البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج2

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
378 /
5

-

6

تحديد دلالات الدليل الشرعي 1- الدليل الشرعي اللفظي‏

الدلالات الخاصة و المشتركة

7

البحث الأول تحديد دلالات الدليل الشرعي‏

و البحث في هذه الجهة سوف يقع في مجالين:

الأول: في تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي.

الثاني: في تحديد دلالات الدليل الشرعي غير اللفظي.

تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي:

و قبل البحث في تحديد الضوابط العامة لدلالات الدليل الشرعي اللفظي، كتحديد دلالة الأمر، و دلالة النهي، و غيرهما من الدلالات الأخرى، لا بد من بيان أن البحث عن تلك الدلالات هل هو من المباحث الأصولية، أو هو من المباحث اللغوية؟ و هذا ما سوف نبدأ به هذا البحث.

الدلالات الخاصّة و المشتركة:

قوله (قدس سره) ص 87: «هناك في الألفاظ دلالات خاصّة ... الخ».

قد تبيّن من خلال تعريف علم الأصول و بيان موضوعه، أنّ مسائل علم الأصول التي يتم البحث عنها فيه، هي عبارة عن العناصر أو الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي، و عند ما يقع البحث عن دلالات الدليل الشرعي اللفظي، فلا بد أن يقتصر- في البحث هنا- على تلك الدلالات العامة التي تشكل عناصر مشتركة تصلح للدخول في استنباط مسائل مختلفة في أبواب فقهية مختلفة، أما العناصر الخاصة التي لا تشترك في أبواب فقهية متعددة، فهذه مما يتولى البحث عنها علوم أخرى غير علم الأصول، كعلم اللغة، و علم الرجال، و علم الفقه، و لا مجال للبحث عنها في هذا العلم.

و الدليل الشرعي اللفظي باعتباره مجموعة من الألفاظ الصادرة من الشارع، فهو يشتمل على دلالات خاصة، كظهور كلمة الصعيد- مثلًا- في معنى معين، و يشتمل‏

8

على دلالات عامة تصلح للدخول في استنباط مسائل عديدة و مختلفة في أبواب فقهية متعددة، كدلالة صيغة الأمر على الوجوب، و دلالة اسم الجنس ك- «عالم»، أو «فقيه» الخالي من القيد على إرادة المطلق، أو غيرها من الدلالات العامة التي تشكل عناصر مشتركة.

فالقسم الأول من هذه الدلالات، و المعبّر عنها بالعناصر الخاصة، يبحث عنها في علوم اللغة، و القسم الآخر من الدلالات، و هي الدلالات العامة، يبحث عنها في علم الأصول؛ باعتبارها عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، فمن خلال ما سبق من تعريف علم الأصول، و من أن مسائله و موضوعه عبارة عن العناصر المشتركة دون غيرها، يتضح أن البحث عن الدلالات العامة بحث أصولي لا لغوي؛ لوجود ضابط المسألة الأصولية فيها، و هو عبارة عن كونها من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط (1).

الاعتراض على وقوع بحث الدلالات مورداً للبحث الأصولي:

قوله (قدس سره) ص 87: «و قد يُقال: إن غرض الأصولي ... الخ».

قد يعترض هنا و يقال: إن غرض الأصولي عند ما يريد أن يبحث عن دلالات الألفاظ، ليس إلا تعيين ما يدل عليه اللفظ من معنى، فيبحث- مثلًا- عن معنى كلمة «كل»، و هل هي موضوعة للعموم أو لا؟ أو يبحث عن تعيين المعنى الظاهر من اللفظ عند تعدد معانيه لغة؛ فيبحث عن صيغة «افعل»، و هل أنها ظاهرة في الوجوب أو في الاستحباب؟ و غير ذلك من دلالات الألفاظ، و من المعلوم أن مثل هذا الغرض سهل التحصيل بلا حاجة إلى مزيد من الدقّة العلمية؛ و ذلك لإمكان الحصول عليه عن طريق أحد أمرين:

الأول: الرجوع إلى أهل اللغة، ليعرف منهم المعنى الذي وضعت له هذه الكلمة أو تلك.

____________

(1) خلافاً للمحقق النائيني؛ حيث ذهب إلى عدم أصوليتها؛ بناءً على ما تبناه من ضابط للمسألة الأصولية، و هو وقوعها كبرى في قياس الاستنباط؛ حيث إن هذه المسائل لا تقع إلّا صغرى كما اتضح من خلال المثال المتقدم ص 9؛ لاحتياجها دائماً إلى كبرى حجّية الظهور.

9

الثاني: الرجوع إلى التبادر، الذي هو عبارة عن عملية عفوية يمارسها ذهن كل إنسان مهما كان بسيطاً، فيرى ما الذي يتبادر عنده من صيغة «افعل»- مثلًا-، هل هو الوجوب أو الاستحباب؟

فمن خلال أحد هذين الأمرين، يتم تحصيل الغرض الذي من أجله يبحث الأصولي عن تحديد تلك الدلالات، و بعد ذلك، لا يليق بالأصولي- الذي يتولى البحث العلمي المبني على الدقة و التدقيق- أن يبحث عن هذه المسائل، فأي مجال يبقى بعد الرجوع إلى أهل اللغة و التبادر لكي يتولى علم الأصول البحث عن تلك الدلالات ما دام كلا الأمرين السابقين متيسر لعامة الناس؟

جواب السيد الشهيد (قدس سره) على هذا الاعتراض:

قوله (قدس سره) ص 88: «و التحقيق أن البحوث اللفظية ... الخ».

و الجواب على الاعتراض المتقدم، هو: إن غرض الأصولي من البحث في تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي، و إن كان قد يتعلّق أحياناً بتحديد المعنى الذي يدل عليه اللفظ، أو يعيّن ما هو الظاهر من اللفظ عند تعدد معانيه، و لكن، ليس هذا هو الغرض النهائي له، بل غرضه يتعلّق- أيضاً- بمعرفة كيفيّة نشوء تلك الدلالة و تفسيرها؛ لأنّ معرفة ذلك يؤثر على عمليّة الاستنباط كما سبق و أن رأينا في الحلقة الثانية، و سيأتي في هذه الحلقة و سيتم التعرض لبعض هذه الثمرات في بحث الأوامر، و في بحث الإطلاق، و غيرهما من البحوث الأخرى المقبلة، و من المعلوم أنّ مثل هذا الغرض ليس من الممكن أن يحصل بسهولة و بمجرد الرجوع إلى أهل اللغة، أو الرجوع إلى التبادر كما يدعي صاحب هذا الاعتراض.

و على هذا، فللأصولي هنا مجال واسع يقتضي منهُ مزيداً من البحث العلمي، و إعمال الصناعة، و التدقيق في هذه المسائل، فمثلًا لو كان المتبادر من صيغة الأمر هو الوجوب، أ يكتفي الأصولي بهذا؟ أم لا بد له من أن يعرف أن منشأ هذا التبادر هل هو الوضع؟ أو مقدمات الحكمة؟ أو حكم العقل؟ و من الواضح أنّ هذا له مدخلية و ثمرات عديدة تؤثر على العملية الاستنباطية، فيحتاج الأصولي إلى تفسير مثل هذه‏

10

الدلالة، و هناك مجالات عديدة تقع فيها البحوث اللغوية مورداً للبحث العلمي، ستأتي في محلّها إن شاء الله تعالى.

كيفيّة وقوع البحوث اللفظية مورداً للبحث الأصولي:

إن البحوث اللفظية، التي ترتبط بالألفاظ و نحو دلالتها، كالبحث عن دلالة الأمر، أو دلالة النهي، و غيرهما من الدلالات الأخرى، و التي قلنا أنها مورد للبحث الأصولي، تكون على قسمين:

أحدهما: البحوث اللغوية.

و الآخر: البحوث التحليلية.

أما بالنسبة إلى البحوث اللغوية التي يتناولها الأصولي، فالغرض منها هو اكتشاف دلالة اللفظ على معنى معين، كالبحث عن دلالة صيغة الأمر، و هل هي ظاهرة في الوجوب، أو الاستحباب، أو مطلق الطلب الجامع بين الوجوب و الاستحباب؟ و كذلك البحث عن دلالة «كل» على العموم و الاستيعاب، و البحث عن دلالة النهي على التحريم، و البحث عن دلالة الجملة الشرطية على المفهوم، و أمثال هذه البحوث، لا يتحقق غرض الأصولي منها بمجرد الرجوع إلى اللغوي أو إلى التبادر، بل لا بدّ فيها من البحث العلمي، و إعمال الصناعة و التدقيق، كما اتضح شيئاً ما في الحلقة السابقة، و سوف يتضح جلياً عند تناولها في البحوث المعدة لها في هذه الحلقة، و سوف نستعرض- و باختصار- بعض هذه الموارد، و كيفيّة وقوعها مورداً للبحث العلمي في علم الأصول، فانتظر.

و أما بالنسبة إلى القسم الثاني من البحوث اللفظية، و هي البحوث التحليلية، فيفترض فيها مسبقاً أن المعنى من اللفظ مفهوم و واضح، و دلالة الكلام على ذلك المعنى واضحة أيضاً، غير أن هذه الدلالة على المعنى، إنما استفيدت من مجموع أجزاء الكلام، فمثلًا، لو سمعنا شخصاً يقول: «سافر زيد من البصرة إلى الكوفة»، فإننا سوف نفهم ببساطة معنى هذا الكلام، و نعلم أيضاً أن هذا المعنى لم تدل عليه كلمة «سافر» لوحدها، و لا كلمة «زيد» لوحدها، و لا كلمة «من» لوحدها، و لا

كلمة «البصرة»

11

أو «الكوفة» لوحدها، و إنما استفيد هذا المعنى من مجموع أجزاء الكلام، و إن هذه الكلمات- بانضمام بعضها إلى البعض الآخر، و بهذه الهيئة التركيبية المتقدمة- قد دلت على هذا المعنى، فالمعنى المتحصل إذن من هذا الكلام، استفيد على طريقة تعدد الدال و المدلول‏ (1)، بمعنى: أن هناك مجموعة دوال- أي: ألفاظ- بما لها من مداليل و معان، قد انضمّ بعضها للبعض الآخر، فحصل لنا ذلك المعنى الكلي لمجموع أجزاء الكلام.

إذن، كل جزء من أجزاء ذلك المعنى الكلي يقابله جزء من أجزاء الكلام، فما يقابل تلك الذات المسماة ب- «زيد» في الكلام، هو عبارة عن لفظ «زيد»، و ما يقابل ذلك المكان المعروف و المسمّى ب- «البصرة» هو لفظ «البصرة»، و من هنا، قد يكون ما يقابل بعض أجزاء الكلام من أجزاء المعنى واضحاً، كما بالنسبة إلى «زيد» و «البصرة» و «الكوفة»، و لكن ما يقابل البعض الآخر من قبيل «من» و «إلى» غير واضح، فيبحث هنا بحثاً تحليلياً لتعيين ما يقابل لفظ «من» من معنى، و ما يقابل لفظ «إلى» من معنى.

و من أوضح المصاديق للبحوث اللفظية التحليلية هو البحث عن المعاني الحرفية، و مداليل تلك الحروف؛ فعند ما نقول: «زيد في الدار»، فإننا نفهم المعنى من هذه الجملة، و نفهم أيضاً ما يقابل لفظ «زيد» من معنى، و ما يقابل لفظ «الدار» من معنى، و لكن ما يقابل لفظ «في» من معنى ليس واضحاً، و إن كان مفهوماً عند

وقوعها في الجملة، بحيث لو جزّأنا المعنى الكلي المستفاد من هذه الجملة، و وضعنا كل جزء من‏

____________

(1) أي طريقة تعدّد الدال و تعدّد المدلول؛ حيث إن لكل دال مدلول، و الدال في المقام هو اللفظ، و المدلول هو المعنى الذي دلَّ عليه اللفظ، فالمعنى المتحصل من قولنا: «زيد عالم»، لا يمكن استفادته من لفظ «زيد» مجرداً، و لا من لفظ «عالم» مجرّداً، بل يحصل لنا بانضمام أحدهما إلى الآخر، و كذا قولنا: «ماء الفرات»؛ فإن المعنى المتحصل منه، و الذي هو عبارة عن الحصّة الخاصة من الماء و هو «ماء الفرات»، لم يكن مدلولًا لكلمة «ماء» لوحدها، و لا لكلمة «الفرات» لوحدها، بل حصل بانضمام إحداهما إلى الأخرى بهيئة خاصة و هي هيئة الإضافة، فنتيجة لتعدد الدوال- الألفاظ- و تعدّد المداليل- المعاني- لهذه الدوال، و انضمام بعضها إلى البعض الآخر بهيئة معيّنة، حصل لنا ذلك المعنى الكلّي المترابط، و هذا المعنى المترابط، تم الوصول إليه عن طريق تعدّد الدال و المدلول، فطريقة تعدد الدال و المدلول نعني بها إفادة مجموعة من المعاني بمجموعة من الدوال و بإزاء كل دال، واحد من تلك المعاني.

12

ذلك المعنى بإزاء ما يقابله من الألفاظ الواردة في تلك الجملة، قد لا يتيسر لنا فهم معنى كلمة «في» بالدقة، و أنه ما هو الدور الذي لعبته «في» في هذه الجملة حتى أعطت لنا ذلك المعنى الكلي؟ إذ من المعلوم أن معنى «زيد»، و معنى «الدار»، ليس هو كل المعنى الذي استفيد من قولنا: «زيد في الدار»، و لأجل ذلك يقع البحث عن معنى «في» و غيرها من الحروف، و هذا ليس من البحوث اللغوية؛ و ذلك لأن البحث اللغوي- كما ذكرنا- يراد به اكتشاف دلالة اللفظ على معنى معين، و في المقام، لا يوجد- في من يفهم العربية- من لا يستطيع أن يتصور معنى «في» ضمن تصوره لمعنى و مدلول جملة: «زيد في الدار»، و إنما هو بحث تحليلي، الغرض منه تعيين ما يقابل كلمة «في» من معنى، و من الواضح أن مثل هذا البحث لا يكفي فيه الرجوع إلى أهل اللغة أو الرجوع إلى التبادر، بل يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي، و هذا ما يتولاه علم الأصول بمقدار ما يترتب عليه من أثر في عملية الاستنباط (1)؛ لأن الذي يهم الأصولي ما كان دخيلًا في العملية الاستنباطية، فيبحث عنه بمقدار و حدود ما يؤثر في عملية الاستنباط لا غير.

ثلاث حالات لوقوع البحوث اللغوية مورداً للبحث العلمي:

قوله (قدس سره) ص 90: «و أما البحوث اللغوية، فهي يمكن أن تقع ... الخ».

قلنا: إن الغرض من البحوث اللغوية هو اكتشاف دلالة اللفظ على معنى معين، و تحديد دلالته، و هذا النوع من البحث أيضاً مما يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي، و لا يكفي فيه مجرد الرجوع إلى أهل اللغة أو التبادر، و في ما يلي بعض الحالات التي تقع فيها البحوث اللغوية موضعاً للبحث العلمي:

الحالة الأولى: عدم وضوح المقيد من المطلق في بعض الموارد

قوله (قدس سره) ص 90: «الحالة الأولى: أن تكون هناك دلالة كلية ... الخ».

أن تكون هناك دلالة كلية كقرينة الحكمة التي تعتمد على ظهور حال المتكلم‏

____________

(1) سيأتي في بحث المعاني الحرفية، كيف أن تحديد هذه المعاني يؤثر في عملية الاستنباط، و هذا ما سوف يتضح عند التعرض لثمرة البحث عن المعاني الحرفية.

