البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ أياد المنصوري المزيد...
584 /
6

البحث الثاني وسائل اثبات صدور الدليل الشرعي 2

وسائل الإثبات التعبّدي‏

7

وسائل اثبات صدور الدليل الشرعي القسم الثاني: وسائل الإثبات التعبّدي‏

تمهيد:

قوله (قدس) ص 223: «و أهم ما يذكر في هذا المجال عادة ... إلخ».

ذكرنا فيما سبق، أن وسائل إثبات صدور الدليل من الشارع تكون على قسمين:

الأول: و هي: وسائل الإثبات الوجداني، و قد مضى الكلام عنها مفصلًا.

و الثاني: و هو الذي عقد البحث لأجله هنا، عبارة عن: وسائل الإثبات التعبّدي، و يقصد بها: الطرق، و الوسائل التي يتعبّدنا بها الشارع، و يأمرنا باتباعها، و الاعتماد عليها في مجال إثبات صدور الدليل من الشارع‏ (1)، أي: يجعلها حجّة في إثبات الصدور، و لو لا جعلها حجّة

____________

(1) هذا هو المقصود من وسائل الإثبات التعبدي، و ليس دقيقاً ما ذكره الشيخ الإيرواني (حفظه الله) في شرح الحلقة الثالثة، في الجزء الثاني ص 65، حيث قال:) وسيلة الإثبات التعبدي، عبارة أخرى عن الظن الذي قام الدليل القطعي على حجيته، فيمكننا على هذا، ابدال جملة «وسائل الاثبات التعبدي»، بجملة: «الظنون التي قام الدليل القطعي على حجيتها».

و الوجه في عدم دقة ذلك، هو: إنّ متعلق الظن، تارة يكون حكماً شرعياً، و أخرى يكون عبارة عن صدور الدليل من الشارع، و ما هو مورد البحث في المقام هو القسم الثاني، و أمّا القسم الأول، فهو خارج عن موضوع البحث هنا أصلًا؛ لأنّ البحث في ما نحن فيه عن وسائل اثبات صدور الدليل من الشارع، و ليس عن كل ما يكون دليلًا و حجة على الحكم الشرعي، و من هنا، نرى أن السيد الشهيد، قال في نهاية بحث الشهرة من الحلقة الثالثة، ص 222: «ثم إنّ في الشهرة في الفتوى بحثاً آخر في حجيتها الشرعية تعبداً، و هذا خارج عن محل الكلام». و قال أيضاً في بحث الاجماع، ص 211: «و البحث عن حجية الاجماع على الأسس الثلاثة الأولى، يدخل في نطاق البحث عن الدليل غير الشرعي على الحكم الشرعي، و البحث عن حجيته على الأساس الأخير، يدخل في نطاق إحراز صغرى الدليل الشرعي، و يعتبر من وسائل اثبات هذا الدليل، و هذا ما نتناوله في المقام». و دلالة هذين المقطعين على ما ادّعيناه واضحة جداً، فانتبه، و لا تغفل.

8

كذلك، لما كانت بنفسها موجبة لإثبات الصدور، و من هنا سمّيت بوسائل الإثبات التعبّدي، أي: كونها ثبتت بالتعبّد، و بجعل الشارع.

و أهم ما يذكر في هذا المجال عادةً كوسيلة تعبّدية لإثبات صدور الدليل من الشارع، هو: خبر الواحد، و نعني به: كل خبر لا يحصل العلم بصدور مضمونه من الشارع، سواء أ كان الناقل له واحداً، أم أكثر، في مقابل الخبر الذي يفيد العلم بصدور مضمونه من الشارع، سواء أفاد العلم بذلك لكونه متواتراً، أم كان ذلك لأجل احتفافه بقرائن قطعيّة توجب العلم بالصدور (1).

و معنى كون خبر الواحد من وسائل الإثبات التعبّدي، هو: أن الشارع قد جعل له الحجيّة،

____________

(1) اعلم أن الخبر، إمّا أن يفيد العلم بصدوره من الشارع، أو لا يفيد العلم، و على الأول: إمّا أن يفيد العلم لكونه متواتراً، أو لأجل احتفافه بقرائن قطعيّة توجب العلم بصدوره، و على كلا التقديرين، فهو حجة من باب حجية القطع، فيكون خارجاً عن محل البحث، و أمّا الخبر الذي لا يفيد العلم، فإنه يطلق عليه (خبر الواحد) سواء أ كان الراوي له واحداً، أم تعدد رواته، و تعدّدت طرقه، و وصل إلى حدّ الشهرة، فكل خبر لا يفيد العلم بصدوره من الشارع، هو داخل في خبر الواحد محل البحث.

ثم إنّ الشيخ الطوسي قد ذكر في عدة الأصول، ج 1، ص 143 جملة من القرائن التي تدل على صحة مضمون الخبر و إن لم يكن الخبر بذاته موجباً لحصول العلم، فقال: «القرائن التى تدل على صحة متضمن الأخبار التى لا توجب العلم أربع أشياء:

منها: أن تكون موافقة لأدلة العقل و ما اقتضاه.

و منها: أن يكون الخبر مطابقاً لنص الكتاب.

و منها: أن يكون الخبر موافقاً للسنة المقطوع بها من جهة التواتر.

و منها: أن يكون موافقاً لما أجمعت الفرقة المحقة عليه، فإنه متى كان كذلك دل أيضاً على صحة متضمنه.

و قال المحقق الحلي في معارج الأصول، ص 137: «فالخبر: إما أن يقطع بصدقه أو كذبه، أو يكون محتملًا لكل واحد من الأمرين، و ما علم صدقه ينقسم الى: ما علم صدقه بمجرد الإخبار، و إلى: ما علم صدقه بأمر مضاف إلى الأخبار، كضرورة العقل أو استدلاله، و يدخل في ذلك جميع ما عد من الأقسام الدالة على صدق الخبر، كإخبار الله تعالى و رسوله و المعصوم (عليه السلام)، و ما اجمعت عليه الأمة، و ما ذكر بحضرة الرسول (صلى الله عليه و آله) بمسمع منه و لم يكن غافلًا عنه فلم ينكره؛ لأن كل ذلك علم صحته بالدليل. و ما علم صدقه بمجرد الإخبار فهو المتواتر، و سنفرد له فصلًا إن شاء الله تعالى. و ما علم كذبه فلا يكون إلا بأمر مضاف إلى الخبر، و هو خمسة أشياء: الأول: ما خالف ضرورة العقل. الثاني: ما أحالته العوائد. الثالث: ما خالف دليل العقل. الرابع: ما خالف النص القاطع من الكتاب و السنة المتواترة. الخامس: ما خالف الاجماع».

9

كما لو قال- مثلًا- «اعملوا بما يرويه عنّا ثقاتنا»، أو غير ذلك، و لكن، ليس المقصود كونه حجّة على الإطلاق و في جميع الحالات، بل المقصود كونه حجّة في بعض أقسامه، كخبر الثقة مثلًا، كما سوف يتضح من خلال البحث.

ثم إنّه ينبغي الالتفات، إلى أنّ حجيّة خبر الواحد على القول بها، لا بدّ أن تثبت بالدليل القطعي و لا يكفي فيها الدليل الظني صدوراً (1)؛ لأنه لا يمكن إثبات حجّية الظن بالصدور الناشئ من خبر الواحد بنفس ما هو مظنون الصدور؛ لأنها حجّية مجعولة، و ثابتة له بالعرض، و ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات، و ليس هو في المقام إلا القطع.

الكلام في خبر الواحد يقع في مرحلتين:

قوله (قدس) ص 223: «و الكلام يقع على مرحلتين ... إلخ».

ثم إن الكلام في خبر الواحد يقع في مرحلتين:

الأولى: في إثبات حجّية خبر الواحد على نحو القضيّة المهملة و الموجبة الجزئيّة، أي: في كونه حجّة في بعض أقسامه، لا مطلقاً.

الثانية: في تحديد دائرة هذه الحجيّة سعةً و ضيقاً، و بيان و شروطها، و بعبارة أخرى: في بيان و تحديد موضوعها.

المرحلة الأولى: في إثبات أصل حجّية الأخبار

قوله (قدس) ص 223: «و المشهور بين العلماء هو المصير إلى حجية ... إلخ».

وقع الخلاف بين المحققين من الأصوليين في حجية خبر الواحد في الجملة، فمنهم من أنكر حجيته مستدلًا على ذلك ببعض الأدلة (2)، و منهم من قال بحجيته و استدل لذلك‏

____________

(1) المقصود بالدليل القطعي الذي يشترط في إثبات حجية خبر الواحد، هو: كونه قطعيّاً من جهة الصدور و إن لم يكن كذلك من جهة الدلالة، فلو كان ظنيّاً من جهة الدلالة على حجية خبر الواحد و كانت دلالته حجة و لكنّه قطعي الصدور، كفى ذلك في اعتباره دليلًا على حجية خبر الواحد، فلو كان هناك خبر متواتر ظاهره جعل الحجية لخبر الواحد، و دلّ الدليل القطعي على حجية الظهور، كان ذلك دليلًا على حجية خبر الواحد

(2) فمن الكتاب الكريم تمسكوا ببعض الآيات الناهية عن العمل بالظن، و من السنة الشريفة تمسكوا بالروايات التي دلت على النهي عن العمل بالخبر الذي لا يوافق الكتاب الكريم، أو الذي ليس له شاهد منه، و غير ذلك من الروايات الأخرى، كما أنهم ادعوا الإجماع على عدم الحجية، و قد ناقش الأعلام في جميع هذه الأدلة.

10

أيضاً بأدلة، إلّا أنّ المشهور بين العلماء هو الذهاب إلى القول بحجيته في الجملة، مستدلين على ذلك بالكتاب تارة و بالسنة تارة أخرى و بالعقل تارة ثالثة.

الكلام في المرحلة الأولى يقع في ثلاثة مقامات:

استدل على حجية خبر الواحد بالكتاب الكريم و بالسنة الشريفة و بالعقل، و للوقوف على حقيقة الحال في هذه الأدلة، و كيفية الاستدلال بها على الحجية، و مدى دلالتها على ذلك لا بد من البحث في كل دليل منها بشكل مستقل و منفصل عن الآخر، وعليه، يقع البحث في ثلاث مقامات.

المقام الأول: الاستدلال بالكتاب الكريم على حجّية خبر الواحد

استدل على حجّية خبر الواحد من الكتاب الكريم بآيات عديدة، نذكر منها اثنتين فقط (1):

الآية الأولى: آية النَبَإ

و هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ‏ (2).

تقريب الاستدلال بالآية الكريمة من وجهين:

قوله (قدس) ص 224: «و يمكن الاستدلال بها بوجهين ... إلخ».

الاستدلال بهذه الآية الكريمة محل البحث على حجية خبر العادل، يكون عن طريق أحد الوجهين التاليين:

____________

(1) و من الآيات الأخرى التي استدل بها البعض على حجية خبر الواحد، هي: قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 159: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَ الْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)، و قوله تعالى في سورة النحل، الآية 43: (فَسْئلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، و قوله تعالى في سورة التوبة، الآية 61: (وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

(2) سورة الحجرات، آية 6.

11

الوجه الأول: التمسّك بمفهوم الشرط

قوله (قدس) ص 224: «الوجه الأول: أن يستدل بمفهوم الشرط ... إلخ».

لا شك في أنّ الآية الكريمة محل البحث في المقام تتضمن بحسب تركيبها اللغوي جملة شرطية، يتمثل شرطها ب- (مجي‏ء الفاسق بالنبإ)، و الذي هو مفاد قوله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ، و يتمثل جزاؤها ب- (وجوب التبيّن عن النبأ)، و الذي هو مفاد قوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا، و مقتضى الجملة الشرطية، هو: ربط الجزاء بالشرط، فتكون الآية قد ربطت الأمر بالتبيّن عن النبأ بمجي‏ء الفاسق به، و حيث إنّ الجملة الشرطية تدل على المفهوم، أي: انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، فهذا يعني: عدم وجوب التبيّن‏ (1) عن النبأ عند عدم مجي‏ء الفاسق به، وعليه، فلو جاء العادل بالنبإ، فلا يجب التبيّن عنه، و هذا يعني: حجّية خبر العادل‏ (2).

و لعلّك تسأل و تقول: إنّ الثابت في منطوق الآية، هو: الأمر بالتبيّن عن نبأ الفاسق، و الذي ثبت بمقتضى المفهوم هو عدم الأمر بالتبيّن عن نبأ العادل، و لكن، لم يتضح كيف دلّ عدم الأمر بالتبيّن عن نبأ العادل على حجّيته؟

____________

(1) التبيّن في الآية الكريمة بمعنى الفحص، أو التوقف في الحكم، أو التثبت، و ليس بمعنى تحصيل العلم بصدق الخبر أو كذبه، و إن كان ذلك قد يحصل أحياناً من خلال الفحص و التثبت، فقد قال المحقق النراقي في عوائد الأيام، ص 171: «و معنى التبين طلب ظهور الحال، فالمعنى انه: إن جاءكم فاسق بنبإ فتفحصوا عن حقيقة الحال، و اطلبوا ظهوره و حقيقته، و أما بعد الطلب و التفحص فما وظيفتكم و ما اللازم عليكم، فلا يظهر من الآية، و توضيحه: إن بعد الطلب و الفحص فلا يخلو الحال من خمسة: إما يظهر كذب النبأ، أو يظن، أو يتساوى الأمران و لا يظهر الحقيقة، أو يظن الصدق، أو يعلم، و لا شك في وجوب الرد على الأول، و وجوب القبول على الأخير، لا بمعنى أنه يظهر من الآية، بل الحكمان معلومان من الخارج بالاجماع و غيره، و أما الوظيفة في الصور الثلاث الأخر فلا يستفاد من الآية أصلًا، و لا دلالة لها عليه بوجه من الوجوه، فلا يثبت منها شي‏ء، بل غاية ما يستفاد: عدم جواز قبول خبر الفاسق بلا روية و طلب بيان، و أما بعد التروى و طلب الحال فلا يعلم الحكم منها».

و قال الشهيد الثاني في مسالك الأفهام، ج 13، ص 387: «أوجب التبين و هو التوقف عن الحكم عند خبر معلوم الفسق»

(2) قال العلامة الحلي في مختلف الشيعة، ج 2، ص 66: «أمر بالتثبت عند مجي‏ء الفاسق بالنبإ فينتفي التثبت عند انتفاء الفسق».

12

ثلاثة احتمالات في المراد من الأمر بالتبيّن‏ (1):

قوله (قدس) ص 224: «لأنّ الأمر بالتبيّن الثابت في منطوق ... إلخ».

و الجواب على السؤال السابق، هو: إنّ الأمر بالتبيّن، الثابت في منطوق الآية، يحتمل فيه بدواً ثلاثة احتمالات‏ (2)، لا بدّ من ذكرها، و تمحيصها، لكي نصل إلى تشخيص المراد بالآية، فيتضح الجواب حينئذ:

الاحتمال الأول: أن يكون وجوباً نفسياً، و حكماً تكليفياً، كغيره من الأحكام التكليفية الأخرى‏ (3).

الاحتمال الثاني: أن يكون أمراً إرشادياً، و المرشد إليه فيه، هو: عبارة عن عدم الحجّية.

الاحتمال الثالث: أن يكون وجوباً شرطياً، بمعنى: إنّ العمل بخبر الفاسق مشروط بالتبيّن، فإن تبيّنت عن نبأ الفاسق، و ثبت لك صدقه، جاز لك العمل به، و إلّا فلا (4).

بطلان الاحتمال الأول:

أمّا الاحتمال الأول من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، فهو باطل قطعاً؛ لوضوح أنّ من عمل على وفق خبر الفاسق من دون أن يتبيّن أمر الخبر و حاله، لا يكون عاصياً من حيث أنّه عمل بخبر الفاسق، و إنّما يكون محذور العمل به، هو: التورط في مخالفة الواقع،

____________

(1) و قد أضاف المحقق العراقي احتمالًا رابعاً و اختاره، و هو: احتمال أن يكون وجوب التبيّن وجوباً غيرياً مقدمياً للعمل بخبر الفاسق الموثق. راجع: نهاية الأفكار، ج 2، ص 108

(2) الوجه في هذه الاحتمالات، هو: إنّ الأمر لا يخلو إما أن يكون مولوياً و إما أن يكون إرشادياً، و على الأول، إمّا أن يكون نفسياً، و هو الاحتمال الأول من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة في المتن، و إما أن يكون غيرياً، و هو الاحتمال الرابع الذي أضافه المحقق العراقي، و على الثاني، إمّا أن يكون المرشد إليه هو عدم الحجية، و هو الاحتمال الثاني، و إمّا أن يكون المرشد إليه هو الشرطية، و هو الاحتمال الثالث‏

(3) هذا الاحتمال لم يذكره السيد الشهيد و ذلك لوضوح بطلانه و إنّما اكتفى بذكر الاحتمالين الأخيرين و هما الاحتمال الثاني و الاحتمال الثالث‏

(4) و هذا ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري كما في فرائد الأصول، ج 1، ص 255، حيث قال: «إن الأمر بالتبين هنا مسوق لبيان الوجوب الشرطي، و أن التبين شرط للعمل بخبر الفاسق دون العادل، فالعمل بخبر العادل غير مشروط بالتبين»، و كذلك المحقق النائيني، كما في فوائد الأصول، ج 3، ص 165، حيث قال: «و لا إشكال في أنّ وجوب التبيّن يكون شرطياً لا نفسياً».

13

و يكون العقاب في مثل تلك الحالة على مخالفة الواقع لا على مخالفة نفس الأمر بالتبيّن‏ (1)، و الذي يرشد إلى ذلك، هو: التعليل الوارد في ذيل الآية؛ حيث إنّه جعل علّة وجوب التبيّن عن خبر الفاسق عبارة عن محذور إصابة القوم بجهالة الموجبة للندم، و هذا يعني أنّ المناط في الندم و العقاب عند عدم التبيّن عن خبر الفاسق هو مخالفة الواقع و ليس مخالفة نفس الأمر بالتبيّن بما هو مخالفة له، و هذا مما لا ينسجم مع كون الأمر بالتبيّن حكماً تكليفياً و وجوباً نفسياً.

