بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج7

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
663 /
5

تنبيهات الإستصحاب‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تنبيهات الإستصحاب‏

* التنبيه الثاني: جريان الإستصحاب في الزمان و الزمانيات‏

* التنبيه الثالث: عدم جريان الإستصحاب في الأحكام العقليّة

* التنبيه الرابع: الإستصحاب التعليقي‏

* التنبيه الخامس: استصحاب أحكام الشرائع السابقة

* التنبيه السادس: الأصل المثبت‏

* التنبيه السابع: أصالة تأخّر الحادث‏

* التنبيه الثامن: استصحاب صحّة العبادة عند الشك في طروّ المفسد

* التنبيه التاسع: عدم جريان الإستصحاب في الأمور الإعتقادية

* التنبيه العاشر: دوران الأمر بين التمسك بالعام أو استصحاب حكم المخصّص‏

* التنبيه الحادي عشر: لو تعذّر بعض المأمور به فهل يستصحب وجوب الباقي؟

* التنبيه الثاني عشر: جريان الإستصحاب حتى مع الظن بالخلاف‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

* التنبيه الثاني استصحاب الزّمان و الزّمانيّات‏

(232) قوله (دام ظلّه): (إنّه قد علم من تعريف الاستصحاب ... إلى آخره) (1). (ج 3/ 203)

____________

(1) قال المحقق الآخوند الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى أنّ عمدة الاستصحاب هي الأخبار، و من المعلوم أنّ الملاك فيها إنّما هو صدق نقض اليقين بشي‏ء بالشّك فيه، و لا يتفاوت فيه الأمور القارّة و التّدريجيّة، بداهة صدق نقضه به فيما إذا توقّف بسبب الشّكّ في انقطاع حركة أو مشي أو جريان دم أو نحوها من سائر الأمور التدريجيّة الغير القارّة بعد القطع بتحقّقها من ترتّب آثارها عليها، و السّرّ أنّها و إن كانت غير مجتمعة الأجزاء بحسب الوجود، إلّا أنّ وحدتها أو تشخّصها لا ينثلم بذلك ما دامت متّصلة لم يتخلّل العدم فيها فيفصلها، فكلّ واحد من هذه الأمور ما لم ينقطع واحد بالشّخص حقيقة، فإذا قطع بثبوته و تحقّقه ثمّ شكّ في ارتفاعه و انقطاعه بذلك، كان الشّكّ متعلّقا حقيقة باستمرار ما تعلّق به اليقين.

و لا يخفى أنّ البقاء بالمعنى الّذي ذكره أيضا يصدق في غير الزّمان من الأمور التّدريجيّة، لما عرفت أنّه ما دام متّصلا يكون واحد بالشّخص، و هو لا يكاد يكون موجودا إلّا بوجود واحد شخصيّ و البقاء إنّما يكون بهذا المعنى في الزّمانيّات، ضرورة صدقه حقيقة على غيرها من المجرّدات و نفس الزّمان، فهو بقول مطلق عبارة عن استمرار الوجود الواحد على اختلاف نحوه بالتّعدّد و التّصرّم جزءا فجزءا و الاستقرار و القرار، بل يظهر من ذلك عدم تفاوت الأمور القارّة و التدريجيّة بحسب سائر الأدلة، بل بحسب التّعريف بالإبقاء كما لا يخفى.

فانقدح أنّ البقاء في الزّمان و نحوه من الأمور التّدريجيّة من الزّمانيّات كغير الزّمانيّات على-

10

أقول: لا يخفى عليك أنّ الكلام في هذا الأمر أيضا متعلّق بالمتيقّن سابقا و ما عرفته في الأمر الأوّل من الحيثيّة ملحوظ فيه و في سائر ما سيمرّ عليك من الأمور، فمجمل القول فيه:

____________

- نحو الحقيقة و ليس على المسامحة، نعم بعض الأمور التدريجية الّذي يكون مع تخلّل العدم و الفصل بين أجزائه كأبعاض كلام واحد عرفي و ان لم يكن بواحد شخصي حقيقة، و يكون البقاء فيه على المسامحة، إلّا أنّه كذلك عرفا ما لم يقع بين اجزائها فصل يعتدّ به بحسب العرف، و الملاك في الباب هو الوحدة العرفيّة لصدق نقض اليقين بالشك حقيقة معها، كما لا يخفى.

و من هنا ظهر أنّ الإستصحاب يجري في إثبات الّليل و النّهار، و يجدي في إثبات ما لهما من الآثار كوجوب الإمساك و جواز الإفطار، و إن كان لا يجدي في إثبات ما أخذ في موضوعه وقوعه في أحدهما إلّا على القول بالأصل المثبت مطلقا» انتهى. أنظر درر الفوائد: 342.

* و قال صاحب قلائد الفرائد (قدّس سرّه):

«قلت: لمّا كان جريان الإستصحاب في الأمور غير القارّة بمكان من الإشكال- كيف! و المأخوذ في موضوع الإستصحاب هو البقاء و القرار، فكيف يجري فيما أخذ في حقيقته عدم القرار؟- أفرد المصنّف (رحمه اللّه) أمرا لبيان توجيه جريان الإستصحاب فيها و جعل الكلام فيه في مقامات ثلاث:

تارة: في جريان الإستصحاب في نفس الزمان.

و أخرى: في الزماني.

و ثالثا: في الأمر المستقرّ الذي أخذ الزّمان قيدا له.

و الفرق بين الأوّل و الثاني في غاية الوضوح، و أمّا الثاني و الثالث فالفرق بينهما: بأن الزّمان في الأوّل أخذ قيدا له بحسب التكوين، و في الثاني أخذ قيدا له بحسب التشريع» إنتهى.

أنظر قلائد الفرائد: 2/ 274.

11

أنّه إمّا أن يكون من الزّمان، أو غيره. و على الثّاني: لا يخلو أيضا إمّا أن يكون متصرّم الوجود كالزّمان فيتجدّد شيئا فشيئا كالتّكلّم، و الكتابة، و المشي، بل مطلق ما يكون من قبيل الحركة، و يسمّى بالزّماني من حيث كون التّميز بين أشخاصه بالزّمان، أو لا يكون كذلك. و على الثّاني: لا يخلو أيضا: إمّا أن يؤخذ أحد القسمين في موضوع حكمه أو لا.

لا إشكال في جريان الاستصحاب في القسم الأخير، فلا ينبغي التّكلّم فيه، إنّما الإشكال في جريان الاستصحاب في سائر الأقسام، فنقول:

أمّا القسم الأوّل، فالّذي يقتضيه التّحقيق عدم جريان الاستصحاب فيه بالنّظر إلى الدّقة العقليّة؛ لأنّك قد عرفت غير مرّة: أنّ الشّرط في تحقّق الاستصحاب موضوعا هو اتّحاد القضيّة المتيقّنة و المشكوكة بحيث لم يكن الفارق بينهما إلّا باليقين و الشّكّ، و إلّا لم يصدق البقاء على الالتزام بالحكم في زمان الشّك و لا النّقض على عدم الالتزام به فيه؛ لأنّ معنى البقاء هو وجود ما كان موجودا في الزّمان الأوّل في الزّمان الثّاني بعينه.

و من المعلوم أنّ هذا المعنى لا يتصوّر بالنّسبة إلى الزّمان؛ لأنّ وجود كلّ قطعة منه يتوقّف على انعدام ما قبله، فيكون وجود جزئه بحسب التّدريج و التّصرّم بحيث لا استقرار لها في الوجود، فكلّ ما شكّ في وجود جزء منه فيرجع إلى الشّك في الوجود ابتداء، فيكون من الشّك في الحدوث حقيقة، و لازمه عدم صدق البقاء مثلا إذا شكّ في جزء في أنّه من اللّيل أو النّهار، فلا ريب في أنّ العلم بكون ما قبله نهارا لا ينفع بالنّسبة إلى الزّمان المشكوك؛ لأنّه غيره قطعا. هذا ما يقتضيه التّحقيق في المقام.

12

و لكن يظهر من جماعة بل الأكثرين: جريان الاستصحاب في هذا القسم، بل قد عرفت فيما تقدّم: أنّ المحدّث الأسترآبادي حكى اتّفاق الأمّة، بل الضّرورة على اعتبار استصحاب اللّيل و النّهار (1). و لعلّه مبنيّ على ما ستعرفه، هذا بناء على اشتراط إحراز الموضوع في باب الاستصحاب بالدّقة العقليّة.

في إمكان توجيه استصحاب الليل و النهار

و أمّا بناء على المسامحة في موضوع الاستصحاب، فيمكن توجيه استصحاب الليل و النّهار و نحوه بأحد وجهين:

أحدهما: أن يتصرّف في المستصحب فيجعل النّهار مثلا أمرا خارجيّا واحدا و يجعل بقاؤه و ارتفاعه عبارة عن: عدم وجود جزئه الأخير و وجوده، أو عن عدم تجدّد جزء مقابله و تجدّده بادّعاء كون النّهار عند العرف عبارة عن هذا المعنى، فالنّهار عند العرف مثلا عبارة عن: قطعة من الزّمان و هو ما بين الطّلوع و الغروب له استقرار بحسب الوجود، فإذا شكّ في تجدّد جزء الأخير منه فيحكم ببقائه. و مرجع هذا الوجه كما ترى، إلى التّصرف في المستصحب مع بقاء لفظ البقاء على حاله.

ثانيهما: أن يتصرّف في لفظ البقاء و يدّعى شموله للمقام تسامحا، و لعلّ ما عليه الأكثرون: من إجراء استصحاب اللّيل و النّهار في باب الصّوم و غيره مبنيّ على ذلك، و لكن لا يخفى عليك أنّ بناء على أحد هذين الوجهين إنّما ينفع‏

____________

(1) الفوائد المدنيّة: 288 ط جماعة المدرسين.

13

استصحاب النّهار مثلا بالنّسبة إلى الأحكام المترتّبة على نفس بقاء النّهار، و أمّا الحكم المترتّب على كون الجزء المشكوك من النّهار فلا ينفع فيه الاستصحاب؛ إذ إثباته إنّما هو بإثبات كون الجزء المشكوك من النّهار و هو ممّا لا يجوز بناء على عدم التّعويل على الأصل المثبت فتأمل.

نعم، بناء على جواز التّعويل عليه فلا ريب في جواز إثباته، و عليه ليس التّخلّص عن الإشكال منحصرا فيما ذكر؛ لأنّ هنا استصحابات أخر بالنّسبة إلى الأمور المتلازمة مع الزّمان، كطلوع الشّمس و غروبها، و ذهاب الحمرة و نحوها، فيستصحب أعدامها الملازمة مع اللّيل أو النّهار، فيمكن من إجراء الاستصحاب فيها إثبات الزّمان المشكوك، و لا يحتاج إلى ما عرفت: من الوجهين بالنّسبة إلى الزّمان بعد هذه الملاحظة كما لا يخفى، و إن كنّا محتاجين بالنّسبة إلى ما يريد استصحابه من الأمور المتجدّدة؛ حيث إنّ وجودها كوجود الزّمان ممّا يتجدّد شيئا فشيئا.

هذا مقتضى ما ذكره (دام ظلّه) في ردّ المحدّث الأسترآبادي عند التّكلّم في الأقوال، و لكن مقتضى ما صرّح به في مجلس البحث و يظهر ممّا ذكره في المقام عدم الاحتياج فيها إلى الالتزام بأحد الوجهين؛ لأنّ المراد بالطّلوع مثلا هو طلوع الشّمس من الأفق و بالغروب هو غروبها عنه، و هذا ليس ممّا يوجد تدريجا. هكذا ذكره في مجلس البحث، و تحقيق أحد المسلكين ممّا يحتاج إلى التّأمّل في الجملة فتأمّل.

14

ثمّ إنّه يظهر من بعض أفاضل من تأخّر (1) للتخلّص عمّا ذكرنا في استصحاب الزّمان التّعلّق باستصحابات أخر فذكر ما حاصله:

أنّا لا نحتاج إلى استصحاب نفس الزّمان؛ لأنّ هنا استصحابات أخر يستغنى بها عن استصحاب الزّمان،

أحدها: ما عرفته: من استصحاب الأمور الملازمة مع الزّمان، و قد عرفت:

أنّ التّشبّث باستصحابها لإثبات الزّمان لا يجوز على ما يقتضيه التّحقيق.

