بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج2

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
593 /
3

[المقصد الثانى فى الظن‏]

بحر الفوائد في شرح الفرائد

للفقيه الأصولي آية اللّه العظمى الحاجّ ميرزا محمّد حسن الأشتيانيّ (قدّس سرّه‏) (1248 ه- 1319 ه)

الجزء الثانيّ‏

حقّقه و علّو عليه و قدّم له‏

السّيّد محمّد حسن الموسويّ‏

مزدان بتعاليق جمهرة من اعلام الأصوليّين‏

4

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

5

* حجية الاجماع المنقول‏

* حجية الشهرة الفتوائية

* حجية الخبر الواحد

* أدلة حجّيّة مطلق الظّنّ‏

* تنبيهات دليل الإنسداد

6

* في حجّية الخبر الواحد

- أدلّة المانعين‏

- أدلة المجوّزين‏

1- الكتاب‏

2- السنّة

3- الإجماع‏

4- دليل العقل‏

* في أدلّة حجّيّة مطلق الظن‏

1- وجوب دفع الضرر المظنون‏

2- قبح ترجيح المرجوح‏

3- دليل سيّد الرياض‏

4- دليل الإنسداد و مقدّماته الأربعة

7

* تنبيهات دليل الإنسداد:

التنبيه الأوّل: عدم الفرق في الإمتثال الظنّي بالحكم الواقعي أو الظاهري‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

* في حجّيّة الإجماع المنقول‏

(1) قوله (قدّس سرّه‏): (و من جملة الظنون الخارجة عن الأصل الإجماع المنقول ... إلى آخره) (1). (ج 1/ 179)

____________

(1) قال المحقق المؤسس الطهراني أعلى اللّه تعالى مقامه الشريف:

«لا يجوز التعويل على الإجماع المنقول بالخبر الواحد، بل و لو تواتر نقله؛ لعدم شمول أدّلة حجّيّة الخبر له- على فرض ثبوت اعتباره- و عدم صلوحه للكشف عن الواقع؛ حيث إن حجّيّتها تتوقف على أمور فعدم ثبوت واحد منها يكفي في عدم ثبوت النتيجة.

منها: استلزام إتفاق الكل أو البعض المدعي لقول الإمام (عليه السلام).

و منها: إرادة الحاكي للإجماع هذا المعنى المستلزم لقوله (عليه السلام).

و منها: شمول أدلة حجّيّة الخبر له على تقدير حجّيّته.

و كل من هذه المقدّمات ممنوعة، بل الدليل قائم على فساده».

إلى أن قال:

«و حيث إن الغرض من وضع هذا الحديث إنّما هو عزل خليفة اللّه و نصب من أرادوا من أعداء اللّه و عجزوا من إثبات مرامهم حتى بهذا الكلام المصنوع فربّما آل الأمر إلى التخصيص بأهل المدينة، مع أن هذا لا يكاد إثباته.

و كيف كان: فليس في الأدلة لفظ الإجماع، و على تقديره فليس له حقيقة شرعيّة و لا ماهيّة مخترعة، فلا حاجة إلى تعريفه.

10

أقول: لا يخفى عليك أنّ نقل الإجماع- كنقل السّنة-: قد يكون بالمتواتر و قد يكون بالآحاد. و على الثّاني: قد يكون بالواحد المحفوف بما يوجب القطع بصدقه بالمعنى الأعمّ من المقرون و المعتضد، و قد يكون بالواحد الظّني.

و الكلام إنّما هو في القسم الأخير. و أمّا الأوّلان؛ فلا معنى للتكلّم فيهما بعد الفراغ عن إفادة الإجماع للقطع بالسّند أو بالدّليل الظّني المعتبر عند الكلّ.

نعم، قد يقع الكلام- كما عن الشّيخ البهائي في هامش‏ (1) «الزّبدة»- في‏

____________

إلى أن قال:

و لا يخفى أنه لم يتفق لأحد إلى الآن في شي‏ء من المسائل أن يطلع على قول الإمام (عليه السلام) على الجملة، من غير أن يعرفه بعينه؛ فإنّ هذا أوّلا: يتوقّف على حضوره (عليه السلام) و إدراكه، و لا يتحقّق في زمان الغيبة الكبرى قطعا، فجميع ما وقع من دعوى الإجماع من أوّل الغيبة الكبرى إلى الآن باطل.

و ثانيا: مع عدم معرفته بعينه و لم يتفق هذا في شي‏ء من الموارد، و لو فرض أن راويا روى عن شخصين، أحدهما الإمام (عليه السلام) من غير أن يعرفه فاتّفقا في الجواب، فلا يسمّيه إجماعا، بل هذا أيضا داخل في السنّة عندهم، كما إذا سمع منه (عليه السلام) خاصّة مع معرفته له بعينه.

و بالجملة: فمقتضى هذه الطريقة عدم تحقق الإجماع في شي‏ء من الأزمنة.

قال في المعالم: الحق إمتناع الإطلاع عادة على حصول الإجماع في زماننا هذا و ما ضاهاه من غير جهة النقل ..».

إلى أن قال المجدّد الطهراني (قدّس سرّه‏) القدوسي:

«فظهر أن جميع ما صدر من دعوى الإجماع في جميع الأعصار بناء على التضمّن فاسد لا يعبأ به ..». إنتهى. محجة العلماء: ج 1/ 269- 273.

(1) زبدة الاصول: 90 تحقيق فارس حسون.

11

أصل تحقّق التّواتر في المقام؛ من حيث إنّ المعتبر في التّواتر باتّفاقهم رجوع المخبرين إلى الحسّ فيما يخبرون عنه؛ بمعنى كون المخبر به أمرا حسّيّا، و المخبر عن الإجماع لا يرجع إلى الحسّ؛ من حيث إنّ مبنى الإجماع على اتّفاق آراء المجمعين في المسألة المجمع عليها، و تحصيلها موقوف على الاستنباط و إعمال القوّة النّظرية.

و هي كما ترى شبهة واضحة الدّفع؛ فإنّ فهم المطالب و الآراء من العبارات الواضحة، يرجع إلى الإحساس جدّا. و المعتبر في التّواتر، ليس أمرا ينافي ذلك إن كان ظاهر الحسّ في بادي‏ء النّظر، ربّما ينافيه، لكن التّأمّل الصّادق يشهد: بأنّ المراد منه: ما يشمل المقام قطعا. نعم، قد يكون مبنى النّقل على استنباط الآراء بإعمال المقدّمات الاجتهاديّة كما ستقف عليه، لكنّه لا دخل له بمنع إمكان التّواتر في نقل الإجماع.

دخول البحث عن الاجماع في المسائل الأصولية

و ممّا ذكرنا في تحرير محلّ البحث و مرجع النّزاع يظهر: دخول المسألة في المسائل الأصوليّة- التي يبحث فيها عن عوارض الأدلّة بعد الفراغ عن ثبوت دليليّتها كما هو أحد الوجهين بل القولين- فيكون المسائل الباحثة فيها عن حجيّة الأدلّة كحجيّة الكتاب و الإجماع داخلة في المبادي‏ء التّصديقيّة؛ ضرورة أنّ مرجع الكلام في المسألة إلى البحث عن ثبوت ما فرغ عن حجّيّته بنقل الواحد كما ثبت بالتّواتر، لا في أصل حجيّة الإجماع، فمرجع البحث في المسألة إلى البحث عن عوارض الإجماع المفروغ حجيّته من حيث كونه كاشفا عن السّنة، كما عليه‏

12

الخاصّة، أو من حيث كونه عنوانا مستقلّا و في قبال سائر الأدلّة، كما عليه العامة. فتدبّر.

تاريخ الإجماع في كتب أصحابنا الاصوليين‏

ثمّ إنّه لم يوجد عنوان للمسألة في كلام أكثر المتقدّمين، بل لم نر التّمسك بنقل الإجماع في كتبهم الفقهيّة الاستدلالية، و إنّما عنونها المتأخّرون و استدلّ غير واحد منهم به في المسائل الفقهية.

و أوّل من عنون المسألة و اختار حجيّته العلّامة (قدّس سرّه‏) في محكي «النّهاية» (1)، من غير أن ينقل القول بها من أحد ممّن سبقه، و إن كان ظاهر ذيل كلامه التردّد فيها، بل الميل إلى عدم الحجيّة. حيث قال: (إنّ الظهور في المسألة للمعترض من الجانبين» (2).

و أمّا المحقّق- الّذي يكون لسان المتقدّمين- فعباراته أصولا و فروعا تنادي: بأنّه لا يقول بحجيّته. و قد صرّح في مواضع كثيرة: بأنّ الإجماع إنّما يكون حجّة على من عرفه و وقف عليه خاصّة.

بل قال بعض أعلام المحقّقين من المتأخّرين: «إنّه لو قيل- بعد التّأمّل و إمعان النّظر فيما ذكرنا- إنّ الأصحاب متّفقون على عدم حجيّته على الوجه المتعارف في الأعصار المتأخّرة لكان قولا حقّا و دعوى صادقا» (3).

____________

(1) نهاية الأصول إلى علم الأصول: ج 3/ 131 و 216 تحقيق الشيخ البهادري (رحمه اللّه).

(2) نهاية الوصول إلى علم الأصول: ج 3/ 216 تحقيق الشيخ البهادري (رحمه اللّه).

(3) الشيخ المحقق و الفاضل الفقيه المدقق أسد اللّه التستري المتوفى سنة 1237 ه- صهر

13

فمراد شيخنا الأستاذ العلّامة من لفظ (الكثير) (1) كثير المتعرّضين للمسألة (2).

و صريح غير واحد، منهم: الفاضل النّراقي في «المناهج»: عدم حجيّته‏ (3).

مقتضى التحقيق عدم حجّيّة نقل الإجماع‏

و لمّا كان مبنى القول بحجّيّته شمول دليل حجيّة خبر الواحد له من حيث كونه من أفراده- كما ستقف عليه- فلا محالة يتفرّع على حجيّة خبر الواحد. كما أنّ مبنى القول بعدم حجيّة الأصل بضميمة عدم شمول ما قضى بحجيّة الخبر من حيث الخصوص له، فالنّزاع في المسألة على تقدير ثبوت حجيّة خبر الواحد في الجملة لا مطلقا؛ إذ لم يتوهّم القول بحجيّته ممّن نفى حجيّة خبر الواحد مطلقا.

نعم، لا يتوقّف التكلّم في المسألة على إثبات تلك المسألة و حصول الفراغ منها، بل يكفي تقدير الثّبوت؛ ضرورة أنّ التّكلّم في الشّرطيّة لا يتوقّف على الفراغ عن وجود الشّرط، كما أنّ صدقها الواقعي لا يتوقّف على صدقه؛ فيصحّ التكلّم في المسألة ممّن ذهب إلى عدم حجيّة الخبر كما لا يخفى هذا.

____________

الشيخ الأكبر على ابنته- في كتابه كشف القناع عن وجوه حجّيّة الإجماع.

(1) فرائد الاصول: ج 1/ 179.

(2) كصاحب المعالم في المعالم: 180، و صاحب الفصول فيه: 258 و المحقق القمي في القوانين: ج 1/ 384.

(3) مناهج الأحكام في الأصول: 199 عند قوله: منهاج: اختلفوا في الإجماع المنقول بخبر الواحد ... إلى آخره.

