بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج4

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
688 /
3

-

4

[المقصد الثالث فى الشك‏]

[المراد باصل البراءة]

[المقام الاول فى البراءة و الاشتغال و التخيير]

[الموضع الاول الشك فى نفس التكليف‏]

[المطلب الاول الشبهة التحريميه‏]

[المسالة الاولى الشبهة التحريميه من جهة فقدان النص‏]

[تنبيهات المسالة الاولى‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين‏

و صلّى اللّه على نبيّه محمّد و آله الطّيبين الطّاهرين‏

حجج اللّه على خلقه أجمعين‏

و على سائر أنبيائه و أوليائه و ملائكته المقرّبين‏

و لعنة اللّه على أعدائهم من الأوّلين و الآخرين إلى يوم الدين‏

5

* المطلب الأول: الشبهة التحريمية (1)- تنبيهات المسألة الأولى‏

1- تفصيل المحقق (قدّس سرّه‏) بين ما يعم به البلوى و غيره‏

2- أصالة الإباحة من الأدلة الظنّية أو من الأصول؟

3- أوامر الإحتياط للإستحباب أو للإرشاد؟

4- أقوال أربعة للأخباريين فيما لا نص فيه‏

5- أصل الإباحة إنّما هو مع عدم أصل موضوعيّ حاكم عليه‏

6- المجتهدون لا ينكرون العمل بالإحتياط

* المسألة الثانية: تحقّقها لإجمال النص‏

* المسألة الثالثة: تحقّقها لتعارض النصّين‏

* المسألة الرابعة: تحقّقها لإشتباه الموضوع‏

- تنبيهات الشبهة التحريميّة الموضوعيّة

التنبيه الأوّل: إذا لم يكن أصل موضوعي يقضي بالحرمة

____________

(1) و قد مضى البحث فيه في المجلد السابق.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

التنبيه الثاني: الفرق بين الشبهة في نفس الحكم و بين الشبهة في طريقه‏

التنبيه الثالث: الإحتياط التام موجب لإختلال النظام‏

التنبيه الرابع: عدم اختصاص الإباحة بالعاجز عن الإستعلام‏

* المطلب الثاني: الشبهة الوجوبيّة

* المطلب الثالث: دوران الأمر بين المحذورين‏

* الموضع الثاني:

«الشك في المكلّف به»

و فيه مطالب:

* المطلب الأوّل: اشتباه الحرام بغير الواجب‏

* المطلب الثاني: اشتباه الواجب بغير الحرام‏

* (1)

____________

(1) يأتي المطلب الثالث و هو «اشتباه الواجب بالحرام» بالإضافة إلى خاتمة المقام الأوّل في المجلّد الخامس إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

التنبيه الأول: من تنبيهات الشبهة التحريمية

(1) قوله (قدّس سرّه‏): (و لا بدّ من حكاية كلامه (قدّس سرّه‏) في «المعتبر» و «المعارج» ...

إلى آخره) (1). (ج 2/ 93)

____________

(1) قال المحقق الخراساني (رضوان اللّه تعالى عليه) :

«أقول: ليس ما يورث تخيّل التفصيل في عبارتيه إلّا في عبارته الأولى قوله (قدّس سرّه‏): «و منه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الحظر» حيث يتخيّل منه أنّ المحقق (رحمه اللّه) جعل القول بالإباحة بالمعنى الذي هو محلّ الكلام من أقسام ما لا يصحّ إلّا فيما علم انّه لو كان هناك دليل لظفرنا به و من المعلوم انه لا يكون كذلك إلّا ما يعمّ به البلوى كما لا يخفى.

و ما في عبارته الثانية قوله (رحمه اللّه): «انّه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلّ عليه إحدى تلك الدلائل» حيث يتخيّل انّه لا يتمّ إلّا فيما يعمّ به البلوى؛ فإنّ غيره لا يلزم ثبوته نهوض دليل من الأدلة عليه، و أنت خبير بعدم صلاحيّة واحدة منهما لذلك.

أمّا الأولى: فلأنّ الإباحة في قوله (رحمه اللّه): «و منه القول بالإباحة» ليس بالمعنى الذي هو محلّ الكلام، بل هو الإباحة الشرعيّة الواقعيّة التي هو أحد الأحكام.

و أمّا الثانية: فلأنّ تعليله (رحمه اللّه) «ذلك» لقوله (رحمه اللّه): «لأنه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به ... إلى آخره».

يشهد بصراحته أنّ مراده من الحكم المنفيّ بذلك هو الحكم الفعلي المنجزّ؛ ضرورة انّه لا تكليف بنفس الواقع من حيث هو ليلزم من عدم الدّلالة عليه التكليف بما لا يطاق.

و من المعلوم انه لا يتفاوت الحال في الحكم الفعلي بحسب الدليل بين ما يعمّ به البلوى-

10

____________

- و غيره كما حقّقه (قدّس سرّه‏) فتفطّن» إنتهى. درر الفوائد: 216.

و علّق عليه الفاضل الكرماني (قدّس سرّه‏) قائلا:

أقول: الموضع الذي يستفاد من عبارته الأولى التفصيل هو قوله: «الثاني: أن يقال: عدم الدليل على كذا فيجب انتفاءه و هذا يصحّ فيما يعلم انّه لو كان هنا دليل لظفر به ...» فإنه يشمل ما نحن فيه، فيقال فيما شك في كونه محظورا: عدم الدليل على الحظر فيجب إنتفائه.

و ما زعمه الخراساني محلّ الإستفادة ليس به، بل داخل فيه و لهذا قال: «و منه القول بالإباحة» و لم يقل: «ذلك أن يقال بالإباحة ... إلى آخره».

ثم ما أدري من أين علم أن الإباحة في قوله: «هو الإباحة الشرعيّة الواقعيّة التي هي أحد الأحكام» الخمسة مع أن انتفاء الدليل على ما ذكر لا يوجبه بل يرفع الحظر في محتمله و الوجوب كذلك، و أين هذا من إثبات الإباحة الخاصّة؟

و مراده من الحكم المنفي في عبارته الثانية هو الحكم الواقعي الفعلي لا الشأني فقط و لا الأعم كيما يقال: لا ينطبق التعليل عليه، و لا الفعلي مطلقا كيما يقال: بعدم الفرق فيه بين ما يعمّ البلوى به و غيره، و كأن المحقّق متوقّف في دلالة عدم وجدان الدليل على عدم الحكم الواقعي الفعلي إذا لم يكن ممّا تعمّ به البلوى فإن التكليف بما لا طريق اليه قبيح إذا كان هذا بيان ما يمكن أن يقال، لا مرضيّ المقال» إنتهى. أنظر الفرائد المحشّى: 214.

* و قال المحقق الأصوليّ الفقيه المؤسس الطهراني أعلى اللّه مقامه الشريف بعد أن نقل العبارة التالية:-

11

____________

- «قد يتوهم: تفصيل المحقّق (قدّس سرّه‏) في حجّيّة هذا الأصل بين ما يعمّ به البلوى و غيره فإنّه في المعتبر اشترط في عدم الدليل دليل العدم أن يعلم انه لو كان هنا دليل لظفرنا به، أمّا لا مع ذلك فيجب التوقّف و لا يكون ذلك الإستدلال حجّة» إنتهى.

و استفادة هذا المعنى من هذا الكلام نشأت من عدم الخبرة بضروريّات الفنّ فإن الإستصحاب عندهم ينقسم إلى أربعة أقسام: استصحاب حال العقل و استصحاب حكم النّص المعبّر عنه بالعموم و الإطلاق و استصحاب حال الشرع الذي هو التعويل على الحالة السابقة مطلقا و يعبّر عنه باستصحاب حال الإجماع و استصحاب الحال بقول مطلق و يعرّف:

بإبقاء ما كان على ما كان؛ لأنّه كان، و عدم الدّليل دليل العدم. و هذه أربعة أصول عندهم.

و الأوّل إنّما هو أصل البراءة و أمّا الأخير فهو أصل مغاير له و هو دليل قطعي و قوامه بالملازمة بين عدم الدليل و بين عدم الواقع و قد أوضحناه في مبحث الإستصحاب بما لا مزيد عليه.

و أمّا عبارة المعارج فليست صريحة في التفصيل بل ظاهرة في بيان استصحاب حال العقل؛ فإنّ عنوانه: أنّ الأصل خلوّ الذمّة عن الشواغل الشّرعيّة.

قال: «فإذا إدّعى مدّع حكما شرعيّا جاز لخصمه أن يتمسّك بالبراءة الأصليّة» و استدلّ على ذلك: «بأنّ طرق الإستدلال منضبطة و عدم البيان مع الثبوت تكليف بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به و هو تكليف بما لا يطاق».

و هذا البيان و إن كان فاسدا في نفسه و يشبه في إعتبار الملازمة قاعدة عدم الدليل دليل العدم و لكن اعتبر الملازمة من حيث لزوم التكليف بما لا يطاق لا من جهة عموم البلوى.-

12

المحقّق لم يتعرّض لأصالة البراءة هنا فضلا عن التفصيل المنسوب إليه‏

أقول: كأنه (قدّس سرّه‏) أحال ظهور الحال إلى فهم الناظر في العبارتين من الكتابين، و من هنا لم يبيّن شرح المطلب عقيب نفس العبارتين و أشار إلى كذب الحكاية في آخر الأمر بقوله: «و الحاصل ... الى آخره» (1).

و أنت خبير بأن كلامه في «المعتبر»، نصّ في عدم التفصيل في أصل البراءة لو كان هو المقصود من استصحاب حال العقل، كما ربّما يستظهر منه.

و أمّا لو كان المراد معناه المقابل لأصل البراءة كما هو الظاهر منه؛ لأنه في مقام تقسيم الاستصحاب، فقد جعل القسم الأوّل التمسّك بالبراءة لأنفسها، فكلامه في هذا التقسيم ساكت عن حكم أصل البراءة، لأنه خارج عن المقسم و مقابل له حقيقة، فإن كلامه صريح في تقسيم الاستصحاب، و إن تسامح في جعل عدم الدليل دليل العدم من أقسامه.

____________

- و من المعلوم انّه ليس تفصيلا في المسألة و إنّما هو توضيح للقاعدة و يظهر فساده بما حقّقناه» إنتهى. أنظر محجّة العلماء: ج 2/ 16.

