بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج3

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
652 /
3

-

4

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين‏

و صلّى اللّه على نبيّه محمّد و آله الطّيبين الطّاهرين حجج اللّه على خلقه أجمعين‏

و على سائر أنبيائه و أوليائه و ملائكته المقرّبين‏

و لعنة اللّه على أعدائهم من الأوّلين و الآخرين إلى يوم الدين‏

5

[المقصد الثانى فى الظن‏]

[فى حجية مطلق الظن‏]

[الدليل الرابع من ادلة حجية مطلق الظن‏]

[تنبيهات دليل الانسداد]

* التنبيه الثاني:

نتيجة دليل الإنسداد قضيّة مهملة أو كلّيّة

* التنبيه الثالث:

لو حصل الظن بالحكم من امارة متعلّقة بألفاظ الدليل‏

* التنبيه الرابع:

عدم كفاية الظن بالإمتثال في مقام التطبيق‏

* التنبيه الخامس:

هل يعتبر الظن في أصول الدّين؟

* التنبيه السادس:

في جابريّة الظنّ و كأسريّته و مرجّحيّته لو لم يكن حجّة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

* التنبيه الثاني نتيجة دليل الإنسداد قضية مهملة أو كلّيّة؟

(1) قوله (قدّس سرّه‏): (الأمر الثّاني: و هو أهمّ الأمور في هذا الباب أنّ نتيجة دليل الانسداد هل هي قضيّة مهملة ... إلى آخره) (1). (ج 1/ 463)

____________

(1) قال المحقق الأصولي السيّد علي القزويني (قدّس سرّه‏):

و ليعلم ان الإطلاق و الإهمال يلاحظان:

تارة: بالنسبة إلى أسباب الظنّ و هي الأمارات المفيدة له.

و أخرى: بالنسبة: إلى موارده من المسائل الفرعيّة و الأصوليّة.

و ثالثة: بالنسبة إلى أشخاصه من المجتهد و المقلّد.

و رابعة: بالنسبة إلى أوقاته ممّا بعد زمان الفحص و ما قبله.

و خامسة: بالنسبة إلى مراتبه من الظنّ الإطمئناني و ما دونه.

و هذه الجهات كلّها محلّ كلام، إلّا أنّ المقصود بالبحث في عنوان هذا الأمر إنّما هو الإهمال و الإطلاق من الجهة الأولى أعنى: بالنسبة الى أسباب الظنّ.

و تظهر الثمرة:

في الإحتياج إلى توسيط شي‏ء من المقدّمات المعمّمة لتتميم العمل بالظن في المسائل الفرعيّة- من مقدّمة عدم الكفاية، أو لزوم الترجيح بلا مرجّح، أو الإجماع المركّب أو غير ذلك- على الإهمال و عدم الإحتياج إليه على الإطلاق و الكلّيّة). انتهى.

تعليقة على معالم الأصول للسيّد القزويني: ج 5/ 329.

8

عدم حجّيّة مطلق الظّنّ في غير الأحكام الإلزاميّة

أقول: عنوان المسألة في الإهمال و الكليّة من حيث خصوص الأسباب مع أنّه يتكلّم (قدّس سرّه‏) بعد ذلك فيهما من حيث الموارد و المراتب أيضا، لعلّه من جهة كون البحث في المسألة من حيث الأسباب هو المقصود الأهمّ المذكور في كلمات أكثر المتعرّضين للمسألة، و إلّا فلا خصوصيّة للأسباب قطعا.

نعم، هنا كلام آخر في عموم النّتيجة لغير الأحكام الإلزاميّة، لم أر التّعرض له في كلماتهم. لكنّك قد عرفت سابقا: أنّ تقرير الدّليل على ما في كتب القوم المتداول في ألسنتهم بوجوه و عبارات مختلفة، لا يقتضي حجيّة الظّن بالنّسبة إلى غير الأحكام الإلزاميّة قطعا من غير فرق بين تقرير الحكومة و الكشف؛ لأنّ العلم بالواجبات و المحرّمات و بناء التّكليف بالنّسبة إليهما، و عدم جواز الرّجوع إلى الأصول النّافية، و عدم وجوب الاحتياط، أو ما يوافقه من الأصول؛ من جهة لزوم الحرج، لا يقتضي حجيّة الظّن بالنّسبة إلى الاستحباب و الكراهة، فضلا عن الإباحة.

بل لو دار الأمر في جزئية شي‏ء للعبادة مع العلم برجحانه، و قامت الأمارة على استحبابه، لا يمكن الحكم بمقتضاها و ترتيب آثار المستحب على الفعل المفروض. اللّهمّ إلّا أن يتشبّث بذيل الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل كما قيل، أو الأولويّة كما زعم، و هما كما ترى.

أو يقرّر الدّليل بوجه آخر- قد عرفته في طيّ كلماتنا السّابقة-: و هو

9

إجراؤه في جميع الأحكام من حيث تعلّق غرض الشّارع بحفظها و إبقائها ببقاء الشّريعة، و هذا لا فرق فيه بين الأحكام الإلزاميّة و غيرها من الأحكام، فإن تمّ فهو، و إلّا أشكل الأمر على القائلين بحجيّة الظّن من جهة دليل الانسداد المعروف، أو لزوم دفع الضّرر و نحوهما ممّا أقاموه لحجيّة الظّن المطلق، فليكن هذا في ذكر منك لعلّه ينفعك فيما بعد.

ثمّ إنّ المراد من الإهمال في المقام من أيّ جهة يبحث عنها من حيث الإهمال، ليس ما يتوهّم من عدم العلم بالعنوان الّذي يحكم به العقل، بل المراد منه العنوان المعيّن الّذي يجامع العموم و الخصوص في قبال العنوان الّذي ينطبق على العموم يقينا أو الخصوص كذلك. كيف! و حكم العقل و لو كان بمعنى الإدراك لا يجامع المهملة بالمعنى المعروف، ألا ترى أنّه على الكشف يحكم بإهمال النّتيجة؟

كما ستقف عليه.

و المراد به: أنّه يحكم العقل بأنّه يجب على الشّارع جعل ما به الكفاية في الاستنباط من الأمارات الظّنية فإن كان ما به الكفاية متعدّدا لا يحكم بوجوب جعل الجميع و إن كان محتملا كما لا يحكم بوجوب جعل بعض الخصوصيات ليس إلّا، و إن كان البعض متيقّنا فالمقابل للمهملة أعمّ من القضيّة العامّة الحقيقيّة الّتي هي معيّنة في ضمن الجميع، و الخاصّة المنطبقة على بعض معيّن.

نعم، لو كان عقد المسألة من حيث عموم النّتيجة و عدمها، دخل القسم الثّاني في الثّاني. و من هنا قد عبّر (قدّس سرّه‏) عن مقابل المهملة، بالمطلقة تارة و بالكليّة أخرى، و بالمعيّنة ثالثة، كما ستقف عليه.

و ليكن هذا في ذكر منك؛ فإنّ كلام شيخنا (قدّس سرّه‏) في هذا الأمر لا يخلو عن‏

10

تشويش و اضطراب على ما في «الكتاب» مع كثير اهتمامه بشأنه.

و إن كان المراد واضحا سيّما بعد ما نسمعك من البيانات الّتي سمعناها منه (قدّس سرّه‏) مرارا في مجلس البحث و غيره، و قد كان بانيا على تغيير عبارة الكتاب في «الأمر الثّاني» (1) في كثير من مواضعه، و قد دعي فأجاب قبله «جزاه اللّه عن الدّين و أهله و عنّا خير الجزاء و أسكنه بحبوحات جنانه و حشره اللّه مع محمّد و آله الطيّبين الطّاهرين (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين)».

(2) قوله (قدّس سرّه‏): (و التّحقيق: أنّه لا إشكال ... إلى آخره). (ج 1/ 464)

دليل الانسداد قد يقرّر في كلّ مسألة و قد يقرّر في مجموع المسائل‏

أقول: قد يجري دليل الانسداد في كلّ مسألة يحتمل فيها الحكم الإلزامي في نفسها من دون ملاحظة انضمامها بسائر المسائل التي فرض فيها العلم الإجمالي بأحكام إلزاميّة كثيرة تبلغ حدّ الشّبهة المحصورة سواء كان الشّك فيها في التّكليف، أو المكلّف به، مع إمكان الاحتياط في كلّ واحد منهما، أو لا معه، مع وجود الحالة السّابقة في كلّ واحد؛ بحيث يلاحظ في حكمه، أو لا معه.

و قد يجري في مجموع المسائل الّتي علم بوجود الأحكام الإلزاميّة فيها و إن لم يكن كلّ مسألة من دون ملاحظة الانضمام موردا للعلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي، فإن جرى على الوجه الأوّل فلا إشكال في عدم الفرق و عموم النتيجة

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1/ 463.

11

بحسب كلّ خصوصيّة تفرض.

أمّا بحسب المورد و خصوصيّة المسائل؛ فواضح لا يحتاج إلى البيان؛ لأنّ المفروض جريان الدّليل في كلّ مورد و مسألة.

و أمّا بحسب الأسباب؛ فلأنّه و إن أمكن اجتماع أسباب متعدّدة للظّن في مسألة إلّا أنّه لمّا كانت نتيجة المقدّمات- على ما أسمعناك مرارا و ستسمعه- حجيّة الظّن الشّخصي، و لا يعدل عنه إلى الظّن النّوعي إلّا بعد فرض انسداد بابه، و لا يمكن تأثير كلّ واحد في حدوث ظنّ بالنّسبة إلى مسألة شخصيّة؛ ضرورة استحالة اجتماع الأمثال كالأضداد، و إن حدثت من اجتماعها المرتبة القويّة من الظّن الّتي هي شخص واحد حقيقة، و إن كانت واجدة للمرتبة الضّعيفة بمعنى وجدانها لذاتها، لا وجدانها لها بحدّها، و إلّا لرجع إلى اجتماع المثلين، و هذا معنى وجدان القويّ للضّعيف، لا ما يتوهّم من كون الضّعيف موجودا في ضمن القويّ و معه بوصفه كما هو واضح، فلا محالة لا يتحقّق اجتماعهما بوصف السّبب الفعلي للظّن فلم يتعدّد السّبب حقيقة و إنّما تعدّد المقتضيات و العلل النّاقصة.

فإن شئت قلت: الحجّة الظّن الشخصي و الفعلي الموجود في المسائل و لا يمكن تعدّده في المسألة الشخصيّة فإذا لم يتعدّد كان الدّليل على تقرير الكشف أيضا قاضيا بحجيّته كتقرير الحكومة على ما يقتضيه قضيّة الانحصار، فالمستكشف على تقرير الكشف و إن كان جعل ما به الكفاية إلّا أنّه إذا فرض الانحصار فلا محالة ينطبق على ما هو الموجود، فكلّ سبب وجد في المسألة و أثر في وجود الظّن فهو حجّة لا محالة.

و من هنا يعلم أنّه على هذا التّقدير لا مناص من لزوم إشكال خروج القياس‏

12

إذا فرض استناد حصول الظّن به مستقلّا بل فرض دخله في السّبب؛ بمعنى كونه جزءا له و لا يأبى كلام شيخنا (قدّس سرّه‏) فيما أفاده بقوله: «و على التّقدير الثّاني، أعني:

كون القضيّة كليّة، فكيف توجيه خروج القياس؟ ... إلى آخره» (1) لهذا الفرض؛ فإن النّتيجة كليّة عامّة فيه أيضا، فإنّ المفروض الحكم بحجيّة كلّ ظنّ من أيّ سبب حصل في المسألة. فإذا حصل من القياس فكيف يمكن الحكم بعدم حجيّته؟ مع أنّ الفرض حصول الظّن منه.

و القول بانفتاح باب العلم في المسألة بملاحظة الدّليل القطعيّ القائم على عدم حجيّته، يرجع إلى ما ذكروه في التّفصيّ عن الإشكال من جهة خروجه فافهم.

و أمّا بحسب المرتبة و عدم الفرق بين القويّ و الضّعيف، فلما عرفت من استحالة اجتماعهما.

