بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج6

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
646 /
3

-

4

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و به نستمد و نستعين‏

الحمد للّه ربّ العالمين‏

و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين الطّاهرين المعصومين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين‏ (1)

____________

(1) خطبة الكتاب.

5

المقام الثاني‏ (1) في الإستصحاب‏

____________

(1) و كان المقام الأوّل في البراءة و الإشتغال و التخيير، حسب ما عقده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في رسائله.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

* الإستصحاب لغة و إصطلاحا

* تقديم أمور ستة

* الأوّل: الإستصحاب أصل عملي أو أمارة ظنّيّة؟

* الثاني: وجه عدّ الإستصحاب من الأدلّة العقليّة

* الثالث: الإستصحاب مسألة أصوليّة أو فقهيّة؟

* الرابع: مناط الإستصحاب على المباني المختلفة

* الخامس: تقسيم الإستصحاب:

- باعتبار المستصحب‏

- باعتبار دليل المستصحب‏

- باعتبار الشك المأخوذ فيه‏

* الأقوال في حجّيّة الإستصحاب‏

* أدلة المختار:

- الدليل الأوّل: الإتفاق‏

الدليل الثاني: الإستقراء

الدليل الثالث: السنّة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

* حجّة القول الأوّل (المثبتون لحجّيّة الإستصحاب)

* حجّة القول الثاني (النافون لحجّيّة الإستصحاب)

* حجّة القول الثالث (المفصّلون بين العدمي و الوجودي)

* حجّة القول الرابع (المفصّلون بين الأمور الخارجيّة و الحكم الشرعي مطلقا)

* حجّة القول الخامس (المفصّلون بين الحكم الشرعي الكلّي و غيره)

* حجّة القول السابع: (تفصيل الفاضل التوني بين الحكم التكليفي و الوضعي)

* حجّة القول الثامن: (التفصيل بين ما ثبت بالإجماع و غيره)

* حجّة القول التاسع: (التفصيل بين ما شك في المقتضي و الشك في الرّافع)

* حجّة العاشر: (التفصيل بين ما شك في وجوب الغاية و عدمه)

* حجّة القول الحادي عشر: (التفصيل المتقدم مع زيادة الشك في مصداق الغاية)

* تنبيهات الإستصحاب‏

* التنبيه الأوّل: أقسام الإستصحاب الكلّي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[الإستصحاب لغة و إصطلاحا]

(1) قوله: (في الاستصحاب: و هو لغة: أخذ الشي‏ء مصاحبا، و منه: استصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصّلاة و عند الأصوليّين عرّف بتعاريف، أسدّها و أخصرها «إبقاء ما كان»، و المراد بالإبقاء الحكم بالبقاء، و دخل الوصف في الموضوع مشعر بعلّيته للحكم، فعلّة الإبقاء هو أنّه كان ... إلى آخره). (ج 3/ 9)

تعريف الاستصحاب اصطلاحا و أن مرجع التعاريف إلى أمر واحد

أقول: الاستصحاب: استفعال من «صحب»، و في كونه في اللّغة بالمعنى الّذي ذكره لا إشكال فيه، كما صرّح به غير واحد من اللّغويّين و هو الظّاهر منه في العرف العام أيضا، و لم يتعلّق بهذا اللّفظ حكم في الكتاب و السّنة حتّى يتكلّم في معناه في زمان الشارع، أو المراد منه و أنّه منطبق على العرف و اللّغة أو لا، و إنّما وقع التّعبير به من الأصوليّين في الأدلّة العقليّة و غيرها، و استعمله الفقهاء عند الاحتجاج به في الفروع، و المراد به عندهم في الأصول و الفروع أمر واحد، و إن استعمله الفقهاء في باب الصّلاة كالاستعمال المذكور في «الكتاب» عنهم في معناه العرفي.

و لا إشكال ظاهرا في كونه منقولا عندهم من معناه العرفي المتّحد مع اللّغة، فيكون في العرف الخاصّ حقيقة في معنى آخر بالوضع التّعييني لا من نقل العام‏

12

إلى الخاصّ كما توهم؛ ضرورة أنّ الاستصحاب ليس من فعل المكلّف عندهم حتّى يقال- بعد تعميم المصاحب المأخوذ بالنّسبة إلى الحسّي الحقيقي و المعنويّ الحكميّ مع منع يتطرّق إليه؛ نظرا إلى كونه خلاف ظاهره، أو تنزيل غير المحسوس منزلة المحسوس بالتصرّف في الأمر العقلي-: إنّ النّقل من العام إلى الخاصّ- كما ربّما يتوهّمه الجاهل بمقالتهم- و إنّما هو حكم الشارع، أو العقل- إنشائيا على الأوّل و إدراكيّا على الثّاني- بالبقاء بالمعنى الّذي يأتي الكلام فيه، و أين هذا من معناه العرفي حتّى يقال: بالنّقل من العام إلى الخاصّ؟

نعم، لا إشكال في وجود مناسبة بينهما كما هو ظاهر، و لا ثمرة مهمّة لنا في تحقيق ذلك، فلنصرف الكلام إلى بيان معناه في عرف الأصوليّين المتّحد لعرف الفقهاء.

فنقول: لا ينبغي الإشكال في أنّ المراد به أمر واحد، و إن اختلفت كلمتهم في التّعبير عنه و تأديته حسبما هو دأبهم و ديدنهم في غالب التّعاريف و اكتفائهم بالرّسم و التّعريف في الجملة، و ذكر بعض اللّوازم من جهة وضوح الأمر عندهم و قلّة الاهتمام بالمطلب و عدم الاعتناء بشأنه، و إن كان ظاهر كلماتهم في بادي‏ء النّظر الاختلاف المعنوي إلّا أنّ التأمّل فيها يشهد بخلافه، و من هنا نسب المحقّق الخوانساري في «مشارق الشموس» (1)- الّذي هو لسان القوم- التّعريف الّذي ذكره- الرّاجع إليه ما وقع التّعبير عنه في كلماتهم- إلى القوم، فقال: «إنّ القوم‏

____________

(1) مشارق الشموس: 76، و فيه: تقييد الحكم بالشرعي، إذ قال (قدّس سرّه): «إثبات حكم شرعي ...».

13

ذكروا ... إلى آخر ما حكاه عنه في «الكتاب» (1) و إن أوهم ما عن الشّيخ في «العدّة» فيما سيجي‏ء: أنّ الاستصحاب عنده غير ما عند القوم، و كذا ما عن العضدي، و صاحب «الوافية»، و المحقّق القمي (قدّس سرّه) في «القوانين» كما تعرفها، و يشهد لما ذكرنا مع وضوحه: إشكالاتهم في الطرد و العكس، فلو كان المعنى مختلفا عندهم لم يكن معنى للإشكال على المختلفين كما هو ظاهر، و ستقف على ما يوجّه به كلامهم بحيث ينطبق على ما نسبه المحقّق المتقدّم ذكره إلى القوم، و على تقدير عدم انطباق بعض التعاريف عليه يحكم بعدم صحّته و ابتنائه على المسامحة، أو اشتباه المراد منه عند القوم، و هذا غير عزيز، بل واقع كثيرا في غير المقام.

ثمّ في كون المراد من الاستصحاب عندهم ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) في «الكتاب» المنطبق على ما ذكره الشّيخ في «الزّبدة» مما لا إشكال فيه، و إليه يرجع ما في «المعالم»؛ فإنّه إذا كان المراد من الإبقاء: الحكم بالموجود الثّانوي، و من الإثبات: الحكم بالثّبوت في الزّمان الثّاني، و قلنا بدلالة الصّلة- الّتي هي المراد من الوصف في كلام شيخنا (قدّس سرّه) على العلّية؛ فإنّ المراد من الوصف في باب المفاهيم ليس هو خصوص الوصف النّحوي، بل ما يعمّ المقام و نحوه قطعا كما تبيّن في محلّه، و كذا دلالة المفعول بواسطة الحرف في تعريف «المعالم» على ما كان على العلّيّة انطبقت التّعاريف الثّلاثة و رجعت إلى أمر واحد و هو الّذي نسبه المحقّق الخوانساري (قدّس سرّه) إلى القوم، فقال: «إنّ القوم ذكروا أنّ الاستصحاب إثبات حكم في‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 10.

14

زمان لوجوده في زمان سابق عليه» (1).

نعم، يتوجّه على ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) و الشّيخ في «المعالم»: أنّ الاكتفاء في الحدّ بما له إشعار بالقيد المعتبر في المحدود و ليس له ظهور و دلالة عرفيّة عليه لا يجوز في مقام التّحديد، بل في غيره أيضا؛ لأنّه لا يفي بالمقصود فيكون نقضا للغرض و هو الدّلالة على المراد، بل الاهتمام بشأن التّعاريف يقتضي ذكر ما يكون صريحا في الدّلالة على ما له دخل في المعرّف، فلا يجوز الاكتفاء بالإشعار، و الاهتمام بشأن الاختصار لا يوجب الإخلال بما له دخل في المراد.

فالأولى أن يعرّف الاستصحاب: «بأنّه الحكم ببقاء ما كان لكونه كان»؛ فإنّه مشتمل على جميع ما له دخل فيه و منطبق عليه من غير أن يكون أخصّ منه أو أعمّ، من غير فرق بين أن يكون مبناه على العقل أو الشّرع.

و هو سالم عمّا يتوجّه على التّعاريف الثّلاثة المذكورة: من الاكتفاء بالإشعار على تقدير تسليمه و جعل الإبقاء و الإثبات بمعنى الحكم بالبقاء و الثّبوت. و أمّا أخذ خصوص الحكم في تعريف شارح «الدّروس» الّذي نسبه إلى القوم؛ فإنّما هو من جهة كون المحدود عندهم الاستصحاب الحكمي. و جعل المراد منه مطلق المحمول و تعميمه للوجود الّذي يحمل على الماهيّات حتّى يشمل جميع الاستصحابات الموضوعيّة كما ترى.

____________

(1) مشارق الشموس: 76.