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 98.

13

فإنه بعد تقسيم مستند الأحكام في الفصل الثالث إلى خمسة أقسام:

الكتاب، و السنة، و الإجماع، و العقل، و الاستصحاب، و التعرض للكلام في الأربعة، قال: «و أما الاستصحاب فأقسامه ثلاثة: الأول: استصحاب حال العقل ... إلى آخر ما ذكره في «الكتاب»» (1) و إنّما ذكر ما ذكره من القيد الراجع إلى التفصيل في عدم الدليل دليل العدم الذي هو في مقابل القسم الأول، و ذكر في ذيله: أنّه لو استند في إثبات الإباحة إلى الأصل المذكور، أي: عدم الدليل دليل العدم، جرى فيه التفصيل أيضا.

و هذا كما ترى، لا تعلّق له بالتفصيل في باب البراءة.

و أما كلامه في «المعارج» (2) فينطبق على قوله في «المعتبر» (3) في ذيل القسم الثاني، و منه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الحظر. فإن مراده من التمسّك بالبراءة الأصليّة ما ذكره من بيانه بقوله: «فنقول: لو كان ذلك الحكم ثابتا ... إلى آخره» (4) و مع ذلك لا تعلق له بالتفصيل المحكيّ عنه أصلا.

و بالجملة: التأمّل في أطراف كلمات المحقق (قدّس سرّه‏) سيّما قوله في آخر كلامه في‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 93.

(2) المعارج: 221- 213.

(3) المعتبر: ج 1/ 213.

(4) فرائد الأصول: ج 2/ 94.

14

«المعارج» المحكيّ في «الكتاب» (1) يقتضي القطع بعدم تعرّضه لأصل البراءة، و أن محلّه في الكتابين عدم الدليل دليل العدم، مع أن جعله عدم الدليل على الحكم دليلا على عدم الحكم من جهة لزوم التكليف بما لا يطاق على تقدير ثبوته مع عدم الدليل، لا تعلق له بالتفصيل المذكور في عدم الدليل دليل العدم أيضا.

ثمّ إن كان مراده جعل ذلك دليلا على نفي الحكم في مرحلة الواقع كما هو الظاهر من كلامه، فلا تعلّق له بباب البراءة أصلا، و إن كان ما أفاده محل مناقشة؛ من حيث إن عدم الدليل على حكم الفعل لا يجعله غير مقدور.

و إن كان مراده جعل ذلك دليلا على نفي التكليف في مرحلة الظاهر، أي:

التكليف الفعلي كما استظهره شيخنا (قدّس سرّه‏) منه، أمكن الاستدلال به في باب البراءة، و إن لم يكن تامّا؛ فإن الدليل العقلي على نفي التكليف الفعلي إنّما هو حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان، لا قبح التكليف بما لا يطاق على ما عرفته في محلّه.

فما زعمه المحدث الأسترآبادي‏ (2) في تحقيق ما أفاده المحقق (قدّس سرّه‏)- مضافا

____________

(1) المصدر السابق.

(2) قال المحقّق المؤسس الطّهراني (قدّس اللّه نفسه الزكيّة):

«إن ما زعمه المحدّث المزبور مرجعه إلى الخلط بين أمرين متبائنين:

أحدهما: انفتاح باب العلم في جميع المسائل من جهة شدّة الإهتمام ببيان الأحكام و نهاية-

15

إلى عدم استقامته كما يظهر بالتأمّل فيما أفاده شيخنا (قدّس سرّه‏) و عدم محصّل للعلم العادي المذكور في كلامه- أجنبيّ عنه؛ إذ النفي عند المحقّق، سواء كان المنفي الحكم الواقعي، أو الفعلي، مستند إلى قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق، و لا يعقل التفصيل المذكور و لا غيره من التفاصيل بناء على الاستناد إليها كما هو ظاهر.

كما أنه لا يعقل التفصيل المذكور على تقدير الاستناد في باب البراءة إلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان، كما أنه لا يعقل الفرق بين قولي المخطّئة و المصوّبة على التقديرين أيضا.

نعم، الفرق بين المذهبين: أنّ المصوّبة لا يقولون بثبوت الحكم الواقعي‏

____________

- الضبط و التحفّظ بالتّدوين و النّشر في كلّ زمان.

و الآخر: إنفتاحه في مسئلة خاصّة لعموم البلوى بها الواجب لظهورها.

و أعجب من هذا توهّم إستناد الإنسداد إلى تخصيص النّبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) بعض الناس ببيان الأحكام عنده و وقوع الفتن الموجبة للإختفاء، مع أن وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) في تلك المدّة المديدة خفى أمره على المسلمين فمجرّد عموم البلوى أيضا لا يوجب وضوح الأمر.

و أمّا مجرّد بيان الأحكام و عدم التخصيص، فعدم اقتضائه للوضوح بديهيّ.

و بالجملة: فتعليل تأثير عموم البلوى في الوضوح في مسألة خاصّة بتهيّأ الأسباب لوضوح جميع الأحكام غلط واضح.

و بما حقّقناه يظهر ما فيما أفاده الأستاذ (قدّس سرّه‏) في هذا المقام» إنتهى.

أنظر محجّة العلماء: ج 2/ 17.

16

المشترك بين العالم و الجاهل، و المخطّئة يقولون بذلك، إلّا أن الفريقين متفقون على إناطة العقاب بالبيان و أنه يقبح العقاب بدونه، و إن كان هنا حكم واقعي في حال الجهل. و هذا معنى نفي الحكم الفعلي على المذهبين لما أسمعناك مرارا: أنّ الحكم الفعلي ليس إنشاء آخر من الشارع، في قبال الحكم الشأني و إنّما هو يعتبر من حكم العقل بجواز المؤاخذة على المخالفة و عدمه، فالشأنيّة و الفعليّة من مراتب الإنشاء الصادر من الشارع بالنظر إلى حكم العقل.

نعم، عنوان الخطاب و الحكم و التكليف يتبع عند بعضهم تنجّز الإنشاء الصادر من الشارع، فوجوده النفس الأمري عنده لا يتّصف بالأوصاف المذكورة ما لم يحكم العقل بثبوت العقاب على مخالفته.

و كيف ما كان فيما حكم العقل بقبح العقاب يحكم قطعا بنفي الحكم الفعلي؛ لأنه يتبع نفي العقاب حقيقة، و هذا ملاك البراءة العقليّة لا غيره، كما أنه ملاك البراءة الشرعيّة أيضا و إن استفيد من أخبارها الإباحة الظاهريّة؛ فإن الحكم بالإباحة في مرحلة الظاهر يلازم نفي التكليف الفعلي أيضا. نعم، على القول باعتبار البراءة من باب الظنّ استنادا إلى الاستصحاب أو غيره يحكم بنفي التكليف الواقعي ظنّا، لكنه لا تعلّق له بالمقام؛ لأنه يدخل البراءة حينئذ في الأدلّة و يخرج من الأصول، كما أنه على تقدير قول المحقّق المتقدّم و بعض آخر ممن وافقه في ظاهر كلامه، يكون من الأدلّة القطعيّة على نفي الواقع إستنادا إلى ما عرفت من قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق.

17

فما أفاده شيخنا (قدّس سرّه‏) في «الكتاب» في ردّ المحدّث المتقدّم ذكره، في كمال الجودة.

فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه: أن التفصيل المنسوب إلى المحقّق في باب البراءة بل مطلقا لا أثر له في كلامه.

(2) قوله (قدّس سرّه‏): (نعم، هذا القسم الثاني أعمّ موردا من الأوّل ...

إلى آخره) (1). (ج 2/ 98)

أقول: قد عرفت الإشارة إلى ما وقع من المحقّق (قدّس سرّه‏) من التسامح في تقسيم الاستصحاب؛ بجعل عدم الدليل دليل العدم من أقسامه بإرادة مطلق الحكم على طبق الحالة السابقة من الاستصحاب و إن لم يكن مستندا إليها، بل إلى شي‏ء آخر.

و أمّا النّسبة بين الأصلين بحسب المورد، فهي عموم من وجه لجريان‏

____________

(1) قال الشيخ غلام رضا القمّي (قدّس سرّه‏):

«أقول: يعني أن قاعدة عدم الدليل دليل العدم أعم موردا من قاعدة البراءة الأصليّة؛ لجريان الأولى في العقليّات و غيرها، بخلاف الثانية؛ فإنها مختصّة بالتكاليف فقط.

و فيه: انّ هذا إنّما يتم لو قلنا بأنّ الثابت بالأولى هو البراءة الواقعيّة، و أمّا لو قلنا بان الثابت بها إنّما هو البراءة الفعليّة فلا؛ لأنها حينئذ لم تكن ناظرة الى الواقع، بل غاية مفادها: ثبوت الحكم الظاهري، فكيف تجري في العقليّات و غيرها ممّا لا يكون فيه لغير الناظر إلى الواقع سبيل، فتكون حينئذ مختصّة بالتكاليف أيضا هذا» إنتهى. أنظر قلائد الفرائد: ج 1/ 377.

18

الأصل المذكور في المسائل الاعتقادية و العمليّة دون الموضوعات الخارجيّة، و جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة العملية بالمعنى الأعمّ من الأصوليّة العملية، و الفقهيّة، و الموضوعات الخارجيّة، دون المسائل الاعتقادية.

فغرضه (قدّس سرّه‏) من الحكم بتعميم مورد الثاني إنّما هو لدفع توهّم كونه أخصّ مطلقا من الاستصحاب موردا، لا لبيان كون الاستصحاب أخصّ منه مطلقا و إن كان الأصل المذكور لا دليل عليه عندنا، مع دعوى الإجماع عليه في كلماتهم إلّا إذا أفاد القطع بالعدم، فإن جرى في مورده الاستصحاب حكمنا بمقتضاه و إلّا أعرضنا عنه، فيرجع إلى أصل آخر، لكنّه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام.