دوران الأمر بين الاحتمالين الثاني و الثالث:

و بعد بطلان الاحتمال الأول، يدور الأمر بين الاحتمالين الثاني و الثالث، و على كليهما، يثبت حجّية خبر العادل.

دلالة الآية على حجية خبر العادل على الاحتمال الثاني:

قوله (قدس) ص 224: «فعلى الأول يكون نفيه بعينه معناه ... إلخ».

أما على الاحتمال الثاني- أي كون الأمر بالتبيّن إرشاداً إلى عدم الحجّية- فكون الآية الكريمة دليلًا على حجية خبر العادل، أمراً واضحاً؛ و ذلك لأنّ نفي التبيّن عن خبر العادل- كما هو مقتضى المفهوم- يعني نفي عدم الحجّية، باعتبار أنّ الأمر بالتبيّن على هذا الاحتمال هو للإرشاد إلى عدم الحجية، الأمر الذي يعني: ثبوت الحجّية لخبر العادل، لأنّ نفي النفي اثبات.

دلالة الآية على حجية خبر العادل على الاحتمال الثالث:

قوله (قدس) ص 224: «و على الثاني يعني نفيه أن جواز ... إلخ».

و أما على الاحتمال الثالث، فنفي الأمر بالتبيّن عن خبر العادل، يعني: أن التبيّن ليس شرطاً في العمل بخبره، و هذا فيه احتمالان:

الأول: جواز العمل بخبر العادل بدون تبيّن.

____________

(1) فلو أنّ الفاسق أخبر بأنّ الواجب في ظهر يوم الجمعة هو صلاة الجمعة، و كان الواقع هو صلاة الظهر، و صلى المكلف الجمعة و ترك صلاة الظهر عملًا بخبر الفاسق من دون أن يتبيّن، فإنّ المولى سوف يعاقبه على مخالفته للواقع و هو صلاة الظهر، لا على مخالفته لنفس الأمر بالتبيّن.

14

و الثاني: عدم جواز العمل بخبره حتى مع التبيّن.

و الوجه في ذلك، هو: إنّ نفي كون التبيّن شرطاً للعمل بخبر العادل، يلائم بذاته كلا الأمرين المتقدّمين؛ لأنه في كليهما، يعني: أن التبيّن ليس شرطاً، و معنى انتفاء شرطية التبيّن على الأول واضح، و نتيجته ثبوت الحجية لخبر العادل، و معناه على الثاني، هو: أن العمل بخبر العادل لا يجوز و لا يصح، سواء تبيّنت عن حاله أم لا، و نتيجته عدم حجية خبر العادل، و لكن الاحتمال الثاني باطل، و لا يمكن المصير إليه؛ لأمرين:

الأول: لأنه سوف يجعل خبر العادل أسوأ حالًا من خبر الفاسق‏ (1)؛ لأن خبر الفاسق يجوز العمل به مع التبيّن، و أما خبر العادل، فلا يجوز العمل به سواء تبيّن عنه أم لا، و هذا غير معقول‏ (2).

____________

(1) قال العلامة الحلي في مختلف الشيعة، ج 2، ص 66: «أمر بالتثبت عند مجي‏ء الفاسق بالنبإ فينتفي التثبت عند انتفاء الفسق، و ذلك يوجب العمل بقول العدل، و إلا لكان حاله أسوأ من الفاسق»، و قال المحقق العراقي في نهاية الأفكار، ج 2، ص 107: «و لازمه: انتفاء الحكم بسنخه عند انتفاء الشرط، فيترتب عليه وجوب القبول بدون التبين عند مجي‏ء العادل به؛ إذ لو ردّ حينئذ، يلزم أسوئية العادل من الفاسق»

(2) و لكن الشيخ الأنصاري ذهب إلى عدم الاحتياج إلى هذه المقدمة لاثبات المطلوب، حيث قال: «بعدم الاحتياج إلى ضم مقدمة الأسوئية، و تمامية الاستدلال بدونها؛ لابتناء الاحتياج المزبور على كون التبين في الآية واجباً نفسياً في خبر الفاسق، و إلّا، فبناء على كونه واجباً شرطياً في جواز العمل بقول الفاسق، فلا يحتاج إلى الضميمة المذكورة؛ من جهة تمامية الاستدلال بدونها أيضاً؛ لأنّ مفاد المنطوق على هذا، هو: وجوب التبين و شرطيته في العمل بقول الفاسق، و مفاد المفهوم فيها، هو: انتفاء وجوب التبين في العمل بقول العادل، و لا ريب في ظهور الآية في نفسها، خصوصاً بملاحظة التعليل الواقع في الذيل، في الوجوب الشرطي لا الوجوب النفسي؛ لأنّه مع بعده في نفسه، لا يكاد يناسب مع التعليل».

و اعترض عليه المحقق العراقي بقوله: «و لكن، فيه: أن التبين في الآية المباركة، إمّا أن يكون بمعنى تحصيل العلم الوجداني، و إمّا أن يكون بالمعنى الأعم، الشامل للوثوق و الاطمينان، و على الأول، لا معنى لشرطية التبين للعمل بخبر الفاسق؛ إذ مع حصول العلم، يكون العمل لا محالة بالعلم لا بالخبر، فمفاد المنطوق على هذا، هو: إلغاء خبر الفاسق بالمرة، و لزوم تحصيل العلم بالواقع عند إرادة العمل، و حيث كان الوجوب فيه عقلياً، كان الأمر بالتبين إرشادياً محضاً، لا نفسياً، و لا شرطياً، و على ذلك، تحتاج إلى مقدمة الأسوئية؛ ببيان: إنّ عدم وجوب التبين عن خبر العادل، إمّا أن يكون من جهة القطع بكذبه، فيكون أسوأ حالًا، و إمّا أن يكون لحجيته، و هو المطلوب، و أمّا على الثاني، فما أفيد من استفادة الوجوب الشرطي للتبين من الآية في العمل بخبر الفاسق و إن كان وجيهاً، و لكن هذا المقدار لا يجدى في نفي الاحتياج إلى مقدمة الأسوئية، إلّا في فرض أن تكون الآية ناظرة إلى مجرد اثبات الشرطية، فارغاً عن أصل وجوب العمل بالخبر، و أمّا في فرض كونها ناظرة إلى وجوبه مقدمة للعمل بخبر الفاسق، فلا تقتضي عدم الحاجة إلى المقدمة المزبورة؛ فإن مرجع الوجوب المزبور بعد كونه إلى الوجوب الغيرى للعمل، فنفيه في طرف المفهوم، كما يناسب مع نفي شرطية التبين، كذلك يناسب مع نفي أصل وجوب العمل، أو جوازه، فلا يتعين الأول إلّا بضم مقدمة الأسوئية، و بالجملة نقول: إنه بعد ابطال الوجوب النفسي للتبين، لا ينحصر الأمر في الوجوب الشرطي، بل كما يحتمل كونه وجوباً شرطياً، كذلك يحتمل كونه وجوباً غيرياً مقدمياً للعمل بخبر الفاسق الموثق، و مع دوران الأمر بينهما، يتعين الثاني؛ فإنه على الأول، لا بد من رفع اليد عن ظهور الأمر في المولوية، و حمله على الارشاد إلى شرطية التبين، التي هي الوضع، بخلاف الثاني؛ فإنه عليه، يبقى ظهور الأمر في المولوية بحاله، وعليه، لا محيص عن مقدمة الأسوئية». راجع: نهاية الأفكار، ج 2، ص 108.

15

و الثاني: إنّ هذا يؤول إلى المنع عن العمل بالدليل القطعي؛ و ذلك لأن معنى التبيّن عن النبأ، هو: العلم بصدقه، و الخبر بعد تبيّن صدقه يكون قطعياً، فكيف يمكن أن يقال: إنّ نبأ العادل لا يجوز العمل به سواء ثبت صدقه أم لا؟!

فيتعين الأول، و هو: أن العمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن، و هذا يعني: حجّية خبر العادل، فيثبت المطلوب.

اعتراضان على الاستدلال بمفهوم الشرط في الآية:

قوله (قدس) ص 225: «و يوجد اعتراضان مهمان على الاستدلال ... إلخ».

و يعترض على الاستدلال بمفهوم الشرط الوارد في الآية الكريمة على حجية خبر الواحد بعدة اعتراضات‏ (1) نذكر منها في المقام اعتراضين رئيسيين‏ (2):

____________

(1) قال الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج 1، ص 256:) و كيف كان: فقد أورد على الآية إيرادات كثيرة ربما تبلغ إلى نيف و عشرين، إلا أن كثيراً منها قابلة للدفع»

(2) و هناك اعتراض ثالث ذكره المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 3، ص 173، و هو: أنه يلزم خروج المورد الذي هو خبر العادل عن عموم المفهوم الدال على حجية كل خبر عادل، مع أنّ العام يكون نصاً في المورد، و لا يمكن تخصيصه بما عدا المورد، و الوجه في ذلك، هو: أنّ مورد نزول الآية عبارة عن الإخبار بالارتداد، و مقتضى ثبوت المفهوم هو: أنه لو كان المخبر بالارتداد عادلًا لوجب قبول قوله، و الحال أنّ الارتداد لا يثبت إلا بالبينة، شأنه في ذلك شأن جميع الموضوعات الخارجية؛ فإنها لا تثبت بخبر الواحد إلا ما قام الدليل بالخصوص عليه، وعليه، فإمّا أن نلتزم بعدم المفهوم في الآية، و إمّا أن نلتزم بتخصيص المفهوم فيها بما عدا المورد، و الثاني لا يمكن الالتزام به؛ لأنّ شمول العام لمورده قطعي؛ لأنّه هو القدر المتيقن، و معه، لا بد من الالتزام بالأول، و هذا يعني عدم المفهوم في الآية.

16

الاعتراض الأول: إنّ الشرط في الآية مسوق لتحقيق الموضوع‏ (1)

قوله (قدس) ص 225: «أحدهما: إن الشرط في الجملة مسوق ... إلخ».

إنّ الشرط في الآية مسوق لتحقيق الموضوع، و قد ثبت في محلّه أن الجملة الشرطية التي يكون الشرط فيها مسوقاً لبيان الموضوع ليس لها مفهوم؛ و ذلك لأنّ الشرط في الآية، عبارة عن: مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و موضوع الأمر بالتبيّن، عبارة عن: نبأ الفاسق، و من الواضح: إن نبأ الفاسق لا يحققه إلّا مجي‏ء الفاسق به، فيكون مجي‏ء الفاسق بالنبإ مسوقاً لتحقيق الموضوع، و مع عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ، لا نبأ لكي يبحث عن وجوب التبيّن عنه أو عدمه، فيكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، فلا مفهوم في المقام، وعليه، فلا دلالة في الآية على حجّية خبر العادل‏ (2).

تحقيق الحال في هذا الاعتراض:

قوله (قدس) ص 225: «و التحقيق: أنّ الموضوع و الشرط ... إلخ».

قد اتضح لديك من خلال تصوير الاعتراض المتقدم، أنّه مبني على جعل الشرط في الآية، هو: عبارة عن: مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و جعل الموضوع عبارة عن: نبأ الفاسق، و لكن الأمر ليس منحصراً بذلك؛ فإنّه يمكن تصوير الموضوع و الشرط في الجملة الشرطية الواردة في الآية على ثلاثة أنحاء محتملة (3):

____________

(1) هذا الاعتراض مرجعه في الحقيقة إلى انكار أصل اقتضاء ظهور الآية الكريمة في المفهوم لا أنّه يرجع إلى افتراض وجود المانع بعد الالتزام بوجود المقتضي للمفهوم فإنّ الجملة الشرطية التي يكون الشرط فيها مسوقاً لبيان الموضوع لا ظهور لها في المفهوم من الأساس كما هو واضح‏

(2) هذا ما جاء عن المحقق النراقي في عوائد الأيام، ص 171، حيث قال في معرض رده الاستدلال بهذه الآية: «و استدلالهم بها لقبول خبر العادل في الرواية، أو الشهادة، أو الإخبار، و هو: إمّا بمفهوم الوصف، أو بمفهوم الشرط، و قد بيّنا الحال في ذلك في كتبنا الأصولية، و ذكرنا أنّ مفهومها الشرطي غير دال؛ إذ مقتضاه: عدم التبين في خبر الفاسق إن لم يجئ الفاسق بالنبإ و إن جاء العادل به، و أين ذلك من قبول خبر العادل؟! و مفهومه الوصفى و إن كان دالًا، و لكنه ليس بحجة عند المحققين». و قال الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول، ج 1، ص 256:) أن مفهوم الشرط عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و عدم التبين هنا لأجل عدم ما يتبين، فالجملة الشرطية هنا مسوقة لبيان تحقق الموضوع»

(3) قال المحقق العراقي في نهاية الأفكار، ج 2، ص 112، في معرض ردّه للاعتراض المتقدم: «إنّ المحتملات المتصورة في الشرط في الآية الشريفة ثلاثة».

17

ثلاثة احتمالات في تصوير الموضوع و الشرط في الآية:

الاحتمال الأول: أن يكون الشرط مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و يكون الموضوع طبيعي النبأ، الأعم من نبأ الفاسق و العادل، فيكون مفاد الآية الكريمة وفقاً لهذا الاحتمال، هو: «النبأ إذا جاء به الفاسق فتبينوا» (1).

الاحتمال الثاني: أن يكون الشرط مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و يكون الموضوع خصوص نبأ الفاسق، فيكون مفاد الآية الكريمة وفقاً لهذا الاحتمال، هو: «نبأ الفاسق إذا جي‏ء به أو جاءكم الفاسق به فتبينوا»، و هذا ما بني عليه الاعتراض و هو الذي اختاره الشيخ الأنصاري‏ (2).

الاحتمال الثالث‏: أن يكون الشرط فسق المخبر، و يكون الموضوع الجائي بالنبإ، فيكون مفاد الآية الكريمة وفقاً لهذا الاحتمال، هو: «نبأ المخبر يجب التبين عنه إذا كان الجائي به فاسقاً».

لا شك في دلالة الآية على المفهوم بناءً على الاحتمال الثالث:

قوله (قدس) ص 226: «و لا شك في ثبوت المفهوم في النحو الأخير ... إلخ».

أمّا على الاحتمال الثالث، فلا شكّ في دلالة الآية على المفهوم؛ لأن الشرط وفقاً لهذا الاحتمال ليس مسوقاً لتحقيق و ايجاد الموضوع؛ لأن الجائي بالنبإ، قد يكون عادلًا، و قد يكون فاسقاً، فهو أعم من الشرط، وعليه، يمكن تصوّر بقاء الموضوع حتى مع انتفاء الشرط،

____________

(1) و هذا ما اختاره المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 3، ص 169، متمسكاً لذلك بالظهور المستفاد من مورد نزول الآية، حيث قال: «و لكن الانصاف: إنّه يمكن استظهار كون الموضوع في الآية مطلق النبأ، و الشرط هو مجي‏ء الفاسق به، من مورد النزول؛ فإنّ موردها- كما تقدم- كان إخبار الوليد بارتداد بنى المصطلق، فقد اجتمع في إخباره عنوانان: كونه من الخبر الواحد، و كون المخبر فاسقاً، و الآية الشريفة إنّما وردت لإفادة كبرى كلية لتمييز الأخبار التى يجب التبين عنها عن الأخبار التى لا يجب التبين عنها، و قد علّق وجوب التبين فيها على كون المخبر فاسقاً، فيكون الشرط لوجوب التبين، هو: كون المخبر فاسقاً، لا: كون الخبر واحداً؛ لأنه لو كان الشرط ذلك، لعلّق وجوب التبين في الآية عليه؛ لأنه باطلاقه شامل لخبر الفاسق، فعدم التعرض لخبر الواحد، و جعل الشرط خبر الفاسق، كاشف عن انتفاء التبين في خبر غير الفاسق»

(2) فرائد الأصول، ج 1، ص 256. و قد نقلنا بعض كلامه فيما سبق.

18

و هو الفسق؛ و ذلك فيما لو كان الجائي بالنبإ عادلًا.

لا شك في عدم دلالة الآية على المفهوم بناءً على الاحتمال الثاني:

قوله (قدس) ص 226: «كما لا شك في عدم المفهوم في النحو الثاني ... إلخ».

و أمّا على الاحتمال الثاني، فلا شك في عدم دلالتها على المفهوم؛ لأن الشرط على هذا الاحتمال- و هو مجي‏ء الفاسق بالنبإ- هو الاسلوب الوحيد في تحقيق و إيجاد نبأ الفاسق؛ إذ النبأ لا يتصف بكونه نبأ الفاسق إلّا إذا جاء به الفاسق، فمع عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ، لا نبأ من حيث إنه نبأ الفاسق لكي يبحث عن وجوب التبيّن عنه أو عدمه، فيكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، فلا مفهوم.

الظاهر ثبوت المفهوم بناءً على الاحتمال الأول:

قوله (قدس) ص 226: «و أما في النحو الأول فالظاهر ثبوت ... إلخ».

و أمّا على الاحتمال الأول، فالظاهر ثبوت المفهوم؛ لما تقدم من أنّ المفهوم، عبارة عن: انتفاء الحكم عن موضوعه بانتفاء شرطه، و هذا يقتضي أن يكون للحكم ربط بشرطه وراء ربطه بموضوعه، كما تقدّم بيان ذلك في بحث المفاهيم، و في المقام، فإنّ الشرط و إن كان محققاً للموضوع باعتبار أن مجي‏ء الفاسق بالنبإ هو الذي يحقق النبأ؛ حيث إنّ الطبيعي يوجد بوجود أحد أفراده، و لكنه ليس هو الاسلوب الوحيد لتحقيق الموضوع؛ لوضوح أن مجي‏ء العادل بالنبإ يحقق النبأ أيضاً، فيكون للحكم بالتبيّن ربط بشرطه، و هو مجي‏ء الفاسق بالنبإ، وراء ربطه بموضوعه، و هذا يعني: أنّه يمكن تصوّر بقاء الموضوع حتى مع انتفاء الشرط، فيثبت المفهوم.