نعم، يمكن أن يقال- بناء على الفرق بينهما فيما سيجي‏ء من القسم الثّاني-:

أنّه لا بدّ أوّلا فيما أمكن تحصيل القويّ، و إن لم يمكن تحصيله فالضّعيف حجّة و هذا كما ترى، لا يرجع إلى الفرق بينهما بقول مطلق بمعنى عدم حجيّة الضّعيف رأسا و إن رجع إلى الفرق بينهما في الجملة، و عدم حجيّة الضّعيف عند التّمكن من تحصيل القويّ في المسألة فافهم و اغتنم.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه‏) استظهر هذا الوجه ممّا أفاده المحقّق القمّي (قدّس سرّه‏) في «القوانين» في بعض كلماته، فإنّها و إن كانت مختلفة مضطربة في بيان هذا المرام لكن بعضها ظاهر فيما أسنده إليه كما ستقف عليه، و لا يأبى من القول بذلك. فإنّه ممّن شيّد

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1/ 463.

13

أساس حجيّة الظّن المطلق في الأزمنة المتأخّرة و أحكمه، و إن سبقه إلى ذلك شيخه و أستاذه الفريد المحقّق الأستاذ البهبهاني المؤسّس لهذا القانون حقيقة، وفاقا لشريكه في التّلمّذ السيّد السّند المير سيّد علي صاحب «الرّياض»؛ فإنّه قد أفرد رسالة في هذه المسألة، و أشرح‏ (1) القول فيه. و تبعهم جماعة ممّن تأخّر من تلامذتهم و غيرهم إلا أنّي لم أر مثل المحقّق القمّي (قدّس سرّه‏)(قدّس اللّه أسرارهم) في الإصرار و تكثير القول فيها، بل قد لا يأبى بعض كلماته من القول بحجّية مطلق الظّن في زمان انفتاح باب العلم؛ حيث إنّه ذكر في مطاوي كلماته: أنّه لمّا كان دفع الضّرر المظنون واجبا و دفع المحتمل منه غير واجب بحكم العقل، قلنا بحجيّة مطلق الظّن من أوّل الأمر أيضا- إلى- في زمان انفتاح باب العلم).

فإنّه زعم أنّ مبنى وجوب تحصيل العلم في المسألة عند التّمكّن هو خصوص حكم العقل من جهة حكمه بوجوب دفع الضّرر المحتمل الّذي منعه. و إن ذكرنا في مطاوي كلماتنا السّابقة: أنّ لزوم دفع الضّرر المحتمل الأخروي ممّا يحكم به ضرورة العقل، و هو مبنى وجوب النّظر في المعجزة، بل مبنى وجوب شكر المنعم، المبتنى عليه وجوب معرفته في وجه.

مضافا إلى عدم انحصار دليل وجوب تحصيل العلم في القاعدة المذكورة، بل هو ممّا قضت به الأدلّة الثّلاثة على وجه الارتياب في دلالتها بل الكتاب و السّنة مشحونان منه كما هو ظاهر لمن راجع إليهما، إلّا أنّي لا أظنّ أنّ هذا الكلام ممّا يعتقد به (قدّس سرّه‏)، بل ذكره وجها في المسألة، فإنّ القول بذلك خلاف الإجماع يقينا،

____________

(1) كذا و الصحيح: «و أطال في شرح القول فيها».

14

و هو أجلّ شأنا من أن يخفى عليه الإجماع.

بل قد عرفت: كون الكتاب و السّنة مشحونين به و هما بمنظر و مسمع منه (قدّس سرّه‏) و تنزيل تمام ما ورد في ذلك على الأصول، مع أنّ جملة منها صريحة في الفروع، كما ترى.

بل سيجي‏ء: أنّ ما استظهره شيخنا (قدّس سرّه‏) في المقام و إن ساعده بعض كلماته، إلّا أنّ اعتقاده بذلك و مصيره إليه محلّ تأمّل.

فإنّه و أن أبطل الرّجوع إلى البراءة لعدم الدّليل عليه بعد قيام الظّن بخلافه فالرجوع إليها مشروط بعدم قيام الظن فهو مانع عنها، كما أبطل وجوب الاحتياط أيضا بعدم المقتضي؛ فإنّ العلم الإجمالي و إن بلغ حدّ الشّبهة المحصورة لا يؤثّر في وجوب الاحتياط عنده، فهما كما ترى ظاهران فيما استظهره منه (قدّس سرّه‏).

إلّا أنّ لازم هذا القول: أنّه لو فرض انفتاح باب العلم في جميع المسائل إلّا في مسألة شخصيّة، لحكم بحجيّة الظن المطلق فيها و إن لم تكن ثمرة غيره بين هذا الوجه و الوجه الثّاني بناء على الحكومة إلّا بالملاحظة عند التّحقيق في زمان الانسداد إلّا فيما عرفت من التّعميم من حيث المرتبة على الوجه الّذي عرفته على هذا الوجه، و عدم التّعميم على الوجه المذكور على الوجه الثّاني.

و أمّا التّعميم من جهتي الأسباب و الموارد فثابت على تقرير الحكومة أيضا كما ستقف عليه، و لا أظن التزامه بهذا اللّازم و إن لم يكن بعيدا كلّ البعد من طريقته.

ثمّ إنّ ظهور الوجه من صاحبي «الزّبدة» (1) و «المعالم» (2) من جهة

____________

(1) زبدة الأصول: 92، تحقيق فارس حسّون.

15

استنادهما في إبطال البراءة بعدم حصول الظن منها في مقابل خبر العادل و هذا كما ترى، لا فرق فيه بين ملاحظة الانضمام و الانفراد، فيلزمهما القول بحجيّة الخبر لو فرض انفتاح باب العلم في غالب المسائل أيضا.

و إن لم يظنّ التزامهما به إذا كان استندا في الحجيّة إلى دليل الانسداد، و إن كانا قائلين به من جهة سائر ما أقاموه على حجيّة الخبر، بل يلزمهما القول بحجيّة مطلق الظن كذلك؛ نظرا إلى اقتضاء دليل الانسداد الّذي أقاموه لإثبات حجيّة الخبر بخصوصه لحجيّة مطلق الظّن من غير خصوصيّة للخبر، و إن لم يعتقدا هذا الاقتضاء فذهبا إلى حجيّة الخبر بخصوصه مستندين إلى هذا الدّليل المقتضي لحجيّة غيره، هذا.

لكنك قد عرفت: أنّ استظهار هذا الوجه منهما ليس مبنيّا على اقتضاء دليلهما لحجيّة مطلق الظّن، بل على تقدير قصر الاقتضاء في الخبر صحّ الاستظهار المذكور أيضا هذا.

ثمّ إنّ ما أفاده (قدّس سرّه‏) للتّعميم من جميع الجهات و الخصوصيّات على هذا الوجه بقوله: «و هذا ثابت بالإجماع و العقل» (3).

قد يناقش فيه: من حيث التمسّك بالإجماع في المسألة، مع أنّه شنّع على المتمسّك به في ردّ القول بتخصيص نتيجة الدّليل بالظّن في الطّريق بكون المسألة عقليّة مستحدثة، فكيف يدّعي الإجماع فيها؟

____________

معالم الأصول: 192 ط جماعة المدرّسين.

(3) فرائد الاصول: ج 1/ 464.

16

و قد يدفع المناقشة: بأنّ الغرض من الإجماع في كلامه ليس الإجماع الاصطلاحي بل معناه اللّغوي و هو الاتفاق، فيكون المراد اتّفاق العقلاء لا خصوص المتشرّعة. بل يمكن أن يقال: إنّه ليس في مقام الاستدلال بل غرضه كون التّعميم أمرا مسلّما فتأمل.

ثمّ المراد ليس الاطلاع الحسّي على حصول الاتّفاق حتّى يتوجّه عليه: بأنّ المسألة من المستحدثات. كيف! و أكثرهم ذهبوا إلى حجيّة الظّنون الخاصّة في الأحكام، بل المراد الحدس بأنّ المسألة كذلك عندهم قطعا على تقدير ذهابهم إلى حجيّة الظّن المطلق و إجرائهم له في كلّ مسألة، فتأمل.

بطلان إجراء دليل الإنسداد في كل مسألة

ثمّ إنّ لازم إجراء الدّليل في كلّ مسألة و إن كان ما ذكر، إلّا أنّه لا ريب في بطلانه؛ فإنّ اعتبار الأصول- حسبما عرفت و تعرفه- ليس مشروطا بحصول الظّن منها، أو قيام الظن الغير المعتبر على خلافها من غير فرق بين الخبر و غيره، كما أنّه لا إشكال في وجوب الاحتياط في مفروض البحث بالنّظر إلى قاعدة وجوب دفع الضّرر المحتمل الّتي هي مبنى وجوب الاحتياط في جميع موارد وجوبه فيجب البناء عليه لو لا ما عرفت ممّا أقاموه على عدم وجوبه في خصوص المقام.

و القول: بأنّ المفروض ملاحظة كلّ مسألة مستقلّة من دون أن يلاحظ انضمامها بغيرها من المسائل فلا مقتضي لوجوب الاحتياط على هذه الملاحظة؛ فإنّ العلم الإجمالي بالتّكاليف الإلزاميّة إنّما هو في مجموع الوقائع لا في كلّ واقعة.

17

فاسد جدّا؛ ضرورة أنّ عدم الملاحظة لا يوجب تغيير الواقع؛ ضرورة وجود العلم الإجمالي فيما بأيدينا من الوقائع و ملاحظة كلّ واقعة مستقلّا لا يوجب الحكم بالبراءة، و إلّا أمكن سلوكه في جميع موارد وجوب الاحتياط، فالثّمرة إنّما تظهر فيما لو فرض انفتاح باب العلم في الغالب لا في مفروض المقام.

هذا كلّه فيما لو أجري الدّليل على الوجه الأوّل.

و إن أجري على الوجه الثّاني؛ فالحكم باقتضائه للتّعميم من جميع الجهات و الخصوصيات، أو التّعيين كذلك و إثبات الحجيّة معيّنا في ضمن بعض الأشخاص و النّفي عن غيره بالنّسبة إلى كلّ خصوصيّة، أو التّعميم من بعض الجهات و التّعيين من آخر، أو الإهمال كذلك، لا يستقيم بمجرّده، بل لا بدّ من أن يلاحظ أنّه يقرّر على وجه الكشف، أو الحكومة، و إلّا فالنّتيجة من دون أن يلاحظ أحد الأمرين؛ هي حجيّة الظن في الجملة فتأمّل.

و عليه يحمل قوله: «و هذا المقدار لا يثبت إلّا وجوب العمل بالظّن في الجملة» (1) من دون تعميم بحسب الأسباب، و لا بحسب الموارد، و لا بحسب مرتبة الظن.

فالمراد بقوله: «في الجملة» أعمّ من المهملة حتّى لا ينافي حكمه بالتّعميم من بعض الجهات المذكورة على التّقريرين كالموارد، فإنّه و إن استند في ذلك إلى الإجماع على تقرير الكشف فلا يكون النّتيجة عامّة مع قطع النّظر عنه، إلّا أنّه لا بدّ من أن يحمل العبارة على ما ذكرنا، و مع ذلك كلّه لا يخلو عن مناقشة ظاهرة.

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1/ 465.

18

بيان المراد من تقرير الكشف و تقرير الحكومة

و على كلّ تقدير إذا أجري الدّليل في مجموع الوقائع و المسائل فلا يخلو الأمر: إمّا أن يقرّر على وجه الكشف، أو الحكومة.

و المراد بالأوّل: أن يستكشف العقل بملاحظة بقاء التّكليف بالمشتبهات و انسداد باب العلم و الظّن الخاصّ، و عدم جواز الرّجوع إلى الأصول و عدم وجوب الاحتياط فيها بانضمام الحكم: بأنّ التكليف بلا طريق لا معنى له، و أن جعل غير الظن في الفرض نقض للغرض؛ من حيث كونه أقرب إلى الواقع من غيره و غالب الإيصال بالنّسبة إليه، بل لا قرب في غيره من الشّك و الوهم عن كون الظن حجّة عند الشّارع و أنّه أمر بسلوكه.

