمّا الأمر و إما النهي؟ فإذا قلنا بالأوّل،

فهذا يعني جواز اجتماع الأمر و النهي، و إن آمنا بالثاني فهذا يعني امتناع اجتماع الأمر و النهي.

فعلى الثاني، لا يمكن التمسك بإطلاق كل منهما لمورد الآخر- يعني صلّ و إن كان في الأرض المغصوبة، و لا تغصب و إن كان حال الصلاة-، بل لا بدّ من سقوط إطلاق أحد الدليلين، و حيث إنه لا مُعيّن للساقط منهما، فحينئذ سوف يقع التعارض بين إطلاقيهما و تطبق إحدى قواعد باب التعارض‏ (1)؛ لأن القول بالامتناع يحقق صغرى لكبرى التعارض؛ فنقول: إطلاق «صلّ» للصلاة في الأرض المغصوبة يتعارض‏

____________

(1) لقد وقع الخلاف في أن الحكم في المتعارضين هل هو التساقط و الرجوع إلى الأصول العملية؟ أو تقديم جانب النهي بدعوى أنّ إطلاقه شمولي؟ أو غير ذلك؟ و هذا هو المقصود من كبرى التعارض بين الدليلين.

38

مع إطلاق «لا تغصب» لحال الصلاة (1)، و كلّما تعارض الأمر مع النهي قُدّم جانب النهي بدعوى أنه كلما تعارض إطلاقان بنحو العموم من وجه، و كان الإطلاق في أحدهما شمولياً و في الآخر بدلياً، قدّم الشمولي على البدلي، و في المقام يكون التعارض بين (صلّ) و (لا تغصب) بنحو العموم من وجه، فجهة الافتراق من ناحية الأمر هي الصلاة في غير الأرض المغصوبة، و من ناحية الغصب هي الغصب في غير حالة الصلاة، وجهة الاجتماع فيهما عبارة عن الصلاة في الأرض المغصوبة، فيتعارض الأمر مع النهي بالنسبة لمورد الاجتماع، و حيث إن الإطلاق في متعلق النهي يكون دائماً شمولياً- أي حرمة كل فرد من أفراد الغصب- و في متعلق الأمر يكون دائماً بدلياً- أي أن الواجب فرد واحد من الصلاة لا جميع أفرادها-، قدّم جانب النهي على الأمر، فينتج: إنّ الصلاة في الأرض المغصوبة محرّمة.

و هذا معنى أن القول بالامتناع يحقّق صغرى لكبرى التعارض بين خطابي «صلّ»

و «لا تغصب»؛ لأن الصغرى المتقدّمة- و هي تعارض «صلّ» مع «لا تغصب»- بالنسبة للصلاة في الأرض المغصوبة، كانت نتيجةً للقول باستحالة اجتماع الأمر مع النهي، و إلّا فمع إمكان اجتماعهما، بحيث يجوز توجّه كل من الأمر و النهي في آن واحد، فلا معنى للتعارض بينهما كما هو واضح، هذا كله على القول بالامتناع.

و أما على القول بالجواز فيمكن التمسك بإطلاق كلا الدليلين لمورد الآخر، أي إنّ «صلّ» يشمل بإطلاقه الصلاة في الأرض المغصوبة و «لا تغصب» يشمل بإطلاقه مورد الصلاة، فيكون إطلاق كل منهما حجّة فنقول:

(صلّ) يجوز أن يجتمع مع (لا تغصب). «صغرى»

و كل دليلين جاز اجتماعهما تمسكنا بإطلاق كل منهما. «كبرى»

____________

(1) و هذه هي الصغرى التي نتجت عن القول بامتناع اجتماع الأمر مع النهي حيث نقول:

إطلاق «صلِّ» يمتنع اجتماعه مع إطلاق «لا تغصب» «صغرى»

و كل دليلين امتنع اجتماعهما فهما متعارضان «كبرى»

فينتج: إن إطلاق «صلِّ» يتعارض مع إطلاق «لا تغصب». و بضم هذه الصغرى إلى كبراها و هي: كلما تعارض الأمر مع النهي قدّم جانب النهي، ينتج: حرمة الصلاة في الأرض المغصوبة، و بالتالي الحكم ببطلانها؛ بناءً على أن النهي عن العبادة موجب لفسادها.

39

فينتج: إنّ إطلاق (صلّ) لمورد الصلاة في الأرض المغصوبة حجّة، و إطلاق (لا تغصب) حتى في حال الصلاة حجّة (1).

إذن، على كلا القولين- أي القول بالامتناع أو القول بالجواز-، لا تقع نتيجة البحث عن مسألة اجتماع الأمر و النهي إلّا صغرى في قياس الاستنباط، غايته أن الكبرى تختلف باختلاف القولين، و لازم ذلك خروجها عن المسائل الأصولية، مع أنها من أُمّهات المسائل الأصولية.

وعليه، فما الفرق بين هذه الموارد المتقدّمة و بين المسائل اللغوية؟

فهذه المحاولة- إذن- غير موفّقة للتغلّب على الاعتراض المذكور، بل حوّلت التعريف من كونه غير مانع إلى كونه غير جامع، و هو ليس بأقل محذوراً، فهي أشبه مما يكون بهروب المرء من ماء المطر إلى ماء الميزاب.

الثانية: محاولة السيد الخوئي (قدس سره)(2)

و هي عبارة عن إضافة قيد جديد إلى التعريف، و هو: «عدم الاحتياج إلى ضميمة

أُصولية أُخرى في قياس الاستنباط»، فيكون ضابط المسألة الأصولية- بناءً على ذلك- هو: أنْ لا تحتاج إلى ضميمة أخرى عند استنباط الحكم الشرعي منها (3). و لذا

____________

(1) و يترتب على ذلك أنه لو صلّى المكلف في الأرض المغصوبة لكان ممتثلًا للأمر و عاصياً للنهي، فتكون النتيجة الاجتزاء بالفرد المحرّم أي أنَّ صلاته صحيحة و إن كان قد أرتكب محرّماً

(2) المحاضرات: ج 1، ص 8. و دراسات في علم الأصول: ج 1، ص 24

(3) إن قلت: إن ذلك يستلزم الدور؛ لأن معرفة كون المسألة أصوليّة أم لا يتوقف على تشخيص المسألة الأصولية في المرتبة السابقة، لكون المناط في أصوليتها- بحسب الفرض- هو عدم احتياجها إلى مسألة أصوليّة أخرى، و هذا يعني توقف معرفة كون المسألة أصوليّة أم لا على معرفة المسألة الأصولية، و هذا هو الدور.