نعم، لو فرض ترتّب حكم على نفس عدم الغروب مثلا ترتّب عليه باستصحاب عدمه على ما صرّح به الأستاذ العلّامة في مجلس البحث.

ثانيها: استصحاب عدم ضدّ الزّمان المشكوك فإذا شكّ في بقاء النّهار يتمسّك باستصحاب عدم الدّليل و إذا شكّ في بقاء اللّيل يتمسّك باستصحاب عدم النّهار و هكذا. و هذا ليس كرّا على ما فرّ؛ لأن المحذور الّذي كان يرد بالنّسبة إلى استصحاب نفس الزّمان لا يرد بالنّسبة إلى استصحاب عدم ضدّه؛ لأنّه لا يعقل الحكم بأنّ العدم يتجدّد شيئا فشيئا كما لا يخفى.

و فيه أوّلا: أنّ هذا إنّما يتمّ بالنّسبة إلى نفس الحكم المترتّب على عدم الضدّ، و أمّا الحكم المترتّب على وجود ضدّه كما هو محلّ الكلام، فلا ينفع فيه هذا الاستصحاب إلّا على القول بجواز التّعويل على الأصل المثبت الغير الجائز عندنا.

و ثانيا: أنّ المحذور اللّازم على تقدير استصحاب نفس الزّمان يلزم على هذا التّقدير أيضا.

____________

(1) الفصول الغروية: 367.

15

توضيح ذلك: أنّ القطع بعدم الدّليل في الزّمان الّذي يقطع بكونه من النّهار إنّما هو من حيث انطباق عدمه على النّهار، لا بمعنى كون النّهار موجودا في زمان لم يوجد فيه اللّيل؛ لاستحالة أن يصير الزّمان مظروفا و ظرفا كما يحكم به ضرورة العقل، و لا بمعنى كونه مصداقا له؛ ضرورة بطلان صيرورة الوجود مصداقا للعدم، بل بمعنى اعتباره ممّا يقارنه حقيقة، فمعنى القطع بعدم اللّيل في ذلك الزّمان هو القطع بعدم كونه ليلا و لازم هذا المعنى- كما لا يخفى- أن يكون الشّك في الزّمان المشكوك في أنّه من اللّيل أو النّهار كما هو المشاهد بالعيان، لا أنّ اللّيل وجد فيه أم لا؛ ضرورة أنّه لو كان ليلا يكون نفسه لا ظرفه فالقطع بعدم كون الزّمان السّابق ليلا لا ينفع في صدق البقاء بالنّسبة إلى الزّمان المشكوك، فيكون حال المستصحب العدمي في الزّمان كحال المستصحب الوجودي، فلا مسرح للاستصحاب في العدمي أيضا إلّا بالالتزام بأحد الوجهين اللّذين عرفتهما بالنّسبة إلى الاستصحاب الوجودي. هذا ملخّص ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) في مجلس البحث و هو لا يخلو عن بعض المناقشات.

ثالثها: استصحاب الحكم المترتّب على الزّمان كوجوب الصّوم و جواز الإفطار إلى غير ذلك؛ لأنّه كان متيقّنا قبل الشّك في انقضاء الزّمان فلا يحتاج حينئذ إلى استصحاب الزّمان أصلا؛ لأنّ المقصود من استصحاب الزّمان هو ترتيب الآثار الشّرعيّة عليه، فإذا أجري الاستصحاب في نفسها فلا يحتاج إلى استصحاب الزّمان.

فإن قلت: الشّك في بقاء الحكم المفروض مسبّب عن الشّك في بقاء الزّمان، فكيف يمكن رفع الشّك عنه بإجراء الاستصحاب في نفسه؟

16

قلت: قد عرفت غير مرّة و ستعرف أيضا: أنّ الأصل في الشّك المسبّب لا يجري فيما أمكن إجراء الأصل بالنّسبة إلى الشّك السّببي بحيث يرفع الشّك المسبّب حكما، و أمّا إذا لم يمكن ذلك فلا مانع عنه.

و هذا التّوجيه يظهر من الأستاذ العلّامة في «الكتاب» أيضا فانظر إلى قوله:

(فالأولى التّمسك في هذا المقام ... إلى آخره) (1) حتّى تعلم حقيقة الحال و إن كان صرّح في ردّ المحدّث المقدّم ذكره في ذلك المقام بعدم تعقّل ذلك هذا.

و لكنّك خبير بفساد هذا الوجه أيضا؛ لأنّك قد عرفت غير مرّة: أنّه مع الشّك في بقاء الموضوع لا يمكن إجراء الاستصحاب بالنّسبة إلى الحكم لا مع استصحاب الموضوع و لا بدونه.

و أمّا ما قرع سمعك: من أنّه مع عدم إمكان إجراء الاستصحاب في الشّك السّببي لا مانع من إجراء الاستصحاب بالنّسبة إلى الشّك المسبّب، فإنّما هو في غير الشّك في الموضوع و الحكم، و أمّا بالنّسبة إليهما فلا معنى له. و هذا مع وضوحه قد أقمنا عليه البرهان فيما مضى و سنقيم عليه فيما سيأتي أيضا إن شاء اللّه هذا.

و بالحريّ أن نشير إلى شرح بعض أجزاء ما وقع من الأستاذ العلّامة من الكلام في هذا القسم قبل الخوض في بيان حكم القسمين الأخيرين.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 205.

17

(233) قوله: (و لعلّه المراد بقوله في المكاتبة المتقدّمة في أدلّة الاستصحاب ... إلى آخره). (ج 3/ 205)

بيان المراد من المكاتبة و انه هل ينطبق على الاستصحاب أم لا؟

أقول: المراد من مرجع الضّمير هو الاستصحاب الحكمي، و توضيح تفريع قوله (عليه السّلام) (صم للرّؤية و أفطر للرّؤية) (1) على قوله (عليه السّلام): (اليقين لا يدخله الشّك) (2)- بناء على إرادة الاستصحاب الحكمي كما هو المفروض-:

هو أنّه لمّا جاز فعل المفطر بمقتضى استصحاب الجواز فيما لو شكّ في دخول رمضان و وجب الصّوم بمقتضى استصحاب وجوبه فيما شكّ في دخول الشّوال، فلا بدّ من أن يكون وجوب الصّوم للرّؤية- و إلّا كان نقض اليقين بالشّك- و من أن يكون وجوب الإفطار- بناء على كونه حكم يوم العيد لا حرمة الصّوم- أو جوازه للرّؤية و إلّا كان نقضا لليقين بوجوب الصّوم بالشّك هذا.

و لكنّك خبير بما فيه من المناقشة سواء أريد من استصحاب وجوب الصّوم استصحاب الحكم التّكليفي- كما هو الظّاهر على ما عرفته- أو استصحاب الشّغل مسامحة.

أمّا لو أريد منه الأوّل. فيتوجّه عليّه:

____________

(1 و 2) التهذيب: ج 4/ 159 باب 41- «علامة أوّل شهر رمضان و آخره و دليل دخوله»- ح 444/ 17. و الإستبصار: ج 2/ 64 باب 33- «علامة أوّل يوم من شهر رمضان»- ح 210/ 12.

عنهما الوسائل: ج 10/ 255 باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان- ح 13.

18

أوّلا: كون التّكليف بالصّوم في كلّ يوم تكليفا مستقلّا غير مربوط بالتّكليف به في الآخر، فلا يعقل صيرورة اليقين بوجوب الصّوم في يوم موجبا لصدق دخول الشّك بالنّسبة إليه فيما لو لم يصم في اليوم المشكوك كونه من الرّمضان، فلا يصلح لتفريع قوله (عليه السّلام): (و أفطر للرّؤية) على قوله: (اليقين لا يدخله الشّك)، فيتعيّن حينئذ الرّجوع إلى أصالة عدم الوجوب و البراءة لا إلى أصالة الوجوب.

و ثانيا: أنّ التّعلّق باستصحاب الحكم مع الشّك في موضوعه قد عرفت فساده مرارا هذا. إذا أريد استصحاب الوجوب.

و أمّا إذا أريد استصحاب الشّغل.

فيتوجّه عليه أيضا:

أوّلا: أنّا ذكرنا مرارا: أنّه لا معنى لاستصحاب الاشتغال حتّى فيما كان المورد مورد قاعدة الاشتغال و وجوب الاحتياط.

و ثانيا: أنّه يتمّ على فرض تسليم ما هو المشهور بينهم: من إجراء الأصلين، أعني: استصحاب الاشتغال، و قاعدة الاشتغال، فيما لو كان المورد مورد قاعدة الاشتغال لا في مثل المقام؛ لأنّك قد عرفت أنّه بناء على كون التّكليف بالصّوم في كلّ يوم تكليفا مستقلّا، لا مسرح لجريان قاعدة الاشتغال، بل المتعيّن هو الرّجوع إلى البراءة على تقدير كون صوم يوم العيد حراما تشريعيّا كما هو المفروض، و إلّا فالحكم التّخيير لدوران الأمر بين المحذورين.

نعم، لو قلنا إنّ التّكليف بالصّوم في شهر رمضان تكليف واحد بحيث يكون صوم كلّ يوم جزءا من المكلّف به، كما ربّما يتوهّم من بعض كلماتهم في باب نيّة

19

صوم الشّهر (1)- و إن كان خلاف الإجماع- كان المتعيّن حينئذ الرّجوع إلى قاعدة الاشتغال و الحكم بوجوب صوم يوم الشّك، و إن قلنا بالبراءة في الشّك في الجزئيّة في الشّبهة الحكميّة؛ لأنّ المفروض من الشّبهة الموضوعيّة كما هو ظاهر، و هذا ليس من الاستصحاب في شي‏ء، فيتعيّن حينئذ أن يكون المراد هو عدم جواز رفع اليد عن اليقين باشتغال الذّمّة بالشّك في البراءة، بل يلزم تحصيل القطع به. و أين هذا من استصحاب الشّغل؟ و ممّا ذكرنا كلّه يظهر: تطرّق المناقشة إلى استصحاب الجواز فيما تردّد بين شعبان و رمضان.

ثمّ إنّ ما ذكره الأستاذ العلّامة هنا ينافي ما ذكره في طيّ الاستدلال بالرّواية عند التّكلّم في الأخبار، فإنّه جعلها هناك من أدلّة المختار بتقريب: كون المراد منها هو استصحاب الاشتغال لا قاعدته، و هذا كما ترى ينافي ما ذكره في المقام. و إن أردت الوقوف على تفصيل الكلام في الرّواية فارجع إلى ما ذكره (دام ظلّه) و ذكرناه ثمّة (2)، هذا مجمل القول في حكم القسم الأوّل.

و أمّا الكلام في القسم الثّاني فمجمله: أنّ حكمه حكم القسم الأوّل بالنّظر إلى الدّقة العقليّة لجريان ما عرفت من وجه المنع فيه في هذا القسم أيضا بعينه، و أمّا بالنّظر إلى المسامحة العرفيّة فالأمر فيه أوضح لوجودها بالنّسبة إلى أكثر أمثلته، و لا يلزم فيه التّعويل على الأصل المثبت و لا غيره من المحاذير كما لا يخفى.

____________

(1) أنظر رسائل المرتضى: ج 2/ 355 و كذا الإنتصار: 61 و الخلاف: ج 1/ 375 مسألة 3 و جواهر الكلام: ج 16/ 200.

(2) فرائد الأصول: ج 3/ 71، و انظر بحر الفوائد: ج 3/ 38.

20

ثمّ قد يناقش في بعض أمثلة الفرض لا من جهة ما ذكر بل من جهة أخرى، كما في استصحابي الحيض على ما في «الكتاب» سيّما المثال الأخير؛ فإنّ استصحاب بقاء اقتضاء الطّبيعة لا يثبت خروج الدّم من المرأة، كما أنّه لا يثبت اتّصاف الدّم الخارج بالحيضيّة عند الشّك في اليأس. و من هناك لم يذكرهما في «الكتاب» على وجه الجزم فتأمّل.

و توهّم: كون الشّك في بقاء المستصحب ناشئا من وجود جزء آخر و الأصل عدمه، فيكون حاكما على الاستصحاب الوجودي مانعا عن جريانه، مندفع. مضافا إلى عدم إمكان إثبات ارتفاع الكلّي بنفي الفرد بما ذكره (دام ظلّه) من الوجهين في «الكتاب» فلا يكون إذن مانع عن جريان الاستصحاب في هذا القسم حيثما يساعد العرف على الحكم بالاتّحاد فيه.

