بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج8

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
820 /
3

-

4

بسم اللّه الرّحمن الرحيم‏

و به نستعين، الحمد للّه ربّ العالمين‏

و صلّى اللّه على محمّد و آله الطّيّبين الطّاهرين‏

و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين‏ (1)

____________

(1) خطبة الكتاب.

5

التعادل و التراجيح‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

خاتمة في التعادل و التراجيح‏

* قاعدة الجمع‏

* أحكام التعارض‏

* المقام الأوّل: في المتعادلين‏

- مقتضى الأصل الأوّلي في المتعادلين‏

- مقتضى الدليل الوارد

- تنبيهات تعادل الخبرين‏

- لابدّيّة الفحص عن المرجّحات في المتعارضين‏

* المقام الثاني: في التراجيح‏

و فيه مقامات:

* الأوّل: وجوب الترجيح و الإستدلال عليه‏

* الثاني: ذكر الأخبار العلاجيّة

* الثالث: لزوم التعدّي عن المرجّحات المنصوصة

* الرابع: بيان المرجّحات‏

- المرجّحات الداخليّة

المرجّحات الدلاليّة

انقلاب النسبة

- المرجّحات الخارجيّة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

خاتمة (1) في التعادل و التراجيح‏

____________

(1) قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«لا اشكال بل لا خلاف في أن البحث عن الأخبار من حيث التعادل و الترجيح داخل في المسائل الأصولية، مضافا إلى أن تمايز العلوم- على ما ذكروه- إنّما هو بتمايز موضوعاتها أو بحدودها، و مقتضاهما أيضا كذلك.

أمّا الأوّل: فان موضوع علم الأصول هي الأدلة الأربعة فيكون البحث عن أحوالها من مسائل هذا العلم، و البحث عن الأخبار من حيث التعادل و الترجيح بحث عن أحوالها فيدخل في مسائله.

و أما الثاني: فان علم الأصول- على ما عرّفوه-: هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة، و لا اشكال في إنطباقه على ما نحن فيه، و ربّما يتعجّب من إنّهم مع إكثارهم الخلاف في أغلب المسائل الأصولية من حيث اندراجها في المبادي أو المسائل الكلاميّة أو الفقهيّة قد أدرجوا هذه المسائل الخلافيّة في مقاصد هذا العلم، و ذكروا هذه المسألة في خاتمة الكتاب الموهم لخروجها من المقاصد مع ما عرفت من شهادة اتّفاقهم و موضوع العلم وحده بخلافه.

و أقول: لعلّ الوجه فيه: أن البحث عن الأدلة من حيث التعادل و الترجيح متأخر شأنا عن البحث عن سائر أحوالها كالبحث عنها من حيث الدلالة أو الحجية؛ لأن البحث عنها من حيث التعارض فرع دلالتها و حجيتها؛ و لذا أخّروا البحث عنها من هذه الحيثيّة عنه عن سائر الحيثيات، فجعلوا البحث عنها من هذه الحيثية في الخاتمة إشارة الى كون ذلك آخر ما يبحث عنه في هذا العلم لا الى خروجه من مسائله.

و أما ما أشرنا اليه من إكثارهم الخلاف في أكثر المسائل الأصولية، فذلك مثل دعوى دخول مباحث الألفاظ طرّا، و كذا البحث عن حجية الكتاب و السنة و الاجماع و العقل في المبادى‏ء،-

10

____________

- و دخول البحث عن حجية الأوّلين في الكلام و عن أصالة البراءة و الاستصحاب و الاجتهاد و التقليد في الفقه، أو البحث عن الأخيرين في الكلام؛ نظرا في الأوّل الى أن مسائل كل علم النسب الخبرية المتعلقة بأحوال موضوع هذا العلم من حيث أنّها أحوال موضوع هذا العلم و البحث عن دلالة الأمر و النهي و العموم و الخصوص و سائر ما يتعلّق بها من المباحث اللفظية ليس بحثا عن أحوال الأدلة من حيث أنها أحوالها لعموم عنوان هذه المباحث؛ إذ البحث عن دلالة اليه و لو مع وروده في غيرهما أيضا، و البحث في مباحث العلوم إنّما هو عن الأحوال المختصة بموضوعات تلك العلوم؛ إذ البحث عن أحوال العام لا يعدّ بحثا عن أحوال الخاص، فمن هنا تخرج تلك المسائل من مقاصد هذا العلم. نعم لمّا كان البحث عن أحوال الأدلة من حيث حجيتها أو تعادلها و ترجيحها متوقّفا على معرفة تلك المسائل، فلا بد من ذكرها في المبادى‏ء.

و الجواب: أن عنوان تلك المسائل و ان كان أعم إلّا أن بحث الأصولى عنها إنّما هو بعنوان ورودها في الكتاب و السنة؛ لعدم تعلّق غرضه بغير ذلك؛ لعدم حاجته الى البحث عن مفاهيم الألفاظ من حيث هي.