كان الجواب: إن المقصود بعدم الاحتياج إلى ضميمة أصوليّة أخرى، هو عدم احتياج المسألة في مقام استنباط الحكم الشرعي منها إلى غير صغراها المنقحة لموضوعها. فكل مسألة لم تحتج في مقام استنباط الحكم الشرعي منها إلّا إلى صغراها المنقحة لموضوعها فهي مسألة أصولية. فمثلًا استنباط الحكم الشرعي من صيغة «افعل» فيما لو وردت في دليل قطعي السند، ليس بحاجة إلى شي‏ء آخر غير صغراها المنقّحة لموضوعها. و ليس بحاجة بعد ذلك إلى كبرى حجّية الظهور؛ لأنها مسلّمة عنده، فلا تكون من المسائل الأصولية كما سوف يأتي منه ذلك. فيكفي لاستنباط الحكم الشرعي بالوجوب من صيغة «افعل» أن نقول:

صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب «كبرى»

و «تيمّموا» من صيغة «افعل» «صغرى»

فينتج: «تيمّموا» ظاهر في وجوب التيمم.

فيتم استنباط وجوب التيمم اعتماداً على ظهور صيغة افعل في الوجوب بمجرد ضم صغراها إليها من دون حاجة إلى مسألة أصولية أخرى. وعليه فيكون ظهور «افعل» في الوجوب من المسائل الأصولية. و أما احتياجها إلى كبرى حجّية الظهور فلا يضر في أصوليتها لما سيأتي من أن حجّية الظهور ليست من المسائل الأصولية.

و إلى هذا المعنى أشار- بحسب ما جاء في دراسات في علم الأصول: ج 1 ص 25- حيث قال: «و بالجملة فالميزان في المسألة الأصولية أن تكون بحيث لو انضمَّ إليها صغراها أنتجت حكماً فرعياً كلياً». كما في حجّية خبر الثقة مثلًا. فلاستنباط الحكم الشرعي منها لا تحتاج إلّا إلى صغراها كما لو ورد خبر ثقة قطعي الدلالة على الحكم الشرعي إنّ الإمام (عليه السلام) يقول: «يجب الدعاء عند رؤية الهلال» ففي مقام استنباط الحكم الشرعي منه نقول:

الدعاء مما قام على وجوبه خبر الثقة «صغرى»

و كل ما قام على وجوبه خبر الثقة فهو حجّة «كبرى»

فتكون النتيجة أن الدعاء عند رؤية الهلال واجب. فقد تمَّ استنباط الحكم الشرعي من مسألة حجّية خبر الثقة من دون حاجة إلى ضميمة أخرى غير صغراها المنقحة لموضوعها فهي من المسائل الأصولية إذن.

و بهذا التفسير لعدم الاحتياج، لا يلزم دوريّة التعريف كما هو واضح؛ إذ لم يتوقف معرفة كون المسألة أصولية أم لا على تشخيص المسألة الأصولية في المرتبة السابقة، كما وضّحنا ذلك في المثال المتقدّم.

40

عرّف علم الأصول بأنّه: «العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الحكم الشرعي من دون حاجة إلى ضميمة أصولية أخرى إليها»، و بهذا تخرج القواعد التي يتوقف استنباط الحكم الشرعي منها إلى ضميمة أصولية (1)، فيخرج بذلك أمثال ظهور

____________

(1) اعلم أن المراد ب- (الضميمة) هنا، أعم من الضميمة في قياس واحد الناشئة من انضمام كبرى القياس إلى صغراه، و من الضميمة الناشئة من ضم قياس إلى قياس آخر، بحيث يكون القياس الأول منقحاً لمقدمة من مقدمتي قياس الاستنباط. و توضيحه كالآتي:

إنَّ الضميمة التي تحتاج إليها المسألة الأصولية تارة تكون ضميمة في قياس واحد كما في قولنا: كل ظهور حجّة «كبرى»، و «افعل» ظاهر في الوجوب «صغرى»، ينتج أن ظهور «افعل» في الوجوب حجّة. فيتم استنباط الحكم الشرعي من دون حاجة إلى قياس آخر، كما لو افترضنا ورود صيغة «افعل» في دليل قطعي السند. و لكن استنباط الحكم الشرعي اعتماداً على ظهور «افعل» قد احتاج إلى ضميمة و هي «كل ظهور حجّة»، و حيث أنّ حجّية الظهور ليست أصوليّة عند السيد الخوئي تكون صيغة «افعل» أصولية، لأنها لم تحتج في مقام استنباط الحكم الشرعي منها إلّا إلى صغراها المنقحة لموضوعها حيث تقول: «ادع»- مثلًا- أمر «صغرى»، و كل أمر ظاهر في الوجوب «كبرى»، ينتج أن «ادع» ظاهر في الوجوب. و بضم هذه النتيجة إلى كبرى حجّية الظهور التي هي ليست أصولية، يتم استنباط الحكم الشرعي بوجوب الدعاء من صيغة «افعل» دون حاجة إلى ضميمة أصولية أخرى.

و تارة أخرى تكون الضميمة ناشئة من ضم قياس إلى قياس آخر بحيث يكون القياس الأول منقحاً لمقدمة من مقدمتي قياس الاستنباط، كما لو افترضنا ورود دليل ظني السند و الدلالة، فنقول: راوي هذا الخبر ثقة «صغرى»، و كل ثقة خبره حجّة «كبرى»، فينتج أن هذا الخبر حجّة و بعد ذلك نقول: «افعل» ظاهر في الوجوب «صغرى»، و كل ظهور حجّة «كبرى»، فينتج أن ظهور «افعل» في الوجوب حجّة. فهنا نجد أن ظهور «افعل» لكي يستنبط الحكم الشرعي منها بحاجة إلى ضميمة أخرى و هي عبارة عن كبرى القياس الأول و هي «كل ثقة خبره حجّة»، و من المعلوم أن هذه الكبرى أصولية أيضاً، و لكن لا يخرج بها ظهور «افعل» في الوجوب، و إن احتاجت هي إلى تلك المسألة الأصولية، و ذلك لأن المراد من عدم الاحتياج هو عدم الاحتياج و لو في مورد واحد، و هذا لا يمنع من الاحتياج في موارد أخرى، كما صرّح بذلك السيد الخوئي.