14

و الّذي يقتضيه النّظر- وفاقا لشيخنا (قدّس سرّه‏) و غير واحد- عدم حجيّة نقل الإجماع من حيث الخصوص؛ لعدم ما يقتضيها ممّا يكون تامّا عندنا. و إن كان بعض ما استدلّوا به على حجيّة الخبر من حيث الخصوص- على تقدير تماميّته- قاضيا بحجيّته أيضا، إلّا أنّ أكثر ما أقاموه على حجيّته ممّا يكون تامّا لا يقضي بحجيّة الإجماع المنقول، و بعض ما لا يكون تامّا لا يقتضيها أيضا- على تقدير التّماميّة- و اقتضاء ما لا يكون تامّا حتّى في مسألة حجيّة الخبر، لا يفيد شيئا إلّا في المسألة الفرضيّة.

توضيح ذلك: أنّهم استدلّوا لحجيّة خبر الواحد من حيث الخصوص في الجملة- بالأدلّة الأربعة: الإجماع بقسميه قولا و عملا و العقل و السّنة الثّابتة بالأخبار المتواترة- التي ستمرّ عليك- و الكتاب.

أمّا الأوّل: فانتفاؤه في المقام أوضح من أن يحتاج إلى البيان؛ ضرورة اعتراف المثبتين: بكون المسألة خلافيّة و أنّه لم يعهد دعوى الإجماع في المسائل الفرعيّة في أزمنة الأئمة (عليهم السلام) حتّى يدّعى الإجماع عملا على العمل بها.

أمّا الثّاني: فلأنّ القاضي منه بحجيّة الخبر من حيث الخصوص هو الانسداد الّذي ادّعوه في خصوص موارد الأخبار من حيث العلم الإجمالي بصدور أكثرها من النّبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) و الأئمة (عليهم السلام) لا ما يقتضي حجيّة الظن مطلقا عند التّحقيق، كقبح ترجيح المرجوح على الرّاجح، أو وجوب دفع الضّرر المظنون، و نحوهما، و إن ذكره غير واحد لإثبات حجيّة الخبر من حيث الخصوص، و من المعلوم انتفاؤه في المقام أيضا.

15

و دعوى: العلم الإجمالي بمطابقة أكثر الإجماعات المنقولة للواقع، كما ترى.

و أمّا الثّالث: فاختصاصه بالرّوايات المتعارفة المنتهية إلى الأئمّة (عليهم السلام) المقابلة لنقل الإجماعات أوضح من أن يحتاج إلى البيان كما ستقف عليه في محلّه.

و أمّا الرابع: و هو الكتاب فأكثر الآيات التي استدلوا بها على حجيّة الخبر كآية النّفر (1)، و السّؤال‏ (2)، و الكتمان‏ (3)، و إن اقتضت: اعتبار نقل الإجماع أيضا، إلّا أنّ دلالتها في كمال الضّعف، و الاستدلال بها في غاية الوهن و السّقوط.

و من هنا لم يقع الاستدلال بها في كلام الأكثرين، فلم يبق ممّا يصلح للاستدلال به في المقام إلّا آية النّبأ الّتي هي العمدة عندهم في مسألة حجيّة الخبر عند القائلين بها، و إن كانت دلالتها ضعيفة عندنا، كما ستقف عليه عن قريب و الدّليل عند القائلين بالحجيّة في المقام و هي لا يقتضي حجيّة نقل الإجماع إلّا في بعض أقسامه الغير الموجود فيما بأيدينا كما ستقف عليه.

(2) قوله (قدّس سرّه‏): (و توضيح ذلك يحصل بتقديم أمرين ... إلى آخره). (ج 1/ 180)

أقول: لا يخفى عليك أنّ الأمر الأوّل راجع إلى بيان مقدار مدلول ما دلّ على حجيّة الخبر، و الثّاني راجع إلى بيان حال نقل الإجماع، و أنّه من أفراد الكليّة

____________

(1) التوبة: 122.

(2) الانبياء: 7.

(3) البقرة: 159.

16

المستفادة من أدلّة حجيّة الخبر أم لا؟ فالتكلّم في الأوّل راجع إلى التّكلم في الكبرى، و في الثّاني إلى التكلم في الصّغرى.

و قد عرفت حال غير آية النبأ ممّا يستدلّ به على حجيّة الخبر، و أنّه لا يستفاد منه كليّة ينفع المقام أصلا، بل لا يستفاد منه حجيّة مطلق الخبر الحسّي فضلا عن الحدسي. فقوله (قدّس سرّه‏): (لا تدلّ إلّا على حجيّة الأخبار عن حسّ) (1) إنّما هو بالنّظر إلى مجموع ما أقاموه على حجيّة الخبر الّتي منها آية النبأ أو مبنيّ على الإهمال لا الإطلاق.

(3) قوله (قدّس سرّه‏): (اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ المناط ... إلى آخره). (ج 1/ 180)

أقول: مجرّد جعل المناط نقل الكاشف مضافا إلى ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه‏) من المقتضي و أنّ الحاصل عليه حجيّة مطلق الظّن بالحكم الصّادر من الإمام (عليه السلام)، بل مطلق الظّن بالحكم الشّرعي على التّحقيق؛ من حيث إنّ الأخذ بالحكم الصّادر عن الإمام (عليه السلام) إنّما هو من حيث كونه حكما شرعيّا إلهيّا؛ ضرورة أنّ الصدور عن الإمام (عليه السلام) ليس له موضوعيّة قطعا لا يجدي، إذا احتمل دخل الحسّ فيما يرجع إليه النّاقل، بناء على إرادة النّاقل الإجماع الدّخولي، كما عليه القدماء حسبما ستقف عليه؛ ضرورة أنّه لا يمكن الاطلاع عليه عن حسّ لأحد من علمائنا الحاكين للإجماع كما تقف عليه، فتدبّر.

و منه يظهر: فساد التّقريب بحجيّة النّقل بالمعنى، كما أنّه يظهر ممّا ذكرنا:

____________

(1) و (2) فرائد الاصول: ج 1/ 180.

17

النّظر فيما أفاده (قدّس سرّه‏) بقوله: (كما عمل بفتاوى عليّ بن بابويه) (1) فإنّ عمل الفقهاء بها عند إعواز النّصوص ليس من جهة بنائهم على الكليّة المذكورة و المناط الّذي ادّعي- و إلّا وجب عليهم العمل بمطلق الظّن في الحكم الشّرعي- بل من جهة ما رأوا من رجوع فتاواه إلى النّقل بالمعنى دائما، كما يظهر من تصريح العاملين بها فكيف يظنّ كون الجهة استفادة المناط المذكور من الأخبار المتواترة الّتي استدلّوا بها على حجيّة الخبر في الجملة؟

و الظّاهر أنّ مراده (قدّس سرّه‏) من قوله: (كما عمل بفتاوى عليّ بن بابويه) ليس التّقريب للمناط المتوهّم، بل لأصل العمل بفتوى الفقيه في الجملة من غير استناد إلى المناط المذكور.

(4) قوله (قدّس سرّه‏): (و هي إنّما تدلّ على وجوب قبول خبر العادل ... إلى آخره). (ج 1/ 181)

في منع دلالة آية النبأ على حجيّة الإجماع المنقول‏

أقول: دلالتها على ما ذكر- بحيث كان هو المدلول لها ليس إلّا، سواء كان مبناها على مفهوم الشرط أو الوصف بالتّقريب الّذي يأتي بيانه في مسألة حجيّة الأخبار- مبنيّة على نفي الواسطة بين الفاسق و العادل، و إن لم يكن المدّعى موقوفا عليه، كما هو واضح.

ثمّ إنّ ما أفاده (قدّس سرّه‏): من أنّ المنفي بالآية على تقدير المفهوم الاعتناء باحتمال تعمّد الكذب في خبر العادل، و التّوقف في العمل به من الجهة المذكورة، لا الاعتناء

18

بجميع الاحتمالات حتّى احتمال السّهو و الخطأ و التّوقّف من جهتها، حتّى يرجع إلى تنزيل خبره منزل خبر المعصوم، و معاملة المعصوم مع العادل أمر واضح لا سترة فيه بعد أدنى تأمّل في الآية.

و تعليل وجوب التّبين في خبر الفاسق فيها و إن كان أمرا معقولا في نفسه لا يحيله عقل، بل وقع في الشّرعيّات، كما في الرّجوع إلى المفتي و نحوه ممّا يجب البناء فيه على تصويب المخبر في اعتقاده.

ثمّ إنّ منشأ الظّهور الّذي أفاده (قدّس سرّه‏) بقوله: «و الظّاهر منه ... إلى آخره» (1) الراجع إلى الوجهين- أحدهما: دلالة الآية عليه؛ من حيث إناطة الحكم فيها بالفسق و العدالة حين الإخبار و لو على مفهوم الشّرط كما هو المسلّم عندهم؛ إذ لم يحتمل أحد اعتبار العدالة في جميع موارد اعتباره؛ اعتبار حين التحمّل. ثانيهما:

دلالة التعليل المذكور فيها عليه- ممّا لا يرتاب فيه.

إمّا لدلالة الآية على كفاية وجود فسق المخبر حين خبره في الرّد و إن كان عدلا حين التحمل و العمل و كفاية عدالته حين الإخبار، و إن كان فاسقا حين التحمّل و العمل. فهي من جهة تعليق الحكم على المشتق الظّاهر في تلبّسه بالمبدأ حين الإخبار و النّبأ.

مضافا إلى كونه أمرا مسلّما مفروغا عنه عندهم- على ما عرفت الإشارة إليه: من كونه اتّفاقيّا في جميع موارد اعتبار العدالة إلّا في باب الإفتاء؛ حيث إنّ‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 1/ 181 و في الكتاب: «الظاهر منها ...».

19

المعتبر فيه العدالة حين العمل، لا حين الإفتاء، و إن اشترك مع غيره في عدم الاعتبار حين التّحمّل و التّرجيح و الاستنباط- و إلى دلالة الأخبار عليه كالواردة في كتب بني فضال‏ (1).

و غيرها فتأمّل‏ (2).

و أمّا استلزام ذلك لظهور الآية فيما أفاده فهو ظاهر؛ حيث إنّ الخطأ في الاعتقاد ينشأ غالبا من التّحمّل و صيرورة الفاسق حين التّحمّل عادلا لا حين الإخبار لا يرفع خطأه في حدسه و اعتقاده، فلا فرق بين الفاسق و العادل حين الإخبار من جهة احتمال الخطأ في الاعتقاد حين التّحمل.

و إنّما الفرق بينهما من حيث مزيد احتمال التّعمّد في الكذب في الأوّل دون الثّاني؛ حيث إنّه مرجوح في الثّاني دون الأوّل.

نعم، ما أفاده مبنيّ على دلالة الآية على اعتبار العدالة من حيث الطّريقيّة مع قطع النّظر عن التعليل و إلّا لم يكن وجها آخر في قبال التّعليل كما لا يخفى.

____________

(1) الغيبة للشيخ الطوسي: 387، عنه الوسائل: ج 27/ 102- ح 79 باب وجوب العمل بأحاديث النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) . و في الحديث عن أبي محمد الحسن بن علي (عليهم السلام): انه سئل عن كتب بني فضال. فقال: خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا.