و في الثانى إلى أن البحث عن الحجية بحث عن موضوع الدليل من حيث كونه دليلا و البحث عن تشخيص موضوع العلوم دخل في المبادى‏ء؛ لأن البحث عن أحوال الموضوع فرع إحراز نفس الموضوع و تشخيصه.

و في الثالث إلى أن مرجع البحث عن حجية الكتاب و السنة إلى البحث عن حجية قول اللّه تعالى و الائمة الهدى (عليهم السّلام) و البحث عنها محرّر في الكلام دون الأصول.

و في الرّابع إلى كون البحث عن تلك المسائل بحثا عن عمل المكلّف الذي هو موضوع علم الفقه دون أحوال الأدلة.

و الخامس إلى أن مرجع البحث عن وجوب الاجتهاد و التقليد الى البحث عن وجوب إطاعة-

11

(1) قوله (قدّس سرّه): (في «التّعادل و التّرجيح» (1) و حيث إنّ موردهما الدّليلان‏

____________

- النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الائمة (عليهم السّلام).

و بالجملة: أن الخلاف في جميع تلك المسائل موجود و قد قرّرنا الجواب عن الكلّ في محلّه، و لا يجدي الإطناب هنا طائلا، فليطلب من مواضعها. نعم، قد حرّرنا في محلّه كون مسائل الاجتهاد و التقليد من المسائل الفقهيّة دون الأصوليّة» إنتهى. أنظر أوثق الوسائل: 586.

(1) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«التعادل في الأصل: تساوي طرفي العدل و نحوه.

و المراد به في باب الأدلّة: إنّما هو تساوي الدليلين المتعارضين و عدم مزيّة لأحدهما على الآخر.

و الترجيح في الأصل: إحداث الرجحان و المزيّة في أحد شيئين متقابلين.

و المراد به في باب الأدلّة: تقديم المستنبط أحد الدليلين المتعارضين على الاخر.

ثم انه قد يعبّر عنه في هذه المسألة بصيغة المفرد كما صنع المصنف (قدّس سرّه) و قد يعبّر عنه بصيغة الجمع.

و الظاهر أن مراد من أفرده إنما هو إطلاقه الشائع في باب الأدلّة و هو الذي عرفته، و يحتمل بعيدا إرادة جنس المزيّة القائمة بأحد الدليلين المتعارضين بعلاقة السببيّة.

و أمّا الذي عبّر عنها بلفظ الجمع فالظاهر انه أراد به المزايا الجزئيّة؛ لمنافاة الجمعيّة لإرادة جنسها كما لا يخفى، و لإرادة إطلاقه الشائع أيضا؛ إذ لا يخفى انه فعل المستنبط، و هو في حدّ ذاته واحد لا تعدّد فيه.

نعم، يمكن اعتبار تعدّده باعتبار تكثّر موارده، فإنّ كلّ تقديم و ترجيح- في مورد لمزيّة- شخص مغاير لتقديم في مورد آخر لمزيّة أخرى، أو بتلك المزيّة أيضا، فيرتفع به منافاة الجمعيّة، فيكون احتماله أقرب؛ لكونه على تقديره إطلاقا حقيقيّا، بخلافه على جنس المزيّة أو جزئيّاتها» إنتهى. أنظر تقريرات السيد المجدّد: ج 4/ 147.-

12

____________

-* و قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«التعادل مأخوذ من عدل الحمل- بالكسر- و هو نصفه فكأن الدليلين المتكافئين عدلا حمل؛ لأجل تعادلهما و تساويهما، و الترجيح في الأصل: إحداث الرجحان و المزية في أحد الشيئين المتقابلين، و في باب الأدلة تقديم أحد الدليلين المتعارضين لأجل مزية فيه، و لفظ الترجيح في عبارة المصنف (رحمه اللّه) بصيغة المفرد و في بعض العبارات بصيغة الجمع و لكل وجه؛ إذ الأوّل ناظر الى فعل المستنبط و الثانى الى أفراده المتعددة مطلقا أو باعتبار تعدد المرجحات، و يحتمل أن يراد به جنس المفرد بعد انسلاخ معنى الجمعية و لكنه خلاف الظاهر» إنتهى. أنظر أوثق الوسائل: 586.

* و قال المحقّق الآخوند الخراساني (قدّس سرّه):

«عقدها و ان كان لبيان حال الدليلين المتعارضين و معرفة أحكامها كما لا يخفى، و لذا جعل التعارض بنفسه موضوعا فيها في غير الكتاب؛ الا انه لما كان لا كلام في معرفة خصوص ما لهما من الأحكام بملاحظة ما يعرضهما من الحالتين، جعلتا موضوعا في الكتاب؛ و كيف كان فالتعادل في الاصل من العدل بالكسر و هو المثل فيكون بمعنى التماثل، و في الاصطلاح عبارة عن تساوى الامارتين وجدانا و فقدانا للمزايا الآتية انشاء الله تعالى، بحيث لم يكن أحدهما واجدا لاحديها و كان الآخر فاقدها.