و بالثّاني: أن يحكم العقل حكما إنشائيّا بوجوب سلوك الظن الشخصي بالحيثيّة المذكورة بعد فرض دوران الأمر بينه و بين غيره بملاحظة المقدّمات الّتي عرفتها عند تقرير دليل الانسداد من غير أن يوجب شيئا على الشّارع أوّلا، فالعنوان و الموضوع الأوّلي في حكم العقل و إن كان واحدا إدراكا و إنشاء و هو:

كون الظن أقرب إلى الواقع، إلّا أنّ الفرق بالإدراك و الإنشاء.

و لا يتوهّم: أنّه بناء على قاعدة التّلازم يستكشف عن حكم الشارع بحجيّة الظّن على تقدير الحكومة أيضا فيتحد التقريران؛ ضرورة ثبوت الفرق بين كون المدرك أولا حكم الشارع بحجيّة الظن و كونه مستكشفا عن الحكم الإنشائي للعقل و إلّا ارتفع الفرق بينهما في جميع الموارد؛ إذ بناء على الملازمة يكون حكم‏

19

العقل في جميع موارد حكمه كاشفا عن حكم الشارع على طبقه.

و من هنا وقع الخلاف في كون الحكم الإنشائي للعقل كاشفا عن حكم الشارع كما ذكر في محلّه. و لم يخالف أحد حتّى الأشاعرة في إدراك العقل لحكم الشارع في كثير من الموارد، كما في المفاهيم و الاستلزامات العقليّة كوجوب المقدّمة و حرمة الضّد و نحوهما.

و بالجملة: لا إشكال في فساد التّوهّم المذكور، كما لا إشكال في فساد توهّم: كون حكم الشارع بحجيّة الظّن على الكشف ملازم لحكم العقل بها من جهة عكس قاعدة التّلازم فيتّحد التّقريران أيضا؛ ضرورة أنّ محلّه في غير الإدراكات العقليّة فإنّ حكم العقل بمعنى تصديقه للشّارع لا يعقل استكشافه عن حكم الشارع بعد فرض كون المدرك له ابتداء العقل كما هو ظاهر فافهم.

مناقشة ما أفاده المصنّف في التقريرين‏

ثمّ إنّ قبح عقاب الشارع عند مخالفة الظّن للواقع في حكم العقل كحسن عقابه على مخالفة الواقع عند مصادفته له في حكم العقل مشترك بين التّقريرين؛ فإنّهما من اللّوازم العقليّة لحجّيّة الظّنّ من غير فرق بين الإدراك و الإنشاء. و بمثل ما ذكرنا ينبغي تحرير المراد من التّقريرين و بيان الفرق بينهما، لا بما أفاده (قدّس سرّه‏) في «الكتاب»؛ فإنّه من جهة خفاء دلالته على المراد ربّما يرد عليه بعض المناقشات؛ فإنّ المراد من قوله في بيان تقرير الكشف: «و أنّه لا يعاقب على ترك واجب إذا ظنّ بعدم وجوبه» (1) بيان له بذكر اللّازم العقلي الأعمّ حقيقة على ما عرفته، فربما

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1/ 465 و فيه: و انه لا يعاقبنا ... إلى آخره.

20

يناقش فيه من هذه الجهة.

كما أنّ المراد من قوله في بيان هذا التّقرير: «فحجيّة الظن على هذا التّقرير تعبّد شرعيّ كشف عنه العقل» (1) ليس التعبّد بمعنى عدم ملاحظة الطّريقيّة فيه.

كيف! و قد عرفت كونها عنوانا للحكم في المقام على التّقريرين، بل بالمعنى المراد منه في تعبّد الشارع بغير العلم المذكور في محلّه، فالمراد منه: أمر الشّارع بالعمل بالظّن ابتداء بحيث كان الاستناد إلى أمره و إن كان مستكشفا من حكم العقل بمعنى الإدراك في قبال أمر العقل بالعمل به ابتداء و إن كان موردا لإمضاء الشارع.

كما أنّ المراد من قوله- في بيان تقرير الحكومة-: (بمعنى حسن المعاقبة على تركه) (2) حسن العقاب على مخالفته الواقع المترتّبة على ترك العمل بالظن عند مصادفته للواقع فيرجع إلى بيانه بذكر اللازم الأعمّ حقيقة. كيف! و إرادة ظاهره ممّا لا معنى له، و خلاف صريح ما أفاده بعد ذلك عن قريب: من كون الحكم العقلي المذكور إرشادّيا لا يترتّب على موافقته و مخالفته من حيث موافقته و مخالفته شي‏ء.

كما أنّ المراد من قوله- بعد القضيّة المذكورة-: «و قبح المطالبة بأزيد منه» (3) بيان اللّازم حقيقة من جهة عدم وجود الأزيد بعد فرض بطلان وجوب الاحتياط كما هو ظاهر.

ثمّ إنّك قد عرفت من مطاوي ما ذكرنا: أنّ حكم العقل على تقرير الحكومة و إن كان كاشفا عن حكم الشّارع، إلّا أنّه لا تعلّق له بتقرير الكشف حتّى يتّجه‏

____________

(1) نفس المصدر و الصفحة بالذات.

(2) نفس المصدر: ج 1/ 466.

(3) نفس المصدر و الصفحة بالذات.

21

التّقريران، و ترتفع الثّمرة المقصودة المترتبة عليهما في المقام؛ فإنّ حكم الشّارع المنكشف من إنشاء العقل بقاعدة التّلازم تابع لحكم العقل من حيث العموم و الخصوص، بخلاف حكمه الابتدائي و إن أدركه العقل؛ فإنّه تابع لما هو المناط و الموضوع له في نظر الشّارع، كما أنّه تابع له من حيث المناط و الكيفيّة.

فإذا كان حكم العقل بوجوب العمل بالظّن من حيث كونه كاشفا عن الواقع و مرآة له، فلا محالة يكون حكم الشارع المنكشف عن حكم العقل بوجوب العمل بالظّن بعنوان الطّريقيّة و المرآتيّة، فيكون إيجاب الشارع له كإيجاب العقل حكما غيريّا إرشاديّا، إذن العنوان الّذي أوجب حكم العقل به تابع للواقع، فلا يصحّ إلّا للطّلب الغيري.

و هذا بخلاف حكمه الناشئ من المفسدة في الفعل أو المصلحة فيه؛ فإنّه و إن كان إرشاديّا دائما لعدم تصوّر الطّلب المولويّ من العقل، إلّا أنّه مستتبع لطلب مولويّ من الشارع و كاشف عنه لقاعدة التّلازم بين الحكمين في المورد القابل للطّلب المولويّ، فليس في المقام انفكاك لحكم الشارع عن العقل، بل حكم الشّارع موجود على نحو حكم العقل إلّا أن المورد لمّا لم يكن قابلا للطّلب المولوي من الشارع فلا محالة يكون حكم الشارع أيضا إرشاديّا غيريّا، بل الحكم الشّرعي المستكشف على تقرير الكشف أيضا لا يكون إلّا غيريّا. و من هنا حكمنا سابقا: باتّحاد عنوان وجوب العمل بالظّن على التّقريرين، و هذا بخلاف حكمه المستكشف عن التّحسين و التقبيح العقليّين.

ثمّ لو أريد من القاعدة كون حكم العقل الإنشائي كاشفا عن حكم شرعيّ مولويّ، لصحّ الحكم بالانفكاك في المقام. فالمقام نظير حكم العقل بوجوب‏

22

الإطاعة و حرمة المعصية الكاشف عن حكم الشارع بهما؛ فإنّ عنوان الإطاعة و إن كان حسنا ذاتا في حكم العقل و ليس حسنه من جهة وجود مصلحة في فعل الواجب الّذي ينطبق عليه الإطاعة إذا أتي به بداعي امتثال أمر الشّارع، بل ربّما يكون وجود المصلحة في الفعل متقوّمة بالعنوان المذكور كما في التّعبديّات، إلّا أنّه ليس قابلا لتعلّق الإرادة المولويّة به من الشّارع، في قبال الإرادة المولويّة المتعلّقة بالفعل من الشّارع بحيث يكون للشّارع مثلا في الواجبات إرادتان حتميّتان مولويّتان، إحداهما: تعلّقت بذات الواجب. و الثّانية: تعلّقت بفعل المأمور به؛ من حيث كونه مأمورا به إذا أتي به بداعي امتثال أمر الشّارع الذي هو معنى الإطاعة المتأخّرة عن الأمر.

و من هنا لا يمكن إرادتها من الأوامر المتعلّقة بالأفعال؛ ضرورة لزوم التّسلسل على تقدير كون الأمر المتعلّق بإطاعة الأوامر المولويّة الشّرعيّة الصّادرة من الشّارع أمرا مولويّا فالإطاعة و إن كانت حسنا ذاتا إلّا أنّها غير قابلة لتعلّق الأمر المولويّ بها للزوم التسلسل. و من هنا قيّدنا التلازم بين حسن الفعل و وجوبه شرعا بالوجوب المولوي بما إذا كان المورد قابلا، فانفكاك الطلب المولوي قد يكون من جهة كون الشّي‏ء مطلوبا للغير في حكم العقل، و قد يكون من جهة عدم قابليّة المحكوم به في الحكم العقليّ الإرشاديّ لتعلّق الخطاب المولوي به و إن كان حسنا ذاتا كما في الإطاعة. فالإطاعة و إن كانت واجبة بإرادة مستقلّة غير الإرادة المتعلّقة بفعل الواجبات، إلّا أنّها ليست مرادة بإرادة مولويّة في قبال الإرادة المتعلّقة بفعل الواجب، فالإرادة المنفيّة بالنّسبة إلى الإطاعة في كلام شيخنا (قدّس سرّه‏):

هي الإرادة المولويّة التّشريعيّة لا مطلق الإرادة؛ ضرورة عدم كون الأمر

23

الإرشادي منسلخا عن معنى الطّلب و الوجوب فيكون إخبارا كما توهّمه جمع من أفاضل معاصرينا أو قارب عصرنا.

طاعة الأمر الإرشادي لا توجب ثوابا و لا مخالفته عقابا

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ إيجاب الشّارع للعمل بالظّن في زمان الانسداد المستكشف من حكم العقل إنشاء أو إدراكا و إن كان غيريّا تبعيّا بنحو من الغيريّة لا يترتّب على موافقته من حيث إنها موافقة، أثر من الثّواب زائدا على ما يترتّب على إطاعة الأوامر الواقعيّة عند مصادفة الظّن للواقع و لا على مخالفته من حيث إنّها مخالفة عقاب غير العقاب المترتّب على مخالفة الحكم الإلزامي على تقدير المصادفة، نظير إيجاب الشّارع للإطاعة في الشّرعيّات؛ حيث إنّه لا يترتّب على موافقته من حيث إنّها موافقته و لا على مخالفته بالحيثيّة المذكورة شي‏ء من الثّواب و العقاب؛ حيث إنّه ممحّض في الإرشاد من غير فرق بينه من حيث استكشافه من حكم العقل بوجوبها، و بينه من حيث وروده في الشّرع كتابا و سنّة، و نظير حكم العقل و الشّرع بوجوب التّوبة على العاصي إلّا أنّه ليس من مراتب الإطاعة و أنحائها و شؤونها و كيفيّاتها كما هو المصرّح به في كلام شيخنا (قدّس سرّه‏) في هذا المقام بقوله: «فكذلك كيفيّة الإطاعة و أنّه يكفي فيها تحصيل الظّن بمراد الشّارع في مقام ... إلى آخر ما أفاده» (1).

ضرورة أنّه لو كان الأمر كما أفاده (قدّس سرّه‏) لزم الحكم بترتّب الثّواب و العقاب‏

____________

(1) فرائد الاصول: ج 1/ 466.

24

على نفس العمل بالظّن و تركه و إن لم يترتّب على موافقة الأمر المتعلّق به و لا على مخالفته شي‏ء من الثّواب و العقاب كما يلتزم به بالنّسبة إلى الإطاعة و المعصية.