15

في بيان ما يعتبر في حقيقة الإستصحاب‏

توضيح ما ذكرنا: أنّ الاستصحاب المقابل للأصول الثّلاثة عندهم: عبارة عن حكم العقل أو الشّرع ببقاء ما ثبت بالمعنى الأعمّ من الوجود و العدم سواء كان حكما شرعيّا، أو موضوعا خارجيّا، أو غيرهما من حيث ثبوته سابقا، فمجرّد الحكم بوجود الشّي‏ء في الزّمان اللّاحق على طبق الحالة السّابقة من غير استناد إليها و ملاحظتها فيه- المتحقّق في البراءة و الاشتغال- ليس من الاستصحاب في شي‏ء. و إن لوحظ من حيث كونه مشكوكا، كما أنّ الحكم بوجوده لا حقا الّذي يعبّر عنه بالبقاء من حيث وجود علّته و دليله ليس منه جزما.

و من هنا جعل الاستصحاب دليلا على البراءة و الاشتغال في مجاريهما، فالمتيقّن السّابق المشكوك لا حقا و إن كان معتبرا فيه، إلّا أنّه من حيث كونه موردا للحكم المتحيّث بالحيثيّة المذكورة لا من حيث كونه مأخوذا في الحقيقة و الماهيّة، فالحكم ببقاء المتيقّن السّابق المفروض من حيث كونه كذلك استصحاب.

نعم، المراد من الحكم المذكور على التعبّد و الأخبار: الحكم الإنشائي من الشارع في مرحلة الظّاهر بالبقاء بالملاحظة المذكورة. و على العقل: الحكم الإدراكي و التّصديق الظّني بالبقاء من الحيثيّة المذكورة، و لو كان منشأ الظّنّ غلبة البقاء في الموجودات السّابقة كما سيأتي عن بعض؛ فإنّ لوجود السّابق مدخلا فيه أيضا كما هو ظاهر.

و القول: بأنّه لا جامع بين المعنيين فلا يستقيم تعريف الاستصحاب بقول‏

16

مطلق بالحكم بالبقاء، كما ترى.

ضرورة وجود الجامع بينهما، و من هنا ذكروا في تعريف الدّليل العقلي: بأنّه حكم عقليّ يتوصّل به إلى حكم شرعيّ، ثم قسّموه إلى المستقلّ، و غير المستقلّ، و إلى القطعي، و الظّني، و إلى الواقعي، و الظّاهري، و جعلوا من غير المستقلّ:

الاستلزامات مع أنّها من الإدراكات العقليّة، و كذا الظنّي. و دعوى: اختصاص التّعريف بمسألة التّحسين و التّقبيح على تقدير كون الملازمة عقليّة، كما ترى، فتأمّل.

في إمكان إرجاع تعريف العضدي إلى المشهور

و أمّا ما ذكره العضدي في «الشرح» (1) فيمكن تطبيقه على ما ذكره المشهور بجعله بيانا لمحلّ الاستصحاب و حقيقة معا بجعل الصّغرى: بيانا لمحلّه، و الكبرى:

بيانا لحقيقته، فكأنّه قال: «استصحاب الحال بحسب المحلّ و الماهيّة» هذا.

فالاستصحاب عنده: «كون الحكم مظنون البقاء من حيث إنّه كان»، و بعد جعل الفرق بين كون الشي‏ء مظنون البقاء و الحكم ببقائه ظنّا- الّذي يرجع إلى الإدراك الظّني و هو الظّن بالبقاء بمجرّد اللّحاظ و الاعتبار- انطبق على تعريف المشهور، فلا فرق بين أن يقال- بناء على العقل في باب الاستصحاب-: إنّه عبارة عن الظّن ببقاء الحكم من حيث ثبوته في السّابق، أو كونه مظنون البقاء من الحيثيّة المذكورة، فالحيثيّة مأخوذة فيه لا محالة، و من هنا قال شيخنا (قدّس سرّه): (و إن جعل الحدّ

____________

(1) شرح مختصر الأصول: ج 2/ 453.

17

خصوص الكبرى انطبق على تعاريف المشهور) (1) (2) فتأمّل:

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 11.

(2) قال المحقّق المؤسّس الطهراني (قدّس سرّه):

«و فيه: انه حدّ للإستدلال لا الدليل، فالمجموع هو الحدّ، و من المعلوم: أن الإستدلال هو المجموع.

بل إنّ التعريف بالإبقاء أيضا كذلك فإنه عبارة عن التشبّث بالوجود السابق و هو المراد بالإثبات في التعريف المنسوب إلى القوم، و مع صراحة كلامه في أنّ التعريف بالمجموع لا وجه للترديد المذكور؛ فإن المجموع هو المحمول لإفادة التصوّر لا أحد الجزئين على سبيل الإجمال كي يكون مجال للترديد المذكور.

فالحق ما فهمه منه صاحب الوافية و ينطبق عليه أيضا ما عرّفه به: من انه التمسّك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقاءه فيما بعد ذلك الوقت أو غير تلك الحال فيقال: إن الأمر الفلاني كان و لم يعلم عدمه و كلّ ما كان كذلك فهو باق.

فالتعاريف كلّها متطابقة، و ليس هذا التسامح إلّا كتسمية الإستدلال بأحد الجزئيّين على الآخر تمثيلا؛ فإنّه من حيث انه دليل إجتهادي حكم بالمماثلة، و هذا من حيث انّه حكم ظاهري ليس إلّا المعاملة مع مشكوك البقاء معاملة الباقي فسمّي إبقاء، و يطابقه الإثبات و التمسّك و الإنكباب و التفصيل الذي ذكره شارح المختصر و غيره، و إليه يرجع ما في القوانين أيضا.

و بالجملة: فما في القوانين عبارة عن الوسط على ما هو مقتضى كونه حدّا للدليل و الصغرى في شرح المختصر مركّبة من موضوع و هو معروض الحدوث و محمول مركّب من الحدوث و الشك في البقاء، فجعل ما في القوانين منطبقا على مجموع الموضوع و المحمول بديهيّ الفساد؛ لأنّه ليس إلّا المحمول المنتسب.

فإن كان الغرض: انّه ينطبق عليه محمول الصّغرى الذي هو عبارة عن الوسط.-

18

ثمّ إنّ مبنى الاستصحاب عنده لمّا كان على الظّن الشّخصي و أنّه سبب لذلك لو لا الظّن على الخلاف، أخذ فيه قوله: (و لم يظنّ عدمه) (1). و لمّا لم يكن هذا مرضيّا عند الفاضل التّوني (قدّس سرّه) خالفه في كيفيّة ترتيب القياس و جعل الكبرى قوله:

(و كلّ ما كان كذلك فهو باق) (2) أي كلّ ما لم يكن معلوم العدم في الزّمان اللّاحق فهو باق أي يحكم ببقائه شرعا أو عقلا من حيث إنّه كان.

نعم، كلامه في جعل الاستصحاب مجموع المقدّمتين أظهر من كلام العضدي في ذلك؛ فإنّه جعل حقيقة الاستصحاب التمسّك و ترتيب القياس فلا معنى لحمله‏

____________

- ففيه: ان الوسط في شرح المختصر مركّب من نفس الحدوث و الشك في البقاء بحسب الظاهر، مع انّ اتّحاد المحمول مع ما في القوانين عبارة أخرى عن إتّحاد التعريفين؛ لأنّ الدليل عندنا ليس إلّا الوسط فلا معنى لإنطباق الصغرى خاصّة عليه.

و منه يظهر: فساد تخصيص الكبرى بالإنطباق على تعاريف القوم؛ فإنّ هذا التفكيك لا معنى له؛ لأنّ الموضوع في الكبرى عين الوسط و المحمول فقط ليس إبقاء و التصديق ليس محمولا؛ فإنّ المحمول هو البقاء، و الظنّ هو الحاصل من القياس و إنّما تسامح فيه كتسامحه في ضمّ الشكّ إلى الحدوث، بل المجموع حدّ واحد منطبق على تعريف القوم و هو الإستصحاب حقيقة بعد التسامح في ضمّ الشكّ الى الحدوث؛ فإنّ الوسط إنّما هو الحدوث في القياس الأوّل و البقاء فقط في الثاني.

نعم، في مقام تطبيق مجرى الأصل الكلّي على المورد يقال: إنّ هذا معلوم الحدوث مشكوك البقاء، و كلّ ما كان كذلك فهو باق، و لكن هذا ليس إستدلالا، كما انّ قولنا: هذا ما أدّى إليه ظنّي و كلّ ما كان كذلك فهو حجّة في حقّي و حقّ مقلّدي أيضا ليس من الإستدلال في شي‏ء، بل إنّما هو تطبيق فافهم» إنتهى. أنظر محجّة العلماء: ج 2/ 69- 70.

(1) شرح مختصر الأصول: ج 2/ 453.

(2) الوافية: 200.

19

على بيان المحلّ و المورد و الماهيّة معا.

و إلى تعريف المشهور يرجع أيضا ما ذكره الشّيخ (قدّس سرّه) في «الفصول» بعد رعاية قيد الحيثيّة المذكورة، و إن كان كلامه في بيان الوجه في أخذ القيود و الخصوصيات في الحدّ لا يخلو عن مناقشة؛ فإنّه قال- بعد تعريف الاستصحاب بإبقاء ما علم ثبوته في الزّمن السّابق فيما يحتمل البقاء فيه من الزّمن اللّاحق- ما هذا لفظه:

«و المراد بالموصولة: ما يتناول الأمر الثّابت بالحسّ كالرّطوبة، أو بالعقل كالبراءة حال الصّغر و بالشّرع كالوجوب و التّحريم و الصّحة و البطلان و أخواتهما».

إلى أن قال:

«و المراد بمعلوميّة ثبوته: ما يعمّ معلوميّته بحسب الظّاهر و الواقع؛ فإنّ الأحكام الثّابتة بحسب الظّاهر قد يستصحب كالأحكام الثّابتة بحسب الواقع فيدخل فيه ما قطع بثبوته في زمان، ثمّ شكّ في ثبوته في ذلك الزّمان و إن كان المختار عدم حجيّة الاستصحاب هنا؛ و ذلك لأنّ العمل بالمقطوع به أمر معلوم حال الشكّ من جهة القطع به، و إن لم يكن في نفسه معلوما فدخوله في الحدّ بالاعتبار الأوّل دون الأخير، و باحتمال البقاء احتماله واقعا و ظاهرا مع قطع النّظر عن وجوه حجيّة الاستصحاب.