و التراجيح بحسب اللغة إحداث المزية و الرجحان، و هيهنا يحتمل أن يراد منه تقديم احدهما على الآخر بمزية فيه من تلك المزايا، و ان يراد تقدمه و ترجحه عليه لذلك، فيكون من قبيل استعمال المسبب فى السبب، لكنه مع ذلك أنسب بالمقام حسبما لا يخفى، و ان يراد نفس المزية الموجبة لذلك، لكنه بعيد فى الغاية و ان كان يقربه وقوعه بصيغة لا جمع في كلام بعضهم، حيث أنه بالمعنيين الاولين مصدر و هو غير قابل لأن يثنّى او يجمع الا بعد اعتبار قيد الوحدة و التعدد فيه، و تعدد الأسباب الموجبة لاعتبار التعدد فيه، كما هيهنا مما لا-

13

المتعارضان ... إلى آخره). (ج 4/ 11)

في ان مسئلة التعارض من مسائل علم الأصول‏

أقول: بالحريّ قبل التّكلّم في حقيقة التّعارض و بيان مورده و حكمه: أن نشرح حال المسألة؛ من حيث كونها من مسائل العلم.

فنقول: لا إشكال في كونها منها؛ نظرا إلى شهادة جميع ما جعلوه ميزانا لتمايز مسائل العلوم من الموازين الخمسة على دخولها في مسائل علم الأصول و تطابقها بأسرها عليها بعد جعل موضوع البحث و المسألة الدّليل القائم على الحكم الشّرعي الكلّي كما هو واضح، و إن قام على بيان الموضوع الكلّي للحكم،

____________

- يخفى» إنتهى. أنظر درر الفوائد: 425.

* و قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«لا يخفى أن مباحث التعادل و الترجيح داخلة في مسائل علم الاصول، لأن البحث فيها بحث عن عوارض الأدلة، و ما عرّفوه به: من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية يشملها، و لا ينافى ذلك أن بعضهم جعلها خاتمة، لأن ذلك بملاحظة كونها آخر المباحث الذي يتم به مسائل الاصول و يختم به.

ثم ان التعادل تفاعل من العدل بمعنى المثل يراد به التماثل و التساوى، و التراجيح جمع الترجيح يمكن أن يراد به المعنى المصدرى يعنى الترجيحات، و يمكن أن يكون بمعنى المرجحات، و الأنسب افراد لفظ الترجيح كما عبر به بعضهم، بل الأنسب التعبير بالتراجح في قبال التعادل، بل الأولى و الأنسب عقد الباب للتعارض كما عن بعض؛ لأن التعادل و التراجح من أحوال التعارض و كيفياته، قال في القوانين: «خاتمة في التعارض و التعادل و الترجيح»، و الأولى ما ذكرنا» إنتهى. انظر حاشية فرائد الأصول: 3/ 421.

14

حيث إنّه راجع إلى الدّليل على الحكم كما ستقف عليه لا الأعمّ منه و ممّا قام على تشخيص الموضوع الخارجي، و إن أطلق الدّليل عليه؛ فإنّ مجرّد الإطلاق لا يجدي مع وضوح المراد، ألا ترى استدلالهم فيما سيجي‏ء على نفي التّرجيح في الأخبار بنفيه في البيّنات و الجواب عنه بكونه قياسا مع الفارق و غيره ممّا ستقف عليه؟ فإنّ في هذا الاستدلال و الجواب شهادة واضحة على خروج الأمارات الموضوعيّة عن حريم البحث.

أمّا صدق التّعريف فواضح، سواء عرّف: بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشّرعيّة، أو العلم الباحث عن أحوال الأدلّة، كوضوح كون البحث في المسألة بحثا عن عوارض موضوع علم الأصول. أي: الأدلّة، و إن جعل للوصف العنواني مدخلا في موضوعيّته؛ ضرورة كون البحث في المسألة عن تعارض ما فرغنا عن دليليّته و إن حكم بسقوط أحدهما عن الحجيّة الفعليّة تعيينا، أو تخييرا، أو كلاهما بالتّعارض إن لم يرجع النّزاع في التّساقط إلى النّزاع في شمول دليل الحجيّة للمتعارضين بحيث يرجع إلى البحث عن الحجّيّة فتأمل.