اللّهم إلّا أن يكون مراده (قدّس سرّه‏): أنّ سلوك الظن و العمل به عند مصادفته للواقع يترتّب عليه آثار إطاعة الأوامر الواقعيّة من غير أن يترتّب على موافقة نفس الأمر المتعلّق به بعنوان الطّريقيّة شي‏ء، فالعنوان الّذي يترتّب عليه الآثار، إطاعة الأوامر الواقعيّة المستكشفة بالظّن، فالعمل بالظّن بهذا العنوان له آثار و أمّا الأمر المتعلّق به فلا أثر له من حيث هو فسلوك الظن إطاعة للأوامر الواقعيّة في الجملة.

فإذن يصحّ أن يقال: إنّ إطاعة الأوامر الواقعيّة قد تكون مع العلم بها، و قد تكون مع الظّن بها، فهي مع الظن بها نحو من الإطاعة فليس الغرض جعل سلوك الظّن بقول مطلق من مراتب الإطاعة حتّى يتوجّه عليه المناقشة المذكورة.

نعم، لا بدّ أن يلاحظ الشّارع في أمره بسلوك الطّريق الظّني- مع التمكّن من تحصيل العلم- بالواقع ما يتدارك به ما يفوت من الواقع من العمل به، لا أن يحدث في الفعل الّذي قام على وجوبه مثلا مصلحة حتّى يرجع إلى التّصويب، أو أن يكون في العمل به و سلوكه مصلحة حتّى يشكل الفرق بينه و بين التّصويب عند التّأمّل، على ما عرفت شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا السّابقة.

و من هنا أبطلنا القول باختصاص حجيّة الظّن بالطّريق بعد تسليم العلم الإجمالي بجعله فيما علّقناه على الأمر المتقدّم، كما أبطلنا القول باقتضاء الأمر الظّاهري للإجزاء في مسألة الإجزاء.

هذا غاية ما يقال في شرح كلماته (قدّس سرّه‏) في هذا المقام و عليك بالتّأمّل فيه لعلّك تجده حقيقا بالقبول و الإذعان.

25

(3) قوله (قدّس سرّه‏): (ثمّ إنّ هذين التّقريرين مشتركان في الدّلالة ...

إلى آخره) (1). (ج 1/ 467)

أقول: لمّا كان من الخصوصيات الّتي يتكلّم فيها من حيث عموم النّتيجة لها الموارد و المسائل الفقهيّة الّتي يحتمل فيها الحكم الإلزامي من أوّل الفقه إلى آخره، أراد بما أفاده (قدّس سرّه‏): بيان كون النّتيجة عامّة بالنّسبة إليها على التّقريرين، فينحصر التّكلم فيها من حيث العموم و عدمه، على الأسباب و المراتب من حيث كون العموم من جهة الموارد أمرا مفروغا عنه على كلّ تقرير، و إن كان الدّال عليه على تقرير الكشف الإجماع، و على تقرير الحكومة العقل؛ من حيث وجود مناط حكمه بالنّسبة إلى كلّ مورد، و كلّ مسألة من غير فرق بينهما.

و إن كان لازم هذا البيان كما ترى، كون النّتيجة على الكشف غير عامّة بالنّسبة إلى الموارد بالنّظر إلى نفس التّقرير من غير ضمّ الإجماع إليه.

و ظاهر العبارة عند إثبات الدّلالة على العموم أوّلا: كون الدّلالة على العموم مستندة إلى نفس المقدّمات من غير ضمّ شي‏ء آخر إليها. فربّما يحكم بالتّدافع بين العبارتين بهذه الملاحظة، إلّا أنّه لا ينظر إلى هذه المناقشات بعد وضوح المراد و قيام القرينة الظّاهرة عليه.

____________

(1) قال الشيخ موسى التبريزي (قدّس سرّه‏):

«فيه نوع من المسامحة؛ إذ لا دلالة للتقرير الأوّل على العموم بحسب الموارد إلّا بواسطة الإجماع الذي إدّعاه، فالأولى أن يقال:

إن العموم بحسب الموارد ثابت بالنسبة إلى التقريرين، أمّا الأوّل فبالإجماع و أمّا الثاني فبإستقلال العقل». أوثق الوسائل- أنظر الفرائد المحشّى: 139.

26

نعم، هنا شي‏ء ينبغي التّنبيه عليه و الإشارة إليه و هو: أنّ الّذي يقتضيه التّحقيق و التّأمّل التّام في المقام استناد عموم النّتيجة على الكشف إلى نفس المقدّمات أيضا، و حكم العقل به من غير ملاحظة الإجماع أصلا (1)؛ حيث أنّ مناط إدراك العقل لجعل الشّارع الظن طريقا للتكاليف الواقعيّة و الأحكام الإلزاميّة- بملاحظة ما مرّت الإشارة إليه من المقدّمات عند بيان تقرير الكشف- موجود بالنّسبة إلى جميع أطراف الشّبهة من أوّل الفقه إلى آخره من غير خصوصيّة لبعض المشتبهات في حكم العقل على سبيل القطع و اليقين، فلا حاجة إلى التمسّك بالإجماع في المقام جزما. مضافا إلى ما في التّمسك به من الإشكال الّذي عرفته، فلو أبدل التّمسك بالإجماع بالتّمسك بنفس حكم العقل لم يرد إشكال التّدافع بين العبارتين أيضا كما هو ظاهر.

____________

(1) قال الفاضل الكرماني (قدّس سرّه‏):

(يمكن دفع الإعتراض بإن المسألة عقليّة لا يدخلها الإجماع بأن العقل على تقرير الكشف بملاحظة المقدّمات يقطع بأن الشارع مع وجود هذه المقدّمات جعل الظنّ في الجملة حجّة من غير إدراكه أمرا زائدا على ذلك، و الإجماع أثبت في الجملة تعميم هذا الحكم الإدراكي للعقل، فما أدركه العقل أمر، و ما أثبته الإجماع أمر آخر، و المدّعى له جزءان يثبت جزء منه بالعقل و جزء بالإجماع و المنشي‏ء هو الشارع، فمسألة اعتبار الظن في الجملة عقليّة بمعنى إدراكه إيّاه و مسألة تعميمه بحسب الموارد شرعيّة و المسألتان غيران). إنتهى. أنظر الفرائد المحشى: 139.

27

(4) قوله (قدّس سرّه‏): (أمّا التّقرير الثّاني: فهو يقتضي التّعميم و الكلّية من حيث الأسباب ... إلى آخره). (ج 1/ 467)

في التعميم من حيث الأسباب و المراتب‏

أقول: بعد الحكم بعموم النّتيجة بالنّسبة إلى الموارد على التّقريرين، أراد التكلّم في عمومها بالنّسبة إلى الأسباب و المراتب على كلّ من التّقريرين، على سبيل الفهرست و الإجمال، ثمّ بيان الحقّ من التّقريرين حتّى يشرح القول فيه بعد ذلك.

و لمّا كان عنوان حكم العقل على تقرير الحكومة- على ما عرفت الكلام فيه- مرادا في الحكم بوجوب العمل بالظن، أمرا راجعا إلى نفس صفة الظن و قائما به من غير دخل للسّبب فيه أصلا، و هو القرب إلى الواقع، و الكشف الظّني عنه الّذي هو ذاتيّ للظّن، في قبال الشّك و الوهم اللّذين لا قرب فيهما و لا كشف لهما أصلا، فلا محالة يحكم بعدم الفرق بين الأسباب، و هو معنى عموم النّتيجة بالنّسبة إليها.

و من هنا ذكرنا المناقشة فيما سيجي‏ء فيما أفاده المحقّق القمّي (قدّس سرّه‏) عند التّخلص عن إشكال خروج القياس: «من أنّ العقل يحكم بحجيّة الأدلّة الظنّيّة دون مطلق الظّن النّفس الأمري» (1) و إن أمكن توجيهه بتنزيله على الكشف، كما ستعرف الإشارة إليه.

____________

(1) قوانين الاصول: ج 1/ 448.

28

و لمّا كان القرب إلى الواقع الّذي عرفت كونه مناطا في حكم العقل على هذا التّقرير مقولا بالتّشكيك و مختلفا غاية الاختلاف و له مراتب كثيرة و درجات عديدة؛ حتّى أنّ بعض مراتبه يشتبه بالشّك من جهة خفائه، و بعض مراتبه يشتبه بالعلم من جهة وضوحه و ظهوره، و هو الظّنّ القويّ الاطمئناني المتاخم بالعلم- حتّى قيل: إنّه علم، مسامحة. كما عرفته من كلام شيخنا (قدّس سرّه‏) في «الكتاب»، بل حقيقة، كما عرفته من كلام شيخنا (طيّب اللّه رمسه) في «الجواهر» (1)- فلا محالة يحكم العقل بحجيّة القويّ منه على تقدير كفايته، و عدم جواز الأخذ بغيره من المراتب. كما أنّه يحكم بحجيّة مطلق الظن على تقدير عدم كفايته و عدم جواز الأخذ بالظّنون النّوعيّة، إلّا على تقدير انسداد بابه و عدم وجود مقدار كاف منه في الفقه.

و لمّا لم يكن له مراتب مضبوطة بعد انتفاء القويّ حكمنا بحجيّة مطلق الظّن على هذا التّقدير، و هذا معنى عموم النّتيجة و كلّيتها بالنّسبة إلى الأسباب على تقرير الحكومة، و اختصاصها بالظّن القوي الاطمئناني على هذا التّقرير، و عدم شمولها لدونه من الظّن الضّعيف، فلا إهمال في النّتيجة على هذا التّقرير بالنّسبة إلى جميع الخصوصيّات. غاية الأمر: أنّها عامّة كليّة بالنّسبة إلى الموارد و الأسباب، و خاصّة جزئيّة مقيّدة بالنّسبة إلى المراتب.

و من هنا ذكر في «المعالم» في «مقام تخصيص النّتيجة بخبر العادل»: «أنّه إذا كان للظّن جهات متفاوتة في القوّة و الضّعف، فالعقل يحكم: بأنّ العدول من‏

____________

(1) في مواضع من الجواهر منها: ج 22/ 154 و ج 21/ 362.

29

القويّ إلى الضّعيف قبيح. و الظن الحاصل من خبر العادل أقوى الظنون؛ فيجب الاقتصار عليه» (1) فإنّ هذا الكلام كما ترى ينطبق على ما ذكرنا و إن زعم بعض محشّيه: «أنّه منزّل على الكشف» (2).

و بمثل ما عرفت ينبغي تحرير بيان عدم العموم بالنّسبة إلى المراتب على هذا التّقرير، لا بمثل ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه‏) في «الكتاب» بقوله: «إذ لا يلزم من بطلان كليّة العمل بالأصول التي هي طرق شرعيّة الخروج عنها بالكليّة ... إلى آخر ما أفاده» (3).

إذ يرد عليه- بعد حمل الأصول في كلامه على خصوص أصالة الاحتياط من حيث تعدّدها بحسب أفرادها و مواردها، لبطلان الرّجوع إلى غيرها رأسا حسبما صرّح به فيما تقدّم عند الكلام في ذكر مقدّمات الانسداد، و إنّما استشكل سابقا هناك في بطلان خصوص الاحتياط رأسا؛ من جهة عدم اقتضاء دليل نفي الحرج الذي تمسكوا به لبطلان وجوب الاحتياط، إلّا بطلانه في الجملة لا أصلا و رأسا-:

أنّ ما أفاده (قدّس سرّه‏) كما ترى، أرجع إلى المناقشة في تماميّة المقدّمات المنتجة لحجيّة الظّن، و لا تعلّق له أصلا بالكلام في عموم النّتيجة و عدمه بعد الفراغ عن تماميّتها، و كيف يجامع هذا الإشكال مع تقرير الحكومة بما عرفته من كلامه؟

____________

(1) معالم الدين و ملاذ المجتهدين: 193.

(2) لم نعثر عليه عجالة عند الصالح المازندراني و لا التقي و السلطان ممّا كان بأيدينا من حواشي المعالم.

(3) فرائد الاصول: ج 1/ 467.

30

و كيف يستقلّ العقل في الحكم بقبح إرادة الشّارع ما زاد على الإطاعة الظّنيّة مع عدم بطلان الاحتياط رأسا؟

مع أنّ الإطاعة الإجماليّة مقدّمة في نظر العقل على الإطاعة الظّنيّة، فما أفاده (قدّس سرّه‏) لا مساس له بالمقام أصلا، حسبما اعترف به في مجلس البحث و غيره، هذا كلّه على تقرير الحكومة.