و جعل الموجودات المتعدّدة الغير المجتمعة موجودا واحدا حتّى يتعلّق الشّك ببقائه و ارتفاعه فاسد؛ فإنّ حكم العرف بذلك ليس دائميّا؛ فإنّه كثيرا ما يحكمون بتعدّد الوجودات و تباينها من جهة تعدّد الدّواعي الموجبة للفعل المستمرّ، أو لطول الفصل و عدم الاشتغال بالفعل، و إن كان الدّاعي واحدا أو لغيرهما من الأمور، فإذا شكّ في بقاء القاري على صفة القراءة من جهة الشّك في حصول الصّارف مع اقتضاء الدّاعي قراءته في زمان الشّك أيضا، فلا إشكال في جواز الاستصحاب بناء على المسامحة، و لو مع تخلّل فصل قصير لا يعتدّ به.

و أمّا لو شكّ في قراءته من جهة الشّك في حصول داع آخر؛ لاشتغاله بعد القطع بانتفاء الدّاعي الموجود أوّلا، أو شكّ في قراءته بعد رفع يده عنها في زمان طويل و إن كان الدّاعي متّحدا، فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب.

21

و هذا الّذي ذكرنا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا و ليس مختصّا بالمقام أيضا؛ لأنّ مسامحة العرف في موضوع الاستصحاب غير مختصّ بالمقام، و لكنّك عرفت:

عدم اطّراده فكلّما قطع- بمساعدة العرف- على الحكم بالوحدة، فلا إشكال- بناء على كون المناط هو الصّدق العرفيّ المبني على المسامحة- و كلّما لم يقطع بذلك فيرجع فيه إلى استصحاب العدم، سواء قطع بعدم المساعدة أو شكّ في ذلك؛ لأنّ معه أيضا لا يعلم صدق النّقض على عدم الالتزام بآثار الوجود.

و القول: بأنّ الشّك في مساعدة العرف موجب لإلغاء الاستصحاب بالنّسبة إلى العدم أيضا، فيتعيّن الرّجوع إذن إلى أصل آخر غير استصحاب الوجود و العدم، فاسد جدّا؛ لأنّ المانع من استصحاب العدم مع كون المورد مورده بحسب الدّقة لم يكن إلّا استصحاب الوجود بمساعدة العرف، و شمول حكم الشارع بعدم جواز نقض اليقين بالشّك له الحاكم على استصحاب العدم، فإذا لم يجر استصحاب الوجود من جهة الشّك في بقاء الموضوع أو القطع بانتفائه لم يكن المانع موجودا قطعا، فيتعيّن الرّجوع إلى استصحاب العدم، و ليس هنا استصحاب وجودي واقعي يحتمل وجوده في صورة الشّك في بقاء الموضوع حتّى يشكّ في وجود المانع لاستصحاب العدم؛ لأنّ مع الشّك في الموضوع لا يجري الاستصحاب واقعا، لا أنّه محتمل الوجود و الجريان لكنّا لا نعلم به.

هذا حاصل ما أفاده (دام ظلّه) العالي) في مجلس البحث و هو كما ترى، لا يخلو عن مناقشة؛ لأنّ الغرض منه: إن كان القطع بانتفاء الدّلالة مع الشّك في بقاء الموضوع عند العرف، فهو جيّد لا محيص عنه. و إن كان القطع بانتفاء الإرادة-

22

على ما يقتضيه ظاهره- فتطرّق المنع إليه جليّ، فافهم. هذا مجمل القول في القسم الثّاني.

و أمّا الكلام في القسم الثّالث و هو ما إذا كان الزّمان أو الزّماني قيد الحكم فملخّصه:

[اذا كان الزمان قيد الحكم‏]

أنّه إن كان الشّك في الحكم من جهة الشّك في انقضاء الزّمان أو الزّماني و عدمه، فيرجع إلى القسم الأوّل أو الثّاني، فهو خارج عن مفروض البحث، و إن كان الشّك في بقاء الحكم مع القطع بارتفاع الزّمان و الزّماني الّذي هو محلّ البحث، فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب فيه؛ لأنّ المقيّد مع فرض كونه مقيّدا لا يعقل بقاؤه مع فرض انتفاء القيد، بل ربّما يقال: إنّ قضيّة التّقييد هي الدّلالة على انتفاء الحكم عند انتفاء القيد بالدّلالة اللّفظية من باب المفهوم، لكنّه توهّم فاسد ليس المقام مقام التّكلّم فيه.

و الحاصل: أنّ البقاء عبارة عن الوجود الثّانوي لما كان موجودا في الزّمان الأوّل، و هذا لا يعقل في المقيّد بعد انتفاء قيده.

و ممّا ذكرنا يظهر: أنّ ما ذكره (دام ظلّه) سابقا في حكم القسم الأوّل من قوله (دام ظلّه) العالي): (فيجري في القسمين الأخيرين بطريق أولى) (1) (2)

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 203.

(2) قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«قد يقال- بل قيل-: إن كلامه هذا من أولويّة جريان الإستصحاب في القسمين الأخيرين على تقدير جريانه في القسم الأوّل ينافي ما ذكره في القسم الثالث من القطع بعدم الجريان،-

23

لا يخلو عن مناقشة، إلّا أن يكون مبنيّا على جريان الاستصحاب في الزّمان بناء على الدّقة، لكنّه مع ذلك لا أولويّة في البين، مضافا إلى عدم وجود قائل بهذه المقالة ظاهرا.

(234) قوله: (و قد تقدّم الاستشكال ... إلى آخره). (ج 3/ 208)

أقول: و قد تقدّم أيضا منه (دام ظلّه) ما يدفع الاستشكال المذكور: من جهة بناء الاستصحاب على المسامحة العرفيّة، فيصدق معها البقاء على وجود الحكم في الزّمان الثّاني فيما ساعد العرف على المسامحة، كما أنّك عرفت اختصاصه بالشّك في المقتضي.

و أمّا الشّك في الرّافع- سواء فرض في وجوده أو رافعيّته- فلا يرد عليه الإشكال المذكور أصلا، إلّا أنّ الشّك في وجود الرّافع في الأحكام الشّرعيّة لا يتصوّر إلّا من جهة الشّك في النّسخ، و قد عرفت: خروج استصحاب عدم النّسخ عن الاستصحاب الاصطلاحي، و إن أدرجوه فيه من باب التّسامح كاستصحاب العموم و الإطلاق و نحوهما.

و الشّك في رافعيّة الموجود إنّما يتصوّر غالبا بالنّسبة إلى الأحكام الوضعيّة كالطّهارة، و النّجاسة، و الملكيّة، و الزّوجيّة، إلى غير ذلك، إلّا أن يقال: إنّه بناء على‏

____________

- و في القسم الأوّل من ميله إلى الجريان لكن بضرب من التردّد و الإشكال فينبغي أن تكون الأولويّة بالعكس.

و فيه: أن قطعه بعدم الجريان في القسم الثالث من جهة أخرى لا من حيث خصوص الإشكالين المتقدّمين في الزمان و الزّمانيّات، فالأولويّة في محلّها باعتبار إشكال استصحاب الزمان و الزماني» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 3/ 217.

24

القول بعدم جعلها، يرجع الشّك إلى الشّك في رافعيّة الموجود للأحكام التّكليفيّة الّتي انتزعت منها الأحكام الوضعيّة، لكن ظاهر كلام الأستاذ العلّامة في المقام تخصيص الكلام بالشّك في الحكم التّكليفي ابتداء فتدبّر، و إن كان كلامه في السّابق في مطلق الحكم الشّرعي فراجع.

(235) قوله: (إذا علم أنّ الشّارع أمر بالجلوس ... إلى آخره) (1). (ج 3/ 208)

____________

(1) قال المحقق المؤسس الطهراني (قدّس سرّه):

«و محصّل مرامه: انّ الإستصحاب على قسمين:

الأوّل: مجرّد التعويل على اليقين السابق.

الثاني: عدم الإعتداد باحتمال الرّافع.

و الأوّل من الأغلاط و لا سبيل اليه؛ حيث ان اليقين بالوجود في كلّ مقام مجامع لليقين بالعدم- على ما عرفت- و لا ترجيح لأحد اليقينين على الآخر، فالذي ينفع في المقامات إنّما هو الأخذ بالمقتضي و عدم الأعتداد باحتمال المانع.

و لمّا كان شك في الأمور الخارجيّة أبدا شكّا في الرّافع لم يتعارض الإستصحابان فيها و جرى أصل عدم وجود الرافع.

و قد عرفت مثل هذا الكلام من غيره من المحققين في استصحاب حال الإجماع في مسألة المتيمّم؛ فإن القدر المتيقن إنّما هو إستباحة الصلاة قبل وجدان الماء، و الأخذ بهذا اليقين معارض بالأخذ باليقين بالعدم حال وجد ان الماء الثابت أوّلا، فمعنى تعارض الإستصحابين:

انه لا مرجّح لأحدهما على الأخر، فلا يمكن اعتبار اليقين بالوجود من حيث هو هو، فاندفع ما يتوهّم: من أنه أراد إجراء استصحاب الحكم الثابت للمقيّد بالزمان في غير المقيّد، بل إنّما غرضه عدم الجريان بمجرّد احتمال التّقييد، فلا مجال له، إلّا إذا علم عدم التّقييد و كان الشك في البقاء من غير هذه الجهة و هو احتمال الرّافع؛ حيث انّ الإستاذ العلامة أعلى اللّه-

25

أقول: حاصل ما ذكره على ما يستفاد من مطاوي كلماته: هو أنّ المستصحب: إمّا من الأمور الشّرعيّة، أو غيرها ممّا تعلّق به الحكم الشّرعي. و على الأوّل: إمّا أن يكون الشّك في بقاء المستصحب من جهة الشّك في المقتضي بأقسامه، أو من جهة الشّك في الرّافع بأقسامه. فإن كان الشّك في بقاء الحكم الشّرعي من حيث المقتضي فلا يعتبر الاستصحاب فيه؛ من جهة تعارض استصحابي الوجود السّابق و العدم الأزليّ في زمان الشّك فيتساقطان.

كما لو علم من دليل مهمل وجوب الجلوس في مكان إلى الزّوال و شك بعده في وجوب الجلوس؛ فإنّ مقتضى استصحاب وجوب الجلوس الثّابت قبل الزّوال هو وجوب الجلوس بعد الزّوال أيضا، و مقتضى استصحاب عدم وجوب الجلوس الأزليّ الّذي لم يقطع بانقلابه إلى الوجود بعد الزّوال هو عدم وجوبه فيه؛ لأنّ انقلاب العدم إلى الوجود في الجملة لا يستلزم انقلاب مطلق العدم الأزلي، و إنّما يستلزم انقلاب العدم المطلق؛ لأنّ الموجبة الجزئية إنّما تناقض السّالبة الكليّة،

____________

- في الفردوس مقامه خفى عليه مراده من تعارض الإستصحابين أورد عليه بوجوه ثلاثة.

[و يرد على الايراد الاوّل‏]: ان المقصود حصر الاستصحاب في صورة الشك في الرّافع و أنه حيث حيث احتمل دخل الزمان الخاص في الحكم فلا مسرح للإستصحاب حيث انه حينئذ ليس إلّا مجرّد ثبوت الحكم في زمان، و الإعتماد على مجرّد الوجود معارض باليقين بالعدم في غير ذلك الزمان، و أمّا اذا كان الشك في الرّافع أو عدم الرّافعيّة كما هو المطّرد في جميع الموجودات الخارجيّة، و كيف يخفى على أحد أن استصحاب العدم- على تقدير كون الزمان قيدا- لا يعارض استصحاب الوجود؟- على تقدير الظرفيّة و عدم المدخليّة- مع ان من أجلى الضروريّات أن المعتبر في التعارض الاجتماع في محلّ واحد» [و يأتي الايراد على الوجهين الآخرين في التعاليق الآتية] إنتهى. أنظر محجّة العلماء: 2/ 253- 254.

26

لا السّالبة الجزئية. فوجوب الجلوس قبل الزّوال لا يناقض عدم وجوبه، بعده فإذا لم يناقضه و المفروض أيضا عدم دلالة الدّليل على الوجوه فيه فيرجع إلى استصحاب العدم الأزليّ الّذي لم يعلم بانتفاضه إلّا قبل الزّوال، فهنا شكّ واحد و هو الشّك في وجوب الجلوس بعد الزّوال مسبوق بيقينين: أحدهما: اليقين بوجوب الجلوس قبل الزّوال. ثانيهما: اليقين بعدم وجوب الجلوس بعد الزّوال في الأزل، و لا ترجيح لأحد اليقينين على الآخر.