(2) وجه التأمل: (ان الأخبار الواردة إنما دلّت على عدم قدح انحرافهم في العمل بما رووا و حال الإستقامة، و أما عدم اعتبار العدالة حين التحمّل و كفاية مجرد العدالة حين الإخبار فلا بد أن يستفاد من إطلاقها و ليس لها إطلاق بعد فرض ورودها في الأشخاص الغير المختلفين حالتي التحمل و الاخبار من حيث العدالة و الفسق فتدبر). منه (دام ظلّه) العالي.

20

و أمّا دلالة التّعليل فهي من جهة استقلال العقل بقبح التّعليل بالعلة المشتركة، الرّاجع إلى نفي العليّة عن العلّة بعد فرض اشتراكهما في احتمال الخطأ من جهة الحدس و الاعتقاد.

و هذا كما ترى لا ينافي تطرّق احتمال التّعبّد في خبر العادل أيضا حتّى يقال: بعدم الفرق بينه و بين خبر الفاسق من هذه الجهة. فمرجع ما ذكر عند التأمّل إلى دلالة الآية بالنّظر إلى التّعليل على عدم حجيّة خبر الواحد رأسا، عادلا كان المخبر أو فاسقا كما سيأتي بيانه مشروحا عند البحث عن حجيّة خبر الواحد.

و الكلام في المسألة على ما عرفت على تقدير دلالة الآية على حجيّة خبر العادل، فإنّ الفرق بينه و بين خبر الفاسق إنّما هو في مرتبة الاحتمال و كونه ضعيفا في خبر العادل- بالنّظر إلى ملكة العدالة الرّادعة عن التّعمّد في الكذب- دون خبر الفاسق، فيجب التّبيّن و تحصيل الاطمئنان من الخارج.

(5) قوله (قدّس سرّه‏): (فإن قلت: إنّ مجرّد دلالة الآية على ما ذكر ... إلى آخره). (ج 1/ 181)

أقول: حاصل ما أفاده (قدّس سرّه‏) من السّؤال: أنّ الاستدلال بالآية في المقام إنّما هو بعد البناء على دلالتها على حجيّة خبر العادل الّتي يرجع إلى البناء على صدقه فيما يخبر عنه و كون خبره مطابقا للواقع.

و لازم هذا المعنى- كما ترى- عدم الاعتناء بجميع الاحتمالات المتطرّقة في خبره الملازمة على تقدير المطابقة لعدم مطابقة الخبر للواقع هذا. مضافا إلى إطلاق عدم وجوب التّبين في جانب المفهوم.

21

(6) قوله (قدّس سرّه‏): (قلت: إذا ثبت ... إلى آخره). (ج 1/ 182)

أقول: لا يخفى عليك أنّ ملخّص الجواب عن السؤال المذكور يرجع إلى أنّه بعد البناء على إناطة الحكم في الآية منطوقا و مفهوما على الفسق و العدالة من حيث الطّريقيّة- على ما عرفت سيّما بملاحظة التّعليل المذكور فيها- فلا محالة يحكم بكون الآية مسوقة لبيان قبول خبر العادل و تصديقه و عدم الاعتناء بكلّ احتمال في خبره يكون للعدالة دخل في ضعفه، لا القبول من جميع الجهات و الحيثيّات، و نفي الاعتناء بتمام الاحتمالات.

كيف! و هذا لا يجامع ابتناء الآية على الطّريقيّة و التّفكيك بحسب الاحتمالات في مرحلة الظّاهر، و نفي بعضها دون آخر أمر معقول؛ فالتّبيّن الخارجي ليس شرطا في العمل بخبر العادل من حيث ما للعدالة دخل في ضعفه و إن كان شرطا فيه من جهة الاحتمال الّذي يتطرّق في خبر العادل و الفاسق على نهج واحد.

و لا يلزم من نفي بعض الاحتمالات بالآية الشّريفة دون بعض اللّغوية أيضا؛ فإنّه إذا كان هناك ما يقضي به نفي سائر الاحتمالات المتطرقة كاحتمال الخطاء و السّهو في مرحلة الظّاهر كما في الإخبار عن الأمور المحسوسة عن حسّ أو عن الأمور الغير المحسوسة المستندة إلى المبادي‏ء و اللّوازم و الآثار الحسيّة عن حسّ، كما في الإخبار عن الملكات؛ لمشاهدة لوازمها و آثارها؛ حيث إنّ العقلاء و العلماء مطبقون على عدم الاعتناء باحتمال الخطأ و السّهو في الإخبار الحسّي عن هذه الأمور فتنفع الآية النّافية لاحتمال التّعمّد في الكذب عن خبر العادل إذا كان المخبر بالأمور المذكورة عادلا.

22

فإمّا تنزّل الآية على الإخبار عن هذه الأمور، كما ربّما يستظهر من عبارة «الكتاب». و إمّا لا تنزّل عليه، و تنفع في الإخبار عنها على ما هو التّحقيق، و لا يأباه «الكتاب» أيضا فتأمّل.

و على التّقديرين لا يمكن الاستدلال بها على نفي سائر الاحتمالات.

نعم، فيما فرض انتفاء سائر الاحتمالات فيه بحكم القطع الحاصل من الأمور الحدسيّة يستدلّ بالآية الشّريفة على نفي احتمال تعمّد الكذب في مرحلة الظّاهر إذا أخبر به العادل. فعلى الوجه الأوّل تنزّل الآية على ما فرض انتفاء سائر الاحتمالات فيه و لو بحكم الشّرع الكاشف عنه بناء العقلاء و العلماء على العمل بأصالة عدم السّهو و الخطأ و ليس في هذا- كما ترى- تقييد و تخصيص في الآية أصلا، لا منطوقا و لا مفهوما بل هو تقيّد و تخصّص. مع أنّه لو سلّم كونه تقييدا و تخصيصا، فالقرينة عليهما نفس الآية، من حيث كونها مسوقة- على ما عرفت- لعدم الاعتناء بما للعدالة دخل في تضعيفه من الاحتمالات دون مطلق الاحتمال.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر: فساد التمسّك بإطلاق المفهوم- على ما أشرنا إليه في توضيح السّؤال-؛ ضرورة أنّه لا إطلاق للآية منطوقا و مفهوما لنفي غير احتمال التّعمّد أصلا، و لا ظهور لها في ذلك جزما.

23

(7) قوله (قدّس سرّه‏): (نعم، لو كان المخبر ممّن يكثر ... إلى آخره). (ج 1/ 182)

عدم الجدوى في الاستدلال بآية النبأ فيما لم يحكم فيه بنفي سائر الإحتمالات‏

أقول: الاستدراك الّذي أفاده ممّا لا بدّ منه على ما أفاده في المراد من الآية على ما عرفت توضيحه؛ فإنّ حاصله يرجع إلى عدم الجدوى للآية فيما لم يحكم فيه بنفي سائر الاحتمالات من غير فرق بين الإخبار عن الحسيّات و الحدسيّات، كما هو المستظهر من جميع ما دلّ على اعتبار إخبار العادل من حيث الطّريقيّة- سواء كان في الأحكام أو الموضوعات- و لازم ذلك اشتراط الضّبط في الرّاوي و الشّاهد و انحصار فائدتها فيما انتفي و لو ظاهرا؛ من جهة عدم جريان أصالة عدم النّسيان و الخطأ في إخباره عن الأمور الحسيّة.

كما أنّ لازمه اعتبار إخبار العادل عن الأمور الغير الحسيّة، لمشاهدته لوازمها و آثارها كالإخبار عن الملكات.

كما أنّ لازمه عدم اعتبار إخبار العادل عن الأمور الحسيّة، إذا علم استناده إلى الحدس.

فاعتبارهم للضّبط في الرّاوي و الشّاهد كحكمهم بعدم اعتبار الشّهادة المستندة إلى الحدس؛ إنّما هو من جهة عدم ما يقضي بنفي جميع الاحتمالات في الرّاوي و الشّاهد، و عدم جريان أصالة عدم الخطأ في حق غير الضّابط و الشّهادة الحدسيّة لا من جهة دليل خاصّ خارجيّ مخصّص للآية و غيرها- ممّا دلّ على حجيّة رواية العادل و شهادته كما توهّم، أو استظهار الحسّ من لفظ الشّهادة كما

24

زعم- حتّى يناقش: بمنع أخذ الحسّ في مفهوم الشّهادة بأنّه لا شبهة في كون استعمالها حقيقة في الشّهادة بالتّوحيد و الرّسالة و نحوهما مع عدم كونها من الأمور الحسيّة، مع أن الحكم ليس متعلّقا على لفظ الشّهادة في جميع أدلّة اعتبار خبر العدل في الموضوعات، بل على لفظ البيّنة في بعضها.

نعم، قد يستظهر من بعض أخبارها مثل قوله (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) : «إذا رأيت مثل هذا فاشهد و إلّا فدع» (1)- اعتبار الحسّ و اشتراطه في حجيّتها، لكنّه أيضا لا يخلو عن مناقشة مذكورة في محلّها، غير مختفية على المتأمّل، فلا حاجة إلى الدّليل من الخارج بعد قصور دليل الاعتبار، و كون الأصل المسلّم عندهم عدم اعتبار مشكوك الاعتبار.

نعم، لو كان المعتبر في مقام نظر العادل و ترجيحه و رأيه و اعتقاده بحيث كان اعتبار خبره من حيث كونه طريقا إلى اعتقاده المعتبر بالفرض و لو كان من جهة كون اعتقاده أقرب إلى الواقع من اعتقاد من أمر بالرجوع إليه لم يكن معنى لاعتبار الحسّ أصلا، كما في الفتوى.

و الحاصل: أنّ الفرق ظاهر بين كون المعتبر إخبار العادل عن الواقع- من‏

____________

(1) الحديث في الشرائع: ج 4/ 132، عنه وسائل الشيعة: ج 27/ 342 باب «انه لا تجوز الشهادة إلّا بعلم» ح 3 و قد أورده الشيخ الطوسي في المبسوط: ج 8/ 180 و المحقق (قدّس سرّه‏) أخذه منه و الحديث عامي لا أصل له في تراثنا أنظر المجموع: ج 20/ 261 و كذا المغني لابن قدامة: ج 12/ 19، و الشرح الكبير: ج 12/ 7، و كشاف القناع: ج 6/ 517، و جواهر العقود: ج 2/ 347، و نصب الراية: ج 5/ 82، و كنز العمّال: ج 7/ 23 حديث رقم: 17782، و سبل الهدى و الرّشاد: ج 9/ 218- إلى غير ذلك.

25

حيث كونه طريقا إليه- و بين كون المعتبر اعتقاده بالواقع- و لو كان بملاحظة الطريقيّة- من غير فرق بين الموضوعات و الأحكام.

فكلّما كان مفاده اعتبار خبر العادل من الحيثية الأولى فمفاده عدم الاعتناء بخصوص احتمال تعمّد كذبه في الإخبار، لا البناء على تصويبه في اعتقاده و نظره.