و أمّا على تقرير الكشف، فلا إشكال في إهمال النّتيجة و إجمالها بالمعنى الّذي عرفته بالنّسبة إلى كلّ من الجهتين بذاتها، و بالنّظر إلى نفس المقدّمات من غير ضمّ شي‏ء آخر إليها من الخارج و لو بحسب اللّحاظ؛ فإنّ العنوان المدرك في حكم العقل على الكشف و إن كان قرب الظّن أيضا بالنّسبة إلى الشّك و الوهم، إلّا أنّه يجوّز العقل وجود خصوصيّة لبعض أسباب الظن عند الشّارع يخصّص به اعتبار القرب الحاصل منه في نظر الشّارع.

و من هنا حكم الشّارع باعتبار بعض الظّنون من حيث الخصوص في زمان الانفتاح، و ليس ذلك إلّا من جهة خصوصيّة له في نظر الشّارع أوجب ترجيحه و ليس الملحوظ مجرّد طريقيّته، و إلّا لما أمكن ترجيحه مع أنّه موجب لتفويت الواقع من دون تدارك و هو قبيح على ما عرفت شرح القول فيه عند التكلّم على قول ابن قبة.

كما أنّه يجوز اعتباره للظّن الضّعيف و طرح القوي من جهة الملاحظة المذكورة، و من ثمّ حكم في ذلك الزّمان باعتبار ما لا يكون أقوى من غيره نوعا بل أضعف، فإذا جوّز الأمران فلا محالة لا يحكم بعموم النّتيجة من الجهتين، بل يكون مهملة مردّدة بين الكلّ و البعض، كما أنّها مردّدة بين القويّ و الضّعيف.

31

و ممّا ذكرنا يظهر: فساد ما توهّمه‏ (1) بعض المعاصرين: من عموم النّتيجة على الكشف بالنّظر إلى الأسباب، كما هو الحال على تقرير الحكومة؛ نظرا إلى اتحاد مناط الحجيّة على التّقريرين مناقشا فيما أفاده شيخنا (قدّس سرّه‏) من الفرق في النّتيجة بين التّقريرين من الجهتين و إهمالها على الكشف منهما.

(5) قوله (قدّس سرّه‏): (و إنّ التّقرير على وجه الكشف فاسد؛ أمّا أوّلا: فلأنّ المقدّمات المذكورة ... إلى آخره) (ج 1/ 468)

تقرير الكشف فاسد من وجوه ثلاثة

أقول: قد عرفت: أنّ الحكم الإدراكي للعقل بحجيّة الظّن عند الشارع الّذي يرجع إليه تقرير الكشف مبنيّ على ضمّ مقدّمة أخرى إلى مقدّمات دليل الانسداد المعروفة المذكورة في كلماتهم و هي: قبح التّكليف من جانب الشّارع من دون نصب طريق له مع فرض انسداد باب العلم بالأحكام الإلزاميّة الإلهيّة في الوقائع المشتبهة، و إلّا فنفس المقدّمات المذكورة لا تنتج في حكم العقل نصب الشّارع للظّن.

فإذن يتوجّه عليه: أوّلا؛ أنّ لزوم النّصب على الشّارع في حكم العقل بعد فرض بقاء التكليف، إنّما هو فيما لم يكن هناك طريق يسلكه العقلاء في باب مطلق الأحكام الصّادرة من الموالي بالنّسبة إلى العبيد شارعا كان أو غيره، و يحكم به العقل المستقلّ بعد القطع بعدم نصب طريق من جانب المولى، و المفروض‏

____________

(1) في الأصل: «فساد لما يتوهّمه» و الصحيح ما أثبتناه.

32

استقلال العقل في الحكم بحجيّة الظّن في الموضوع الّذي دار الأمر بينه و بين غيره من الشّك و الوهم كما فرض وجوده بالنّظر إلى مقدّمات دليل الانسداد المتقدّمة.

و ثانيا: أنّ غاية ما يحكم به العقل بالنّظر إلى المقدّمة المفروضة- بعد الإغماض عمّا ذكر أوّلا- هو وجوب نصب الطّريق على الشّارع من غير فرق بين الظّن و غيره. و إيجابه نصب خصوص الظّن على الشّارع إنّما هو موقوف و متفرّع على علمه بانتفاء ما يصلح للطّريقيّة في نظر الشّارع ممّا لا يدخل في عنوان الظن و جزمه بذلك حتّى يحكم بوجوب نصب خصوص الظّن على الشّارع من جهة الانحصار، و أنّى له بذلك بعد تجويز نصب الشارع لما لا يفيد الظن أصلا من باب التّعبّد؛ لما يرى فيه من المصلحة؟ كما هو المشاهد بالنّسبة إلى الأصول العمليّة الظّاهريّة، أو نصبه لما يفيد الظّن شأنا لخصوصيّة فيه و إلقائه الظّن الشّخصي رأسا، و ليس ذلك ممّا يستحيله العقل بعد المشاهدة و الوقوع في الشّرعيّات مع التّمكّن من تحصيل العلم بالواقع الّذي يكون أولى بالمراعات من زمان عجز تحصيل العلم بالواقع.

و القول: بأنّ نصب غير الظّن الشّخصي في زمان الانسداد بل في زمان الانفتاح و إن كان مجوّزا عند العقل، إلا أنّ المانع من حكمه بوجوب نصب الظّن على الشارع علمه بنصب غير الظن في الشّرعيات- لا مجرّد احتماله حتّى يكون حكمه بالوجوب مشروطا بعلمه بعدم النّصب الّذي لا سبب له في الشّرعيّات بعد إمكانه عقلا؛ إذ كما أنّ المانع من حكمه الإنشائي على تقرير الحكومة علمه بنصب غير الظّن لا مجرّد احتماله- و إلّا توجّه المنع الّذي أورده بعض المحقّقين على دليل الانسداد: بأنّ انسداد باب العلم و بطلان الرّجوع إلى الأصول جوازا في‏

33

بعض و وجوبا في آخر، لا ينتج جعل الظّن و حجيّته؛ لاحتمال نصب الشّارع غيره- كذلك المانع من حكمه الإدراكي على تقرير الكشف علمه بالنّصب لا مجرّد احتماله؛ إذ الدّليل واحد و المقدّمات متّحدة لا يختلف الحال فيها بحسب الاختلاف التّقرير- فاسد جدّا؛ لوضوح الفرق و فساد قياس الإدراك بالإنشاء.

ضرورة عدم إمكان دخل الأمر الواقعي النّفس الأمري في إنشاء العقل الّذي يرجع إلى وجدانه المترتّب على الموضوع الوجداني و العنوان التّحقيقي، و هذا بخلاف الإدراك؛ فإنّ المدرك و إن كان العقل، إلّا أنّ الحاكم المنشئ الشارع، فيعتبر وجود المانع في علمه، و لا يعتبر وجوده في وجدان العقل و علمه كما هو الحال على تقرير الحكومة، فكلّما احتمل نصب غير الظّن فيحتمل وجود المانع في وجدان الشّارع فلا يستقلّ بإدراك نصب الظّن.

لا يقال: إنّ المانع احتمال النّصب على التّقريرين على زعم من يجعله مانعا و هو أمر وجدانيّ لا النّصب الواقعي حتّى يحكم بالفرق بين التّقريرين بما ذكر فالأمر بالأخرة يرجع إلى الوجدان على كلا التّقريرين.

لأنّا نقول: صلاحيّة الاحتمال للمنع إنّما هو من جهة كون المحتمل صالحا له، فإذا حكم بعدم صلاحيّته على تقرير الحكومة فلا يعقل جعل نفس الاحتمال مانعا فتدبّر.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر: فساد ما أورده بعض على ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه‏) في الإيراد الثّاني على الكشف: بأنّ حكم العقل بحجيّة الظن لا يختلف الحال فيه بحسب التّقريرين، فإن كان حاكما به في زمان الانسداد فيحكم به على التّقريرين، و إن لم يكن حاكما به من جهة تجويز نصب غير الظّن الشّخصي في‏

34

حكم العقل للشّارع و كون مجرّده مانعا عن حكمه فلا يحكم به على التّقريرين.

و الّذي يظهر منه: أنّه لم يفرق بين التّقريرين و لم يفهم حقيقتهما فتخيل رجوعهما إلى الإنشاء، أو لم يفرق في صلاحيّة منع الاحتمال بين الإنشاء و الإدراك في وجه.

و بالجملة؛ هذا الإيراد لا واقع له أصلا، إلّا أن يتشبّث بذيل الإجماع و ادّعى قيامه على عدم نصب غير الظنّ في الشرعيّات في زمان الانسداد.

فيتوجّه عليه- مضافا إلى منعه على وجه ينفع-: أنّ مرجع الإجماع المذكور عند التّأمّل بعد تسليمه إلى قيامه على حجيّة الظن عند الانسداد كما هو أحد الأدلّة عند جمع‏ (1) ممّن ذهب إلى حجيّة الظن المطلق منهم: المحقّق القمي (قدّس سرّه‏) على ما صرّح به في بعض كلماته، و لا تعلّق له بدليل الانسداد و لا بالكشف و الحكومة، و الكلام كلّه؛ إنّما هو في نتيجة دليل الانسداد الّذي أقاموه لإثبات حجيّة الظن المطلق فلا مناسبة لذكر الإجماع في المقام.

و من هنا أمر شيخنا (قدّس سرّه‏) بالتّأمّل عقيب الاستدراك بقوله: «إلّا أن يدّعى الإجماع على عدم نصب شي‏ء آخر ... إلى آخره» (2).

و ثالثا: بأنّه لا يفيد في إثبات المدّعى للمستدلّ به و هو حجيّة مطلق الظّن إلا بعد عدم تماميّة المعيّنات الّتي ذكروها للمهملة و سيجي‏ء تماميّة بعضها فتدبّر.

____________

(1) منهم العلامة المحقق الفقيه الفاضل المير سيد علي الطباطبائي صاحب الرياض و خاله النّحرير الوحيد البهبهاني و تلميذه السيّد شارح الوافية، أنظر هداية المسترشدين: ج 3/ 330.

(2) فرائد الاصول: ج 1/ 469.

35

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الكلام في صحّة تقرير الكشف و عدمها لا في إنتاجه لحجيّة مطلق الظّن فهذا الاعتراض لا توجّه له أصلا فتأمّل.

(6) قوله (قدّس سرّه‏): (و أمّا ثالثا: فلأنّه لو صحّ كون النّتيجة مهملة ... إلى آخره). (ج 1/ 469) أقول: قد يناقش فيما أفاده (قدّس سرّه‏): بأنّ المصرّح به في كلامه- فيما سيجي‏ء- استقامة تعيين المهملة بأمور كتيقّن الاعتبار و نحوه، لا دخل للإجماع في تعيينها، بل صحّة التّعميم بما لا دخل للإجماع فيه بحيث يرجع الأمر إلى التّمسّك بالإجماع على حجيّة الظّن في المقام حتّى يتوجّه عليه- مضافا إلى منعه- بأنّه لا تعلّق له بالدّليل العقلي أصلا.

و لو أبدل الوجه الثّالث بما ذكرنا ثالثا لكان أبعد من المناقشة، و إن توجّه عليه أيضا: ما عرفت الإشارة إليه؛ من عدم رجوعه إلى إبطال تقرير الكشف كالأوّلين الرّاجعين إليه حقيقة.