[التنبيه الثاني‏]

(3) قوله (قدّس سرّه‏): (الثاني‏ (1): مقتضى الأدلّة المتقدّمة، ... إلى آخره). (ج 2/ 99)

أقول: لا يخفى عليك: أن هذا الكلام لا تعلق له بخصوص المسألة، بل هو جار في جميع موارد البراءة؛ فإنّك قد عرفت في أول المسألة: أن عدّ أصل البراءة في الأصول العمليّة مبني على ما هو التحقيق: من عدم إناطته بالظن بالواقع عقلا و شرعا، شخصا و نوعا، و أن مفاده القطع بعدم العقاب و الإلزام في مرحلة الظاهر، و إن كان صريح صاحبي «المعالم» و «الزبدة» (قدّس سرّهما‏) إناطته بالظنّ؛ حيث أبطلا الرجوع إليه في مقابل الخبر؛ بأنه لا يحصل منه الظن مع قيام الخبر الواحد الجامع للشروط على خلافه، بل هو الظاهر من الأكثرين؛ نظرا إلى تقسيمهم الاستصحاب‏

____________

(1) التنبيه الثاني من تنبيهات الشبهة التحريميّة.

19

إلى حال العقل، و إلى حال الشرع، و مصيرهم إلى إناطة الاستصحاب بالظن.

بل صريح غير واحد منهم في باب البراءة، جعل المستند فيها استصحاب البراءة، بل المراد من التمسّك بالبراءة الأصليّة المدّعى عليها الإجماع في كلام المحقق هو ذلك كما هو واضح، إلّا أنه ستقف في الجزء الثالث على عدم إفادة الاستصحاب الظنّ بقسميه أوّلا، و عدم دليل على حجيّته ثانيا، و إنّما المسلّم عندنا الإجماع على البراءة في مواردها لا الإجماع على العمل بالظن الحاصل منها على تقدير تسليمه، فانتظر.

[التنبيه الثالث‏]

(4) قوله (قدّس سرّه‏): (الثالث: لا إشكال في رجحان الاحتياط ... إلى آخره). (ج 2/ 101)

الكلام في حسن الاحتياط

أقول: الكلام في هذا الأمر و إن تعلّق من جهة بالمسألة الكلاميّة، إلّا أنه لمكان ترتّب بعض الثمرات الفقهيّة عليه عنونه في المقام. و الكلام في المقام قد يقع في نفس الاحتياط، و قد يقع في الأمر المتعلّق به.

أمّا نفس الاحتياط فلا إشكال بل لا خلاف في رجحانه و حسنه لاستقلال العقل بذلك، و يكشف عنه الأوامر الشرعيّة المتعلّق به في الشريعة، بل في جملة من الأخبار التصريح بما يستفاد منه رجحانه الذاتي، إنّما الكلام في أن حسنه و استحقاق المدح عليه من حيث كشفه عن صفة السعادة في الفاعل المحتاط، و أنه في مقام إطاعة المولى فلا يكون الفعل أو الترك المتحقق به الاحتياط حسنا، و إنّما

20

هو كاشف عن صفة في الفاعل، فالمدح فاعليّ فلا يكون هنا استحقاق للثواب؛ فإن المدح على الفعل ملازم له لا المدح مطلقا و لو رجع إلى الفاعل على ما حقق في مسألة التحسين و التقبيح، أو من حيث ذاته و نفسه؛ فإذا عنون به الفعل أو الترك يعرض عليهما عنوان يوجب حسنهما فيلزمه استحقاق الأجر و الثواب عليهما؟

صريح كلام شيخنا في المقام و مواضع أخر من كلماته: الثاني، و إنّ الالتزام باستحقاق المحتاط الثواب على الاحتياط عقلا لا يلازم الالتزام باستحقاق التجرّي العقاب على المتجرّي، و هو لا يخلو عن غموض بل تأمّل.

في بيان ان أوامر الاحتياط إرشادية أو مولويّة

و أمّا الأمر المتعلّق به و طلبه، فلا ينبغي الإشكال في كون طلبه العقلي إرشاديّا محضا، بل هو الشأن في جميع الأحكام العقليّة؛ لأن حكمه أينما وجد إرشادي صرف، غاية الأمر كونه في المقام و في باب الإطاعة و المعصية أوضح؛ من حيث إن المطلوب حقيقة عنوان في الغير كما هو ظاهر.

و أما الأمر و الطلب المتعلّق به شرعا فهل هو إرشادي محض كالطلب العقلي، أو له جهة مولويّة أيضا فيثاب على إطاعته كسائر الأوامر الندبيّة الشرعيّة المولوية؟ فيه وجهان- كما في «الكتاب»-: من ظاهر الأمر بعد فرض عدم إرادة الوجوب؛ فإنه يقتضي كون الطلب مولويّا فإنه الأصل في الأوامر الصادرة من الشارع، بل مطلق الموالي من غير فرق بين الأمر الإلزامي و غيره.

21

و منه يظهر: أن قوله بعد فرض عدم إرادة الوجوب ليس من القيود الظهور المذكور بحيث لا يكون ظاهرا في الطلب المولوي على تقدير إرادة الوجوب، بل هو بيان لما هو المفروض من الحكم بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة التحريميّة.

و الوجه فيما ذكرنا من الأصل- على القول بكون الأمر مجازا في الطلب الإرشادي كما قيل، أو منسلخا عن معنى الطّلب رأسا و مستعملا في الأخبار كما زعم- ظاهر.

و أمّا على ما هو الحقّ و عليه شيخنا (قدّس سرّه‏) كما أوضحناه في محلّه: من كونه حقيقة في الطّلب الإرشادي أيضا، فلأن صدور الطّلب الإرشادي من المولى العالي المطاع، يحتاج إلى تخلية نفسه من المولوية، فيتوقف على ملاحظة زائدة حقيقة فتدبّر.

نعم، هنا مناقشة فيما أفاده من جهة أخرى؛ حيث إن المفروض عند استعمال الأوامر المتعلقة بالاحتياط في الأخبار المتقدّمة في الطلب القدر المشترك و خصوصيّة الاستحباب، لا بد أن تستفاد من دليل آخر، فكيف يتمسّك بظهور لفظ الأمر في الطلب الندبي المولوي؟

لكن يدفعها: أن الطلب القدر المشترك المستفاد منها أيضا يمكن أن يكون إرشاديّا، و يمكن أن يكون مولويّا، فإذا استفيد الندب من الخارج في مفروض البحث فيحكم بكونه مولويّا فتدبّر.

22

و من جهة بعض الأخبار الظاهرة في أن مطلوبية الاحتياط من جهة خاصية مترتّبة على ذاته، و هي صيرورة نفس المكلّف أطوع للشارع، لا أن يكون من جهة مجرّد كونه عنوانا في غيره و مقدّمة له، و من أن الظاهر من أكثر الأخبار الواردة في باب الاحتياط بعد التأمّل فيها، كون الأمر به من جهة كونه عنوانا في غيره و مقدمة له، فيكون مؤكّدة للطّلب العقلي لا أن يكون الغرض منه التأسيس، فيكون حاله حال الأمر المتعلّق بالإطاعة كتابا و سنّة من حيث كونه مؤكّدا لحكم العقل بالإطاعة، و كالأمر المتعلق بالإشهاد، و الكتابة، و التّوبة، و غيرها من الأوامر الشرعيّة التي يعلم كون المقصود منها التّوصّل إلى ما يترتّب على فعل المأمور به بحيث لا يكون الأمر في مقام المولويّة أصلا في أمره.

ألا ترى إلى قوله (عليه السلام): «من ارتكب الشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم» (1)؟

حيث إنّ الظاهر منه كون طلب ترك الارتكاب من حيث كونه في معرض الهلاكة، و أن الغرض منه مجرّد النجاة عن ذلك، و عليه يترتّب على فعل الاحتياط ثوابان على تقدير موافقته للواقع؛ من حيث إطاعة الخطاب الواقعي و إدراك حسنه العقلي لو كان حسنه راجعا إلى الفعل، و إلا فثواب واحد. و على الوجه الأول يترتّب عليه استحقاق الثواب زائدا على الثوابين؛ بملاحظة إطاعة الأمر المتعلّق‏

____________

(1) مضى تخريجه.

23

بالاحتياط، و لا يبعد استظهار الوجه الثاني من سياق الأخبار الواردة في الباب على ما في «الكتاب».

مضافا إلى الاقتران الذي أفاده؛ ضرورة كون طلب الاجتناب عن المحرّم المعلوم إرشاديّا لا يحتمل غيره، فيكون طلب الاجتناب عن الشبهة كذلك، و إن أشكل بناء على ما استظهر شيخنا (قدّس سرّه‏): من كون الاحتياط حسنا بالذات يستحق فاعله عند العقل المدح على فعله، فيستحق الثواب؛ فإن هذا المعنى من الحسن يلازم الطلب الشرعي المولوي، إلّا فيما لا يمكن، كما في الإطاعة؛ حيث إنها و إن كانت حسنة بالذات، إلّا أنه يستحيل تعلّق الطلب الشرعي المولوي بها لا من جهة عدم إمكان تعلّق الحكم المستفاد من الأدلّة اللفظيّة المتعلّقة بالإطاعة بنفس هذا الحكم، حتى يقال: بأن أوامر الإطاعة على تقدير كونها مولويّة شرعيّة لا يشمل نفسها فلا يرد هناك محذور، لما عرفت مرارا: من أن قصور اللفظ مع ظهور مناط الحكم، لا يقدح في الحكم بالإرادة، بل من جهة لزوم التسلسل على تقدير كون الإرادة المتعلقة بإطاعة الأمر المولوي مولويّة.

24

الحكم العقلي الإرشادي ملازم للأمر المولوي الشرعي في مورد القابل‏

فإن شئت توضيح ذلك فنقول: إن حكم العقل بحسن الفعل و قبحه و طلبه المتعلّق به و إن كان إرشاديّا دائما؛ لعدم تصوّر مولويّة للعقل، إلّا أنه بعد ثبوت الملازمة بين حكمه و الحكم الشرعي الذي يرجع إلى كونه دليلا و كاشفا عنه، يكون الحكم الشرعي المستكشف عنه، شرعيّا مولويّا في مورد القابل.

نعم، يكون حكمه الإدراكي تابعا للمدرك واقعا من غير أن يختلف حاله بحسب الإدراك العقلي، فإذا بني على كون الاحتياط حسنا عقلا يستحق فاعله المدح عند العقل على فعله و يستحق الأجر و الثواب عليه، فيكون قابلا لتعلّق الأمر الشرعي المولوي به، فلا محالة يستكشف بقاعدة الملازمة عن تعلّق أمر مولويّ به من جانب الشارع.