و صيغة «افعل» ليس بحاجة إلى ضميمة أصولية أخرى فيما لو وردت في دليل قطعي السند كما تقدم توضيح ذلك في المثال السابق في الشق الأول.

و أما المثال الذي هو مورد البحث و هو: «تيمموا صعيداً طيباً»، فهنا يتم استنباط الحكم الشرعي بوجوب التيمم بخصوص التراب من خلال تطبيق قياسين:

الأول: الأمر بالتيمم ظاهر في الوجوب «صغرى»، و كل ظهور حجّة «كبرى»، ينتج: أن ظهور الأمر بالتيمم في الوجوب حجّة.

الثاني: الصعيد ظاهر في التراب «صغرى»، و كل ظهور حجّة «كبرى»، ينتج: أن ظهور الصعيد في خصوص التراب حجّة.

فنلاحظ هنا أنّ استنباط الحكم الشرعي من ظهور الصعيد، بحاجة دائماً إلى مسألة أصولية و هي عبارة عن ظهور «افعل» في الوجوب، و بهذا تخرج عن كونها مسألة أصولية.

41

كلمة الصعيد؛ لأنها بحاجة إلى ضم قاعدة أصولية إليها في مقام الاستنباط، و هي عبارة عن ظهور (افعل) في الوجوب.

42

فلو أردنا استنباط الحكم الشرعي بوجوب التيمّم بخصوص التراب من قوله تعالى: فتيمّموا صعيداً طيباً (1)، فهنا لا بدّ من إثبات أن (افعل) ظاهر في الوجوب، فنقول: (تيمموا) ظاهر في الوجوب، و كل ظهور حجّة، فظهور (تيمموا) في وجوب التيمم حجّة. و كذلك لا بدّ من إثبات ظهور الصعيد في خصوص التراب، و كل ظهور حجّة، فيثبت أن ظهور الصعيد في خصوص التراب حجّة. فتكون النتيجة النهائية هي: وجوب التيمم بخصوص التراب دون غيره من أجزاء الأرض الأخرى.

فاستنباط هذا الحكم المتعلّق بمادة الصعيد، قد توقف على إثبات أمور ثلاثة و هي:

1- ظهور (تيمموا) في وجوب التيمم، و هو يعتمد على كون صيغة (افعل) ظاهرة في الوجوب.

2- ظهور الصعيد في خصوص التراب.

3- كل ظهور حجّة، و هو المعبر عنه ب- (أصالة الظهور) أو (حجّية الظهور).

و بما أن ظهور الصعيد في التراب قد احتاج في مقام استنباط الحكم الشرعي منه‏

إلى قاعدة أصولية، و هي ظهور (افعل) في الوجوب، فيثبت أن ظهور الصعيد في التراب ليست أُصولية.

فإن قيل: بناءً على هذا الكلام و تلك الضابطة، خرجت مسألة ظهور صيغة (افعل) في الوجوب- أيضاً- عن كونها أصولية؛ و ذلك لأنها بحاجة دائماً إلى ضم كبرى حجية الظهور إليها و هي أصولية (2).

كان الجواب: إنّ ظهور صيغة (افعل) في الوجوب و إن كان بحاجة دائماً إلى كبرى حجية الظهور، و لكن مع ذلك لا تخرج عن كونها أصولية؛ لأنّ هذه الكبرى ليست من‏

____________

(1) المائدة: آية 6

(2) هذا النقض ذكره السيّد الخوئي على نفسه و أجاب عنه، راجع دراسات في علم الأصول: ج 1، ص 24. و قال أيضاً في المحاضرات: ج 1، ص 8 ما نصّه: «فإن كبرى هذه المباحث- و هي مسألة حجية الظهور- محرزة و مفروغ عنها، و ثابتة من جهة بناء العقلاء و قيام السيرة القطعية عليها، و لم يختلف فيها اثنان، و لم يقع البحث عنها في أي علم، و من هنا قلنا: إنها خارجة عن المسائل الأصولية».

43

المسائل الأصولية؛ و ذلك لأنها مما اتفق العقلاء عليها فلا تحتاج إلى البحث حتى يبحث عنها في علم الأصول، بل الخلاف بين الأصحاب إنّما يكون في تفصيلات تلك القاعدة لا في أصلها (1).

فتلخّص من كل ما تقدّم: إنّ ضابط المسألة الأصولية- بناءً على ذلك- هو عدم احتياجها إلى قاعدة أصولية أخرى، و أن تكون وحدها كافية لاستنباط الحكم الشرعي منها و بدون ضميمة أُصولية (2).

____________

(1) كأن يُقال بالتفصيل بين المقصود بالإفهام و غيره، و يكون الظهور حجّة في حقّ من قُصد إفهامه دون غيره، أو التفصيل بين ظهور الكتاب و غيره، أو التفصيل بين من حصل له ظن فعلي بالوفاق و بين مَن لم يحصل له ذلك. و سوف يتم التعرض لهذه التفصيلات عند البحث عن حجّية الظهور إن شاء الله تعالى‏

(2) الفرق بين محاولة السيّد الخوئي و محاولة المحقّق النائيني يمكن تلخيصه في أمرين:

الأول: إنّ المحقّق النائيني جعل مناط أصولية المسألة وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، و السيّد الخوئي لم يشترط ذلك، بل جعل المناط عدم احتياجها إلى مسألة أصولية أخرى و إن وقعت صغرى في قياس الاستنباط.