(7) قوله (قدّس سرّه‏): (الأوّل: عدم المرجّح لبعضها على بعض ... إلى آخره). (ج 1/ 471) أقول: هذه عمدة المعمّمات الّتي ذكروها في المقام، بل الصّحيح منها لما ستقف عليه من بطلان غيرها. لكنّه موقوف على ثبوت أمرين:

أحدهما: عدم المرجّح لبعض الظّنون على بعض فيتوقّف على استقصاء ما ذكروه مرجّحا و معيّنا و إثبات عدم صلاحيّتها للتّعيين، و أمّا مجرّد وجود احتمال المرجّح لبعضها بحسب الواقع في نظر الشّارع و إن لم نعلمه، فيكفي ذلك مانعا عن التّعميم بما ذكر من الوجه، و إن أبطلنا ما ذكروه معيّنا فلا إشكال في عدم صلاحيّته للمنع؛ فإنّ هذا الاحتمال لو كان في بعض معيّن دون غيره فيدخل في بعض المعيّنات المذكورة لا محالة؛ فإنّه يصير بهذه الملاحظة أولى بالاعتبار من غيره‏

36

و لو كان في كلّ بعض، أو في بعض معيّن واقعا، غير معيّن عندنا بمعنى احتمال الخصوصيّة في بعض الأبعاض في الواقع مع كونه غير معيّن عندنا، فلا يصلح مانعا للتّعميم بالمعمّم المذكور؛ ضرورة مساواة هذا الاحتمال بالنّسبة إلى كلّ بعض فيؤول إلى عدم المرجّح و المعيّن حقيقة.

ثانيهما: بطلان التّخيير؛ بمعنى كون الحجّة بجعل الشّارع كلّ واحد من الظّنون و الأمارات الكافية على سبيل التّخيير، فيكون كلّ واحد حجّة على سبيل التّخيير و البدليّة؛ إمّا تخييرا استمراريّا، أو ابتدائيّا. و الثّمرة بينهما ظاهرة؛ إذ العقل الحاكم بوجوب نصب ما به الكفاية على الشّارع في الشّرعيّات لا يعيّن النّصب على الشّارع على سبيل التّعيين بعد حصول المقصود بالنّصب على سبيل التّخيير فيؤول الأمر بالأخرة إلى الإهمال حقيقة من هذه الجهة، و ليس مرجع التّخيير إلى التّرجيح حتّى يطالب المرجّح، بل هو في مقابل التّرجيح كما هو ظاهر، و إن كان اختيار المكلّف يستند إلى مرجّح لا محالة.

ضرورة استحالة تعلّق الإرادة بأحد المتساويين إلّا أنّه لا يتوقّف على مرجّح شرعيّ، بل يكفي له المرجّح النّفساني كما هو الشّأن في جميع موارد التّخيير في الأصول و الفروع.

و مرجع التّخيير كما عرفت و إن كان إلى حجيّة جميع الظّنون أيضا، إلّا أن المدّعى حجيّة كلّ واحد تعيينا فما لم يبطل لم يثبت المدّعى و لم يتمّ المعمّم المذكور.

لكن يمكن إن يقال: إنّ احتمال التّخيير إنّما هو فيما فرض كفاية كلّ واحد من الظّنون على ما عرفت، و إلّا لم يحتمل؛ لأنّ العقل إنّما حكم بوجوب نصب ما

37

به الكفاية، و فرض الكفاية بالنّسبة إلى كلّ واحد إنّما هو لوجود الجميع في غالب المسائل الفقهيّة بحيث يكون كلّ واحد سببا تامّا لحصول الظن منه على تقدير الاستناد إليه؛ إذ لولاه يكون المحذور من الرّجوع إلى الأصول في مجاريها و هو لزوم مخالفة العلم الإجمالي الّذي أوجب حجيّة الظن فرارا عنه باقيا.

و هو مع أنّه مجرّد فرض غير واقع في الشّرعيّات- كما هو ظاهر لمن كان له اطلاع بالمسائل و موارد الأمارات مضافا إلى أنّ الحجّة الظّن الشّخصي و لا يمكن تعدّده حتّى يحكم بالتّخيير فتأمّل- متّحد بحسب الفائدة و الثّمرة مع الحكم بحجيّة كل واحد جمعا.

إذ التّعارض لا يتصوّر على القول باختصاص النّتيجة بالظّن في المسألة الفرعيّة حتّى يقال: بأنّه يظهر الثّمرة بينهما في باب التّعارض؛ فإنّ الأمارتين المتعاضدتين راجحتان على الأمارة الواحدة، و ليس مفروض البحث في مسألة تعارض الأمارات على تقدير الإغماض عمّا ذكرنا؛ حتّى يظهر الفرق بين التّخيير و التّعيين؛ إذ المفروض موافقة الأمارات و جعل التّخيير بين كلّ مقدار من الأمارات الكافية فلا يلزم وجود كلّ واحد من الأمارات في الفقه كما ترى فتأمّل‏ (1).

مع أنّ التّخيير في المقام على القول به نظير التّخيير الواقعي في المسألة

____________

(1) الوجه فيه: عدم المانع من ذلك بعد فرض تقوّم ما به الكفاية به حسبما يفصح عنه مقالة القائلين بإهمال النتيجة، مع ان مرجع الإشكالات المذكورة إلى الإشكال في تصوّر التخيير في المقام و الكلام في أن إبطاله على تقدير تصوره، مما يتوقف عليه تماميّة هذا المعمّم فتدبّر. منه دام ظله.

38

الفرعيّة كما في الخصال‏ (1) و القصر و التّمام في [ال] مواطن الأربع‏ (2)، و ليس كالتّخيير بين المتزاحمين، أو التّخيير العذري الظّاهري بين الدّليلين المتعارضين، أو الاحتمالين المتعارضين كدوران الأمر بين الوجوب و التّحريم، فلا بدّ أن يكون كلّ واحد مشتملا على مصلحة تحصل به ما هو الغرض من التّكليف بغيره بحيث يكون غيره بعد إيجاده خاليا عن المصلحة. و أين يعلم به في الظّنون القائمة في المسائل الفقهيّة؟ فتأمّل‏ (3).

ثمّ إنّ مرجع ادّعاء الإجماع على بطلان التّخيير؛ أنّ التّخيير على الوجه المرقوم بين الأمارات ممّا لا يقول به أحد من علمائنا القائلين بحجيّة الظّنون الخاصّة، أو المطلقة، بل لم يقل به أحد من علماء العامّة و لم يعهد من الشّارع في مورد من الموارد.

فيعلم من ذلك: أنّ حكم الشّارع في المقام و المجعول عنده ليس كلّ واحد من الظّنون تخييرا، و بعد بطلانه و عدم المرجّح بالفرض يعلم: أنّ المهملة عندنا منطبقة على القضيّة الكليّة العامّة عند الشّارع، فيعلم بذلك: أنّ المجعول عند الشّارع جميع الأمارات و هذا معنى تعميم النّتيجة.

____________

(1) يريد التخيير بين خصال الكفّارة.

(2) التخيير بين القصر و التمام في المواطن الربعة في المسجد الحرام و المسجد النبوي و مسجد الكوفة و الحائر الحسيني على الثاوي به من الصلوات زنة عرش اللّه و مداد كلماته و ما احصاه كتابه و أحاط به علمه.

(3) الوجه في التأمّل: أن احتمال ذلك يكفي مانعا مضافا إلى إمكان تصوير ذلك في الأمارات.

منه (دام ظلّه) العالي على مفارق الأنام.

39

(8) قوله (قدّس سرّه‏): (الأوّل: كون‏ (1) بعض الظّنون متيقّنا بالنّسبة إلى الباقي ...

إلى آخره). (ج 1/ 472)

تيقّن الإعتبار هل يصلح لرفع الإهمال و تغيير النتيجة أم لا؟

أقول: الكلام في هذا المعيّن قد يقع في مفهومه، و قد يقع في مصداقه، و قد يقع في وجه كونه معيّنا للمهملة و صارفا لها في ضمن ما تحقّق كونه من مصاديقه.

أمّا الكلام فيه من الجهة الأولى، فملخصّه: أنّ المراد به: هو الأولى بالاعتبار بالنّسبة إلى غيره من الأمارات، سواء اعتبر أولويّته بالنّسبة إلى جميع الأمارات و هو المسمّى عندهم بالمتيقّن الحقيقي و المتيقّن بقول مطلق، أو بعض الأمارات ممّا هو دونه و هو المسمّى عندهم بالمتيقّن الإضافي. فالمتيقّن بقول مطلق و إن كان أمرا إضافيّا يعتبر في تصوّر مفهومه ملاحظة الغير و لو في القسم الأوّل، إلّا أنّه من جهة الامتياز بين القسمين منه سمّي الأوّل بالحقيقي و الثّاني بالإضافي.

فالمتيقّن بحسب المفهوم كما ترى يرجع إلى قضيّة شرطيّة و ثبوت الملازمة بين اعتبار غير ما فرض متيقّنا و اعتبار ما فرض متيقّنا من دون عكس، فكما يجامع و يتحقّق مع العلم باعتبار شي‏ء من الأمارات في الشّرع و يصدق معه، كذلك يصدق مع العلم بعدم اعتبار شي‏ء من الأمارات في الشّرع على نهج واحد.

فإنّ نسبة الشّرطيّة إلى وجود الشّرط و عدمه على حدّ سواء فكما تصدق مع‏

____________

(1) كذا و في الكتاب: الأوّل من هذه الأمور كون بعض ... إلى آخره.

40

صدق الشّرط كذلك تصدق مع كذب الشّرط من غير فرق بين الأمرين.

فمعنى كون الشّي‏ء أولى بالاعتبار من غيره: أنّه لو كان غيره معتبرا لزم اعتباره، و أمّا لو كان هو معتبرا، لم يلزم اعتبار غيره من غير فرق بين ثبوت اعتبار غيره و عدمه. فليس المراد من متيقّن الاعتبار: معلوم الاعتبار؛ بأن يقوم هناك دليل قطعيّ على اعتباره؛ إذ قد عرفت صدقه مع العلم بعدم اعتباره و عدم اعتبار غيره.

و بالجملة: وجود خصوصيّة في بعض الأمارات بحيث توجب الأولويّة بالاعتبار من غيره لا يلازم العلم بحجيّة غيره و لا بحجيّته في الشّرعيّات.

فما تخيّله بعض في المقام مناقشا فيما أفاده شيخنا (قدّس سرّه‏): من رجوع المتيقّن الاعتبار إلى معلوم الاعتبار- إذ لا يصير الظّن متيقّن الاعتبار إلّا بعد قيام الدّليل القطعي على اعتباره فيدخل في الظّن الخاص و لا تعلّق له بالظّن المطلق و دليل الانسداد و قضيّة الإطلاق و الإهمال حتّى يجعل معيّنا للمهملة؛ إذ الظّن الخاصّ على تقدير وجوده و كفايته كما هو المفروض في المقام، مانع عن دليل الانسداد.

فكيف يجعل من مقتضياته و معيّنا للمهملة الثّابتة به؟-.

فاسد جدّا و هو كما ترى، ناش عن الجهل بحقيقة كلماتهم و مرادهم من هذا اللّفظ.

مع أنّه ظاهر في ابتداء النّظر فيما ذكرنا مضافا إلى صراحة كلمات شيخنا (قدّس سرّه‏) في غير موضع فيه، و ما أدري ما أجهله بما ذكره شيخه المحقّق المحشّي (قدّس سرّه‏) في هذا المقام؟ فكأنّه لم يرجع إليه أصلا.

و قد أطال (قدّس سرّه‏) الكلام في بيان هذا المرام و أوضحه غاية الإيضاح حيث‏

41

قال (قدّس سرّه‏)- في عداد الوجوه الّتي ذكرها في قبال القائلين بحجيّة مطلق الظّن في الأحكام؛ نظرا إلى أن نتيجة دليل الانسداد بنفسها أو بضميمة بطلان التّرجيح من غير مرجّح إطلاق حجيّة الظّن- ما هذا لفظه:

«الخامس: أنّه بعد البناء على حجيّة الظّن في الجملة على سبيل القضيّة المهملة كما قضت به المقدّمات الثّلاث المذكورة إذا دار الأمر فيه بين حجيّة جميع الظّنون أو الظّنون الخاصّة من دون مرجّح لأحد الوجهين لزم البناء على حجيّة الجميع، لتساوي الظّنون إذن في نظر العقل و بطلان التّرجيح من غير مرجّح قاض بالتّعميم.