فإن قلت: المرجّح هو اتّصال اليقين الأوّل بالشّك، دون الثّاني لفصل اليقين الأوّل بينهما.

قلت: هذا غلط؛ لأن كلّا من اليقين متّصل بالشّك؛ لأنّ اليقين الأوّل إنّما صار فصلا بين اليقين بالعدم المطلق و الشّك، لا بين العدم المقيّد بالزّمان المشكوك.

و الكاشف عن ذلك- مضافا إلى وضوحه و ظهوره-: هو أنّ هذا الشّك موجود في زمان اليقين بالوجود أيضا؛ فإنّ الشّك في وجوب الجلوس بعد الزّوال موجود قبل الزّوال أيضا، و كذا الشّك في وجوب صوم يوم الجمعة موجود في يوم الخميس أيضا الّذي يقطع بوجوب الصّوم فيه، فلو كان اليقين بالوجود متّصلا و فاصلا دون اليقين بالعدم الأزلي لما جامع الشّك اليقين بالوجود، و الملازمة ظاهرة.

فما ذكره في العبارة من قوله: «و اليقين المتّصل به هو عدم التّكليف، فيستصحب إلى وقت الزّوال» (1) لا يكون المقصود منه نفي جريان استصحاب‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 209 نقلا عن مناهج الأحكام للفاضل النراقي أنظر المناهج‏

27

الوجود من جهة عدم الاتّصال، بل إثبات اتّصال اليقين بالعدم بالشّك أيضا فتدبّر (1). هذا إذا كان الشّك من حيث المقتضي.

[إذا كان الشّك من حيث الشّك في الرّافع للحكم الشّرعي‏]

و أمّا إذا كان الشّك من حيث الشّك في الرّافع للحكم الشّرعي سواء كان في وجوده أو وصفه، كما إذا شكّ بعد خروج المذي في بقاء الطّهارة، أو شكّ بعد الغسل مرّة في بقاء النّجاسة في المحلّ، فالّذي يقتضيه القاعدة- بالنّظر إلى ما ذكرنا في الشّك في المقتضي-: هو الحكم بتعارض الاستصحابين في المقام أيضا،

____________

- ص 237.

(1) قال الفاضل الكرماني (قدّس سرّه) بعد أن نقل الحاشية المزبورة من استاذه المحقق الآشتياني- لكن من الحاشية القديمة من بحر الفوائد المطابقة إلى حدّ كبير للحاشية الصغيرة الموجودة عندنا و التي هي البحر القديم المنتشر مخطوطه في المحافل العلميّة آنذاك-:

«أقول: الحاشية طويلة مغلوطة أرى إيجاز نقله بالمعنى أولى و لعلّه- و اللّه أعلم- أراد أن يقول: أن المتّصل بالأوّل دون الثاني هو زمان المشكوك فإنه متصل بزمان المتيقن الوجودي و صار فاصلا بينه و بين زمان المتيقّن العدمي.

و أمّا نفس الشك فهو بالنسبة إلى اليقينيّين على حدّ سواء، فالشك في وجوب الجلوس بعد الزوال يكون مع اليقينيّين قبل الزوال كما هو كذلك بعد الزوال و لو كان الإتصال مختصّا بأحدهما دون الآخر لما إجتمعا معه.

ثم الذي يقتضيه قاعدته كون الشك في الرّافع أيضا كذلك إلّا ان استصحاب عدم وجود الرّافع للحكم الشرعي حاكم على الأصلين المتعارضين لتسبّب الشك فيهما عن الشك فيه.

أمّا لو كان المستصحب من الأمور الغير الشرعيّة فالذي يقتضيه النظر هو حجّية الإستصحاب الوجودي لسلامته عن المعارضة بالإستصحاب العدمي و لمّا بلغ التعليق إلى هذا المقام و لم يبق في القرطاس مجال للنقض و الإبرام ختمنا الكلام و السلام» إنتهى.

أنظر حاشية (رحمة اللّه) على الفرائد المحشي: 376.

28

أعني: استصحاب الطّهارة قبل المذي مثلا، و استصحاب عدمها الأزليّ الّذي لم يقطع بانقلابه إلى الوجود إلّا قبل مجي‏ء المذي، إلّا أنّ استصحاب عدم وجود الرّافع للحكم الشّرعي حاكم على الأصلين المتعارضين لتسبّب الشّك فيهما عن الشّك فيه فلا يرجع إذن إلى أصل آخر، بل يؤخذ حينئذ بمقتضى الاستصحاب الوجودي، و إن كان المستند فيه استصحاب عدم الرّافع و لولاه لما حكم به، بل يحكم بالرّجوع إلى سائر الأصول و فرض المتعارضين كأن لم يكونا.

و ما ذكرنا في بيان الاستصحابين المتعارضين في المقام أولى ممّا ذكره الفاضل النّراقي: من استصحاب الطّهارة و عدم سببيّة الوضوء بعد المذي؛ لسلامة ما ذكرنا عمّا أورد عليه الأستاذ العلّامة ثانيا و ثالثا، مضافا إلى عدم استقامته من جهة عدم التّقابل.

نعم، لو جعل الاستصحاب الوجودي استصحاب السّببيّة، و العدمي عدم السّببيّة لاستقام من حيث التّقابل، إلّا أنّه لم يسلم عمّا أورد عليه الأستاذ العلّامة كما لا يخفى.

هذا كلّه فيما لو كان المستصحب من الأمور الشرعيّة.

و أمّا لو كان من الأمور الغير الشّرعيّة فالّذي يقتضيه النّظر: هو حجيّة الاستصحاب الوجودي فيها لسلامته عن المعارضة بالاستصحاب العدمي؛ لأنّ الوجود فيها ليس بجعل الشّارع حتّى يقال: إن المتيقّن من انقلاب العدم إلى الوجود قبل كذا أو بعد كذا، بل الوجود بقول مطلق مناقض فيها لمطلق العدم. و هذا معنى ما ذكره: من عدم استصحاب حال العقل في الأمور الغير الشّرعيّة، و إلّا فأصل الاستصحاب العدمي موجود فيها قطعا، كما في غير المسبوق بالوجود

29

المشكوك وجوده، هذا ملخّص ما ذكره (قدّس سرّه).

و لكنّك خبير بفساده؛ لعدم إمكان الجمع بين استصحاب وجود الشّي‏ء و عدمه في زمان واحد مع بقاء الاستصحاب، و هو ثبوت ما كان ثابتا في الزّمان الأوّل بعينه في الزّمان الثّاني بالمعنى الأعمّ من بقاء الوجود أو العدم حتّى يشمل الاستصحاب العدمي أيضا.

توضيح ما ذكرنا: من عدم إمكان الجمع: هو أنّه لا إشكال و لا ريب أنّ الوجود المطلق و العدم المطلق نقيضان لا يمكن اجتماعهما أصلا، كما أن الوجود المطلق مع العدم في الجملة، و العدم المطلق مع الوجود في الجملة أيضا نقيضان؛ لأنّ السّالبة الجزئية نقيض للموجبة الكليّة، كما أنّ الموجبة الجزئية نقيض للسّالبة الكليّة، و إنّما الّذي يمكن اجتماعه هو مطلق الوجود مع مطلق العدم، و بعبارة أخرى: الوجود المقيّد و العدم المقيّد.

و بعد ذلك نقول: إنّ الحكم الشّرعي الّذي فرض ثبوته في الزّمان الأوّل الّذي يريد استصحابه في الزّمان الثّاني كوجوب صوم يوم الخميس مثلا، أو وجوب الجلوس إلى الزّوال مثلا لا يخلو: إمّا أن يؤخذ الزّمان قيدا له، أو ظرفا له، أو يهمل من الجهتين، بمعنى: أنّا لا ندري أنّ الزّمان قيد له أو ظرف له، و إن كان الأمر لا يخلو عن أحدهما في الواقع.

فإن فرض الزّمان قيدا له، فلا مجال لاستصحابه بعد الزّمان المفروض؛ لما عرفت: من عدم تعقّل بقاء المقيّد من حيث إنّه مقيّد مع فرض انتفاء القيد، فلو كان موجودا في الزّمان الثّاني فهو وجود آخر غير ما كان ثابتا، فلا دخل له بالاستصحاب كما لا يخفى، فالمتعيّن حينئذ الرّجوع إلى استصحاب العدم الأزلي.

30

فإن فرض ظرفا له بمعنى: كون الزّمان ظرفا للطّلب لا للمطلوب، فإن فرض في دليل الحكم إذن إطلاق أو عموم فيرجع إليهما و لا معنى للاستصحاب أصلا لا الوجودي، و لا العدمي، كما هو واضح.

و إن لم نفرض له إطلاق و احتملنا اختصاص مصلحة الحكم بالزّمان الأوّل- إن لم يوجب الخروج عن الفرض- فلا معنى للاستصحاب العدمي، بل يتعيّن حينئذ الرّجوع إلى الاستصحاب الوجودي؛ لأنّ جريان استصحاب العدمي مبنيّ على احتمال اختصاص الوجود بالزّمان الأوّل، و إلّا فلا يجامع العدم معه على ما عرفت. و المفروض أنّ الشارع حكم بإهمال هذا الاحتمال، فلا معنى لاستصحاب العدم بعده المبنيّ على الاحتمال المذكور.

و إن فرض مهملا فلا يجري استصحاب الوجود للشّك في بقاء الموضوع.

و إن فرض حكم العرف بالبقاء مسامحة، فلا معنى لاستصحاب العدم؛ لأنّ حكم العرف مبنيّ على البناء على أخذ الزّمان ظرفا و قد عرفت: أنّه لا يجري بالملاحظة المذكورة استصحاب العدم.

نعم، هنا كلام- على تقدير مساعدة العرف على الحكم بالبقاء بالنّسبة إلى الوجود في صورة إهمال القضيّة- في أنّه هل يوجب الإهمال في الوجود- من حيث كون الزّمان ظرفا أو قيدا- القدح في استصحاب العدم أيضا أم لا؟

لكنّك قد عرفت: أنّ الحقّ عدم قدحه فيه؛ لأنّ القادح فيه هو حكم الشارع بالبناء على تعميم الوجود بالنّسبة إلى زمان الشّك، فإذا لم يمكن ذلك في المقام- حسب ما هو قضيّة الفرض- فلا مانع من إجراء الاستصحاب بالنّسبة إلى العدم فتأمّل.

31

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر: أنّ ربط نقل كلام الفاضل المذكور بما ذكره من القسم الثّالث إنّما هو من جهة كون ما ذكره منه على بعض التّقادير، و لكن مقتضى التّأمّل في كلامه يعطي كون مراده هو الفرض الثّالث الّذي أهمله الأستاذ العلّامة و لم يتعرّض لحكمه أصلا، لكنّك عرفت: أنّه لا ينفعه أيضا.

(236) قوله: (و أمّا ثانيا: فلأنّ ما ذكره ... إلى آخره) (1). (ج 3/ 212)

____________

(1) قال المحقق المؤسس الطهراني (قدّس سرّه):

«و فيه: ان جريان الإستصحاب بعد ملاحظة كون الوضوء علّة تامّة و كون الشك في رافعيّة المذي قد اعترف به و انّما التعارض على تقدير كون الشك في مقدار السببيّة كما في مسئلة المتيمّم الواجد للماء، مع انّ كون الوضوء علّة تامّة مع كون الشك في رافعيّة المذي تناقض صرف؛ حيث انه يحتمل حينئذ أن يكون لعدم مصادفة المذي للوضوء مدخليّة في التأثير كما هو مقتضي الناقضيّة المشكوك فيها، فكيف يقال: انه علّة تامّة في الفرض؟» إنتهى.

أنظر محجّة العلماء: 2/ 255.

* و قال صاحب قلائد الفرائد (قدّس سرّه):

«قلت: إنّ هذا و كذا الإيراد الثالث مناقشة في الامثلة الّتي ذكرها لفرض التعارض فيما كان الشكّ في الرافع و وجد فيه الأصل الحاكم.