و كلّما كان مفاده اعتبار خبره من حيث كشفه عن اعتقاده المعتبر في الحقيقة؛ فالمستفاد منه البناء على تصويبه في اعتقاده في مرحلة الظّاهر- و لو من جهة كون اعتقاده طريقا- و المستفاد من الآية و أمثالها- ممّا دلّ على حجيّة خبر العادل في الأحكام و الموضوعات من حيث كشفه عن الواقع- هو الوجه الأوّل.

و المستفاد لما دلّ على رجوع العامي إلى المجتهد في الأحكام الشّرعيّة- هو الوجه الثّاني.

و من هنا لم يستدلّ أحد من الأصحاب على وجوب التّقليد بآية النّبأ، و استدلّوا عليه بآيتي النّفر و السّؤال، بالتّقريب الّذي سيأتي بيانه في محلّه.

(8) قوله (قدّس سرّه‏): (فإن قلت: فعلى هذا ... إلى آخره). (ج 1/ 183)

أقول: هذا السّؤال متوجّه على التّقريب الّذي بنى عليه الأمر في المراد من الآية، و كون المقصود منها: اشتراط التّبين الخارجي عن حال خبر الفاسق؛ من حيث احتمال التّعمد في الكذب من جهة عدم ما يوجب مرجوحيّته من الدّاخل.

بخلاف خبر العادل الموجود فيه ما يوجب مرجوحيّة الاحتمال المذكور، مع مساواتهما من جهة سائر الاحتمالات.

فإذا فرض إخبار الفاسق عن الموضوعات عن حسّ بعنوان الشّهادة مع‏

26

القطع بعدم تعمّده للكذب، فاللّازم- على ما ذكر- قبوله؛ لفرض انتفاء احتمال التّعمّد و انتفاء سائر الاحتمالات شرعا بالأصول العقلائيّة المعتبرة شرعا. بل هو أولى من شهادة العادل مع عدم القطع بانتفاء احتمال التعمّد، و هكذا الأمر في غير الشّهادة ممّا حكم فيه شرعا بإلغاء خبر الفاسق مطلقا و لو مع القطع بعدم تعمّده للكذب فيما يجري فيه أصالة عدم الخطأ و السّهو، لا مثل الفتوى و نحوها.

(9) قوله (قدّس سرّه‏): (قلت ليس المراد ... إلى آخره). (ج 1/ 183)

أنحاء اعتبار العدالة في الشرع‏

أقول: ملخّص الجواب عن السّؤال المذكور: أنّ اعتبار العدالة في الشّرع على أنحاء و أقسام: فإنّه قد يكون اعتبارها بعنوان الطّريقيّة المحضة- الّذي عرفت تفصيل القول فيه في طيّ بيان المراد من الآية الشّريفة- و قد يكون بعنوان الموضوعيّة المحضة- كما في بعض المواضع- و قد يكون بعنوان الأمرين، و يلاحظ فيه الجهتان.

فما كان من الأوّل يحكم بقيام الفاسق مقام العادل عند القطع بعدم عصيانه، إذا كان هناك أصل شرعيّ أو عقليّ يقتضي مطابقة خبره و فعله للواقع من سائر الجهات.

و من هنا لا نضايق من القول بجواز توصية الفاسق و توليته و قيموميّته إذا فرض القطع بعدم خيانته، بل يجوز العمل له واقعا إن لم نعلم بعدم خيانته، فيما كان بانيا على إحراز الواقع بينه و بين ربّه، و إن كنّا نمنعه عن التّعدي فيما لم يعلم بحاله.

و ما كان من أحد الأخيرين لا يحكم فيه بقيام الفاسق مقام العادل و التّسوية

27

بينهما في صورة القطع بعدم عصيان الفاسق؛ ضرورة أنّ العدالة قابلة لأن يعتبر بكلّ واحد من العناوين المذكورة. و من هنا قام الإجماع و دلّت الأخبار على اعتبارها في الشّاهد الملحوظ فيه جهة الموضوعيّة؛ غاية الأمر عدم دلالة الآية إلّا على اعتبارها بعنوان الطّريقيّة.

فإن كان الغرض من السؤال إبطال ما ذكرنا في المراد من الآية- بما ذكره من عدم قبول شهادة الفاسق- فلا توجّه له أصلا؛ لأنّه إنّما يتوجّه على تقدير إرادة نفي قابليّة الموضوعيّة عن العدالة لا على تقدير عدم دلالة الآية.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّهم استدلّوا على اعتبار العدالة في الشّاهد و عدم قبول شهادة الفاسق بالآية الشّريفة، و الجواب المذكور إنّما يستقيم فيما لو كان الدّليل على اعتبار العدالة في الشّاهد غير الآية، و ليس الأمر كذلك. ألا ترى أنّهم تكلّفوا في المفهوم؟

و جعلوا القول في طرف المفهوم تارة مهملة، لكي يصحّ الاستدلال بها في البيّنة. و أخرى مطلقة؛ من حيث إنّ كلّ واحد من الشّاهدين في الموضوعات لا يجب التّبيّن في خبره. و من هنا أمر (قدّس سرّه‏) بالتّأمّل في الجواب.

و إن أمكن التّأمّل فيه: بأنّ غرضهم الاستدلال بالآية في الجملة و لا ينافي ذلك اعتبارهم للعدالة بعنوان الموضوعيّة من دليل آخر، هذا كلّه.

مع أنّ اعتبار الموضوعيّة يمنع من التّعدي إلى خبر الفاسق و إن لوحظ الطّريقيّة في اعتبار العدالة أيضا، فكأنّهم فهموا اعتبار الأمرين.

و من هنا ذهب غير واحد إلى عدم اعتبار خبر الفاسق في الأحكام الشّرعيّة مطلقا و هذا و إن كان مخالفا لما يقتضيه التحقيق في معنى الآية، إلّا أنّه بناء عليه‏

28

أيضا يبقى توهّم التّعميم في الآية لنفي جميع الاحتمالات؛ حيث إنّ الطّريقيّة الموجودة في الآية القابلة للملاحظة، ليست إلّا مرجوحيّة التّعمّد بالنّظر إلى ملكة العدالة فتدبّر.

نقل كلام صاحب الفصول لإثبات عموم الآية

ثمّ إنّه قد ظهر ممّا أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه‏)- في تقريب عدم العموم للآية لكلّ خبر- ضعف ما أفاده بعض أفاضل المتأخّرين في «فصوله» لإثبات عموم الآية بعد التّمسّك لحكم نقل الإجماع و حجيّته بجملة ممّا دلّ على حجيّة الرّوايات بدعوى شمولها للنّقل عن المعصوم (عليه السلام) و لو بالالتزام و الحدس. حيث قال ما هذا لفظه-:

«و منها: آية النّبأ فهي و إن كانت عندنا غير مساعدة على قبول خبر الواحد إلّا أنّ جماعة ذهبوا إلى دلالتها عليه بالمفهوم. و على تقديره يتناول المقام أيضا؛ فإنّ ناقل الإجماع منبئ عن قول المعصوم (عليه السلام) فيجب قبوله.

و اعترض: بأنّ النّبأ و ما يرادفه كالخبر إنّما يطلق على نقل ما استند إدراكه إلى الحسّ كالسّماع و المشاهدة. و بهذا فارق الفتوى؛ فإنّها عبارة عن نقل ما استند إدراكه إلى الدّليل و الحجّة» (1).

إلى أن قال: «و ضعفه ظاهر؛ لأنّه إن أريد أنّ النبأ لا يطلق إلّا على الأشياء الّتي من شأنها أن تدرك بالحسّ و إن أدركه المخبر بطريق الحدس و شبهه، فهذا لا ينافي المقصود؛ فإنّ المخبر عنه هنا قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره. و هو أمر

____________

(1) الفصول الغروية: 259.

29

من شأنه أن يدرك بالحسّ و إن كان طريق النّاقل إليه الحدس.

و إن أريد أنّه لا يطلق النّبأ إلّا على ما كان علم المخبر به بطريق الحسّ فواضح الفساد؛ للقطع بأنّ من أخبر عن إلهام أو وحي أو مزاولة بعض العلوم كالنّجوم يعدّ منبئا و مخبرا. قال اللّه تعالى حكاية عن عيسى (عليه السلام) وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ‏ (1). و لا ريب أن إخباره (عليه السلام) لم يكن عن حسّ.

و مثله قوله تعالى في غير موضع ...) (2). إلى آخر ما ذكره من الاستشهاد بالآيات الّتي أطلق النّبأ فيها على المعنى الأعم.

ثمّ قال:

«و كذا الكلام فيما دلّ على حجيّة خبر الواحد من الأخبار لما عرفت من شمول الخبر و مرادفاته لنقل الإجماع» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و قد عرفت: أنّ الوجه في عدم العموم، ليس عدم إطلاق النّبأ على النّبأ الحدسي، بل عدم دلالة الآية إلّا على نفي احتمال التّعمد في الكذب عن العادل في مرحلة الظّاهر، هذا كلّه.

مع أنّ الإطلاق الّذي ادّعاه أعمّ من الحقيقة و الحقيقة أيضا لا توجب جواز التّمسك؛ إذ ربّما يكون الظّاهر من المطلق بعض أفراده عند الإطلاق، و أضعف من التّمسّك بالآية التّمسك بالأخبار في المقام، مع أنّك قد عرفت سابقا وضوح‏

____________

(1) آل عمران: 49.

(2) الفصول الغرويّة: 259.

(3) نفس المصدر: 259.

30

اختصاصها بالرّوايات المقابلة لنقل الإجماع.

(10) قوله (قدّس سرّه‏): (الأمر الثّاني: أنّ الإجماع في مصطلح الخاصّة ... إلى آخره). (ج 1/ 184)

حقيقة الإجماع و وجه حجّيّته‏

أقول: لمّا توقّف تحقيق حال نقل الإجماع من حيث دخوله في الكليّة المستفادة من آية النّبأ و خروجه عنها على معرفة حقيقة الإجماع و بيان المراد منه و وجه حجيّته؛ فأورد (قدّس سرّه‏) الكلام فيه و في وجه حجيّته.

فنقول- اقتفاء لأثره-: إنّ الإجماع في اللّغة أطلق على معنيين: أحدهما:

العزم و منه (لا صيام لمن لم يجمع الصّيام من اللّيل) (1) و [ثانيهما] الاتفاق، و منه قولك (أجمع القوم على كذا) إذا اتّفقوا عليه، و ذكر غير واحد: أنّه نقل من المعنى الثّاني الّذي هو مطلق الاتفاق في اصطلاحهم إلى اتّفاق خاص، نقلا من العامّ إلى الخاص، كما هو الشّائع في باب النّقل.

و يظهر من المحقّق (قدّس سرّه‏) فيما يأتي من كلامه-: أنّه مأخوذ من المعنى الأوّل حيث إنّه قال- في ردّ بعض الأصحاب-: «إنّ المذهب لا يصار إليه من إطلاق اللفظ؛ فإنّ الإجماع مأخوذ من قولهم أجمع على كذا إذا عزم عليه هذا» (2).

و يمكن أن يقال: أن مراده أخذ العزم فيه مضافا إلى الاتّفاق، كما أنّ مرادهم من الاتّفاق الخاص: هو الاتّفاق بحسب الآراء مع الخصوصيات الأخر- الّتي‏

____________

(1) سنن النسائي: ج 4/ 197، و السنن الكبرى للبيهقي: ج 4/ 202 و 221.