تمامية الاعتراض السابق متوقفة على استظهار الاحتمال الثاني:

و لكن، تبقى هذه مجرّد احتمالات لا يتم المصير إلى أحدها إلّا مع القرينة، و لو كانت تلك القرينة هي الظهور، وعليه، فإن استظهرنا من الآية الكريمة الاحتمال الأول، أو الثالث، ثبت المفهوم و بالتالي، يبطل الاعتراض المتقدم، و إن استظهرنا الاحتمال الثاني، تم الاعتراض، و بطل الاستدلال بالآية على حجية خبر العادل‏ (1).

____________

(1) و كذلك يبطل الاستدلال بالآية إن لم نستظهر أيّ واحد من تلك الاحتمالات؛ لأنّها سوف تصبح مجملة.

19

بطلان الاعتراض الأول لاستظهار أول الاحتمالات الثلاثة المتقدمة:

قوله‏ (قدس) ص 226: «و الظاهر من الآية الكريمة هو النحو الأول ... إلخ».

و لعلك تسأل و تقول: أي الاحتمالات الثلاثة هو الظاهر من الآية الكريمة حتى نعرف أن الآية دالة على حجّية خبر العادل أو لا؟

و الجواب: إنّ الظاهر من هذه الاحتمالات الثلاثة هو الاحتمال الأول، فيثبت المفهوم و بالتالي يبطل الاعتراض، و تكون الآية دليلًا على حجّية خبر العادل لو كنّا نحن و هذا الاعتراض، إلّا أنّ تمامية الاستدلال بالآية الكريمة على المطلوب لا تتم إلّا إذا تمكنّا من دفع الاعتراض الثاني الآتي أيضاً.

الاعتراض الثاني: ظهور التعليل في العموم يبطل ظهور الآية في المفهوم‏ (1)

قوله (قدس) ص 226: «و الاعتراض الآخر يتلخص في ... إلخ».

حاصل الاعتراض: إنّ التعليل الوراد في ذيل الآية، و هو قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ‏، إنّما هو تعليل للأمر بالتبين في قوله: فَتَبَيَّنُوا، و هو يقتضي إسراء الحكم المعلل- و هو: «وجوب التبيّن»- إلى كل موارد عدم العلم، و التي منها مجي‏ء العادل بالنبإ؛ لأنّ خبر العادل- و كما هو واضح- لا يفيد العلم، بل غاية ما يفيده هو الظن، فكأنه قال: «إنّ العمل بخبر الفاسق، حيث إنّه يحتمل معه إصابة القوم بجهالة، و عدم علم، فلذا أمرتكم بالتبيّن عنه»، و هذا يعني: أنّ كل خبر لا يفيد العلم و يحتمل معه إصابة القوم بجهالة، يجب التبيّن عنه؛ لأن العلّة متى ما وجدت لا بدّ من وجود المعلول، و العلّة في المقام- و هي احتمال إصابة القوم بجهالة، و عدم علم- موجودة حتى بلحاظ خبر العادل؛ لأنّه لا يفيد العلم، فيجب التبيّن عنه، و هذا يعني: عدم المفهوم في الآية الكريمة، فلا تكون دالة على حجّية خبر العادل.

____________

(1) هذا الاعتراض مرجعه إلى دعوى وجود المانع من الأخذ بالمفهوم في المقام، الأمر الذي يعني: أنّه يستبطن الالتزام بوجود المقتضي للظهور في المفهوم، غاية الأمر، أنّ المانع المفترض- و هو التعليل- يحول دون فعلية ذلك الظهور، حاله في ذلك حال أيّة قرينة متصلة تمنع من انعقاد الظهور الفعلي لذي القرينة بحيث لولاها لكان الظهور منعقداً.

20

و بعبارة مختصرة: إنّ ظهور التعليل في العموم لخبر العادل، يعارض ظهور الآية في المفهوم، فيبطل المفهوم؛ لأجل التعليل‏ (1).

الجواب على هذا الاعتراض:

قوله (قدس) ص 226: «و يجاب على هذا الاعتراض بوجوه ... إلخ».

و قد أجيب على هذا الاعتراض بعدّة أجوبة:

الجواب الأول: تخصيص عموم التعليل بالمفهوم‏

قوله (قدس) ص 226: «أحدها- أن المفهوم مخصص لعموم التعليل ... إلخ».

و حاصل هذا الجواب، هو: أنّنا لو لاحظنا النسبة بين المفهوم و التعليل، لوجدنا أنّها من العموم و الخصوص المطلق، أي: إنّ التعليل الوارد في الآية أعم من المفهوم؛ لأنه يعني: عدم حجّية كل خبر لا يفيد العلم، سواء كان من خبر العادل أم من خبر الفاسق، و المفهوم يعني: حجّية خبر العادل خاصّة، و من الواضح، أنّه في حالة التعارض بين العام و الخاص، يقدّم الخاص على العام، و في المقام، يقدّم المفهوم على التعليل؛ لأنّه أخص منه، فيقدم تخصيصاً.

مناقشة هذا الجواب و ردّه:

قوله (قدس) ص 227: «و يرد عليه إن هذا إنما يتم ... إلخ».

و في مقام مناقشة الجواب المتقدم، نقول: إنّ هذا الكلام، إنّما يتم فيما لو انعقد للكلام ظهور في العموم، ثم تعارض مع كلام قد انعقد له ظهور في الخاص، فيقدم ظهور الخاص على ظهور العام و يتم التخصيص، تطبيقاً لقاعدة تقديم الخاص على العام عند التعارض،

____________

(1) هذا الاعتراض ذكره السيد المرتضى في الذريعة، ج 2، ص 535، حيث قال: «فالتعليل في الآية أولى أن يعوّل عليه من دليل الخطاب، و هو قوله تعالى: «أن تصيبوا قوما بجهالة»، و هذه العلة قائمة في خبر العدل»، و كذلك الشيخ الطوسي في عدة الأصول، ج 1، ص 318، حيث قال: «إنّ تعليل الآية يمنع من الاستدلال بها؛ لأنّ الله تعالى علل خبر الفاسق فقال:) أن تصيبوا قوما بجهالة»، و ذلك قائم في خبر العدل؛ لأنّ خبره إذا كان لا يوجب العلم، فالتجويز في خبره حاصل، مثل التجويز في خبر الفاسق». و كذلك المحقق الحلي في معارج الأصول، ص 146، حيث قال: «هذا معارض بأنّ عدم الأمان من إصابة القوم بالجهالة علة في وجوب التبين، و هو ثابت في العدل، فيجب التبين؛ عملًا بالعلة».

21

و لتطبيق هذا فيما نحن فيه، لا بدّ من فرض انعقاد ظهور في المفهوم، ثم تعارض مع ظهور التعليل في العموم، فيقدم ظهور المفهوم على ظهور التعليل من باب التخصيص، و من المعلوم: إن انعقاد الظهور في المفهوم مشروط بعدم قرينة متصلة على خلافه؛ لما تقدّم في الحلقة السابقة و سيأتي في هذه الحلقة أيضاً، من أن الظهور متقوّم بعدم القرينة المتصلة على الخلاف، و إنها تزعزع أصل الظهور، و تمنعه من الانعقاد، و في المقام، لا ينعقد للكلام ظهور في المفهوم؛ لأنّ الظهور في المفهوم يعتمد على انحصار الجزاء بالشرط، و الحال أنّ التعليل الوارد في الآية قرينة على عدم انحصار الجزاء بالشرط؛ لأنه يفترض أن كل خبر يحتمل معه إصابة القوم بجهالة، فإنّه يجب التبيّن عنه، و هذا يعني: عدم انحصار الأمر بالتبيّن عن النبأ بالشرط، الذي هو: مجي‏ء الفاسق به، و حيث إنّه متصل بالكلام، فإنّه سوف يمنع من انعقاد الظهور في المفهوم، و إذا كان الأمر كذلك، فلا معنى للتخصيص؛ لأنه يعتمد على افتراض وجود ظهورين: أحدهما عام، و الآخر: خاص، فيقدم الخاص على العام تخصيصاً، و في المقام، لا يوجد عندنا إلّا ظهور واحد، و هو: ما يقتضيه التعليل، و الذي مفاده: أنّ كل خبر لا يفيد العلم، يجب التبيّن عنه، وعليه، فلا ينفع هذا الوجه لدفع الاعتراض المتقدم‏ (1).

الجواب الثاني: حكومة المفهوم على عموم التعليل‏

قوله (قدس) ص 227: «ثانيها- أن المفهوم حاكم على عموم ... إلخ».

و أمّا الجواب الثاني، فهو: ما ذكره المحقق النائيني (قدس)، من دعوى حكومة المفهوم على عموم التعليل‏ (2)، بناءً على ما يتبنّاه من مسلك جعل العلميّة و الطريقية، فيكون معنى جعل‏

____________

(1) هذا ما ردّ به المحقق النائيني الجواب الأول على الاعتراض الثاني كما جاء عنه في فوائد الأصول، المجلد الثاني (ج 3)، ص 171، حيث قال: «و المدعى: أن عموم التعليل يمنع عن انعقاد الظهور للقضية في المفهوم، فلا يكون لها مفهوم حتى يخصص عموم التعليل به، خصوصاً في مثل المقام مما كان التعليل متصلًا بالقضية الشرطية؛ فإن احتفاف القضية بالتعليل، يوجب عدم ظهور القضية في كونها ذات مفهوم، و على فرض تسليم ظهورها في المفهوم مع اتصال التعليل بها، لا بد من رفع اليد عن ظهورها؛ لأن عموم التعليل يأبى عن التخصيص؛ فإن إصابة القوم بالجهالة لا تحسن في حال من الحالات»

(2) قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج 3، ص 172، حيث قال: «إنه على فرض أن يكون معنى الجهالة عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع، لا يعارض عموم التعليل للمفهوم، بل المفهوم يكون حاكماً على العموم؛ لأنه يقتضى إلغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع، و جعله محرزاً له، و كاشفاً عنه، فلا يشمله عموم التعليل».

22

الحجّية لخبر العادل الذي دلّت عليه الآية بحسب المفهوم، هو: اعتبار خبر العادل علماً، و موضوع التعليل الوارد في ذيل الآية، هو: الجهل، و عدم العلم، فيكون المفهوم حاكماً على عموم التعليل؛ لأنه ينفي تعبّداً أحد أفراد موضوعه؛ لأن موضوعه هو الخبر الذي لا يفيد العلم، و هو مشترك بين خبر العادل و خبر الفاسق، فبجعل الحجّية لخبر العادل و صيرورته علماً تعبّداً، يخرج عن دائرة موضوع التعليل، و هذا هو معنى حكومة المفهوم على عموم التعليل‏ (1).

مناقشة هذا الجواب و ردّه:

قوله (قدس) ص 227: «و يرد عليه: إنه إذا كان مفاد المفهوم ... إلخ».

و مما يرد على هذا الجواب:

أوّلًا: إنّنا لا نلتزم بمسلك جعل العلمية و الطريقية، و قد تقدم منا مراراً رفضنا لهذا المسلك.

و ثانياً: إنّه لا يتم حتى على تقدير القول بالمسلك السابق؛ و ذلك لعدم حكومة المفهوم على عموم التعليل. و توضيح ذلك:

إنّ مفاد المنطوق في الآية، عبارة عن: عدم حجّية خبر الفاسق، و لأجل ذلك، كان مفهومها عبارة عن: حجية خبر العادل؛ لأن المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم في المنطوق، كما هو واضح، و هذا يعني- بناءً على مسلك جعل العلمية و الطريقية- نفي العلمية عن خبر الفاسق؛ لأنه إذا كان معنى الحجّية هو العلمية، فسوف يكون معنى عدم الحجّية هو: عدم العلمية. وعليه، يكون التعليل في الآية ناظراً إلى توسيع دائرة هذا النفي، فبعد أن بيّن الشارع في صدر الآية أن خبر الفاسق ليس علماً، أراد- في ذيل الآية و بمقتضى التعليل الوارد فيها- أن يبيّن أن كل فرد من أفراد الخبر لا اعتبره علماً، سواء كان من خبر الفاسق، أم كان من خبر العادل، فهو يريد بذلك أن يوسّع من دائرة نفي العلمية، و أن يعمّم عدم العلم إلى‏

____________

(1) من قبيل حكومة دليل: «لا ربا بين الوالد و ولده»، على دليل: «الربا حرام»؛ فإنّ الدليل الثاني يثبت باطلاقه حرمة كل ربا، سواء كان بين الوالد و ولده، أو بين شخصين أحدهما أجنبي عن الآخر، و الدليل الأول ينفي أن يكون بين الوالد و ولده ربا، و لكنّه ينفيه نفياً تعبّدياً، فيخرج هذا الفرد من الربا عن دائرة موضوع دليل: «الربا حرام»، فيكون حاكماً.

23

كل خبر، فكأن الشارع أراد أن يقول عن طريق هذا التعليل: إنّ كل ما لا يكون علماً وجداناً، لا أعتبره علماً و إن كان من خبر العادل.

و حينئذٍ، فلو كان مفاد المفهوم اعتبار خبر العادل علماً كما هو مقتضى مسلك جعل العلميّة و الطريقية، لكان في رتبة مفاد التعليل؛ حيث إنّه ينفي اعتبار خبر العادل علماً، فيكون في عرض المفهوم و في رتبته؛ لأن موضوع المفهوم، هو: خبر العادل، و موضوع التعليل، هو: خبر العادل أيضاً، و الأوّل يقول: خبر العادل علماً، و الثاني- أي: التعليل- يقول: خبر العادل ليس علماً، فأحدهما يثبت العلمية له و الآخر ينفيها عنه، فيقع التعارض بينهما، و مع فرض التعارض بينهما، لا معنى لحكومة أحدهما على الآخر (1).

الجواب الثالث: عدم شمول التعليل لخبر العادل‏

قوله (قدس) ص 228: «ثالثها- ما ذكره المحقق الخراساني ... إلخ».

و هو: ما ذكره المحقّق الخراساني، من دعوى عدم العموم في التعليل بالنسبة إلى خبر العادل؛ لخروجه تخصصاً عن عموم التعليل، أي: إنّ التعليل مختص أساساً بخبر الفاسق،

____________

(1) و يمكن توضيح هذه المناقشة بشكل آخر:

فنقول: يوجد في الآية الكريمة ثلاثة أمور:

الأول: عدم حجّية خبر الفاسق، و هو عبارة عن مفاد المنطوق في الآية.

الثاني: حجّية خبر العادل، و هو عبارة عن مفاد المفهوم في الآية.

الثالث: عدم حجّية كل خبر لا يفيد العلم، سواء كان المخبر فاسقاً أم عادلًا، و هو عبارة عن مفاد التعليل في الآية.

فإذا فسّرنا الحجّية بالعلمية، تكون النتيجة كالتالي:

إنّ خبر الفاسق ليس علماً؛ بمقتضى المنطوق في الآية، و إنّ خبر العادل علم؛ بمقتضى المفهوم فيها، و إنّ كل خبر لا يفيد العلم وجداناً، سواء كان خبر العادل، أم خبر الفاسق، لا اعتبره علماً؛ بمقتضى التعليل الوارد فيها.

و في المقام، كما يمكن أن يدّعى حكومة المفهوم على عموم التعليل؛ لأنه يضيّق من دائرة نفي العلمية، كذلك يمكن أن يدّعى حكومة التعليل على المنطوق؛ لأنه يوسّع من دائرة نفي العلمية، و الدليل الحاكم، كما يكون مضيقاً للموضوع في الدليل المحكوم، كذلك يكون موسعاً، و مضيفاً للموضوع فرداً جديداً، و على الثاني، سوف يقع التعارض بين التعليل و المفهوم، و لا حكومة لأحدهما على الآخر؛ لكونهما في رتبة واحدة.

24

و لا يشمل خبر العادل، لأنه خارج عنه موضوعاً (1)، فلا منافاة بين المفهوم و التعليل حتى يلتزم تارة بالتخصيص و أخرى بالحكومة، فلا مورد للإشكال من الأساس.

إن قلت: كيف لا يكون في التعليل عموم لخبر العادل مع أنّ موضوعه الجهالة و عدم العلم، و من الواضح أن خبر العادل لا يفيدنا علماً؟!

كان الجواب: إنّ الجهالة الواردة في التعليل في قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ، إن كانت بمعنى: الجهل و عدم العلم، كان التعليل شاملًا لخبر العادل قطعاً؛ لأنه لا يفيد العلم كما هو واضح، فيقع التعارض بين عموم التعليل و المفهوم، و إن كانت بمعنى: السفاهة و التصرّف غير المتزن و غير العقلائي، و الركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه، و الاعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه عند العقلاء (2)، فلا يكون في التعليل شمول لخبر العادل؛ لأن العمل بخبر العادل ليس سفاهة و ليس تصرّفاً غير متزن، بل هو عمل عقلائي؛ لأن العقلاء يعتمدون في مقام العمل على وفق خبر العادل في كثير من أمورهم و شئونهم‏ (3).

و حيث إن الجهالة المذكورة في التعليل بمعنى: السفاهة، و ليس بمعنى: الجهل و عدم العلم، فلا يكون التعليل شاملًا للعمل بخبر العادل؛ لأن التصرّف على وفقه ليس سفاهةً، و لا أنّه تصرّف غير متزن‏ (4).