13

في أن ما لا يقوله في كلامه لا يريده، و التي يتم عن طريقها نفي كل قيد نحتمل دخله في مراد المتكلّم، و إثبات أن مراد المتكلم مطلق و غير مقيد بقيد.

فتارة يكون تطبيق تلك القرينة الكلية- أي: مقدمات الحكمة- في مورد معيّن لإثبات ظهور الكلام في معنى معين واضحاً لا يحتاج إلى مزيد بحث؛ و ذلك لسهولة تشخيص المطلق من المقيّد في ذلك المورد، كما لو قال المولى: «أكرم الفقير»، فتطبيق مقدمات الحكمة على «الفقير»، و إثبات أن مراد المتكلم مطلق الفقير لا خصوص الفقير العادل- مثلًا-، لا يحتاج إلى بحث علمي؛ لأنه لو كان يريد الفقير العادل لقيّد بالعدالة، و لقال: «أكرم الفقير العادل»، فما يقابل المطلق- من المقيد، و هو الفقير العادل- واضح و معلوم عرفاً.

و لكن، قد توجد بعض حالات لا يكون فيها تطبيق مقدمات الحكمة على مصاديقها بتلك الدرجة من الوضوح؛ و ذلك لعدم تعيين المقيّد بسهولة، فيحتاج- هنا- إلى معرفة حقيقة المقيّد، و كيفية التقييد لو أراد المولى التقييد، حتى يتسنى لنا القول بأن ظاهر حال المتكلم أن ما لا يقوله لا يريده، و هذا ممّا يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي، فيبحث الأصولي عن حقيقة ذلك المورد، و هل أنه من المقيّد أو لا؟

و مثال ذلك: إننا نعلم أن الطلب ينقسم إلى النفسي و إلى الغيري، و ينقسم- أيضاً- إلى التعييني و التخييري، فتارة نقول: هذا واجب نفسي- كالصلاة مثلًا-، و هذا واجب غيري- كالوضوء مثلًا-، و ذاك واجب تعييني- كالصوم-، و ذاك واجب تخييري- كالعتق الذي هو أحد خصال الكفارة المخيرة بينه و بين الصوم و الإطعام-، فلو شككنا في كون واجب ما واجباً نفسياً أم غيرياً، أو كونه واجباً تعيينياً أم تخييرياً، ففي هذه الحالة لا يمكن لنا القول بأن ظاهر الأمر- كما في قوله: «أقم الصلاة» مثلًا- هو الطلب النفسي لا الغيري، أو هو من الطلب التعييني لا التخييري، تمسكاً بالإطلاق و مقدمات الحكمة، ما لم نثبت في رتبة سابقة كون الطلب الغيري و التخييري من الطلب المقيّد، و هذا ما يتطلب منّا معرفة حقيقة كل من الطلب الغيري و الطلب النفسي و الفرق بينهما،

و أنه كيف يكون الطلب الغيري من الطلب المقيّد حتى يمكن نفيه بالإطلاق و مقدمات‏

14

الحكمة، و بالتالي إثبات الطلب النفسي؟ و ما ذا ينبغي على الشارع أن يبين لو كان مراده الطلب الغيري، لكي يقال: بما انّه لم يبيّنه، و لم يقله، فهو لا يريده، و بالتالي، يثبت الإطلاق؟

و كذلك الكلام في الطلب التخييري و التعييني، و هذا مما يتطلب مزيداً من البحث و النظر العلمي لتحليل حقيقة الطلب الغيري و الطلب التخييري، و إثبات أنهما من الطلب المقيّد؛ لكي يتسنى لنا أن نقول: انه لو كان يريد الطلب الغيري أو الطلب التخييري، لبيّن ذلك، و لبيّن القيد الذي يكشف عن كون الطلب من الغيري أو من التخييري لا من الطلب النفسي أو التعييني، و بما أنه لم يبيّنه، و لم يقله، فهو لا يريده، فيثبت بالتالي أن مراده الطلب النفسي لا الغيري، و الطلب التعييني لا التخييري.

فما لم يثبت أن الطلب الغيري و التخييري من الطلب المقيّد، لا نتمكن من نفيه بقرينة الحكمة، و بالتالي إثبات الطلب النفسي و التعييني اعتماداً على الإطلاق.

ففي مثل هذه الحالة، لكي نثبت كون الواجب الغيري من الطلب المقيّد، و بالتالي نفيه بالإطلاق و مقدمات الحكمة و اثبات أن ظاهر الأمر هو الطلب النفسي، نقول: إن الطلب و الواجب الغيري ما وجب لأجل واجب آخر، فلو كان يريد الواجب الغيري من الأمر، لكان عليه أن يبيّن ذلك و يقيّده بذلك الواجب الآخر، كأن يقول- مثلًا-: «توضأ لأجل الصلاة»، فلو قال: «توضأ»، و لم يقيّده بشي‏ء، تمسّكنا بإطلاق صيغة الأمر، و أثبتنا أن الطلب و الواجب من الواجب النفسي لا الغيري.

و بهذا، تبيّن أنّ قرينة الحكمة و إن كانت واضحة لكونها قرينة عرفية يعرفها الإنسان العرفي، و لكن تطبيقها على بعض مصاديقها يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي، فهذه إحدى الحالات التي تقع فيها البحوث اللغوية موضعاً للبحث العلمي.

الحالة الثانية: عدم وضوح منشأ الدلالة و إن كان أصل الدلالة واضحاً

قوله (قدس سره) ص 90: «الحالة الثانية: أن يكون المعنى متبادراً ... الخ».

أن نفترض أن المعنى متبادر من اللفظ و مفروغ عن تعيينه، بمعنى: أن دلالة اللفظ

على المعنى واضحة، و لكن الكلام و البحث العلمي، إنما يقع في تفسير كيفية نشوء

15

هذه الدلالة، و هل هي ناشئة من الوضع، بمعنى أن اللفظ قد وضع لهذا المعنى فيكون المعنى مدلولًا تصورياً؟ أم أنها ناشئة من مقدمات الحكمة، ليكون مدلولًا تصديقياً، بمعنى: أن اللفظ لم يوضع لهذا المعنى، و إنما استفيد و تبادر لأجل مقدمات الحكمة؟ أم أن هناك منشأ ثالثاً كان سبباً في هذه الدلالة (1)؟

و من الواضح أن معرفة سبب نشوء هذه الدلالة و أنه الوضع، أو مقدمات الحكمة، أو غير ذلك، له تأثير مباشر في عملية الاستنباط، فيحتاج الأصولي إلى أن يبحث عن ذلك، و لا ينفع مجرد التبادر؛ لأنه لم يحدد سوى المعنى و الدلالة، أما كيفية نشوئها فلا دخل للتبادر فيها (2).

و مثال ذلك: أنه لو قال المولى- مثلًا-: «أكرم الفقير»، فالذي يتبادر من اسم الجنس- و هو «الفقير»- إلى ذهن الإنسان العرفي هو مطلق الفقير، مع عدم تقييده بقيد- كالعدالة مثلًا-، و هذا مما لا شك فيه، و لكن مجرد هذا التبادر، و أن الذي يتبادر من اسم الجنس مع عدم ذكر القيد هو المطلق، لا يحقق غرض الأصولي؛ فإن الأصولي يبحث عن كل ما له دخل و تأثير في عملية الاستنباط من الدلالات العامة، و من الواضح أن معرفة كيفية تبادر المطلق من اسم الجنس، و سبب نشوء هذه الدلالة، مما له دخل في عملية الاستنباط، فلا بد للأصولي إذن أن يبحث عن أن تبادر المطلق من اسم الجنس هل هو لأجل أن اسم الجنس وضع للطبيعة المطلقة بحيث يكون‏

الإطلاق داخلًا في المعنى الذي وضع له اسم الجنس، فتكون دلالة اسم الجنس على‏

____________

(1) كما كان ذلك بالنسبة لدلالة الأمر؛ حيث إن المتبادر منها هو الوجوب، و لكن وقع الخلاف في منشأ هذا التبادر، و هل هو الوضع؟ أو مقدمات الحكمة؟ أو حكم العقل؟ و سيأتي ذلك في بحث الأمر و أدوات الطلب‏

(2) إن قيل: قد تقدّم في الحلقة السابقة أن التبادر علامة الحقيقة و الوضع، و هذا يعني أنه يمكننا الرجوع إلى التبادر لتحديد منشأ الدلالة و نثبت بذلك أنه الوضع، فكيف تقولون أنه لا دخل للتبادر في ذلك؟.

كان الجواب: إنّ هذا يتم في ما لو لم يكن هناك منشأ آخر يمكن على أساسه تفسير ذلك التبادر، و أمّا مع فرض وجود ذلك المنشأ الآخر، فلا يتم ما قيل، و سيأتي توضيح ذلك في بحث الأوامر، فانتظر.

16

المطلق بالدلالة الوضعية التصورية، و يلزم منه- تبعاً- أن يكون استعمال اسم الجنس في المقيّد- كما في قوله: «أكرم الفقير العادل»- استعمالًا مجازياً، لأنه قد استعمل لفظ الفقير في غير ما وضع له؟ أو أن هذا التبادر من اسم الجنس إنما هو لأجل دال آخر غير الوضع، كمقدمات الحكمة؛ بدعوى أن اسم الجنس- كالفقير- إنما وضع لذات المعنى، أي: لطبيعة الفقير، من دون أن يكون الإطلاق و لا التقييد دخيلًا فيه، أي: وضع للطبيعة المهملة من حيث الإطلاق و التقييد، فيكون الإطلاق مدلولًا تصديقياً مستفاداً من تطبيق مقدمات الحكمة، التي مفادها أنّ ما لا يقوله المتكلّم في كلامه فهو لا يريده، فلو كان يريد خصوص العادل من الفقير، لكان عليه- بمقتضى ظهور حاله في أنه في مقام بيان تمام ما يريده بكلامه- أن يبيّن في كلامه ما يدل على ذلك القيد، فيُنفى بمقدمات الحكمة، و يثبت الإطلاق.

و مثل هذا البحث- معرفة أن تبادر المطلق من اسم الجنس مع عدم ذكر القيد و إنه لأجل الوضع أو مقدمات الحكمة- لا يكفي فيه مجرد التبادر الساذج، بل لا بد من جمع قرائن و ظواهر عديدة أخرى يستكشف من خلالها ملاك الدلالة و كيفية نشوئها، كأن يقال: إن تبادر المطلق لو كان بسبب أن اسم الجنس موضوع للمطلق، للزم منه أن يكون استعمال اسم الجنس في المقيّد من الاستعمال المجازي، و هذا اللازم باطل؛ إذ لا يفرّق الإنسان العرفي بين استعمال الفقير في المطلق، و استعماله في المقيّد، و لا يشعر بثقل المجازية في قوله: «أكرم الفقير العادل»، مع أن اللازم من كونه موضوعاً للمطلق أن يكون مثل هذا الاستعمال مجازياً، و هذا بخلاف ما لو قلنا بأن اسم الجنس موضوع للطبيعة المهملة و لذات المعنى الذي يتلاءم مع الإطلاق تارة و مع التقييد تارة أخرى؛ فإن مثل قوله: «أكرم الفقير العادل»، لا يكون من الاستعمال المجازي؛ لأنه لم يستعمل الفقير في غير المعنى الذي وضع له، بل استعمله في معناه، و هو طبيعة الفقير، و التقييد إنما استفيد من دال آخر هو كلمة «العادل»، فظاهرة عدم الإحساس بالمجازية في موارد استعمال اسم الجنس و إرادة

المقيّد منه، و غيرها من الظواهر الأخرى، تثبت أن تبادر المطلق من اسم الجنس مع عدم ذكر القيد، إنما هو

17

لأجل مقدمات الحكمة، لا لأجل الوضع.

و لتجميع مثل هذه الظواهر التي يتم بموجبها تحديد كيفية نشوء تلك الدلالة، و تشخيص كيفية تبادر المطلق من اسم الجنس مع عدم ذكر القيد، و بالتالي، إثبات أحد النحوين- من الوضع أو مقدمات الحكمة- و نفي الآخر، احتيج إلى مزيد من البحث العلمي، و هذه هي ثاني الحالات التي تقع فيها البحوث اللغوية موضعاً للبحث العلمي.

الحالة الثالثة: عدم إمكان الأخذ بالتبادر بسهولة في بعض الحالات‏

قوله (قدس سره) ص 91: «الحالة الثالثة: أن يكون المعنى متبادراً و لكن يواجه ... الخ».

أن يكون المعنى متبادراً من اللفظ أو الجملة، و لكن لا يمكن للأصولي الأخذ بذلك التبادر بسهولة؛ لشبهة تعيقه في المقام، فلا بد- حينئذٍ- من إيجاد حل فني لتلك الشبهة حتى يمكن الأخذ بذلك التبادر، و هذا مما يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي.

و مثال ذلك: أن الجملة الشرطية، كقولنا: «إذا جاءك زيد فأكرمه»، تدل- بالتبادر العرفي- على المفهوم، أي: على انتفاء الحكم في الجزاء عند انتفاء الشرط، فمفهومها المتبادر منها هو: إن لم يجئك زيد فلا يجب عليك إكرامه، فكل إنسان عرفي يسمع هذه الجملة، يتبادر إلى ذهنه الانتفاء عند الانتفاء، و هذا يعني كون الشرط علة منحصرة للجزاء؛ و إلّا، فلو فرض أن هناك علة أخرى للجزاء غير الشرط، من قبيل المرض- مثلًا- تستلزم الإكرام أيضاً، لما تبادر الانتفاء عند الانتفاء؛ لأنه مع انتفاء الشرط و هو «المجي‏ء» بحسب الفرض، قد يخلفه «المرض»، فيثبت وجوب الإكرام.

و تبادر المفهوم- أي: الانتفاء عند الانتفاء- من الجملة الشرطية، و كون الشرط علة منحصرة وحيدة للجزاء، يدل على أن أداة الشرط موضوعة لمعنى يقتضي كون الشرط علة منحصرة للجزاء؛ لأن التبادر علامة على الوضع، و إذا كانت أداة الشرط

موضوعة للانحصار، فهذا يقتضي كون استعمال أداة الشرط أو الجملة الشرطية في موارد عدم كون الشرط علة منحصرة للجزاء استعمالًا مجازياً؛ لأنه من استعمال اللفظ

18

في غير ما وضع له.

و حينئذٍ نقول: من المعلوم أنّ مثل هذا التبادر لا يمكن الأخذ به بسهولة؛ لأن لازمه- و هو المجازية- مما يكذّبه الوجدان؛ إذ لا نشعر بثقل المجازية في موارد عدم الانحصار، بل لا نفرق أساساً بين قولنا: «إذا طلعت الشمس فالنهار موجود»، و بين قولنا: «إذا نمت فتوضأ»، مع علمنا بأن الشرط في الجملة الأولى علّة وحيدة منحصرة للجزاء، و في الجملة الثانية ليست علة منحصرة للجزاء؛ إذ من الواضح الثابت فقهياً أن الأسباب الموجبة للوضوء غير منحصرة بالنوم، فنحن- إذن- بين هذا التبادر من جهة، و بين وجدان عدم الإحساس بالمجازية من جهة أخرى، و كل منهما يكذّب الآخر؛ لأنّ عدم المجازيّة في موارد عدم الانحصار، لازمه عدم الوضع للانحصار، كما أنّ تبادر الانحصار من أداة الشرط، لازمه الوضع للانحصار، و المجازية في موارد عدم الانحصار.