فلا يرد: أنّه إن اعتبر البقاء بالقياس إلى الواقع انتقض طرد الحدّ بما علم عدم بقائه ظاهرا، لقيام أمارة معتبرة عليه؛ فإن الاستصحاب قد يطلق عليه عرفا.

و إن اعتبر بالقياس إلى الظّاهر فهو معلوم؛ لأدلّة الاستصحاب، و يدخل فيه مشكوك البقاء و مظنونه و موهومه، و يخرج مقطوع البقاء و عدمه؛ لخروجه عن مورد الاستصحاب.

20

أمّا في جانب العدم فواضح، و أمّا في جانب البقاء فثبوته حينئذ باليقين لا بالاستصحاب؛ لاختصاص مورده عقلا و نقلا بمورد عدم العلم بالبقاء. لكن يشكل: بأنّ هذا إنّما يتمّ فيما علم بقاؤه واقعا، فإن علم بقاؤه في الظّاهر بغير دليل الاستصحاب قد يستند فيه إلى الاستصحاب، و أيضا هو متداول بين الفقهاء و دفع هذه الوصمة عن الحدّ لا يخلو عن ارتكاب تعسّف أو تمحّل‏ (1)». انتهى كلامه (رحمه اللّه).

و أنت خبير بتطرّق المناقشة إلى ما أفاده في تحقيق المقام من وجوه، سيّما في جعل الحكم في موارد الشّك السّاري من الاستصحاب حقيقة و موضوعا، مع أخذه الحكم بالبقاء في الحدّ و الحكم بجريان الاستصحاب و اعتباره في مورد وجود الدليل على البقاء، مع أنّ الاستناد فيه ليس إلى الوجود السّابق أصلا، بل إلى وجود الدّليل عليه لاحقا. و أمّا تمسّك الأصحاب بالاستصحاب و ساير الأصول في موارد وجود الأدلّة على الحكم فإنّما هو بملاحظة الواقعة من حيث الشّك فيها مع الإغماض عن الأدلّة القائمة عليها. و من هنا يتمسّك بها مع وجود الأدلّة القطعيّة أيضا، كما لا يخفى على من راجع كلماتهم في موارد الاستدلال فراجع.

____________

(1) الفصول الغروية: 366.

21

تعريف المحقّق القمّي و الوجوه التي وجّه بها و المناقشة فيها

و أمّا ما أفاده المحقّق القمّي في تعريفه فالظّاهر منه في ابتداء النّظر جعل الاستصحاب عبارة عن محلّه و مورده. و من هنا حكم شيخنا (قدّس سرّه) بكونه أزيف التّعاريف‏ (1)؛ لأنّ الإيراد على سائر التعاريف إنّما هو بملاحظة الإخلال الواقع‏

____________

(1) قال المحقّق المؤسس الطهراني (قدّس سرّه):

«لم يظهر لنا وجه [الأزيفيّة كالأسدّيّة]؛ إذ قد عرفت: ان الإبقاء ليس دليلا، بل إنّما هو عمل المكلّف بل هو معنى الإستصحاب لغة؛ لأن اتخاذ الشي‏ء مصاحبا و إبقاءه على ما كان عند المكلّف معنى واحد فهو في الحقيقة تمسّك بالحدوث و إنكباب عليه و أين الإستدلال من الدليل؟!

و يندفع عنه الإشكال بالإستقراء و التمثيل و كون الشي‏ء يقيني الحدوث مشكوك البقاء أقرب إلى الدليل من الإبقاء و إن كان الثاني أنسب بالمعنى اللغوي؛ فإنّ للحالتين دخلا في الحكم الظاهري، فكلّ منهما ركن في الإستصحاب، فالدليل هو الحدوث فقط، لكنّ الإستدلال يتوقّف على إحرازه و الجهل بالبقاء، و من المعلوم ان ما يتوقّف عليه الإستدلال أقرب إلى الدليل من نفس التشبّث و الإستناد و ليس المقام ممّا يلاحظ فيه معنى الكلمة و ليس تفسيرا للّفظ و شرحا لمدلوله.

[نعم، يرد على تعريف القمّي‏]: أن اليقين بالحدوث طريق إلى إحراز الوجود السابق، بل هو عين الإحراز، و الشك في البقاء مجرى الأصل و لا دخل لشي‏ء منهما في الدليليّة و إن كان الإستدلال متوقّفا عليها؛ فإنّ العلم بالنتيجة يتوقّف على العلم بالمقدّمتين و إنّما الدليل هو المعلوم، و عدم كون الجهل دليلا أوضح، فالشك له جهتان: كونه جهلا و كونه حالة وجوديّة-

22

فيها ببعض القيود المعتبرة، فيرجع إلى كونه أعمّ من المحدود.

و أمّا التعريف المذكور ففيه: إخلال بتمام الحقيقة و القيود و لكن وجّه بوجوه، بعضها يرجع إلى إبقائه على ظاهره و بعضها يرجع إلى التّصرف فيه.

أحدها: ما في «الكتاب»: من أنّ المحدود هو الاستصحاب المعدود من أدلّة الأحكام، أي: الاستصحاب الحكمي، مع ابتنائه على الظّن و ليس الدّليل عندهم إلّا ما أفاد العلم بالحكم، أو الظّن؛ لأنّ المراد من التّوصل إلى الحكم الشّرعي المأخوذ في الدّليل عبارة عن: أحدهما. أي: التّوصّل العلمي، أو الظّني، و ليس ما يوجب الظّن بالبقاء إلّا كونه متيقّن الحصول في الآن السّابق، فلا مناص عن تعريف الاستصحاب الّذي هو من أدلّة الأحكام إلّا بما ذكره (قدّس سرّه).

و فيه أوّلا: المنع من كون الدّليل عندهم ما ذكره، كيف! و الحجّة للمجتهد في الأحكام الشرعية و الدّليل عليها على زعم المحقّق المذكور الظّن بها من غير مدخليّة للأسباب، هذا.

مع أنّ التّوصّل بما يوجب الظّن إلى الحكم الشّرعي من غير ضمّ دليل اعتباره لا معنى له أصلا كما لا يخفى. و بعد ضمّه يتوصّل به إلى الحكم الفرعي الظّاهري على سبيل القطع و اليقين من غير فرق بين جعل الدّليل ما يوجب الظّن بالحكم، أو نفس الظّن بالحكم.

____________

- متوقّفة على الإلتفات، و التي يتوقّف عليها الاصل إنّما هي الجهة الأولى، و الذي يتوقّف على الجهة الأخيرة إنما هو العمل بالأصل؛ فإنّ الغافل و إن كان جاهلا إلّا انه لا يتمكّن من العمل بوظيفة الجاهل كما انه لا يعقل ان تكون له وظيفة من حيث هو كذلك، و لذا جعل المقسم للأصول العمليّة حالة المكلّف الملتفت» إنتهى. أنظر محجّة العلماء: ج 2/ 64- 67.

23

نعم، ما قام على حجيّة الظّنون الخاصّة إنّما أفاد اعتبار ما يوجب الظّن بالحكم من حيث إفادته له شخصا أو نوعا. و أين هذا من جعل الدّليل في كلّ مورد ما يفيد الظّن لا نفس الظّن؟

فإذا فرض هناك إجماع من العقلاء على حجيّة الظّن الاستصحابي كما ادّعي يحصل بملاحظته التّوصّل بالظّن الاستصحابي، إلى الحكم الشّرعي من غير مدخليّته لسبب الظّن في التّوصّل إلّا من حيث كونه سببا لما يتوصّل به إلى الحكم، و كذا إذا قيل باعتباره من جهة دليل الانسداد المقتضي لحجيّة مطلق الظّن من حيث وصف الظّنّ؛ نظرا إلى كونه أقرب إلى الواقع- على ما هو المختار في تقرير الدّليل على وجه الحكومة- على ما أسمعناك في الجزء الأوّل.

و إن أوهم كلام المحقّق القمّي: كون الحجّة- بمقتضى الدّليل- الأمارات الظّنية دون مطلق الظّن النّفس الأمري، على ما وجّه به خروج القياس و أشباهه من الدّليل العقلي كما عرفت في محلّه. و بالجملة: ما ذكر لا يصلح وجها للعدول عن تعريف القوم.

و ثانيا: أنّ سبب الظّن بالبقاء في الاستصحاب- على ما صرّح به المحقّق القمّي فيما سيأتي من كلامه- غلبة البقاء في الموجودات السّابقة لوجودها الأوّلي. و أين هذا ممّا ذكر؟

و ثالثا: أنّ سبب الظّن على زعم القوم: هو الثبوت في السّابق من غير مدخليّة لاعتبار المشكوك لاحقا فيه، و ظاهره اعتبارهما معا.

و رابعا: أنّ المحدود في كلامه ليس هو خصوص الاستصحاب الحكمي الّذي هو من أدلّة الأحكام على العقل، بل يعمّه و الاستصحاب الموضوعي الّذي‏

24

هو من الحكم الفرعي، و إن قلنا باعتباره من باب الظّن كما ستقف عليه.

و خامسا: أنّ التّحديد بما ذكر يوجب إلقاء اعتبار ملاحظة الحالة السّابقة المعتبرة في الاستصحاب جزما، اللّهم إلّا أن يقال: إنّ إلقاءه ليس أشدّ من إلقاء أصل الحكم في التّعريف مع ظهور أخذه فيه.

و سادسا: أنّه مناف لما أفاده في أوّل «القوانين» (1) في ردّ الزّاعم بكون الاستصحاب دليلا مستقلّا في قبال الأدلّة الأربعة: من أنّ الاستصحاب إن أخذ من العقل فهو داخل في الدّليل العقلي، و إن أخذ من الأخبار فهو داخل في السّنة، فلا يصلح جعله دليلا مستقلّا: من حيث إنّ الثّابت بالشّرع و العقل على ما عرفت ليس إلّا الحكم بالبقاء، فكيف يستقيم تعريف الاستصحاب- الّذي هو دليل عقليّ بمعنى الحكم العقلي المتوصّل به إلى الحكم الشّرعي على ما قضت به كلمتهم في تعريف الدّليل العقلي بما ذكره-؟

و هذا الكلام منه (قدّس سرّه) في أوّل الكتاب و إن كان منظورا فيه: حيث إنّه بناء على أخذه من السّنة يكون مدلول السّنة على ما ستعرفه، و لا يدخل في السّنة، إلّا أنّ الكلام في المقام مبنيّ على ما ذكره بزعمه لا في صحّته في نفسه، إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه مع إبقائه على ظاهره.