فإنّ هذا غير عدم حجّيّتهما شأنا، أو عدم حجّيّة أحدهما كذلك، و لو من جهة إناطته بالظّن، أو بعدم الظّن على الخلاف؛ فإنّه خارج عن موضوع المسألة يقينا كما ستقف عليه، و ظهور وجود خواصّ المسألة الأصوليّة فيها؛ ضرورة عدم انتفاع العامي بها و عدم حظّ له فيها. و اختصاصها بالمجتهد و المستنبط و إن كان بالعرض:

من جهة اختفاء وليّ اللّه و حجّته و غيبته عن الأنظار، كما هو الشّأن بالنّسبة إلى جميع مسائل هذا العلم، و إلّا فحكم اللّه الأصولي كالفقهي مشترك في نفسه بين المجتهد و العامي. و من هنا كان يعمل من أدرك فيوضات حضور الأئمّة (عليهم السّلام)

15

بالأخبار و يعالج معارضاتها بما ورد منهم (عليهم السّلام): في التّرجيح و التّخيير و إن كان عاميّا و إن جاز له الأخذ بالفتوى أيضا هذا.

و أمّا تدوين المسألة في علم الأصول و تصريح مهرة الفنّ بكونها من مسائل العلم فأوضح من أن يخفى، بل أقول: كون المسألة من مسائل هذا العلم هو المتيقّن من بين مسائله لتطرّق المناقشة إلى أكثرها، بل كلّها إلّا ما شذّ و ندر من حيث دخولها في مسائل العلم؛ نظرا إلى كون مباحث الألفاظ بأسرها من المبادي‏ء اللّغويّة؛ حيث إنّ الموضوع فيها نفس الألفاظ لا ما ورد في خصوص الكتاب و السّنة و إن كان الغرض متعلّقا بمعرفته، و كثير منها مثل: مسألة وجوب المقدّمة، و حرمة الضّدّ، و امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و مسألة التّحسين و التّقبيح، و أمثالها من المبادي‏ء الأحكاميّة.

و من هنا وقع التّكلّم في أكثر كلمات القدماء، بل المتقدّمين من الخاصّة و العامّة في علم الأصول في القسمين من المبادي‏ء حتّى شيخنا البهائي (قدّس سرّه) في «الزّبدة» و ذكروا مباحث الألفاظ في القسم الأوّل، و ما عرفت: من المسائل و غيرها في القسم الثّاني، و مسائل حجّيّة الأدلّة كحجّيّة الكتاب و الأخبار و الإجماع و نقله من المبادي‏ء التّصديقيّة: من حيث كون العنوان مأخوذا في موضوعيّة الأدلّة.

فإن رجع البحث في مسائل الحجّيّة إلى البحث عن وجود ذات الدّليل، كما هو الشّأن بالنّسبة إلى بعضها فرجوعه إلى البحث عن المبادي‏ء أوضح من أن يحتاج إلى البيان، و إن رجع إلى البحث عن حجيّتها و دليليّتها بعد الفراغ عن وجود ذاته فلا إشكال في دخولها في المبادي‏ء أيضا بعد الفرض المزبور، و إن تكلّف‏

16

شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في إدراج جملة منها في المسائل: من حيث إرجاع البحث فيها إلى البحث عن ثبوت ما هو المفروغ عن حجّيّته كمسألة حجّيّة أخبار الآحاد، و نقل الإجماع و نحوهما على ما عرفت: من كلامه في الجزء الأوّل‏ (1) من «الكتاب».

بيان معنى التعارض و ما هو المراد منه في المسألة

إذا عرفت ذلك، فنقول: التّعارض في الأصل تفاعل من العرض و يطلق على المعنى الاسمي و هو أحد الأبعاد الثّلاثة، و المعنى الوصفي أي: الظّهور و الغلبة، كما في «القاموس»: قال: عرض له كذا يعرض: ظهر عليه، و قال في مادّة (ظهر) ظهر عليه: غلبه‏ (2)، و (المقابلة) كما عن «المجمع» (3)، و (المنع) كما عن غيرهما (4) و (الورود) كما ذكره بعض مع المعنى الأوّل‏ (5)، و يمكن إرجاع بعض المعاني الوصفيّة إلى بعضها الآخر كما ذكره الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في مجلس البحث و المذاكرة.

و أمّا المعنى الاسمي فلا يمكن إرجاعه إلى المعنى الوصفي فلا بدّ أن يكون اللّفظ مشتركا بينهما إن لم يكن مجازا في المعنى الاسمي و هذا لا يختصّ بالمقام؛

____________

(1) فرائد الأصول: ج 1/ 238.

(2) القاموس: ج 2/ 334.

(3) مجمع البحرين: ج 3/ 155.

(4) انظر المصباح المنير: 403 مادة ع ر ض.

(5) لم نعثر عليه عجالة.

17

فإنّ جملة من الألفاظ يطلق على العين و المعنى كألفاظ الزّكاة، و الهبة، و الرّهن، و الوقف، و نحوها.

ثمّ إنّ لفظ العرض يستعمل متعدّيا و لازما ككثير من الألفاظ على ما يشهد له موارد استعماله في الكتاب و العرف كقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (1) الآية و قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ (2) الآية، و عرضت النّاقة على الحوض إلى غير ذلك. و لا بدّ أن يكون المبدأ المشتقّ منه الفعل المتعدّي غير ما يشتقّ منه اللّازم و يكونان مختلفين بحسب المعنى كما هو ظاهر، هذا بالنّسبة إلى المجرّد. و أمّا المزيد من هذه المادّة كالتّفاعل و الإفعال فلم يستعمل إلّا لازما كما قيل، و من هنا يستعمل باب الإفعال مع كلمة عن، فيقال:

أعرض عنه. هذا كلّه بحسب اللّغة.