فما لم يجد الأصولي حلًا و تخريجاً فنياً لهذا التهافت و التعارض بين التبادر و عدم المجازية المزبورين، لن يمكنه الأخذ بمثل هذا التبادر بسهولة، بل قد يؤول الأمر إلى إنكاره؛ اعتماداً على قرينة عدم المجازية، و بالتالي، إنكار المفهوم للجملة الشرطية إذا لم يوجد طريق آخر لإثبات المفهوم غير التبادر، فلا بد إذن من التوفيق بين هذين الوجدانين: «وجدان التبادر، و وجدان عدم المجازية»، و هذا مما يتطلب بحثاً علمياً دقيقاً، يتم من خلاله التوفيق بين هذين الوجدانين المتهافتين بدواً، و سوف يأتي مزيد كلام عن ذلك في بحث المفاهيم، فانتظر.

هذه بعض الحالات التي تقع فيها البحوث اللغوية موضعاً للبحث العلمي في علم الأصول، و هناك حالات أخرى يجدي فيها البحث التحقيقي، كما سوف يأتي عند البحث عن تحديد تلك الدلالات، و على هذا الأساس، سوف يتناول علم الأصول دراسة الدلالات العامة للدليل الشرعي اللفظي؛ بوصفها عناصر مشتركة في عملية

الاستنباط، و يبحث عنها بحثاً لغوياً أو تحليلياً، و سوف تكون منهجية البحث في الدلالات المشتركة و العامّة للدليل الشرعي اللفظي كالتالي:

19

1- البحث عن المعاني الحرفية.

2- البحث عن دلالات الأمر و النهي.

3- البحث عن الإطلاق و اسم الجنس.

4- البحث عن احترازية القيود و قرينة الحكمة.

5- البحث عن أدوات العموم.

6- البحث عن المفاهيم، و يُعدّ آخر البحوث في تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي.

و سوف يقع الكلام في هذه الموارد تباعاً إن شاء الله تعالى.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

دلالات الدليل الشرعي اللفظي 1

المعاني الحرفية

23

المعاني الحرفية

المقصود من المعنى الحرفي بالمصطلح الأصولي:

قوله (قدس سره) ص 93: «المعنى الحرفي مصطلح أصولي ... الخ».

يطلق الحرف و يراد به ما يقابل الاسم و الفعل، فيقال- مثلًا-: «من، إلى، عن حرف»، و «زيد اسم»، و «ذَهبَ فعل»، فهذا هو الحرف في اصطلاح النحاة، حيث إنهم يقسمون الكلمة إلى اسم، و فعل، و حرف، و قالوا: إنّ المعنى الذي يدل عليه كل منها غير المعنى الذي يدل عليه الآخر، و على هذا الأساس قسّموا المعنى إلى معنى اسمي، و معنى فعلي حدثي، و معنى حرفي‏ (1)، و لكن، عند ما يطلق المعنى الحرفي في علم الأصول، فإنه يراد به غير المعنى الذي أريد منه في الاصطلاح النحوي؛ حيث يراد به كل ما دل على نسبة أو ربط بين مفهومين‏ (2)، سواء أ كانت هذه النسبة مدلولة للحرف،

____________

(1) قال المحقق الحلي في معارج الأصول ص 49:) و الكلام: هو ما انتظم من حرفين فصاعدا من الحروف المسموعة المتواضع عليها إذا صدرت من ناظم واحد، و منهم من شرط الإفادة، و منهم من شرطه المواضعة، و الثاني يبطل بتقسيم أهل اللغة الكلام إلى المهمل و المستعمل، و مورد التقسيم مشترك. و على ما قلناه، فالكلام إما مهمل، و هو ما لم يوضع في اللغة لشي‏ء، و إما مستعمل. و المستعمل: إما أن لا يستقل بالمفهومية و هو الحرف، و إما أن يستقل: فإن دل على الزمان المعين فهو الفعل، و ان لم يدل فهو الاسم (. و قال العلامة الحلي في مبادئ الوصول إلى علم الأصول ص 60:) أن اللفظ إن دل على الزمان المعين بصيغته فهو الفعل، و إلا فهو الاسم إن استقل بالدلالة، و إلا فهو الحرف (.

(2) فعند ما نقول مثلًا:) زيد في الدار (، فالمعنى الحرفي المدلول لكلمة) في (، هو النسبة و الربط بين مفهوم) زيد (و مفهوم) الدار (في الذهن؛ فإننا نرى أن أحد هذين المفهومين قد ارتبط بالآخر في الذهن؛ حيث يتحصل من قولنا المزبور صورة ذهنية مترابطة، و لو لا الربط، لما جاءت هذه الصورة مترابطة في الذهن، فلو قلنا:) زيد (، ثم قلنا:) الدار (، لوجدنا لكل منهما صورة مستقلة في الذهن، لا علاقة لإحداهما بالأخرى، فالمعنى المتحصل من الحرف، هو الربط بين هذين المفهومين. و كذلك قولنا:) اضرب (؛ فإن هيئة هذه الكلمة قد ربطت بين الفاعل المأمور بالضرب، و بين نفس الضرب. و كذلك قولنا:) زيد قائم (؛ فإن هيئة هذه الجملة هي التي ربطت القيام بزيد و نسبته إليه، و هكذا.

24

أم مدلولة للهيئة، و سواء أ كانت مدلولة لهيئة الفعل، أم لهيئة الجملة، فهو- بهذا الاصطلاح- يطلق على كل معنى يقابل المعنى الاسمي.

المعاني في علم الأصول قسمان:

وعليه، فالمعاني في علم الأصول على قسمين، هما: المعاني الحرفية، و المعاني الاسمية، فيدخل في المعاني الحرفية كل من مداليل الحروف، و هيئات الأفعال‏ (1)، و هيئات الجمل، سواء أ كانت الجملة ناقصة أم تامّة؛ حيث إنها جميعاً تدل على معنى نسبي ربطي، و قد تقدم توضيح ذلك في الحلقة السابقة، و تقدم أيضاً أن كل حرف له ما يوازيه من الأسماء، فحرف «من»، يوازيه من الأسماء «ابتداء»، و حرف «إلى» يوازيه «انتهاء» ... و هكذا. فلكل حرف اسم مناظر له، و هو يغاير ما يناظره من الأسماء؛ لأن معنى «من» لا يمكن أن يلحظ بصورة مستقلة و مجرداً عن طرفيه، بخلاف معنى «ابتداء»؛ فإنه مما يلحظ مستقلًا، أي: يمكن أن نتصوره لوحده، و بدون أي طرفين.

فالحرف- إذن- يختلف عن الاسم المناظر له، و قد وقع البحث في تحديد المعاني الحرفية، و بيان الفرق بينها و بين المعاني الاسمية، و من خلال توضيح ذلك الفرق و الاختلاف، سوف يتم تحديد المعنى الحرفي و بيان حقيقته.

الفرق بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي:

قوله (قدس سره) ص 93: «ففي تخريج ذلك و تحديد المعنى الحرفي ... الخ».

يقع الكلام الآن في تحديد المعنى الحرفي و تشخيص هويته، و معرفة أن الحروف- مثلًا- لأي معنى وضعت؟ و الكلام في ذلك يتطلب منّا أن نبرز نكتة الفرق بين‏

المعنى الحرفي و المعنى الاسمي، حيث ذكرنا أن هناك اختلافاً بين الحروف‏

____________

(1) اعلم أن الفعل ك- (اضرب)، أو (ضَربَ)، أو (يَضرب)، يشتمل على هيئة و مادة، و المقصود بالهيئة، هو الصورة التي تشكّلت بها المادة، كهيئة فعل الأمر في (اضرب)، و هيئة الفعل الماضي في (ضَربَ)، و هيئة الفعل المضارع في (يضرب)، و المقصود بالمادة، هو الأصل الذي منهُ تشكّلت تلك الهيئات، و في المثال المتقدم، عبارة عن (ض، ر، ب)، و تسمى بمادة الفعل، ففي الفعل هيئة و مادة، فهيئته من المعاني الحرفية، و مادته من المعاني الاسمية، كما هو واضح.

25

و الأسماء المناظرة لها، و منهُ سوف تتبيّن حقيقة المعنى الحرفي، فأين يكمن الاختلاف بين المعنيين؟ و لتخريج ذلك، و تحديد المعنى الحرفي، وجد اتجاهان‏ (1):

الاتجاه الأول: الاختلاف بين المعنيين في كيفية اللحاظ

ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدس سره) تبعاً لصاحب الفصول‏ (2)، من أنه لا فرق بين الحرف و الاسم المناظر له من حيث المعنى الموضوع لهُ كل منهما؛ فمعنى الحرف هو نفس معنى الاسم الموازي له ذاتاً، فكلمة «من»، و كلمة «ابتداء»، يدلان على معنى و مفهوم واحد و هو مفهوم الابتداء، فذات المعنى فيهما واحد و هو الابتداء، و لكن الاختلاف بينهما إنما يكون اختلافاً طارئاً و عرضياً؛ حيث إن ذلك المعنى الواحد، يمكن أن يلحظ بلحاظين، بأحدهما يكون مدلولًا للاسم، و بالآخر يكون مدلولًا للحرف، فالفارق بينهما في كيفية اللحاظ و نوعه لا أكثر، و إلا فذات المعنى فيهما واحد (3).

توضيح ذلك: إن مفهوم الابتداء الذي تدل عليه كل من كلمة «من» و كلمة «ابتداء»، إذا أردنا أن نلحظ وجوده، فتارة نلحظ وجوده في الخارج، و أخرى نلحظ

وجوده في الذهن، و نقصد بلحاظ وجوده في الخارج أن نلحظ تحقّقه الخارجي‏

____________

(1) و هناك اتجاه ثالث لم يتعرّض لهُ السيّد الشهيد هنا، و هو الاتجاه القائل بأن الحروف ليست إلّا علائم لكيفية استعمال المعاني الاسميّة و لحاظها، كعلامات الإعراب، و لذلك يدّعى بأنها لم توضع بإزاء معنى خاص، و إنما هي لمجرّد التنبيه على أن مدخولها مظروف مثلًا، أو مبدوء به ...، و هكذا، كما يقال في الحركات الإعرابية من أنها علامة على الفاعلية، أو المفعولية، و لأجل ذلك أطلق عليه مسلك علاميّة الحروف. و هذا الاتجاه استعرضه المحقق العراقي في نهاية الأفكار ج 1 ص 38 حيث قال:) احدها ما ينسب إلى الرضي في شرح الكافية و جماعة أخرى بان الحروف مما لا معنى لها أصلا، بل و إنما هي مجرد علامات لتعرف معنى الغير كالرفع الذي هو علامة للفاعلية (

(2) هذا ما ذكره المحقق العراقي في نهاية الأفكار ج 1 ص 40 حيث قال:) احدها: ما سلكه الفصول و تبعه المحقق الخراساني و بعض آخر من كون معاني الحروف معاني آلية، و ان الفرق بينها و بين الاسم إنما هو باعتبار اللحاظ الآلي و الاستقلالي، و إلا فلا فرق بين المعنى الحرفي و بين المعنى الاسمي (.

(3) كفاية الأصول- طبع مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثامنة- ص 25.

26

و انطباقه على الخارج، و نقصد بلحاظ وجوده في الذهن أن نلحظ الصورة الذهنية لذلك المفهوم.

فإذا لوحظ وجود ذلك المفهوم في الخارج، فهو دائماً متقوم بطرفين، و هما «المبتدئ»، أي: من ينسب إليه الابتداء، و الآخر هو «المبتدأ منه»، أي: النقطة التي ابتدأ منها المبتدئ؛ إذ لا يمكن أن يقع الابتداء خارجاً إلا و هو متقوم بهذين الطرفين و مرتبط بهما، فلو قال المولى- مثلًا-: «السير من البصرة إلى الكوفة واجب»، فلو أخذنا معنى «من» و هو الابتداء، و أردنا أن نلحظ وجوده و تحققه فعلًا في الخارج، فلا بد أن يتحقق السير فعلًا، و أن يكون ابتداؤه من البصرة، و بدونهما لا يمكن أن يتحقق الابتداء خارجاً، فهو متقوم بالمبتدئ و هو «السير»، و بالمبتدإ منه و هو «البصرة»، و كذلك لو أخذنا معنى «إلى» و هو الانتهاء، فتحققه في الخارج متقوم ب- «السير»، و ب- «الكوفة»؛ حيث إن الكوفة هي نقطة انتهاء السير، فلا يمكن أن يتحقق مفهوم الابتداء و مفهوم الانتهاء في الخارج إلا و هو متقوم بوجود طرفين، و لا يمكن لنا أن نتصور وجود الابتداء خارجاً بدون هذين الطرفين، فالابتداء خارجاً لا يمكن أن نتصوّره إلّا إذا كان هناك مبتدئ و مبتدأ منهُ، و كذلك الانتهاء، فهو متقوّم بوجود منتهٍ و شي‏ء يُنتهى إليه، و هكذا.

و أما إذا لوحظ وجود الابتداء في الذهن، فله نحوان من الوجود (1)؛ لأن تعدّد اللحاظ يوجب تعدّد وجود الملحوظ، حتى لو كان اللاحظ واحداً، فهنا، تارة يلحظ مفهوم الابتداء بما هو هو و بقطع النظر عن المبتدئ و المبتدأ منه، أي: نلحظ الصورة

الذهنية للابتداء بما هي صورة ذهنية، كالنظر إلى المرآة بما هي مرآة لا بما هي‏

____________

(1) لحاظ الشي‏ء يعني تصوره، سواء أ كان الملحوظ أمراً خارجياً كلحاظ وجود الابتداء خارجاً، يعني: أن نتصور في ذهننا أن الابتداء قد تحقق في الخارج، فهو في هذه الحالة دائماً متقوّم بطرفين أم كان الملحوظ أمراً ذهنياً كلحاظ مفهوم الابتداء الذي هو الصورة الذهنية للابتداء فهنا سوف يتعدّد وجود الملحوظ بتعدد اللحاظ حتى لو كان اللاحظ واحداً، بل الشي‏ء الواحد إذا لوحظ بلحاظين من لاحظ واحد فسوف يتعدّد وجوده بتعدد اللحاظ، و ذلك اللحاظ يصيّر المعنى جزئياً فيباينه لو لوحظ بلحاظ آخر حتى لو كان اللاحظ واحداً.

27

عاكسة للخارج، و هو ما يسمى باللحاظ الاستقلالي، أي: لحاظ الشي‏ء بصورة مستقلة و مجرّدة عن أي شي‏ء آخر.

و أخرى، يلحظ بما هو حالة قائمة بالطرفين، بأن يلحظ مفهوم الابتداء مطابقاً لواقعه الخارجي؛ فكما أن الواقع الخارجي لمفهوم الابتداء لا يمكن تحققه إلّا و هو متقوّم بطرفين، فكذلك بهذا اللحاظ، لا يمكن أن يكون إلّا و هو متقوّم بطرفيه، و هذا ما يسمى باللحاظ الآلي، بحيث نلحظه آلة لغيره و مرآة لذلك الغير و هو الابتداء الخارجي، و لذا يسمى أيضاً باللحاظ المرآتي، أي: إنه كما لو نظرنا إلى المرآة لا بما هي مرآة بل بما هي عاكسة للصورة الخارجية، فكذلك هنا نلحظ مفهوم الابتداء بما هو مطابق لواقعه الخارجي و متقوم بطرفيه.