الثاني: إنّه لا يمكن على رأي السيّد الخوئي أن تكون كل من المقدمتين الكبرى و الصغرى أُصولية، بل لا بدّ من عدم أصولية أحدهما. و مما يؤيد ذلك انه قد نقض على نفسه بخروج ظهور صيغة «افعل» في الوجوب لأنها بحاجة دائماً إلى كبرى حجّية الظهور. حيث يُقال إنّ «افعل» ظاهر في الوجوب، و كل ظهور حجّة، فظهور «افعل» في الوجوب حجّة.

و أجاب عنه: بأنّ حجّية الظهور ليست من المسائل الأصولية؛ فلا يخرج ظهور «افعل» في الوجوب و إن كانت بحاجة إلى كبرى حجّية الظهور.

بينما المحقّق النائيني لا يلتزم بذلك، بل من الممكن عنده أن يتألف قياس الاستنباط من مقدمتين أصوليتين: إحداهما تمثل كبرى القياس، و الثانية صغرى فيه.

إن قلت: هذا خلاف ما ذهب إليه المحقق النائيني من كون المسألة الأصولية ما وقعت كبرى في قياس الاستنباط فكيف تصبح أصولية عند وقوعها صغرى؟!

قلنا: إن كان المراد من وقوعها كبرى في قياس الاستنباط وقوعها كذلك و في جميع الحالات و دائماً، بحيث لا تقع صغرى و لو في مورد واحد، فللإشكال وجه حينئذ، فلا بدّ أن لا تكون الصغرى أصولية.

و أمّا إذا كان المراد من وقوعها كبرى في قياس الاستنباط، أن تقع كذلك و لو في مورد واحد و إنْ وقعت صغرى في موارد أخرى، بمعنى أن لا تقع صغرى دائماً و في جميع الأحوال، فلا وجه للإشكال كما هو واضح.

و الاحتمال الثاني هو مراد المحقّق النائيني كما صرّح بذلك في فوائده ج 1، ص 19 بقوله: «إن المسألة الأصولية قد تقع صغرى في قياس الاستنباط و تكون كبراه مسألة أخرى من مسائل علم الأصول، إلّا أنه مع وقوعها صغرى لقياس الاستنباط تقع في مورد آخر كبرى القياس. و هذا بخلاف مسائل سائر العلوم فإنها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط أصلًا».

فتلخّص من ذلك إن ضابط المسألة الأصولية عند المحقّق النائيني هو:

1- وقوعها كبرى في قياس الاستنباط و لو في مورد واحد.

2- أن تكون نتيجتها حكماً كلياً دائماً.

و بالأوّل خرجت مسائل سائر العلوم- كعلم اللغة و علم الرجال-؛ لأنها لا تقع إلّا صغرى، و بالثاني خرجت القواعد الفقهية؛ لأنها صالحة لأن يستنتج منها حكم جزئي و إن كانت قد تصلح لاستنباط الحكم الكلّي أيضاً. فمثلًا: قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» عند تطبيقها على العقود التي في صحيحها ضمان كعقد البيع و عقد الإجارة، يستنبط منها حكم كلي حيث نقول:

كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده «كبرى».

و عقد البيع مما يضمن بصحيحه «صغرى».

ينتج: أن عقد البيع يضمن بفاسده.t

و من المعلوم أن هذه نتيجة كليّة و لو بلحاظ أفراد عقد البيع خاصّة، فالمتحصل منها حكمٌ كلي و هو عبارة عن وجوب الضمان في البيع الفاسد.

و إذا أريد تطبيقها بحيث تكون نتيجتها حكماً جزئياً كما لو كان عندنا عقد بيع و تبيّن فساده فهنا لاستنباط وجوب الضمان في هذا البيع الفاسد نقول:

كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده «كبرى»

و هذا البيع الفاسد مضمون بصحيحه «صغرى»

ينتج: هذا البيع يجب فيه الضمان.

و هذه النتيجة- و هي وجوب ضمان هذا البيع الفاسد- حكمٌ جزئي كما هو واضح.

إذن، صلاحيّة القاعدة الفقهية المشار إليها و غيرها من القواعد الفقهية الأخرى لأن يستنتج منها حكم جزئي هو الذي أخرجها عن كونها أصولية؛ لأن المسألة الأصولية نتيجتها دائماً حكمٌ كليٌّ.

44

تعليق السيّد الشهيد (قدس سره) على محاولة السيّد الخوئي (قدس سره)

قوله (قدس سره) ص 12: «و تلاحظ على ذلك ... إلخ».

و محصّل هذا التعليق: إنَّ المستفاد من كلام السيد الخوئي (قدس سره) أمران هما:

الأول: إنّه قد جعل المناط في أصولية المسألة عدم احتياجها إلى مسألة أصولية أخرى في مقام استنباط الحكم الشرعي منها.

45

الثاني: إنَّ الاتفاق على مسألة ما و عدم وقوع النزاع فيها، يخرجها عن كونها أصولية، و كلا الأمرين غير صحيح:

أمّا الأمر الأول: فلأنه يلزم منه: إما خروج كثير من المسائل الأصولية عن التعريف- على تقدير أن يكون المراد من عدم الاحتياج، عدم الاحتياج دائماً و في جميع الحالات؛ بحيث لا تحتاج إلى قاعدة أصولية أخرى في جميع موارد الاستنباط-، و إما دخول ما ليس من المسائل الأصولية فيها- بناءً على كون المراد من عدم الاحتياج هو عدم الاحتياج و لو مرّة واحدة و في مورد واحد و إن احتاجت في موارد أخرى-. و على كلا التقديرين فالمحاولة غير تامة.