و أمّا في العرف العام فلم يعهد له معنى يغاير اللّغة، و أمّا في العرف الخاصّ فظاهر غير واحد و صريح آخرين: كونه منقولا منه في خصوص التّفاعل إلى ما ذكروه في بيانه بالوضع التّعييني، أو التّعيّني كما يظهر ممّا أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) على ما يشهد له قولهم بعد ذكر المعنى اللّغوي: و في الاصطلاح كذا، سواء جعل توصيف الدّليلين بالتّعارض و حمله عليهما توصيفا و حملا أوّليا و إن كان المدلول ملحوظا، أو جعل توصيفا ثانويّا: من حيث كون الوصف قائما بالمدلول و المقتضي أوّلا و بالذّات كما يظهر من تعريف جماعة، فتعارض الدّليلين:

____________

(1) الأحزاب: 72.

(2) البقرة: 31.

18

تنافي مدلوليهما، أو مقتضاهما، و إن كان الظّاهر على ما صرّح به شيخنا (قدّس سرّه) في مجلس البحث: عدم اتّصاف المدلول به عندهم، و كون هذا التّعريف مبنيّا على الإشارة إلى كون تنافي الدّليلين إنّما هو باعتبار مدلوليهما. كما أنّ حمل عنوان الدّليليّة على الدّليل إنّما هو باعتبار كونه معرّفا إلى المدلول فيتّحد المراد من التّعريفين و يرتفع الاختلاف من البين على ما هو الظّاهر من كلام شيخنا (قدّس سرّه) في «الكتاب» أيضا. و من هنا قال- بعد تعريف التّعارض بتنافي الدّليلين-: (و لذا ذكروا: أنّ التّعارض تنافي مدلولي الدّليلين‏ (1)) (2) هذا.

____________

(1) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«ما ذكره (قدّس سرّه) في تعريف التعارض أحسن مما ذكروه؛ إذ من المعلوم أن التعارض عنده وصف للدليلين لا لمدلولهما.

نعم، منشأ تعارضهما و تنافيهما إنّما هو كون مدلولهما على وجه يمتنع الجمع بينهما، فيلزمه تنافي الدليلين الدالين عليهما و تدافعهما، فالتدافع وصف قائم بالدليلين، ناشي‏ء عن وصف إمتناع الإجتماع الحاصل في مدلولهما.

ثمّ إن النّزاع في هذه المسألة: إنّما هو بعد الفراغ عن ثبوت التعارض بين الدليلين فيكون كبرويّا، إلّا أنّه قد يقع الإشتباه في بعض الموارد الخاصّة من حيث دخوله في تلك الكبرى و عدمه، مع عدم تعرّضهم له أصلا كما تعرّضوا لخصوص الأمر و النهي- في مسألة اجتماع الأمر و النهي- فلم يكن بأس بالتعرّض له من هذه الجهة هنا لوجود المناسبة بين المقام و بينه في الجملة، فأشار اليه (قدّس سرّه) بقوله: (و منه يعلم انه لا تعارض بين الأصول و ما يحصّله المجتهد من الأدلّة الإجتهاديّة ... إلى آخره) إنتهى. أنظر تقريرات المجدد الشيرازي: ج 4/ 148.

* و قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه):

«ثمّ إن هذا- أي ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه)- أحسن ممّا ذكروه في تعرّضه؛ إذ عليه يكون وصفهما-

19

و لكن يمكن أن يقال بعدم ثبوت اصطلاح لهم في المقام أصلا، و أنّ تعريف تعارض الدّليلين بما ذكروه إنّما هو من جهة اقتضاء إضافته إليهما مع بقائه على المعنى اللّغوي و العرفي؛ فإنّ حمل التّقابل و التّمانع على الدّليلين ينتج إرادة تنافيهما فلا حاجة إلى الالتزام بالنّقل، كما أنّ إرادة التّنافي و ذكره، يغني عن ذكر قولهم على وجه التّناقض، أو التّضاد؛ إذ التّنافي لا يتحقّق إلّا بأحد الوجهين، اللّهمّ إلّا أن يكون المراد من ذكره مجرّد التّوضيح لا الاحتراز و هذا هو الأظهر.

ثمّ إنّ الوجه في تنافي الضّدين و استحالة اجتماعهما (3) لمّا كان من جهة

____________

- به من باب الوصف بحال المتعلّق، فحينئذ التعارض عندهم وصف لهما بحالهما قائم بأنفسهما و لا ينافي ذلك كون المنشأ تنافي المدلولين لسراية التنافي إليهما بما هما دليلان أيضا، فلا تغفل» إنتهى. أنظر درر الفوائد: 426.