و ملخّصه: ان الشكّ في الطهارة بعد المذي إن كان من جهة الشكّ في مقدار استعداد تأثير الوضوء- و بعبارة أخرى: كان الشكّ فيه في المقتضي؛ بأن فرض عدم المذي جزء المقتضي، لا وجوده مانعا عنه؛ نظير الشك في مقدار تأثير الوضوء في حال التقيّة، و كذلك وضوء المستحاضة- فلا مسرح لجريان استصحاب عدم كون المذي رافعا؛ لأنّ المفروض كون الشك في المقتضي لا الرّافع لكي يتشبّث بالأصل فيه.

و إن كان الشكّ فيها من جهة الشك في الرافع بعد القطع بتأثير الوضوء في إحداث الطهارة-

32

____________

- المستمرّة و كونه محرز التأثير لو لا ما جعله الشارع رافعا، فلا معنى لاستصحاب عدم السببيّة بعد المذي؛ لأنّ المفروض وجوده القطع بالسببيّة و عدم الشك في مقدار تأثير السبب؛ هذا.

أقول: لو أبدل الفاضل النراقي (رحمه اللّه)‏* استصحاب عدم جعل السببيّة للوضوء باستصحاب عدم الطهارة، لكان سالما عمّا أورد المصنّف (رحمه اللّه) عليه.

و لعلّ النكتة في عدم التبديل- مع أنّ مقتضى السياق، جعل المعارض استصحاب عدم الطهارة دون عدم جعل السببيّة- أحد الوجهين:

أحدهما: عدم تحقّق الحالة السابقة؛ لعدم طهارة المكلف بوصف كونه واجدا للمذي؛ لأنّه في أي زمان فرض مع هذا الوصف لكان عدم الطهارة فيه بمحلّ الشك.

و إن شئت قلت: إن عدم الطهارة في هذا المكلّف قبل الوضوء و إن كان محرز الوجود، لكن وجود المذي يوجب تنويع المكلّف، و بناء على حصول التنويع يتعدّد الموضوع، و مع تعدّده لا مسرح لتحقّق الاستصحاب؛ فتأمّل.

و الثاني: إنّه إن قلنا: بانّ الطهارة عبارة عن عدم الحدث، يكون من مقولة الأعدام، و لا معنى لإتيان الأمر العدمي تاليا لأصل العدم؛ هذا.

و لكن هنا أصل آخر لا مسرح لإيراد المصنّف (رحمه اللّه) عليه؛ و هو أصالة عدم تأثير الوضوء حال صدور المذي.

توضيح ذلك: أنّا نفرض الوضوء محرز السببيّة، و الشكّ فيه بعد المذي من جهة الشك في الرّافع دون الشّكّ في مقدار تأثيره، لكن نقول: إنّ الشك في التأثير كما يتحقق في الصورة الأخيرة، كذلك يتحقّق في الصورة الأولى أيضا. غاية ما هنا أنّ الشكّ في تأثير السبب حينئذ إنّما هو منبعث من الشك في الرّافع، فالمعارض لاستصحاب الطهارة إنّما هو استصحاب عدم تأثير الوضوء. و في قبال الثاني أصل حاكم عليه و هو أصالة عدم الرافع» إنتهى. أنظر قلائد الفرائد: 2/ 289- 290.

____________

(*) مناهج الأحكام: 238.

33

ما ذكره الاستاذ في الجواب الثاني و الثالث لا دخل له بأصل المطلب‏

أقول: لا يخفى عليك أنّ ما ذكره (دام ظلّه) من الجواب الثّاني و الثّالث لا دخل له بالجواب عن أصل المطلب، و إنّما هو مناقشة في بعض الأمثلة من حيث التّطبيق على ما ذكره من الكليّة و فيما ذكره من الرّجوع إلى أصل الحكم في بعضها، و ملخّص ما ذكره في الجواب الثّاني: هو أنّه لا يخلو:

إمّا أن يجعل الشّك في المذي من قبيل الشّك في الرّافع بعد القطع بإطلاق سببيّة السّبب و وجود المقتضي- كما هو الواقع و مقتضى كلامه أيضا- فلا معنى لاستصحاب عدم السّببيّة بعد المذي للقطع بوجودها على فرض القطع برافعيّة المذي فضلا عن الشّك فيها؛ لأنّ معنى السّبب ما يقتضي الوجود و يؤثّر فيه لو لا المانع، فمرجعه إلى قضيّة شرطيّة يصدق مع صدق الشّرط و كذبه و الشّك فيهما.

نعم، لو جعل معارض استصحاب الطّهارة الثّابتة قبل المذي استصحاب عدمها الأزلي بعد المذي، كان هذا الإيراد مدفوعا عنه كما عرفت سابقا أيضا.

و أمّا إن يجعل الشّك فيه من قبيل الشّك في المقتضي كما في الوضوءات المفيدة لمجرّد الإباحة لا الطّهارة، كوضوء المستحاضة، و من به السّلس، و المبطون، و في حالة التّقيّة في وجه، فهو و إن كان موجبا لدخول ما ذكره في أمثلة الفرض، إلّا أنّه لا معنى حينئذ لاستصحاب عدم جعل الشّي‏ء رافعا؛ لأنّ المفروض كون الشّك من حيث المقتضي و في استعداد الوضوء، لا في الرّافع بعد القطع ببقاء

34

الاستعداد حتّى يرجع إلى استصحاب عدم جعل الشّي‏ء رافعا، فقوله (دام ظلّه):

«لأنّ المتيقّن تأثير السّبب مع عدم ذلك الشّي‏ء ... إلى آخره» (1) بيان لما ذكره في سابقه: من عدم معنى لاستصحاب عدم جعل الشّي‏ء رافعا، لا أنّه أراد بذلك بيان عدم جواز الرّجوع إلى أصالة بقاء السّببيّة من جهة الشّك في موضوعها و تعيّن الرّجوع إلى أصالة عدم التّأثير و السّببيّة حتّى يقال: إنّه رجوع إلى الجواب الأوّل.

فعدّه جوابا ثانيا ممّا لا معنى له هذا.

و لكن ما ذكره (دام ظلّه) بعده من الاستدراك بقوله: «إلّا أن يتمسّك باستصحاب وجود المسبّب ... إلى آخره» (2) (3) لم يعلم له معنى محصّل.

أمّا أوّلا: فلأنّ أصل فرضه هو إيقاع المعارضة بين الأصل في المسبّب و أصالة عدم تأثير السّبب بعد وجود ما يشكّ في رافعيّته فلم يكن فرضه غير ما ذكره (دام ظلّه) حتّى يبقى مجال للاستدراك.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الشّك في بقاء المسبّب على هذا التّقدير مسبّب عن الشّك في تأثير السّبب فمع جريان الأصل بالنّسبة إليه تبيّن حال المسبّب وجودا و عدما،

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 213.

(2) فرائد الأصول: ج 3/ 213.

(3) قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: هذا إن قلنا بجريان الإستصحاب في الشك في المقتضي و لا تتوهّم حكومة أصالة عدم التّأثير على استصحاب وجود المسبّب، فإنّ أثر هذا الأصل ليس إلّا عدم الحكم بثبوت الأثر في زمان الشكّ استنادا إلى ذلك المؤثّر، فلا ينافيه الحكم ببقائه لأجل الاستصحاب، فليتأمّل» انظر حاشية فرائد الأصول: 395.

35

فلا مجرى للأصل فيه على ما هو الأصل في كلّ شكّ سببيّ و شكّ مسبّبي هذا.

و لكن يمكن الذّب عن الأوّل- حسب ما صرّح به (دام ظلّه) في مجلس البحث-: بأنّ الإيراد لم يكن مبنيّا على فرض جعل التّعارض بين الأصلين في تأثير السّبب حتّى يكون على خلاف فرض الفاضل النّراقي و يكون الاستدراك في غير محلّه، بل المقصود من الإيراد الأوّل: هو أنّه إذا فرض الشّك في مقدار تأثير السّبب و استعداده فلا يعقل تسبّب الشّك عن الشّك في الرّافع حتّى يرجع إلى استصحاب عدمه الحاكم على الأصل العدمي، فأصالة عدم تأثير السّبب سليم عن معارضة أصالة عدم الرّافع، فمن هذه الجهة لا مانع لها، إلّا أنّ المانع لها استصحاب نفس المسبّب كما هو المفروض في كلام الفاضل المعاصر، فقوله: (إلّا أن يتمسّك ... إلى آخره) (1) استثناء عن عدم المانع عن أصالة عدم التّأثير.

و عن الثّاني:

أمّا أوّلا: فبأنّ الكلام مبنيّ على الغمض عن ملاحظة الحاكم و المحكوم.

و أمّا ثانيا: فبأنّ مجرّد تسبّب الشّك في بقاء المسبّب عن الشّك في مقدار تأثير السّبب لا يوجب رفع اليد عن الأصل في المسبّب؛ لأنّ إثبات رفع المسبّب بأصالة عدم تأثير السّبب في الزّمان المشكوك تأثيره فيه حتّى يترتّب عليه الحكم الشّرعي المترتّب على عدمه تعويل على الأصل المثبت؛ إذ عدم المسبّب المترتّب على عدم السّبب في زمان الشّك من اللّوازم العقليّة لا الشّرعية.

و قد عرفت و ستعرف أيضا: أنّه لا يجوز التّعويل على الأصول المثبتة بناء

____________

(1) فرائد الأصول: 3/ 213.

36

على حجيّة الاستصحاب من باب الأخبار.

نعم، على القول باعتباره من باب العقل لا فرق بين الآثار. كما أنّك قد عرفت و ستعرف أيضا: أنّ تسبّب أحد الشكّين عن الآخر إنّما يمنع عن العمل بالأصل في الشّك المسبّبي إذا أمكن إعمال الأصل في الشّك السّببي بحيث يقتضي رفع الشّك المسبّب شرعا، و أمّا لا مع ذلك فيتعيّن الرّجوع إلى الأصل في الشّك المسبّبي، إلّا بالنّسبة إلى الأصل الموضوعي و الحكمي.

هذا ملخّص ما ذكره (دام ظلّه) في مجلس البحث للذّب عن الإيرادين، و أنت خبير بأنّه لا يخلو عن تأمّل.

(237) قوله: (و أمّا ثالثا: فلو سلّم ... إلى آخره) (1). (ج 3/ 213)

____________

(1) قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: تسليمه يبتني على المغالطة، الّتي نشأ منها توهّم المعارضة بين استصحاب الوجود و العدم، من أخذ الحالين- اي كون الطهارة قبل المذي و بعده- قيدا تارة و إهماله أخرى: أنّ إجراء أصالة عدم جعل المذي رافعا، مبني على فرض كون الطّهارة أمرا مستمرّا باقيا بعد المذي، لو لم يجعل المذي رافعا لها، و استصحاب عدم جعل الشّارع الوضوء سببا للطّهارة بعد المذي مبنيّ على ملاحظة الطّهارة المقيّدة بما بعد المذي، امرا مغايرا للطّهارة المعلومة سابقا محتاجا إلى جعل مغاير لجعل تلك الطّهارة، و من الواضح أنّه لا يتفرّع ثبوت هذه الطهارة المقيّدة على أصالة عدم جعل المذي رافعا، لأنّ اثر هذا الأصل عدم ارتفاع تلك الطهارة، لا ثبوت هذه الطهارة. غاية الأمر أنا نعلم أنّه لو لم يكن المذي رافعا للطهارة، لكانت هذه الطهارة مجعولة في حقّ المكلّف، كما أنا نعلم أنّه لو لم يكن الطهارة محقّقة، لكان المذي رافعا للطّهارة السّابقة الحاصلة للمكلّف، و مرجعه إلى أنا نعلم إجمالا أنّ الشارع إمّا جعل-

37

في الجواب الثالث عما أفاده الفاضل النّراقي‏

____________

- المذي حدثا، أو الوضوء سببا للطهارة بعد المذي، و إجراء أصالة العدم في أحدهما ليس بأولى من الأخر، فليتأمّل». أنظر حاشية فرائد الأصول: 395.

* و قال السيّد المحقق اليزدي (قدّس سرّه):

«لا يخفى أنه لو سلّم جريان استصحاب العدم و معارضته لاستصحاب الوجود يكون استصحاب عدم جعل الشي‏ء رافعا حاكما عليهما لا محالة؛ لأن مرجع جميع الشكوك المتصوّرة في المقام إلى الشك في رفع الحادث أثر المقتضي و عدمه؛ إذ لو كان منشأ الشك:

الشك في اصل المقتضي و كيفية جعله لم يعقل أن يشك في الرّافع من هذه الجهه أي: من قبل وجود الشي‏ء المشكوك الرافعيّة.