ثانيها: أن يجعل الكون في قوله: (كون حكم أو وصف) (2) بمعنى الثّبوت، فيقال: الاستصحاب هو ثبوت حكم أو وصف موصوف بالصّفة المذكورة بجعل‏

____________

(1) قوانين الأصول: ج 1/ 9.

(2) المصدر السابق: ج 2/ 53.

25

قوله: (يقينيّ الحصول في الآن السّابق مشكوك البقاء في الآن اللّاحق) (1) وصف لهما. و يحتمل كونهما حالين لهما فينطبق على ما ذكره غير واحد في تعريفه: بأنّه ثبوت حكم، فيرجع إلى التّعريف المشهور؛ لعدم الفرق بين الثّبوت و الإثبات كالبقاء و الإبقاء، إلّا بالاعتبار؛ لأنّ المراد بهما الثّبوت الحكمي و البقاء كذلك لا الواقعي. و من هنا عرّفه غير واحد: بالبقاء أيضا. و هذا و إن كان خلاف الظّاهر، إلّا أنّه لا بأس به في مقام التّوجيه.

نعم، فيه إخلال تقييد الاستناد إلى الوجود السّابق، و جعل الوصف دليلا عليه قد عرفت ما فيه، مضافا إلى لزوم التّفكيك بين الوصفين؛ حيث إنّ كونه مشكوكا لاحقا لا يلاحظ إلّا كونه معتبرا في الموضوع.

ثالثها: أن يجعل الكون ناقصة مع جعل قوله: (في الآن اللّاحق) (2) متعلّقا به، لا بقوله: (مشكوك البقاء) (3) فتأمّل حتى لا يختلط عليك الأمر فتتوهّم رجوعه إلى الوجه السّابق.

و لا بدّ أن يعتبر وجوده في اللّاحق على سبيل الحكم حتّى ينطبق على تعريف المشهور، مع تكلّف اعتبار الحيثيّة مع عدم كفايته، مضافا إلى عدم استقامته إلّا بالتّفكيك فتدبّر.

رابعها: أن يجعل المراد من قوله: (مشكوك البقاء) (4) مظنون البقاء، فيرجع‏

____________

(1) قوانين الأصول: ج 2/ 53.

(2) قوانين الأصول: ج 2/ 53.

(3 و 4) قوانين الأصول: ج 2/ 53.

26

تعريفه: إلى تعريف العضدي إذا جعل الحدّ خصوص الكبرى. فكأنّه قال:

الاستصحاب عبارة: عن كون الشّي‏ء سواء كان حكما أو وصفا متّصفا بكونه متيقّنا في السّابق مظنون البقاء في اللّاحق، فينطبق على تعاريف المشهور بناء على ما عرفت: من كون التّغاير بين الظّن ببقاء الشّي‏ء و كونه مظنون البقاء اعتباريّا، و كون المراد من حكم العقل بالبقاء ليس إلّا التّصديق الظّني و إدراك البقاء ظنّا، و هو عين الظّن بالبقاء.

ضرورة كون التّصديق الظّني بثبوت القيام لزيد مثلا عين الظّن بثبوت القيام لزيد. و إن جعل الظّن إذا كان هناك قضيّة لفظيّة، و هو قولنا: «زيد قائم» جهة للقضيّة، و حمل القيام على زيد، إلّا أنّه في عالم اللّب ليس إلّا الظّن بثبوت القيام لزيد، و بعد أخذ الحيثيّة في التّعريف يكون المراد: أنّ الاستصحاب عبارة: عن كون الشّي‏ء الموصوف بالوصف المذكور مظنون البقاء من حيث كونه متيقّنا في السّابق و ثابتا في الزّمان الأوّل.

نعم، على القول باعتبار الاستصحاب: من باب الأخبار، لا مناص من التّعبير بالحكم بالبقاء، أو ما يرجع إليه، لما عرفت: من كون الاستصحاب بناء على الأخبار من مقولة الإنشاء، لا الإدراك. لكن مبناه عند المشهور لمّا كان على الظّن وقع التّعبير عنه في كلمات الأكثرين بما يدلّ عليه، و هذا ينطبق على ما ذكره في أوّل «القوانين» كغير الوجه الأوّل من الوجوه السّابقة هذا.

و لكن يتوجّه عليه- مضافا إلى ما في جعل الشكّ بمعنى الظّن من التكلّف على تقدير صحّته باستعماله في معناه اللّغوي و هو خلاف اليقين و إرادة خصوص المظنون منه بقرينة خارجيّة، أو مجازا باستعمال اللّفظ الموضوع للعامّ في‏

27

الخاصّ-: بأنّه مناف لما صرّح به (قدّس سرّه) في «القوانين» من إرادة المعنى الأعمّ من الظّن منه من جهة كون الاستصحاب عنده معتبرا من جهة الأخبار أيضا، اللّهم إلّا أن يحمل تعريفه على العقل، و إن كان اعتبار الاستصحاب عنده غير متوقّف على الظّن بالبقاء بملاحظة الأخبار، فتأمّل.

ثمّ إنّه يرجع إلى تعريف المشهور ما في كلام بعض في تعريفه: من أنّه الحكم باستمرار أمر كان يقينيّ الحصول في وقت أو حال، مشكوك البقاء بعد ذلك الوقت و الحال‏ (1)- بعد أخذ الحيثيّة فيه، و إلّا كان محلّا للمناقشة و إن كان سالما عمّا أورد عليه غير واحد.

تعريف الفاضل النّراقي و غيره للإستصحاب‏

و قال الفاضل النّراقي في «المناهج»- بعد نقل جملة من التّعاريف و المناقشة فيها و تعريفه على سبيل الإجمال.

أوّلا: بأنّه إبقاء ما كان على ما كان ما هذا لفظه: «و لو عرّف: بأنّه الحكم على حكم مثبت في وقت أو حال ببقائه بعده من حيث ثبوته في الأوّل مع عدم العلم بالبقاء و لو تقديرا، لكان خاليا عن النّقض، و المدلول: هو إثبات الحكم في الثّاني، فلا يلزم اتّحاد الدّليل و المدلول. و القيد الأخير لإدخال ما يدلّ دليل آخر أيضا على البقاء كما يقولون: هذا الحكم للإجماع و الاستصحاب. و فائدته: إثبات الحكم لو تطرق نقض على الدّليل الآخر فالاستصحاب فيه فرضيّ أيضا، يعني: إذا

____________

(1) انظر: قوانين الأصول: ج 2/ 53.

28

حصل الشّك يستصحب» (1). انتهى كلامه (رحمه اللّه).

و هو كما ترى، لا يخلو عن بعض المناقشات.

و قال الفاضل الدّربندي (قدّس سرّه) في «الخزائن» في تعريفه- بعد الإيراد على ما حكاه المحقّق الخوانساري عن القوم في تعريفه و غيره من التّعاريف- ما هذا لفظه: «فالأولى أن يقال في تعريفه:

أنّه عبارة عن إبقاء ما كان في الزّمن الثّاني تعويلا على ثبوته في الزّمن الأوّل و لو تقديرا مع عدم العلم بالبقاء و لو تقديرا، فبأخذ قيد التّقدير الأوّل يشمل الحدّ ما فيه تحقّق الحكم في الزّمن الأوّل شأني، كما يشمل ما فيه تعدّد الزّمان فرضيّ، بل يشمل ما على خلافه دليل مطلق أيضا، و بالأخير يشمل ما فيه على طبق الاستصحاب دليل منجّز قطعيّا كان أو ظنّيا» (2). انتهى كلامه (رحمه اللّه).

و أنت خبير: بأنّ ما ذكره لا يخلو عن مناقشة، بل مناقشات.

فالأولى ما عرفت في تعريفه الرّاجع إلى تعريف القوم على ما عرفت؛ فإنّه يستفاد منه بالدّلالة الظّاهرة الواضحة: حقيقة الاستصحاب و ما له دخل في مجراه و محلّه: من إحراز المتيقّن السّابق- في زمان إرادة الحكم بالبقاء؛ من حيث إنّ البقاء عبارة: عن الوجود الثّانوي للشي‏ء، فلا بدّ أن يكون الوجود الأوّلي متحقّقا- و المشكوك اللّاحق، و كون الحكم به مستندا إلى وجود الأوّلي عند الحاكم؛ فإنّه لو

____________

(1) مناهج الأحكام: 223.

(2) الخزائن: مخطوط.

29

لا الشّك كان الاستناد في البقاء إلى نفس وجود العلّة و الدّليل في الزّمان اللّاحق كالزّمان الأوّل.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه:

أنّ الاستصحاب الّذي هو من مقولة الحكم سواء كان من باب الأخبار، أو العقل على جهة الإنشاء، أو الإخبار و إن تعلّق بالبقاء، إلّا أنّ إنشاء البقاء في مرحلة الظّاهر عبارة: عن جعل نفس المستصحب في زمان الشّك إن كان قابلا كالاستصحاب الحكمي و جعل آثاره الشّرعيّة إن لم يكن قابلا كالاستصحاب الموضوعي كما ستقف على تفصيل القول فيه. و متعلّق هذا الحكم على كلّ تقدير فعل المكلّف، و الظّن بالبقاء و إن كان راجعا إلى الظّن بوجود المستصحب في الزّمان الثّاني شخصا أو نوعا، إلّا أنّه بملاحظة دليل اعتباره يرجع إلى جعل الشّارع في مرحلة الظّاهر على ما عرفت، مع تفاوت بينهما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.