فرائد الأصول: ج 4/ 11.

(3) قال المحقق المدقق الإصفهاني (قدّس سرّه):

«ربّما يتخيّل إنّ استحالة الاجتماع في المتضادين لأوّلهما إلى المتناقضين؛ لأن لازم ثبوت كل منها عدم الآخر، و إنّ اعتبار وحدة الموضوع فيهما، لرجوعهما إلى المتناقضين، المعتبر فيهما الوحدات الثمانية، مدعيا تصحيح كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) حيث اعتبر وحدة الموضوع- في المتعارضين- على وجه التضاد (الرسائل: ص 431).

و هي غفلة واضحة؛ فان المتقابلين المتنافيين بالذات لا ينحصر ان في خصوص السلب و الايجاب، بل التقابل بالذات: إما بالسلب و الايجاب، أو بالعدم و الملكة، أو بالتضاد، أو بالتضائف. و لكل خاصية مخصوصة و وحدة الموضوع معتبرة في مطلق التقابل. بل وقع التصريح من أهل فنه باعتبار وحدة الموضوع، أو المحل في المتضادين.

فتوهم عدم استحالته بالذات- كتوهم عدم اعتبار وحدة الموضوع الشامل للمحل فيه* * *

20

____________

- فاسد جدا.

ثم إن تضاد الوجوب و الحرمة- الموجب لتعارض الدليلين- بناء على جريان التضاد و التماثل في الاحكام الشرعية- على خلاف ما حققناه في محله (نهاية الدراية: ج 2:

التعليقة 62)- إنما يصح إذا كان التحريم بمعنى الزجر و الردع، و هو أمر ثبوتي كالبعث، و متعلقهما الفعل.

و أما إذا كان التحريم بمعنى طلب الترك، فلا تماثل، و لا تضاد؛ لأن موضوع طلب الفعل غير موضوع طلب الترك.

نعم إجتماع الطلبين كذلك محال بالعرض، لاستحالة اجتماع الفعل و الترك، و اقتضاء المحال محال، فالاقتضاءان الطلبيان محال، لا لتضادهما، و لا لتماثلهما، و لا لتناقضهما، بل لأنهما اقتضاء أمر محال، و ما يلزمه المحال محال.

و لا يخفى عليك أن استلزام اجتماع الضدين لاجتماع النقيضين لا يوجب كون التضاد مستدركا- نظرا الى أن التنافي بنحو التناقض إذا عم التناقض بالذات و بالتبع، فالمتنافيان بنحو التضاد داخلان في المتناقضين بالتبع- فلا حاجة إلى ذكر التضضاد.

و وجه عدم صحة الاستدراك: إن جهة التنافي في المدلولين المتنافيين مختلفة:

ففي المتنافيين بنحو التناقض بالذات لا بد فيهما من الجمع الرافع للمناقضة، أو ترجيح أحد الطرفين، أو التخيير بينهما، و في المتنافيين بنحو التضاد بالذات، بأن كان المدلول المطابقي في أحد الدليلين هو الوجوب، و في الآخر هو الحرمة، تلك الجهة التي تجب رعايتها- بالجمع، أو الترجيح، أو التخيير- حيثية الوجوب و الحرمة، لا لازمهما، و هو عدم الوجوب في طرف الحرمة، و عدم الحرمة في طرف الوجوب.

و تحصر رعاية المتنافيين بالعرض فيما إذا لم يكن بين المدلولين المطابقيين منافاة، كما إذا دل الدليلان على وجوب الظهر، و وجوب الجمعة، و علمنا من الخارج بعدم وجوب كليهما؛-

21

أول اجتماعهما إلى اجتماع النّقيضين حقيقة، فيصحّ من جهته القول باشتراط الوحدات الثّمانية الرّاجعة إلى وحدة الموضوع و لو بالعنوان التّقييدي في استحالة اجتماع الضّدين أيضا، و إن كان القول باشتراط وحدة المحمول بالنّسبة إلى‏

____________

- فان جهة المنافاة منحصرة في وجوب كل منهما و عدمه، أو إذا علمنا من الخارج بأن إحداهما واجبة، و الأخرى محرمة، فان كلّا من الدليلين، الدالين على وجوبهما يدل على حرمة الآخر بالالتزام؛ و جهة المنافاة بالتبع- و هي المنافاة بنحو التضاد- هي اللازمة مراعاتها بالجمع أو الترجيح، أو التخيير، فتدبر جيدا.

و أما التنافي من حيث الدليلية و الحجية، فتوضيح الحال فيه: إن الحجية في كل من الطرفين وصف ثبوتي، فلا تنافي من حيث التناقض، و ستعلقهما- إذا كان فعلين متضادين بالذات أو بالعرض- متعدد، فلا تنافي من حيث التضاد، فكيف يتصور التنافي من حيث المناقضة، أو المضادة في الدليلية و الحجية.