و بالجملة: لا فرق بين الشك في رافعيّة الموجود في مثل المذي و بين وجود الرّافع المعلوم الرّافعيّة كالبول في ان منشأ الشك: الشك في رفع أثر المقتضي فلا وجه للتفكيك بينهما؛ لأن رفع أثر المقتضي إنّما يتحقق بتحقّق أمرين: كون الشي‏ء رافعا بحقيقته و كونه موجودا، و الشك في كلّ منهما شك في الرافع، و ليس الشك في المثال المفروض في جعل الشارع للحكم المستصحب بعد وجود ما هو مشكوك الرّافعيّة إلّا من جهة الجهل بجعله رافعا أم لا، و هذا واضح بعد التنبيه عليه» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 3/ 241.

* و قال المحقق المؤسس الطهراني (قدّس سرّه):

«و فيه: انه حيث كان المفروض ان الشك إنّما هو من جهة احتمال الرّافعيّة، فاحتمال كون المجموع هو الحدث ناش عن احتمال الرّافعيّة بالضّرورة لا العلم الإجمالي بوجود أحد الحكمين.

و توهّم: ان العمل بوجود أحد الحكمين مع احتمال طروّ المزيل يمنع من جريان الإستصحاب أوضح فسادا فتفطّن» إنتهى. أنظر محجّة العلماء: 2/ 255.

38

أقول: ذكر (دام ظلّه) في مجلس البحث: أنّ هذا التّسليم و الجواب مبنيّان على كون المراد من عدم التّأثير هو عدم التّأثير الفعلي لا عدم التّأثير الشّأني، و معنى رافعيّة الشّي‏ء للطّهارة: هو حكم الشارع عقيبه بالحدث، كما أنّ معنى عدم رافعيّته هو حكم الشارع عقيبه بالطّهارة، و لا نعني بعدم تأثير الوضوء بعد المذي، إلّا حكم الشارع عقيبه بكون المكلّف محدثا، كما أنّه لا نعني ببقاء تأثير الوضوء بعد خروج المذي إلّا حكم الشارع بالطّهارة في هذه الحالة، و هو معنى عدم رافعيّة المذي على ما عرفت.

فالشّك في تأثير الوضوء بالمعنى المذكور عين الشّك في رافعيّة المذي، و إن كان قد يضاف إلى الوضوء، و قد يضاف إلى المذي، إلّا أنّهما عبارتان عن معنى واحد، فمرجع الشّك في المقام إلى الشّك في أنّ المجعول في حقّ المكلّف أيّ شي‏ء؟ الطّهارة الموافقة لاحتمال عدم رافعيّة المذي و بقاء تأثير الوضوء؟ أو الحدث الموافق لاحتمال رافعيّته و عدم تأثير الوضوء؟ فاحتمال تأثير الوضوء و رافعيّة المذي كلاهما مسبّبان عن الشّك في المجعول الشّرعي بعد خروج المذي، و ليس الأوّل مسبّبا عن احتمال عدم الثّاني على ما تخيّله الفاضل المتقدّم ذكره.

نعم، ذلك يستقيم فيما إذا كان الشّك في بقاء الحكم الشّرعي من جهة الشّك في وجود الرّافع المعلوم الرّافعيّة، كما إذا شكّ في خروج البول، أو كون الخارج بولا أو مذيا مع فرض معلوميّة حكم المذي في الشّريعة؛ فإنّ الشّك في بقاء الطّهارة و عدمه حينئذ مسبّب عن الشّك في وجود البول و عدمه، أو كون الخارج بولا و عدمه، و ليس أحد الشّكين عين الآخر، و لا مسبّبين عن أمر ثالث؛ لعدم معقوليّة أمر ثالث في المقام؛ لأنّ الشّك ليس في المجعول الشّرعي كما هو

39

المفروض حتّى يقال: إنّ احتمال وجود الطّهارة و احتمال وجود الرّافع مسبّبان عن الشّك في المجعول الشّرعي، و أنّه الطّهارة أو الحدث.

فما ذكره: من فرض وجود الحاكم إنّما يستقيم في هذه الصّورة، إلّا أنّ التّعارض فيها لا يمكن أن يجعل بين استصحاب الطّهارة و استصحاب عدم تأثير الوضوء، بل لا بدّ أن يجعل بين استصحاب الطّهارة قبل زمان وجود ما يشكّ في بوليّته و استصحاب عدمها الأزلي، و لكن لا بدّ من التّأمّل في أنّ كلامه هل يشمل مطلق الشّك في الرّافع حتّى في وجوده؟ أو مختصّ بالشّك في رافعيّة الموجود؟

و الإنصاف: أنّ كلامه مشتبه المراد فيظهر من بعض مواضعه شموله له، و من بعض مواضعه الأخر عدم الشّمول فراجع إلى ما ذكره في «المناهج» (1)؛ فإنّ المقام يطول بذكر كلامه؛ فإنّه قد أطنب في المقام غاية الإطناب هذا.

و لكنّك خبير بأنّ الشّك في بقاء الطّهارة و عدمه في الحكم الجزئي و إن كان مسبّبا عن الشّك في وجود الرّافع و عدمه، إلا أنّه ليس المقام مقام جريان الأصلين، أي: استصحابي الوجود و العدم، حتّى يرجع إلى استصحاب عدم الرّافع و يجعل حاكما على الاستصحابين؛ لأنّ العلم الإجمالي: بأنّ حالة الشّخص في صورة الشّك ليست بخارجة عن الحدث و الطّهارة مانع عن جريانهما، فيكون هنا استصحاب واحد ليس إلّا، و هو استصحاب عدم وجود الرّافع. فإن ترتّب حكم شرعيّ عليه و إلّا فلا يعمل به أيضا؛ لعدم التّعويل على ما لا يترتّب عليه أثر شرعيّ من الأصول.

____________

(1) مناهج الأحكام: 238.

40

و هذا هو المراد من قوله (دام ظلّه): (إلّا أن الاستصحاب مع هذا العلم الإجمالي ... إلى آخره) (1) (2) أعني: استصحابي الوجود و العدم لا الاستصحاب‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 3/ 213.

(2) قال المحقق الأصولي الشيخ (رحمة اللّه) الكرماني (قدّس سرّه):

«قوله: (غير جار) خبر أنّ، و الباء في (بجعل أحد الأمرين) متعلّق بالعلم الإجمالي يعني المانع من إجراء استصحاب عدم جعل الطهارة في حالة الشك في تحقق المزيل ليس هو حكومة استصحاب عدم وجود المزيل عليه، بل المانع هو العلم الإجمالي بجعل الشارع في هذه الحالة في حقّ المكلّف أحد الأمرين: الطهارة أو الحدث، و مع هذا العلم الإجمالي لا مجرى للإستصحاب في أحد الأمرين المعلوم أحدهما إجمالا لأنه لا أولويّة لاستصحاب عدم جعل الطهارة على استصحاب عدم جعل الحدث، اللهم إلّا أن يقال: المحتاج إلى الجعل هو الطهارة، و أمّا الحدث و هو عدم الطهارة فلا يحتاج إلى الجعل، فعدم جعل الطهارة المشكوك فيه يكون مجرى للإستصحاب فالمانع هو الحكومة» إنتهى.

أنظر الفرائد المحشى: 378.

* و قال المحقق شيخ الكفاية الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى أن هذا الإستدراك لا يرتبط بسابقه و لا يستقيم، و الظاهر انه كان مقدّما على قوله:

(نعم، يستقيم ...) و كان وضعه هنا من قلم الناسخ كما لا يخفى على المتأمّل» إنتهى.

أنظر درر الفوائد: 345.

* و قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«هذه العبارة ليست موجودة في بعض النسخ و قد ألحقت في بعض النسخ في هامش الكتاب و في بعضها في المتن، و لا يخفي انه غير مرتبط بهذا المقام.

نعم، يناسب أن تلحق قبل قوله: (نعم، يستقيم ...) و ظنّي أن المصنّف ألحقها هناك و كتبها في هامش كتابه و اشتبه موضع الردّة على النسّاخ و كم له من نظير وجدناه في كتب المصنّف-

41

الحاكم، و هو مبنيّ على ما ذكره (دام ظلّه) في مسألة العلم الإجمالي: من أنّ العلم الإجمالي مانع عن أصل جريان الأصول في أطرافها، لا أنّها جارية مع العلم الإجمالي، و يكون الوجه في عدم العمل بها تساقطها بعد التّعارض كما هو أحد 3/ 112 المسلكين اللّذين عرفتهما في الجزء الثّاني من التّعليقة في الشّك في المكلّف به في الشّبهة المحصورة.

لا يقال: إنّ هذا العلم متحقّق على قول المشهور أيضا؛ فإنّه لا يعقل الفرق في وجوده بين القولين كما لا يخفى.

لأنّا نقول: العلم المذكور و إن كان موجودا على كلّ تقدير، إلّا أنّ من المعلوم أنّه لا أثر له على ما ذهب إليه المشهور؛ لأنّ المفروض- على قولهم و قولنا- عدم‏

____________

- و غيره.

و كيف كان: هذا الكلام في حد نفسه غير مستقيم؛ لأنه لما جعل استصحاب عدم تأثير الوضوء في الطهارة كاستصحاب عدم جعل المذي رافعا كليهما محكوما؛ لأن الشك فيهما ناش عن الشك في ان المجعول في هذه الحالة في حق المكلّف هو الحدث أو الطهارة، لزم أن يحكم بجريان استصحاب الطهارة؛ لانه سليم عن المعارض، و العلم الإجمالي بجعل الشارع أحد الأمرين في حق المكلّف غير مانع عن جريان هذا الإستصحاب، و إنّما يمنع العلم الإجمالي من إجراء الأصلين في طرفي العلم في الشبهة المحصورة من جهة أن إجراءهما يوجب طرح العلم، و هذا غير ما نحن فيه؛ لأن الأصل في أحد الطرفين محكوم بالفرض غير جار، و يبقى الأصل في الطرف الآخر بلا مزاحم و لا مانع؛ إذ بجريانه لا يلزم طرح العلم الإجمالي فليتأمّل.

و الأولى إسقاط هذه العبارة من متن الكتاب» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الأصول: 3/ 241.

42

وجود الحالة السّابقة لاستصحاب العدم في أمثال الفرض، بل المتحقّق على المشهور و المختار: استصحاب واحد و حالة سابقة واحدة، و من الواضح: أنّ العلم الإجمالي إذا لم يكن له أثر على كلّ تقدير لم يكن قادحا في اعتبار الأصل، و حال العلم بوجود أحد من الحدث و الطّهارة في زمان الشّك بالنّسبة إلى ما اخترناه من هذا القبيل؛ لأنّه على تقدير كون الموجود هو الطّهارة لا يكون هناك ما ينافي الحالة السّابقة كما لا يخفى هذا.

و لو لا ما ذكرنا لزم سدّ باب اعتبار الاستصحاب في جميع المقامات؛ لأن في جميع موارد الشّك يعلم المكلّف بأنّه إمّا أن يكون المستصحب باقيا واقعا على ما كان أو معدوما و يكون المحلّ مشغولا بضدّه، و هذا بخلاف البناء على ما ذكره؛ الفاضل المتقدّم ذكره؛ فإنّ العلم الإجمالي- على ما ذكره- يكون مؤثّرا على كلّ تقدير؛ فإنّه على أحد التّقديرين مناف للاستصحاب الوجودي، و على الأخر مناف للاستصحاب العدمي كما لا يخفى.

فإذا بني على أنّ اليقين النّاقض لليقين السّابق أعمّ من اليقين الإجمالي و التّفصيل كان اللّازم الحكم بعدم جريان كلا الاستصحابين، كما أنّه إذا بني على أنّ العلم بالحرمة أو القذارة الّذي جعل غاية للحليّة الظّاهريّة و الطّهارة الظّاهريّة أعمّ من الإجمالي و التّفصيلي لم تجر أصالة الحليّة و الطّهارة بالنّسبة إلى شيئين علم بحرمة أحدهما أو نجاسته هذا.