إذن، مفهوم الابتداء إذا أردنا أن نلحظ وجوده في الذهن، فتارة نلحظه باللحاظ الاستقلالي، و أخرى نلحظه باللحاظ الآلي، و بأحدهما يكون مدلولًا للفظ «من»، و بالآخر يكون مدلولًا للفظ «ابتداء»، مع وحدة المعنى الملحوظ فيهما.

و مفهوم الابتداء الملحوظ باللحاظ الاستقلالي، يكون مدلولًا لكلمة «ابتداء»، و مفهوم الابتداء الملحوظ باللحاظ الآلي، يكون مدلولًا لكلمة «من»، و بهذا، يتضح الفرق بين المعنى الحرفي الذي هو مدلول لكلمة «من» في المثال، و بين المعنى الاسمي المناظر له، و الذي هو مدلول لكلمة «ابتداء»، فالفارق بينهما في نوع اللحاظ لا في الملحوظ، بل الملحوظ فيهما أمرٌ واحدٌ يلحظ بلحاظين، و هذا معنى أن الاختلاف بين المعنيين يكون عرضياً و طارئاً، لا بحسب الذات‏ (1).

اعتراضان ردّهما صاحب الكفاية:

الأول: يلزم من ذلك عدم انطباق المعنى على الخارج‏

أما الاعتراض، فهو: إنّ القول بأن الاختلاف بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي‏

____________

(1) و هذا من قبيل الجسم الواحد الذي تسلّط عليه شعاعاً أحمر تارة فتراه أحمر، و تسلّط عليه شعاعاً أخضر تارة أخرى فتراه أخضر، مع وحدة الجسم و لونه الأصلي في الحالتين، و في المقام، يكون نوع اللحاظ من كونه آلياً تارة و استقلالياً تارة أخرى، بمنزلة نوع الشعاع و لونه من كونه أحمر أو أخضر، و المفهوم الملحوظ بهذين اللحاظين، بمنزلة ذلك الجسم الواحد الذي سُلِّط عليه شعاعان في زمانين.

28

يكمن في نوع اللحاظ، مع وحدة ذات المعنى الملحوظ فيهما معاً، يستلزم أن يصير المعنى أمراً ذهنياً؛ لأن اللحاظ- و كما أشرنا- أمر ذهني، و ما هو مقيّد بالذهني يكون ذهنياً لا محالة، و مع كونه كذلك، يستحيل أن ينطبق على الخارج؛ لأن ما في الذهن لا ينطبق على الخارج بما هو ذهني، إلّا بتجريده عن الخصوصيات الذهنية، فلو جُرِّد مفهوم الابتداء عن اللحاظ الآلي الذي هو أمر ذهني، لما انطبق على الخارج؛ لأن الابتداء الخارجي مجرد عن اللحاظ؛ لأن اللحاظ أمر ذهني، و الحال أن الابتداء مقيّد باللحاظ، بحيث يكون اللحاظ جزء المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه، فلا ينطبق المعنى على الخارج، و إذا كان كذلك، فسوف يمتنع امتثال أمر المولى لو قال- مثلًا-: «سر من البصرة»؛ لأن الابتداء الذي يريده المولى هو ما كان ملحوظاً باللحاظ الآلي، لأنه مدلول للحرف «من»، فلو كان اللحاظ جزء المعنى، لاقتضى ذلك أن يكون مراد المولى من قوله المذكور أن يتحقق من المأمور الابتداء المقيّد باللحاظ الآلي، و من الواضح أن الذي يتحقق منه في الخارج ليس هو إلّا الابتداء الخارجي المجرّد عن أي لحاظ، و ما هو مطلوب، الابتداء المقيّد باللحاظ، فيمتنع الامتثال، و مع امتناع الامتثال، يمتنع التكليف بمثل هذه التكاليف، مع أنه لا إشكال في صحة مثل هذه التكاليف، و هذا يعني بطلان الاتجاه الذي ذهب إليه صاحب الكفاية للتفريق و التمييز بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي.

رد صاحب الكفاية للاعتراض المذكور:

قوله (قدس سره) ص 94: «إلّا أنّ هذا لا يعني أن اللحاظ الاستقلالي ... الخ».

إن نوع اللحاظ الذي أدى إلى الاختلاف بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي بحيث يكون الأول ملحوظاً باللحاظ الآلي و الآخر ملحوظاً باللحاظ الاستقلالي، لا يعني أن اللحاظ دخيل في المعنى الموضوع له اللفظ أو المعنى المستعمل فيه‏ (1)،

____________

(1) المعنى المستعمل فيه اللفظ قد يكون نفس المعنى الموضوع له اللفظ، و ذلك إذا قصد استعمال اللفظ في نفس معناه الموضوع له، كما لو استعمل لفظ (أسد) في الحيوان المفترس، و أخرى يكون المعنى المستعمل فيه اللفظ غير المعنى الموضوع له، بمعنى: أنه لم يقصد من اللفظ عند استعماله نفس معناه الموضوع له، بل قصد معنى آخر، كما في الاستعمالات المجازيّة، فإن المعنى المستعمل فيه اللفظ غير المعنى الموضوع له، كاستعمال لفظ (أسد) في الرجل الشجاع.

29

حتى يصيّره ذهنياً، و بالتالي عدم إمكان انطباقه على الخارج، الأمر الذي يعني عدم إمكان امتثاله و بالتالي عدم صحة تعلق التكليف به، و إنما يؤخذ نحو اللحاظ و كونه لحاظاً آلياً أو استقلالياً، قيداً في الوضع و نفس العلقة بين اللفظ و المعنى، المجعولة من قبل الواضع، بمعنى: أن الواضع عند ما جعل اللفظ للمعنى، و جعل العلقة بينهما، إنما جعل العلقة بين «من» و مفهوم الابتداء إذا لوحظ باللحاظ الآلي، و جعل علقة أخرى بين لفظ «ابتداء» و مفهوم الابتداء إذا لوحظ باللحاظ الاستقلالي.

و بعبارة أخرى: إنَّ الواضع قد وضع «من» للابتداء بشرط أن يلحظ باللحاظ الآلي، و وضع «ابتداء» لمفهوم الابتداء بشرط أن يلحظ باللحاظ الاستقلالي‏ (1)، فلو استعمل الحرف «من» في الابتداء الملحوظ باللحاظ الاستقلالي، لكان هذا من الاستعمال في معنى بلا وضع؛ لأن الواضع لم يضع الحرف لمفهوم الابتداء مطلقاً، الأعم من الملحوظ منه باللحاظ الآلي و الملحوظ منه باللحاظ الاستقلالي، بل وضعهُ لهُ بشرط أن يلحظ باللحاظ الآلي، و ليس هذا من الاستعمال في غير ما وضع له من معنى، بل هو استعمال في المعنى و لكن بلا وضع.

الثاني: يلزم من ذلك صحة استعمال أحدهما مكان الآخر و هو باطل‏

أما الاعتراض الثاني، فهو: إنه إذا كان ذات المعنى في الحرف و الاسم المناظر له واحداً، فهذا يقتضي صحّة استعمال أحد اللفظين- أعني «من» و «ابتداء»- مكان‏

____________

(1) و قد اعترض المحقق النائيني على ذلك كما جاء في فوائد الأصول ج 1 ص 49 بما نصه:) إن ذلك مبنى على أن يكون للألفاظ واضع خاص حتى يتأتى منه اشتراط ذلك، و قد تقدم امتناع ذلك في أول المبحث، مع انه لو فرض ثبوت واضع خاص فمن المقطوع انه لم يشترط ذلك في مقام الوضع، لأن ذلك خارج عن وظيفة الواضع، إذ وظيفة الواضع إنما هو تعيين مداليل الألفاظ، لا تعيين تكليف على المستعملين، لأنه لا ربط للاستعمال بالواضع. و ثانيا: هب أن الواضع اشترط ذلك، و فرض إن هذا الشرط مما يلزم العمل به، فما الذي يلزم من مخالفة الشرط باستعمال الحروف مقام الأسماء، إذ غاية ما يلزم هو مخالفة الواضع، و هذا لا يوجب كون الاستعمال غلطا، إذ لا يقصر عن المجاز، بل ينبغي أن يكون هذا أولى من المجاز، لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و هذا استعمال في ما وضع له، غايته انه على غير جهة ما وضع له، و هذا لا يوجب استهجان الاستعمال، مع انه من الواضح استهجان استعمال كلمة (من) في مقام كلمة (الابتداء) و (إلى) في مقام (الانتهاء) و (في) في مقام (الظرفية) (.

30

الآخر؛ لأنهما مترادفان، و من الواضح أنّ المترادفين يصح استعمال أحدهما مكان الآخر، و الحال أنّ ذلك لا يصح في ما نحن فيه؛ لوضوح عدم صحّة استعمال «من» بدل «ابتداء»، و بالعكس، فلو قيل- مثلًا-: «ابتداء السير هو البصرة»، لا يمكنك أن تستعمل «من» بدلًا من ابتداء و تقول: «من السير هو البصرة»، و هذا دليل على عدم وحدة المعنى فيهما (1).

رد صاحب الكفاية للاعتراض المذكور:

إنّ هذا الاعتراض قد اندفع بما ذكرناه في الرد على الاعتراض الأول؛ فإن عدم صحّة استعمال أحدهما مكان الآخر، ليس لأن المعنى الموضوع لهُ أحدهما غير المعنى الموضوع لهُ الآخر، بل إنما هو لأجل اختصاص كل منهما بوضع مخصوص به، فيكون من الاستعمال بلا وضع، و هو خطأ واضح.

الاتجاه الثاني: الاختلاف بين المعنى الاسمي و الحرفي ذاتي لا عرضي‏ (2)

قوله (قدس سره) ص 94: «و الاتجاه الثاني: ما ذهب إليه مشهور ... الخ».

و هو ما ذهب إليه مشهور المحققين بعد صاحب الكفاية، من أن المعنى الحرفي غير المعنى الاسمي، و هما متباينان ذاتاً؛ حيث إن حقيقة أحدهما غير حقيقة الآخر،

____________

(1) هذا ما ورد في الكفاية: ص 26، و الذي أشار إليه بقوله: «إن قلت: على هذا لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى، و لزم كون مثل كلمة (من) و لفظ الابتداء مترادفين، صح استعمال كل منهما في موضع الآخر، و هكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها، و هو باطل بالضرورة، كما هو واضح. قلت: الفرق بينهما إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع، حيث أنه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه، و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالة لغيره، كما مرت الإشارة إليه غير مرة، فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع، يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر، و إن اتفقا فيما له الوضع»

(2) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج 1 ص 34: «القول الثالث، هو: أن للحروف معاني ممتازة بالهويّة عن معاني الأسماء، و يكون الاختلاف بين الحرف و الاسم راجعاً إلى الحقيقة، و هذا القول الموافق للتحقيق الذي ينبغي البناء عليه».

و قال السيّد الخوئي في دراسات في علم الأصول ج 1 ص 41: «فالصحيح أن يقال: إن الأسماء و الحروف متباينة سنخاً».

31

و ليس الفرق بينهما في كيفية اللحاظ فقط، بل أن الاختلاف في كيفية اللحاظ ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين‏ (1).

مناقشة السيد الشهيد (قدس سره) للاتجاه الأول:

قوله (قدس سره) ص 95: «أما الاتجاه الأول، فيرد عليه ... الخ».

و مما يرد على الاتجاه الأول، أنه لا دليل على أن التغاير و الاختلاف بين معنى الحرف و معنى الاسم المناظر له في نوع اللحاظ فحسب، مع وحدة ذات المعنى الملحوظ فيهما، بل الدليل و البرهان قائم على التغاير السنخي و الذاتي بينهما، حيث إن المعنى الحرفي يختلف سنخاً و ذاتاً عن المعنى الاسمي، فالمعنى الذي يدل عليه‏

لفظ «من»، غير المعنى الذي يدل عليه لفظ «ابتداء»، فأحدهما من سنخ و الآخر من سنخ آخر، فالاختلاف بينهما اختلاف ذاتي لا عرضي طارئ فقط.

و يمكن تلخيص هذا البرهان و توضيحه بالنقاط التالية:

____________

(1) اعلم أن مشهور المحققين و إن اتفقوا على كون الاختلاف بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي اختلافاً ذاتياً و لكنهم اختلفوا فيما بينهم في تشخيص المعنى الحرفي و تحديده، فقد ذهب كل من المحقق العراقي و السيد الشهيد إلى أن الحروف موضوعة للنسبة و الربط بين المفاهيم في الذهن، كما سوف يتضح لك ذلك خلال البحث، بينما ذهب السيد الخوئي إلى أنها موضوعة للتخصيص و التقييد و التضييق للمعاني الاسمية، فقد قال فى أجود التقريرات ج 1 ص 28 الهامش رقم 1:) معاني الحروف على ما عرفت ليست إلا تقييدات للمعاني الاسمية و تضييقات في ناحيتها، و خصوصيات الأطراف و إن كانت خارجة عن مداليلها و بهذه الملاحظة يكون الموضوع له كالوضع عاماً، إلا أن واقع التضيق الذى هو المعنى الحرفي، حيث إنه في كل مورد مغاير للتضيق في مورد آخر، فلا مناص في مقام الوضع من تصور مفهوم اسمي كمفهوم التضيق بلحاظ ظرف الشي‏ء مثلًا، فيوضع اللفظ بإزاء واقعه، و من هذه الجهة لا بد من كون الموضوع له خاصاً و هو ظاهر (. بينما ذهب المحقق النائيني إلى أنها موضوعة لايجاد مصاديق الربط و النسبة، حيث قال في فوائد الأصول ج 1 ص 44:) إن الحروف باجمعها، و ما يلحق بها مما يتكفل معنى نسبياً رابطياً، إنما وضعت لايجاد مصاديق الربط و النسبة، على ما بين النسب و الروابط من الاختلاف من النسبة الابتدائية و الانتهائية و الظرفية و غير ذلك، و الأسماء وضعت بإزاء مفاهيم تلك الروابط، فلا ترادف بين لفظة (ياء) النداء و بين لفظة (النداء) بما لهما من المعنى، و لا يصح حمل احدهما على الآخر، لأن لفظة (يا) موجدة لمعنى في الغير، و لفظة (النداء) حاكية عن معنى متقرر في وعائه (.

32

1- إننا لو أخذنا جملة من الجمل التي تشتمل على المعاني الحرفية و المعاني الاسمية، كجملة: «سار زيد من البصرة إلى الكوفة»، حيث إنها تشتمل على معان حرفية يدل عليها كل من لفظ «من»، و «إلى»، و هيئة «سار»، و معان اسمية يدل عليها كل من لفظ «زيد»، و «البصرة»، و «الكوفة»، و مادة سار و هي «السير»، لوجدنا الصورة الذهنية و المعنى الذي تدل عليه هذه الجملة مترابطاً، بخلاف ما لو سمعنا هذه الألفاظ منفردة بعضها عن البعض الآخر، فإن المعاني التي تأتي إلى الذهن من تلك الألفاظ، يشكل كل منها صورة ذهنية مستقلة عن الأخرى، و هذا مما لا إشكال فيه‏ (1).

2- إن هذه الصورة الذهنية المترابطة، و هذه المعاني التي يرتبط بعضها بالبعض الآخر، تقتضي وجود رابط قد ربط بين معنى «السير»، و معنى «البصرة»، و معنى «زيد»، و معنى «الكوفة»، و إلّا فكيف ارتبط بعضها بالبعض الآخر (2)؟

3- و هذا الرابط الذي لا بُدَّ من وجوده، إما أن يكون من خارج الجملة، و إما أن يكون من داخلها، و الأول باطل؛ إذ لا يتصور أن يكون الرابط أمراً خارجياً، فيتعين أن يكون الرابط من داخل الجملة نفسها، و هذا يعني افتراض وجود معان رابطة في الجملة نفسها، هي التي قامت بوظيفة الربط بين تلك المفاهيم‏ (3).