و الجواب: أما إذا كانت الحجية بمعنى جعل الحكم المماثل، فالحكم المجعول في كل طرف- على طبق مدلوله المنافي لمدلول الآخر- بالمناقضة أو المضادة.

و أما إذا كانت بمعنى المنجزية و المعذرية، ففي مورد قيام الخبرين على وجوب شي‏ء و عدمه، من حيث كونهما صفتين- قائمتين بالخبرين- غير متنافيتين بالذات بنحو التناقض، و لا بنحو التضاد، لكونهما ثبوتيين، و لتعدد موضوعهما، إلا أنه بلحاظ مضايفهما- و هو تنجز الحكم و المعذورية عنه ثبوتيان قائمان بحكم واحد، متعلق بفعل واحد- متضادان.

و بلحاظ استحقاق العقاب- على الترك مثلا، و عدم الاستحقاق عليه- متناقضان.

و في مورد قيام الخبرين- على وجوب شي‏ء و حرمته- وصفان متماثلان.

لكنه لتعدد موضوعهما غير داخلين فيما يمتنع اجتماعهما.

و بلحاظ تنجز الحكمين الواردين على موضوع واحد متنافيان بتنافي التضاد بالعرض.

كما أنه بلحاظ استحقاق العقاب على الفعل و الترك متضادان بالعرض، لأنه لازم تعلق الوجوب و الحرمة بفعل واحد، و لازم المحال محال إنتهى. أنظر نهاية الدراية: ج 6/ 272.

22

اجتماع الضّدّين بظاهره ظاهر الفساد؛ ضرورة تغاير المحمول في اجتماع الضّدين، فتنافي وجوب الشّي‏ء و حرمته مع كونهما محمولين: من جهة أنّ وجوبه يقتضي عدم حرمته كما أنّ حرمته يقتضي عدم وجوبه، فاجتماعهما يقتضي اجتماع كلّ من الوجوب و الحرمة مع عدمه، كما أنّ اجتماع السّواد و البياض يقتضي اجتماع كلّ منهما مع عدمه.

و هذا الّذي ذكرنا و إن كان أمرا واضحا، إلّا أنّ التباس الأمر على بعض المعاصرين دعانا إلى التّنبيه عليه و ليكن في ذكر منك لعلّه ينفعك في بعض ما سيتلى عليك.

و ممّا ذكرنا كلّه: يظهر استقامة ما أفاده (قدّس سرّه) في «الكتاب» بقوله: (و كيف كان:

فلا يتحقّق إلّا بعد اتّحاد الموضوع، و إلّا لم يمتنع اجتماعهما) (1) ضرورة اقتضاء التّنافي بأحد الوجهين امتناع اجتماع المتنافيين الّذي لا يتحقّق إلّا بعد اتّحاد الموضوع الجامع للوحدات.

ثمّ إنّ المراد من المدلول- كما هو ظاهر و صرّح به غير واحد- أعمّ من المطابقي و التّضمّني و الالتزامي بأقسامه حتّى الالتزام الشّرعي، فإذا دلّ دليل على وجوب القصر في أربعة فراسخ و دلّ دليل على وجوب الصّوم فيها فلا محالة يقع التّعارض بينهما بملاحظة ما دلّ على التّلازم بين القصر و الإفطار شرعا و الصّوم و الإتمام، فالخبر الدّالّ على القصر يدلّ على وجوب الإفطار بالالتزام الشّرعي كما أنّ الخبر الدّال على الصّوم يدلّ على وجوب الإتمام كذلك فيقع التّعارض‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 11.

23

بينهما من حيث الالتزام الشّرعي، كما أنّه إذا دلّ دليل على وجوب شي‏ء يدلّ على وجوب ما يتوقّف عليه بالالتزام العقلي، فإذا ورد ما يدلّ على عدم وجوب ما يتوقّف عليه يدلّ على عدم وجوب ذلك الشّي‏ء لا محالة مع فرض بقاء التّوقّف، فيتعارضان من حيث الدّلالة الالتزاميّة العقليّة.

و من التّعارض من جهة الالتزام الشّرعي أيضا: ما إذا دلّ دليل على بطلان الصّلاة بنقص جزء منها سهوا و دلّ دليل آخر على عدم بطلان الصّلاة بزيادة هذا الجزء؛ فإنّه لا تعارض بينهما إلّا بملاحظة ما دلّ على التّلازم بين النّقيصة و الزّيادة صحّة و بطلانا.

و منه أيضا: ما إذا دلّ دليل على انفعال القليل بشي‏ء من النّجاسات، و دلّ دليل آخر على عدم انفعاله بنجس آخر غيره، فيقع التّعارض بينهما بملاحظة ما دلّ على عدم التفصيل بين النّجاسات الواردة على القليل و هكذا ...