و توضيح ذلك: إنه إن أراد من عدم الاحتياج عدمه في جميع الموارد؛ بحيث لو احتاجت و لو في مورد واحد لخرجت عن كونها أُصولية، فهو و إن وُفّق في إخراج أمثال ظهور الصعيد- لأنه بحاجة أحياناً إلى ظهور صيغة (افعل) في الوجوب، كما لو ورد «تيمموا صعيداً طيباً»- إلّا أنه قد أخرج كثيراً من المسائل الأصولية؛ لأنها ممّا يحتاج بعضها إلى البعض الآخر في مقام استنباط الحكم الشرعي منها. فلو ورد دليل‏

ظني السند و الدلالة على الحكم الشرعي، كما لو نقل زرارة- مثلًا- عن الإمام (عليه السلام) قوله: «إذا رأيت الهلال فادع»، فإنه لاستنباط الحكم الشرعي منه لا بدّ أن نثبت أولًا: صدور الرواية من الشارع و لو عن طريق حجية خبر الثقة، أي: إثبات حجية سندها عن طريق الدليل القطعي، حتى يمكن الأخذ بمؤدى الخبر. و ثانياً: إثبات حجّية الدلالة؛ لأن دلالة «ادع» ليست قطعية، بل هي ظاهرة في الوجوب، و هي بحاجة إلى حجية الظهور. و هكذا الحال في تشخيص المداليل اللغوية الأخرى فيما لو وردت في دليل ظني السند و الدلالة، فهو دائماً بحاجة إلى مسألة أصولية، و هي عبارة عن دليل حجية السند فنقول هكذا:

زرارة ثقة «صغرى». و هذه من مسائل علم الرجال.

كل ثقة خبره حجّة «كبرى». و هذه مسألة أصولية.

فينتج: إن خبر زرارة حجّة.

و بعد ذلك نقول:

46

«ادع» ظاهر في الوجوب «صغرى». و هذه مسألة أصولية.

كل ظهور حجة «كبرى». و هذه ليست أصولية عند السيّد الخوئي (قدس سره).

فينتج: إنّ ظهور «ادع» في الوجوب حجّة.

فثبت- من مجموع القياسين- إن الشارع قد جعل وجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

و إن شئت شكلت قياساً واحداً فتقول:

وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ممّا أخبر به الثقة.

و كل ما أخبر به الثقة حجّة أو يجب اتباعه.

فينتج: وجوب الدعاء عند رؤية الهلال حجة أو مما يجب اتباعه.

و هكذا، نلاحظ أنّ ظهور صيغة «افعل» في الوجوب قد احتاجت في مقام استنباط الحكم الشرعي منها إلى قاعدة أُصولية أخرى، و هي عبارة عن دليل حجّية السند (1)،

و لو لا ذلك لما تمكّنا من استنباط جعل الشارع لوجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

و أما لو أراد السيد الخوئي (قدس سره) عدم الاحتياج و لو في مورد واحد، و حالة واحدة كما هو صريح كلامه‏ (2) فإنه سيقع في نفس المحذور الذي فرّ منه، حيث إنّ المحاولة كانت لأجل إخراج مثل ظهور الصعيد و غيرها، مع أنّها لا زالت داخلة في التعريف حتى مع هذه المحاولة، و ذلك: فيما لو وردت كلمة الصعيد في دليل قطعي السند و الدلالة على الحكم و لم يبق سوى معرفة معنى الصعيد؛ كما لو ورد «يجب التيمم بالصعيد» بخبر متواتر؛ فهنا لا حاجة في مقام استنباط الحكم الشرعي من هذا الخطاب إلّا إلى تحديد معنى الصعيد، و هل هو ظاهر في خصوص التراب، أو مطلق‏

____________

(1) إنما لم نقل أنه بحاجة دائماً أيضاً إلى كبرى حجية الظهور؛ لأنه قد أنكر كونها أصولية كما تقدم ذلك عنه، و إنما نقضنا عليه بما يؤمن بأنّه من المسائل الأصولية كمسألة حجية السند؛ فإنها من المسائل الأصولية عنده‏

(2) دراسات في علم الأصول، تقريرات السيّد علي الهاشمي الشاهرودي: ج 1، ص 42 حيث قال: «لا بدّ و أن يترتب الاستنباط على المسألة الأصولية مستقلًا و دون حاجة إلى ضم ضميمة، لكن لا مطلقاً و دائماً، بل في الجملة و موجبة جزئية و لو في مورد واحد».

47

وجه الأرض‏ (1)؟

فهل يلتزم السيد الخوئي (قدس سره) بأصولية مثل «ظهور الصعيد»؟

و الجواب: إنّه لا يلتزم بذلك؛ لأنه في مقام دفع مثل هذا الإشكال، فكيف يلتزم‏

به‏ (2)؟!

و أما ما يتعلق بالأمر الثاني في كلامه، فيمكن أن يورد عليه بما يلي:

أوّلًا: إنّ مجرد عدم الخلاف في مسألة و صيرورتها مسلَّمة و واضحة لدى الجميع، لا يخرجها عن مسائل ذلك العلم، و كون حجّية الظهور من المسائل المتفق عليها، لا يخرجها عن كونها أُصولية و لا يميّزها عن سائر مسائل العلم الواحد (3).

ثانياً: إنّ أُصولية المسألة ليست مرهونة و منوطة بوجود الخلاف فيها، بحيث متى‏

____________

(1) لكن يمكن أن يقال: إن تشخيص معنى الصعيد فيما لو وردت في دليل قطعي السند و الدلالة على الحكم الشرعي، ليس مما تتوقف عليه عملية استنباط الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي في المقام عبارة عن وجوب التيمم بالصعيد، و قد تم استنباطه من الدليل الذي فرضنا انه قطعي السند و الدلالة على الحكم الشرعي، و أما بالنسبة لتشخيص و تحديد معنى الصعيد، فهو لتحديد موضوع الحكم الشرعي و ليس له أي دخل في استنباط الحكم الشرعي، و إلّا فلو كان مما تتوقف عليه عملية استنباط الحكم الشرعي، فكيف افترضنا أن الدليل قطعي الدلالة على الحكم الشرعي؟ لأنه مع كونه كذلك فهذا يعني أن الحكم الشرعي قد تم تحديده و معرفته بدون حاجة إلى معرفة معنى الصعيد. و هذا نظير ما لو ورد: «لا تكرم الفاسق»، ثم شككنا في مفهوم الفاسق هل هو مختص بمرتكب الكبيرة أو هو شامل لمرتكب الصغيرة أيضاً؟ فإن استنباط الحكم الشرعي من هذا الدليل و الذي هو عبارة عن حرمة إكرام الفاسق، لم يتوقف على معرفة ذلك، نعم معرفة ذلك مما يتوقف عليه تحديد موضوع الحكم الشرعي و ليس استنباطه.