4- و هذه المعاني الرابطة التي تؤدي وظيفة الربط، إما أن تكون صفة الربط عرضية لها و طارئة، و إما أن يكون الربط ذاتياً لها، و على كلا التقديرين، لا بد أن ننتهي إلى معان يكون الربط ذاتياً لها؛ بمعنى أن تكون تلك المعاني عين حقيقة الربط و نفسه؛

لأنها إن كانت عرضية لها، فلا بد أن تكون هذه الصفة مستمدة من غيرها، و هذا الغير لا بُدَّ أن يكون من داخل الجملة كما تقدم في النقطة الثالثة، و حينئذٍ، فإن كانت صفة الربط ذاتية له، ثبت المطلوب، و إن كانت عرضية، فلا بد أن يكون من الغير، و يتسلسل الأمر، فلا بد- إذن- من افتراض معان رابطة يكون الربط لها ذاتياً؛ لأن كل ما بالعرض‏

____________

(1) هذا ما أشار إليه بقوله: «انه لا إشكال في أن الصورة الذهنية التي تدل عليها جملة «سار زيد من البصرة إلى الكوفة» مترابطة»

(2) هذا ما أشار إليه بقوله: «فلا بدّ من افتراض معان رابطة»

(3) هذا ما أشار إليه بقوله: «فيها»، أي: أن المعاني الرابطة لا بدّ من افتراضها في نفس الجملة.

33

يجب أن ينتهي إلى ما بالذات‏ (1).

5- و حيث انتهينا- من خلال مجموع النقاط السابقة- إلى وجود معان رابطة يكون الربط ذاتياً لها، بمعنى: أنها عين حقيقة الربط بحيث يكون الربط مقوّماً لها، ننتهي إلى النتيجة التالية:

إن المعاني التي تقوم بوظيفة الربط في الجملة هي عبارة عن مداليل الحروف، و هذا يعني أن الحروف موضوعة للنسبة و الربط، و هي غير المعاني الاسمية، باعتبار أن الربط دائماً متقوم بطرفيه، لأنه لا يمكن أن يكون هناك ربط بدون طرفين مرتبطين ارتبط أحدهما بالآخر، فهذا يعني استحالة تصوّره مجرّداً عن طرفيه؛ لأنه مساوق لتجرّده عن الربط، و هو خلف ذاتيته له، و حيث إن المعاني في الجملة إما اسمية و إما حرفية؛ إذ لا شي‏ء ثالث غيرهما و أن المعاني الاسمية مما يمكن تصورها بصورة مستقلة و مجردة عن أي ضميمة، فلا تكون هي تلك المعاني الرابطة التي يكون الربط ذاتياً لها، فيتعين أن تكون تلك المعاني الرابطة هي مداليل الحروف.

و هذا البرهان، يثبت أن التغاير و الاختلاف بين المعاني الحرفية و المعاني الاسمية تغاير ذاتي، و هذا البيان كما أبطل الاتجاه الأول، فهو يبرهن على صحة الاتجاه الثاني‏

إجمالًا، كما سيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.

معاني الحروف هي واقع النسبة و الربط لا مفهوميهما

قوله (قدس سره) ص 96: «و حتى نفس مفهوم النسبة و مفهوم الربط ... الخ».

عند ما نقول: إن المعاني الحرفية هي النسبة و الربط، لا نعني بذلك أن الحروف‏

____________

(1) مثلًا: لو أخذنا ماءً بارداً و وضعناه في إناء، ثم وضعناه على النار، فإنه بعد فترة يصبح حاراً، فهذه الحرارة التي في الماء، إما ذاتية له و إما عرضية، و الأول باطل؛ لأن الماء قبل وضعه على النار كان بارداً، فلو كانت ذاتية له لما كان كذلك، فلا بد أن تكون عرضية، بمعنى: أن الحرارة عرضت على الماء، و هذا يعني أنها مستمدة من الغير، و هذا الغير ليس هو إلّا الإناء؛ لأن الماء بحسب الفرض لم يلامس إلّا الإناء، فحرارة الماء مكتسبة إذن من حرارة الإناء الذي على النار، و حرارة الإناء إما ذاتية لهُ و إمّا عرضيّة مستمدة من الغير، و الأول باطل لوضوح أن الإناء لم يكن حاراً قبل وضعه على النار، فلا بد أن تكون عرضيّة و مستمدة من الغير، و هذا الغير هو النار، و الحرارة ذاتية لها، و إلّا تسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، و هو باطل، فيلزم أن ينتهي كل ما بالعرض إلى ما بالذات.

34

تدل على مفهوم النسبة أو الربط؛ لأن مفهوم النسبة أو مفهوم الربط مدلولان لكلمتي «النسبة» و «الربط»، و هما من المعاني الاسمية التي يمكن تصورها مستقلًا و مجرداً عن أي طرفين، بل المقصود أن معاني الحروف هي واقع النسبة و الربط و حقيقتهما لا مفهوم النسبة؛ لأنه ليس نسبة حقيقة؛ لأن النسبة- حقيقة- تحتاج إلى شيئين انتسب أحدهما إلى الآخر، و بدونهما لا يكون نسبة حقيقة، و مفهوم النسبة لا يمكن لحاظه مستقلًا و مجرداً عن أي طرفين.

و هذا يعني أن مفهوم النسبة و مفهوم الربط ليسا نسبة و ربطاً بالحمل الشائع، و إن كانا كذلك- أي: نسبة و ربطاً- بالحمل الأولي، و المقصود بالحمل الشائع ما كان ملاكه الاتحاد وجوداً و خارجاً و التغاير مفهوماً، كحمل الناطقية على زيد بقولنا: «زيد ناطق»، و الحمل الذاتي الأولي ما كان ملاكه الاتحاد مفهوماً و التغاير اعتباراً، كحمل الحيوان الناطق على الإنسان في قولنا: «الإنسان حيوان ناطق»؛ فإن مفهوم الحيوان الناطق هو نفس مفهوم الإنسان، و التغاير بينهما بالإجمال و التفصيل.

فعند ما نقول: «النسبة نسبة، و: الربط ربط»، فهذا حمل أولي و ليس من الحمل الشائع؛ لأن الشي‏ء يصدق على نفسه بالحمل الأولي، كقولنا: «الإنسان إنسان»، أي: أن مفهوم الإنسان هو نفسه مفهوم الإنسان، و قد لا يصدق على نفسه بالحمل الشائع لعدم الاتحاد في الوجود؛ بأن كان هناك تغاير في الوجود بين الموضوع و المحمول، كالجزئي، الذي هو جزئي بالحمل الأولي، و لكنه ليس جزئياً بالحمل الشائع؛ لأن الجزئي مما يصدق في الخارج على كثيرين، فتقول: «زيد جزئي» و: «عمر جزئي» و هكذا، فهو- إذن- كلي في الخارج و ليس جزئياً، فملاك الحمل الشائع- و هو الاتحاد في الوجود- غير حاصل، نعم ملاك الحمل الأولي- و هو الاتحاد

المفهومي- حاصل.

و في المقام، النسبة و الربط الحقيقيان متقومان بطرفين، و هما المنتسبان و المرتبطان؛ لأنه لا يمكن تصور نسبة و ربط في الخارج إلا و هما متقومان بالطرفين كما مر ذلك، و مفهوم النسبة و الربط، مما يمكن تصورهما مجرّدين عن الطرفين، فلم يحصل‏

35

الاتحاد بينهما خارجاً، فصح لنا أن نقول: «النسبة و الربط ليسا نسبة و ربطاً»، بالحمل الشائع الصناعي‏ (1).

البرهان التفصيلي على صحة الاتجاه الثاني:

قوله (قدس سره) ص 96: «و توضيح الكلام في تفصيلات ... الخ».

تقدم أنه يوجد اتجاهان لتوجيه الاختلاف بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي، و انتهينا من بحث الاتجاه الأول و مناقشته، و تبيّن من خلال ذلك، البرهنة بشكل إجمالي على صحة الاتجاه الثاني، فيقع الكلام- الآن- في تفصيلات الاتجاه الثاني، و الذي ذهب إليه مشهور المحقّقين بعد صاحب الكفاية (قدس سره)، و هو: إن التغاير و الاختلاف بين المعاني الاسمية و المعاني الحرفية، اختلاف و تغاير ذاتي لا عرضي فحسب كما ادعي في الاتجاه الأول.

ثلاث مراحل لتوضيح الاتجاه الثاني:

و توضيح الكلام في تفصيلات الاتجاه الثاني يقع في ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: و تتكفل بيان التغاير الذاتي بين المعاني الاسمية و المعاني الحرفية، و تحديد المعنى الحرفي بالدقة.

المرحلة الثانية: و تتكفل بيان التغاير السنخي و الماهوي و الذاتي بين أفراد النسبة الواحدة، كنسبة الظرفية- مثلًا-.

المرحلة الثالثة: و تتكفل بيان أن الوضع في الحروف من الوضع العام و الموضوع له الخاص، و بيان معنى الخاص.

و بمجموع هذه المراحل، سوف تتضح حقيقة المعنى الحرفي، و كيف أنه يختلف‏

____________

(1) و هذا ما نبّه عليه المحقق العراقي في نهاية الأفكار ج 1 ص 42 حيث قال:) فكان لفظ (في) في قولك: الماء في الكوز مثلًا موضوعا للربط الخاص الذي كان بين مفهوم الماء و مفهوم الكوز، و هكذا لفظ (من) في قولك: سرت من البصرة و (إلى) و (على) و (حتى) و نحوها من الحروف بل الهيئات أيضاً كما سيأتي إن شاء الله، فيكون الجميع موضوعاً للروابط الخاصة الذهنية بين المفهومين لكن لا مفهوم الربط الذي هو معنى اسمي بل ما هو واقع الربط الذهني و مصداقه بالحمل الشائع (.

36

عن المعنى الاسمي اختلافاً جوهرياً ذاتياً لا عرضياً فحسب، فيقع الكلام الآن عن هذه المراحل تباعاً.

المرحلة الأولى: بيان التغاير الذاتي بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي‏

قوله (قدس سره) ص 97: «إنّا حين نواجه ناراً في الموقد ... الخ».

هذه هي المرحلة الأولى من المراحل الثلاثة المزبورة، و تتكفل- كما قلنا قبل قليل- إثبات و بيان أصل وجود التغاير الذاتي بين المعنى الحرفي و المعنى الاسمي، فنقول:

إنا حينما نواجه- خارجاً- ناراً في الموقد، أو نسمع أحداً يقول: «النار في الموقد»، فسوف تحصل في ذهننا صورة ذهنية مترابطة من مشاهدتنا لتلك النار الخارجية، أو سماعنا لتلك الجملة، و لو حلّلنا هذه الصور المترابطة، لوجدنا انّ في الذهن عدّة مفاهيم:

الأول: مفهوم بإزاء النار، و الذي انتزعه الذهن من مشاهدته للنار الخارجية، أو تصوره للنار عند سماعه للفظ النار.

الثاني: مفهوم بإزاء الموقد، حيث إنه شاهد موقداً خارجياً، فتنطبع صورته في ذهنه، أو سمع لفظ «الموقد»، فيأتي مفهومه إلى الذهن.

الثالث: مفهوم بإزاء العلاقة و النسبة بين النار و الموقد الخارجيين‏ (1)، حيث إن هناك علاقة بين النار الخارجية و الموقد الخارجي، و هي كون النار في الموقد، لا أنها

في مكان و الموقد في مكان آخر بحيث لا توجد علاقة و نسبة بينهما، بل هناك نسبة خارجية، فيستحضر الذهن مفهوماً بإزاء تلك العلاقة الخارجية بين النار و الموقد الخارجيين‏ (2).

____________

(1) سواء تلك العلاقة التي نستكشفها من خلال مشاهدتنا لكون النار في الموقد خارجاً، أم تلك التي تحكي عنها جملة:) النار في الموقد (عند سماعنا لها

(2) و ليس صحيحاً أن يقال: «مفهوم ثالث يقوم بالربط بين مفهومي النار و الموقد» كما عن بعض من تعرّض لشرح هذه العبارة؛ لأن المقام الآن في بيان انتزاع هذه المفاهيم من الخارج، لا بيان الغرض من إحضار هذه المفاهيم، نعم، الغرض من إحضار هذا المفهوم- الذي هو بإزاء النسبة الخارجية- هو الحصول على حقيقة النسبة و الربط بين مفهومي النار و الموقد، فقد قال السيّد الشهيد في بحوث في علم الأصول ج 1 ص 237: «عند ما يواجه الذهن ناراً في الموقد مثلًا ينتزع مفهوماً بإزاء النار و الموقد، و ينتزع مفهوماً بإزاء الارتباط و العلاقة القائمة بين النار و الموقد، حيث نواجه ناراً و موقداً مرتبطين فيما بينهما».

37

و حينئذٍ، نسأل عن الغرض الذي من أجله انتزعت هذه المفاهيم الثلاثة و أحضرت في الذهن، فما الغرض من إحضار مفهوم النار في الذهن؟ و ما الغرض من إحضار مفهوم الموقد؟ و ما الغرض من إحضار المفهوم الثالث و هو مفهوم النسبة في الذهن؟

و في مقام الجواب عن ذلك، ينبغي التفصيل بين المفاهيم الاسمية كمفهومي النار و الموقد، و المفاهيم الحرفية كالمفهوم الثالث الذي هو بإزاء النسبة و العلاقة الخارجية، حيث إنه مدلول للحرف.

الغرض من إحضار المفاهيم الاسمية في الذهن:

قوله (قدس سره) ص 97: «غير أن الغرض من إحضار مفهومي ... الخ».

أما بالنسبة إلى الغرض من إحضار مفهومي النار و الموقد، فهو التمكّن- بتوسط هذه العناوين و هذه المفاهيم- من أن نحكم على النار الخارجية بأنها في الموقد، و على الموقد الخارجي بأن فيه ناراً، و لا يمكن الحكم على الخارج بدون توسط هذه المفاهيم؛ لأن الحكم أمر ذهني و نفسي، فيحتاج إلى ما يكون من سنخه لكي يتعلق به، و ليس هو إلا الصورة الذهنية، و قد تقدم تفصيل هذا البحث عند التعرض لبحث القضايا الحقيقية و الخارجية للأحكام، و ليس الغرض إيجاد خصائص النار في الذهن، من حرارة و إحراق؛ فإن هذا غير معقول؛ لأن ما في الخارج لا يأتي إلى الذهن إلا بعد تجريده عن‏

كل خصائصه الخارجية، فلم يبق سوى الصورة الذهنية، و مفهوم النار لا غير.

و قد تقول: إنه ما دام المطلوب هو الحكم على النار الخارجية بأنها محرقة أو غير ذلك، فلما ذا لا نحكم على الخارج مباشرة و بدون حاجة إلى توسط مثل هذه العناوين كمفهوم النار؟ فإن هذا ليس إلّا حكم على الصورة الذهنية للنار بأنها في الموقد، أو أنها حارة، أو أنها محرقة، و ليس هو حكم على الخارج، و المطلوب أن تحكم على النار الخارجية بأنها حارة، أو أنها في الموقد، أو أنها محرقة، لا على‏

38

الصورة الذهنية للنار، فإنها ليست محرقة، و ليست في الموقد، كما هو واضح.