(2) الرسائل التسع للمحقق الحلي، رسالة العزية- المسألة السابعة: 144 بإختلاف يسير.

31

ستمرّ عليك- فالعزم و القصد مأخوذ فيه على كلّ تقدير، فتدبّر.

ثمّ إنّه قد اختلفت كلمات الخاصّة و العامّة في المعنى الاصطلاحي اختلافا يرجع إلى اعتبار خصوص العلماء في المجمعين و ما يرادفه كأهل الحلّ و العقد أو مطلق الأمّة و إلى اعتبار الأمر الدّيني في متعلّقه و عدمه و إلى اعتبار العصر الواحد و عدمه و إلى اعتبار اتفاق الجميع كما هو صريح العامّة و أكثر الخاصّة أو الأعمّ منه و من الجماعة الخاصّة كما اختاره غير واحد من المتأخّرين كما ستقف عليه.

ثمّ إنّ هذا إنّما هو في لفظ الإجماع بقول مطلق. و أمّا الإجماع المضاف إلى جماعة خاصّة كإجماع الصّحابة و التّابعين أو أهل المدينة أو أهل البيت و نحوها فمعلوم أنّه لا يراد منه في كلماتهم المعنى المراد من الإجماع بقول مطلق.

المعتبر في الإجماع الاصطلاحي هو اتفاق الكل و الأقوال في ذلك‏

و نحن نورد جملة من كلماتهم في هذا الباب حتّى يعلم صدق ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه‏)(1): من استقرار اصطلاح الفريقين على اعتبار اتفاق الكلّ في الإجماع الاصطلاحي الّذي هو الأصل للعامّة؛ باعتبار أنّه أصل مستقلّ في قبال الأدلّة الثّلاثة عندهم دون الخاصّة كما ستعرف، أو باعتبار كونه دليلا على مذهبهم في أمر الخلافة و هم الأصل له من حيث إنّهم ابتدءوا في عنوانه و التّمسك‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 1/ 184.

32

به و تأسيسه‏ (1)، كما ستعرف من السيّد علم الهدى (قدّس سرّه‏) و غيره، في قبال غير واحد من المتأخّرين الّذين زعموا: أنّه في الاصطلاح هو مطلق الاتّفاق الكاشف من غير أخذ اتّفاق الكلّ فيه.

فنقول: إنّه عرّفه الغزّالي- على ما حكي عنه-: «بأنّه اتّفاق أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) على أمر من الأمور الدّينية» (2). و عن فخر الرّازي: «أنّه اتّفاق أهل الحلّ و العقد من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) على أمر من الأمور الدّينيّة» (3). و عن الحاجبي: «أنّه اجتماع المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر» (4).

إلى غير ذلك من كلماتهم الصّريحة في أخذ اتّفاق الكلّ في تعريفه و إن اختلفت من الحيثيّات و الاعتبارات الّتي عرفت الإشارة إليها. و الجمع بينها، و إن‏

____________

(1) قال المجدّد المؤسس الطهراني (رضوان اللّه تعالى عليه) :

«إن الإختلاف بين اصحابنا و بين المخالفين ليس في مدرك حجّيّته و إنّما هو في نفس الحجّيّة كما قال الأستاذ [الأنصاري‏] (قدّس سرّه‏):

«إن الإجماع في مصطلح الخاصّة بل العامّة الذين هم الأصل له و هو الأصل لهم» فإنه صريح في انه لا مستند للإجماع إلّا وضعهم له، فهم الأصل له، و لا يستند إليه إلّا هؤلاء، و هو معنى قوله: و هو الأصل لهم.

أو أنهم لولاه لم يكن لهم مدرك لنسخ الوحي الإلهي و نصب أصنامهم و عزل خليفة اللّه و إزالته عن مقامه». إنتهى محجّة العلماء: ج 1/ 273

(2) المستصفى للغزالي: 1/ 173، و المنخول: 399.

(3) المحصول: ج 4/ 20.

(4) حكاه الفصول الغرويّة: 242، و انظر القوانين: ج 1/ 346 عن مختصر الحاجبي مخطوط، و الإحكام للآمدي: 1/ 254.

33

أمكن بما يرفع الاختلاف كما صنعه غير واحد، إلّا أنّا لسنا في صدد ذلك.

و أمّا الخاصّة فأكثر كلماتهم ينادي بأعلى صوتها بأخذ اتّفاق الكلّ في حقيقة الإجماع في مقام تعريف الإجماع و غيره. و يكفي في ذلك ما حكاه في «الكتاب» (1) عن العلّامة في «التّهذيب» (2) و غيره‏ (3) في غيره، و اعتذارهم عن المخالف بانقراض عصره، و دعواهم عدم الاعتداد بقول الميّت من حيث انعقاد الإجماع على خلافه ميّتا لا حيّا، و المدارك المذكورة في كلماتهم لحجيّته من الدّخول و اللّطف و غيرها ممّا سيأتي الإشارة إليه.

و أصرح من جميع ذلك في اتّحاد معنى الإجماع عند الفريقين ما حكي عن السيّد (قدّس سرّه‏) في دفع السّؤال عن نفسه- بعد الحكم بأنّ الوجه في حجيّة الإجماع كشفه عن دخول الإمام (عليه السلام): «بأنّه إذا كان كذلك فما الفائدة في ضمّ قول الغير؟ و ما الوجه في جعله دليلا مستقلا في قبال الأدلّة الثّلاثة بعد رجوعه إلى السّنة-: بأنّا لسنا بادين بالحكم بحجيّة الإجماع حتّى يرد كونه لغوا و إنّما بدأ بذلك المخالفون، و عرضوا علينا فلم نجد بدّا من موافقتهم عليه؛ لعدم تحقق الإجماع الّذي هو حجّة عندهم في كلّ عصر إلّا بدخول الإمام (عليه السلام) في المجمعين- سواء اعتبر إجماع الأمّة أو المؤمنين أو العلماء- فوافقناهم في أصل الحكم؛ لكونه حقا في نفسه، و إن خالفناهم في علّته و دليله» (4). انتهى ما حكي عنه.

____________

(1) فرائد الاصول: 184.

(2) تهذيب الاصول للعلّامة: 65.

(3) كصاحب غاية البادي مخطوط ورقة 73، و صاحب المعالم في معالمه: 172.

(4) الحاكي هو صاحب الفصول الغرويّة في فصوله أنظر: ص 243.

34

نعم، تسامحهم في لفظ الإجماع على غير معناه المعروف حتّى اتّفاق الاثنين مع كون أحدهما المعصوم (عليه السلام) من جهة الاشتراك في الثّمرة و وجه الحجيّة كما صرّح به في «الكتاب» ممّا لا ينكر. أ ترى كون الإطلاق حقيقة في اتّفاق الاثنين؟ حاشاك ثمّ حاشاك و من هنا قال في «المعالم»: (إنّ الاطّلاع على الإجماع في أمثال زماننا من غير جهة النّقل غير ممكن) (1).

بل ستقف في «الكتاب» على أنّ المراد من الإجماع بقول مطلق في ألسنة ناقليه من الخاصّة من الطّبقة الوسطى ليس خصوص اتّفاق أهل عصر واحد بل يعتبرون موافقة أهالي الأعصار المتقدّمة إلّا من لا يعتدّ بقوله.

كلام صاحب القوانين‏

و مع ذلك كلّه فقد رأينا من المتأخّرين ما يخالف ذلك، و أنّ اصطلاح الخاصّة في الإجماع غير اصطلاح العامّة قال في «القوانين» ما هذا لفظه:

«و اختلفت العامّة في حدّه و لا فائدة في ذكر ما ذكروه و جرحها و تعديلها، فلنقتصر على تعريف واحد يناسب مذهب العامّة، ثمّ نذكر ما يناسب مذهب الخاصّة. أمّا الأوّل: فهو أنّه اتّفاق المجتهدين من هذه الأمّة على أمر دينيّ في عصر من الأعصار» (2).

إلى أن قال:

«و أمّا الثّاني: فهو اتّفاق جماعة يكشف اتّفاقهم عن رأي المعصوم (عليه السلام) فقد

____________

(1) معالم الدين و ملاذ المجتهدين: 175 ط جماعة المدرسين.

(2) قوانين الاصول: 1/ 346 ذكر الرأى العامي من مختصر الحاجبي مخطوط.

35

يوافق ذلك مع ما حدّه العامّة به و قد يتخلّف عنه» (1). انتهى ما أردنا نقله.

كلام صاحب الفصول‏

و قال في «الفصول» بعد جملة كلام له في تعاريف القوم نقضا و إبراما ما هذا لفظه:

«فالصّواب أن يعرف الإجماع- على قول من يعتبر دخول المعصوم (عليه السلام) في المتّفقين على وجه لا يعرف نسبه-: بأنّه اتّفاق جماعة يعتبر قولهم في الفتاوى الشّرعيّة على حكم ديني بحيث يقطع بدخول المعصوم (عليه السلام) فيهم، لا على التّعيين- و لو في الجملة- أو اتّفاق جماعة على حكم ديني يقطع بأنّ المعصوم (عليه السلام) أحدهم لا على التّعيين مطلقا» (2).

إلى أن قال- بعد جملة كلام له-:

«و لو عرّف الإجماع بأنّه: الاتّفاق الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) على حكم دينيّ كان أخصر و أجمع» (3) انتهى كلامه رفع مقامه.

كلام الفاضل النراقي‏

و قد ذكر بعض المتأخّرين ممّن قارب عصرنا في «مناهجه»:

«أنّ حقيقة الإجماع بحسب الأقوال المختلفة في مدرك اعتباره يختلف‏

____________

(1) قوانين الاصول: 1/ 346.

(2) الفصول الغروية: 243.

(3) الفصول الغرويّة: 243.

36

بحسب الاصطلاح و أنّه يقارب عرف السيّد و العامّة في الإجماع و اتحاد موردهما غالبا، و إن اختلفوا في وجه الحجيّة» (1).

ثمّ قال- بعد جملة كلام له-:

«و هذا هو السّر في تفسير المتأخّرين بأنّ الاتّفاق الخاصّ الّذي هو الإجماع عند الخاصّة مغاير له عند العامّة و تعريفهم له تارة بعرف العامّة و أخرى بعرف الخاصّة» (2) انتهى كلامه.

مقتضى التحقيق‏

و الّذي يقتضيه التّحقيق في المقام أن يقال: إنّ الالتزام بتغاير الاصطلاح بين العامّة و الخاصّة بقول مطلق- كما عرفت عن «القوانين»- أو بحسب الأقوال المختلفة في مدركه- كما عرفت عن هذا الفاضل- كما ترى؛ فإنّ تغاير الاصطلاح في لفظ واحد عند الفرق المختلفة و إن لم يكن أمرا بعيدا منكرا بل واقع كثيرا إلّا أنّ الكلام في وقوعه في المقام.

نعم، الإنصاف تغاير الإرادة بحسب الاختلاف في المدرك؛ فإنّ المراد من الإجماع عند الشيخ- المبني على قاعدة اللّطف- غيره عند السّيد و موافقيه- المبني على الدّخول- و عند المتأخّرين- المبني على الحدس- و إن لم يرجع إلى المجاز في الكلمة من حيث الادّعاء و التنزيل، بل إطلاق الإجماع على اتّفاق علماء الخاصّة، مع أنّهم بعض علماء الأمّة مبنيّ على الادّعاء و التّنزيل و المسامحة

____________

(1) مناهج الاصول: 191 عند قوله: الفصل الثالث: في الإجماع.