و لا ينافي ذلك ما تقدّم من الأخبار؛ لأنه يحتمل قريبا كون المراد منها بيان كون الحكمة في الأمر به التوصّل إلى الغير، كما هو الشأن في كثير من الواجبات النفسيّة، لا أن يكون الأمر المتعلّق به غيريّا مقدميّا. و الفرق بينهما لا يكاد أن يخفى.

25

بل الأمر في جميع الواجبات الشرعيّة يلاحظ فيه عند العدليّة التوصّل إلى الغير؛ فإنهم حكموا بأنها إنّما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة، و مع ذلك يكون الأمر المتعلّق بها شرعيّا مولويّا، و هذا الذي ذكرنا من كون الحكم العقلي الإرشادي ملازما للأمر الشرعي المولوي في مورد القابل مع وضوحه، قد حقّقنا القول فيه و فصّلناه في مسألة الملازمة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إن حسن الاحتياط عقلا إنّما هو من حيث كونه من مراتب الإطاعة، فيكون حال الأمر المتعلّق به المستكشف من قاعدة الملازمة حال الأمر المتعلّق بالإطاعة. نعم، يمكن أن يلاحظ الشارع في أمره المستكشف من الأدلّة اللّفظيّة عنوانا آخر للاحتياط، فأمر به أمرا مولويّا بهذه الملاحظة، كما أنه يحتمل أن يكون جهة أمره عنوانه الملحوظ في حكم العقل فتأمل.

ثمّ إن هنا إشكالا أيضا على القول بكون حسن الاحتياط و المدح المتعلّق به فاعليّا أيضا، و ملخّصه: أنه بناء عليه يتعيّن القول بكون الأمر المتعلّق به غيريّا مقدّميّا صرفا؛ إذ لا حسن فيه بالفرض أصلا، فعلى هذا لا بد أن يبنى الكلام في حكم الأمر المتعلّق بالاحتياط من حيث كونه إرشاديّا أو مولويّا على الكلام في نفس الاحتياط من حيث كونه حسنا بالذات أم لا، فلا معنى للتكلّم في المقامين هذا.

26

و قد يذبّ عنه أيضا: بأن عدم إدراك العقل لجهة محسّنة في نفس الاحتياط لا يلازم عدمها في نفس الأمر و عند الشارع، فيمكن تعلّق الأمر الشرعي المولويّ به، فيستظهر منه وجود جهة في الاحتياط غير ما استكشفه العقل فتأمل.

ثمّ إن ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه‏) في ذيل هذا الأمر بقوله: «ثمّ لا فرق فيما ذكرنا من حسن الاحتياط ... الى آخره» (1) (2) ممّا لا إشكال فيه أصلا؛ لأن حكم جميع‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 103.

(2) ذكر الفاضل الكرماني هنا حاشية من بعضهم ثم علّق عليها بما سيأتي و لنذكر ابتداء الحاشية المزبورة:

«لأن محلّ الكلام في المقام ما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الواجب مطلقا سواء كان هذا الغير هو الإستحباب أو الكراهة أو الإباحة أو إثنان منها أو ثلاثة فالأقسام سبعة، و ما ذكر تمهيد لدفع توهّم عدم رجحان الإحتياط فيما دار الأمر بين الحرمة و الإستحباب مثلا لدوران الأمر بين المحذورين لرجحان الترك حينئذ؛ لاحتمال حرمة الفعل و رجحان الفعل لاحتمال استحبابه. و وجه الدفع واضح» إنتهى.

* قال الكرماني (قدّس سرّه‏): «أقول: لا كلام فيما ذكر إنّما الكلام في انّ هذا الفعل المحتمل للحرمة و الإستحباب المنفي حرمته بالأصل هل هو مباح بالإباحة الخاصّة أو المطلقة، أو مستحب.

و الأوّل خلاف الفرض و كذا الثاني و الأخير، و إن استلزمه رفع الحرمة بالأصل المقتضي لإستحبابه إلّا أنّه يلزم منه رجحان تركه و رجحان فعله و تعدّد الجهة بأن رجحان تركه باعتبار كونه محتمل الحرمة و رجحان فعله باعتبار كونه محتمل الإستحباب لا يجعل الأمر-

27

صور دوران الأمر بين التحريم و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة سواء فرض الدوران ثنائيّا أو ثلاثيّا أو رباعيّا واحد عقلا، بل شرعا أيضا؛ بالنظر إلى الأخبار الواردة.

نعم، في دوران الأمر بين الحرمة و الكراهة نعلم بمرجوحيّة الفعل شرعا و تعلّق الطلب الشرعي بتركه، فلا يتكلّف في الحكم برجحانه شرعا بأن الطّلب المتعلّق بالاحتياط شرعيّ مولويّ كما هو ظاهر.

كما أن ما أفاده من دفع التوهّم على التّعميم المذكور بقوله: «و لا يتوهّم: أنه يلزم من ذلك ... إلى آخره» (1) لا إشكال فيه أيضا؛ ضرورة أن التحريم الذي يبحث عن احتماله في جميع المسائل هو التحريم الذاتي لا التشريعي.

____________

- الواقع في الخارج متعددا و ربّما يقتضي بكونه مكروها رجحان دفع المفسدة المحتملة على جلب المنفعة المحتملة خصوصا مع كون الأولى ملزمة و الثانية غير ملزمة.

و يردّه: أنّ المفسدة الأخرويّة منتفية قطعا و لا نسلّم رجحان دفع المفسدة الدنيويّة المحتملة على جلب المنفعة الأخرويّة المحتملة و لو غير ملزمة فافتهم و اغتنم» إنتهى.

أنظر الفرائد المحشى: 217.

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 104.

28

[التنبيه الرابع‏]

(5) قوله (قدّس سرّه‏): (و الاحتياط أعمّ من موارد احتمال التحريم ...

إلى آخره). (ج 2/ 105)

أقول: فيكون التوقّف الأعمّ من الاحتياط، أعمّ أيضا من موارد احتمال التحريم. فمن عبّر بالتوقّف أراد الأعمّ من محتمل التحريم و محتمل الوجوب، فإنك قد عرفت سابقا: أن المراد من التوقّف هو السكون عند الشبهة و عدم الدخول فيها سواء كانت الشبهة في الفعل، أو الترك. فإن الظاهر من بعضهم الالتزام بالاحتياط في الشبهة الوجوبية الحكميّة أيضا و إن كان الأكثرون على خلافه.

(6) قوله: (أو بملاحظة أنه إذا منع الشارع المكلف ... إلى آخره) (1). (ج 2/ 106)

____________

(1) قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه‏) عند قول المصنّف: «لأن معنى الإباحة الإذن ... إلى آخره»:

«و هو مأخوذ من الأذان بمعنى الإعلام و منه قوله تعالى: وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ‏ [توبة: 3] و قوله تعالى: أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ [يوسف: 70].

فما لم يعلم الترخيص لا يتّصف بكونه مباحا.

لكن لا يخفى أنّ الإباحة كسائر الأحكام الخمسة لها واقع، لا يتفاوت حالها في حالتي العلم لها و الجهل، كيف! فإن كانت واقعيّتها منوطة بالعلم بها لدار، كما لا يخفى» إنتهى.

أنظر درر الفوائد: 217.

* و قال الشيخ رحمة اللّه الكرماني (قدّس سرّه‏):-

29

أقول: مبنى هذا الوجه- كما ترى- على عدم إمكان اجتماع الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي على خلافه، فكلّما حكم الشارع بحرمة الشي‏ء في‏

____________

- «أقول: إن المصنّف في مقام توجيه نظر القائل بالحرمة الواقعيّة ذكر وجوها:

منها: انّه ربّما تخيّل ان الشارع بعد أن منع الجاهل بحكم المشتبه عن الإرتكاب في هذه الأخبار كيف يأذن له و يرخّصه في الفعل واقعا؟ ثمّ أمر بالتأمّل لأنّ المنع و الإذن في مرتبتين لا في مرتبة واحدة كيما يتناقضان؛ فإن الأمر المأذون فيه واقعا إذا اختلط بأمور ممنوع عنها و جهل تميّزه عنها لا يمتنع أن يمنع عنه في الظاهر تخلّصا عن إرتكاب الأمور الممنوع عنها.

و أما استعمال الأذان بمعنى الإعلام فليس محلّ الإنكار، كما أنّ استعمال الإذن بمعنى الرّخصة كذلك كما في قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا.

و أمّا ما ذكره الخراساني من كون الإذن بمعنى الرّخصة مأخوذا من الإذن بمعنى الإعلام فلم يتفوّه به أحد من الفحول و ليس منه في كتب اللغة عين و لا أثر، فإن المعلوم إشتراك المادّة و اختصاص الصيغة؛ فإنّ الإذن لا يكون بمعنى الإعلام كما أن الأذان لا يكون بمعنى الرّخصة.

ثم الذي زعمه توجيها للقول بالحرمة الواقعيّة و مصلحه يشبه أن يكون مفسدة؛ فإنّ مرجعه إلى منع الجاهل بالرّخصة و رخصة العالم بها و لا تباغض بينهما فضلا عن عدم التعقّل. ثم الذي يلوح منه: أن ما ذكره توضيح لتوجيه المصنف قول القائل بالحرمة الواقعيّة.

و لعمري إنّ المصنّف لم يقصده و لا دلالة لكلامه عليه أصلا، بل على خلافه دليل؛ فإنه فسّر الإباحة بالإذن ثم عطف الترخيص عليه تفسيرا له لتوضيح معنى الإذن، و لو كان مراده و ليس و لا يكون أبدا ما ذكره الخراساني لكان المناسب أن يقول الإذن بالترخيص» إنتهى.

الفرائد المحشّى: 217.

30

مرحلة الظاهر فلا بدّ أن يكون حراما في الواقع فالحرمة ظاهريّة بالملاحظة الأوّلية، و إلّا فهي واقعيّة. و كذا إذا حكم بحليّة الشي‏ء في مرحلة الظاهر، فلا بدّ أن يكون حلالا واقعيّا و هكذا، فيلزم على هذا ارتفاع الأحكام الظاهرية و التصويب الباطل.