____________

(1) كفاية الأصول، ص 297. و هذا ما أجاب به المحقق النائيني أيضاً. راجع فوائد الأصول، ج 3، ص 171

(2) يطلق على الجهالة بمعنى السفاهة الجهالة العملية، و يطلق على الجهالة بمعنى عدم العلم الجهالة النظرية

(3) الوجه في أنّ اعتماد العقلاء على خبر العادل في مقام العمل كاشف عن أنّ العمل على وفقه ليس سفهياً، هو: أنّ الحاكم بكون العمل المعيّن سفهياً أو غير سفهي هم العقلاء أنفسهم، و لا يمكن افتراض حكمهم بكون العمل المعيّن سفهياً في نفس الوقت الذي يفترض أنهم يعملون بذلك العمل، و من أجل ذلك كان عملهم بخبر العادل كاشفاً عن عدم كونه سفهياً.

(4) و اعترض عليه السيد الشهيد- بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 360- بقوله: «و الصحيح في مناقشة هذا الجواب: إنه لا معين لحمل الجهالة على السفاهة؛ إذ لا أقل من احتمال إرادة الجهالة النظرية، خصوصاً مع أنه المناسب مع ذيل التعليل؛ حيث ذكرت الندامة التي لا تكون إلا بلحاظ عدم إصابة الواقع، لا العمل السفهي»، و هذا ما أجاب به المحقق العراقي ابتداءً رداً على دعوى الحكومة، لكنه عدل عنه، و عاد ليفسر الجهالة الواردة في الآية بالعمل السفهي، فقد قال في نهاية الأفكار، ج 2، ص 114: «كيف و إن السفاهة بالمعنى المزبور إنّما توجب الملامة لا الندامة؟! فلا يناسب التعبير حينئذ بالندامة، و ما يوجب الندامة إنّما هو العمل بكل أمارة مخالفة للواقع، خصوصاً في الأمور المهمة، كما في مورد الآية الشريفة، و على ذلك، تكون الجهالة في الآية، عبارة عن: مطلق خلاف العلم، فيشارك خبر العادل خبر الفاسق في العلة، و بذلك ظهر الجواب عن الثاني أيضاً؛ حيث نقول بجريان العلة حتى في صورة العمل بما هو حجة عند العقلاء، من خبر الثقة، و العدل؛ فإنّ العمل بقول الثقة و العدل عند مخالفته الواقع، و إن لم يكن موجباً للملامة و المذمة، و لكنه موجب للندامة، فتشمله العلة المذكورة في الآية، فتقتضي الردع عن العمل بمثله، و معه، لا مجال لحكومة المفهوم على عموم العلة، بل يكون عموم العلة موجباً لمنع المفهوم في القضية.

هذا، و لكن الانصاف: إنه لا وقع لهذا الاشكال؛ فإنه بعد أن كان الندم في الأحكام الشرعية، بل في مطلق الأحكام الجارية بين الموالي و العبيد ملازماً للملامة و العقوبة- لما هو المعلوم من أن هم العقل في أمثال ذلك إنما هو مجرد الفرار عن تبعة ما يترتب على مخالفة التكاليف الواقعية من الملامة و العقوبة، لا تحصيل المصالح و الأغراض الواقعية- كان ذلك موجباً لاختصاص الندم في الآية بالندم الملازم مع اللوم و العقوبة، فمع فرض اقتضاء المفهوم لحجية خبر العدل، تترتب عليه المعذورية و عدم الملامة و العقوبة، وعليه، يتجه الجواب المزبور، من حكومة المفهوم على عموم العلة».

25

الوجه الثاني: التمسّك بمفهوم الوصف الوارد في الآية

قوله (قدس) ص 228: «الوجه الثاني: أن يستدل بمفهوم الوصف ... إلخ».

و قد يستدل بالآية السابقة على حجّية خبر العادل بمقتضى مفهوم الوصف الوارد فيها، حيث إنّها أناطت الحكم، و هو: «وجوب التبيّن»، بوصف، و هو: «فسق المخبر»، فكأنه قال: «تبيّنوا الخبر الذي يأتي به الفاسق»، فينتفي وجوب التبيّن عن الخبر بانتفاء الوصف- أي: كون المخبر به فاسقاً-، و هذا يعني: أن الخبر الذي لا يتصف بكون المخبر به فاسقاً، كما لو جاء به العادل، لا يجب التبيّن عنه، و هذا معنى حجّية خبر العادل.

الاستدلال بمفهوم الوصف في المقام يكون بأحد لحاظين:

قوله (قدس) ص 228: «و مفهوم الوصف تارة يستدل به في المقام ... إلخ».

ثم إن الاستدلال بمفهوم الوصف في المقام يكون بأحد لحاظين:

اللحاظ الأول: القول بثبوت المفهوم للوصف عموماً، أي: إنّ الجملة الوصفية بما هي جملة وصفية، و بقطع النظر عن القرائن الخاصّة أو الموارد الخاصّة تدل على المفهوم.

اللحاظ الثاني: القول بثبوت المفهوم للوصف في المقام، و في خصوص هذا المورد،

26

حتى لو أنكرنا ثبوت المفهوم للوصف عموماً، بدعوى وجود قرينة خاصّة في المقام تقتضي ذلك، و قد تقدّم في بحث المفاهيم، أن المنكر للمفهوم في جملة ما، لا يمنع من ثبوت المفهوم لها بقرينة خاصّة.

بيان القرينة الخاصة المقتضية لثبوت مفهوم الوصف في المقام:

قوله (قدس) ص 228: «و ذلك بأن يقال أن مقتضى قاعدة احترازية ... إلخ».

و ثبوت المفهوم على اللحاظ الأول واضح، و أمّا على اللحاظ الثاني فنحتاج إلى بيان تلك القرينة الخاصّة التي اقتضت دلالة جملة الوصف الوارد في الآية على المفهوم.

و لبيان ذلك نقول:

إن مقتضى قاعدة احترازية القيود، هو: انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد، أو الوصف، و في المقام، يكون مقتضى القاعدة انتفاء شخص ذلك الوجوب للتبيّن عن النبأ بانتفاء الفسق، و الذي يعني: انتفاء شخص وجوب التبيّن عن خبر العادل، كانتفاء شخص وجوب الإكرام عن الفقير غير العادل في قوله: «أكرم الفقير العادل». وعليه، فلو افترضنا وجوب التبيّن عن خبر العادل و لم نقل بانتفاء طبيعي وجوب التبيّن عنه، فهنا، لا يخلو الحال من أحد احتمالين:

الأول: أن يدّعى أن شخص الحكم بوجوب التبيّن، و الذي دلّت عليه الآية في منطوقها، شامل لخبر العادل كما هو شامل لخبر الفاسق.

الثاني: أن يدّعى ثبوت وجوب التبيّن عن خبر العادل بشخص آخر لوجوب التبيّن، و بجعل آخر، بحيث يجعل فيه وجوب التبيّن على عنوان خبر العادل، كما لو قال المولى- مثلًا-: «خبر العادل يجب التبيّن عنه».

و كلا هذين الاحتمالين باطل. أمّا الأول، فلأنّه على خلاف قاعدة احترازية القيود؛ لأن مرجعه إلى وجوب التبيّن عن مطلق الخبر، سواء كان المخبر به فاسقاً أم عادلًا، فيلغو ذكر القيد، و هو: كون المخبر به فاسقاً كما هو واضح؛ لأنه كان بالإمكان أن يحقق ذلك بجعل واحد، كأن يقول: «خبر الواحد يجب التبيّن عنه»، و لا داعي لتقييد المخبر بكونه فاسقاً كما هو مفاد الآية الكريمة، فلا يمكن دعوى شمول شخص ذلك الوجوب لخبر العادل.

27

و أمّا بطلان الاحتمال الثاني، فلأنّه يعني: أن ملاك وجوب التبيّن، هو: كون المخبر بالخبر عادلًا، فيكون خبر العادل بما هو خبر عادل لا بما هو خبر واحد، موضوعاً للحكم بوجوب التبيّن، بمعنى أن يكون لعدالة المخبر مدخلية في وجوب التبين عن خبره، بحيث لو لم يكن المخبر عادلًا لما وجب التبيّن عن خبره، و هذا غير محتمل إطلاقاً؛ لأن الذي يتعقّل أن يكون ملاكاً لوجوب التبيّن، أحد أمرين‏ (1):

الأول: كون الخبر من خبر الواحد و هو لا يفيد العلم، من دون دخل لعدالة المخبر أو فسقه في ذلك، بمعنى كون تمام الملاك في وجوب التبيّن هو عدم احراز مطابقة الخبر للواقع، و هذا حاصل في مطلق خبر الواحد من دون فرق بين كون المخبر فاسقاً أو عادلًا.

الثاني: كون المخبر بالخبر فاسقاً، بحيث يكون لفسقه مدخلية في وجوب التبيّن، بمعنى أنّ مجرّد عدم احراز المطابقة للواقع ليس هو الملاك في وجوب التبيّن، و إنّما الملاك هو عبارة عن كون المخبر بالخبر فاسقاً بحيث لا يؤمن من جانبه بسبب فسقه من تعمّد الكذب.

أمّا افتراض كون الملاك في وجوب التبيّن هو كون المخبر بالخبر عادلًا، بحيث يكون للعدالة مدخلية في ملاك ذلك الوجوب، فهذا غير معقول.

و الوجه في عدم معقولية ذلك، هو: إنّ وجوب التبين عن الخبر، إنّما هو لأجل استكشاف حال الخبر خوفاً من التورط في مخالفة الواقع، و الابتعاد قدر الإمكان عن ذلك، و من المعلوم: أن خبر الواحد بما هو خبر واحد لا يفيد العلم بصدق الخبر و مطابقته للواقع و إن كان المخبر عادلًا، فإذا فرض وجوب التبين عنه، فإمّا أن يكون ذلك بملاك عدم احراز مطابقته للواقع، الأمر الذي لا يؤمن معه من احتمال التورط في المخالفة، و إمّا أن يكون بملاك كون المخبر به فاسقاً بحيث يكون احتمال التورط في مخالفة الواقع أكبر

بكثير ممّا لو

____________

(1) لو لاحظنا خبر الواحد، فتارة نلحظه بما هو خبر واحد من دون أن نلحظ معه كون المخبر بالخبر فاسقاً أو عادلًا، و أخرى نلحظه و نلحظ معه كون المخبر به فاسقاً، و ثالثة نلحظه و نلحظ معه كون المخبر به عادلًا، فحينئذ يتحصّل لدينا ثلاثة عناوين، الأول هو عنوان خبر الواحد بما هو خبر واحد، و الثاني هو عنوان خبر الواحد الفاسق، و الثالث هو عنوان خبر الواحد العادل، و كون موضوع الحكم بوجوب التبيّن في الآية الكريمة هو العنوان الأول أم العنوان الثاني أم العنوان الثالث فهو في المقام تابع لمعرفة ما هو الملاك لوجوب التبيّن، فيتم بعد معرفته تحديد العنوان الذي يكون موضوعاً للحكم بوجوب التبيّن في الآية الكريمة.

28

لم يكن المخبر فاسقاً، و لا يتعقّل افتراض كون المخبر بالخبر عادلًا ملاكاً لوجوب التبيّن؛ لأنّه في هذه الحالة سوف يقوى احتمال صدق الخبر فيضعف احتمال التورط في المخالفة؛ لأجل عدالة المخبر الذي يؤمن من جانبه تعمّد الكذب، فإن وجب التبين عنه رغم عدالة المخبر و ضعف احتمال التورط في المخالفة، فلا يكون ملاكاً لوجوب التبين عنه في هذه الحالة إلا نفس احتمال التورط في مخالفة الواقع لأجل عدم احراز مطابقة الخبر للواقع، و هذا يعني عدم مدخلية عدالة المخبر في ملاك وجوب التبيّن؛ لأنّ احتمال التورط في المخالفة حاصل في هذه الحالة، فيكون الموضوع لوجوب التبيّن مطلق الخبر، و أمّا إذا كان الملاك في وجوب التبيّن هو قوة احتمال التورط في مخالفة الواقع لا مجرد احتمال التورط في المخالفة، فسوف يكون الموضوع للحكم بوجوب التبيّن هو خصوص خبر الواحد الفاسق، لا خبر الواحد العادل؛ لأنّ عدالة المخبر لا يعقل أن تكون سبباً في قوّة احتمال التورّط في المخالفة كما هو واضح، فلا يعقل أن يكون خبر العادل بما هو خبر عادل موضوعاً للحكم بوجوب التبيّن.

و بهذا، يثبت عدم شمول الحكم بوجوب التبين لخبر العادل، لا بنفس شخص ذلك الوجوب المبرز بالخطاب، و لا بشخص آخر مجعول على عنوان خبر العادل بما هو خبر عادل، و هذا يعني انتفاء طبيعي وجوب التبيّن عن خبر العادل، و هذا معنى المفهوم، فتثبت حجّية خبر العادل‏ (1).

مناقشة الوجه الثاني: الاستدلال غير تام على كلا اللحاظين‏

إنّ تقريب الاستدلال بمفهوم الوصف الوارد في الآية الكريمة غير تام على كلا اللحاظين المتقدّمين.

أولًا: عدم تمامية الاستدلال بناءً على اللحاظ الأول‏

قوله (قدس) ص 229: «أما اللحاظ الأول للاستدلال بمفهوم الوصف فجوابه ... إلخ».

أمّا ما يتعلق باللحاظ الأول للاستدلال، فقد تقدّم في بحث المفاهيم أنّه لا مفهوم‏

____________

(1) و هناك تقريب آخر لإثبات مفهوم الوصف في المقام، ذكره المحقق النائيني كما جاء عنه في فوائد الأصول، ج 3، ص 165 و 166، و ما ذكره السيد الشهيد هنا، ربما يرجع إلى ما ذكره المحقق النائيني، فإن شئت استبيان ذلك فراجع.

29

للوصف، خصوصاً في حالة ذكر الوصف من دون ذكر الموصوف كما في المقام؛ حيث إنّه اكتفى بذكر الوصف و جعله موضوعاً لوجوب التبيّن، حيث قال سبحانه و تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا، و لم يقل: «إن جاءكم مخبر فاسق ... إلخ»، فيكون على وزان قوله: «لا تكرم الفاسق»، فيكون ذلك أقرب إلى مفهوم اللقب، و قد تقدّم عدم دلالته على المفهوم‏ (1).

ثانياً: عدم تمامية الاستدلال بناءً على اللحاظ الثاني‏

قوله (قدس) ص 229: «و أما اللحاظ الثاني للاستدلال فجوابه ... إلخ».

و أمّا ما يتعلّق باللحاظ الثاني للاستدلال، فجوابه: إنّ التقريب المتقدّم، إنّما يتم لو كان وجوب التبيّن وجوباً نفسياً (2)، و حينئذٍ، فلا يعقل جعله بملاك كون المخبر عادلًا كما تقدم ذلك، و أمّا لو كان وجوب التبيّن في الآية وجوباً إرشادياً إلى عدم الحجّية، و ليس حكماً تكليفياً مجعولًا، فسوف يكون ربطه بعنوان ما، كعنوان الفاسق أو العادل، مرجعه إلى أنّ ذلك العنوان لا يقتضي الحجّية، فعند ما يقول قائل مثلًا: «خبر الفاسق يجب التبيّن عنه»، أو: «خبر العادل يجب التبيّن عنه»، فهو بمثابة الإخبار عن أن كلًا من هذين العنوانين لا يكون موضوعاً للحجّية، فأي محذور في أن يكون خبر العادل موضوعاً لوجوب التبيّن بهذا المعنى؟ فكما لا محذور في أن يقول: «خبر العادل ليس بحجّة»، فكذا لا محذور في أن يقول: «خبر العادل يجب التبيّن عنه»، إذا عرفنا أن المراد من وجوب التبيّن هو الارشاد إلى عدم الحجّية، فتكون موضوعيته لوجوب التبيّن، مرجعها إلى عدم موضوعيّته للحجّية.

و منه، يظهر عدم تمامية الوجه الثاني للاستدلال بالآية على حجّية خبر العادل، نعم، الاستدلال بها على الوجه الأول- أي: بمفهوم الشرط- تام‏ (3).

____________

(1) و هذا ما أجاب به المحقّق النائيني أيضاً، راجع: فوائد الأصول، المجلد الثاني (ج 3)، ص 166

(2) أي: كونه حكماً تكليفياً مجعولًا كغيره من الأحكام التكليفية الأخرى التي يحكم العقل بوجوب امتثالها و الخروج عن عهدتها، و هذا يقتضي من المكلف أن يتبين صدق الخبر الذي يأتي به الفاسق، و يفحص عنه و إن لم يكن يريد العمل به‏

(3) هذا ما صرح به في الحلقة الثالثة، المجلد الأول، ص 252، حيث قال: «و قد تلخص من استعراض أدلة الحجية أنّ الاستدلال بآية النبأ تام». و لكن ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 360، يخالف ذلك، حيث إنه قال: «و هكذا يظهر تمامية الإشكال على الآية بثبوت المانع، كما تم الإشكال عليها بعدم تمامية أصل المقتضي للمفهوم فيها».

30

الآية الثانية: آية النفر

و هي قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (1).

تقريب الاستدلال بالآية يتوقف على إثبات ثلاثة أمور:

قوله (قدس) ص 230: «و تقريب الاستدلال بها يتم من خلال ... إلخ».

و تقريب الاستدلال بهذه الآية يتوقف على إثبات أمور ثلاثة:

الأمر الأول: أن يكون قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏، دالًا على وجوب الحذر.

الأمر الثاني: أن يكون الحذر على تقدير وجوبه، واجباً مطلقاً، أي: أفاد قول المنذر العلم أو لا.

الأمر الثالث: أن يكون وجوب الحذر مطلقاً- حتى مع عدم حصول العلم لدى السامع من قبل قول المنذر- مساوقاً للحجّية شرعاً.

الوجه في توقف الاستدلال على الأمر الأول:

و الوجه في توقف الاستدلال بالآية على الأمر الأول، هو: إنّه لو لم يكن الحذر الذي يقتضيه قول المنذر واجباً، فلا معنى لوجوب قبول قول المنذر، كما هو واضح؛ لأنه يكون لغواً حينئذ؛ إذ لا معنى لايجاب قبول قول المنذر على السامع مع افتراض عدم وجوب الحذر عليه، و إذا لم يجب قبول قول المنذر، لا يتم الاستدلال على حجّية قوله.