***

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

* تقديم أمور ستّة

* الأوّل: الإستصحاب أصل عملي أو أمارة ظنّيّة؟

* الثاني: وجه عدّ الإستصحاب من الأدلّة العقليّة

* الثالث: الإستصحاب مسألة أصوليّة أو فقهيّة؟

* الرّابع: مناط الإستصحاب على المباني المختلفة

* الخامس: مقوّمات الإستصحاب‏

* السادس: تقسيم الإستصحاب:

الف: باعتبار المستصحب‏

ب: باعتبار دليل المستصحب‏

ج: باعتبار الشك في البقاء

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

[تقديم امور ستة]

* الأمر الأوّل: الإستصحاب أصل عملي أو أمارة ظنيّة

(2) قوله (قدّس سرّه): (إن عدّ الاستصحاب من الأحكام الظّاهريّة ... إلى آخره). (ج 3/ 13)

دفع توهم: أن للحكم الظاهري معنيين و إطلاقين‏

أقول: لا يخفى عليك: أنّ التكلّم في هذا الأمر كالتّكلّم فيما يتلوه من الأمور من التكلّم في المبادي‏ء التّصوريّة للمسألة كالتّكلّم في بيان حقيقة الاستصحاب؛ حيث إنّه من جهة كثرة مباحثه و شدّة الحاجة إليه في المسائل الفقهيّة صار عندهم بمنزلة علم مستقلّ، فوضعوا له دفترا و كتابا.

ثمّ إنّا ذكرنا المراد من الحكم الواقعي و الظّاهري فيما قدّمنا لك من المباحث في طيّ الجزء الأوّل من التعليقة (1)، و إنّ الحكم الثّابت بالأدلّة الظّنية حكم ظاهريّ فيما كان الظّن طريقا إلى متعلّقه و ملحوظا بهذه الملاحظة كالحكم الثّابت في مجاري الأصول، و قد أذعن بذلك شيخنا (قدّس سرّه) فيما تقدّم من أجزاء «الكتاب»، بل هو من الأمور الواضحة عندهم بحيث لا يرتاب فيه على القول‏

____________

(1) بحر الفوائد: ج 1/ 12 و في الجزء الثاني منه أنظر بحر الفوائد: ج 2/ 3.

34

بالتخطئة في ظنون المجتهد، فقد يزعم الجاهل بكلمات شيخنا: أنّ للحكم الظّاهري عنده، بل عندهم: إطلاقين: أحدهما أعمّ من الآخر، الأوّل: ما ثبت للجاهل بالواقع، الثّاني: ما ثبت للشّاك بالواقع، أو ما ثبت للشّي‏ء من حيث الشّك في حكمه الأوّلي. و الأوّل أعمّ من الثّاني؛ فإنّ الحكم الثّابت للشي‏ء من حيث الجهل بحكمه الأوّلي قد يتعلّق به من حيث الظّن به، و قد يتعلّق به لا من الحيثيّة المذكورة، بل من حيث عدم العلم به و الشّك فيه، فيشمل الحكم الظّاهري على الإطلاق الثّاني. فقوله: «إن عدّ الاستصحاب من الأحكام الظّاهريّة» (1) جار على الإطلاق الثّاني الأخصّ، المختصّ بموارد الأصول التّعبّدية هذا.

و أنت خبير بعدم الإطلاقين للحكم الظّاهري.

نعم، وجود القسمين له ليس محلّا للإنكار، فالمراد من الحكم الظّاهري في قوله- كما يفصح عنه صريح كلامه-: هو الثّابت للموضوع من حيث عدم العلم بحكمه الأوّلي لا من حيث الظّن به شخصا، أو نوعا، فلا شبهة في المراد من العبارة، و لا حاجة إلى إثبات الإطلاقين و المعنيين للحكم الظّاهري.

و المقصود ممّا أفاده: بيان أنّ عنوان الاستصحاب في الأصول العمليّة و عدّه منها على ما اقتضاه التّقسيم في الجزء الأوّل من «الكتاب» (2): إنّما هو إذا قيل به:

من باب الأخبار، و لم نقل بكونها ناظرة إلى بيان حجيّة ظن الاستصحاب بحيث يكون الملحوظ فيها ذلك كما احتمله المحقّق القميّ (قدّس سرّه) و مال إليه بعض من تأخّر،

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 13.

(2) نفس المصدر: ج 1/ 25.

35

و إنّه إذا قيل بكونه: من العقل الظّني لا بدّ أن يعدّ في الأدلّة العقليّة الظّنية كغيره ممّا عدّوه فيها.

و من هنا عنونه الأكثرون في الأدلّة العقليّة، و إن وافقهم في العنوان بعض من ذهب إليه من باب التّعبّد: من جهة مجرّد الموافقة و التّبعيّة و بيان عدم صلاحيّة ما أقاموا عليه من باب الظّن، فالاستصحاب على القول به: من باب الأخبار من الأصول العمليّة لا مطلقا، و هذا بخلاف الأصول الثّلاثة؛ فإنّه لا فرق في عدّها من الأصول بين الاستناد فيها إلى الأدلّة الشّرعيّة، أو العقل؛ حيث إنّ الثابت بالعقل فيها حكم ظاهريّ على ما عرفت الكلام فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة على تقدير كون الثّابت في باب البراءة بالعقل هو الحكم الشّرعي، بل قد عرفت ثمّة: أنّ التخيير الّذي هو من الأصول ليس إلّا عقليّا.

نعم، لو كان الاستناد في باب البراءة و الاحتياط إلى استصحابها و استصحاب الشّغل، أو التّكليف الثابت في موارد وجوب الاحتياط، و قيل باعتباره من باب العقل الظّني كانا من الأدلّة الظّنية أيضا كالاستصحاب، على ما يظهر من غير واحد كصاحب «المعالم» و غيره على ما أسمعناك في محلّه، و إن كان القول به في كمال الضّعف و السّقوط على ما عرفت في محلّه.

ثمّ إنّ أوّل من تمسّك بالأخبار للاستصحاب الشّيخ الجليل [الشيخ حسين بن‏] (1) الشّيخ عبد الصّمد والد شيخنا البهائي (قدّس سرّهما) في «العقد

____________

(1) لم تكن في الأصل أضفناها تصحيحا للعبارة.

36

الطّهماسبي» (1) على ما في «الكتاب» و شاع بين من تأخّر عنه و لم يظهر ممّن تقدّم عليه التمسّك له بها، و إن استنصر الشّيخ (قدّس سرّه) في «العدّة» (2) للقائل بحجّيّته بما رواه عنه في «الكتاب» و هذا محلّ التعجّب جزما؛ لأنّ هذه الأخبار الصّحاح الواردة في باب «الاستصحاب»، المعدود بعضها في حديث الأربعمائة قد وصلت منهم إلينا فلم لم يتمسّكوا بها مع صحّة سندها و وضوح دلالتها سيّما بالنّسبة إلى ما استنصر به الشيخ (قدّس سرّه)؟ و احتمال غفلتهم عنها و عدم وقوفهم عليها كما ترى، هذا.

و ربّما قيل: بتمسّك القدماء كافّة بها لإثبات قاعدة اليقين، و أنّها عندهم غير الاستصحاب الّذي قالوا به: من باب العقل و الظّن، و هذا أيضا كما ترى، فإنّي بعد التتبع التّام في كلماتهم لم أقف على ذكر لقاعدة اليقين فيها إلّا في كلام شاذّ لا يعبأ به، و إن كنت في ريب من ذلك فراجع إليها فإنّها بمرأى منك.

و أمّا استظهار التمسّك من الحلّي في «السرائر» (3): من حيث تعبيره- عن بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زواله بنفسه- بعدم نقض اليقين [إلّا] (4) باليقين الموجود في أخبار الباب من جهة ظهوره في الاعتماد عليها كما يظهر من شيخنا (قدّس سرّه) في «الكتاب» فهو ضعيف؛ من حيث إنّ الاتّفاق في التّعبير لا ظهور له‏

____________

(1) العقد الطهماسبي: الورقة 28 مخطوط.

(2) عدّة الأصول: 2/ 757- 758.

(3) السرائر: 1/ 62 و العبارة في السرائر كما يلي: «و إن ارتفع التغيّر عنه من قبل نفسه، أو بتراب يحصل فيه، أو بطروّ أقلّ من الكرّ من المياة المطهّرة لم يحكم بطهارته؛ لإنه لا دليل على ذلك و نجاستها معلومة بيقين، فلا يرجع عن اليقين إلّا بيقين مثله» إنتهى.

(4) أثبتناها من الكتاب.

37

في الاستناد أصلا، و إلّا فهذا التعبير موجود في كلام الشيخ في مواضع من «مبسوطه» و في كلام الشّهيد (قدّس سرّه) كما سيأتي في «الكتاب»، و من هنا أمر شيخنا (قدّس سرّه) بالتّأمّل فيه بعد الاستظهار من كلام الشّهيد فيما سيأتي‏ (1).

***

____________

(1) أنظر آخر البحث في الأمر الرابع.

38

* الأمر الثاني: الوجه في عدّ الإستصحاب من الأدلّة العقليّة

(3) قوله (قدّس سرّه): (إن عدّ الاستصحاب على تقدير اعتباره من باب الظّن من الأدلّة العقليّة ... إلى آخره) (1). (ج 3/ 16)

____________

(1) قال المحقق المؤسّس الطهراني (قدّس سرّه):

«و فيه: ما عرفت من انه أصل مطلقا لا دليل، مع انّه لو كان دليلا اجتهاديّا على الحكم الشرعي فليس الوسط في إثباته إلّا البقاء الذي يستقلّ العقل بإدراكه، و أمّا الحدوث فهو دليل على الدليل كما انّه لو ثبت حسن شي‏ء أو قبحه بدليل فالدليل على الحكم الشرعي إنّما هو الحسن و القبح لا ما استدلّ به عليهما، هذا بناء على تفسير الحكم في تعريف الدليل العقلي بالوسط، و أمّا على تقدير تفسيره بالتصديق فالدليل هو الظن كما يوهمه كلام شارح المختصر فعدم كون الحدوث دليلا عقليّا على الحكم الشرعي واضح، مع انّ قوله: (بواسطة خطاب الشرع) الظاهر انّه سهو من القلم حيث انّ التوصّل ليس بواسطة خطاب الشرع فيما لا يستقلّ به العقل، بل العقل مستقلّ بالتوصّل ضرورة الفرق بين كون المتوصّل به خطابا شرعيّا و بين كون المتوصّل به بواسطة خطاب الشرع فافهم.