و من هنا أمر (قدّس سرّه‏) بالتأمل عقيب الوجه المذكور (1)، و قد أسمعناك في أوّل هذا

____________

(1) في تقريرات المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه‏): «لعلّه إشارة إلى منع كون الإباحة هو الترخيص المعلوم بل هي عبارة عن نفس الترخيص الواقعي و هو قد يكون معلوما و قد يكون مجهولا كما فيما نحن فيه». أنظر: ج 4/ 101.

* و قال المحقق الفقيه آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه‏):

«لعله إشارة إلى عدم المنافاة بين المنع عن شي‏ء في مقام العمل و الرّخصة في فعله في الواقع فإن من الجائز أن يكون نهي الشارع عن ارتكاب المشتبه من باب أشديّة العلميّة للتجنّب عن المحرّمات الواقعيّة نظير إلزام العقل بالتجنّب عن أطراف الشبهة المحصورة تحرّزا عن الوقوع في مفسدة الحرام المشتبه [على‏] أن هذا لا يقتضى حرمة الأطراف من حيث هي و لا ينافي إباحتها في الواقع ...» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 173.

* و قال المحقق الكرماني (قدّس سرّه‏):

وجه التأمّل ظاهر؛ لأنه لا منافاة بين الحرمة الظاهريّة و الإباحة الواقعيّة و التنافي فيما اجتمع الحكمان في موضوع واحد و هنا موضوعان لحكمين متغايران؛ لأنّ موضوع الإباحة الفعل من حيث هو هو، و موضوع الحرمة هو من حيث انه مجهول الحكم فهما غيران و لو بالحيثيّة-

31

الجزء من التعليقة الإشكال فيما تسالموا عليه: من عدم التنافي بين الحكمين المتضادين إذا اختلفا بالواقعيّة و الظاهريّة.

(7) قوله (قدّس سرّه‏): (و يحتمل الفرق: بأن معنى الحرمة الظاهريّة حرمة الشي‏ء في الظاهر ... إلى آخره). (ج 2/ 106)

أقول: مبنى الاحتمالين على ما عرفت: من أن الأمر بالاجتناب شرعيّ مولوي مع الالتزام بثبوت العقاب على مخالفة الأحكام الظاهرية، أو إرشاديّ عقليّ أو شرعيّ لا يعاقب على مخالفته من حيث كونه ظاهريّا، فالعقاب على التقديرين على مخالفة الواقع لو اتفقت؛ لأنه لازم البيان الشرعي و لو كان بلسان الإرشاد كما أنه على الأوّل يستحقّ العقابين على تقدير مخالفة الواقع.

(8) قوله (قدّس سرّه‏): (كأن يكون الشي‏ء مقطوع الحرمة بالجهل المركّب، و لا يلزم من تسليم ... إلى آخره). (ج 2/ 108)

أقول: لا يخفى عليك: أن التقييد بالجهل المركّب ليس من جهة عدم تحقق التجرّي في صورة مطابقة الاعتقاد للواقع، كما ربّما يتوهّمه الجاهل، بل من جهة

____________

- و إنّما احتمل المصنّف كون التنافي بين الحرمة الظاهريّة و الإباحة الواقعيّة ملحوظا في الحكم بالحرمة الواقعيّة مع عدم خفاء حاله على أدنى طلبته؛ لأنّ القائل بها و هو الأخباري لا يبعد ملاحظة أمثال هذا منه و ركونه اليه، فافتهم» إنتهى. أنظر الفرائد المحشّي: 217.

32

وضوح الأمر في هذه الصورة؛ نظرا إلى انفكاك التجرّي عن الواقع. و قد عرفت ما يتعلّق بالمقام في الجزء الأول من التعليقة.

و أمّا ما أفاده بقوله: «و لا يلزم من تسليم استحقاق الثواب ... إلى آخره» (1) فقد أسمعناك الإشكال في التفكيك بين المدح الفعلي في الاحتياط بكونه راجعا إلى الفعل، و الذمّ العقلي في التجرّي بكونه راجعا إلى الفاعل؛ لأنه ملاك الفرق العقلي في الحكم بالاستحقاق و العدم كما هو ظاهر.

***

____________

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 108.

33

التنبيه الخامس‏

(9) قوله (قدّس سرّه‏): (إن أصالة الإباحة في مشتبه الحكم إنما هو مع عدم ...

إلى آخره) (1). (ج 2/ 109)

____________

(1) قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه‏):

«توضيح المقام على وجه تنكشف عنه غواشي الأوهام:

أن جريان أصل البراءة التي تتشغب منها أصالة الإباحة في مشتبه الحكم أو الموضوع سواء كانت الشبهة على التقديرين تحريمة أم وجوبيّة مشروط بعدم وجود أصل موضوعي في مورده حاكم عليه كما في الفروج و الأموال و اللحوم و نحوها؛ لكون حلّيّة الفروج مشروطة بالسبب المحلّل لها و حلّيّة الأموال بالملكيّة أو إذن المالك، و اللّحوم بقابليّة المحلّ للتذكية، فإذا شك في تحقق شي‏ء من هذه الشروط في مورد فالأصل يقتضي عدمه.

فنقول:

إذا وجد حيوان و علمت قابليّته للتذكية فأصالة الإباحة تقتضي حليّته و إذا شك في قابليّته لها فأصالة الإباحة لا تقتضي كونه قابلا لذلك لفرض كون حلّيّة لحمه بمقتضى قوله تعالى:

إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ‏ مشروطة بقابليّته للتذكية فلا بد في الحكم بها من إحراز شرطها و الأصل يقتضي عدمه فيحكم بحرمته حينئذ لا محالة. نعم، هذا إنّما هو فيما لم يكن هنا أصل لفظي يقتضي الحلّيّة مثل قوله (عليه السلام): «الحرام ما حرّم اللّه في كتابه» أو كان مجملا، و إلّا فمقتضى-

34

____________

- الأصل الثانوي كون كلّ حيوان قابلا للتذكية، بل لا بد أن يفرض الكلام أيضا على تقدير عدم كون التذكية أمرا عرفيّا كما حكي عن القاضي حيث ادّعى كفاية الذبح العرفي، في الحلّيّة مدّعيا عدم ثبوت حقيقة شرعيّة في لفظها، كما ادّعى عدم ثبوتها في الفاظ العبادات و إلّا فأصالة الإباحة بعد إبانة الرّأس بحيث يصدق عليه كونه مذبوحا تقتضي جواز الأكل منه.

قال الشهيد و المحقق الثانيان- و قيل: لم يسبقهما و لم يلحقهما أحد في ذلك في مقام عدّ أقسام النجاسات-: «الكلب و الخنزير البرّيّان و أجزاءهما و إن لم تحلّها الحياة و ما تولّد منهما و إن بانيهما في الإسم، و أمّا المتولّد من أحدهما و طاهر فإنّه يتبع في الحكم الإسم، فإن انتفى المماثل فالأقوى طهارته و إن حرم لحمه للأصل فيهما» إنتهى. كلام الشهيد.

أنظر أوثق الوسائل.

و قال المحقق الكرماني (قدّس سرّه‏):

و فيه مواقع للنظر لو تعرّضنا لبيانها لخرج التعليق عمّا التزمناه من الإيجاز، نتعرّض لموضع منها و عليك استخراج باقيها:

و هو انّ من المعلوم أنّ الأصل الأوّلي المأخوذ من حال العقل الذي هو قبل الشرع هو البراءة و الحلّيّة و الإباحة لكل الأشياء. و من المراد من حال العقل هو ما قبل زمان الشرع المعرّي عن كلّ حكم و لو من العقل، ثم إذا ورد في الشرع ما يوافق الاصل الأوّلي فهو مؤكّد، و إذا ورد ما يخالفه فهو أصل ثانوي كما في اللحوم؛ فإنّ الأصل انقلب فيه الى الحرمة و استثني منه المذّكي بقوله تعالى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ.

و أمّا قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً-

35

في بيان أصالة الإباحة

أقول: ما أفاده (قدّس سرّه‏) من الشرط في الرجوع إلى أصالة الإباحة في الشبهة الحكميّة أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا، كما هو الشأن في جميع ما يكون الشكّ في الحكم مسبّبا عن الشك في الموضوع؛ لأن الشك في الحليّة المسبّب عن الشكّ في قبول الحيوان للتذكية لا أثر له، بعد الحكم بمقتضى الأصل على عدم قبوله للتذكية؛ بمعنى أن الأصل عدم تحقق التذكية الشرعية بالنسبة إليه، لكن الرجوع إلى الأصل المذكور مشروط بعدم وجود عموم، أو إطلاق من الكتاب و السنة يقتضي قابليّة كلّ حيوان للتذكية، إلّا ما خرج؛ فإنه مع الدليل المذكور لا يبقى شكّ بحكم الشارع في القابليّة حتى يرجع إلى الأصل المذكور.

فالشأن إذن التكلّم في وجود الدليل و عدمه، و محلّه في الفقه، و إن كان تمسّك غير واحد لأصالة القبول بالآيات الواردة في حليّة ما أمسك الكلاب، و ما

____________

- فالميتة هو غير المذكّي فهو مطابق لحرمة ما استثني عنه المذّكي لا انه أصل ثانوي بالنسبة اليه فانقلب أصالة الحرمة إلى الحلّيّة.

و كذا قوله (عليه السلام): «الحرام ما حرّم اللّه في كتابه» ليس مما يوجب انقلاب أصالة الحرمة إلى الإباحة؛ إذ الميتة الي هي غير المذكّي ممّا حرّمه اللّه في كتابه.

فقوله: «نعم هذا إنما هو فيما لم يكن هنا أصل لفظي يقتضي الحلّيّة ... إلى آخره» ساقط بالمرّة و لمّا طال التعليق فبالحريّ إقصار التحقيق» إنتهى. أنظر الفرائد المحشّي: 218.

36

ذكر اسم اللّه عليه، و بالأخبار الواردة في الاصطياد بالسّهم، و السيف، و الكلاب، و نحوها محل نظر، بل منع؛ لعدم إطلاق لهما ينفع المقام أصلا؛ نظرا إلى سوقهما لبيان مطلب آخر، كما هو ظاهر.