الوجه في توقف الاستدلال على الأمر الثاني:

أما توقف الاستدلال بالآية على الأمر الثاني، و هو: وجوب الحذر مطلقاً، سواء أفاد قول المنذر العلم أو لم يفد العلم؛ فلأنّه إذا فرض وجوب القبول في حالة إفادته للعلم خاصّة، دون ما إذا لم يفد العلم، فهذا لا يعني الحجّية التعبدية لقول المنذر؛ و الوجه في ذلك، هو: إن وجوب الحذر- في هذه الحالة- سوف يكون مستنداً إلى نفس العلم لا إلى قول المنذر

____________

(1) سورة التوبة: آية 122.

31

بما هو مفيد للظن، مع أنّنا نريد أن نثبت الحجّية في حالة عدم إفادة قوله و خبره للعلم، الذي هو موضوع الاستدلال كما هو واضح.

الوجه في توقف الاستدلال على الأمر الثالث:

و أمّا توقفه على كون وجوب الحذر حتى مع عدم حصول العلم لدى السامع مساوقاً للحجّية شرعاً، فلأنّه لو لم يكن كذلك، بل كان وجوب الحذر في هذه الحالة بملاك آخر، و بنكتة أخرى غير حجّية قول المنذر، لما كانت الآية دليلًا على حجّية خبر الواحد كما هو واضح.

وعليه، فلكي يتم الاستدلال، لا بدّ من إثبات كل واحد من الأمور الثلاثة المتقدمة، فإن تمت جميعاً، تم الاستدلال بالآية، و إلّا فلا.

اثبات الأمر الأول من الأمور الثلاثة المتقدمة:

و لإثبات أول الأمور الثلاثة المتقدمة، و هو: دلالة الآية على وجوب الحذر، فقد ذكرت عدّة وجوه‏ (1):

أوّلها: إنّ الحذر وقع مدخولًا لأداة الترجي «لعلّ»، فتدل على مطلوبيته؛ لأن معنى الترجي في «لعلّ»، أن يكون ما بعدها محبوباً، و إذا كان كذلك، كان راجحاً لا محالة؛ إذ لا معنى لمحبوبيته إلّا كونه راجحاً، و هذا يعني: مطلوبيته، و إذا ثبت كونه مطلوباً كان واجباً؛ و ذلك لأن الحذر، إمّا أن يكون له مبرّر يقتضيه، أو لا يكون له ذلك، فإن كان له مبرّر كان واجباً؛ إذ لا معنى لاستحباب الحذر و عدم وجوبه مع فرض وجود ما يقتضيه، و إن لم يكن له مبرّر، فلا معنى لمطلوبيته فضلًا عن وجوبه، و حيث ثبت أنه مطلوب فلا بدّ أن يكون واجباً (2).

____________

(1) و قد أضاف الشيخ الأنصاري وجهاً آخر لاثبات وجوب الحذر في الآية- بعد وضوح ثبوت رجحانه بمجرد قول المنذر- و هو عبارة عن: أنّ رجحان العمل بخبر الواحد مستلزم لوجوبه؛ و ذلك للإجماع المركب؛ لأنّ المحققين بين قائل بوجوب العمل به، و بين قائل بحرمة العمل به، و لا ثالث عندهم في المقام، و على هذا، فكل مَن أجاز العمل به فقد أوجبه‏

(2) هذا ما ذكره ابن الشهيد الثاني صاحب المعالم، ص 47 حيث قال: «هذا الأمر للإيجاب و الالزام قطعاً؛ إذ لا معنى لندب الحذر عن العذاب أو إباحته، و مع التنزل، فلا أقل من دلالته على حسن الحذر حينئذ. و لا ريب أنه إنّما يحسن عند قيام المقتضى للعذاب، إذ لو لم يوجد المقتضي، لكان الحذر عنه سفهاً و عبثاً. و ذلك محال على الله سبحانه، و إذا ثبت وجود المقتضي، ثبت أن الأمر للوجوب، لأن المقتضي للعذاب هو مخالفة الواجب لا المندوب».

32

ثانيها: إنّ الحذر الوارد في الآية في قوله: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏، وقع غاية للإنذار الذي هو بدوره غاية للتفقه الذي هو بدوره أيضاً غاية للنفر، فيكون الحذر بدوره غاية للنفر، و حيث إنّ كلًا من: النفر، و الإنذار، و التفقه، واجب، فلا بدّ من أن يكون الحذر الذي هو غاية للنفر واجباً أيضاً؛ لأن غاية الواجب واجبة؛ إذ لا معنى لوجوب النفر مع أن الغاية التي من أجلها وجب النفر ليست واجبة.

إن قلت: كيف أثبتم أن النفر واجب مع أن الآية لم تقل: «انفروا» و إنّما قالت: فَلَوْلا نَفَرَ.

كان الجواب: إنّ النفر وقع مدخولًا لأداة التحضيض «لو لا»، و من الواضح: أن التحضيض يعني: الطلب الشديد، فيقتضي أن يكون مدخولها و هو النفر مطلوباً بشدّة، و معنى أن النفر مطلوب بشدة، هو وجوبه كما هو واضح، مع أن الإنذار في قوله: وَلِيُنْذِرُوا واجب بلا إشكال؛ لأن الفعل المضارع إذا دخلت عليه لام الأمر أفاد الأمر و الوجوب، و هذا يكفي لإثبات وجوب الحذر.

ثالثها: إنّه لو افترضنا وجوب النفر و الإنذار و مع ذلك لا يجب على السامع الحذر من قول المنذر، لكان الأمر بالإنذار لغواً حينئذ؛ إذ لا تبقى فائدة تذكر من وراء الإنذار إذا لم يجب الحذر.

و الفرق بين هذه الوجوه لإثبات وجوب الحذر، هو: إنّ الأول أثبته اعتماداً على وقوع الحذر موقع الترجي، و الثاني أثبته اعتماداً على دعوى الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب غايته، و الثالث أثبته بدعوى أنه لو لا وجوب الحذر لكان الأمر بالإنذار لغواً.

هذا كلّه لإثبات وجوب الحذر، و الذي كان هو الأمر الأول الذي يتوقف عليه الاستدلال.

اثبات الأمر الثاني من الأمور الثلاثة المتقدمة:

و أمّا اثبات الأمر الثاني، و هو: كون الحذر واجباً مطلقاً أفاد قول المنذر العلم أو لا، فذلك يتم عن طريق التمسك بنفس الوجوه التي تمّ بها إثبات وجوب الحذر؛ لأنه إذا تم إثبات‏

33

أصل الوجوب أمكن التمسك باطلاقه لإثبات أنه واجب في حالة حصول العلم من قول المنذر و في حالة عدم حصول العلم منه.

اثبات الأمر الثالث من الأمور الثلاثة المتقدمة:

و أمّا بالنسبة إلى الأمر الثالث الذي يتوقف عليه الاستدلال، فإنّه لو لا كون إخبار المنذر حجّة شرعاً لما وجب العمل به إلّا في حالة حصول العلم منه، إذ لا معنى لإيجاب العمل به و قبول قوله حتى في حالة عدم حصول العلم منه إلّا كونه حجّة شرعاً.

و بتمامية جميع تلك الأمور يتم الاستدلال بآية النفر على حجّية خبر الواحد.

مناقشة الاستدلال بجميع أموره الثلاثة التي يتوقف عليها:

و يمكن المناقشة في هذا الاستدلال بجميع أموره الثلاثة التي يتوقف عليها، مع أنّه يكفي لإبطاله منع أحد تلك الأمور كما هو واضح.

الاعتراض على الأمر الأول بوجوهه الثلاثة المتقدمة:

قوله (قدس) ص 231: «و قد يناقش في الأمر الأول بوجوهه الثلاثة ... إلخ».

هذا، و يمكن ابطال الأمر الأول بوجوهه الثلاثة:

أولًا: الاعتراض على الوجه الأول‏

قوله (قدس) ص 231: «و ذلك بالاعتراض على أوّل تلك الوجوه ... إلخ».

أمّا ما يتعلق بالوجه الأول في إثبات وجوب الحذر، فيمكن الاعتراض عليه بأن الأداة «لعلّ»، مفادها وقوع مدخولها موقع الترقب لا الترجي، و من الواضح أن الترقب أعم من الترجي، فقد يكون المترقب أمراً محبوباً، و قد يكون أمراً مرغوباً عنه، كما في قوله: «لعلك عن بابك طردتني»، و الدليل على أن مفاد «لعلّ» الترقب لا الترجي، هو: ما يظهر من استعمالها في موارد كون مدخولها أمراً مرغوباً عنه، كما في الاستعمال المتقدّم؛ إذ لا معنى للترجي فيما ليس بمحبوب.

ثانياً: الاعتراض على الوجه الثاني‏

قوله (قدس) ص 231: «و الاعتراض على ثاني تلك الوجوه ... إلخ».

و أمّا الوجه الثاني، فيمكن الاعتراض عليه، بأنّه لا ملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب‏

34

غايته بالنحو الذي يتصدّى المولى لإيجابها بالجعل الشرعي، نعم، هي محبوبة حتماً، و لكن كونها محبوبة غير كونها واجبة؛ إذ إنّ إيجاب الفعل شرعاً شي‏ء و كونه محبوباً للمولى شيئاً آخر؛ فإنّ الإيجاب من الأمور الجعلية الاعتبارية بينما المحبوبية من الأمور التكوينية، و لأجل هذا الفرق نلتزم بالملازمة بين حب الشي‏ء و حب غايته في الوقت الذي ننكر وجودها بين وجوب الشي‏ء و وجوب غايته، وعليه، فقد يقتصر المولى في مقام طلبه على تقريب المكلّف نحو الغاية وسد باب من أبواب عدم التحرّك نحوها عن طريق بيان محبوبيتها فقط، و ليس من الضروري أن يتصدّى لسد تمام أبواب عدم التحرّك نحو الغاية عن طريق إيجابها، كما لو افترضنا وجود مانع يحول دون التكليف بها وسد تمام أبواب عدمها، كمحذور المشقة و غيره من المحاذير الأخرى‏ (1).

ثالثاً: الاعتراض على الوجه الثالث‏

قوله (قدس) ص 231: «و الاعتراض على ثالث تلك الوجوه ... إلخ».

و أما ما يمكن أن يعترض به على ثالث تلك الوجوه، فهو: إنّ الأمر بالإنذار مع فرض عدم الحجّية التعبّدية لقوله أو انذاره ليس من الضروري أن يكون لغواً؛ إذ يمكن أن يكون مراد المولى من الأمر بالإنذار مطلقاً؛ باعتبار أنه كثيراً ما يؤدي إلى حصول العلم لدى السامع و لو ببعض الموارد، أو على الأقل يحركه نحو السعي لتحصيل العلم بها، فلأجل الحفاظ على تلك الموارد التي يحصل بها العلم من قول المنذر، يأمر بالإنذار مطلقاً، و مع حصول العلم لدى السامع، يكون الحذر و التنجّز بسبب العلم لا بسبب الحجّية التعبّدية، فلا مانع من الالتزام بكون الأمر بالإنذار مطلقاً، مع عدم الالتزام بالحجّية التعبّدية لقول المنذر (2).

إن قلت: إذا كان الأمر بالإنذار من باب أنّه كثيراً ما يفيد العلم للسامع لا من باب الحجّية التعبّدية لقول المنذر، فهذا لا يقتضي إلّا الأمر به حيث يحصل العلم من قوله، فلا داعي‏

____________

(1) و هناك إشكال آخر أثاره الشيخ الأنصاري لمنع تلك الملازمة، ثم أجاب عنه، و هو: إنّ المراد بالنفر في المقام، خصوص النفر إلى الجهاد، و من المعلوم: أنّ النفر إلى الجهاد ليس لأجل التفقه و الإنذار و إن كانا قد يترتبان عليه أحياناً، وعليه، فالتفقه و الإنذار من قبيل الفائدة المترتبة على النفر، لا من قبيل الغاية حتى يقال بأنها واجبة بوجوب ذيها و هو: النفر. راجع: فرائد الأصول، ج 1، ص 155

(2) و هذا ما أجاب به الشيخ الأنصاري. راجع: فرائد الأصول، ج 1، ص 158.

35

لأمره بالإنذار مطلقاً حتى لو لم يفد قوله العلم. مع أن الأمر بالإنذار كان مطلقاً.

قلنا: إنّه لو أمكن للمنذر أن يميّز بين الموارد التي يحصل العلم بها للسامع من قوله و الموارد التي لا يحصل منها العلم للسامع، فلا معنى لأمره بالإنذار مطلقاً، بل يأمره بالإنذار في خصوص الموارد التي يعلم معها المنذر حصول العلم بها لدى السامع من إنذاره، و لكن حيث إن المنذر لا يستطيع أن يميّز بين تلك الموارد، و أنه يحتمل دائماً ترتب العلم على إنذاره، أو على الأقل يحتمل أنّ إنذاره سوف يساهم بدرجة لا بأس بها في حصول العلم لدى السامع أو لغير السامع المباشر، فمن هنا، كان من المعقول أمره بالإنذار مطلقاً، حفاظاً على تلك الموارد التي يفيد إنذاره فيها العلم لدى السامع، أو التي يساهم فيها إنذاره في حصول العلم‏ (1).

تمامية الأمر الأوّل بتمامية وجهه الأوّل:

قوله (قدس) ص 232: «و هذه المناقشة إذا تمت جزئياً فلا تتم كلياً ... إلخ».

ينبغي الالتفات إلى أن الوجوه الثلاثة المتقدّمة التي ذكرت لإثبات الأمر الأول، و هو: دلالة الآية على وجوب التحذّر، يكفي فيها تمامية أحد تلك الوجوه، و لا يشترط تماميتها جميعاً كما هو واضح، و هذه المناقشات و الاعتراضات التي ذكرت لابطال الوجوه الثلاثة، إن تمت جزئياً و بلحاظ بعض تلك الوجوه، فلا شك في عدم تماميتها كلياً و بلحاظ جميع تلك الوجوه؛ فإنّ الوجه الأول منها تام و لا ينفع في ابطاله القول بأنّ كلمة: «لعلّ» تفيد الترقب لا الترجي؛ و ذلك لأن دلالة كلمة: «لعلّ» على مطلوبية الحذر لا يمكن إنكارها، سواء قلنا: إنّ «لعلّ» تفيد الترقب، أم قلنا: إنّها تفيد الترجي؛ لأنّه على الثاني تكون الدلالة واضحة، و أمّا على الأول، أي: كون مفادها الترقب لا الترجي، فهو و إن كان صحيحاً، إلّا أن الترقب أعم من ترقب المحبوب أو ترقب المخوف منه و المرغوب عنه، و لا شكّ في أن‏

____________

(1) و هذا ما أجاب به المحقق الأصفهاني كما جاء في وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول، ص 515 حيث قال: «فالآية لا تدل على وجوب الحذر عند الإنذار مطلقاً، لأنها ليست في مقام بيان غاية التحذر للإنذار حتى يتمسك بإطلاقها، بل في مقام بيان وجوب النفر، و لعل وجوب الحذر كان مشروطاً بحصول العلم؛ إذ ليست فائدة وجوب الإنذار منحصراً بالتحذر تعبداً، بل يمكن أن تكون الفائدة بلوغ عدد المخبرين إلى حد يحصل العلم بقولهم و فيما إذا حصل العلم يجب الحذر لا مطلقاً».

36

السياق يعيّن الأول، أي: إنه من ترقب المحبوب؛ لأن الحذر لا يعقل أن يكون أمراً مرغوباً عنه لدى الشارع؛ لأنه وقع غاية لأمر محبوب لدى الشارع، و هو: النفر، و التفقة، و الإنذار، و من الواضح: إنّ غاية المحبوب و الواجب و إن لم تكن واجبة، و لكنها محبوبة قطعاً، و إذا ثبت محبوبية الحذر، ثبت مطلوبيته شرعاً، فيكون واجباً بالتقريب المتقدم في الوجه الأول‏ (1).

و بهذا يكون الأمر الأول من الأمور الثلاثة التي يتوقف عليها الاستدلال تاماً. فلنرى حال كل من الأمرين الآخرين.

مناقشة الأمر الثاني:

قوله (قدس) ص 232: «و قد يناقش في الأمر الثاني بعد تسليم الأول ... إلخ».

كان الأمر الثاني عبارة عن أن الحذر واجب مطلقاً، أفاد قول المنذر العلم أو لا، و قد يناقش في هذا أيضاً بدعوى: عدم الإطلاق في وجوب التحذّر لحالة عدم علم السامع بصدق المنذر، و اختصاصه بما إذا أفاد قوله العلم للسامع، و ذلك بأحد وجهين:

الأول: إن التمسّك باطلاق الوجوب- أيّ وجوب- لا يصح إلا إذا كان الكلام قد سيق من حيث الأساس لإفادة الوجوب‏ (2)، كما لو قال المولى: «صلِّ»، فإننا في مثل هذه الحالة، نستطيع أن نتمسك بالاطلاق في وجوب الصلاة؛ لأنّ هذا الكلام قد سيق من حيث الأساس لإفادة الوجوب، و أمّا في حالة عدم كون الكلام مسوقاً من حيث الأساس لإفادة ذلك الوجوب، بل كان مسوقاً لإفادة أمر آخر أفاد الوجوب ضمناً، فلا يمكن في مثل هذه الحالة التمسك باطلاق الوجوب، و ما نحن فيه من قبيل الثاني لا الأوّل؛ إذ إنّ الآية الكريمة جاءت أساساً لإفادة وجوب النفر و الإنذار، و لم تسق من حيث الأساس لإفادة وجوب التحذر حتى نتمسك بإطلاقه، وعليه، فلا تدل الآية على إطلاق وجوب التحذّر لحالة عدم علم السامع.