و الحاصل: انه عرّف الإستصحاب بالإبقاء المفسّر بالحكم بالبقاء، و صرّح انّ مستند الحكم هو الحدوث، فكيف يمكن جعل الدليل على الحكم الشرعي الحدوث؟ و هذا تفكيك بين دليل الحكم و بين الإستصحاب و جعل الإستصحاب مدلولا عليه؛ فإنّ الحكم بالبقاء يستدلّ بالحدوث عليه، فهذا تهافت واضح و خلط بين ما جعله القوم وسطا في القياس الأوّلي و بين ما رامه من دليل الحكم الشرعي الذي هو نتيجة ذلك القياس مع انّ في جعله من العقليّات الغير المستقلّة أيضا إشكالا» إنتهى. أنظر محجّة العلماء: ج 2/ 76.

39

بيان المراد من العقل المستقل و غير المستقل‏

أقول: لا يخفى عليك أنّ من التّقسيم المسلّم عندهم للدّليل العقلي في الأدلّة العقليّة تقسيمه: إلى المستقلّ و غيره. و ليس المراد بغير المستقل كما ربما يتوهّمه الجاهل: كون العقل غير مستقلّ في الحكم في القضيّة الّتي يحكم فيها إنشاء، أو إدراكا؛ ضرورة عدم معنى له أصلا بل المراد به: أنّه لا يتوصّل به فقط إلى الحكم الشّرعي، بل يحتاج في التوصّل إلى ضمّ مقدّمة أخرى: غير حكم العقل، و إن كان مستقلّا فيما يحكم به.

فإنّهم بعد تعريف الدّليل العقلي-: بأنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ، و وجدان عدم التّوصل بحكم العقل فقط من دون ضمّ مقدّمة إليه إلى الحكم الشّرعي في بعض موارد حكمه- ألجئوا إلى التّقسيم المذكور، و مثّلوا للمستقلّ: بالتحسين و التّقبيح العقليّين على القول بكون الملازمة عقليّة. و لغير المستقلّ: بالاستلزامات كوجوب المقدّمة، و حرمة الضّد، و المفاهيم بناء على كون الدّلالة من الالتزام الغير البيّن، أو البيّن بالمعنى الأعمّ، لا البيّن بالمعنى الأخصّ؛ فإنّه على التقدير المذكور من مداليل اللّفظ عند الأصوليّين.

و لذا عنونها غير واحد في باب الألفاظ، و إن كان على التّقديرين الأوّلين أيضا: من دلالة اللّفظ عند المنطقي المخالف للاصطلاح في دلالة اللّفظ مع الأصولي؛ فإنّ العقل في الاستلزامات مثلا إنّما يحكم: بثبوت التّلازم بين وجوب الشّي‏ء و وجوب ما يتوقّف عليه، و يحكم بالحكم الإدراكي: بأنّ طالب الشّي‏ء

40

طالب لمقدّماته، و كذا يحكم: بثبوت التّلازم بين الأمر بالشّي‏ء و حرمة أضداده الخاصّة.

و من المعلوم: أنّه لا يمكن التوصّل بهذا الحكم الكلّي إلى وجوب الوضوء مثلا إلّا بعد إثبات وجوب الصّلاة و توقّفها عليه، فيقال- إذا أريد ترتيب القياس و أخذ النّتيجة-: أن الصّلاة الواجبة تتوقّف على الوضوء، و مقدّمة الواجب واجبة عقلا، فالوضوء واجب.

و من هنا يعلم: أنّه لو كان الحاكم بالملازمة الشّرع في مسألة التّحسين و التّقبيح لم يصح عدّ الحكم المذكور من العقل المستقلّ، فالمدار في الاستقلال على كون مجموع المقدّمتين في القياس عقليّا، و في عدمه على كون إحدى المقدّمتين غير عقلية.

و من هنا يظهر: أنّه فيما يكون وجوب ذي المقدّمة بحكم العقل، و مقدّميّة المقدّمة بحكم العقل أيضا كوجوب المعرفة المتوقّفة على النّظر فهو من العقل المستقلّ، فالمدار على ما ذكرنا من المناط فتدبّر.

و هكذا الأمر في باب المفهوم؛ فإنّ حكم العقل في موارده إنّما هو على الوجه الكلّي و هو: أنّ الارتباط بين الشّيئين إذا كان على وجه السّببيّة التّامة لزمها انتفاء التّالي من انتفاء المقدّم. و أمّا أنّ التّعليق بالشّرط، أو الغاية، أو الوصف مثلا يدلّ على الارتباط المذكور، فلا دخل للعقل فيه، لكنّه ممّا يتوقّف عليه أخذ النّتيجة.

إذا عرفت ذلك لم يبق لك ريب في كون الدّليل العقلي في المقام من العقل الغير المستقلّ؛ فإنّ الّذي يحكم به العقل على الوجه الكلّي: كون الثّابت في السّابق‏

41

يظنّ بقاؤه لا حقا، و أمّا ثبوت الحكم الفلاني الّذي يتوقّف عليه أخذ النتيجة و هو الظّن به لا حقا فلا تعلّق له بحكم العقل أصلا، إلّا إذا فرض كون المستصحب ممّا يحكم به العقل، و قلنا بجريان الاستصحاب فيه كما زعمه غير واحد. هذا بالنّسبة إلى أصل الظّن بالبقاء، و أمّا الحكم بحجيّته فهو أمر آخر لا تعلّق له بمحطّ البحث.

و من هنا يظهر: فساد ما ذكره غير واحد من المتأخّرين: من كون الاستصحاب على العقل من العقليّات المستقلّة كالبراءة و الاشتغال العقليّين؛ فإنّك قد عرفت وضوح فساده كفساد الزّعم المذكور في البراءة و الاشتغال أيضا.

***

42

* الأمر الثالث: الإستصحاب مسألة أصوليّة أو فقهيّة؟

(4) قوله (قدّس سرّه): إنّ مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقليّة مسألة أصوليّة) (1). (ج 3/ 17)

____________

(1) قال المحقّق المؤسّس الطهراني (قدّس سرّه):

«و فيه: ما عرفت من انّ الإستصحاب بناء على استقلال العقل به ليس أصلا واقعيّا يستقلّ العقل بإدراكه كأصالة البراءة و الإحتياط و ليس البحث عن حجّيّته بل إنّما هو بحث عن تحقّقه بل لا معنى للبحث عن حجّيّة الأصل مطلقا و إنّما يبحث في الاصول عن تحقّقها أو عن تحقّق مجاريها؛ فإنّ وظيفة الجاهل إمّا عقليّة أو واقعيّة لا يتوقّف على جعل الشارع، و إمّا شرعيّة جعليّة.

و على أيّ تقدير فليس هنا أمران: الشي‏ء و وصف الحجّيّة، فالنزاع في مسألة البراءة و الإشتغال في تعيين الأصل الذي يعوّل عليه يعني وظيفة الشاك في التكليف أو في المكلّف به لا في حجّيّة الوظيفة، فحجّيّة أصل البراءة لا معنى لها إلّا تحقّقها بمعنى ان الجاهل معذور في الواقع مع قطع النظر عن الشرع و لا ينجّز عليه التكليف حال الجهل و لم ينجّزه الشارع بتصرّف منه، و حقيقة حجّيّة الإستصحاب ليس إلّا انّ وظيفة الجاهل بالبقاء العالم بالحدوث أن يعامل مع المشكوك فيه معاملة معلوم البقاء، فليس البحث فيه عن أحوال الحكم العقلي و هذا ليس إلّا كالبحث عن حجّيّة المفاهيم فإنه بحث عن تحقّقها و بعد التحقّق فالحجّيّة مسلّمة، و كذا في المقام لا إشكال في الرّكون إلى الوظائف العقلائيّة ما لم يمنع منها الشارع حيث يكون له ذلك، و إنّما الإشكال في كونه وظيفة عقلائيّة فلو كان البحث عن دليليّة الدليل-

43

____________

- من المسائل الأصوليّة لم ينفع في المقام حيث ان البحث فيه ليس إلّا عن تحقّق ما لو كان متحقّقا لم يكن إشكال في الرّكون اليه و الإعتماد عليه، مع ان عدم كون البحث عن الدليليّة من مباحث الأصول بعد التسالم على انّ موضوع الأصول إنّما هو الدليل من حيث هو كذلك من الواضحات، و لا وقع لإسناد هذا الإشكال إلى القوانين خاصّة بل هو أوضح من أن يختصّ أحد بالتنبيه له.

و قد عرفت: انه على هذا ليس من قبيل حجّيّة ظاهر الكتاب كما انّ حجّيّة الخبر ليس من قبيل واحد منهما و لا ما نحن فيه من المبادي‏ء التصديقيّة، بل إنّما هو من المبادي‏ء التصوريّة، و من ذهب إلى أنّ موضوع علم الأصول هو ذوات الأدلة من حيث يبحث عن دليليّتها، أو عمّا يعرض لها بعد الدليليّة فلا يعتدّ بمقالته فإنّها لا ترجع إلى محصّل؛ فإنه جمع بين النقيضين؛ فإنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيّات».

إلى أن قال:

«و أمّا الموافقة لتعريف الفن فلا يرجع إلى محصّل؛ لأنّ كلّ فنّ لا بد و أن يكون تميزه بتمايز الموضوع و مع عدم الإنطباق على الميزان لا يجدي شيئا فالتعريف لا يصحّ إلّا أن يرجع إلى ذلك فالقواعد الممهّدة للإستنباط إنّما تكون قواعد أصوليّة حيث كان البحث فيها عن العوارض الذاتيّة للدليل و إلّا فمجرّد التمهيد للإستنباط لا يجدي بناء على كون الأصل فنّا، بل هذا التعريف لا ينطبق على ما اخترناه أيضا؛ حيث انّ مباحث الإجتهاد و التقليد ليست ممهّدة للإستنباط بل إنّما هي نفس أحكام الإستنباط، و بالجملة: فكون الغرض من التمهيد استنباط الإحكام ليس ممّا يصلح للتمييز.

و ممّا حقّقنا يظهر ما في قوله (قدّس سرّه): (و المسئلة الأصوليّة هي التي بمعونتها ... إلى آخره).

فإنّ هذا إنما ينطبق على التعريف الذي ذكره و فيه ما فيه.