(2) مناهج الاصول: 191.

37

و على تقدير المجازيّة أيضا لا يلزم تغاير الاصطلاح هذا بعض الكلام في معنى الإجماع.

وجه حجّيّة الإجماع‏

و أمّا وجه حجّيّته فلا إشكال في اختلاف طريقة الفريقين فيه كما ينادي بذلك كلماتهم.

و المعروف بين العامّة في وجهه أحد الأمرين: أحدهما: كونه كاشفا قطعيّا عن الواقع. ثانيهما: كونه دليلا تعبّديّا. و على كلّ تقدير يكون في قبال الأدلّة الثّلاثة. و لا غرض لنا في المقام في شرح القول في هذه الطّريقة. مع أنّه على تقدير فائدة في نقلهم للإجماع من الأمّة و غيره يكون مراد النّاقل منه ظاهرا.

38

وجوه حجّيّة الإجماع لدى الإماميّة

و المعروف بين الخاصّة في وجهه أحد وجوه‏ (1):

____________

(1) قال المجدّد الطهراني أعلى اللّه تعالى درجاته:

«و حيث شاع هذا التعبير [أي: الإجماع‏] و تشاكل الحق و الباطل فتشابه الأمر زعموا أنه حجّة من باب التضمّن، و حيث أنه لا سبيل إلى الإطّلاع على قول إمام من الأئمة (عليهم السلام) على وجه الجملة في زمان من الأزمنة التجأوا إلى وضع اللطف مع الإعتراف بفساده في نفسه و انه لو لا الإجماع على التمسك بالإجماع لم يكن وجه للإسناد إليه.

فظهر أن اللطف إنّما هو لتصحيح التضمّن، مع أن بينهما بونا بعيدا، و لهذا زعم من لا خبرة له: أن للإجماع مدارك مختلفة و أن التضمّن غير اللطف.

و حيث رأى الأواخر أن اللطف لا ينتج هذا المعنى كما أفاده علم الهدي (قدّس سرّه‏) فنسجوا لإعتباره مدركا آخر و هو الحدس.

فقالوا: إن اتفاق الرعيّة على حكم يكشف كشفا ضروريّا عن رأي رئيسهم.

و هذا لو تمّ كان قسما من البديهيّات، لا أن الاجماع أحد الأدلّة.

مع انه غلط صرف؛ حيث ان هذا الكشف إنّما يتم إذا كان الإتّفاق غير مستند إلى الإجتهاد و الرأي و إلّا فلا ملازمة بين توافق آراء الرعيّة و بين رأي الرئيس.

نعم، إذا كان إتفاقهم مستندا إلى مقالة رئيسهم بحيث يتلقّاه الخلف من السلف فهو نحو من الضرورة، و غاية الأمر أن دائرته أضيق من ضرورة الدين و لكنه مجرّد فرض لا وقوع له إلّا في أقلّ قليل.

و مثله من الواضحات التي لا تخفى على أهل العلم كما أن ضروري الدين لا يخفى على أهله، و أين هذا من الإجماعات التي يستندون إليها في تلك الموارد التي لا تحصى؟

39

أحدها: كونه متضمّنا للسّنة بحيث يكون دلالته عليها بالتضمّن.

و هو الّذي اختاره السيد و جماعة ممّن سلكوا طريقته، بل هو الظاهر من أكثر المتقدّمين إلى زمان صاحب «المعالم» (1). و من هنا قال العلّامة (قدّس سرّه‏) في وجه‏

____________

مع أن ما يحدث من الإجماع في زمان الغيبة الكبرى لا يحتمل أن يكون مستندا إلى مقالة الإمام (عليه السلام)؛ فإنها لو كانت لم يختص المجمعون بالإطّلاع عليها؛ فان الروايات مضبوطة معلومة في الكتب «الاصول ن خ» المعروفة و لا يختص أحد بالاطّلاع على ما فيها. فليس إلّا اجتهادات متوافقة، إتفق توافقها لو لم يكن مستندا إلى تقليد بمعنى قلّة البضاعة و عدم استطاعة المخالفة لعظم القائل في نظره كما هو الحال في من نشأ بعد الشيخ (قدّس سرّه‏).

و الحاصل: ان توافق الآراء و الإجتهادات لا يكشف عن رأى الإمام (عليه السلام) و إنما الكاشف عنه ما كان عن حس محض غير مستند إلى النظر أصلا كما هو الحال في جميع ضروريات الدين، مع أن مجرد احتمال كون الإجماع من هذا القبيل يكفي في فساده، و لا حاجة إلى إثبات أنه كذلك، مع ان كون ما تداول من الإجماع في المسائل النظريّة من هذا القبيل مما لا يخفى على المتتبّع، و كيف يخفى هذا المعنى مع ان الضروري لا يخفى إلّا على الجاهل، و لو اتفق خفاؤه على شخص لشبهة فيكفي في دفعها مجرد التنبيه و لا يحتاج إلى الإستدلال، بل نقول: إن الذي يظهر بالتتبّع و صرّح به أهل الخبرة: أن منشأ الإجماع و الشهرة غالبا إنّما هو قول من يعتمدون على نظره و إتقانه كما هو الحال فيمن نشأ بعد الشيخ (قدّس سرّه‏) من تلامذته و من يحذو حذوهم ..». إنتهى.

محجة العلماء: ج 1/ 273- 274.

(1) السيد في الذريعة: ج 2/ 605، و المفيد في أوائل المقالات: 121، و السيد ابن زهرة في الغنية و المحقق في المعتبر: ج 1/ 31، و المعارج: 132، و العلامة في النهاية: 241، و التهذيب: 65 و 70، و الشهيد في الذكرى: ج 1/ 49، و في القواعد و الفوائد: ج 1/ 217،-

40

حجيّته: (إنّ الأمّة إذا قالت بقول، فقد قال المعصوم (عليه السلام) به؛ لأنّه من الأمّة بل سيّدها و رئيسها، و الخطأ مأمون عليه» (1).

و قد ذكروا: أنّه لا يضرّ على هذه الطّريقة مخالفة معلوم النّسب ممّن يعلم كونه غير الإمام (عليه السلام) و خروجه عن المجمعين، بخلاف مجهول النّسب بحيث احتمل كونه إماما.

و المراد من عدم قدح خروج معلوم النّسب و إن كان أكثر من واحد: عدم قدحه في حجيّة أقوال غيره من حيث اشتمالها على مناط حجيّة الإجماع، لا في التّسمية؛ فإنّه قادح فيه لا محالة إلّا على وجه أشرنا إليه سابقا من الادّعاء و التّنزيل بناء على عدم كونه مجازا في الكلمة و إن كان خلاف الظّاهر.

ثانيها: قاعدة اللّطف.

و قد اختار هذه الطريقة و الوجه، الشّيخ‏ (2) و جماعة، منهم: المحقّق الدّاماد (3)؛ بل ربّما يستظهر من كلام السيّد المحكي في «العدّة» (4) في ردّ هذه الطّريقة كونها معروفة قبل الشّيخ أيضا، بل ربّما استظهر من كلّ من قال بقدح مطلق‏

____________

و الشهيد الثاني في تمهيد القواعد: 251، و صاحب المعالم في معالمه: 173، و الفاضل التوني في الوافية: 151.

(1) نهاية الوصول إلى علم الأصول: ج 3/ 133 تحقيق الشيخ البهادري (رحمه اللّه)، و كذا

مبادي‏ء الأصول: 190.

(2) عدة الاصول: ج 2/ 631 و 637.

(3) انظر كشف القناع: 145.

(4) عدة الاصول: ج 2/ 631.

41

المخالف في تحقّق الإجماع كالفخر (1) و غيره‏ (2) و لو كان معلوم النّسب. و قد أكثر في «العدّة» من القول بما هو صريح في اختياره هذه الطّريقة و أنّه لا يجوز انفراده (عليه السلام) بالقول في المسألة مع عدم دليل عليه من كتاب أو سنّة مقطوع بها، و إلّا وجب عليه الظّهور و الدّلالة على ذلك و لو بإعلام بعض ثقاته بشرط أن يكون معه معجزة تدلّ على صدقه. و يكفي لك في ذلك ملاحظة ما حكاه شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه‏) في «الكتاب» عنها.

نعم، هنا كلام في انحصار طريقته في الوجه المذكور أو مشاركته مع السيّد (قدّس سرّه‏) في الوجه المتقدّم و اختصاصه و انفراده بهذا الوجه.

فالذي جزم به شيخنا (قدّس سرّه‏)- نظرا إلى صراحة كلامه في مواضع-: الأوّل، و قد تكرّر في كلامه الحكم بعدم قادح فيما اختاره السيّد من عدم وجوب الرّدع على الإمام على تقدير اتّفاق لأمّته على الباطل، لو لا التّسالم على الاستدلال بالإجماع في الأحكام.

و صريح المحقّق القميّ (قدّس سرّه‏)- في «القوانين»-: الثاني؛ حيث قال ما هذا لفظه: «و ثانيها: ما اختار الشّيخ (رحمه اللّه) في «عدّته» بعد ما وافق القوم في الطّريقة السّابقة» (3) انتهى كلامه رفع مقامه.

و الّذي يخطر ببالي أنّه لم يلاحظ ما حكاه الأستاذ العلّامة عن «العدّة» ممّا

____________

(1) انظر إيضاح الفوائد: ج 1/ 502.

(2) كالشهيد و المحقق الثاني، انظر الذكرى: ج 1/ 44، و حاشية الشرائع للمحقق الكركي (مخطوط): 99.

(3) قوانين الاصول: ج 1/ 350.

42

هو صريح في انحصار طريقه و ليس فيها ما يدلّ على مشاركته للسيّد في الطريقة السابقة.

نعم، فيها ما يتوهّم منه في بادي‏ء النّظر ذلك- ممّا سيجي‏ء نقله في «الكتاب» مفصّلا في مسألة حجيّة خبر الواحد في مقام الاستدلال عليها بالإجماع- حيث قال- بعد إثبات الإجماع على العمل بالأخبار-:

«فلو لا أنّ العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك؛ لأنّ إجماعهم، فيه معصوم (عليه السلام) لا يجوز عليه الغلط و السّهو» (1) انتهى كلامه.

و أنت خبير: بأنّه لا يمكن رفع اليد عن صراحة كلماته بمجرّد ظهور الظّرف في بادي النّظر في الدخول و الاشتمال كما لا يخفى.

ثمّ إنّ لازم هذه الطّريقة عدم قدح مخالفة المخالف مطلقا سواء كان معلوم النّسب أو مجهوله، مع العلم بعدم إمامته إذا لم يكن معه برهان يدلّ على حجيّة فتواه. كما أنّ لازمها عدم كشف الإجماع و اتّفاق الكلّ، إذا كان هناك آية أو سنّة قطعيّة على خلاف المجمعين و إن لم يفهموا دلالتهما على الخلاف.