و لكن لا بدّ من أن يعلم أنّ ما ذكره (دام ظلّه) هنا مبنيّ على ما أطلق القول به في بعض كلماته: من أنّ العلم الإجمالي رافع لاعتبار الأصل مطلقا سواء كان استصحابا أو غيره، و أمّا بناء على ما تقدّم منه (دام ظلّه) في الجزء الأوّل من‏

43

التّعليقة عند التّكلم في دليل الانسداد: من الفرق في هذا المعنى بين الاستصحاب و غيره من الأصول حسب ما عرفت تفصيل القول في وجهه منّا ثمّة في الجزء الأوّل من التّعليقة فلا، هذا.

و ربّما يقال بالفرق بين الفرض في المقام و ما ذكره هنا: من جريان أحد الاستصحابين، و هو لا يخلو عن تأمّل فراجع و تأمّل. هذا ملخّص ما ذكره (دام ظلّه) مع توضيح منّا.

تنبيهات‏

و لكن لا يخفى عليك أنّه بقي هنا أمور لم ينبّه عليها (دام ظلّه) لا بأس بالتّنبيه عليها.

الأوّل: أنّ ما أورده (دام ظلّه) العالي) على الفاضل المتقدّم ذكره أخيرا: من أنّ الاستصحاب مع هذا العلم الإجمالي غير جار ليس مختصّا بالشّك في الحكم الجزئي، بل يجري في الشّبهات الحكميّة الكليّة و الشّبهات الموضوعيّة أيضا بناء على ما ستعرف إثباته منّا عن قريب من جريان ما ذكره من تعارض الاستصحابين في الشّبهات الموضوعيّة.

الثّاني: أنّ ما ذكره الفاضل المتقدّم ذكره: من أنّ الاستصحاب الوجودي في غير الأمور الشّرعيّة جار و سليم عن المعارض بعدم جريان استصحاب حال العقل فيه، لم يعلم له معنى محصّل؛ إذ غاية توجيه ما عرفت منّا في وجهه: من أنّ الوجود فيه ليس جعليّا حتّى يجعل له حدّ و زمان فيكون رافعا للعدم بقول مطلق و ينتقض العدم به كذلك، و هو كما ترى خال عن التّحصيل.

44

لأنّه إن أريد به أنّ الأمر الغير الشّرعي ممّا لا يقبل الانعدام بل إذا وجد يبقى أبد الآباد.

ففيه- مضافا إلى أنّه مصادمة للضّرورة و الوجدان-: أنّه لو كان الأمر كذلك لما جرى الاستصحاب فيه؛ لأنّ الاستصحاب مختصّ بما يشكّ في بقائه القابل للانعدام و إلّا لم يعقل معنى للشّك فيه كما لا يخفى، و بالجملة: لم يظنّ بمن دونه في المرتبة أن يقول بهذه المقالة فضلا عنه.

و إن أريد أنّ الأمر الغير الشّرعي قابل للانعدام أيضا تارة: من جهة تماميّة استعداده للبقاء، و أخرى: من جهة وجود الرّافع له مع بقاء الاستعداد قطعا، إلّا أنّه فرق بين الوجودين في كيفيّة ارتفاع العدم الأزلي بهما.

ففيه: أنّه لم يعقل الفرق بينهما بعد تسليم جريان ما ذكره في الأمر الغير الشّرعي أيضا، فإذا شكّ في بقاء الأمر الخارجي من جهة الشّك في تماميّة استعداده، فيقال- في مورد الشّك-: أنّ القدر المتيقّن من انتقاض عدمه بالوجود إنّما هو في هذا المقدار، و أمّا في غيره فالأصل بقاء العدم الأزلي، و كذا إذا شككنا في بقاء ما كان موجودا في السّابق من الأمور الغير الشّرعيّة من جهة الشّك في وجود الرّافع لها يقال بالنّسبة إليه بما عرفته في الحكم الجزئي.

و منه يظهر: ورود الإيراد عليه على تقدير القول: بأنّ الشّك في بقاء الأمور الغير الشّرعيّة لا بدّ أن يكون قائما من جهة الشّك في وجود الرّافع لها حسب ما هو قضيّة ميل الأستاذ إليه في طيّ كلماته في مجلس البحث، مع كون فساده من الأمور الواضحة كما لا يخفى.

و بالجملة: كلّما نتأمّل لم نعقل الفرق بين الأمور الشّرعيّة و غيرها في جريان‏

45

ما ذكره في الأمور الشّرعيّة من التّعارض و الرّجوع إلى الأصل الحاكم في بعض الصّور فتدبّر.

الثّالث: أنّ الفاضل المذكور ذكر في طيّ كلماته إيرادا على نفسه يرجع حاصله إلى أنّه: إذا بني على عدم اعتبار الاستصحاب في الأمور الشّرعيّة فما وجه ذهابك إلى اعتبار الاستصحاب مطلقا و اختيارك القول باعتباره كذلك مع أنّك في الحقيقة من المفصّلين؟

ثمّ أجاب عنه بما يرجع حاصله إلى أنّ: قوله بعدم اعتبار الاستصحاب في الأمور الشّرعيّة إنّما هو من جهة التّعارض، لا من جهة عدم شمول أصل الدّليل له؛ فإنّ الأوّل غير مناف للاعتبار بل مثبت له؛ حيث إنّ التّعارض و التّساقط فرع الاعتبار؛ إذ لا تعارض إلّا بين الدّليلين كما لا يخفى، فعدم العمل بالاستصحاب لمكان المعارضة عين الالتزام بحجيّة المتعارضين، كما أنّ عدم العمل بخبر من جهة تعارضه عين القول بحجيّته، و إلّا لزم عدم وجود القول بحجيّة الاستصحاب مطلقا؛ لأنّه لم يقل أحد بحجيّة الاستصحاب بمعنى وجوب العمل به فعلا حتّى في مورد التّعارض، بل لزم القول بعدم حجيّة شي‏ء من الأمارات و الأصول بقول مطلق؛ إذ لا أقلّ من تعارضها و لو في مورد نادر. هذا ملخّص ما ذكره في الجواب عن الإيراد المذكور مع توضيح منّا.

و لكنّه لا يخفى عليك أنّه لا يخلو عن مناقشة واضحة؛ ضرورة وضوح الفرق بين التّعارض الدّائمي و الاتّفاقي فتدبّر.

46

* التنبيه الثالث‏ (1) عدم جريان الاستصحاب في الاحكام العقليّة

____________

(1) قال المحقق المؤسس الطهراني (قدّس سرّه):

«إن المناط في جريان القاعدة الشريفة- و هي الأخذ بالإقتضاء و عدم الإعتداد باحتمال المانع- إنّما هو كون الشك من جهة الرّافع و المزيل، من غير فرق بين كون المستصحب موضوعا أو حكما شرعيّا أو عقليّا أو عرفيا، و من الواضح انّ الموضوع بمنزلة العلّة الماديّة للحكم و عدم الرّافع إنّما له مدخليّة في العلّة الفاعليّة، بل قد عرفت: ان الرّافع بوجوده يؤثّر في إزالة الأثر لا أن عدمه دخيل في التأثير.

و كيف كان: فالعلّة الفاعليّة لا يعقل مدخليّتها في الموضوع؛ ضرورة تأخير الفاعل عن المادّة رتبة، فمخالفة الخبر و القضيّة للواقع يقتضي قبحه و الإشتمال على إنجاء النبي- مثلا- يمنع من تأثيرها في القبح قطعا، و حيث شك في كون الإشتمال على مصلحة أخرى أيضا هل هو رافع له أم لا؟

فمقتضى الإستصحاب عدم الاعتناء بهذا الإحتمال و البناء على ما يقتضيه المخالفة للواقع، و لا فرق من هذه الجهة بين ما يستقلّ العقل بإدراكه و بين ما يتوقّف على بيان الشارع أو تشريعه؛ فإنّ الحكم في القضيّة الواقعيّة في جميع المراحل على نسق واحد، و وجود المقتضي و الشرط و عدم المانع لا يختلف بها حال الموضوع و هو معروض الحكم في نفس الأمر و إنّما يختلف بوجود العلّة و عدمها حال الحكم وجودا و عدما.

و بما حقّقناه تبيّن ما فيما أفاده الاستاذ العلّامة أعلى اللّه مقامه حيث قال: (انّ المتيقّن السابق إذا كان ممّا يستقلّ بإدراكه العقل كحرمة الظلم و قبح التكليف بما لا يطاق و نحوهما من المحسنات و المقبّحات العقليّة فلا يجوز استصحابه لأن الإستصحاب ... إلى آخره).» إنتهى. أنظر محجّة العلماء: 2/ 255.

47

(238) قوله: (المتيقّن السّابق إذا كان ... إلى آخره) (1). (ج 3/ 215)

____________

(1) قال السيّد المحقق اليزدي (قدّس سرّه):

«ظاهر كلامه اختصاص عنوان هذا البحث بالمستقلّات العقليّة و بما كان منها مبنيّا على قاعدة التحسين و التقبيح.

و الظاهر انه لا وجه لهذا الإختصاص، بل يجري أيضا في الإستلزامات العقليّة، كما إذا علم بوجوب شي‏ء من جهة كونه مقدّمة لواجب، أو حرمته؛ لكونه ضدّا لواجب ثم شك في بقاء ذلك الوجوب أو الحرمة.

و كذا يجري في المستقلّات غير المبنيّة على قاعدة التحسين و التقبيح، كما إذا علمنا بعدم وجوب شي‏ء من جهة كونه موردا لنهي فعلي منجّز يمتنع معه الأمر به؛ لعدم جواز اجتماع الأمر و النهي على القول بأنه من قبيل التكليف المحال بالمحال، ثم لو فرضنا الشك في تعلّق الأمر به بزوال النهي عنه فإنه محل البحث أيضا» إنتهى‏

أنظر حاشية فرائد الأصول: 3/ 243.

* و قال المحقق المؤسس الطهراني (قدّس سرّه):

و فيه: انّ الحكم توقّفه على معرفة الموضوع من الضروريّات، و لكن دعوى إعتبار كل ما له دخل في ثبوته في الموضوع و تقيّده به واضحة الفساد، بل لا معنى لإعتبار العلّة الفاعليّة بشؤونها في العلّة المادّيّة، فإن أراد أنّ القضايا الواقعيّة لا يعقل فيها سوى الموضوع بقيوده و المحمول و النسبة، فهو مكابرة للوجدان؛ ضرورة ان المقتضي و الشرط و عدم المانع عن الموضوع أجانب في تلك المرحلة، و إن زعم انّ القضيّة المعقولة كذلك و إن لم يكن القضيّة النّفس الأمريّة كذلك فهو أيضا بديهي الفساد؛ حيث انّ العلم تابع للمعلوم، مع انه لو سلّم ذلك لم يمنع من جريان الإستصحاب؛ حيث انّ المستصحب إنّما هو الحكم بمعنى المحمول لا بمعنى التصديق بالضّرورة و المحمول قد عرفت انه إنّما يثبت في الواقع لما لا يقيّد بشي‏ء من العلل و من المعلوم انه يمكن أن يقع الشك في المقتضي و الشرط و المانع، فحيث أدرك العقل-

48

____________

- ثبوت حكم في حال من الأحوال و شك في وقت آخر في بقاءه لحدوث ما يحتمل كونه مزيلا جرى الإستصحاب.

نعم، لو كان الشك من جهة الزوال ما يحتمل إشتراطه أو للشك في مقدار تأثير السبب و من جهة الجهل بالموضوع لم يجري الإستصحاب.

و دعوى: ان الموضوع لا بد من معرفته تفصيلا، واضحة السقوط؛ فانه لا مانع من الحكم على ما يحتمل دخل بعض ما يقارنه فيه، فاذا تبدّل الحال يقع الشك لأجل عدم معرفته الموضع تفصيلا، و عدم خلوّ الحكم العقلي عن كونه ضروريّا أو منتهيا إليه لا ربط له بذلك؛ فإنّ الحكم الشرعي أيضا إمّا يدرك بالضرورة أو بما ينتهي إليها.

و بالجملة: فاستناد التصديق بالحكم إلى الضرورة لا يقتضي معرفة موضوعه تفصيلا، بل يمكن أن يكون ثبوت الحكم لشي‏ء على بعض التقادير ضروريّا، و على التقدير الآخر مشكوكا فيه، مع أنّ الشأن إنّما هو في إثبات إعتبار جميع ماله دخل في الحكم في موضوعه بحسب الواقع و لا دخل للإدراك في ذلك؛ فإنه ليس موضوعا و إنّما هو ثبوت لتحقّق الحكم.