و يظهر ممّا حقّقنا: انه لا مناص من إرجاع المسألة إلى البحث عن العرض الذاتي للموضوع-

44

____________

- و مجرّد كون النفع للمجتهد و عدم انتفاع المقلّد ليس مناطا في ذلك من حيث هو هو.

نعم، لا ينفع العلم بأحوال الدليل إلّا للمستدلّ، فالذي لا يقدر على الإستدلال لا يحتاج إلى معرفة أحوال الدليل، فالميزان كون المسألة أصوليّة إنّما هو كون البحث فيها عن العوارض الذاتيّة و لا ينفع كون العلم بها وظيفة المجتهد؛ فإنّ المجتهد لا يحتاج في استنباطه إلى معرفة أمور ليس شي‏ء منها من الأصول، فليس إختصاص المجتهد بالإحتياج إلى العلم بشي‏ء ميزانا لكون المسألة أصوليّة، نعم بعد إحراز عدم كون المسألة من غير الأصول و الفقه و دوران الأمر بين الفنّين فلهذا وجه، مع ان كثيرا من القواعد الفقهيّة أيضا ممّا لا ينتفع به غير المجتهد كمسائل القضاء.

و ظهر ممّا حقّقنا ما فيما أفاده الأستاذ (قدّس سرّه) حيث قال بعد ما مرّ: (نعم يشكل كون الإستصحاب في المسائل من المسائل الفرعيّة ... إلى قوله: و لا حظّ لغيره فيها).

فإن إختصاص المجتهد بالإجراء لا ينافي كونه من الفقه كما هو الحال في كثير من القواعد الفقهيّة مع انّ إجراء الأصل بناء على هذا ليس إلّا تطبيق الكلّي على الفرد و هو ليس إلّا الأخذ بالوظيفة الشرعيّة و لا فرق فيه بين المجتهد و المقلّد، غاية الأمر: انّ المقلّد لا يستقلّ بإحراز الموضوع و هذا لا ينافي إستقلاله باجراء الأصل مع انّ هذا ليس من الإستنباط في شي‏ء فتعليل اختصاص المجتهد به بأنّ المسائل الأصوليّة مهّدت للإجتهاد و الإستنباط فاختصّ به المجتهد لا معنى له؛ حيث إنّ الإختصاص في المقام على تقدير تسليمه ليس من هذه الجهة؛ فإنّ العمل بالأصل إنّما هو مع فقد الدليل فحيث لا إجتهاد و لا إستنباط يعمل بالأصل، و بالجملة فالأصل ليس إلّا وظيفة الجاهل و المجتهد إنما ينوب عن المقلّد في إحراز الجهل و عدم الدليل و يشتركان في الوظيفة، و هذا ليس من حيث انّه ممهّد للإستنباط، بل إنّما هو وظيفة لغير المستنبط الجاهل بالحكم، و لمّا اختصّ المجتهد بالإستنباط فالعلم إختصّ بمعرفة عدم الدليل، و أين هذا من كون الحكم ممهّدا للإستنباط؟!) إنتهى. أنظر محجّة العلماء: ج 2/ 78- 80.

45

هل الإستصحاب من المسائل أم من المبادي‏ء

أقول: توضيح القول في هذا الأمر: أنّ الاستصحاب بحسب المورد لا يخلو أمره: إمّا أن يجري في الحكم الشّرعيّ الفرعي، أو الحكم الشّرعي الأصليّ العمليّ، أو الموضوع الخارجي.

أمّا على الأوّل: فإن كان التكلّم فيه من باب حكم العقل و كان النّزاع فيه كبرويّا، أي: في حجّيّة حكم العقل المذكور مع كون الصّغرى مسلّمة عندهم، فدخول المسألة في مسائل العلم، أو في المبادي‏ء التّصديقيّة له مبني على كون الموضوع لعلم الأصول: ذوات الأدلّة الأربعة، فيدخل البحث عن حجّيّتها و دليليّتها في البحث عن عوارضها فيدخل في مسائل العلم، كما يظهر عن بعض أفاضل من قارب عصرنا أو عاصرناه‏ (1). أو هي بعد الفراغ عن دليليّتها، يعني:

بعنوان كونها أدلّة، فيكون الوصف العنواني مأخوذا في موضوعيّتها فيدخل البحث عن حجيّتها في البحث عن إثبات موضوعيّة الموضوع، فيدخل في البحث عن المبادي‏ء التّصديقيّة كما حكاه شيخنا (قدّس سرّه) في «الكتاب» (2) عن المحقّق القمّي (قدّس سرّه)(3)، و هو الظّاهر من تعريف الأصول: بأنّه «العلم الباحث عن أحوال الأدلّة

____________

(1) الفصول الغرويّة: 12.

(2) فرائد الأصول: ج 3/ 17.

(3) انظر حاشية القوانين: ج 1/ 6، الحاشية المبدوّة بقوله: «موضوع العلم هو ما يبحث فيه ... إلى آخره».

46

و إن كان الظّاهر من تعريفه الآخر: بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الفرعيّة عن أدلّتها» هو الوجه الأوّل، كما استظهره شيخنا (قدّس سرّه) منه.

نظرا إلى كون الغرض الأصلي من عنوان مسائل حجيّة الأدلّة و إثبات حجيّتها و تمهيدها استنباط الأحكام الفرعيّة بمعونتها عن الأدلّة، و إن كان الاستظهار لا يخلو عن نظر فإن ذكر «عن أدلّتها» بما يمنع الظّهور المذكور.

نعم، قد أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة عند التكلّم في حجيّة أخبار الآحاد و نقل الإجماع: أنّ مرجع البحث في المسألتين إلى أنّ السّنة و الإجماع بعد الفراغ عن حجيّتهما هل يثبتان بواسطة النّقل الواحد كما يثبتان بالنّقل المتواتر و النقل الواحد المحفوف أم لا؟

ضرورة أنّ البحث فيهما ليس بحثا عن حجيّة السّنة و الإجماع المحقّق، و هذا البحث كما ترى، يرجع إلى البحث عن عوارض الأدلّة بعد الفراغ عن دليليّتها فيدخل في مسائل العلم على كلّ تقدير و قول.

و هذا بخلاف البحث عن حجيّة حكم العقل في المقام؛ فإنّ دخوله في البحث عن مسائل العلم مبنيّ على الوجه الأوّل لا محالة. و مجرّد عنوانه في العلم لا يدلّ على كونه من مسائله بعد ما نشاهد كثيرا من عنوان المبادي‏ء التّصوريّة و التّصديقيّة في نفس العلم في علم الأصول و غيره من العلوم. و من هنا عنون القدماء كثيرا ممّا دوّن في طيّ مسائل العلم في طيّ عنوان المبادي‏ء اللغويّة و الأحكاميّة. هذا فيما لو كان التّكلّم في المسألة في الكبرى بعد مسلّميّة حكم العقل الظّني كما يظهر من بعضهم.

و أمّا لو كان البحث في المسألة عن الصّغرى بعد مفروغيّة حجيّة حكم العقل‏

47

المذكور على تقدير ثبوته و إن كان ظنيّا، كما يظهر من كلمات الأكثرين من الخاصّة و العامّة، فالظّاهر عدم الإشكال في رجوع البحث عن المسألة إلى البحث عن المبادي‏ء التّصديقيّة على كلّ تقدير؛ لأنّ المفروض كون البحث عن أصل وجود الدّليل، فكيف يرجع إلى البحث عن عوارضه بعد الفراغ عن ثبوته؟

و إن كان البحث عن الكبرى و الصّغرى معا: كانت المسألة ذات وجهين لا محالة كما هو ظاهر فتدبّر.

و القول: بأنّ مرجع البحث في المسألة إذا كان إلى البحث عن الصّغرى تدخل في مسائل العلم على كلّ تقدير من حيث رجوعه إلى البحث عن ثبوت ما فرغ عن دليليّته و حجيّته نظير البحث عن ثبوت السّنة بخبر الواحد.

فاسد جدّا؛ نظرا إلى أنّ البحث عن الثّبوت في المقام يرجع إلى البحث عن أصل وجود حكم العقل، فكيف يدخل في البحث عن العوارض؟

و هذا بخلاف البحث عن ثبوت السّنة بخبر الواحد؛ لأنّ البحث فيه ليس بحثا عن أصل وجود السّنة؛ ضرورة عدم توقّفه على الإخبار عنه فضلا عن حجيّته، فلا دخل لأحدهما بالآخر، بل نظير المقام: البحث عن الاستلزامات العقليّة و نحوها؛ فإنّ مرجعه إلى البحث عن أصل وجود حكم العقل كما هو ظاهر.

و القول: بأنّ الدّليل هو الحكم العقلي على سبيل القضيّة الكلّية فالبحث عن خصوصيّاته و أشخاصه يرجع إلى البحث عن العوارض.

فاسد أيضا؛ لأنّ الدّليل العقلي بحسب المفهوم و إن كان كلّيا كالدّليل الشّرعي؛ إلّا أنّ الدّليل على الحكم الشّرعي إنّما هو مصاديق هذا المفهوم الكلّي لا نفس هذا المفهوم الصّادق عليها كما هو ظاهر. هذا بعض الكلام في الاستصحاب‏

48

الجاري في الحكم الفرعي إذا كان التكلّم فيه من حيث حكم العقل.

و أمّا إذا كان التكلّم فيه من حيث حكم الشّرع فهل البحث عنه بهذه الملاحظة يدخل في البحث عن مسائل علم الفقه، أو مسائل علم الأصول؟

وجهان: أوجههما الأوّل؛ نظرا إلى أنّ البحث في المسألة بهذه الملاحظة ليس بحثا عن أحوال الأدلّة و عوارضها و إنّما هو بحث عن عوارض فعل المكلّف ظاهرا على سبيل الكلّية و العموم، فيدخل في مسائل علم الفقه؛ من حيث إنّ المبحوث عنه محمول أوّلي لفعل المكلّف من دون توسيط شي‏ء آخر، غاية ما هناك: كون الفعل المعروض له ملحوظا بلحاظ الكلّية في مرحلة الظّاهر، و هذا غير مانع عن اندراجه تحت مسائل علم الفقه قطعا، و إن هو إلّا نظير التّكلّم في قاعدة الحلّية للأشياء الّتي لا يعلم حرمتها في الشّبهة الحكميّة، و قاعدة الطّهارة في الشّبهة الحكميّة، بل نظير قاعدة نفي الحرج و الضّرر و نحوهما من حيث الكلّية، فلا يتوهّم منع كليّتها أو ظاهريّتها عن اندراجها تحت مسائل علم الفقه.