(2) لكن السيد الخوئي لا يلتزم بأصولية مثل «ظهور الصعيد» حتى لو وردت في دليل قطعي السند و الدلالة؛ و ذلك لعدم إمكان استنباط الحكم منها مستقلًا و بلا ضم ضميمة حيث قال كما في دراسات في علم الأصول ج 1، ص 25: «ففي اللغة يبحث عن معنى الصعيد فهل يمكن استنباط الحكم من ذلك حتى لو كان الدليل المشتمل عليه قطعي السند و الدلالة و لم يكن مبتلى بالمعارض؟ لا يمكن ذلك، و سرّه ظاهر، فإن الأحكام دائماً تكون مستفادة من الهيئات، و اللغة إنّما تتكفل بيان الموضوعات فقط، و لذا لا يمكن استنباط الحكم منها مطلقاً مستقلًا». و لعلّ هذا إشارة إلى ما ذكرناه في تعليقتنا السابقة

(3) هذا بيان لقوله: «لأن مجرد عدم الخلاف فيها لا يخرجها عن كونها أصولية».

48

ما حصل الاتفاق عليها خرجت عن كونها أُصولية (1)، و لو كان الأمر كذلك لدخلت كثير من المسائل الخلافية في علم الأصول، و هذا باطل قطعاً (2).

ثالثاً: إنّه بناءً على ذلك، يكون معرفة كون المسألة أُصولية أم لا في طول البحث الأصولي؛ لأن كون المسألة اتفاقية أو خلافية لا يعرف إلّا بعد البحث عن المسألة، فبعد الانتهاء من البحث يتم حينئذ تحديد ما هو من المسائل الأصولية و ما هو خارج عنها؛ لأن مقياس أُصولية المسألة و عدمه بناءً على الضابطة التي ذكرها السيد الخوئي (قدس سره) هو مدى الاختلاف فيها و عدمه، و هذا لا يعرف إلّا في طول البحث الأصولي، مع‏

أنّ المراد من التعريف ابتداءً- و كما نبّهنا عليه سابقاً- إعطاء الضابط الذي على أساسه دخلت تلك المسائل في علم الأصول دون غيرها؛ فلا بدّ و أن يكون المقياس لأصولية المسألة قبلياً على البحث الأصولي لا أنه مترتب عليه‏ (3).

____________

(1) هذا بيان لقوله: «لأن المسألة لا تكتسب أصوليتها من الخلاف فيها»

(2) من الواضح بل المقطوع به أن السيد الخوئي لم يكن يقصد بذلك أن أصولية المسألة منوطة بوجود الخلاف فيها، حتى يقال بلزوم دخول جميع المسائل الخلافية في علم الأصول، كيف و قد تقدّم منه ما جعله ضابطاً لتمييز المسألة الأصولية عن غيرها من المسائل الأخرى، و هو عبارة عن عدم الاحتياج إلى ضميمة أصولية أخرى في مقام الاستنباط، نعم يرد عليه ما أوردناه أولًا

(3) هذا بيان لقوله: «و إنما الخلاف ينصب على المسألة الأصولية». و إن كانت هذه العبارة تحتمل عدة وجوه:

الأول: أن يراد بها أن الخلاف ينصب على أصولية المسألة أو عدم أصوليتها فهذا و إن كان مطلباً صحيحاً و لكن مضافاً إلى أن العبارة بالصياغة المذكورة لا تنسجم معه، فهو أجنبي عمّا ذكره السيد الخوئي.

الثاني: أن يراد بها أن الخلاف بين الأصوليين ينصب على المسألة بعد فرض كونها أصولية فهذا و إن كان منسجماً مع ظاهر العبارة و لكنه غير معقول؛ إذ لا معنى للخلاف مع فرض كونها أصولية.

الثالث: أن يراد بها أن الخلاف بين الأصوليين في كون المسألة أصولية أم لا، لا يعرف إلا بعد البحث عن تلك المسألة فكيف يجعل مناطاً في معرفة المسألة الأصولية مع أن المطلوب معرفة أنه كيف دخلت هذه المسألة في علم الأصول دون غيرها؟

وعليه، فإن أراد بها المعنى الثالث و هو الذي ذكرناه في المتن- باعتبار أنه قد أشار إلى هذا المطلب في الحلقة السابقة- فهو تام، و إن كان ذلك لا ينسجم بشكل تام مع هذه العبارة، و إن أراد بها غيره، فقد عرفت ما فيه.

49

و بهذا يكون الاعتراض الثالث وارداً على تعريف المشهور، و إن أمكن علاج الاعتراضين الأول و الثاني، فلا بدّ إذن من تعديل جديد على التعريف لكي يكون مانعاً عن دخول بعض المسائل اللغوية، كظهور كلمة الصعيد في معنى معيّن؛ لأنها- أيضاً- من القواعد التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.

التعريف الصحيح بنظر السيّد الشهيد (قدس سره):

قوله (قدس سره) ص 13: «و الأصح في التعريف أن يقال ... الخ».

بعد أن تبيّن فشل المحاولتين- الأولى و الثانية- لدفع الاعتراض الثالث لإخراج بعض المسائل اللغوية عن التعريف، فلا بدّ من إعطاء تعريف جديد يمنع من دخول مثل هذه المسائل في علم الأصول من جهة، و يكون جامعاً لكل المسائل الأصولية من جهة أخرى.

و الصحيح في تعريفه أن يقال بأنه: «العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي»، فيكون المناط في أصولية المسألة هو كونها من العناصر المشتركة التي تقع في طريق استنباط جعل شرعي، أي الحكم الكلّي لا الحكم الجزئي، لأن الحكم الجزئي عبارة عن تطبيق كبرى الجعل على موضوعه.