ثم إن هذا الإشكال بعينه جار في الأحكام الشرعيّة؛ حيث انّ دخل جميع ماله تأثير في الحكم في الموضوع و كونها قيودا له لا يختلف باختلاف كون الحكم متوقّفا على جعل الشارع أو بيانه أو عدم كونه كذلك.

و لا يمكن التفصّي عنه: بانّ المرجع في موضوعات أحكام الشرع هو العرف؛ فإن التسامح العرفي يجري في المقامين.

ألا ترى انّ الكريّة- مع انّها ليست من الأحكام الشرعيّة- يتسامح في موضوعها؟ كما انّ الرفع الحقيقي غير متحقّق في كثير من موارد الإستصحاب، مع انّها ليست أمورا شرعيّة؛ فإن انتهاء الأمد ليس رافعا للزمان، بل الموت ليس رافعا للحياة و لا الوجود رافعا للعدم و إنّما الرّفع فيها عرفي و يكفي ذلك في جريان الأصل.-

49

أقول: قد عرفت شطرا من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في طيّ كلماتنا السّابقة عند التّكلّم في أقسام الاستصحاب باعتبار الأمور المأخوذة فيه، و لا بأس في أن نتكلّم فيه بعض التّكلّم في المقام أيضا تبعا لشيخنا (دام ظلّه) لعلّ به يحصل توضيح المرام فنقول:

إنّ الثّابت أوّلا قد يكون من مقولة الموضوع، و قد يكون من مقولة الحكم.

و على الثّاني: قد يكون عقليّا، و قد يكون شرعيّا. و على الثّاني: قد يكون مستكشفا عن عقليّ، و قد لا يكون كذلك. لا كلام في جريان الاستصحاب في الأوّل و في الثّاني من قسمي الأخير، إلّا على إشكال يأتي دفعه و في خروجهما عن محلّ الكلام في المقام، و إنّما الكلام في جريان الاستصحاب في الحكم العقلي و في الحكم الشّرعي التّابع له المتّحد معه موضوعا المستند إليه في الاستكشاف.

ثمّ الكلام فيهما قد يقع: في جريان الاستصحاب في أنفسهما. و قد يقع: في‏

____________

- و الحاصل: ان الملاك في جريان الإستصحاب هو صدق النّقض و الإبقاء و التسامح من هدم الجهة لا ينافي كون المستصحب أمرا غير مجعول أو ممّا يستقلّ العقل بإدراكه فالتسامح العرفي جار في جميع الموارد، و يكفي ذلك في صدق البقاء و النقض و إن لم يكن كذلك على الموازين العقليّة من جهة ما يتخيّل من اعتبار كلّ ما له دخل في الحكم قيدا للموضوع.

و الحاصل: ان إدراك الحكم مرحلة مغايرة لمرحلة تشخيص الموضوع، و كون الحكم مدركا بالعقل و استقلاله به لا ينافي مسامحة العرف في موضوعه و مخالفته لما هو الميزان في موضوع حكمه و كون المناط في جريان الأصل هو الميزان العرفي في الموضوعات، و يشبه المقام ما يقال: انّ كون المسمّى شرعيّا لا ينافي كون التسمية عرفيّة، فالصلاة و إن انتفت في نظر الشارع بانتفاء بعض شروطها أو أجزاءها إلّا أن العرف يحكم ببقاءها مسامحة» إنتهى.

أنظر محجّة العلماء: 2/ 256- 257.

50

إجراء الاستصحاب في موضوعهما فيما كان الشّك فيهما من جهة الشّك في الموضوع على ما هو الشّأن في استصحاب الموضوع. فبالحريّ أن نحرر البحث في مقامات أربع:

الأوّل: في إمكان جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقليّ كحرمة الظّلم العقليّة، أي: إلزام العقل بتركه و تقبيحه ارتكابه مع قطع النّظر عن حكم الشّرع به.

الثّاني: في إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشّرعي المستند إلى الحكم العقلي المستكشف بقاعدة التّطابق.

الثّالث: في إمكان الاستصحاب في موضوع الحكم العقلي فيما علم به سابقا و شكّ في بقائه؛ ليترتّب عليه الحكم العقلي.

الرّابع: في إمكان جريانه فيه ليترتّب عليه الحكم الشّرعي المشارك للحكم العقلي في الموضوع بالفرض.

الاستصحاب لا يجري في الاحكام العقليّة

فنقول: أمّا الكلام في المقام الأوّل: فالحق عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي و عدم إمكانه سواء كان من مقولة الإنشاء- على ما هو محلّ البحث- أو الإدراك و التّصديق بأنحائهما و أقسامهما، وجوديّا كان، أو عدميّا، قطعيّا كان أو ظنيّا. أمّا عدم إمكان جريانه في حكمه الإنشائي؛ فلأنّ المعتبر في الاستصحاب موضوعا- على ما هو من الأمور الجليّة الّتي لا يعتريها ريب- الشّك في بقاء ما ثبت.

و من المعلوم بالضّرورة و الوجدان عدم تعقّل الشّك في بقاء الحكم لنفس‏

51

الحاكم بشي‏ء سواء كان عقلا أو شرعا أو غيرهما؛ لأنّه بعد الرّجوع إلى نفسه: إمّا أن ينشأ ما أنشأه أوّلا في الزّمان الثّاني فلا معنى للاستصحاب، أو لا ينشأه فلا معنى للاستصحاب أيضا؛ للقطع بعدم الحكم واقعا؛ إذ واقعه إنّما هو بنفس إنشاء الحاكم و لا يعقل شكّ المنشي‏ء في إنشاءه بمعنى شكه في بقاء ما أنشأه أوّلا؛ إذ لا يعقل بالنّسبة إلى نفس الحاكم الثّبوت النّفس الأمري حتّى يعقل شكّه فيه، نظير سائر الأمور الثّابتة بحسب الواقع، فالشّك إنّما يتعقل بالنّسبة إلى ما يتصوّر له واقعيّة مع قطع النّظر عن حكم الشّاك و عدم حكمه- سواء كان من الموضوع أو حكم حاكم آخر- فإنّه يمكن عروض الشّك في بقائه نظير سائر المحمولات الثّابتة للموضوعات الواقعيّة.

فتبيّن ممّا ذكرنا: أنّ ما قرّرنا لا يختصّ بالاستصحاب في الحكم العقلي، بل يجري بالنّسبة إلى جميع الأحكام بالنّسبة إلى الحاكم بها؛ فإنّهم إن علموا بوجود ما كان علّة تامّة في حكمهم في الزّمان الأوّل، يحكمون في الزّمان الثّاني أيضا.

و إن لم يعلموا سواء قطعوا بعدمها أو شكّوا فيها، لم يحكموا قطعا كما لا يخفى. و إن كنت في ريب ممّا ذكرنا لك فافرض نفسك حاكما بشي‏ء و انظر هل ترى منها الشّك في الحكم في زمان؟

و الوجه في ذلك: أنّ الحاكم بشي‏ء لا يستقلّ في الحكم به إلّا بعد إحراز جميع ما له مدخل في حكمه، فإن وجده في الزّمان الثّاني يحكم به كما حكم في الزّمان الأوّل، و إلّا فلا يحكم به قطعا سواء كان قاطعا بعدمه، أو شاكّا أو ظانّا؛ لأنّ حكمه تابع لإنشائه و من مقولات أفعال نفسه، لا التّحقّق الموضوع واقعا حتّى يستلزم احتمال وجوده احتمال وجود الحكم على ما هو قضيّة التّبعيّة، فالحكم‏

52

من الحاكم بالنّسبة إلى موضوعه مترتّب عليه ما دام معلوما.

و من المعلوم أنّ الحكم العارض للموضوع بوصف العلم به يرتفع واقعا في صورة الشّك بحيث لو فرض ثبوت الحكم في صورة الشّك لم يعقل أن يكون هو هذا الحكم، بل لا بدّ أن يكون حكما آخر في موضوع آخر.

و من هنا يعلم أنّه ليس للعقل حكمان: حكم واقعيّ يحكم به في الموضوع الواقعي، و حكم ظاهريّ يحكم به عند الشّك في حكمه الواقعي، كما ربّما تخيّله بعض من لا خبرة له.

نعم، حكم العقل على موضوع يوجد في صورة القطع بشي‏ء و في صورة الشّك فيه ممّا لا ينكر، لكنّه لا دخل له بالحكم الظّاهري للعقل، كحكمه بقبح التّشريع مثلا على القول: بكونه إدخال ما لم يعلم كونه من الدّين سواء علم بعدم كونه من الدّين أو شكّ في ذلك على ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة هذا كلّه.

مضافا إلى أنّه لو فرض شكّ للعقل في بقاء حكمه فلا يتصور إلّا من حيث الشّك في بقاء الموضوع من حيث ارتفاع وجود ما يحتمل مدخليّته، أو الشّك في ارتفاع ما علم مدخليّته، أو وجود ما يحتمل مدخليّة عدمه، أو الشّك فيه مع القطع بمدخليّته، و سيجي‏ء اشتراط بقاء الموضوع في إجراء الاستصحاب.

و إلى أنّه لا معنى لإجراء الاستصحاب في الحكم العقلي مع قطع النّظر عمّا ذكر أيضا؛ لعدم ترتّب أثر شرعيّ عليه حتّى يجري الاستصحاب فيه بناء على ما عرفت غير مرّة و ستعرف إن شاء الله: من أنّ استصحاب ما لم يترتّب عليه أثر شرعيّ إذا لم يكن نفسه حكما شرعيّا ممّا لا معنى له. هذا محصّل الكلام في الحكم‏

53

العقلي بمعنى الإنشاء.

و منه يعرف الكلام في عدم إمكان جريان الاستصحاب في حكمه بمعنى الإدراك أيضا؛ لعين ما عرفت سابقا: من عدم تعقّل الشّك في بقائه؛ لأنّه في الزّمان الثّاني: إمّا أن يدرك ما أدركه أوّلا أو لا يدرك قطعا، و لا يعقل الشّك في أنّه يدرك أو لا يدرك.

نعم، المدرك ممّا يشكّ في بقائه سواء كان من مقولة الحكم، أو الموضوع، لكنّه لا دخل له بالإدراك الّذي نتكلّم فيه فتدبّر. هذا مجمل القول في المقام الأوّل.

***

54

عدم جريان استصحاب الحكم الشرعي المنكشف من حكم العقل‏ (1)

و أمّا الكلام في المقام الثّاني: و هو إمكان جريان الاستصحاب في الحكم الشّرعي التّابع للحكم العقلي، أي: المستكشف منه بقاعدة التّلازم بينهما، فالّذي صرّح به الأستاذ العلّامة: إمكان جريان الاستصحاب فيه مع قطع النّظر عن تسبّب الشّك فيه عن الشّك في الموضوع و تردّده بين ما هو باق واقعا قطعا و بين ما هو

____________

(1) و علّق المحقّق المؤسس الطهراني (قدّس سرّه) على كلمة استاذه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): (فإن قلت:

فكيف يستصحب الحكم الشرعي مع انه كاشف عن حكم عقلي مستقلّ ... إلى قوله: و إن كان موردا للقبح) [فرائد: 3/ 216]:

«و في كلّ من الإعتراض و الجواب نظر:

أمّا الأوّل: فلأن المنشأ للإعتراض إنّما هو كون القضيّة الواقعيّة على نسق واحد في اعتبار القيود في موضوعها و لا دخل لكونها مدركة بالعقل في ذلك، فيتوجّه الإشكال حتى لو لم يكشف الحكم الشرعي عن الحكم العقلي المستقلّ.

و أمّا الثاني: فلما عرفت: من ان التسامح في الموضوع لا ينافي استقلال العقل بإدراك الحكم.

و أمّا التفريع الذي افاده بقوله: (و من هنا ... إلى آخره).

ففيه: ان البراءة الأصليّة يستصحب و إن لم يكن لتحقّقها مدرك غير قبح الخطاب بالنّسبة إلى غير المميّز و المجنون، فحيث ثبت عدم تكليف بالنسبة إلى الشخص عقلا قبل التميز فالشك في اشتغال الذمّة بعد البراءة شك في الرّافع و لا حاجة في جريان الإستصحاب إلى بيان الشارع للعدم الأزلي، و لهذا سمّوه باستصحاب حال العقل و لم يتأمّل أحد في جريان الأصل من هذه الجهة» إنتهى. أنظر محجّة العلماء: 2/ 257.