فنقول: إنه قد تقدم قبل قليل أن الحكم أمر ذهني و نفسي و لا يعقل أن يتعلق إلا بما هو من سنخه، و ليس هو إلا الصورة الذهنية للنار و ليس النار الخارجية، و تقدّم سابقاً- عند البحث عن القضايا الحقيقية و الخارجية للأحكام- استحالة تعلّق الحكم بالخارج مباشرة، وعليه، فإن الحاكم من جهة يريد أن يحكم على النار الخارجية لا على الصورة الذهنية، و من جهة أخرى لا يصح أن يتعلّق حكمه إلّا بالصورة الذهنية للنار، فهنا لا بد أن يصب حكمه على الصورة الذهنية لكن لا بما هي صورة و انطباع في الذهن بل بما هي عين النار الخارجية؛ فإن هذه الصورة الذهنية للنار- مثلًا- يمكن أن ينظر لها بنظرين، أو تلحظ بلحاظين، فتارة نلحظها بما هي هي، و بنظرة تصديقية فاحصة، بحيث ننظر إليها كصورة فوتوغرافية منطبعة في الذهن لا على الورق، فهي بهذا النظر تكون غير النار الخارجية قطعاً، و النسبة بينها و بين النار الخارجية، كالنسبة بين الصورة الفوتوغرافية المطبوعة على الورق و الخارج الذي تحكي عنه هذه الصورة، و أخرى، نلحظها لا بما هي صورة منطبعة في الذهن، بل بما هي عين النار الخارجية بنظرة تصورية بسيطة و بالحمل الأولي، بحيث ننظر إليها بما هي مندكة بالخارج، و الغرض من إحضار الصورة في هذه الحالة، ليس إلا جعلها قنطرة إلى الخارج، فهي- بهذه النظرة- تكون عين الخارج بالحمل الأولي، و هذا النظر يكفي لتحصيل الغرض الذي من أجله أحضر هذا المفهوم و هذه الصورة الذهنية، و هو إصدار الحكم على الخارج.

إذن، الغرض من إحضار هذين المفهومين، ليس إلّا جعلهما قنطرة و وسيلة للحكم على النار و الموقد الخارجيين، و يكفي لتحصيل هذا الغرض إحضار مفهوم النار، و مفهوم الموقد، لا حقيقتهما كما وضّحنا ذلك.

الغرض من إحضار المفاهيم الحرفية في الذهن:

قوله (قدس سره) ص 97: «و أما الغرض من إحضار المفهوم الثالث ... الخ».

و أما بالنسبة إلى الغرض من إحضار المفهوم الثالث الذي هو بإزاء النسبة

39

الخارجية بين النار و الموقد الخارجيين، فهو الحصول على حقيقة النسبة و حقيقة الربط في الذهن؛ لكي يحصل الارتباط حقيقة بين مفهوم النار و مفهوم الموقد في الذهن، و لا يكفي في ذلك أن يكون الحاضر في الذهن مفهوم النسبة؛ لأنه حينئذ يصبح كغيره من المفاهيم التي لا ارتباط فيما بينها، فيشكل كل مفهوم حينئذ صورة ذهنية مستقلة عن غيره، فيصبح كل من مفهوم النار، و مفهوم الموقد، و مفهوم النسبة، مفهوماً مستقلًا في الذهن من دون أن يكون له أيّ ارتباط بغيره من المفاهيم الأخرى، فلكي يحصل الارتباط حقيقة بين مفهومي النار و الموقد، و يتشكل منهما صورة ذهنية مترابطة، و يكون المعنى الحاصل منهما بعد ارتباطهما مغايراً للمعنى الحاصل من كل منهما قبل ارتباطهما، فلا بد أن يكون الحاضر في الذهن هو واقع النسبة و الربط، لا مفهوم النسبة.

و بعبارة أخرى: لكي يحصل الربط الحقيقي في الذهن بين مفهوم النار و مفهوم الموقد، لا بد و أن يكون الحاضر في الذهن نسبة و ربطاً بالنظر التصديقي و بالحمل الشائع، و لا يكفي أن تكون نسبة بالحمل الأولي و بالنظر التصوري، أي: مجرد مفهوم النسبة؛ إذ لا يتم معه حينئذ ربط بين تلك المفاهيم في الذهن كما هو واضح.

و بهذا، يتضح أول فارق أساسي بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي، و هو:

إن المعنى الاسمي- كمفهوم النار و مفهوم الموقد- سنخ مفهوم يحصل الغرض من إحضاره في الذهن- الذي هو الحكم على الخارج- بأن يكون عين الحقيقة و الخارج بالنظر التصوري، و إن لم يكن كذلك بالنظر التصديقي، خلافاً للمعنى الحرفي؛ فإنه‏

سنخ مفهوم لا يحصل الغرض من إحضاره في الذهن- و الذي هو الربط بين المفاهيم في الذهن- إلا بأن يكون عين حقيقته بالنظر التصديقي، بمعنى: أن يكون ربطاً حقيقياً لا مجرد مفهوم للربط، لأن مفهوم الربط- و كما تقدم سابقاً- ليس ربطاً حقيقة، بل هو من المعاني الاسمية.

المعنى المناسب لإيجادية المعاني الحرفية:

قوله (قدس سره) ص 98: «و هذا معنى عميق لإيجادية المعاني الحرفية ... الخ».

تقدم في الحلقة السابقة، أن المحقق النائيني‏ (قدس سره) قد فرّق بين المعنى الاسمي‏

40

و المعنى الحرفي بكون المعاني الاسمية معان إخطارية، بمعنى: أن المعاني و المفاهيم الاسمية لها نحو تقرّر و ثبوت في وعاء العقل مع قطع النظر عن الاستعمال، فعند ما يسمع الإنسان لفظ النار- مثلًا-، يقوم هذا اللفظ بدور الإخطار في الذهن و انسباق هذا المعنى من بين مجموعة المعاني الأخرى الموجودة في وعاء العقل، و هذا هو معنى إخطارية المعاني الاسمية، و أما المعاني الحرفية، فحيث لا يوجد لها أي تقرّر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال، فهي إيجادية، بمعنى: أن الحرف يوجد معناه- و هو الربط- في مرحلة الاستعمال، فيربط بين لفظ النار و لفظ الموقد عند الاستعمال و الكلام، أما قبل الاستعمال، فلا يوجد معنى ثابت متقرّر في وعاء العقل‏ (1).

و قد أشكل السيد الشهيد (قدس سره) على ذلك، بأن المعاني الحرفية أيضاً إخطارية بهذا المعنى؛ لأن معنى الحرف- و هو النسبة و الربط- أيضاً ثابت و متقرّر في وعاء الذهن، و يقوم الحرف بدور إخطاره في الذهن عند التلفظ به، فمعنى «في»- و هو النسبة

الظرفية- ثابت أيضاً في الذهن قبل التلفظ بهذا الحرف، فهو أيضاً إخطاري من هذه الناحية، فلا يصلح هذا أن يكون فارقاً بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي.

فالمعنى المناسب و العميق لإيجادية المعاني الحرفية التي يقول بها المحقق النائيني (قدس سره)، هو أن يراد بذلك كون المعنى الحرفي- و هو النسبة و الربط- عين حقيقة نفسه، لا أنه مجرد عنوان و مفهوم للنسبة يري الحقيقة تصوّرها (2) و يغايرها حقيقة، بل هو

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج 1 ص 37:) لا إشكال في أن المعاني المرادة من الألفاظ على قسمين منها: ما تكون إخطارية، و منها: ما تكون إيجادية، أما الأولى: فكمعاني الأسماء حيث إن استعمال ألفاظها في معانيها يوجب إخطار معانيها في ذهن السامع و استحضارها لديه، و السر في ذلك هو ما ذكرناه من أن المفاهيم الاسمية لها نحو تقرر و ثبوت في وعاء العقل، الذي هو وعاء الإدراك، فيكون استعمال ألفاظها موجبا لإخطار تلك المعاني في الذهن. و أما الثانية: فكمعاني الحروف حيث إن استعمال ألفاظها موجب لإيجاد معانيها من دون أن يكون لمعانيها نحو تقرر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال، بل توجد في موطن الاستعمال (.

(2) اعلم أنه يوجد عندنا شيئان، أحدهما: مفهوم النسبة، و الآخر: واقع تلك النسبة و حقيقتها، و المعنى الحرفي منهما هو الثاني لا الأول؛ لأن مفهوم النسبة من المعاني الاسمية كما تقدم ذلك، وعليه، فإيجادية المعنى الحرفي تعني كون الذي في الذهن هو واقع النسبة و حقيقتها لا مجرّد مفهوم النسبة الذي يري تصوره حقيقة تلك النسبة و حكايته عنها خارجاً؛ فإن هذا هو شأن المفاهيم الاسمية كما هو واضح، وعليه، فما أثبتناه في المتن من إظهار الضمير في قوله:) تصورها (أولى مما فعله بعض الأساتذة و أبدله بقوله) تصوراً (؛ فإن العبارة على ما ذكرنا منسجمة مع واقع البحث.

41

نسبة و ربط بالحمل الشائع، أي: إن ما يوجد في الذهن هو واقع النسبة و الربط بين المفاهيم، لا مجرد مفهوم النسبة الذي هو معنى اسمي، فلو كان ما يوجد في الذهن عنوان و مفهوم النسبة فحسب، كمفهوم النسبة الظرفية- مثلًا-، لما حصل الارتباط بين مفهوم النار و مفهوم الموقد في قولنا: «النار في الموقد»، بل يصبح كل مفهوم من هذين المفهومين لا ربط له بالآخر، كما لو سمعنا لفظ «النار» بمفرده، و لفظ «الموقد» بمفرده أيضاً، فإن الذي يأتي للذهن صورة ذهنية للنار و صورة ذهنية أخرى للموقد، في حين أن الذي يأتي إلى الذهن من قول القائل: «النار في الموقد»، صورة ذهنية مترابطة، ارتبط فيها أحد المفهومين بالآخر ارتباطاً واقعياً حقيقياً، و هذا لا يتم إلا بأن يكون الحاصل في الذهن نسبة و ربطاً حقيقة (1).

المرحلة الثانية: عدم وجود جامع ذاتي بين أفراد النسبة الواحدة

ذكرنا- أول البحث عن الاتجاه الثاني- أن الكلام في هذه المرحلة هو لأجل إثبات أنه لا يوجد جامع ذاتي بين أفراد النسبة الواحدة كنسبة الظرفية- مثلًا-، و إن هناك تغايراً سنخياً ماهوياً بين أفراد النسبة الواحدة، و سيكون هذا البحث بمنزلة توطئة و مقدمة للبحث عن المرحلة الثالثة، كما سوف نوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

____________

(1) بمعنى: أن لا يكون الغرض من إحضار مفهوم النسبة و تصورها في الذهن، أن يكون عين الحقيقة بالنظر التصوري و بالحمل الأولى، و إن كان غيرها بالنظر التصديقي، كما هو الحال في الغرض من إحضار مفهوم النار أو مفهوم الموقد و كل المفاهيم الاسمية الأخرى، بل الغرض من إحضاره في الذهن، أن يكون عين حقيقة نفسه بالنظر التصديقي.

و بعبارة أخرى: أن لا يكون الغرض من إحضار مفهوم النسبة في الذهن هو إرادة النسبة الخارجية و الربط المخصوص الحاصل بين النار و الموقد الخارجيين؛ لأنه حينئذ سوف يكون مفهوماً اسمياً في عرض كل من مفهوم النار و مفهوم الموقد، بل أن يكون الحاصل في الذهن نسبة و ربطاً حقيقة بين مفهومي النار و الموقد.

42

الكلام في هذه المرحلة يقع في نقطتين:

و تفصيل الكلام في هذه المرحلة يقع في نقطتين:

النقطة الأولى: إن التكثر في النسبة فرع تغاير طرفيها

قوله (قدس سره) ص 98: «إن تكثر النوع الواحد من النسبة ... الخ».

قد اتضح- من خلال البحث في المرحلة الأولى- أن كل نسبة متقومة ذاتاً بطرفيها؛ إذ لا يعقل وجود نسبة و ربط حقيقة إلا إذا كان هناك طرفان قد انتسب أحدهما إلى الآخر، و لو أمكن تجريدها عن طرفيها، لما كانت نسبة و ربطاً، كما اتضح أيضاً أنَّ النسب على أنواع، منها: النسبة الابتدائية المدلولة للحرف «من»، و النسبة الظرفية المدلولة للحرف «في»، و النسبة الطلبية و الإرسالية المدلولة لهيئة «افعل»، و غيرها من النسب الأخرى، فلو أخذنا إحدى النسب كالنسبة الظرفية- مثلا-، لوجدنا أن لها أفراداً عديدة، و حيث إن النسبة متقومة بطرفيها، فهذا التكثر لا يعقل- إذن- إلا مع فرض تغاير الطرفين، أي أن هذا الفرد من النسبة، له طرفان غير طرفي الفرد الآخر.

التكثر و التغاير بين أفراد النسبة الواحدة يكون باعتبارين:

و هذا التكثر و التغاير بين أفراد النسبة الواحدة، يكون باعتبارين:

الاعتبار الأول: التكثر بسبب تغاير الطرفين ذاتاً

بمعنى أن ذات الطرفين في هذا الفرد من النسبة غير ذاتهما في الفرد الآخر، كما في نسبة النار إلى الموقد، الحاصلة من قولنا: «النار في الموقد»، و نسبة الطالب إلى الصف، الحاصلة من قولنا: «الطالب في الصف»، و هكذا؛ حيث إن طرفي النسبة الأولى هما النار و الموقد، و طرفي النسبة الثانية هما الطالب و الصف، مع أنهما فردان من النسبة الظرفية.

الاعتبار الثاني: التكثر بسبب تغاير الطرفين موطناً

إن تغاير الموطن الذي توجد فيه النسبة موجب لتكثرها، حتى مع اتحاد ذات الطرفين، كالنسبة الظرفية بين النار و الموقد؛ فإنها باعتبار الموطن الذي حصلت فيه هذه النسبة تنقسم إلى ثلاثة أنحاء من النسب:

43

الأول: النسبة بين النار و الموقد في الخارج، كما إذا كانت هناك نار في موقد خارجاً.

الثاني: النسبة بين مفهوم النار و مفهوم الموقد في ذهن المتكلم المتلفظ ب- جملة: «النار في الموقد»؛ حيث إن المتكلم في مقام الاستعمال، لا بد له أن يتصور مفهوم النار، و مفهوم الموقد، و طبيعة النسبة و الربط المخصوص بينهما، ثم يتلفظ بجملة: «النار في الموقد».

الثالث: النسبة بين مفهوم النار و مفهوم الموقد في ذهن السامع للجملة الذكورة؛ حيث إن السامع عند ما يسمع الجملة المذكورة، سوف ينتقل ذهنه إلى مفهوم النار، و مفهوم الموقد، و النسبة بينهما.

فتبيّن- من خلال ذلك- أن التكثر في النسبة، فرع تغاير طرفيها ذاتاً أو موطناً.

النقطة الثانية: استحالة انتزاع جامع ذاتي بين أفراد النسبة الواحدة

قوله (قدس سره) ص 99: «و كلما تكثرت النسبة على أحد هذين ... الخ».

بعد أن تبين من خلال النقطة الأولى أن تكثر النوع الواحد من النسبة، كالنسبة الظرفية- مثلًا- لا يعقل إلّا مع فرض تغاير الطرفين، إما ذاتاً و إما موطناً، و حيث إن‏

كل نسبة متقوّمة بطرفيها، استحال انتزاع جامع ذاتي حقيقي بينها.