فالقيد الجديد الذي أضيف إلى التعريف بعد إجراء التعديل الأول لإخراج القواعد الفقهية و التعديل الثاني لإدخال الأصول العملية هو: عبارة عن قيد الاشتراك‏ (1)، و كون القاعدة التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي مشتركة و جارية في جميع العمليات الاستنباطية و لا تختص بمورد دون آخر و بباب دون باب آخر، و لا تختص‏

____________

(1) لا شكّ أن المراد بالاشتراك هو: شأنية و صلاحية الاشتراك لا الاشتراك الفعلي، بمعنى أن من شأنها أن تشترك في استنباط أحكام شرعية عديدة و في أبواب الفقه المختلفة، لا أنّها اشتركت فعلًا في استنباط أحكام شرعية عديدة، فظهور «افعل» في الوجوب يبقى من العناصر المشتركة و من المسائل الأصولية حتى لو افترضنا أنها وردت في باب واحد من أبواب الفقه و في مادة واحدة كمادة «صل» مثلًا، و لم يستنبط منها إلّا حكم شرعي واحد و هو وجوب الصلاة، و بخلاف ذلك نقول عن ظهور كلمة الصعيد في معنى معين، فهي ليست من العناصر المشتركة؛ لأنها لم تصلح إلّا لاستنباط حكم شرعي متعلّق بمادة الصعيد لا غير.

50

بمادة معينة دون مادة، فمثلًا ظهور (افعل) في الوجوب، تكون من العناصر المشتركة؛ لأنها تصلح لاستنباط أحكام شرعية عديدة سواء جاءت هذه الصيغة من مادة «صلاة» كقوله «صلّ»، أم من مادة «صيام» كقوله «صم»، أم من مادة «دعاء» كقوله «ادعُ»، أم من مادة «حج» كقوله «حِج» ... و غير ذلك من المواد الأخرى، و هكذا بقية المسائل الأصولية الأخرى من قبيل: «إيجاب شي‏ء يستلزم إيجاب مقدمته»، فهي صالحة لأن تشترك في عمليات استنباطية كثيرة و لا تختص بباب دون باب، فمن هذه القاعدة يستنبط جعل الشارع لوجوب المقدمة مهما كانت تلك المقدمة و من أي مادة كان ذي المقدّمة، و هكذا.

و بهذا القيد يخرج كثير من المسائل اللغوية عن التعريف كظهور كلمة الصعيد و غيرها؛ لأن استنباط الحكم الشرعي منها إنّما يختص بحكم شرعي متعلّق بمادة

الصعيد، و لا ينفعنا في استنباط حكم شرعي غير متعلق بهذه المادة، و على هذا لا يكون عنصراً مشتركاً في عملية الاستدلال الفقهي، بل هو من العناصر الخاصّة التي ليس مجال بحثها علم الأصول، و إنما تبحث في علوم أخرى شأنها في ذلك شأن بقية العناصر الخاصة الأخرى كوثاقة الراوي و غيرها، و بهذا يتضح إنّ أصولية المسألة تتقوّم بمجموع أمرين:

الأول: كونها من العناصر المشتركة.

الثاني: كونها تقع في طريق استنباط جعل شرعي.

فما ليس من العناصر المشتركة، بل كان من العناصر الخاصة لا يكون من المسائل الأصولية قطعاً، و ما كان منها و لم يُستنبط منه جعل شرعي، بل كان من تطبيق الجعل الشرعي على موضوعه لا يكون من المسائل الأصولية أيضاً كما في بعض القواعد الفقهية (1). فوصف القاعدة ب- «الاشتراك»، هو الذي أخرج مثل ظهور الصعيد و غيرها،

____________

(1) اعلم أن ما يسمى بالقواعد الفقهية على قسمين:

الأول: ما ليس بقاعدة أصلًا و ذلك من قبيل «لا ضرر» بناءً على أن مفادها لا حكم ضرري في الإسلام كما ذهب إليه المشهور؛ لأنها حينئذ ليس إلّا مجموعة من التشريعات العدميّة جمعت بعبارة واحدة، و ليس مرجعها إلى حقيقة واحدة، بل هي عبارة عن عدة تشريعات عدميّة: كتشريع وجوب الوضوء في غير حالة الضرر، و تشريع وجوب الصلاة في غير حالة الضرر ... و غير ذلك. و الشارع جمع تلك التشريعات العدميّة بعبارة واحدة بقوله «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام». و هذه تخرج عن التعريف لأنها ليست قاعدة و ليست عنصراً فضلًا عن كونها مشتركة أم لا.

و الثاني: ما كان قاعدة بالمعنى الفني للقاعدة، من قبيل: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» أو قاعدة الفراغ أو أصالة الصحّة أو أصالة الطهارة، و هذه بدورها تنقسم إلى قسمين:

منها: ما يقع في طريق استنباط جعل شرعي من قبيل أصالة الطهارة الجارية في الشبهات الحكميّة عند الشك في حكم الشارع بنجاسة مائع معيّن مثلًا. و هذه تخرج بقيد الاشتراك لأنها ليست عنصراً مشتركاً بل يختص مجال الاستفادة منها بباب فقهي معيّن و هو باب الطهارة.

و منها: ما لا يقع في طريق استنباط جعل شرعي، من قبيل قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و قاعدة الفراغ و الصحة، و هذه تخرج بالأمر الثاني المقوّم لأصولية المسألة و هو عبارة عن كونها واقعة في طريق استنباط جعل شرعي، لأن مثل هذه القواعد و إن كانت من العناصر المشتركة و لكن لا يستنبط منها جعل شرعي. أمّا القاعدة الأولى فقد تقدّم الكلام عنها، و أمّا ما يخصّ قاعدة الفراغ و الصحّة فلأنهما يجريان في الشبهات الموضوعيّة فقط دون الحكمية، فتكون نتيجتهما حكماً شرعياً جزئياً كما هو واضح.

51

و إلّا فكلمة العناصر هي نفس كلمة القواعد ليس غير.

هذا تمام الكلام في تعريف علم الأصول، و قد اتضح أن التعريف الصحيح له هو: «العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي» (1).