و أمّا إذا كان البعض من تلك الظّنون مقطوعا بحجيّته على فرض حجيّة الظّن في الجملة دون البعض الآخر تعيّن ذلك البعض للحكم بالحجيّة دون الباقي؛ فإنّه القدر اللّازم من المقدّمات المذكورة دون ما عداه؛ إذ حكم العقل بحجيّة الكلّ على ما ذكر ليس من جهة انتفاء المرجّح بينها بحسب الواقع حتّى يجب الحكم بحجيّة الجميع [كذلك‏] (1)، بل إنّما هو من جهة عدم علمه بالمرجّح فلا يصح له تعيين البعض للحكم بالحجيّة دون البعض من دون ظهور مرجّح عنده فيتعيّن عليه الحكم بحجيّة الكلّ بعد القطع بعدم المناص عن الرّجوع إليه في الجملة، فعموم الحكم إنّما يجي‏ء حينئذ من جهة الجهل بالواقع، و لا يجري ذلك عند دوران الأمر بين الأخصّ و الأعمّ على نحو ما هو المفروض في المقام؛ لثبوت حجيّة الأخصّ حينئذ على التّقديرين، فبعد ثبوت حجيّة الظن في الجملة لا كلام إذن في حجيّة

____________

(1) أضفناها من متن الهداية.

42

الأخصّ، و إنّما التّأمّل في حجيّة الباقي حينئذ. فكيف يسوغ للعقل [في مقام الجهل‏] (1) أن يحكم بجواز الرّجوع إلى الباقي مع الاكتفاء بتلك الظّنون في استعلام الأحكام؟ إذ المفروض كون حجيّة الأخصّ حينئذ مقطوعا بها عند العقل و حجيّة الباقي مشكوكة، بل الضّرورة العقليّة قاضية بترجيح الأخصّ و الاقتصار عليه في مقام الجهل حتّى يتبيّن له حجيّة غيره من الظّنون.

فإن قلت: إنّ الظّنون الخاصّة لا معيار لها حتّى يؤخذ بها على مقتضى التّعيين المفروض لحصول الخلاف في خصوصيّاتها، و دوران الأمر بين الأخذ بالكلّ و البعض المبهم لا ينفع في المقام؛ لوضوح عدم إمكان الرّجوع إلى المبهم.

و المفروض أنّه لا دليل على شي‏ء من خصوص الظّنون ليكون مرجعا بالخصوص فيلزم الحكم بحجيّة الجميع؛ لانتفاء المرجّح عندنا.

قلت: لا بدّ في حكم العقل حينئذ من الأخذ بأخصّ الوجوه ممّا اتّفق عليه أهل الظنون الخاصّة؛ بأن لا يحتمل الاقتصار على ما دونه بناء على القول المذكور إن اكتفي به في دفع الضّرورة و يترك الباقي ممّا وقع الخلاف فيه [على القول المذكور] (2) فلا يثبت بالقضيّة المهملة [الحاكمة بحجيّة الظن‏] (3) حينئذ ما يزيد على ذلك. و إن لم يكتف بالقدر المعلوم لاستنباط الأحكام أخذ بالأخصّ بعده أخذا بمقتضى المقدّمات المذكورة و جريا على مفاد الدّليل المذكور بعينه بالنّسبة إلى ما بعده، فإن لم يكشف أيضا أخذ بالأخصّ بعده لعين ما ذكر إلى أن يدفع به‏

____________

(1) كذلك.

(2) أضفناها من متن الهداية.

(3) كذلك.

43

الضّرورة و يترك الباقي بعد ذلك، هذا إذا كانت الظّنون متداخلة.

و أمّا إذا كانت متبائنة بأن كان أرباب الظنون الخاصّة مختلفين من غير أن يكون هناك ظنّ متّفق عليه بينهم، أو كان و لم يكن وافيا بالأحكام كان اللّازم الحكم بحجيّة جميع تلك الظّنون؛ لدوران البعض المحكوم بحجيّته قطعا بين تلك الظّنون، و لا ترجيح بينها فيجب الأخذ بجميعها من غير أن يسري إلى غيرها» (1).

إلى أن قال:

فإن قلت: إنّ المرجّح للأخذ بالبعض إنّما هو الأخذ بالمتيقّن بعد إثبات حجيّة الظّن في الجملة، و إذا دار ذلك البعض بين ظنون عديدة انتفى المرجّح المذكور فلا قاضي إذن بترجيح البعض، بل يساوي تلك الأبعاض و غيرها من الظّنون لوقوع الخلاف في الجميع.

قلت: إنّ هناك درجتين لتسرية الحجيّة إلى الظّنون:

إحداهما: أن يحكم بحجيّة تلك الأبعاض الخاصّة بعد العلم بحجيّة الظّن في الجملة و دوران الحجّة بين جميع تلك الأبعاض و بعضها؛ نظرا إلى انتفاء التّرجيح بين تلك الأبعاض و عدم المناص عن العمل.

[ثانيهما] (2): أن يتسرّى إلى جميع الظّنون منها و من غيرها. و من البيّن أنّ العقل حين جهالته و دوران الأمر عنده بين الوجهين إنّما يأخذ بالأخصّ، فإنّ‏

____________

(1) هداية المسترشدين: ج 3/ 369- 371.

(2) أضفناها من متن الهداية.

44

المهملة إنّما تكون كليّة على قدر ما قام الدّليل القاطع عليه دون ما يزيد عليه» (1).

و ساق الكلام إلى أن قال:

«فإن قلت: إن تمّ ما ذكر من البيان فإنّما يتمّ لو لم يعارض الظّن الخاصّ غيره من الظّنون، و أمّا مع المعارضة و رجحان الظّن الآخر فلا يتمّ ذلك؛ لدوران الأمر حينئذ بين الأخذ بأحد الظّنين فيتوقّف الرجّحان على ثبوت المرجّح بالدّليل، و لا يجري فيه الأخذ بالأخصّ، و لا اتّفاق على الأخذ بالظّن الخاصّ حينئذ ليتمّ الوجه المذكور، فيتساوى الجميع حينئذ في الحجيّة، و قضيّة بطلان التّرجيح بلا مرجّح هو حجيّة الكلّ حسبما قرّروه، و لا بدّ حينئذ من الأخذ بالأقوى على ما يقتضيه قاعدة التّعارض.

قلت: [لمّا] (2) يكن تلك الظّنون حجّة مع الخلوّ عن المعارض حسبما ذكر فمع وجوده لا تكون حجّة بالأولى، فلا يعقل إذا معارضة لما هو حجّة عندنا» (3).

إلى أن قال:

«إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّه على ما قررّنا يكون بين القول بحجيّة الظّنون الخاصّة و مطلق الظّن عموم مطلق كما هو أحد الوجهين المتقدّمتين في أوّل المسألة، فكلّ ظنّ يقول بحجيّته من يقول بحجيّة الظّنون الخاصّة يقول بحجيّة القائل بحجيّة مطلق الظّن‏ (4) إلّا أن يقوم عنده دليل على خلافه دون العكس‏

____________

(1) نفس المصدر: 371.

(2) أضفناها من متن الهداية.

(3) نفس المصدر: 372.

(4) و في متن الهداية العبارة هكذا: فكل من يقول بحجية مطلق الظن، يقول بحجية الظنون-

45

و بذلك يتم المطلوب؛ إذ بعد تسليم حجيّة الخبر في الصّورة المفروضة لا دليل على حجيّة الشّهرة حتّى يعارض بها تلك الحجّة المسلّمة فضلا عن ترجيحها عليها، فإنّ الحكم بالتّرجيح فرع الحجيّة، فإذا كانت منتفية لعدم قيام الدّليل عليها لم يعقل التّرجيح و يتمّ ما قررّناه، فإنّ الفريقين متّفقان حينئذ على حجيّة الخبر و جواز العمل به في نفسه لو لا المعارض الأقوى، إلّا أنّ القائل بحجيّة مطلق الظّن يقول حينئذ بوجود المعارض، فلا يجوز عنده العمل بالخبر من تلك الجهة و إنّما يتمّ له تلك الدّعوى على فرض إثباته.

و قد عرفت: أنّه لا دليل عليه حينئذ فتعيّن العمل بالخبر، هذا غاية ما يمكن تقريره في تصحيح هذا الوجه و لا يخلو عن تأمّل» (1). انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.

و ما أفاده في بيان الصّغرى و تشخيص مصداق المتيقّن اعتباره من الظّنون- سيّما ما أفاده في جعل مطلق أفراد الظّنون الخاصّة مع اختلاف أهله فيها من أفراده، و كون النّسبة بين القولين عموم مطلق، مع أنّ القائلين بالظّنون الخاصّة لا يعتبرون في اعتبارها حصول الظّن الفعلي منها في خصوصيّات مسائل الفقه- و كذا ما أفاده في مسألة التّعارض و إن كان محلّ المناقشة و النّظر، و لذا حكم بعدم خلوّه عن التّأمّل، إلّا أنّ ما أفاده من انصراف المهملة الثّابت حجيّتها بدليل الانسداد إلى خصوص ما كان أولى بالاعتبار من الظّنون- على تقدير الكفاية في‏

____________

- الخاصة الا أن يقوم عنده دليل على خلافه ... إلى آخره. أنظر الهداية: ج 3/ 373.

(1) هداية المسترشدين: ج 3/ 373- 369.

46

استعلام الأحكام المعلومة بالإجمال و الرّجوع إلى أصالة الحرمة بالنّسبة إلى غيره من الظّنون- في كمال الاستقامة و الجودة كما ستقف عليه، بل هو من القضايا الّتي قياساتها معها عند التّحقيق.

و قد عرفت: الفرق بين كون الشّي‏ء أولى بالاعتبار و القدر المتيقّن من بين الظّنون، و كونه معلوم الحجيّة في نفسه مع قطع النّظر عن ملاحظة غيره فيكون من الظّنون الخاصّة المعتبر انسداد باب العلم بها في الحكم بحجيّة الظّن على الإهمال أو الإطلاق من جهة دليل الانسداد المقصود بالبحث في المقام.

و أظنّ أنّه لا يختلط عليك الأمر بعد هذا البيان أصلا، و لا تقع في شبهة من اشتبه عليه أمر هذا المعيّن بالظّن الخاصّ. هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالجهة الأولى.

و أمّا الجهة الثّانية: و هو بيان مصداق هذا المفهوم و تشخيصه و تميزه من بين الظّنون التي علم بوجود المهملة فيها فهو في غاية الإشكال. و قد عرفت التّأمّل فيما أفاده الشّيخ المحقّق المحشّي (قدّس سرّه‏): من جعل مطلق ما قيل باعتباره من باب الظّن الخاصّ من مصاديقه.

و الميزان في مصداق المتيقّن بقول مطلق و بالنّسبة إلى جميع الأمارات الظّنية- الّذي توصف بالحقيقي في لسان شيخنا (قدّس سرّه‏)- أن يكون هناك ظنّ لم يحتمل أحد عدم اعتباره على تقدير حجيّة ظنّ عند الشّارع بخلاف غيره من الظّنون، و لا يبعد أن يكون الخبر الصّحيح الجامع للشّروط الّتي ذكرها شيخنا (قدّس سرّه‏) من مصاديقه؛ إذ لم يقل أحد ممّن قال بحجيّة الظّن في الشّرعيّات في قبال من قال بحرمة العمل بالظّن مطلقا و انفتاح باب العلم بالأحكام الشّرعيّة، بل قبح جعله على الشّارع كما

47

عرفته عن ابن قبة بعدم حجيّته و حجيّة غيره و إن كان القائل بالتعدّي عنه و تعميم الحجيّة بالنّسبة إليه و غيره كثيرا و لو سأل عن حاله عن كلّ فريق منهم لقال بحجيّته، و يعتبر في جعله مصداقا: أن لا يكون هناك إجماع بسيط على حجّيّته، و لا دليلا قطعيّا آخر، أو منهيّا إلى القطع يقتضي بحجيّته، و إلّا دخل في الظّن الخاصّ و خرج عن مفروض البحث كما هو ظاهر.

و أشكل منه: تحصيل المتيقّن بالإضافة، بحيث يرجع إليه على تقدير عدم وجود المتيقّن الحقيقي؛ و هو الخبر الجامع للشّروط الخمسة فيما بأيدينا من الأخبار، أو عدم كفايته في استعلام الأحكام بالمعنى المتقدّم على تقدير وجوده؛ لأنّه كلّما انتفى أحد الشّرائط احتمل كون غيره حجة دون الفاقد.