و توضيح ذلك يتم من خلال المقدمات التالية:

المقدمة الأولى: إن الجامع بين الأفراد ينقسم إلى قسمين:

1- الجامع الذاتي الحقيقي: و هو ما تحفظ فيه المقومات الذاتية للأفراد، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده: زيد، و بكر، و عمرو، و خالد، فهذه الأفراد تشترك في حقيقة واحدة و هي الحيوانية الناطقة، و تختلف باختلاف المشخصات الخارجية كلون البشرة و الطول و ... الخ، فالجامع عبارة عن تلك الجهة المشتركة التي تشترك فيها جميع الأفراد، بحيث تكون تلك الجهة مقومة لفردية كل فرد.

2- الجامع العرضي: و هو عبارة عن الجامع الذي لا يستبطن المقومات الذاتية للأفراد، بل توجد بين الأفراد جهة مشتركة تعتبر أمراً خارجياً عن الذات، و غير مقوّمة

44

لفردية الفرد.

و هذا الجامع، يمكن أن يوجد بين أفراد متباينة لا ترجع إلى حقيقة واحدة، كالأبيض الذي يكون جامعاً بين شيئين أو أكثر بينهما من حيث الحقيقة تمام التباين، مثل الثلج، و القطن، و الحائط، و الورق، و زيد- مثلًا-؛ فإن كل واحد من هذه الأفراد يختلف ذاتاً و حقيقة عن غيره، و لكنه يشترك مع غيره من المذكورات في أمر خارجي و هو البياض، فينتزع منها جامع: «الأبيض»؛ لأن كلًا منها أبيض، فنقول: «الثلج أبيض»، و: «القطن أبيض»، و: «الحائط أبيض»، و هكذا. و من المعلوم أن البياض غير مقوم لفردية كل فرد من هذه الأفراد، فمثل هذا الجامع لا يستبطن المقومات الذاتية لأفراده، فلا يكون جامعاً ذاتياً بل عرضياً.

المقدمة الثانية: إن الطريقة الفنية لانتزاع الجامع بين الأفراد- سواء أ كان جامعاً ذاتياً أم جامعاً عرضياً- تكون بحفظ ما به الاشتراك و إلغاء ما به الامتياز، فيلغى ما يمتاز به هذا الفرد عما يمتاز به الفرد الآخر من المشخصات الفردية الخارجية، فما يبقى بعد إلغاء ما به الامتياز من جهة مشتركة، يكون هو الجامع بين الأفراد، غاية الأمر، إن كان ما به الاشتراك من المقومات الذاتية للأفراد، سمي الجامع بالجامع‏

الذاتي، و إن كان من الأمور الخارجية التي لا يتقوم بها الفرد، سمي الجامع بالجامع العرضي، فلو أردنا- مثلًا- أن ننتزع جامعاً بين زيد، و بكر، و عامر، و خالد، بأن ألغينا المشخصات الفردية لكل واحد منهم، و طرحنا ما يمتاز به خالد عن بكر، كطوله، و قصره، و لون بشرته، و جنسيته، و قوميته، و مذهبه ...، و غيرها من الأمور الخارجية، فما يبقى من جهة مشتركة- و هو عبارة عن الحيوانية و الناطقية- يكون هو الجامع بين تلك الأفراد، و يكون جامعاً ذاتياً حقيقياً؛ لأن الحيوانية و الناطقية مقومة لفردية كل فرد، حيث إن كلًا منهما يعتبر حيواناً ناطقاً، و هي تمام ذاته و حقيقته، فيكون جامعاً ذاتياً حقيقياً.

و أما إذا أردنا أن ننتزع الجامع بين الثلج و القطن- مثلًا-، و ألغينا ما يمتاز به الثلج عن القطن، لوجدنا أن ما يبقى من جهة مشتركة بينهما ليس إلا عنوان الأبيض، لأن‏

45

كلًا منهما أبيض، و بياض القطن غير داخل في حقيقته، و كذلك بياض الثلج غير داخل في حقيقته أيضاً، فلا يكون جامعاً ذاتياً، نعم، هو جامع عرضي؛ لأن الذي يجمعهما- و هو البياض- أمر عرضي خارجي غير داخل في حقيقتهما.

المقدمة الثالثة: و بهذا الذي ذكرناه من خلال النقطتين الأولى و الثانية في هذه المرحلة الثانية، تبيّن ما يلي:

1- إن الجامع الذاتي ما تحفظ فيه المقومات الذاتية للأفراد، و إن انتزاع الجامع الذاتي يكون بحفظ تلك المقومات التي تمثّل الجهة المشتركة بين الأفراد و إلغاء ما به الامتياز.

2- و تبيّن أيضاً أن ما تمتاز به النسب الظرفية بعضها عن البعض الآخر إنما هو أطرافها، و إن كل نسبة متقومة بطرفيها، بمعنى: أنه لا يمكن تعقلها في مرتبة ذاتها بصورة مستقلة عن طرفيها.

فمنه يتضح أنه يستحيل انتزاع جامع ذاتي حقيقي بين أفراد النسب الظرفية؛ و ذلك لأن ما يمتاز به كل فرد من النسب عن الفرد الآخر ليس إلا طرفاها، فالذي تمتاز به النسبة الظرفية في قولنا: «النار في الموقد» عن النسبة الظرفية في قولنا:

«الطالب في الصف»، هو عبارة عن أن طرفي النسبة الأولى هما: «النار» و «الموقد»، و طرفي النسبة الثانية هما عبارة عن: «الطالب» و «الصف»، فما يبقى بعد إلغاء ما تمتاز به النسبة الأولى عن الثانية- و هو الأطراف- ليس هو إلّا مفهوم النسبة، لا النسبة حقيقة؛ لأنها متقومة بطرفيها و قد تم طرحهما بحسب الفرض، فانتزاع الجامع- إذن- يكون بإلغاء جهة الامتياز و ما به التغاير بينهما، و من الواضح أن إلغاء ما يمتاز به الفرد الأول من النسبة عن الفرد الآخر من نفس النسبة، يعني إلغاء حقيقة تلك النسبة و ذاتها؛ لأنها متقوّمة بطرفيها، و إلغاء ما يتقوّم به الشي‏ء إلغاء لذات الشي‏ء، و إلا لما كان متقوّماً به، كإلغاء الناطقية مثلًا عن الإنسان، فإنه يعني إلغاء لذات الإنسان، فما يبقى من حيثية مشتركة بعد إلغاء الأطراف، لا يتضمن المقوّمات الذاتية للأفراد؛ لأن المقوم الذاتي لكل فرد من أفراد النسبة هو عبارة عن طرفيها، و هذا يعني أن تلك‏

46

الجهة المشتركة- لو كانت- لا تشكّل جامعاً ذاتياً حقيقياً، بل ستكون جامعاً عرضياً، حيث يمكن انتزاع جامع بين هذه الأفراد من النسبة الظرفية، و هو عبارة عن مفهوم النسبة الظرفية، و لكننا ذكرنا سابقاً أن مفهوم النسبة ليس نسبة حقيقة، لأنه مفهوم اسمي قابل لأن نتعقّله مجرّداً عن أي طرفين، فيكون جامعاً عرضياً لا ذاتياً.

و هذا- أي: عدم وجود جامع حقيقي ذاتي بين الأفراد- يشكل برهاناً على التغاير الماهوي الذاتي بين أفراد النسب الظرفية؛ لعدم وجود جامع حقيقي ذاتي بين أفرادها، و يعني- أيضاً- أنها متباينة بتمام الذات؛ لأن الأفراد التي لا تجمعها حقيقة واحدة، و لا ماهية مشتركة بينها، تكون متباينة بتمام الذات، و قد ثبت أنه لا يوجد جامع ذاتي حقيقي بينها، فهي متباينة ماهيةً و ذاتاً.

المرحلة الثالثة: وضع الحروف من الوضع العام و الموضوع له الخاص‏

قلنا: إن البحث في المرحلة الثانية يعتبر بمنزلة توطئة و مقدمة للبحث في هذه المرحلة الثالثة، و التي تتكفل بيان أن الوضع في الحروف هل هو من الوضع العام‏

و الموضوع له العام كأسماء الأجناس؟ أو أنه من الوضع العام و الموضوع له الخاص‏ (1)؟

و كون الوضع فيها من الوضع العام و الموضوع له العام، يتطلب أن يكون هناك جامع ذاتي حقيقي بين أفراد النسب حتى يوضع الحرف بإزائه، و قد أثبتنا في المرحلة الثانية أنه يستحيل انتزاع جامع ذاتي حقيقي بين النسب، وعليه، يكون الوضع في الحروف من الوضع العام و الموضوع له الخاص.

و بذلك يتضح أن نتيجة البحث في المرحلة الثانية تحدّد نوع الوضع في الحروف،

____________

(1) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج 1 ص 57:) و بالجملة: الكلية المتنازع فيها في الحروف، إنما هي بمعنى أن ما توجده لفظة (من) في جميع الاستعمالات معنى واحد بالهوية و الحقيقة، و تكون الخصوصيات اللاحقة لذلك المعنى بتوسط الاستعمالات خارجة عن حقيقة المعنى، لازمة لتحققه في موطن الاستعمال، نظير خصوصية القيام بالمحل الذي هي من لوازم وجود العرض مع عدم قوام هويته به. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بجزئية المعنى الحرفي، فانه تكون تلك الخصوصيات حينئذ مقومة لهوية المعنى الحرفي و داخلة في حقيقته (.

47

و هذا ما كنّا نقصده من أن البحث في المرحلة الثانية يُعدُّ مقدمة للبحث في المرحلة الثالثة، هذا هو الإجمال، و إليك التفصيل:

تقسيم الوضع باعتبار المعنى الذي يتصوره الواضع:

قد تقدم- في الحلقة السابقة- أن الوضع باعتباره يمثل عملية حكم على اللفظ و المعنى من قبل الواضع، فهو يتطلب منه أن يتصوّر المعنى الذي يريد وضع اللفظ له، و باعتبار هذا المعنى المتصور، ينقسم الوضع إلى أربعة أقسام، و هي:

1- الوضع العام و الموضوع له العام‏ (1).

2- الوضع الخاص و الموضوع له الخاص.

3- الوضع العام و الموضوع له الخاص.

4- الوضع الخاص و الموضوع له العام.

و الوجه في هذا التقسيم، هو: إن الواضع إما أن يتصور معنى كلياً عاماً، و إما أن يتصور معنى جزئياً خاصاً، و على كلا التقديرين، إما أن يضع اللفظ بإزاء المعنى العام، و إما أن يضعه بإزاء المعنى الخاص، فتكون مجموع الأقسام المتصورة أربعة كما تقدم، و قد وقع الخلاف بين المحققين فيما هو الممكن منها من ناحية، و فيما هو الواقع منها من ناحية أخرى، و ذهب الأكثر (2) إلى أن الممكن منها هو الصور الثلاث‏

____________

(1) يسمّى الوضع عاماً أو خاصاً بلحاظ ما يتصوّره الواضع من معنى؛ فإن تصور معنى عاماً سمي الوضع عاماً، و إن تصور معنى خاصاً سمي الوضع خاصاً، و يسمى الموضوع له عاماً أو خاصاً بلحاظ ما وضع له اللفظ من معنى؛ فإن وضع اللفظ بإزاء العام سمي الموضوع له عاماً، و إن وضع اللفظ بإزاء الخاص سمي الموضوع له خاصاً، فالموضوع له يعني المعنى الذي وضع له اللفظ

(2) اعلم أنّه قد وقع الخلاف في ما هو الممكن من هذه الصور الأربعة من ناحية، و فيما هو الواقع فعلًا من الممكن منها، فقد ذهب المحقّق النائيني إلى إمكان الصور الثلاث الأولى و استحالة الرابعة، حيث قال في فوائد الأصول ج 1 ص 31:) ثم انه قد اشتهر تقسيم الوضع: إلى الوضع العام و الموضوع له العام، و إلى الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، و إلى الوضع العام و الموضوع له الخاص. و ربما زاد بعض على ذلك الوضع الخاص و الموضوع له العام، و لكن الظاهر انه يستحيل ذلك، بداهة أن الخاص بما هو خاص لا يصلح أن يكون مرآة للعام (.

و ذهب في ج 1 ص 58 إلى عدم وقوع الصورة الثالثة، حيث قال: «إن الحق هو كليّة المعنى الحرفي و كون الموضوع له في الحروف عاماً كالوضع».

أمّا السيّد الخوئي، فقد ذهب إلى إمكان الصور الثلاث الأولى و وقوعها أيضاً. راجع دراسات في علم الأصول: ج 1 ص 46.

48

الأولى، و إن الصورة الرابعة غير معقولة، و إن هذه الصور الثلاثة الممكنة واقعة جميعاً، و مثّلوا للأولى بأسماء الأجناس، ك- «إنسان»، و «حيوان»، و «شجر»، و «حجر»؛ فيتصوّر الواضع معنى كلياً عاماً كمعنى «الإنسان»، و يضع لفظ «إنسان» بإزاء ذلك المعنى العام، فيكون الوضع عاماً و الموضوع له عاماً أيضاً، و مثّلوا للثانية بأسماء الأعلام ك- «علي»، و «حسن»، و «حسين»؛ حيث إن الواضع يتصور معنى خاصاً كذات معينة، و يضع لفظ «علي» بإزاء تلك الذات، فيكون من الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، و مثلوا للصورة الثالثة بالحروف، و قالوا: إن الوضع فيها من الوضع العام و الموضوع له الخاص.

و يذهب السيد الشهيد (قدس سره) إلى ما ذهب إليه المشهور، من أن الوضع في الحروف من الوضع العام و الموضوع له الخاص لا من الوضع العام و الموضوع له العام، خلافاً

لما ذهب إليه كل من المحقق النائيني و صاحب الكفاية (1).

الوجه في كون الموضوع له في الحروف خاصاً:

و الوجه في ذلك: إن الوضع العام و الموضوع له العام، يتطلب من الواضع أن يتصور معنى عاماً كلياً، أي: جامعاً ذاتياً، و يضع اللفظ بإزاء ذلك العام، كما هو الحال في أسماء الأجناس، و في المقام، لا يوجد جامع ذاتي بين أفراد النسب لكي يوضع الحرف بإزائه، فلا بد- إذن- من وضع الحروف لكل نسبة بالخصوص، و هذا يتطلب استحضار جميع أفراد النسب؛ لأن الوضع يتوقف على تصوّر الواضع للمعنى الذي يضع له اللفظ، و حيث إن استحضارها جميعاً متعذّر بل غير ممكن؛ و ذلك لتكثّر

____________

(1) قال الآخوند الخراساني في كفاية الأصول ص 25:) ثم إنه لا ريب في ثبوت الوضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الأعلام، و كذا الوضع العام و الموضوع له العام، كوضع أسماء الأجناس و أما الوضع العام و الموضوع له الخاص، فقد توهم أنه وضع الحروف، و ما ألحق بها من الأسماء (.

49

أفرادها تبعاً لتغاير أطرافها، فلا بد- إذن- من استحضار جامع عنواني عرضي مشير إلى أفراده كمفهوم النسب الظرفية- مثلًا-، و يضع حرف «في» بإزاء كل نسبة بالخصوص، فيكون من الوضع العام و الموضوع له الخاص.

جزئية المعنى الحرفي:

ردّ ما توهمه الشيخ الأنصاري:

قوله (قدس سره) ص 100: «و ليس المراد بالخاص هنا الجزئي ... الخ».