____________

(1) ثم أن السيّد الشهيد قد عدل عن هذا التعريف كما يظهر من تقريرات بحثه؛ لما يمكن أن يرد عليه بدخول المسائل الرجالية كوثاقة الراوي في هذا التعريف؛ حيث أن وثاقة الراوي تعتبر عنصراً مشتركاً في الاستدلال الفقهي فيكون التعريف منطبقاً عليها، فإثبات وثاقة زرارة مثلًا- يصلح في طريق استنباط أحكام شرعية عديدة و في مختلف أبواب الفقه، و لأجل ذلك عدل عن هذا التعريف، و قال في تعريفه لعلم الأصول بحيث لا يرد عليه ما ذكر: «هو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكليّ»، و وجه خروجها عن هذا التعريف، هو أن وثاقة الراوي و إن كانت من العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي، و لكن الفقيه لا يستعملها كدليل على الجعل الشرعي الكلي، و إنما يحتاج إليها باعتبارها موضوعاً لدليلية الدليل؛ حيث أن دليلية الخبر منوطة بوثاقة المخبر، فالخبر لا يصلح أن يكون دليلًا إلّا إذا كان المخبر ثقة، و ما هو الدليل نفس الخبر لا الوثاقة؛ فالبحث عن الوثاقة بحث عن ثبوت موضوع الدليل و ليس بحثاً عمّا يكون بنفسه دليلًا على الجعل الشرعي الكليّ. راجع بحوث في علم الأصول ج 1 ص 33 و 34.

52

خلاصة البحث عن تعريف علم الأصول:

عُرِّف علم الأصول بأنّه: «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي»، و قد اعترض عليه بثلاثة اعتراضات:

الأول: شموله للقواعد الفقهية.

الثاني: شموله للمسائل اللغوية.

الثالث: عدم شموله للأصول العمليّة.

و أُجيب عن الاعتراض الأول: بأن المراد بالحكم الشرعي الذي تقع القاعدة في طريق استنباطه، هو الجعل الشرعي، أي: الحكم الشرعي الكلي، و القاعدة الفقهية لا يستنبط منها جعل شرعي؛ لأنها بنفسها جعل شرعي كلّي على موضوع كلّي، و إنّما

يستنتج منها تطبيقات ذلك الجعل الكلّي على مصاديقه.

و أُجيب عن الاعتراض الثاني:

تارة: بإضافة قيد الكبروية في التعريف و كون القاعدة الأصولية خصوص ما وقع كبرى في قياس الاستنباط، و المسائل اللغويّة لا تقع إلّا صغرى؛ لأنها بحاجة دائماً إلى كبرى حجّية الظهور، و هذا ما ذهب إليه المحقق النائيني (قدس سره) و اعترض عليه السيّد الشهيد (قدس سره) بما ملخّصه:

أنه إمّا أن يُراد من وقوعها كبرى وقوعها كذلك في جميع الحالات و دائماً، أو وقوعها كبرى و لو في مورد واحد و إن وقعت صغرى في موارد أخرى، و على كلا التقديرين لا تتم تلك المحاولة؛ لأنها سوف تؤدي إلى خروج جملة من المسائل الأصولية؛ لأنها لا تقع إلّا صغرى من قبيل الظهورات جميعاً؛ فإنها لا تقع إلّا صغرى لكبرى حجّية الظهور، و كذلك مسألة اجتماع الأمر و النهي؛ فإنها لا تقع إلّا صغرى لكبرى التعارض أو كبرى حجّية الإطلاق و الظهور.

و تارة أخرى: بأن القاعدة الأصولية مرهونة بعدم احتياجها إلى ضميمة أصولية أخرى في مقام استنباط الحكم الشرعي منها و لو بنحو الموجبة الجزئية و في بعض الحالات، فإن احتاجت دائماً إلى ضميمة أصولية كان ذلك دليلًا على عدم أصوليتها، و المسائل اللغوية مثل ظهور الصعيد لا يستنبط منها الحكم الشرعي مستقلًا و بدون‏

53

ضميمة أصولية أخرى، و بهذا تكون قد خرجت عن التعريف.

و هذا ما ذهب إليه السيد الخوئي (قدس سره).

و اعترض عليه السيّد الشهيد (قدس سره): بأنّه إن أريد من عدم الاحتياج عدمه في جميع الحالات و دائماً، لخرجت جملة من القواعد الأصولية من قبيل ظهور «افعل» في الوجوب و ظهور النهي في التحريم و غيرهما؛ لأنها بحاجة في كثير من الأحيان إلى دليل حجّية السند فيما لو وقعت في دليل ظنّي السند.

و إن أُريد منه عدم الاحتياج و لو في مورد واحد و حالة واحدة، لأدّى ذلك إلى دخول ظهور الصعيد في التعريف، فيما لو وردت في دليل قطعي السند و الدلالة على الحكم الشرعي، و لم يبق لاستنباط الحكم الشرعي إلّا معرفة معنى الصعيد و ظهوره.

وعليه فالمحاولة غير تامة.

و تارة ثالثة: بإضافة قيد الاشتراك إلى التعريف و كون المسألة الأصولية ما كان عنصراً مشتركاً، و به تخرج المسائل اللغوية من قبيل ظهور الصعيد في معنى معيّن؛ لكونها عنصراً خاصاً لا يستنبط منها إلّا الحكم الشرعي المختص بمادة الصعيد فقط، و هذا ما اختاره السيّد الشهيد (قدس سره).

و أجيب عن الاعتراض الثالث:

تارة: بإضافة قيد جديد للتعريف و هو: «أو التي ينتهى إليها في مقام تشخيص الوظيفة العملية» و بهذا تدخل الأصول العملية في التعريف، لأنها مما يُنتهى إليها في مقام العمل و هذا ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدس سره).

و أخرى: بتعميم الحكم الشرعي الوارد في التعريف إلى ما يعم الحكم الواقعي و الظاهري، و هذا ما ذهب إليه المحقق النائيني (قدس سره).

و أورد عليه:

بأن الأصول العملية هي بنفسها أحكام ظاهرية، لا إنَّهُ يستنبط منها أحكام ظاهرية فهذه المحاولة غير نافعة.

و ثالثة: بالتصرّف في معنى الاستنباط الوارد في التعريف، بأن يكون المراد منه مطلق الإثبات التنجيزي و التعذيري، و الأصول العملية تثبت التنجيز أو التعذير، فتكون‏

54

داخلة في التعريف و هذا ما ذهب إليه السيّد الخوئي (قدس سره) و اختاره السيّد الشهيد (قدس سره).

و بهذا يكون التعريف الصحيح، بحيث لا ترد عليه الاعتراضات المتقدمة هو عبارة عن: (العلم بالعناصر المشتركة في استنباط جعل شرعي).