____________

(1) اعلم أنّ القول بالملازمة بين كون الشي‏ء محبوباً شرعاً، و بالتالي كونه مطلوباً شرعاً، و بين كونه واجباً، إنّما هو في خصوص المقام؛ لأجل عدم إمكان تصوّر استحباب الحذر مع فرض وجود ما يقتضيه، و إلّا فكون الشي‏ء مطلوباً شرعاً لا يقتضي وجوبه؛ لأنّ المطلوب أعم من كونه واجباً أو مستحباً

(2) تقدم في بحث الإطلاق و مقدمات الحكمة، أنّ التمسك بالإطلاق يتوقف على احراز كون المتكلم في مقام البيان بالنسبة إلى الجهة التي يراد التمسك بالإطلاق بلحاظها، و هذه من المقدمات المهمة التي يعتمد عليها التمسك بالإطلاق، و صاحب هذا الوجه، يدعي عدم التمكن من احراز ذلك بالنسبة لوجوب الحذر.

37

إن قلت: حيث إنّ الآية قد سيقت لإفادة وجوب الإنذار، فحينئذ سوف نتمسك باطلاقها لإثبات أنّ الإنذار واجب مطلقاً، أفاد قول المنذر العلم أو لا، و إذا ثبت أن الإنذار واجب مطلقاً، فكذلك الحذر، يكون واجباً مطلقاً، أفاد قول المنذر العلم أو لا، و إلّا، لكان الأمر بالإنذار مطلقاً في هذه الحالة لغواً.

قلنا: بالإمكان منع الملازمة بين الاطلاقين، و قد تقدم ذلك؛ فمن الممكن أن يكون الإنذار واجباً مطلقاً أفاد قول المنذر العلم أو لا، و مع ذلك لا يوجب المولى التحذر إلّا على من حصل له العلم بقول المنذر، و إنما وجب الإنذار على كل حال من باب الاحتياط في مقام التشريع؛ حفاظاً على الموارد التي يكون فيها إنذار المنذر مستتبعاً لحصول العلم لدى السامع، و قد اضطرّ الشارع إلى ايجاب الإنذار مطلقاً من باب ضيق الخناق؛ و ذلك لعدم تمكّنه من اعطاء ضابطة معيّنة للمنذر يتم على أساسها التمييز بين الموارد التي يكون فيها إنذاره مستتبعاً للعلم أو مساهماً في حصوله، و الموارد التي لا يتحقق فيها ذلك.

الثاني: دعوى وجود قرينة في الآية تمنع عن انعقاد ظهورها في الإطلاق‏ (1)، و تلك القرينة، عبارة عن: ظهور الآية في أن الإنذار متعلق بما تفقه فيه المنذر في هجرته و أثناء النفر، بمعنى: أن الذي يجب فيه الإنذار، عبارة عمّا علمه و تفقه فيه من الأحكام الشرعيّة، و الوجه في ذلك: أن الشارع قد جعل الإنذار غاية للتفقه في قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ‏، و أمّا ما ليس هو من الشارع و إن كان صاحبه يعتقد أنّه منهُ، فلا يجب فيه الإنذار.

إذن، ظهور الآية في وجوب الإنذار بخصوص ما تعلمه من أحكام شرعيّة، بحيث تكون مستنده إلى الشارع، يعتبر قرينة متّصلة تمنع من انعقاد ظهور الآية في الإطلاق لوجوب الحذر؛ لأن الحذر المطلوب، و وفقاً لتلك القرينة، هو: ما كان واقعاً عقيب الإنذار بما تفقه فيه المنذر من أحكام شرعيّة ثابتة في الشرع، و هذا يعني: أنّ السامع لا بدّ له أن يعلم أنّ ما أنذر به المنذر هو من الشارع، و إلّا، فمع الشك فى أن ما أنذر به المنذر، هل هو من الشارع حقاً أو

____________

(1) هذا ثاني الوجوه التي اعترض بها الشيخ الأنصاري على الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد. راجع: فرائد الأصول، ج 1، ص 158.

38

لا؟ لا يمكن التمسك بإطلاق الآية لإثبات مطلوبية الحذر في هذه الحالة.

و من هذين الوجهين، يتضح أنّه لا إطلاق في وجوب الحذر لحالة عدم حصول العلم لدى السامع من قول المنذر، و بذلك يبطل الأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي يعتمد عليها الاستدلال بالآية على حجّية خبر الواحد، و مع بطلان هذا الأمر، لم يبق معنى للأمر الثالث أصلًا؛ لأنه مترتب على كون الحذر واجباً مطلقاً كما هو واضح.

و حينئذٍ، فإن تمت هذه المناقشة في الأمر الثاني، بطل الاستدلال بالآية، و معه، لا حاجة إلى البحث عن تمامية الأمر الثالث أو عدم تماميته، و إن لم تتم، تصل النوبة الى البحث عن مدى تمامية الأمر الثالث.

مناقشة الأمر الثالث:

قوله (قدس) ص 233: «و يمكن النقاش في الأمر الثالث بأن وجوب ... إلخ».

لا يخفى أن تماميّة الأمر الثالث، تتوقف على أن وجوب الحذر حتى في حالة عدم حصول العلم لدى السامع من قول المنذر، إنما يكون بسبب جعل الشارع الحجّية التعبدية لقول المنذر، و إلّا، فلو كان هناك سبب آخر يقتضي وجوب الحذر حتى مع عدم حصول العلم، لما تمكّنا من إثبات حجّية قول المنذر كما هو واضح، و في المقام، يوجد في الآية ما يدل على أن المقتضي لوجوب الحذر ليس هو حجّية قول المنذر و إخباره، و إنما هو أمر آخر؛ و ذلك لأنّ وجوب الحذر مترتب على عنوان «الإنذار» لا عنوان «الإخبار»؛ لأن الشارع قال: وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ، و لم يقل: «ليخبروا قومهم»، و الإنذار يستبطن وجود خطر سابق هو الذي يقتضي وجوب الحذر، لا أن الإنذار بنفسه هو الذي أوجب الحذر؛ لأن الإنذار هو ما يكشف عن الخطر، لا أنّه يوجد الخطر، و الخطر الذي يكشف عنه الإنذار، عبارة عن: تنجّز الأحكام الواقعية بالعلم الاجمالي؛ لأن كل مكلّف يعلم علماً اجمالياً بوجود جملة من التكاليف الالزاميّة في الشريعة، من واجبات و محرّمات، و هذا العلم الاجمالي، ينجّز عليه كل ما يحتمل أنه واجب أو حرام‏ (1).

____________

(1) هذا ثالث الوجوه التي اعترض بها الشيخ الأنصاري على الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد. راجع: فرائد الأصول، ج 1، ص 159.

39

إن قلت‏: إنّ العلم الاجمالي بوجود تكاليف الزاميّة و إن كان موجوداً في بادئ الأمر، و لكنّه منحل إلى علم تفصيلي بجملة من الأحكام الالزامية، و شك بدوي في بقية الأطراف و الشبهات، و من الواضح أن الشك البدوي مجرى للبراءة الشرعية فلا يوجد خطر في البين.

كان الجواب: إنّ الشك في التكليف قبل الفحص موجب للتنجّز، و البراءة الشرعية و غيرها من الأصول المؤمنة مشروطة في جريانها بالفحص، يضاف إلى ذلك كلّه، إنّ تنجّز الأحكام الالزاميّة بالإخبار غير القطعي لا يتوقف على حجّية قول المنذر أو جعل الحجّية للخبر شرعاً، بل يكفي فيه أن يساهم الإخبار غير القطعي في حصول الظن بالتكليف الالزامي أو احتماله، فيتنجّز ذلك التكليف بسبب احتماله أو الظن به بناءً على مسلك حق الطاعة، و شموله للتكاليف المظنونة و المحتملة.

و من جميع ذلك، يتضح: إنّ وجوب الحذر مطلقاً حتى في حالة عدم حصول العلم من قول المنذر، لا يتوقف على جعل الحجّية التعبّدية لقوله و إخباره.

و من خلال هذا و غيره، اتّضح بطلان الاستدلال بالآية الكريمة على حجّية خبر الواحد (1).

خلاصة الكلام في المقام الأول:

ذكرنا في بداية البحث، أن الاستدلال على حجية خبر الواحد يكون تارة بالكتاب الكريم، و أخرى بالسنة الشريفة، و ثالثة بحكم العقل، و لأجل ذلك جعلنا البحث في ثلاثة مقامات، و قد انتهينا الآن من البحث في المقام الأول منها و الذي تبيّن فيه أن الاستدلال بآية النبأ على حجية خبر الواحد تام، بينما الاستدلال على ذلك بآية النفر غير تام، و تصل النوبة الآن إلى البحث في المقام الثاني.

المقام الثاني: الاستدلال بالسنة على خبر الواحد

قوله (قدس) ص 234: «2- و أما السنة: ... إلخ».

يقع البحث الآن في بيان و استعراض أهم ما يذكر عادةً من أدلة على حجّية خبر الواحد

____________

(1) و هذا هو ما انتهى إليه السيد الشهيد بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج 4، ص 381، حيث قال: «الظاهر أنّ الآية غير ناظرة إلى مسألة الإخبار و حجيته بل تنظر إلى مسألة أخرى هي لزوم وجود طائفة بين الأمة تتحمّل مسئولية الجهاد العقائدي و الفكري في سبيل الله عن طريق التفقه في الدين».

40

من السنّة الشريفة، و المراد بالسنّة، عبارة عن: قول المعصوم (ع)، و فعله، و تقريره، و الكاشف عن السنّة، تارة الأخبار و الروايات الصادرة عنهم (ع) و أخرى، السيرة القطعية الكاشفة عن رضا الشارع و موافقته، وعليه، فمعنى أن السنّة دليل على حجّية خبر الواحد، هو: إمّا أن يوجد من الأخبار ما يكون دليلًا على الحجّية، و إمّا أن توجد سيرة قائمة على العمل بأخبار الآحاد قد أقرّها المعصوم (ع)، أو أمضاها.

طريقان لاثبات دليلية السنة على حجية خبر الواحد:

قوله (قدس) ص 234: «و أما السنة فهناك طريقان لاثباتها ... إلخ».

و قد ادّعي وجود كلا الأمرين السابقين لإثبات دليلية السنّة على حجّية خبر الواحد، وعليه، فإثبات السنة على حجية خبر الواحد يمكن بأحد طريقين تاليين:

الطريق الأول: الاستدلال على حجّية خبر الواحد بالأخبار

قوله (قدس) ص 234: «أحدهما: الأخبار الدالة على الحجية ... إلخ».

قد أدّعي وجود جملة من الأخبار و الروايات الصادرة عن المعصومين (ع) و التي تدل على حجّية خبر الواحد، و لكن قبل استعراض تلك الأخبار لا بدّ من الإشارة إلى نكتة مهمة يتم من خلال الوقوف عليها الوقوف على حقيقة الحال في مدى تماميّة الاستدلال بتلك الأخبار على حجّية خبر الواحد أو عدم تماميتها.

نكتة مهمة ينبغي الالتفات إليها في المقام:

قوله (قدس) ص 234: «و لكي يصح الاستدلال بها لا بد أن تكون ... إلخ».

ينبغي الالتفات إلى أنّ تماميّة الاستدلال بتلك الأخبار على حجّية خبر الواحد بعد تسليم دلالتها على ذلك، يتوقف على أن تكون تلك الأخبار قطعيّة الصدور من الشارع؛ لأن الكلام إنّما هو في إثبات الصدور تعبّداً، فلا يمكن الاستدلال بالخبر الظني الصدور لإثبات حجّية الصدور؛ لأنه من إثبات حجّية الظن بنفس الظن، و هو دور واضح البطلان.

إن قلت: نحن لا نريد أن نثبت التعبّد بالصدور بنفس الظن بالصدور حتى يقال: إنّ هذا من إثبات حجّية الصدور تعبّداً بنفس الخبر المظنون الصدور، و إنّما نريد أن نثبت حجّية الصدور بظهور الخبر و دلالته على الحجّية، فبضميمة أنّ كل ظهور حجّة، سوف يثبت حجّية

41

الصدور تعبداً، و يكون من إثبات حجّية الصدور تعبداً تمسكاً بحجّية الظهور، فلا يكون من إثبات الشي‏ء لحجّية نفسه.

كان الجواب: إنّ الدليل الشرعي على الحكم الشرعي، لا يكون دليلًا إلّا إذا توفّر فيه أمران:

أحدهما: أن يكون له دلالة حجّة على الحكم الشرعي، و هذا يمثل الكبرى في الدليل الشرعي.

و الآخر: أن يكون صادراً من الشارع، و هذا يمثل الصغرى في الدليل الشرعي، و من هنا، اصطلح على إثبات الصدور بإثبات صغرى الدليل الشرعي.

وعليه، فالدليل لكي يكون دليلًا شرعياً، لا بدّ من إثبات صدوره من الشارع، و إلّا، ما كان دليلًا، حتى لو كانت دلالته قطعيّة.

و في المقام، نحن نتكلّم عن الدليل الدال على إثبات صدور الدليل من الشارع تعبّداً، فما لم يثبت الصدور للدليل الدال على حجّية الصدور، لا يكون دليلًا على حجّية الصدور؛ لأنه سوف يكون من إثبات حجّية الظن بالصدور بنفس الظن بالصدور.

إذن، لا بدّ من أن يكون الدليل الدال على حجّية خبر الواحد- أي: التعبّد بالصدور- قطعي الصدور، و تكون له دلالة على الحجّية و إن كانت حجّية تلك الدلالة ثابتة بالتعبّد، كالظهور الذي ثبتت بالدليل القطعي حجيته.

و بعد أن اتضح هذا، نعود إلى استعراض ما أدعي كونه دليلًا على حجّية خبر الواحد من الأخبار.

الاستدلال بالأخبار على حجّية خبر الواحد يقع في جهتين:

قوله (قدس) ص 234: «و فيما يلي نستعرض بايجاز جل هذه الطوائف ... إلخ».

قد ذكرت في هذا المجال طوائف عديدة من الروايات، سوف نصنفها إلى عشرة طوائف، و يقع الكلام في كل طائفة في جهتين:

الأولى: إثبات دلالتها على المدعى.

الثانية: إثبات صدورها من الشارع.

و فيما يلي، نستعرض أهم تلك الطوائف، و نبحث عنها، تارة بلحاظ دلالتها على المدّعى، و أخرى بلحاظ سندها و إثبات صدورها من الشارع، وعليه فالبحث يقع في جهتين:

42

الجهة الأولى: تقريب دلالة الأخبار على حجية خبر الواحد

و في ما يلي، نحاول استعراض أهم تلك الأخبار التي أدعي دلالتها على حجية خبر الواحد، و التي يمكن تقسيمها إلى عشرة طوائف:

الطائفة الأولى: ما دلّ منها على التصديق الواقعي ببعض روايات الثقات‏

لقد دلّت بعض الروايات و الأخبار على أن الإمام (ع) قد أطّلع على بعض ما رواه الثقات عنهم (ع)، و أقرّ بأن مضامين تلك الروايات حق، و إنها من دينه و دين آبائه، من قبيل: ما ورد عن الإمام العسكري (ع) عند ما عرض عليه كتاب يوم و ليلة ليونس بن عبد الرحمن، إذ قال: «هذا ديني و دين آبائي، و هو الحق كلّه» (1).

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و وجه الاستدلال بهذه الطائفة على حجّية خبر الثقة، هو: إن الرواية المتقدمة دالة على أن ما يرويه الثقات عنهم (ع) صادر منهم؛ لأنّ معنى قوله: «هذا ديني ... إلخ»، إشارة منه إلى أن ما ورد من روايات الثقات في هذا الكتاب هو الذي صدر منّي و من آبائي، و هذا يعني: أن الإمام (ع) يتعبّدنا بصدور ما يرويه الثقات، و هذا معنى حجّية خبر الثقة.

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 234: «و هذا مرده إلى الإخبار عن المطابقة للواقع ... إلخ».

و يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يلي:

إنّ ظاهر حال الإمام هو: إنّه في مقام الإخبار عن أنّ هذه الروايات مطابقة للواقع، و ليس في مقام إنشاء و جعل الحجّية التعبدية لتلك الروايات و الأخبار المودعة في ذلك الكتاب؛ و الوجه في ذلك، هو: أنّ التعبير بقوله (ع): «هذا ديني و دين آبائي»، لا يعني إلّا بأنّ ما في هذا الكتاب من مضامين هو مطابق لديني و دين آبائي، و أين هذا من جعل الحجية التعبدية؟ بل أنّ هذا التعبير لا ظهور فيه حتى بمستوى الإخبار عن صدور هذه الروايات عنه و عن آبائه (ع)، و إلّا، كان المناسب التعبير ب- «هذا ما صدر عنّي و عن آبائي» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 100.

(2) هذا هو المناسب لما ذكره السيد الشهيد في مناقشته لهذا الاستدلال بهذه الروايات، و ليس هو ما ذكره الشيخ الايرواني حفظه الله في شرح الحلقة الثالثة، ج 2، ص 90، عند ما قال:) و يردها: أنها تدل على شهادة الإمام العسكري بكون الأخبار المسجلة في كتاب يوم و ليلة صادرة منهم».

نعم يمكن إضافة مناقشة أخرى، و هي: أنه لو غضضنا النظر عن المناقشة المتقدمة، فإن غاية ما يستفاد من قول الإمام: «هذا ديني و دين آبائي»، هو: إنّ هذه الروايات الموجودة في هذا الكتاب قد صدرت حقاً و واقعاً؛ و ذلك لشهادة الإمام بذلك، و حينئذٍ، سوف يحصل لنا العلم بصدورها عنهم، فتكون حجّة من باب حجّية القطع كما هو واضح، و أين هذا ممّا نحن فيه، من إثبات الحجّية التعبّدية في مورد الشك في الصدور؟

43

و بعد أن اتضح عدم دلالة هذه الطائفة على المطلوب، و هو اثبات حجية خبر الواحد، لا حاجة إلى البحث عن الجهة الثانية، و هي اثبات صدورها.