نعم، لا بأس في التمسّك للأصل المذكور بما دلّ عموما على حليّة كلّ حيوان مثل قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً (1) الآية، و نحوه؛ فإن حلّيّة كلّ حيوان بالحلّيّة الذاتيّة إلّا ما خرج، لا يجامع عدم قبوله للتذكية كما هو ظاهر.

(10) قوله (قدّس سرّه‏): (و إن كان الوجه فيه أصالة عدم التذكية ... إلى آخره). (ج 2/ 109)

أقول: الحكم بالطهارة فيما فرضناه فإنّما هو من جهة جريان أصالة الطهارة في الشبهة الحكميّة كالموضوعيّة على ما هو المشهور، خلافا للمحقّق الخوانساري فالمقصود طهارته الذاتيّة في مقابل نجاسته كذلك، فلا ينافي الحكم بنجاسته لو حكم بحرمة أكل لحمه؛ من جهة الشك في التذكية و الحكم بعدمها و أنّه ميتة كما هو ظاهر. و أمّا الحكم بحرمة الحيوان المذكور، فلا بدّ أن يكون مستندا إلى أصالة عدم التذكية؛ نظرا إلى عدم تسليمهما أصالة القبول.

و قول شيخنا (قدّس سرّه‏): «و كيف كان فلا يعرف وجه ... الى آخره» (2) نصّ في‏

____________

(1) الأنعام: 145.

(2) فرائد الأصول: ج 2/ 110.

37

تسليمه أصالة القبول التي حكاها قبل ذلك عن بعض. و أمّا ما حكاه عن الفاضل الهندي في «الشرح» (1) وجها لما ذكر من قضيّة الحصر فلا محصّل له أصلا، مع قطع النظر عما أفاده (قدّس سرّه‏) في ردّه؛ فإنه لم يعلم المراد من الحصر في كلامه.

فإنه إن كان المراد منه أن هناك قضيّة حاصرة في الشرع للنجاسات و المحلّلات، فيتوجّه عليه- مضافا إلى منعها-: أنه لا معنى للرجوع إلى أصالة الطهارة و أصالة الحرمة حينئذ، بل يتعيّن الرجوع إلى الظهور اللفظي، اللّهمّ إلّا أن يكون مراده من الأصل الظهور، فتدبّر.

و إن كان المراد مجرّد عدم الاطّلاع- بعد التفحّص في الأدلّة الشرعيّة إلّا على نجاسات و محلّلات كما أنه مراد شيخنا (قدّس سرّه‏) من حصر المحرّمات- فيتوجّه عليه: أن الحصر بهذا المعنى- الذي ليس بحصر حقيقة- لا يمنع من الشّك في الحلّيّة و الحرمة، فيرجع إلى الأصل. و العجب أنه قال- في محكيّ الشرح بعد ما حكاه عنه في «الكتاب»-: «و هو ظاهر» (2).

مع أنّك قد عرفت: أنه لا محصّل له، فلا وجه إذن لما أفاده إلّا ما عرفت: من عدم ثبوت أصالة القابليّة عندهما، و عرفت ما يقضي بثبوتهما ممّا دلّ بظاهره على حلّيّة كلّ حيوان؛ فإنه يلازم قبوله التذكية كما هو ظاهر.

____________

(1) المناهج السويّة: 84 مخطوط.

(2) المناهج السوية: 84، عنه فرائد الأصول: ج 2/ 110.

38

(11) قوله (قدّس سرّه‏): (و لو قيل: إن الحلّ قد علّق‏ (1) ... إلى آخره). (ج 2/ 110)

في بيان حصر المحلّلات في الطيّبات‏

أقول: هذا وجه آخر للحصر غير ما ذكرناه من الوجهين، و هو حصر الإجمالي للمحلّلات في الطيّبات، و إن كانت إرادته بعيدة عن كلام الشارح.

و دلالة القضية على الحصر ليست مستندة إلى مفهوم الوصف حتى يمنع، سيّما في الوصف الغير المعتمد على الموصوف المحقّق المذكور، بل من جهة ورودها في جواب الاستفهام في سورة المائدة: يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ‏ (2)

على ما أفاده (قدّس سرّه‏) فمعناه: أن الطيّب حلال ليس إلّا، فيلزم أن يكون غيره حراما فإذا أريد الحكم بحليّة حيوان أو غيره، فلا بدّ من إحراز كونه طيّبا و إلّا فلا يجوز الحكم بحليّته؛ لأنه معنى حصر الحلّيّة في الطّيّب؛ لأن نفس الشكّ في إرادته من الكلام و لو من جهة الشك في صدق الموضوع عليه، يكفي في الحكم بعدم المحمول له في مرحلة الظاهر، فيحكم بالتحريم؛ لأنه معنى نفي التحليل، فلا يحتاج إلى إحراز عدم الموضوع بإجراء الأصل في الوصف العنواني للموضوع المردّد؛ حتى يقال بعدم حالة سابقة له، سواء كان الطّيّب أمرا وجوديّا أو عدميّا، أي: مجرّد عدم تنفّر الطبع و استقذاره فتأمّل.

____________

(1) كذا و في الكتاب «إنّ الحلّ إنّما علّق ... إلى آخره».

(2) المائدة: 4.

39

و أمّا ما أجاب به عنه شيخنا (قدّس سرّه‏) من المعارضة بقوله: «قلنا: إن التحريم ... الى آخره» (1) فقد يناقش فيه:

أوّلا: بأن مجرّد تحريم الخبائث في الكتاب العزيز، مع عدم دلالة القضيّة على الحصر لا يفيد شيئا؛ فإنّ تحريمها من حيث كونها من أفراد المفهوم.

و ثانيا: بأن تقابل الطّيّب الخبيث تقابل التضادّ، كما حكي عن «الصحاح» و «القاموس».

و يستفاد من تفسير الطيّب بما يستلذّ به النفس، و الخبيث بما يستكرهها، و لم يعلم عدم ثالث لهما، بل الثالث بين المعنيين موجود بالوجدان، فإذن لا معنى للتعارض بين الأصلين؛ حتى يرجع إلى أصالة الحلّ و عموم الحلّيّة في الآية و الرواية.

نعم، لو كان تقابل الخبيث و الطّيّب، تقابل الإيجاب و السلب، أمكن الحكم بالحلّيّة في مورد الشكّ من جهة الأصل الموضوعي كما ذكره؛ إذ لا يتصوّر هناك معارض له، إلا أن يناقش فيه بما عرفت التأمّل فيه، هذا.

و الذي يقتضيه التحقيق: أنه على تقدير دلالة الآية على الحصر، لا معنى لإجراء الأصل الحكميّ حتى يعارض بأصالة عدم التحريم، كما أنه لا معنى للتمسّك بالعموم و الأصل اللفظي للشّك في الموضوع، فإن جرى هناك أصل‏

____________

(1) فرائد الأصول ج 2/ 111.

40

موضوعي سليم عن المعارض تعيّن الرجوع إليه، و إلّا فالحصر بالمعنى المذكور أيضا لا يجدي في رفع اليد عن أصالة الحلّ. و ما ذكرناه في تقريب عدم الحاجة إلى الأصل عند الشكّ مع تسليم الحصر، كان مبناه على تقريب الاستدلال لا على الاعتقاد و التحقيق.

(12) قوله (قدّس سرّه‏): (و على كلّ تقدير: فلا ينفع قول الأخباريّين ...

إلى آخره) (1). (ج 2/ 113)

أقول: الغرض: أنّه بعد سدّ باب طريق الإفتاء للمجتهد المرجع من حيث تساوي أدلّة البراءة و الاحتياط في نظره، و عدم قدر متيقّن في البين بالفرض، و عدم جواز الرّجوع للجاهل بالحكم الظاهري للمسألة إلى الأموات، فلا محالة يرجع إلى ما يحكم به عقله من الوجهين على التقديرين، و لا ينفع قول كل من المجتهد و الأخباري له؛ من حيث لزوم الأخذ به من حيث التعبّد، لفرض عدم الدليل عليه، و إلّا فلو فرض إيجابه للردع عن حكم عقله، فلا إشكال في لزوم‏

____________

(1) قال في قلائد الفرائد (ج 1/ 386):

«الوجه في عدم النفع: أنه بعد ما فرضت المسألة عقليّة و أريد العلم بحكمها، فلا معنى للرّجوع إلى قول الفريقين، بل المرجع حينئذ هو العقل حتى يعلم انّه إلى أيّ شي‏ء يحكم.

نعم، قد ينفع الرجوع اليهم من حيث بيانهم له قاعدة قبح العقاب أو دفع الضّرر المحتمل، لكن هذا ليس من الرجوع إليهم في الحقيقة، بل هو نظير الرجوع إلى العالم في مسائل العقائد من حيث كونه سببا للبصيرة» إنتهى.

41

الارتداع، لكنّه لا تعلّق له بما هو المقصود من البيان؛ فإن النفع بهذا المعنى موجود بالنسبة إلى جميع موارد الرجوع إلى العقل في المسائل الاعتقادية كما هو ظاهر.

(13) قوله: (المسألة الثانية: ما إذا كان دوران حكم الفعل ... إلى آخره). (ج 2/ 114)

في دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من جهة إجمال النّص‏

أقول: قد أسمعناك في أوائل هذا المقصد: أن من أسباب اشتباه الحكم الكلّي الصّادر من الشارع و موجباته: إجمال اللفظ المتكفّل لموضوع القضية الشرعيّة، أو محمولها؛ بمعنى عدم ظهور مراد الشارع منه بما هو المناط في باب الألفاظ، من غير فرق بين الإجمال الاصطلاحي و غيره، و أن يكون مستندا إلى هيئة النهي من جهة الاشتراك اللفظي، أو المعنوي، مع عدم ظهور بعض الأفراد، أو كثرة الاستعمال في الكراهة مع الوضع للتحريم؛ بحيث يوجب إجمال اللفظ، أو غيرها، أو مادّته و معروضه، بأحد موجبات عدم تبيّن المراد كالغناء إذا كان الاختلاف بحيث يرجع إلى الأقل و الأكثر؛ بحيث يكون هناك ما يعلم صدق الغناء عليه على كل تقدير و يعلم بكونه مرادا، و إنّما الشكّ في إرادة بعض الأصوات من حيث عدم تبيّن حقيقة اللفظ عرفا بكنهه و حدّه و حقيقته، كما هو الشأن في أكثر المفاهيم العرفيّة.