الوجه الثالث من وجوه حجيّة الإجماع [: الحدس القطعي‏]

ثالثها: الحدس القطعي بكون ما اتّفقوا عليه وصل إليهم من رئيسهم و إمامهم يدا بيد؛ فإنّ اتفاقهم في بعض المسائل مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل و تشتّت آراؤهم فيها- كما هو المشاهد بالعيان- يكشف عن أنّ الداعي لهم فيما اتّفقوا عليه‏

____________

(1) العدة: ج 1/ 127.

43

هو رأي صاحب عصرهم و وليّ أمرهم، كما يكون الأمر كذلك في اتّفاق تابعي سائر أولي الآراء و المذاهب.

و هذا و إن كان واضح الوقوع في زمان الحضور من حيث إنّ حصول العلم من اتّفاق خواصّ أصحاب الأئمة (عليهم السلام)- ممّن لا يصدر إلّا عن رأيهم- على أمر ديني بقول الإمام (عليه السلام)، كالضّروري بحيث لا يجوز إنكاره إلّا أنّ حصوله في زمان الغيبة أيضا ممّا لا ينبغي إنكاره.

و إن كنت في ريب من ذلك فلاحظ ما وصل إلى حدّ الضّرورة من الدّين أو المذهب من صاحب الشّرع و حصل العلم الضروري برأيه لجمع الرّعيّة مع كونه في بلاد الإسلام، فإنّك لا ترتاب في إمكان حصول العلم النّظري من تسامع العلماء و تظافرهم و اتّفاقهم على الفتوى.

بل التّحقيق ما ذكره بعض المحقّقين من المتأخّرين: من مسبوقيّة جميع الضّروريّات بالإجماعيات عند العلماء.

و كيف كان: حصول العلم بقول الإمام من الاتّفاق بحكم الحدس القطعي في الجملة ممّا لا ينبغي التّأمّل فيه و إن أطنب في تقريبه في «القوانين» و غيره بما لا يحتاج إليه، بل ربّما يخلّ بالمقصود. و من هنا ذهب إلى هذه الطريقة أكثر المحقّقين من المتأخّرين و لا يشترط فيها حصول الاتّفاق من أهل عصر واحد، بل ربّما لا يفيد أصلا مع مخالفة من تقدمهم، كما أنّه يقدح فيه مخالفة معلوم النّسب إذا كان ممّن يعتد بقوله فضلا عن مجهول النّسب.

و هذه الطّرق الثّلاثة هي المعروفة بينهم.

44

الوجه الرابع من وجوه حجّيّة الإجماع‏

و هنا طريق رابع سلكه بعض المتأخّرين من كشف الإجماع عن رأي الإمام (عليه السلام) من باب التّقرير.

و الفرق بينه و بين الطّريقة الثّالثة واضح؛ حيث إنّه يشترط في كشفه على هذه الطّريقة اجتماع جميع شروط التّقرير بخلافه على الطّريقة الثّالثة هذا.

ثمّ إنّه ذكر بعض الأعلام ممّن تأخّر و تبعه بعض الأفاضل:

أنّه قد يكون الإجماع دليلا قطعيّا فيما إذا كشف بحكم أحد الأمور المتقدّمة عن رأي الإمام (عليه السلام).

و قد يكون دليلا ظنيّا فيما كان المنكشف ظنيّا و إن كان الكاشف و كشفه قطعيّا؛ فإنّه كثيرا ما يستكشف من الإجماع عن وجود دليل ظنّي معتبر عند جميع المتّفقين في المسألة المختلفين في غالب مدارك الأحكام، فيحصل العلم بأنّ السّبب في اتّفاقهم في المسألة الخاصّة وجود ما هو معتبر عند جميعهم حتّى إذا وقفنا عليه وجدناه تامّا من جميع الجهات و الحيثيّات هذا.

نقل كلام المحقّق التستري في الإجماع المنقول‏

و لبعض أفاضل مقاربي عصرنا كلام في طرق الإجماع، أنهاها إلى اثنتي عشرة فيما صنّفه في المواسعة و المضايقة لا بدّ من إيراده قال (قدّس سرّه‏)- بعد جملة كلام له متعلّق بالمقام- ما هذا لفظه:

«و ينحصر ذلك في وجوه:

45

الأوّل: أن يستكشف عادة رأي الإمام (عليه السلام) لكونه المتبوع المطاع من اتّفاق الأصحاب و الأتباع و يعلم ذلك بالاطّلاع على ما عليه الإماميّة أو علماؤهم قولا و فعلا و التّصفّح لأصولهم و مصنّفاتهم قديما و حديثا حتّى يعرف ما هم عليه من قديم زمان الدّهر بلا ريبة و اشتباه، و يعلم أنّه مذهبهم بحيث لا يعرف لهم سواه فيقطع عند ذلك أنّهم أخذوه يدا عن يد عن رئيسهم و قدوتهم في أحكامهم و لم يخترعوه من تلقاء أنفسهم بمقتضى أهوائهم و أفهامهم.

و متى علم ذلك و بدا ما هنا لك و انكشف قول أحد الأئمّة (عليهم السلام) ممّن كان له أقوال معروفة، تبعه علم أقوال سائر الأئمّة (عليهم السلام) أيضا حتّى الإمام الغائب المستور (عجّل اللّه فرجه) و سهّل مخرجه و كذا قول النّبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) أيضا لاتّحاد مقالة الجميع، إلّا أنّ معرفة قول بعضهم ابتداء: من جهة المتابعة المحكوم بها بمقتضى العادة.

و معرفة قول الباقين: من جهة الأصول القطعيّة العقليّة و الشّرعيّة الثّابتة بعد البناء على حكم العادة، و لا فرق فيما ذكر بين أن يتفرّد الإماميّة أو علماؤهم بالحكم أو يشاركهم فيه سائر الأمّة أو بعضهم.

و ربّما يستغنى- على هذا الوجه في برهة من الأعصار و جملة من الأحكام- عن الوقوف على أقوال الجميع بالاطّلاع على ما يحصل منه الاستكشاف المذكور و إن وقع الخلاف في الحكم من بعضهم ممّن ليس بإمامهم أو لم يحصل الاستقصاء لآراء جميعهم.

الثّاني: أن يستكشف عقلا قول الإمام الغائب (صلوات اللّه عليه و على آبائه) من وجود مجهول النّسب في المجمعين واحدا كان أو أكثر متّحدي الرّأي و نفي الإمامة عمّن عداه؛ فإنّه يلزم حينئذ اختصاصها به، فيكون قوله حجّة لا محالة.

46

و هذا الوجه إنّما يتصور حيث استقصي أقوال جميع العلماء أو علماء العصر بقول مطلق و وجد فيها قول متميّز معلوم لغير معلوم، أو أقوال كذلك، أو علم دخول قول الإمام (عليه السلام) في جملة أقوال الأمّة غير متميّز منها، و استقصي أقوال الذين لم يعرف نسبهم للعلم بعدم خروجه منهم، أو علم قوله إجمالا في جملة أقوال غير المعروفين بالحدس المقتضي للعلم الإجمالي باتّفاق الجميع من جهة النّظر في الأدلّة و نحوها، أو قياس الغائب على الشّاهد و المجهول على المعلوم، أو التّضافر و التّسامع الوارد من كلّ ناحية بالنّسبة إلى جميع علماء الأمّة أو الإماميّة؛ بحيث يتناول الخلف الحجّة، أو عدم نقل الخلاف الدّال على اتّفاق الكلّ، أو ما استفيد من جملة من ذلك، أو الجميع، إلا أنّه لا وجه لاعتبار جهالة الاسم و النّسب في جملة من هذه الصّور مع ما فيه من إساءة الأدب، إلّا على ضرب من التّأويل لا يخفى على من تأمّل.

و يلحق بهذا الوجه أن يحصل استكشاف قول أحد الأئمة (عليهم السلام) من وجدان مجهول الصّفة أو الإمامة في المجمعين الّذين أحدهم الإمام يقينا و إن علم نسب الجميع. و هذا قد يتّفق قبل تعيين الإمام (عليه السلام) مع العلم بوجوده في العصر أو البلد أو المجلس أو الجماعة المعيّنة أو يحصل الاستكشاف من تواتر النّقل عن أهل بلد أو عصر هو فيهم و إن لم يعلم قوله بعينه مع العلم بشخصه.

الثّالث: أن يستكشف عقلا رأي الإمام من اتّفاق من عداه من علماء الطّائفة المحقّة الموجودة في عصره خاصّة، أو مع غيرهم من العلماء على حكم، و استقراء مذهبهم عليه مع عدم ردعه لهم ابتداء و لا ردّهم عنه بعد وقوعه بأحد الوجوه الظّاهرة أو الخفيّة أو الممكنة في حقّه؛ فإنّ ذلك يكشف بقاعدة اللطف الموجبة

47

لنصبه و عصمته عن صحّة ذلك الحكم واقعا و حقيقة، كيلا يلزم سقوط التّكليف في ذلك بما أتى به النّبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) و استقرّ في شريعته، أو بغيره أيضا لزوال منشأه، أو حكمه، أو ثبوته بما لا طريق للعلماء و غيرهم إلى معرفته مع عدم تقصير كثير في النّظر و سائر ما يتعلّق به و عجزهم عن رفع أسباب خفائه و حكم الأئمّة (عليهم السلام) و علماء الإماميّة بعدالتهم و إجراء أحكامها عليهم، أو يلزم إخلال الإمام المعصوم (عليه السلام) بأعظم ما وجب عليه و نصب لأجله مع تمكّنه من فعله و إمكان تمكين اللّه له من قبله تعطيل دين الإماميّة من أصله، و لا يتوقّف حجيّة هذا الوجه بناء على ما قرّر على حجيّة الإجماع حتّى يلزم الدّور كما توهّم.

الرابع: أن يستكشف ما ذكر لا من جهة قاعدة اللّطف و ملاحظة منصب الإمامة و لوازمه، بل من جهة أنّه يجب الأمر بالمعروف و تعليمه و إنكار المنكر و تبيينه و الرّدع عنه على كلّ متمكّن من ذلك عالم بما هو الواقع و الحكمة. فكيف يخلّ المعصوم (عليه السلام) به، مع علمه بأعمال الأمّة و لا سيّما الإماميّة و وقوفه على أحوالهم و أقوالهم المتعلّقة بالشّريعة؟ فسكوته عمّا اتفّق الإماميّة أو علماؤهم عليه تقرير لهم عليه و هو حجّة مطلقا، كقوله في حضوره و غيبته و إنّما لم يجعل- هنا و فيما سبق- من السّنة لكونه منوطا بالاتّفاق و مستخرجا بالنّظر و الاستنباط لا معلوما بالمشاهدة و العيان كما في التقرير المعروف و إن تساويا في الحجيّة.

الخامس: هو أحد الوجهين الأخيرين، إلّا أنّه يعتبر الكشف عن الحكم الواصلي الّذي هو أعمّ من الواقعي الأوّلي و الظّاهري الّذي هو واقعي ثانويّ، و يقرّر الدّليل بما يناسبه.