الطائفة الثانية: ما دلّ من الروايات على الحث على تحمّل الحديث‏

ما دلّ من الروايات و الأخبار على الترغيب و الحث على تحمّل الحديث‏ (1) و حفظه، من قبيل قول النبي (ص): «من حفظ على أمتي أربعين حديثاً، بعثه الله فقيهاً عالماً يوم القيامة» (2).

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

إنّ دلالة هذا الحديث على الحث و الترغيب في تحمّل الأحاديث و حفظها واضحة و صريحة، و أما كيفية دلالته على حجّية خبر الواحد، فتوجيهه: إنّ الحث من قبل الشارع على حفظ الأحاديث و تحمّلها ليس هو لغرض الحفظ بما هو حفظ فحسب، و إنما هو لأجل نشرها و نقلها إلى الغير حتى ينتفع منها ذلك الغير، و يعمل على وفقها، فالحث على تحمّل الأحاديث و حفظها يعني الحث على نشرها و نقلها إلى الآخرين و وجوب ذلك، و هذا، يعني: أن السامع لتلك الأحاديث المنقولة إليه من الحافظ لها، يجب عليه القبول بما جاء فيها مطلقاً، سواء حصل له العلم من قول الناقل أم لا؛ من باب الملازمة بين وجوب النقل مطلقاً و وجوب القبول كذلك، كما تقدم مثل هذه الدعوى في آية النفر، و معنى وجوب القبول على السامع لتلك الأحاديث و إن لم يحصل له العلم بها، هو: حجّية قول الناقل لها (3).

____________

(1) تحمّل الحديث بمعنى: الاستماع إليه، من قبيل تحمّل الشهادة لأجل أدائها

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 79

(3) هذا هو التقريب الصحيح للاستدلال بهذه الطائفة، و ليس ما جاء في الحلقة الثالثة في اسلوبها الثاني، في الجزء الثاني، ص 90، حيث ذكر في مقام توجيه الاستدلال بهذه الطائفة: «فإن الخبر إذا لم يكن حجّة، فلا وجه للحث على حفظه؛ إذ من اللغو الأمر بحفظ ما ليس حجّة».

و الوجه في عدم صحة هذا التوجيه، هو: أن المطلوب اثباته بهذه الطائفة، هو: الملازمة بين الأمر بتحمل الأحاديث و حفظها لأجل نشرها و نقلها، و بين الحجية التعبدية لقول الناقل، و ليس اثبات أن الإمام قد أمر بحفظ ما هو صادر عنهم لا حفظ ما ليس بصادر عنهم؛ فإن هذا مما لا شك فيه، و لكن اين هو من الحجية التعبدية المراد اثباتها لقول الناقل للرواية و وجوب قبول قوله؟! و لا أظن أن المستدل بهذه الطائفة من الروايات قد قصر نظره على مجرد الحث على الحفظ بما هو حفظ؛ لوضوح أنّ الإمام لم يأمر إلّا بحفظ ما هو صادر عنهم، و سيظهر لك حقيقة الأمر من خلال ما ذكره السيد الشهيد في مناقشة الاستدلال.

44

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 235: «و هذا لا يدل على الحجية أيضاً ... إلخ».

و يمكن الاعتراض على هذا الاستدلال، بأنّه: إن كان المقصود أنّ نفس الحث على تحمّل الحديث و حفظه دليل على حجّية خبر الواحد من دون ضميمة أخرى، فهذا واضح البطلان؛ لأن تحمّل الحديث و حفظه و إن كان من أهم المستحبات، بل من الواجبات الكفائية؛ لتوقف حفظ الشريعة على ذلك، و لكنّه أجنبي عمّا نحن فيه؛ إذ لا علاقة لذلك بجعل الحجّية لخبر الواحد؛ لأنّ حفظ الشريعة إنّما يكون بحفظ ما هو صادر عنهم (ع) فعلًا، لا بمجرد حفظ الأحاديث كيفما اتفق.

و إن كان المقصود الاستدلال بالحديث مع ضم مقدمة أخرى، و هي: دعوى الملازمة بين وجوب حفظ الحديث و نقله، و وجوب قبوله تعبداً، فقد تقدم عدم تمامية هذه الدعوى في مناقشة الاستدلال بآية النفر، و منه، يظهر أنه لا حاجة إلى البحث عن الجهة الثانية، و هي اثبات صدور هذه الأحاديث، علماً أن روايات هذه الطائفة لا تبلغ حد التواتر.

الطائفة الثالثة: ما دلّ من الأخبار على أمر الإمام (ع) برواية الحديث‏

و هذه الطائفة، هي: ما دلّ على أن الإمام (ع) قد أمر بعض أصحابه بأن يروي بعض الأحاديث، أو ينقل بعض النكات و المضامين القيّمة إلى جماعة من الناس، من قبيل قول أبي عبد الله (ع): «يا أبان، إذا قدمت الكوفة، فاروِ هذا الحديث: «من شهد أنّ لا إله إلّا الله مخلصاً، وجبت له الجنّة» (1).

____________

(1) الكافي، ج 2، ص 520، باب: من قال: لا إله إلّا الله مخلصاً، الحديث رقم: 1.

45

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و أمّا تقريب الاستدلال بهذه الطائفة من الأخبار، فيتم بملاحظة إنّ الإمام (ع) قد أمر برواية الحديث و نقله في قوله: «فاروِ»، و هذا يدل على وجوب الرواية و النقل مطلقاً، سواء كان قول الراوي أو الناقل للرواية مفيداً لحصول العلم للسامع أم لا، و يلزم من ذلك وجوب القبول مطلقاً و إن لم يحصل العلم للسامع، و إلّا، فلو لم يجب القبول إلا في حالة حصول العلم، فلا معنى للأمر بالنقل مطلقاً؛ لأنه سوف يكون لغواً، و هذا يعني: حجّية قول الناقل و خبر الثقة.

و بعبارة أخرى: إنّ المستدل يدعي وجود ملازمة بين الأمر برواية الحديث و نقله، و بين الحجية التعبدية (1).

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 235: «و الصحيح ان الأمر بالنقل يكفي في وجاهته ... إلخ».

و يعترض على هذا النمط من الاستدلال، بأنّه لا ملازمة بين الأمر بالنقل و وجوبه، و بين وجوب القبول تعبداً؛ فقد يجب الأمر بالرواية و النقل، و لا يلزم من ذلك وجوب القبول مطلقاً، بل القبول في حالة حصول العلم من قول الناقل للراوية خاصّة. فلا يلزم من وجوب النقل مطلقاً جعل الحجّية التعبّدية لقول الناقل.

إن قلت: كيف لا يكون ذلك؟ أي: كيف لا يلزم منه جعل الحجّية التعبدية؟ أ لا يلزم حينئذ الأمر بالرواية و النقل مطلقاً؟

كان الجواب: إنّه يكفي في تصحيح الأمر بالنقل مطلقاً و عدم لغويته، احتمال تماميّة

____________

(1) هذا هو التقريب الصحيح للاستدلال بهذه الطائفة، و ليس ما ذكره الشيخ الإيرواني (حفظه الله) في الحلقة الثالثة في اسلوبها الثاني، في الجزء الثاني، ص 91، حيث قال في بيان وجه الاستدلال: «إن الخبر إذا لم يكن حجّة، فلا وجه للأمر بروايته؛ فإن الأمر برواية ما ليس حجّة لغو»؛ فإن بيان الاستدلال بهذا النحو ليس صحيحاً؛ لأن المستدل يريد أن يثبت حجّية النقل تعبداً، أي: حجّية قول أبان و نقله، و لا يريد أن يثبت أن أبان لم يرو أو ينقل إلا ما هو حجة من الأحاديث، و إلّا فلا شكّ في أن الإمام أمر برواية ما هو حجّة، بل ما هو صادر فعلًا عنه، كيف لا يكون ذلك مع أمره برواية حديث معيّن، فما قيل اجنبي أصلًا عمّا يقصده المستدل، و هو ما يظهر لك بأدنى تأمّل.

46

الحجّة بذلك النقل، بنحو يكون النقل مساهماً في كثير من الأحيان في حصول العلم و الوثوق لدى السامعين، و لا يلزم من ذلك وجوب القبول و إن لم يحصل العلم لدى السامع، فلا يتوقف الأمر بالنقل و الرواية على افتراض الحجّية التعبّدية.

و بعد أن اتضح عدم تمامية الاستدلال، فلا حاجة على هذا إلى البحث عن الجهة الثانية، علاوة على أنّ روايات هذه الطائفة لا تبلغ حد التواتر.

الطائفة الرابعة: ما دلّ من الأخبار على أن سامع الرواية ربما كان أفقه من الراوي‏

دلّت بعض الروايات على أن السامع للرواية ربما كان أكثر انتفاعاً من نفس الراوي لها، من قبيل قولهم: «فرب حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه» (1).

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

إنّ الانتفاع بالرواية بالنسبة إلى المنقول إليه، و بالتالي صيرورته فقيهاً، بل ربّما صار أفقه من ناقلها، فرع كون الرواية حجّة؛ و إلّا فلو لم تكن الرواية التي ينقلها الراوي له حجّة عليه، فلا يمكنه الانتفاع بها، و هذا يعني حجية قول الناقل.

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 235: «و نلاحظ أن هذه الطائفة ليست في مقام بيان ... إلخ».

و الذي يلاحظ على الاستدلال بهذه الطائفة، هو: إنّ هذه الطائفة من الروايات ليست في مقام بيان أن نقل الرواية حجّة على المنقول إليه تعبّداً؛ لوضوح أن أفقهية المنقول إليه ليس من باب ثبوت المنقول إليه في حقّه تعبداً، و إلّا لكان الناقل للرواية أفقه من المنقول إليه دائماً؛ لأن ثبوت الرواية لدى الراوي وجداني؛ باعتبار أنه تلقاها من الإمام (ع) مباشرة، بينما ثبوتها لدى المنقول إليه- وفقاً لهذا الاستدلال- تعبدي، و لا شك في أنّ الثبوت الوجداني أفضل من الثبوت التعبدي، وعليه، فالرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه.

بل هذه الطائفة من الأخبار ناظرة إلى أنّ الحديث- بعد الفراغ عن ثبوت صدوره من الشارع- ربّما يكون السامع له أفضل فهماً و ورعاً من الناقل له؛ لأن النقل للرواية لا يتطلب‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، باب: وجوب العمل بأحاديث النبي، الحديث: 43، ص 89.

47

من الناقل إلّا حفظ الألفاظ الواردة فيها، فيحفظها، و ينقلها إلى غيره، و ربّما لا يكون لديه أي فهم و ادراك للمعاني التي تفيدها تلك الألفاظ، و يكون السامع لها أكثر فهماً و إدراكاً لما ورد فيها من معاني.

الطائفة الخامسة: ما دلّ من الروايات على التحذير من الكذب عليهم (ع)

و أمّا الطائفة الخامسة من الأخبار المستدل بها على حجية خبر الواحد، فهي: ما دلّ من الروايات على التحذير من الكذب عليهم (ع)، و إنّ هناك من يضع الأحاديث و يسندها إليهم كذباً و زوراً، أو يحرّفها؛ بأن يزيد بها تارة و ينقص منها تارة أخرى.

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و قد ادعي أنّ هذه الطائفة تدل على المدعى، بتقريب: أنه لو لا حجّية خبر الواحد و كونه مقبولًا عند الشارع، فلا معنى للتحذير من الكذب؛ لأنه إن حصل للسامع العلم بصدق الخبر، فهو حجّة من باب حجّية القطع، و قد تقدم في البحث عن حجية القطع أنه لا يمكن للشارع الردع عن العمل بالقطع، و إن لم يحصل له العلم بصدقه، و فرض عدم حجيته، فلا يبقى أثر للكذب ليستحق التحذير منه، و هذا يعني: أنّ التحذير من الكذب يلازم التعبّد بصدق الخبر، و هذا يعني: حجّية خبر الواحد.

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 236: «و الصحيح أن الكذب كثيراً ما يوجب ... إلخ».

و أمّا المناقشة في الاستدلال على المدعى بهذه الأخبار، فهي: إنّ الصحيح، هو: إنّ التحذير من الكذب في نقل الحديث، لا يلزم منه التعبّد بخبر الواحد- أي حجّيته-؛ فإنّ التحذير عن الكذب لا تقتصر فائدته على ذلك بحيث يكون لغواً بدونه؛ لأنّ فائدة التحذير من الكذب في ما نحن فيه يمكن تصويرها في أمرين:

الأول: إنّ الكذب و وضع الأحاديث و نسبتها إلى الشارع كثيراً ما يؤدي إلى اقتناع السامع خطأً، بأنّ هذا الخبر أو ذاك الحديث قد صدر فعلًا من الشارع، فيتصور أنّ هذا الخبر من الشارع، و يعمل به على أساس أنّه منه، فلكي يمنع الشارع مثل هذا الاقتناع الخاطئ و يحول دون حصوله، حذّر من وجود أحاديث مكذوبة و موضوعة عليهم، للتنبيه إلى أنّه‏

48

ليس كل ما ينسبه البعض إلى الشارع فهو كذلك.

الثاني: إنّ الكذب إذا كان مرتبطاً بقضيّة عقائديّة، فإنّه إن لم يؤدِّ إلى الاقتناع بمضمون الخبر الذي هو على خلاف الاعتقاد الصحيح، فعلى الأقل يؤدي إلى الاحتمال و الظن، و هذا بنفسه يشكل خطراً عظيماً؛ لأنه يؤدي إلى التشكيك فيما يجب التصديق به بنحو الجزم و اليقين، كالتوحيد، و العدل، و غيرهما من أصول الدين، أو عصمة النبي (ص) و أهل بيته (ع)، فإنّ التشكيك في مثل هذه الأمور ممّا لا يجوز، فلكي لا ينحرف الناس عن اعتقاداتهم الصحيحة، أو يحصل لهم التشكيك فيها، حذر الأئمة (ع) من الكذب، و الدس، و التزوير.

و بهذا يتضح بطلان محذور اللغوية المذكور، فإنّ عدم لغوية هذه الطائفة من الأحاديث، لا يتوقف على افتراض الحجّية التعبّدية، وعليه، فلا يكون لهذه الطائفة من الأخبار دلالة على حجّية خبر الواحد، وعليه، فلا حاجة إلى البحث عن الجهة الثانية.

الطائفة السادسة: ما دلّ من الروايات على إرجاع الأئمة أصحابهم إلى بعض الثقات‏

و تتمثّل هذه الطائفة بما دلّ من الروايات على أنّ الأئمة (ع) قد أرجعوا بعض شيعتهم و مواليهم في مقام أخذ الأحاديث إلى آحاد الناس من أصحابهم، من دون اعطاء ضابطة كلّية في مقام الأخذ منهم من قبيل أن يقول: «كل من كان ثقة فخذوا عنه»، أو يقول: «خذوا من هذا؛ لأنه ثقة»، و إنّما اقتصر على الإحالة و الإرجاع إلى أشخاص معينين، من قبيل إرجاع الإمام (ع) أصحابه و مواليه إلى زرارة بقوله: «إذا اردت حديثاً فعليك بهذا الجالس»، إشارة منه إلى زرارة، أو قول الإمام الهادي (ع) لأحد أصحابه: «فاسأل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني، و أقرئه منّي السلام».

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و قد ادعي دلالة هذه الطائفة على المطلوب، بتقريب: إنّه لو لم يكن خبر زرارة و خبر عبد العظيم الحسني حجّة، لما كان معنى في إرجاع الإمام (ع) الآخرين إليهما، و من الواضح: أنّ إرجاعه (ع) إليهما، إنّما هو لأجل وثاقتهما، و هذا يقتضي حجّية كل خبر ثقة؛ إذ لا فرق بين وثاقة زرارة و غيره من هذه الناحية ما دام ملاك الإرجاع هو الوثاقة (1).

____________

(1) قال السيد الخوئي في مصباح الفقاهة، ج 1، ص 20: «من المعلوم أنه لا خصوصية لهؤلاء الرواة إلا من حيث كونهم موثقين، إذن فالمناط هي الوثاقة في الراوي».

49

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 237: «و روايات الإرجاع التي من هذا القبيل ... إلخ».

و يمكن الاعتراض على الاستدلال المتقدم، بأن تماميته تتوقف على مقدّمة، و هي غير ثابتة، و تلك المقدّمة، عبارة عن: إنّ الإمام (ع) أرجع الآخرين إلى زرارة، أو عبد العظيم الحسني لمجرّد وثاقتهما، فكأنه قال: «ارجعوا إلى زرارة؛ لأنه ثقة»، و من الواضح: أنّ كلام الإمام (ع) لا يوجد فيه أي إشارة إلى تعليل الإرجاع بالوثاقة، فضلًا عن الإشارة إلى ضابطة كلّية، من قبيل: أن كل ثقة يجوز الرجوع إليه، أو ما يقارب هذا المعنى، و ما لم يثبت ذلك، لا يتم الاستدلال بهذه الطائفة على حجية خبر الثقة كما هو واضح؛ و ذلك لاحتمال أن يكون الإمام (ع) قد أمر بالرجوع إليهما لأجل علمه و يقينه بأن كلًا من زرارة و عبد العظيم الحسني لا يتعمدان الكذب فيما يرويانه؛ لكونهما على مرتبة عظيمة من التقوى و الإيمان، مع أننا نريد إثبات حجّية خبر الثقة حتى في حالة احتمال تعمد الكذب، فالاستدلال بهذه الطائفة غير تام أيضاً، و معه، فلا حاجة إلى البحث عن الجهة الثانية، و المتمثلة باثبات صدور روايات هذه الطائفة (1).

الطائفة السابعة: ما دلّ من الروايات على ذم طارح الحديث بمجرّد عدم قبول طبعه له‏

و أمّا الطائفة السابعة من الأخبار، فهي: ما دلّ على ذم مَنْ يطرح ما يسمعه من حديث بمجرّد عدم قبول طبعه أو ذوقه له، من قبيل قوله (ع): «و أسوؤهم عندي حالًا، و أمقتهم، الذي يسمع الحديث ينسب إلينا، و يروى عنّا، فلم يقبله اشمأز منه و جحده، و كفّر من دان به، و هو لا يدري، لعلّ الحديث من عندنا خرج، و إلينا أسند» (2).