بعد أن تبين أن الوضع في الحروف من الوضع العام و الموضوع له الخاص، قد يتوهم البعض- كما حصل ذلك فعلًا للشيخ الأنصاري (قدس سره) (1)- أن الموضوع له في الحروف كالموضوع له في أسماء الأعلام، فحيث إن الموضوع له في أسماء الأعلام معان جزئية شخصيّة، فكذلك يكون حال الموضوع له في الحروف، و هذا يعني كون المعاني الحرفية جزئية، أي: أنها لا تقبل الصدق على كثيرين، في مقابل المعنى‏

الكلي الذي يقبل الصدق على كثيرين.

لكن مثل هذا التوهم لا أساس له؛ إذ ليس المراد بالخاص هنا هو الجزئي الذي لا يقبل الصدق على كثيرين؛ لأن النسبة كثيراً ما تقبل الصدق على كثيرين تبعاً لكلية طرفيها، فالخاص هنا أعم من الجزئي المنطقي، فقد تكون النسبة جزئية إذا كان طرفاها جزئيين، كما لو قلنا: «زيد في هذه الغرفة»؛ فإن طرفي هذه النسبة و هما: «زيد» و «هذه الغرفة»، أمران جزئيان لا يقبلان الصدق على كثيرين، و قد تكون النسبة كلية، بمعنى: أنها تصدق على كثيرين، في ما إذا كان طرفاها أمرين كليين، كقولنا: «النار في الموقد»؛ فإن طرفي هذه النسبة و هما: «النار» و «الموقد»، مما يقبل الصدق على كثيرين كما هو واضح؛ لأنه يصدق على كل فرد من أفراد النار في كل موقد.

إذن، المراد من الخاص في قولنا: «إن الموضوع له في الحروف خاص»، ليس الجزئي المنطقي بل هو أعم من ذلك كما بيّنا (2).

____________

(1) مطارح الأنظار- الطبعة الحجرية ص 45

(2) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول ج 1 ص 54:) إن ما يقال في تفسير الكلية و الجزئية: من أنّ المفهوم إن امتنع فرض صدقه على كثيرين فجزئي و إلا فكلي، إنما يستقيم في المفاهيم الاسمية، و أما المعاني الحرفية، فلا يمكن اتصافها بالكلية و الجزئية بهذا المعنى، لما عرفت: من أنه ليس للحروف مفاهيم متقررة يمكن لحاظها، حتى يحكم عليها بامتناع الصدق و عدم الامتناع، بل الحروف إنما وضعت لإيجاد المعاني في الغير في موطن الاستعمال، من دون أن يكون لها وعاء غير وعاء الاستعمال، و من المعلوم إن وصف الشي‏ء بامتناع فرض صدقه على كثيرين و عدم امتناعه، إنما هو بعد تقرر ذلك الشي‏ء في وعاء من الأوعية، و المعنى الحرفي لم يكن له تقرر إلا في وعاء الاستعمال، فلا معنى لأن يتصف بامتناع فرض صدقه على كثيرين و عدم امتناعه (.

50

و حينئذٍ، نقول: فإذا لم يكن المراد بالخاص هو الجزئي الذي لا يقبل الصدق على كثيرين فما معنى كون الموضوع له في الحروف خاصاً؟

و الجواب: إن المراد بكون الموضوع له في الحروف خاصاً، هو إن الحرف موضوع لكل نسبة بما لها من خصوصية الطرفين، بمعنى: إن كل نسبة متقومة بطرفيها، و من الطبيعي أن تكون النسبة الظرفية في قولنا: «النار في الموقد»، غير

النسبة الظرفية في قولنا: «الطالب في الصف»، فإن تلك نسبة طرفاها النار و الموقد، و هما غير الطرفين في النسبة الثانية، فجزئية المعنى الحرفي إنما هي بلحاظ طرفي كل نسبة، لا بلحاظ الانطباق و الصدق على الخارج.

و من خلال البحث في هذه المراحل الثلاث، اتضح مدى الفرق بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي، و إن الاختلاف بينهما اختلاف ذاتي حقيقي لا عرضي طارئ فحسب.

هيئات الجمل:

قوله (قدس سره) ص 101: «كما أن الحروف موضوعة للنسبة ... الخ».

ذكرنا إن المعاني الحرفية كمصطلح أصولي يشمل كُلًا من مدلول الحرف و مدلول الهيئة، سواء أ كانت هيئة الفعل أم هيئة الجملة، و انتهينا- في البحث السابق- إلى أن الحروف موضوعة للنسبة على أنحائها، كالنسبة الظرفية المدلولة للحرف «في»، و النسبة الابتدائية المدلولة للحرف «من»، و النسبة الاستعلائية المدلولة للحرف «على»، و هكذا.

51

و يقع الكلام الآن في أن هيئة الجملة هل هي موضوعة للنسبة أيضاً كالحروف؟ أو أنها موضوعة لمعنى آخر غير النسبة؟

و بعبارة أخرى: يقع البحث في تحديد مدلول هيئة الجملة، و ما هو المعنى الذي وضعت له هذه الهيئة؟

لا بدّ من مقدمة تتكفل الكلام في موضعين:

و لتوضيح الحال، لا بد من بيان مقدمة يتم من خلالها استعراض ما تقدم في الحلقة السابقة من اختلاف في تفسير الوضع، و هل أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية، أو هي دلالة تصديقية؟

و كذا لا بد من التعرّض إلى أنواع الدلالات التي يمكن أن تكون للكلام؛ حيث إنهم قسّموا هذه الدلالة إلى ثلاثة أقسام، فالبحث في هذه المقدمة يقع في موضعين:

الموضع الأول: في أنحاء الدلالة

تنقسم الدلالة اللفظيّة إلى ثلاثة أقسام:

الأولى: الدلالة التصورية

و يقصد بها خطور المعنى و انسباقه إلى ذهن السامع عند سماعه اللفظ، كما لو سمعنا لفظ «ماء»؛ فإن الذي يخطر في الذهن هو معنى (الماء)، و هذه عملية قهرية تحصل بمجرد سماع اللفظ و الالتفات إليه، و لا تحتاج إلى قصد من المتكلم، و لذا يحصل هذا الخطور و لو صدر اللفظ من اصطكاك حجرين.

الثانية: الدلالة التصديقية الأولى‏

و المعبر عنها بالدلالة الاستعمالية، و هي دلالة اللفظ و الكلام على إرادة و قصد إخطار المعنى في ذهن السامع، بمعنى أن المتكلم كان قاصداً، و مريداً لإخطار المعنى، بحيث تكون عنده إرادة استعمالية، أي: أنه كان مريداً و قاصداً لاستعمال هذه الألفاظ لكي يخطر معانيها في ذهن السامع، و هذه الدلالة- باعتبار دخل القصد فيها- لا تكون إلا إذا كان هناك متكلم ملتفت إلى ما يقول، و لذا لا تنعقد هذه الدلالة من الكلام الحاصل من اصطكاك حجرين، و لا من الكلام الصادر من النائم؛ لعدم وجود

52

قصد الإخطار و الاستعمال في الحالتين.

الثالثة: الدلالة التصديقية الثانية

و هي عبارة عن دلالة الكلام على كون المتكلم مريداً جداً للمعنى الذي قصد إخطاره في ذهن السامع، و يعبر عنها بالإرادة الجدية، و يشترط فيها أن يكون المتكلم عاقلًا، ملتفتاً، جاداً، قاصداً للمعنى، و لذا لا تنعقد هذه الدلالة من المتكلم الهازل، كما لو قال هزلًا: «جاء الأسد»، فليس لكلامه- حينئذ- إرادة جدية للإخبار و الحكاية عن مجي‏ء الأسد، نعم، لكلامه دلالة تصديقيّة أولى؛ لأنه قاصد لإخطار هذا المعنى في ذهن السامع.

و من خلال ذلك، يتضح أنه ليس من الضروري أن يكون لكل كلام صادر من أي‏

متكلم هذه الدلالات الثلاث المتقدمة جميعاً (1)، فقد يقتصر الكلام على الدلالة التصورية كما لو صدر من اصطكاك حجرين أو من نائم، و قد يكون له معها دلالة تصديقية أولى فقط، كما لو صدر من متكلم عاقل و لكنَّهُ هازل غير جاد، و قد يكون له معهما دلالة تصديقية ثانية، كما لو صدر الكلام من متكلم عاقل، ملتفت، جاد، نعم، إذا كان للكلام دلالة تصديقية ثانية، فهذا يعني أن له دلالة تصديقية أولى، و دلالة تصورية؛ لأن الدلالة التصديقية الثانية في طول الدلالة التصديقية الأولى، و هما في طول الدلالة التصورية، و لا يمكن أن يكون لكلام ما دلالة تصديقية ثانية من دون أن يكون له الدلالتان التصورية و التصديقية الأولى.

الموضع الثاني: في منشأ هذه الدلالات‏

وقع الخلاف في أن الوضع هل هو منشأ للدلالة التصورية؟ أو هو منشأ للدلالة التصديقية؟ و هذا الخلاف مترتب على الخلاف في تفسير حقيقة الوضع، فقد ذهب المشهور إلى أن الوضع هو عبارة عن تخصيص اللفظ بالمعنى، و ذهب السيد الشهيد (قدس سره) إلى أنه عملية قرن أكيد بين اللفظ و المعنى، و على كلا هذين التفسيرين،

____________

(1) و ليس من الدقة أن يقال: «إن لكل كلام صادر من أي متكلم ثلاث دلالات»؛ لأنه يختلف بحسب من صدر منه الكلام، و بحسب ظاهر حاله، و قصده، كما وضّحنا ذلك في المتن.

53

يكون تصور اللفظ سبباً لتصور المعنى و خطوره في الذهن، فيكون الوضع بمقتضى ذلك منشأ للدلالة التصورية فحسب، أما الدلالة التصديقية، فمنشؤها الظهور الحالي و السياقي لا غير (1)؛ و ذلك لدخالة قصد المتكلم المستكشف من ظاهر حاله في انعقاد تلك الدلالة، كما وضحنا ذلك في النقطة الأولى.

و ذهب السيد الخوئي (قدس سره) إلى أن الوضع تعهد من الواضع بأن لا يأتي باللفظ الخاص إلا إذا قصد تفهيم المعنى الخاص، و مقتضى ذلك كون الدلالة الوضعية تصديقية؛ لأن الدلالة التصديقية- كما تقدم- منوطة بقصد المتكلم، و المفروض أنه قد أخذ قيداً في العلقة الوضعية بين اللفظ و المعنى، فيكون الوضع- بناءً على ذلك- منشأً للدلالة التصديقية (2).

تحديد المعنى الذي وضعت له هيئة الجملة:

و بعد هذه المقدمة، نعطف الكلام إلى ما أراد السيد الشهيد (قدس سره) بيانه هنا، و هو: إن هيئة الجملة موضوعة للنسبة أيضاً كما هو الحال في الحروف، فكما أن الحروف موضوعة للنسبة على أنحائها، فكذلك هيئات الجمل، فمدلول هيئة الجملة هو النسبة، سواء أ كانت هيئة الجملة الناقصة، كقولنا: «المفيد العالم»؛ حيث إنها جملة ناقصة لا يصح السكوت عليها، أم كانت هيئة الجملة التامة، كقولنا: «المفيد عالم»، فهي جملة

____________

(1) لعل قائل يقول: إذا كان الأمر كذلك، فلما ذا قلتم في تعريف الدلالة التصديقية أنها دلالة الكلام؟

قلنا: إن الكلام في تحديد دلالة الكلام على معنى معيّن شي‏ء، و الكلام عن بيان السبب الذي لأجله كان للكلام تلك الدلالة شي‏ء آخر، فالكلام هو الذي يدل على المعنى و من خلاله نستكشف المعنى الذي يريده المتكلم، و الدلالة سواء كانت تصورية أم تصديقية فهي دلالة للكلام ليس إلّا، غاية الأمر، إن كان المنشأ الذي لأجله كان للكلام هذه الدلالة أو تلك هو الوضع، سميت الدلالة وضعية، و إن كان هو الظهور الحالي للمتكلم، سميت الدلالة تصديقية

(2) قال السيّد الخوئي في دراسات في علم الأصول ج 1 ص 31: «و الصحيح: إن الوضع أمر واقعي محض، غايته من قبيل الأفعال النفسانية، فهو فعل النفس، و هو التعهد و الالتزام بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، نظير ما لو تعهد المولى و قال لخادمه: بأني متى ما رفعت العمامة من رأسي فأنا أريد الشاي، ففي الألفاظ أيضاً كذلك، لأجل تسهيل الإفادة و الاستفادة، يلتزم الواضع و يتعهد بذكر اللفظ الخارجي عند إرادة المعنى المخصوص، و هذا هو حقيقة الوضع».

54

تامة يصح السكوت عليها، و الفرق بينهما- مع أن كلًا منهما موضوع للنسبة- هو أن هيئة الجملة الناقصة موضوعة لنسبة ناقصة تحليلية اندماجية، دمج أحد طرفيها بالآخر و أصبحا مفهوماً واحداً، فإن جملة: «المفيد العالم» بجعلها صفة و موصوفاً، يصبح اللفظان فيها كالكلمة الواحدة، و يشكلان مفهوماً أفرادياً واحداً.

و هيئة الجملة التامة، كقولنا: «المفيد عالم»، موضوعة لنسبة تامة يصح السكوت عليها، و هذه النسبة إنما حصلت من الهيئة المتقدمة، و إلّا، فكلمة «مفيد» لوحدها، و كذلك كلمة «عالم» لوحدها، لا تدل على انتساب العلم للمفيد. فالنسبة بين المفيد، و عالم، و الربط بينهما، إنما حصل بفضل هيئة الجملة و كون كلمة المفيد و كلمة العالم بهذه الهيئة المتقدمة، و هذا ما نقصده من أن هيئة الجملة موضوعة

للنسبة، و سيأتي مزيد من التوضيح في البحث الآتي عند التفريق بين الجملة الناقصة و الجملة التامة (1).

و أما بالنسبة للسيد الخوئي‏ (قدس سره)، فقد خالف في ذلك تبعاً لتفسيره الوضع بالتعهد، الذي يقتضي كون الدلالة الوضعية تصديقية، و ذهب إلى أن الموضوع له في هيئة الجملة يختلف بحسب كون الجملة ناقصة أو تامة، فذهب إلى أن هيئة الجملة الناقصة- ك- «المفيد العالم»، موضوعة لما هو مدلول الدلالة التصديقية الأولى، الذي هو عبارة عن قصد إخطار المعنى في ذهن السامع، و هيئة الجملة التامة- كقولنا: «المفيد عالم» موضوعة لما هو مدلول الدلالة التصديقية الثانية، و هو عبارة عن قصد الحكاية و الإخبار في الجملة الخبرية- ك- «جاء الأسد»، و قصد الطلب و جعل الحكم في الجملة الإنشائية- كقولنا: «أكرم زيداً»، و قصد الاستفهام في الجملة الاستفهامية- كقولنا: «هل جاء زيد؟» و هكذا.

و حيث إن الصحيح في تفسير حقيقة الوضع- و كما تقدم في الحلقة الثانية- أنه تخصيص للفظ بالمعنى، أو قرن أكيد بين اللفظ و المعنى، فلا تكون الدلالة الوضعية إلا دلالة تصورية، فالصحيح- إذن- ما عليه المشهور، من أن المدلول الوضعي‏

____________

(1) أما هنا، فالبحث يقتصر على بيان أن هيئة الجملة موضوعة للنسبة، و أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية لا تصديقية، و أن هيئة الجملة لا تدل بالوضع إلا على النسبة دلالة تصورية.