و بالجملة: مقتضى تعريف الفقه: بأنّه العلم بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة، و كون البحث في المسألة عن عوارض فعل المكلّف أوّلا و بالذّات، دخول المسألة على الأخبار في مسائل الفقه. أمّا الثّاني: فقد عرفت الكلام في اقتضائه، و أمّا الأوّل: فلأنّ المستنبط من أخبار الباب و الحاصل منها:

العلم بالحكم الفرعي و هو حرمة نقض المتيقّن و وجوب إبقائه عند الشّك.

نعم، لا بدّ في استنباط هذا الحكم من إعمال جملة من المسائل الأصوليّة كما هو الشّأن في استنباط كلّ حكم فرعيّ، فإنّه معنى حصول العلم به من الدّليل كما هو ظاهر.

49

نعم، مقتضى تدوينهم للمسألة في الأصول كونها من مسائله لكنّه لا يعارض ما عرفت؛ لكون التّدوين أمارة ظنيّة لا يقبل المعارضة للوجهين سيّما الثاني. و من هنا ذكروا: أنّ تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها؛ فإنّه كثيرا ما يتسامح في التّعريف، مضافا إلى كون تدوينهم لها في الأصول- عند القائل بها من جهة الأخبار- من جهة مجرّد التّبعيّة على ما عرفت الإشارة إليه. و من هنا خالفهم بعض المحقّقين مثل المحقّق الخوانساري فعنون المسألة في الفقه‏ (1).

و من هنا يظهر: أنّ تصريح بعضهم بكونها من مسائل الأصول- مضافا إلى عدم الجدوى في شهادة بعض أهل الفنّ- لا يفيد شيئا بعد احتمال ابتنائه على كون التكلّم فيها من جهة العقل.

نعم، عجز العامي عن إعماله في الشّبهة الحكميّة على ما هو محلّ الكلام ربّما يقتضي الوجه الثّاني؛ حيث إنّها لو كانت من مسائل الفقه لزم تسوية المجتهد و العامي في العمل به بعد الاستنباط كما هو شأن جميع المسائل الفقهيّة المتعلّقة بأفعال المكلّفين، و أمّا عجز العامي عن إعماله فلا شبهة فيه؛ حيث إنّه مشروط بالفحص الّذي لا يتمكّن العامي منه، و هذا من خواصّ المسألة الأصوليّة؛ فإنّها لما مهّدت للاستنباط فلا حظّ لغير المستنبط فيها، فكلّ حكم يستنبطه المجتهد من الأدلّة- بإعمال ما أثبته في الأصول-: إن كان بعد الاستنباط: يشترك فيه المجتهد و العامي فهو حكم فرعيّ فقهي، و كلّ حكم يختصّ بالمجتهد بعد الاستنباط فهو حكم أصولي لا محالة، و الاستصحاب من القسم الثّاني.

____________

(1) مشارق الشموس في شرح الدروس: 76.

50

و القول: بأنّ هذا الاختصاص عرضي لا ذاتي، بمعنى: أنّ المخاطب بأخبار الاستصحاب ليس خصوص المجتهد كما في الخطاب بالحدّ؛ حيث قيل: إنّ المخاطب به خصوص الحكّام، و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر؛ حيث توهّم كون المخاطب بهما خصوص الإمام (عليه السّلام) أو من أذن له في ذلك بالخصوص، بل المكلّف الجامع لشروط تعلّق التّكليف به من غير فرق بين المجتهد و العامي. غاية ما هناك: كون المجتهد نائبا عن العامي في تحصيل شرط العمل بالاستصحاب:

و هو الفحص في الشّبهة الحكميّة، و إلّا فأصل العمل بمقتضى المتيقّن السّابق يشترك فيه المجتهد و العامي.

فيه: أنّ اختصاص العمل بالأدلّة بالمجتهد بالنّسبة إلى جميعها عرضيّ لا ذاتي، و إلّا فأصل العمل بمقتضاها مشترك بين المجتهد و المقلّد؛ فإنّ معاصري الأئمّة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) ممّن كان من أهل اللّسان، بل مقاربي أعصارهم كانوا يعملون بالرّوايات الّتي يسمعونها عنهم (عليهم السّلام)، أو المرويّة عنهم (عليهم السّلام) بتوسّط الثّقات، كما يعملون بفتاوي من رخّص لهم الأئمّة (عليهم السّلام) الأخذ بها و هذا أمر ظاهر لا ينكره أحد.

بل يمكن دعوى: كون غالب المخاطبين بالعمل بروايات الثّقات من العوام، و إن هو إلّا نظير أخذ الفتوى من المجتهد في زماننا؛ فإنّه قد يكون بلا واسطة، و قد يكون بتوسّط الوسائط المعتبرة، و هذا بخلاف زماننا و أشباهه؛ فإنّه لا يجوز للعامي العمل بالرّوايات، و ليس ذلك إلّا من جهة قدرة أهل الزّمان السّابق على تحصيل شروط العمل بالرّوايات من الفحص عن الصّوارف و المعارضات و مرجّحاتها، و عجز أهالي الأعصار المتأخّرة، بل ربّما لا يحتاجون إلى الفحص‏

51

أصلا: من حيث كون الخطاب الملقى إليهم في زمان الحاجة إلى العمل بالحكم في الواقعة نظير بيان المجتهد للعامي في مقام العمل.

و الحاصل: أنّا لا ننكر وجود التّقليد في أعصار الأئمّة (عليهم السّلام)؛ فإنّه من الواضحات الّتي لا ينكرها إلّا المعاند، كيف؟ و الأخبار التي وردت في باب التقليد وردت في حقّهم، مضافا إلى قيام الإجماع و دلالة الكتاب العزيز عليه كآيتي «النّفر» (1) و «السّؤال» (2) و نحوهما، إلّا أنّ مدار الأحكام في حقّ العوام في تلك الأزمان لم يكن منحصرا في التّقليد كزماننا، بل لهم: أن يعملوا بالرّوايات كما يكشف عنه ما ورد في كتب بني فضال، و أضرابهم ممّن كان على الحقّ فعدل عنه، بل هذا أيضا واضح بل أوضح، لا ينكره إلّا معاند.

و هذا الوجه كما ترى، و إن اقتضى دخول المسألة في علم الأصول، إلّا أنّه يتوجّه عليه- مضافا إلى النّقض بالقواعد الفقهيّة المسلّمة كقاعدة الحلّية، و الطّهارة، و أمثالهما في الشّبهات الحكميّة؛ حيث إنّ كونها من مسائل الفقه من المسلّمات، مع أنّه لا يتمكّن العامي من الأخذ بها من حيث اشتراطها بالفحص المتعذر منه-:

بأنّه لا يصلح للمعارضة؛ لما ذكرنا من الوجه المقتضي لكونها من مسائل علم الفقه؛ فإنّك قد عرفت: أنّ الرّجوع إلى موضوع العلوم في باب التّميز مقدّم على الموازين، فلا بدّ من القول بكون ما ذكر من اللّازم لازما غالبيّا لأغلب المسائل الفقهيّة، لا لنفس المسألة الفقهيّة كيف ما كانت حتّى ما كان من القواعد الكليّة الظّاهرة المتوقّفة على الفحص، فتدبّر.

____________

(1) التوبة: 122.

(2) النحل: 43.

52

مناقشة ما أفاده بحر العلوم‏ (1)

____________

(1) قال المحقّق المؤسّس الطهراني (قدّس سرّه):

« [و أمّا ما أفاده بعض السادة الفحول (قدّس سرّه) ف] فيه:

ما عرفت: انه أصل لا دليل على اعتباره عقلا و لا معنى لجعل دليل الأصل و مدركه عامّا و الأصل الجاري في كلّ مورد باعتبار خصوصيّة المورد خاصّا، بل الأصل ليس إلّا هو الضّابط الكلّي و الموارد إنما هي مجاري لها لا أفراد، و هذا بناء على استفادته من الأخبار في غاية الوضوح و لا مجال لتوهّم كونه دليلا إن قلنا بانه أمر تعبّدي متلقّى من الشارع و ليس تقديمه على العمومات من جهة انه خاصّ، بل إنّما هو للتحكيم حيث إنّ حلّيّة الأشياء إنّما هي حلّيّة إقتضائيّة بحيث لا ينافي طروّ الجهة المحرّمة و قد ثبت التحريم بالغليان و حيث حكم ببقاء الحرمة الطارية بالإستصحاب فلا مجال لما دلّ على الحلّ حيث لا محرّم.

و منه يظهر: الحال في سائر ما ذكره و زعم انّ تقدّم الإستصحاب إنّما هو من باب تخصيص العام بالخاص مع انه يتقدّم على كثير من الأصول أيضا و لا فرق بينهما في ذلك فيمكن أن يقال: إن قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): (الناس في سعة ممّا لا يعلمون) يدلّ على اعتبار أصل البراءة و الأصل الجاري في كل مورد دليل على الحكم الثابت فيه و هو خاصّ أيضا، فما الوجه لتقدّم الإستصحاب عليه؟ بل مقتضى ذلك تقدّم سائر الأصول أيضا على العمومات.

و بالجملة: فالأصل ليس إلّا الوظيفة و كثرة الموارد لا ينافي حدوثها و لا معنى لتعدّد أصالة البراءة بتعدّد الشبهات، و لا فرق بينهما و بين الإستصحاب من هذه الجهة، بل المناط في تقديم الأصل على الدليل و تقدّم بعض الأصول على البعض إنّما هو الحكومة.

و بالجملة: فليس حال الأصل في موارده إلّا كحال الدليل في موارده في عدم التعدّد بتعدّد الموارد و لا فرق بين أن يكون المستفاد من الدليل حكما واقعيّا أو وظيفة في كونه حكما واحدا و إن تعدّد الموارد و المجاري، و لا يؤثّر اختلاف المورد في اختلاف الحكم، و لا-