42

و أمّا إذا تبيّن المفهوم و شكّ في الإرادة من جهة أخرى، و لم يوجد هناك شرائط التمسّك بالإطلاق كما فيما ذكره من مثال الخمر من باب مجرّد الفرض فأقلّ قليل.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر: أنه لا تعلّق للمسألة بالشبهة الموضوعيّة العرفيّة التي تسمّى بالشبهة في طريق الحكم عند الأخباريّين‏ (1)، و قد وافقوا المجتهدين في‏

____________

(1) قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه‏):

«المراد بالشبهة في طريق الحكم هي الشبهة الموضوعيّة فلا يجب فيها الإحتياط و لو على مذهب الأخباريّين. و منشأ التوهّم: أنّ منشأ الإشتباه فيها إنما هو عدم المعرفة بالوضع فيرتفع بالرجوع إلى العارف به و ليس من شأن الشارع رفعه كما هو شأن جميع الشبهات الموضوعيّة.

و أمّا وجه الفساد: هو أنّ الملاك في الشبهة الحكميّة أن يكون الشك في مراد الشارع و لا ريب أن الشك ها هنا فيه و إن كان منشاؤه عدم المعرفة بالوضع، و لا شبهة في انّ شأنه رفعه و تعيينه و إن كان قد يرتفع بالرّجوع إلى غيره من العارف بالوضع أو علائمه أيضا.

و بإزاء هذا التوهّم، توهّم النّص، فالإحتياط لازم ها هنا و لو على مذهب المجتهدين القائلين بالبراءة في تلك المسألة، و هو أيضا فاسد؛ فإن التكليف إنّما هو ثابت بالنسبة إلى ما كان الخطاب بيانا له و هو القدر المتيقّن منه. و أمّا بالنسبة إلى غيره فالتكليف بعد غير منجّز و إلّا لزم العقاب بلا بيان و المؤاخذة بلا برهان كما في صورة فقد النص بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى 1».-

43

الحكم بالإباحة فيها و إن سمّيت بالشبهة في الموضوع المستنبط، و أطلقت عليها الشبهة في الموضوع بقول مطلق؛ من حيث إن الموضوع الكلّي للحكم فيها غير معلوم، إلّا أن الإطلاق لا يؤثّر في إخراج المسألة عن الشبهة الحكميّة المنوط بعدم‏

____________

- (1) حاشية من الخراساني على حاشيته هنا:

و حاصل الدفع: أن التكليف بالإجتناب عن الطبيعة المنهي عنها و إن كان منجّزا يجب إحراز الإجتناب عنها لكن يكفي في ذلك إحرازه بأصالة العدم الجارية غالبا عند الإتيان بما يشك انه منها؛ حيث إنّ المكلّف به ليس إلّا الترك و هو محرز بالأصل و لو أتى بما احتمل حرمته.

و أمّا وجه جواز الإتيان به: فلعدم كون الخطاب و النهي عن الطبيعة بيانا للتكليف من غير ما علم تفصيلها أو إجمالا من أفراده فليفهم» إنتهى. أنظر درر الفوائد: 219.

و علّق عليه الشيخ الفاضل رحمة اللّه (رحمه اللّه) قائلا:

«أقول: المراد بالشبهة التي تعرّضوا لبيان حكمها سواء كان حكميّة أم موضوعيّة ما لم يكن للمكلّف طريق إلى رفعها، فالشبهة البدويّة التي يقع المكلّف فيها حكميّة أو موضوعيّة و يمكن على إزالتها بالرّجوع إلى المدارك أو اللغة أو غيرها خارجة من المبحوث عنها و منشأ التوهم و إن كان ما ذكر إلّا أنّ فساده ليس كما زعمه الخراساني:

من أن الشبهة حكميّة و إن تمكّن المكلف من رفعها بالرّجوع إلى العارف بالوضع و غير ذلك، بل وجه الفساد: أن التكليف معيّن في المقدار المتيقّن الإرادة من اللفظين و غيرهما و يبقى الشك في حرمة الزائد على المتيقّن فالشبهة في الزائد حكميّة و كذا الحال في كل موضوع تردّد أمره بين الناقص و الزائد فالشك في المقدار الزائد على المتيقّن شك في ثبوت الحكم له فالشبهة حكميّة و لمّا أخذ النّعاس يحرّك رأس خطّاط القرطاس إقتصر على هذا القدر من الأساس حامدا مستغفرا» إنتهى. أنظر فرائد المحشّى: 219.

44

تبيّن القضيّة الشرعيّة موضوعا، أو محمولا، أو هما معا؛ لأن الحكم- على ما عرفت مرارا- ليس مجرّد المحمول، و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا، و إن وقع و هم هناك لبعض أوائل الطّلب.

ثمّ إن حكم المسألة، حكم المسألة الأولى عند المجتهد و الأخباري من غير فرق بينهما أصلا عند الفريقين.

(14) قوله (قدّس سرّه‏): (و هذه الرّواية (1) و إن كانت أخص من أخبار التخيير ... إلى آخره) (2). (ج 2/ 116)

أخصّيّة الرّواية من أخبار التخيير

أقول: أخصّيّتها بظاهرها من أخبار التخيير لا تحتاج إلى البيان، فإن ما دل على التخيير على ضربين:

____________

(1) عوالي اللآلي: 4/ 133- ح 229، عنه مستدرك الوسائل: ج 17/ 303 باب «وجوب الجمع بين الأحاديث المختلفة»- ح 2.

(2) قال سيّد العروة (قدس اللّه تعالى نفسه الزكيّة):

«وجه الأخصّيّة: أنه يستفاد من المرفوعة وجوب الإحتياط إذا كان أحدهما موافقا للإحتياط و الآخر مخالفا له، و التخيير إذا كانا موافقين للإحتياط أو مخالفين و أخبار التخيير شاملة لجميع الأقسام حتى ما لا يمكن فيه الإحتياط كأن يكون أحد الخبرين موجبا و الآخر حاظرا» إنتهى. انظر حاشية فرائد الأصول: ج 2/ 171.

45

أحدهما: ما حكم فيه بالتخيير ابتداء من دون اعتبار فقد المرجّحات.

ثانيهما: ما حكم به بالتخيير مع فقد المرجّحات مطلقا سواء أمكن الاحتياط أو لم يمكن، كما في دوران الأمر بين المحذورين.

و ظاهر أن كلّا منهما أعمّ مطلقا من الرّواية، فلو كانت معتبرة من حيث السند لزم تقديمها على أخبار التخيير و العمل بها، و إن كان حملها على صورة عدم إمكان الاحتياط بعيدا، إلّا أنه لا مناص عنه بعد أخصيّة الرواية، إلّا أنها غير معتبرة سندا جدّا، فلا تعارض أخبار التخيير.

و أمّا ما دلّ على التوقّف و الاحتياط فهو على ضربين أيضا:

أحدهما: ما ورد في مطلق الشبهة و قد عرفت حاله، مضافا إلى كونه أعمّ، فلا تعارض ما دلّ على التخيير.

ثانيهما: ما ورد في خصوص المتعارضين من الأخبار، كمقبولة عمر بن حنظلة التي رواها المشايخ الثلاثة. فإنّه حكم فيها بالتوقّف و الإرجاء بعد فقد المرجّحات، إلّا أنّ الحكم بالتوقّف فيها لمّا كان مختصّا بالتّمكّن من إزالة الشبهة بالرجوع إلى الإمام (عليه السلام) نوعا، فتكون أخصّ من أخبار التخيير بهذه الملاحظة فيرجع إليها، و يحكم في أمثال زماننا بالتخيير، و لا إجماع على عدم الفصل بين الزمانين. كما أنه لا إجماع على اتّحاد حكم العلاج ترجيحا و تخييرا، بل ظاهر المقبولة و غيرها إعمال المرجّحات في مورد التّمكّن، بل هو موردها فتدبّر.

46

ثمّ إنه (قدّس سرّه‏) ليس في مقام التّحقيق في قوله: «ثم إذا لم نقل بوجوب الاحتياط ... الى آخره» (1)، بل الغرض مجرّد الإشارة إلى الوجوه و الأقوال، و إلّا فلا معنى لمرجّحيّة الأصل عنده، و لا التّوقّف في الأخبار؛ لأن المختار في تعارضها بعد التّكافؤ، التخيير بين الخبرين، و إنّما التّوقّف المراد به التساقط في مورد التعارض، و الرجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما إن كان، أو إلى التخيير إن لم يكن في غير الأخبار، لا التساقط مطلقا و الرجوع إلى الأصل كذلك.

(15) قوله (قدّس سرّه‏): (بقي هنا شي‏ء و هو: أن الأصوليّين ... إلى آخره). (ج 2/ 117)

أقول: الكلام فيما يتعلّق بما أفاده يأتي إن شاء اللّه تعالى في الجزء الرابع من التعليقة (2) و بزعمي: أن مسألة النّاقل و المقرّر أعمّ من مسألة المبيح و الحاظر، و تخطئة البعض أولى من جعل المسألتين متقابلتين، كما أن خلافهم في المسألتين في تقديم الموافق أو المخالف مبني على الترجيح بالموافقة من حيث الاعتضاد بالأصل؛ نظرا إلى اعتباره عندهم من باب الظنّ، كما يقتضيه كلمات الأكثرين، أو التعبّد بناء على جواز الترجيح بما لا يوجب أقربيّة أحد المتعارضين، على خلاف التحقيق الذي تسمعه في محلّه، أو المخالفة؛ من حيث إن التأسيس أولى من التأكيد، و إن بناء الشارع على تبليغ ما يخالف الأصل، فالظنّ في جانب المخالف.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 116.

(2) بحر الفوائد: ج 4/ 66.

47

و أمّا حكمهم بالتخيير كما عليه المجتهدون، أو الاحتياط كما عليه الأخباريّون، فمفروض فيما لم يكن هناك مرجّح، و لو كان أصلا من الأصول، هذا بناء على التعدّي عن المرجّحات المنصوصة كما عليه الأكثرون، و إلّا فيحكم بالتخيير مع وجود الأصل في المسألة أيضا، كما صرّح به الشيخ في «العدّة» (1).