السادس: أن يستكشف عادة وجود الحجّة العلميّة- القاطعة للعذر الموافقة

48

قطعا لرأي الإمام (عليه السلام)- من اتّفاق علمائنا الأعلام المرتقين في العلم و العمل إلى أعلى مقام على حكم من الأحكام. فإنّ تتبّع كتبهم و أسفارهم و النّظر في أحوالهم و أطوارهم و ملاحظة دقائق أنظارهم و تباين أفكارهم و شدّة محافظتهم على مخالطة أئمّتهم و هداتهم و كثرة اختلاف مسالكهم و مداركهم لمعرفة أحكامهم يكشف بالحدس الصّائب و الذهن الثاقب عن أنّهم لم يتفقوا إلّا عن حجّة قطعيّة بيّنة حاسمة للشّبه قاطعة للإعلام، و هي حجّة مطلقا و إن علمت على سبيل الإجمال.

و ربّما يستكشف بهذا الطّريق كون المدرك خبرا قطعيّا واصلا إليهم من الأئمّة (عليهم السلام) لا مطلق الحجّة العلميّة. و لعلّ ذلك يصحّح قولهم بأنّ حجيّة الإجماع لكشفه عن قول المعصوم (عليه السلام) أو للبناء على ما هو الغالب أو لغير ذلك.

و العبرة في هذا الوجه بحصول اتّفاق يكشف عادة عمّا ذكروا توارد الظّنون الموجب لذلك كما في المتواتر و يختلف هذا كثيرا باختلاف المسائل المجمع عليها و النّظر إلى الشّواهد و المنافيات كما هو ظاهر مستبين.

السّابع: أن يستكشف ممّا ذكر عن وجود الدليل المعتبر الّذي لو وقفنا عليه كما وقفوا، لحكمنا بما حكموا به و لم نتخطه و هو حجّة أيضا كالتفصيلي، و إن لم يكن موجبا للقطع بالحكم الأوّلي الواقعي. فيكون الإجماع بهذا الاعتبار من الأدلّة المعتبرة الغير المفيدة للعلم إلّا في بعض المواضع كما هو واضح.

الثّامن: أن يستكشف عادة عن وجود نصّ قاطع أو قطعيّة موجود غير سليم من القدح في الظّاهر من اتّفاق جماعة من فضلاء أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) و أضرابهم ممّن لا يعتمد إلّا على النّص القطعي كزرارة و ابن مسلم و أشباههما و الصّدوقين‏

49

و أمثالهما- على الحكم بشي‏ء لم يظهر فيه نصّ عندنا، أو الإفتاء برواية لم تثبت صحّتها، أو ثبت ضعف سندها الموجود عندنا، أو ترجيح رواية على أخرى لم يتبيّن وجه رجحانها عليها؛ فإنّ اتفاق هؤلاء إذا سلم من خلاف يعادله يكشف في الأوّل: عن وجود نصّ معتمد معلوم لديهم في ذلك و إن لم نقف عليه، كما تقدّم في أحوال والد الصّدوق الإشارة إليه.

و في الثّاني: عن اطّلاعهم على ما يوجب عن صحّة الخبر و خلوّه عن شوائب القدح.

و في الثّالث: عن وجود ذلك فيما رجحوه و عملوا به فقط و متى استكشف ما ذكر في أحد الأعصار أو الأعوام علم أيضا: أنّه رأي الإمام الغائب أو أحد آبائه البررة الكرام (عليهم السلام).

التّاسع:- و هو يخالف ما سبق في الكاشف-: و هو أن يستكشف قول الإمام (عليه السلام) أو رأيه أو غيرهما ممّا مرّ من تتبّع السّير المستمرّة للأمّة أو الإماميّة في الأعصار و الأمصار المتناولة يدا عن يد بلا تحاش و إنكار؛ فإنّها تكشف عن اتّفاق العلماء الكاشف عمّا تقدّم أو عن سنّة متّبعة ثابتة بأحد وجوهها المعتبرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) أو أحد الأئمة (عليهم السلام) حيث لم يثبت عنهم أو عن العلماء خلاف ذلك.

و هذه يندرج في طرق الإجماع باعتبار الوجه الأوّل الّذي لا يفارق الثّاني غالبا و كثيرا ما لا يصلح إلّا للتّأييد؛ لعدم كشفها على سبيل القطع عمّا ذكرنا. و لذلك لم يعدّدها حجّة مستقلّة بنفسها مع كثرة استنادهم إليها.

العاشر: و هو- أيضا كالسّابق- أن يستكشف قول الإمام (عليه السلام) أو رأيه من تتبّع جملة من الأخبار المرويّة في الكتب المعتمدة؛ فإنّها إذا وجدت متوافقة في حكم،

50

و خلت عن المعارض المصادم و لم يقف على رادّ لها يعتد به، علم من ذلك قبول العلماء أو معظمهم لها و اتفاقهم على العمل بمضمونها، و ربّما يعلم ذلك مع اتّحاد الخبر أيضا. و قد مرّت الإشارة إلى ذلك في حديث نوم النّبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلم) عن الصّلاة (1)، ثمّ يحصل من المجموع القطع بقول المعصوم (عليه السلام) أو الظّن المعتدّ به أيضا.

الحادي عشر: و هو- أيضا كسابقه- أن يستكشف قول الإمام (عليه السلام) أو رأيه أو غيرهما ممّا مضى من تتبّع قواعد العلماء في الفقه أو الأصول و إن لم ينصّوا كلّا أو بعضا على الحكم بالخصوص، و ينزّل إجماعهم على القاعدة العامّة منزلة إجماعهم على أفرادها الخاصّة، و ما وقفنا عليه وجودا و عدما منزلة ما وقفوا عليه جميعا، أو يجعل فائدة إجماعهم مختصّة في ذلك الحكم بنا بحسب مقتضى حالنا و مبلغ علمنا، و قد قرّروا نظير ذلك في القياسين اللّذين عليهما مبنى الاجتهاد و التّقليد.

و هذا الوجه على أيّ حال إن صحّ فإنّما يجدي في مقام الاستدلال، لا نقل الأقوال.

و يلحق بهذه الوجوه وجه آخر يتمّ به العدد و هو:

الثّاني عشر و يختصّ كالثّاني غالبا بالإمام الثّاني عشر «(صلوات اللّه عليه و على آبائه الطّاهرين) » و هو:

أن يحصل لبعض الأولياء (2) العلم بقوله (عليه السلام) بعينه بأحد الوجوه الغير المنافية

____________

(1) كما في التهذيب: ج 2/ 265 باب المواقيت- ح 1058- 95، و الإستبصار: ج 1/ 286 باب «وقت من فاتته صلاة الفريضة ...»- ح 1049- 4.

(2) طبعا إذا كان هذا الولي من العلماء الفقهاء و إلّا أيّ ربط للولي- الجاهل بمعالم الدين- بمقام الإستدلال حتى يبرز ذلك بصورة الإجماع.

51

لامتناع رؤيته في غيبته‏ (1) و لم يكن مأمورا بإخفائه و كتمانه أو كان مأمورا بإعلامه بحيث لا ينكشف حقيقة أمره فيبرزه في مقام الاستدلال بصورة الإجماع خوفا من التّكذيب و الإذاعة و الضّياع.

و ربّما يكون العلم بقول الإمام كما ذكر هو الأصل في كثير (2) من الزّيارات و الأعمال المعروفة الّتي لا يوجد لها مستند ظاهرا و يحتمل أن يكون منشأها ذلك؛ فيكون كإحدى الكيفيّات المعروفة للإستخارة بالسّبحة (3) و الدّعاء العلويّ المصريّ‏ (4) و الدّعاء الّذي سمعه ابن طاوس في السّرداب الشّريف‏ (5) و ما نقله‏

____________

(1) و هل هذا إلّا كلام متناقض؟! فإن الرؤية إذا كانت ممتنعة- كما هو ظاهر كلامه- فأي طريق يبقى للوصول إليه؟ إلّا الأحلام التي هي ليست بحجة عند أهل العلم خصوصا في مثل هذا المقام و لا عبرة بها إلّا عند العوام التي هي عندهم أفلام أقرب من أن تكون رؤى و أحلاما، و لا نريد أن ننكر كون بعضها صادقة لكن أين هذا مما ذكره؟ فتبقى المكاشفة التي يدّعيها بعض الناس على أنها أيضا لا تخلو من كلام.

(2) هذا كلّه مبني على إمكان اللقاء معه (عجّل اللّه فرجه الشريف) في أيّام الغيبة الكبرى كما عليه المشهور عمّن تأخّر من متأخّر المتأخرين، خلافا لجماعة من الفحول، على أنه لا يمكن المصير إليه حتى على هذا المبنى لوجوه ليس هاهنا محل ذكرها. و الحقيقة إن القول بذلك ناشي‏ء عن عدم الإحاطة بتراث أهل البيت (عليهم السلام) في مثل هذه المقامات بل عدم الخبرة بل عدم الممارسة فيها.

(3) و هي الّتي ذكرها صاحب الجواهر أعلى اللّه تعالى مقامه في: ج 12/ 164، ط دار الكتب الإسلاميّة و ج 4/ 582 ط دار المؤرّخ العربي.

(4) مهج الدعوات: 281 ط بوستان كتاب و 336 ط الاعلمي بيروت- و ليس فيه دعوى مشاهدة الإمام (عليه السلام) و رؤيته أصلا بل الموجود فيه: انه رأى الامام بين اليقظة و المنام كرارا و هذا لا يعني اللقاء بل غايته رؤيا صادقة و عناية خاصة بذاك السيّد العلوي.

52

راوي قصّة الجزيرة الخضراء المعروفة (1) و غيرها.

و يلزم في دعوى الإجماع على هذا الوجه وقوع اتّفاق مصحّح لما يختار من الكلام لترويج المرام؛ فيندرج في الإجماع المنقول بالنّسبة إلى غير مدّعيه ظاهرا، و في السّنة واقعا كما لا يخفى.

و ربّما يجعل قولا مجهول القائل كيلا يضيع الحقّ و يرتفع من أهله، و يتوهم انعقاد الإجماع على خلافه فيستمرّ عليه من دون تصريح بدليله حيث لم يكن في سائر الأدلّة الموجودة ما ينهض بإثباته- بناء على إمكان ذلك- كما هو المختار.

و لعلّ ما نقل عن بعض المشايخ من كثرة الميل إلى الأقوال المجهولة القائل و تقويتها بحسب الإمكان؛ لاحتمال كونها أقوال الإمام (عليه السلام) و قد ألقاها بين العلماء لئلّا يجمعوا على الخطأ مبنيّ على ما ذكر؛ إذ لا يتصوّر للإلقاء طريق غير ذلك.

و قد ذكر شيخنا البهائي في «الحبل المتين» في كيفيّة الغسل الارتماسي‏ (2)

____________

المصدر السابق: 353 ط الأعلمي- بيروت.

(1) بحار الانوار: ج 52/ 159 و هي قصّة لا ربط لها بالإمام (عليه السلام) أرواحنا له الفداء و هي خيال في خيال.

(2) قال الشيخ البهائي في الحبل المتين:

«و لقد اشتدّت عناية متأخري الأصحاب بتفسير القول بالترتيب الحكمي في الغسل الإرتماسي و أطنبوا الكلام فيه و لعل السبب في ذلك أن جهالة نسب القائل و اسمه مع العلم بكونه من علماء الطائفة توجب على مقتضى قواعدنا مزيد الإعتناء بقوله، زيادة على ما اذا كان معروفا». انتهى الحبل المتين: 40، و انظر: كشف القناع: 168.