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و يستدل بهذه الطائفة من الأخبار، بادعاء أنّه إذا لم يكن خبر الواحد حجّة و يلزم‏

____________

(1) و لكن السيد الخوئي قد ذهب إلى تواتر هذه الروايات كما جاء عنه في مصباح الفقاهة، ج 1، ص 20 حيث قال: «و يدل عليه أيضاً الروايات المتواترة التي أرجع فيها إلى أشخاص موثقين»

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 88.

50

قبوله، لما استحق الطارح للرواية هذا الذم و التوبيخ، و هذا يعني دلالة أخبار هذه الطائفة على حجية خبر الواحد.

إن قلت: لعلّ الرواية ناظرة إلى ذم من يطرح الرواية التي يعلم و يقطع أنّها منهم (ع)، و بالتالي، لا يلزم من ذم الطارح لمثل هذه الرواية حجّية الخبر الذي لا يعلم أنّه منهم، و الذي هو محل البحث.

كان الجواب: إنّ الرواية غير ناظرة إلى ذم مَنْ يطرح الحديث الذي يعلم أنّه منهم، بل هي ناظرة إلى ذم من يطرح الحديث الذي لا يعلم أنّه منهم؛ بقرينة قوله (ع): «و هو لا يدري، لعلّ الحديث من عندنا خرج، و إلينا أسند».

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 237: «و الجواب: انه استحقه على الاعتماد على الذوق ... إلخ».

و الصحيح عدم تمامية الاستدلال السابق؛ و ذلك لأمرين:

الأول: إنّه لا ملازمة بين ذم طارح الرواية و بين حجّية الرواية تعبّداً، و إنّما يستحق الذم لأجل اعتماده على ذوقه، و رأيه، و استحسانه في طرح الرواية، من دون تتبع و إعمال للموازين التي يتم على أساسها معرفة الرواية الصحيحة و تمييزها عن غيرها، فكأن الإمام (ع) يريد أن يقول: إنه لا ينبغي لأحد أن يطرح الرواية لمجرّد عدم انسجام مضمونها مع ذوقه و رأيه، و يتسرّع بنفيها، و إنكارها، و على هذا، فالرواية أجنبية عمّا نحن فيه.

الثاني: إنّ مجرّد عدم حجّية الرواية تعبّداً، لا يسوّغ انكارها و تكفير من اعتقد بها و عمل على وفقها، فلا يلزم من ذم طارح الرواية و منكرها و مكفّر من دان بها حجيتها تعبّداً.

فهذه الطائفة كغيرها من الطوائف المتقدمة غير تامة الدلالة على المطلوب، فلا حاجة إلى البحث عن الجهة الثانية من جهتي البحث.

الطائفة الثامنة: ما دلّ من الروايات على الترجيح بموافقة الكتاب عند التعارض‏

ما دلّ من الروايات على الترجيح عند تعارض الخبرين بموافقة الكتاب و مخالفة العامّة، من قبيل: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قال الصادق (ع): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله، فخذوه، و ما خالف كتاب الله،

51

فردّوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله، فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم، فذروه، و ما خالف أخبارهم، فخذوه» (1).

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و أمّا تقريب الاستدلال بهذه الطائفة على حجية خبر الواحد، فبأن يقال: إنّ التعارض بين دليلين لا يتصوّر إلّا إذا كان كل منهما- و بقطع النظر عن معارضته للآخر- حجّة في نفسه، و إلّا، فلو لم يكن كل منهما حجّة في نفسه، بل لو فرض كون أحدهما حجّة دون الآخر، أو لم يكن شي‏ء منهما حجة أصلًا، فلا معنى للتعارض بينهما كما هو واضح، و مع عدم التعارض، لا يبقى أي معنى للترجيح، فالأمر بإعمال المرجحات، دليل على أن كل خبر حجّة في نفسه، و هذا يعني: حجّية خبر الواحد.

مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 238: «و نلاحظ: ان دليل الترجيح هذا يناسب الحديثين ... إلخ».

و يناقش في الاستدلال السابق، بأنّ الدليلين المتعارضين، تارة يكون كل منهما قطعي الصدور و لكن دلالة أحدهما تكذّب بالدلالة الالتزامية دلالة الآخر، و أخرى يكون كل منهما ظنيّ الصدور، و دليل الترجيح بموافقة الكتاب أو بمخالفة العامّة، كما يناسب الحديثين الظنيين صدوراً، كذلك يناسب الحديثين القطعيين صدوراً إذا تعارضا، و على الأول، يتوقف تعقل الترجيح على افتراض الحجّية التعبدية لكل منهما، و على الثاني، لا يتوقف على ذلك؛ لافتراض أنّ كلًا منهما حجّة بسبب القطع.

و حينئذٍ نقول: لم يثبت نظر الرواية إلى الحديثين الظنيين صدوراً حتى يقال: إنّ ذلك يكشف عن جعل الحجّية التعبّدية لكل منهما في نفسه و بقطع النطر عن التعارض، وعليه، فلا دلالة في الرواية المتقدمة على حجّية خبر الواحد (2)، و منه يظهر عدم الحاجة إلى البحث عن الجهة الثانية.

____________

(1) الوسائل، ج 18، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، ح 29

(2) إن قلت: لما ذا لا نتمسك باطلاق هذه الرواية لكل خبرين متعارضين، لإثبات أن الترجيح شامل للحديثين القطعيين صدوراً و للحديثين الظنيين صدوراً، و يثبت المطلوب؟

كان الجواب: لا مجال هنا للتمسك باطلاق الرواية؛ لأنها لم تكن في مقام البيان من ناحية حجّية الخبر، و من المعلوم أنّ مقدّمات الحكمة تتوقف على أن يكون المتكلّم في مقام البيان بالنسبة إلى الجهة التي يُراد إثبات الإطلاق بلحاظها.

52

الطائفة التاسعة: ما دلّ من الروايات على الترجيح بالأوثقية عند تعارض الخبرين‏

و الطائفة التاسعة من الأخبار التي قد يتمسك بها لاثبات حجية خبر الواحد، هي: ما دلّ على الترجيح بالأوثقية، و نحوها من الصفات الدخيلة في زيادة قيمة الخبر، و قوّة الظن بصدوره، كالشهرة و غيرها، من قبيل ما رواه زرارة، حيث قال: «سألت أبا جعفر (ع)، فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبأيِّهما آخذ؟ فقال (ع): يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي، إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم؟ فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك» (1).

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و تقريب الاستدلال بهذه الطائفة، هو التقريب المتقدم في الطائفة الثامنة حرفاً بحرف، فلا داعي للتكرار، إلّا أنّ المناقشة السابقة في التقريب السابق لا تتم هنا؛ و ذلك لعدم إمكان حمل هذه الروايات على الحديثين القطعيين صدوراً؛ و ذلك لأنّ الأوثقية من المرجحات السنديّة، و لا معنى للمرجّح السندي في الحديثين القطعيين صدوراً كما هو واضح، فلا مناص عن القول باختصاص الرواية بالحديثين الظنيين صدوراً، و حينئذٍ، تكون دلالة هذه الطائفة على المطلوب- بالتقريب المتقدّم في الطائفة السابقة- تامة، و هنا لا بد من البحث في الجهة الثانية من جهتي البحث، و هي اثبات صدور هذه الطائفة من الروايات، فانتظر.

الطائفة العاشرة: ما دلّ من الروايات على الإرجاع إلى كل من كان ثقة

و أمّا الطائفة العاشرة و الأخيرة من الأخبار التي قد يستدل بها على حجية خبر الواحد، فهي: ما دلّ على الإرجاع إلى كل من كان ثقة، إمّا ابتداءً و بصورة مباشرة و من دون الإشارة إلى أحد بعينه، من قبيل قوله (ع): «فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأننا نفاوضهم بسرنا، و نحملّه إيّاه إليهم» (2)، و إمّا الإرجاع إلى كلّي الثقة بصورة غير مباشرة، كالإرجاع إلى شخص معيّن معلّلًا ذلك الإرجاع بكونه ثقة، من قبيل ما

____________

(1) شرح اللمعة، الشهيد الثاني، ج 1، ص 40

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 150، و ج 18، ص 108.

53

رواه محمد بن عيسى: «قال: قلت لأبي الحسن الرضا (ع): جعلت فداك إني لا أكاد أصل إليك لأسألك عن كل ما احتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم» (1)، فكأنّه (ع) قال: «ارجع إلى يونس بن عبد الرحمن؛ لأنه ثقة»، فإنّ اللسان الأول من هذه الروايات يفيد الإرجاع إلى كلّي الثقة ابتداءً، و أمّا اللسان الثاني فإنّه يفهم منه اعطاء ضابطة كلّية لمن يجوز الرجوع إليه.

تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:

و تقريب الاستدلال بهذه الطائفة، هو بأن نقول: إنّ اللسان الأول من الروايات، يفيد أن كل ثقة يجوز الرجوع إليه في مقام أخذ الرواية عنه، و هذا يعني: حجّية خبر الثقة، و أمّا اللسان الثاني، فحيث أن المرتكز في ذهن الراوي و السائل هو: أن كل ثقة يجوز الرجوع إليه في مقام أخذ الدين، بقرينة قوله: «أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني؟»، فإن السائل سأل عن وثاقته خاصة، و لم يسأله عن خصوصياته الأخرى، أو غيرها من الأمور، و هذا يعني: أنه فارغ من أن الثقة يجوز الرجوع إليه، و إلا، لكان الأولى به أن يسأله أولًا عن جواز الرجوع إلى الثقة أو عدم جواز ذلك، بدلا من السؤال عن مجرّد وثاقة هذا الشخص أو ذاك.

و حينما قال له الإمام (ع): «نعم»، فقد أقرّ السائل على ما هو مرتكز في ذهنه من مفروغية جواز الرجوع إلى الثقة، و لم يردعه عن ذلك، فبقرينة الإمضاء لهذا الارتكاز، يثبت حجّية خبر الثقة.

تحقيق الحال في أخبار هذه الطائفة:

قوله (قدس) ص 239: «و في روايات هذه الطائفة ما لا يخلو ... إلخ».

و لكن اللسان الأول من روايات تلك الطائفة قابل للمناقشة، لأن الإمام (ع)، قال: «ثقاتنا»، و لم يقل: «الثقات»، و من الواضح أن العنوان الأول- أي ثقاتنا- أخص من عنوان الثقات؛ لأن عنوان «ثقاتنا» لا ينطبق إلّا على الأشخاص المعتمدين شخصياً للإمام (ع)، و المؤتمنين على أسراره، فلا يدل على حجّية خبر مطلق الثقة كما هو المراد من الاستدلال، و إنّما يدل‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 147، و ج 18، ص 107.

54

على حجّية خبر من كان ثقة عند الإمام (ع)، و معتمداً لديه، و أميناً على أسراره، فيكون الدليل أخص من المدّعى‏ (1).

و إن أبيت ذلك، فلا أقل من احتمال اختصاصها بمن كان ثقة عند الإمام (ع) خاصة، و إن لم تكن ظاهرة في هذا المعنى، و هذا يكفي لمنع ظهورها في اثبات الحجية لمطلق الثقة؛ و بدونه لا يتم الاستدلال بها كما هو واضح؛ إذ مع وجود مثل هذا الاحتمال، تكون الرواية مجملة، و المجمل لا يكون حجة إلّا بالمقدار المتيقن منها كما مضى عليك ذلك، و المقدار المتيقن فيما نحن فيه، هو: مَن كان ثقة الإمام (ع) خاصّة، و إلى هذا المعنى الذي ذكرناه، أشار السيد الشهيد (قدس) بقوله: «و لعله يتناول خصوص الأشخاص المعتمدين شخصياً للإمام» (2).

____________

(1) إن قلت: إنّ هذا لا يمنع من الاستدلال بهذه الأخبار على حجية خبر الثقة؛ لأنّ تحذير الإمام من التشكيك في ما يرويه مَن هو ثقة لديه إنّما هو لأجل كونه ثقة لا لشي‏ء آخر، الأمر الذي يعني: جواز العمل بخبر الثقة، و هذا يعني: حجية خبر الثقة.

كان الجواب: إنّ هذا الكلام قد يكون وجيهاً لو كان تحذير الإمام من التشكيك في ما يرويه الثقة بملاك أنّه ثقة، و أمّا لو كان التحذير من التشكيك بملاك كون الراوي زرارة مثلًا على نحو يكون عنوان: «ثقاتنا» عنواناً مشيراً إلى زرارة و غيره ممن هو ثقة عند الإمام، فلا مجال للاستدلال بهذه الأخبار لاثبات حجية خبر مطلق الثقة، فيكون قول الإمام المتقدم بمثابة قوله: «لا ينبغي التشكيك في ما يرويه عنّا زرارة» و من الواضح أنّ هذا لا يدل على حجية خبر الثقة.

وعليه، فإن كانت إثارة السيد الشهيد لهذه المناقشة بالمعنى الذي ذكرناه في الجواب فهي صحيحة قطعاً، و إلّا ففيها تأمّل؛ إذ من الممكن القول بأنّه لا فرق عندئذ في جواز الرجوع إلى خبر الثقة بين كون الراوي ثقة عند الإمام و بين كونه ثقة عند غيره ما دام الملاك في الإرجاع هو الوثاقة ليس إلّا

(2) و خلاصة ما يريد السيد الشهيد بيانه في هذه العبارة، هو: إن عنوان (ثقاتنا) الذي ورد في الرواية، تارة يوجب ظهورها في الاختصاص بمَن كان ثقة عند الإمام و عدم شمولها لمطلق الثقة و لو عند غير الإمام، فبطلان الاستدلال بهذه الرواية على المطلوب حينئذ يكون واضحاً جداً، و أخرى لا يوجب ظهورها في الاختصاص، و مع ذلك لا يتم الاستدلال بها؛ و ذلك لأن المطلوب اثبات ظهورها في الشمول لمطلق الثقة، و من الواضح: أن عدم ظهورها في الاختصاص لا يعني ظهورها في الشمول؛ لأن مجرّد احتمال اختصاصها بمن كان ثقة عند الإمام خاصة يمنع من ظهورها في الشمول.

لا يقال: إنّ الظهور يستبطن الاحتمال دائماً و معه لا يمكن أن يفترض كون الاحتمال مانعاً من الظهور.

فإنّه يقال: إنّ الاحتمال الذي يستبطنه الظهور دائماً و الذي لا يمكن أن يفرض كونه مانعاً منه هو احتمال إرادة خلاف المعنى، أي احتمال مخالفة الظهور للواقع، و ليس احتمال الظهور المخالف الذي مرجعه إلى الشك في الظهور؛ فإنّ الثاني يحول دون انعقاد الظهور بخلاف الأول، و ما نحن فيه في المقام هو الاحتمال من النحو الثاني لا الاحتمال من النحو الأول؛ فإنّ احتمال الظهور في الخصوص لا يمكن أن يجتمع مع الظهور في العموم، بخلاف احتمال إرادة الخصوص فإنّه يجتمع قهراً مع الظهور في العموم.

55

نعم، اللسان الثاني من روايات الطائفة لا شك في دلالته على حجّية خبر الثقة كما بيّنا، و بهذا فإنّه يوجد في روايات هذه الطائفة ما يكون دالًا على حجّية خبر الثقة، و حينئذٍ، يُطرح السؤال التالي:

هل يمكن إثبات حجّية خبر الثقة تمسكاً بروايات هذه الطائفة أو بعضها على الأقل، أو لا؟ و الجواب يتضح من خلال تحقيق الحال في الجهة الثانية.

الجهة الثانية: إثبات صدور ما تم دلالته من طوائف الروايات السابقة

قوله (قدس) ص 240: «غير ان عدد الروايات التامة دلالة على هذا المنوال ... إلخ».

تقدّم أن الدليل على حجّية خبر الثقة لا بدّ أن يكون قطعي الصدور، و إلّا، فسوف يكون من إثبات حجّية خبر الواحد بخبر الواحد، و هو يعني: توقف حجّية خبر الواحد على حجّية نفسه، و هو دور واضح.

و حصول القطع بصدور بعض الروايات التامة الدلالة على الحجّية، يتوقف على أحد أمرين:

الأول: أن نثبت تواتر هذه الروايات.

الثاني: أن نحرز وجود قرائن قطعيّة توجب القطع بصدور هذا الحديث أو ذاك.

و الطريق الأول غير متحقق في المقام؛ لعدم بلوغ مثل هذه الروايات التامة الدلالة على الحجّية حد التواتر؛ لأنها محدودة و قليلة (1).

____________

(1) لكن المحقق النائيني بعد استعراضه لجملة من هذه الروايات، قال: «و لا يتوهم أن هذه الأخبار من أخبار الآحاد و لا يصح الاستدلال بها على مثل المسألة؛ فإنها لو لم تكن أغلب الطوائف متواترة معنى، فلا إشكال في أن مجموعها متواترة إجمالًا؛ للعلم بصدور بعضها عنهم، و الإنصاف: إن التتبع في هذه الأخبار يوجب القطع باعتبار الخبر الموثوق به»، و هو أيضاً ما ذهب إليه المحقق الخراساني، راجع: كفاية الأصول، ص 347.

لكن، لا يخفى عليك أن دعوى التواتر الإجمالي في هذه الروايات و العلم بصدور بعضها، لا ينفع إلّا إذا فرض تمامية دلالة جميع تلك الروايات، أو على الأقل أغلبها، على جواز التعويل و الاعتماد في مقام العمل على الظن الحاصل من خبر الثقة، و قد عرفت عدم دلالة الكثير منها على ذلك.

نعم، هي نافعة للمحقق النائيني؛ باعتبار أنه يرى تمامية دلالة أغلب هذه الروايات على المطلوب، و لكن هذا يعني الالتزام بأنها متواترة معنى. راجع: فوائد الأصول، ج 3، ص 190- 191.