و من هنا يظهر النّظر فيما قد يقال: من أنّ المتيقّن بالإضافة بالنّسبة إلى غير الخبر الجامع للشّروط الخمسة، الخبر الجامع للشّروط الأربعة و المتيقّن بعده بالنّسبة إلي تمام غيره، الخبر الجامع للشّروط الثّلاثة و هكذا.

و بالجملة: تطبيق هذين المفهومين على الجزئيّات الخارجيّة و الأمارات الظنّية لا يخلو عن إشكال، و ليكن هذا في ذكر منك.

و أمّا الجهة الثّالثة: و هو كون المتيقّن بقسميه كلّ في محلّه و معيّنا للمهملة على تقدير وجوده و كفايته بمعنى لزوم الاقتصار عليه و عدم جواز الأخذ بغيره لأصالة الحرمة، فقد عرفت: أنّه لا إشكال فيه أصلا، بل لا ينبغي التّكلم فيه؛ لأنّه من القضايا الّتي قياساتها معها؛ ضرورة انصراف المهملة إليه بالمعنى الّذي عرفته على تقدير وجوده، فلا يحتاج إذن إلى النّقض و الإبرام و الأسئلة و الأجوبة المذكورة

48

في كلام المحقّق المحشّي‏ (1) المتقدّم ذكره، و إن كان كثير منها متعلّقا بالتّكلم في الصّغرى حقيقة دون الكبرى، هذا كلّه بالنّسبة إلى الأسباب.

و أمّا بالنّسبة إلى المراتب فالظّاهر عدم وجود هذا المعيّن بالنّسبة إليها؛ لأنّ جعل الضّعيف لخصوصيّة يراها الشّارع فيه أمر ممكن واقع عند أهل الظّنون الخاصّة فإنّ الأمارات الّتي ذهبوا إلى حجيّتها ليست أقوى ظنّا ممّا حكموا بعدم حجيّته. ألا ترى أن الشّهرة العظيمة أقوى ظنّا من غالب الأمارات الّتي حكموا بحجيّتها من باب الظّن الخاصّ؟ مع أنّها غير معتبرة عند المشهور.

(9) قوله (قدّس سرّه‏): (و لا يتوهّم: أنّ هذا المقدار المتيقّن من‏ (2) الظّنون الخاصّة ...

إلى آخره). (ج 1/ 472) أقول: لا يخفى عليك أنّ هنا توهّمين:

أحدهما: ما عرفت الإشارة إليه مع فساده: من كون المراد من هذا المعيّن ما علم حجيّته بالخصوص و بالنّظر إلى نفسه من غير دخل لدليل الانسداد فيه، و هو يرجع على ما عرفت إلى اشتباه هذا المتيقّن بما علم اعتباره بنفسه.

ثانيهما: ما أشار إليه (قدّس سرّه‏): من كون المراد من الظّن الخاصّ أعمّ ممّا علم اعتباره بنفسه لقيام دليل ناظر إليه ابتداء بعنوانه الخاص و ممّا يرجع أمر الاعتبار بالأخرة إليه، و لو كان من جهة كونه أولى بالاعتبار من محتملات مدلول الدّليل و قدرا متيقّنا منها.

____________

(1) الشيخ محمّد تقي الاصفهاني صاحب الهداية.

(2) كذا و في الكتاب: المقدار المتيقّن حينئذ من الظنون ... إلى آخره.

49

و هذا ليس في الوهن كالأوّل؛ إذ معنى تردّد المهملة بين المطلقة الكليّة و الجزئيّة المعيّنة المقيّدة إلى دوران الأمر بين كون الحجّة في حكم الشارع مطلق الظّن، أو الظّن الخاصّ و لو كان مقيّدا بزمان الانسداد؛ لأنّه لو لا احتمال مدخليّة السّبب الخاصّ في مدلول دليل الانسداد لم يكن معنى للإهمال.

فالإهمال إنّما هو من جهة احتمال اعتبار الشّارع الظّن الحاصل من السّبب الخاصّ، و ليس الغرض من المعيّن إلّا إثبات هذا المعنى، فإذا عيّن فيصير الحاصل من دليل الانسداد بضميمة المعيّن حجيّة الظّنّ الحاصل من السّبب الخاص في زمان الانسداد.

و منه يعلم: أنّ هذا التّوهّم جار بالنّسبة إلى جميع المعيّنات و لا اختصاص له بتيقّن الاعتبار كما هو واضح، و من هنا تمسّك في «المعالم» لحجيّة الخبر بدليل الانسداد (1)، مع أنّه من أهل الظّنون الخاصّة؛ نظرا إلى صرف نتيجة دليل الانسداد إلى الظّن القوي المنحصر في زعمه في خبر العادل الّذي ذكره.

و لكن يرد عليه: أنّ المراد من الظّن الخاصّ في كلماتهم و ألسنتهم ما كان نظر الدّليل المثبت له أوّلا، إلى السّبب من غير فرق بين اعتبار الظّن الشّخصي منه في الموارد الجزئية و عدمه، كما هو المشاهد الواقع في الظّنون الخاصّة؛ فإنّ اعتبارها- عند التّحقيق و أكثر المحقّقين- على هذا الوجه لا ما انصرف الدّليل إليه و لو بضميمة مقدّمة خارجيّة و الدّليل الانسداد كما عرفت تحقيقه و اعترف به المتوهّم؛ إذ لا يثبت أوّلا اعتبار المتيقّن اعتباره على تقرير الكشف، إلّا بملاحظة

____________

(1) معالم الدين و ملاذ المجتهدين: 192.

50

كونه متيقّنا من المهملة.

فاعتباره إنّما هو بالنّظر الثّانوي، و عدّ صاحب «المعالم» و أضرابه من أهل الظّنون الخاصّة خبر العادل منها، ليس من جهة تمسّكهم بدليل الانسداد، بل لتمسّكهم في مسألة حجيّة الخبر بوجوه أخر اقتضت حجيّة الخبر بعنوانه الخاصّ ابتداء.

فإذا كان نظر الدّليل المثبت لحجيّة الظّن إلى وصف الظّن، و إن انصرف إلى نوع منه بالملاحظة الثّانويّة هو الظّن المطلق؛ من غير فرق بين أن يكون الدّال عليه الكتاب أو السّنة أو الإجماع أو العقل سواء كان على الأخير دليل الانسداد أو غيره كوجوب دفع الضّرر المظنون و نحوه، و من هنا تمسّك المحقّق القمّي (قدّس سرّه‏) لحجيّة الظّن المطلق بآية النّبأ و أمثالها.

و إن كان نظره إلى السّبب الخاصّ من غير أن يستفاد منه اعتبار إطلاق اعتبار الظّن فهو ظنّ خاص. فعلى ما ذكرنا القائل باختصاص نتيجة دليل الانسداد بالظّن القوي الاطمئناني، أو ما ظنّ اعتباره من الأمارات من أهل الظّنون المطلقة لا الظّنون الخاصّة و إن كانوا من أهل الظّنون الخاصّة بالمعنى اللّغوي و العرفي بالنّسبة إلى القائل بحجيّة الظّن بالمعنى الأعمّ ممّا قالوا به؛ فإنّ الإطلاق و الخصوصيّة أمران إضافيّان.

و من هنا عدّ بعض من قال باختصاص النّتيجة بخصوص الظّن في المسألة الأصوليّة، في عداد أهل الظّنون الخاصّة، في قبال القول بحجيّة الظّن مطلقا من غير فرق بين تعلّقه بالمسألة الأصوليّة أو الفرعيّة.

فقد تقرّر ممّا ذكرنا أنّ هنا وجهين:

51

أحدهما: إناطة الاختصاص و الإطلاق بالسّبب الخاص وعدمه مطلقا من غير فرق بين أن يكون الاختصاص ذاتيّا أوّليّا أو عرضيّا ثانويّا، و هذا هو الّذي بنى عليه المتوهّم و يساعده العرف العامّ و اللّغة.

ثانيهما: إناطة الاختصاص و الإطلاق بالاختصاص الذّاتي و عدمه و هو الّذي بنى عليه شيخنا (قدّس سرّه‏) في «الكتاب»، و هذا هو المراد من كلامه المتقدّم لا ما يتوهّمه المتوهّم، و إن كانت العبارة قاصرة في إفادة المراد في ابتداء النّظر.

فالمراد أنّ الظّن الخاصّ ما ثبت اعتباره بغير دليل الانسداد ممّا كان نظره إلى السّبب الخاصّ ابتداء لا الأعمّ منه و ممّا انصرف إليه الدّليل بملاحظة خارجيّة كما هو المفروض في المقام، فليس المراد أنّ كلّما ثبت اعتباره بغير دليل الانسداد فهو ظنّ خاصّ و إن كان مقتضاه حجيّة الظّن على الإطلاق.

و ممّا ذكرنا يظهر: الوجه في أمره (قدّس سرّه‏) بالتّأمّل عقيب ما عرفت من الكلام؛ فإنّ الوجه فيه عدم الجزم بإناطة الاختصاص و الإطلاق في كلماتهم بالوجه الثّاني و احتمال كون المراد الوجه الأوّل و ليكن ما ذكرنا في حفظ منك، حتى لا تسلك من غير الطّريق في فهم عبارة «الكتاب» و هو الحافظ عن الخطأ و نسأله أن يحفظنا عن الخطأ في القول و العمل.

(10) قوله (قدّس سرّه‏): (للزوم الاقتصار في مخالفة الاحتياط اللّازم في كلّ واحد ...

إلى آخره) (ج 1/ 472) أقول: لا يخفى عليك: أنّ ما أفاده (قدّس سرّه‏) من التّعليل لكون القوّة معيّنة مبنيّ على ما تقدّم المناقشة فيه؛ من عدم بطلان الاحتياط بعدم العلم الإجمالي بالتكاليف، إلّا في الجملة بقدر ما يندفع به الحرج و العسر الشّديد، فيتعيّن بحكم العقل مخالفته‏

52

فيما كان الاحتمال الموافق للاحتياط فيه، يعني احتمال الوجوب و التّحريم في كمال البعد من جهة قيام الظّن القوي الاطمئناني على عدم الوجوب و التّحريم، فيقتص عليه في مخالفة الاحتياط و يراعى مقتضى العلم الإجمالي في باقي المحتملات ممّا ظنّ فيه بالتّكليف مطلقا أو شكّ فيه، أو ظنّ عدمه، إذا لم يبلغ مرتبة الاطمئنان.

و قد عرفت: أنّ الكلام في إطلاق النّتيجة و إهمالها بعد الفراغ عن ثبوت أصلها و الكلام المذكور مبنيّ على ما عرفت مرارا على عدم ثبوتها، فالأولى بل المتعيّن أن يعلّل ذلك: بأنّ حكم العقل الإدراكي على تقدير تسليمه كما هو مبنى البحث عن المعيّنات بالنّسبة إلى الظّن و كونه حجّة عند الشّارع إنّما هو من جهة كونه أقرب إلى الواقع من الشّك و الوهم، فإذا كان المدرك مردّدا بين المطلقة و الجزئيّة بحسب المرتبة و كان هذا المناط العقلي موجودا في الأقوى على الوجه الأتمّ و الأكمل- و المفروض كفايته في الفقه- فلا محالة يستكشف حجيّته و يحكم بوجوب الاقتصار عليه، بضميمة أصالة حرمة العمل بغير العلم.

و إلى هذا الوجه يشير كلامه (قدّس سرّه‏) فيما سيجي‏ء عند الاعتراض على هذا المعيّن.

ثمّ إنّه لا يخفى عليك: أنّ هذا المعيّن ناظر إلى التّعيين بحسب المرتبة و لا دخل له بالأسباب أصلا؛ ضرورة أن الظّن الأقوى لا يستند دائما إلى أمارة معيّنة؛ لأنّ ما يحصل الظّن الأقوى منه بالنّسبة إلى مورد لا يلزم حصول هذه المرتبة منه بالنّسبة إلى مورد آخر، و المفروض عدم إناطة الحجيّة بالظّن النّوعي، حتّى يقال:

إنّ في الأمارات ما يكون أقوى نوعا من غيرها كالخبر الصّحيح الأعلائي‏