و هذا الوجه و إن كان في ظاهر النّظر ممّا لا غبار فيه، إلّا أنه ربّما يأباه كلمات جماعة، كما أن ما أفاده في «الكتاب» من تنزيل كلماتهم في المسألتين على التكلّم في حكم المسألة بحسب الأصول و القواعد، مع قطع النظر عن أخبار التخيير، و إلّا فيحكمون به بالنظر إليها ربّما ينافيه أيضا بعض أدلّتهم، بل كلماتهم؛ فإن كلام جمع ينادي بالترجيح بالأصل فراجع، و انتظر لبقيّة القول في ذلك في محلّه.

(16) قوله (قدّس سرّه‏): (و الظاهر عدم الخلاف في أن مقتضى الأصل فيه الإباحة ...

إلى آخره). (ج 2/ 119)

الكلام في توافق الأخباري مع المجتهد في الشبهة الموضوعية

أقول: لمكان اختصاص جملة ممّا دلّ على الحلّيّة في الشبهة التحريميّة بالشبهة الموضوعيّة منها مثل ما ذكره في «الكتاب» و ما لم يذكره، وافق‏

____________

(1) عدّة الأصول: ج 1/ 152.

48

الأخباريون من أصحابنا المجتهدين في الحكم بالإباحة فيها، و قد خرجوا بها عما اقتضى بزعمهم وجوب التّوقف في مطلق الشبهة الشاملة للشبهة الموضوعيّة بعمومها كأخبار التثليث و نحوها، و مما استدلّ به غير واحد على الإباحة في الشبهة الموضوعيّة تبعا للعلامة (قدّس سرّه‏) رواية مسعدة بن صدقة، و لا إشكال في ظهورها صدرا و ذيلا في المدّعى، مع عدم استظهار التمثيل من الأمثلة المذكورة فيها للكليّة المذكورة فيها صدرا و ذيلا سواء استظهر التقريب، كما استظهره بعض أفاضل مقاربي عصرنا في «فصوله» (1) أو لم يستظهر شي‏ء منها و حكم بإجمال الرواية من هذه الجهة، في وجه توضيح ذلك:

أنه لا إشكال في أن الحلّيّة في الأمثلة المذكورة في الرواية ليست مستندة إلى نفس الشكّ في الحلّيّة؛ إذ لو لا الأمارات المقتضية للحلّيّة فيها و كذا الأصول الموضوعيّة المقتضية لها الحاكمة على ما يقتضي التحريم فيها بالاتفاق الحاكم على أصالة الحلّيّة، لم يحكم فيها بالحلّيّة، فالحلّيّة مستندة إلى تلك، لا إلى نفس الشّك؛ فإن الثوب و العبد إن لم يلاحظا من حيث التصرّف و اليد، كان مقتضى الأصل الموضوعي و هو عدم تملّك البائع- مضافا إلى أصالة الفساد في المعاملات و أصالة الحريّة في الإنسان- فساد المعاملة الواقعة و حرمة التصرّف فيهما.

فالحكم فيهما بصحّة الشراء و حلّيّة التصرّف من جهة أصالة الصّحّة في اليد

____________

(1) الفصول الغرويّة: 361.

49

و التصرّف، و كذا المرأة مع احتمال النّسب المانع من النكاح بينها و بين الزّوج، أو تحقّق الرّضاع المحرّم بينهما إن لم يلاحظ فيها أصالة عدم تحقّق النّسب و الرّضاع، حكم فيها بالحرمة و فساد النكاح من جهة أصالة الفساد الراجعة إلى أصالة عدم تحقّق الزوجيّة بينهما.

لا يقال: إنّ الشك في الصّحة و الفساد إذا كان مسبّبا عن احتمال وجود المانع لتأثير النكاح، تعيّن إجراء أصالة عدم المانع الموافقة لأصالة الحليّة، فالرجوع إليها رجوع إلى أصالة الحلّيّة حقيقة. نعم، إذا كان الشك مسبّبا عن وجود المقتضي كما في المثالين الأوّلين، كان مقتضى الأصل الأوّلي الحكم بالحرمة، لو لا الأصل الحاكم.

لأنّا نقول: ما ذكر من الرجوع إلى أصالة عدم المانع:

إن أريد به ذات المانع، أي: أصالة عدم النسب و الرضاع، فهو صحيح لا محيص عنه و هو معنى ما ذكرنا أوّلا، إلّا أن ما ذكر من أنّها في معنى الرجوع إلى أصالة الحلّيّة ممّا لا محصّل له أصلا، و إن توافقتا من حيث المضمون.

و إن أريد عنوانه، ففيه: أنه من الأصول المثبتة، مضافا إلى رجوعه إلى الوجه الأول بعد التسليم، و الحاصل: أن الحكم بالحلّيّة من جهة أصالة عدم النسب المانع من تأثير العقد، ليس حكما بها من جهة نفس الشكّ؛ لأن الشكّ من جهة وجود السبب المحلل لا يقتضي الحكم بالحلّيّة، بل مقتضاه الحكم بعدم وجود السبب و الحرمة كما هو ظاهر، فلا فرق في أمثلة الرواية من جهة عدم استناد

50

الحلّيّة فيها إلى نفس الشكّ.

ثمّ إنّ من العجب ما حكي عن بعض السادة الأجلّة من أفاضل معاصرينا (1) في هذا المقام؛ حيث زعم أن قوله (عليه السلام) «كلّ شي‏ء لك حلال» في الرّواية بقرينة الأمثلة المذكورة فيها في مقام إعطاء الضّابطة و القاعدة للبناء على سببيّة الموجود المردد بين السبب و غيره، نظير قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (2) الدالّ على تشريع سببيّة البيع في الشرع؛ إذ لا فرق بين قوله تعالى و قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء لك حلال» إلّا من حيث الموضوع.

فإن الآية مسوقة لبيان سببيّة خصوص البيع، و الرواية مسوقة لبيان سببيّة كلّ شي‏ء شكّ في سببيّته في الشبهة الموضوعيّة، و إلّا فالمحمول في الموضعين هو التحليل. و قد أسري هذا المعنى في باب الشّكّ في وجود شرط الصّلاة، من جهة الشكّ في لباس المصلّي من حيث إنه ممّا يجوز الصّلاة فيه أولا.

و أنت خبير بأنّ المعنى المذكور- مضافا إلى كونه موجبا لهدم بناء الفقه، و القواعد المسلمة عند الفقهاء- في كمال البعد من الرواية.

و أعجب منه ما في كلام بعض المعاصرين في تقريب جعل ما في الرّواية مثالا للكلّيّة المذكورة فيها، و كون الحلّيّة فيها مستندة إلى نفس الشك؛ حيث قال:

____________

(1) لم نعثر عليه عجالة.

(2) البقرة: 175.

51

«يمكن أن يقال: إن إجراء أصالة الإباحة في الثوب، المشترى بملاحظة الشك في أن بائع الثوب هل كان بيعه حلالا باحتمال كونه مالكا أو مأذونا منه، أو كان حراما باحتمال كونه سارقا و غاصبا؛ فيشكّ في حلّيّة الشراء منه و حرمته؛ فالشراء حلال؛ حتى تعرف أنه سرقة و غصب، و كذا الكلام في شراء المملوك فمع قطع النظر عن اليد، هذا الشراء محتمل الحلّية و الحرمة. و إذا جاء أدلّة النقل و الانتقال فيما حلّ شراؤه انقطع أصالة بقاء الثوب على ملك مالكه، و أصالة الحرّيّة. و كذا المرأة لها عنوانا يجوز نكاح أحد العنوانين، و هي التي ليس بينها و بين الرجل نسب و رضاع، و تحرم نكاح العنوان الآخر. فإذا شككنا في امرأة خاصّة أنها من أيّ العنوانين؛ فيحلّ نكاحها إلى أن يعلم الحرمة.

ثمّ إن المرأة المفروضة تولّدت من امرأة قطعا، و ارتضعت من امرأة قطعا، و لا يمكن تعيين أنّ الوالدة أمّ، أو أخت للرجل، أو أجنبيّة بالأصل، و كذا المرضعة.

سلّمنا جريان الأصل غاية الأمر تطابق الأصلين، ثم إعمال أصالة حرمة التصرّف في المثالين الأوّلين، و أصالة عدم تأثير العقد إن كان بعد ملاحظة عمومات البيع و عمومات النكاح فلا وجه له، و إن كان قبل ملاحظتها ففي كون الحرمة هي الأصل الأوّلي تأمّل واضح، بل الأصل الأوّلي هي الحلّيّة و الحرمة إنما نشأت من أصل موضوعيّ فتدبّر جدّا» (1). انتهى كلامه.

____________

(1) لم نعثر عليه.

52

إشارة إلى الايرادات الواردة على كلام المعاصر

و فيه كما ترى أنظار ظاهرة لمن كان له أنس بكلمات شيخنا الأستاذ العلامة (قدّس سرّه‏) و مطالبه، بل بكلمات القوم أيضا فلا فائدة كثيرة مهمّة في إيرادها، إلّا أنه لا بأس بالإشارة إليها لئلا يقع في الوهم بعض أوائل الطلبة. فنقول:

أوّلا: إن بيع مال الغير من حيث هو عقد لا حرمة فيه أصلا حتى مع العلم بالغصبيّة؛ فإنّه ليس تصرّفا في ملك الغير، و إنما هو تصرّف في جوارح البائع، فأين حرمة بيع مال الغير حتى يشكّ في الحرمة عند الشكّ في عقد البيع؟

نعم، التصرّف في الثمن و المثمن و ترتيب الآثار على بيع مال الغير حرام؛ من حيث كونه تصرّفا في ملك الغير. و الشكّ بهذه الملاحظة عند الشكّ في المالكيّة ينشأ من الشكّ في سببيّة العقد، و لم يقل أحد: إن الأصل، السببيّة و الصحّة في المعاملات؛ فمرجع الحكم بالحلّيّة في الفرض إلى الحكم بتحقّق الوضع لا التكليف، و هو كما ترى.

نعم، لو فرض في مقام كون إيقاع نفس العقد من المحرّمات مع قطع النظر عن ترتيب الآثار بالحرمة النفسيّة كما قيل في باب الرباء، و إيقاع العقد على الأمّ فشكّ في حرمته بهذا المعنى، كان مقتضى الأصل الأوّلي الحليّة، و الفساد، و حرمة ترتب الآثار، لكنّه لا تعلّق له بالمقام.