و هذا هو المراد ممّا ذكره بعض أفاضل مقاربي عصرنا: من كون التّعارض بين الدّليلين قد يكون بأنفسهما و قد يكون بواسطة أمر خارج عنهما هذا. و قد يجعل الواسطة إذا لم يكن قطعيّة طرفا للمتعارضين و يحكم بهذه الملاحظة باندراج الفرض في تعارض أزيد من الدّليلين، و لعلّنا نتكلّم في تحقيق المقام فيما يتلى عليك في طيّ مطالب المسألة.

ثمّ إنّ قصر موضوع المسألة على تعارض الدّليلين، إنّما هو بالنّظر إلى ما يقع غالبا لا من جهة اختصاص التّعارض أو حكمه بتعارض الدّليلين، و إلّا فقد يقع التّعارض بين الثّلاثة و الأزيد كما ستقف على شرح القول في حكم تعارض أزيد

24

من الدّليلين في طيّ «الكتاب» و التّعليقة.

(2) قوله (دام ظلّه): (و منه يعلم: أنّه لا تعارض بين الأصول و ما يحصّله المجتهد من الأدلّة الاجتهاديّة (1) ... إلى آخره) (2). (ج 4/ 11)

____________

(1) قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«لا يذهب عليك أن قيد التنافي في الحد مخرج لأمرين:

أحدهما: مخالفة الأصول للأدلة الاجتهادية؛ لعدم تحقق التعارض بينهما لأجل اختلاف موضوعهما.

و ثانيهما: مخالفة الدليلين القطعيين على ما سيشير الى بيانه.

و توضيح المقام تارة: ببيان الوجوه التي يمكن أن يتوهم التنافي و التعارض من جهتهما بين الحكم الواقعي و الظاهري في موضوع واحد، و أخرى: ببيان ما يدفع ذلك.

أمّا الأول: فاعلم أن الحكم الواقعي ما جعله الشارع اقتضاء أو تخييرا للموضوعات الواقعية من حيث هي يعنى مع قطع النظر عن تعلق احدى الادراكات بها فلا يتغيّر بالعلم و الجهل، و الظاهرى ما كان مجعولا للجاهل بالحكم الواقعي أو موضوعه، فالفرق بينهما: إنّما هو بأخذ الجهل في موضوع الثاني دون الأوّل و مجرد ذلك لا يدفع التنافي بينهما؛ لأنه اذا كان شي‏ء في الواقع حراما فالشك في حرمته أو في موضوعها لا يخرج الموضوع الواقعي من وجوده الواقعي فالمائع المردد بين الخمر و الخل اذا كان خمرا في الواقع، تلازمه الحرمة في الواقع و حينئذ يمتنع عروض الرخصة له في الظاهر بأصالة الاباحة لوجوه:

أحدها: امتناع اجتماع الضدين قضية لتضاد الأحكام الخمسة لأن الحرمة و ان ثبتت لشرب الخمر في الواقع من حيث هو و الاباحة في حال الجهل الا أن اختلاف جهة المنع و الرخصة أعني جهتي الواقع و الظاهر لا يوجب اختلاف موضوعهما في الخارج نظير ما لو وجب اكرام زيد لكونه ابن عمرو و اهانته لكونه أخابكر.-

25

____________

- و ثانيها: لزوم التكليف بما لا يطاق بعض صور اختلاف الحكم الواقعي و الظاهري و ان قلنا بكون تعدد الجهة مكثرة للموضوع نظير ما ذكروه في امتناع اجتماع الأمر و النهي مع تعدد الجهة.

و ثالثها: امتناع اجتماع المصلحة و المفسدة موضوع واحد و التقريب فيه يظهر من الوجه الأوّل.

[رابعها]: قبح تقويت مصلحة الواقع عن المكلف لأنّه اذا كان فعل فى الواقع واجبا أو حراما فالرخصة في الترك على الأوّل و الفعل على الثاني في الظاهر لأصالة البراءة يوجب تفويت مصلحة فعل الواجب أو ترك الحرام لا محالة و محظور هذه الوجوه لا يندفع الّا بارتكاب التخصيص في أدلّة الواقع أو الظاهر، و لكن لا سبيل الى الأوّل اجماعا فتعين الثاني كما عليه جماعة من متاخري المتأخرين هذا كله في الحكم الواقعي بالقياس الى مؤديات الأصول.

و منه يظهر قياس الواقع الى مؤديات الطرق الاجتهادية لكونها ظاهرية أيضا بالنسبة إلى الواقع الأوّلي، و كذا قياس مؤدّيات الطّرق الى مؤدّيات الأصول لكونها بمنزلة الواقع بالنسبة اليها.

و أما الثاني:

فانه يدفع الوجه الاوّل: منع التضاد بين الحكم الواقعي و الظاهري بعد تغاير موضوعهما؛ لأن موضوع الأوّل هو الواقع من حيث هو و موضوع الثاني هو الواقع بوصف كونه مجهولا و قياسهما على وجوب إكرام زيد من جهة كونه ابن عمرو و اهانته من جهة كونه أخابكر قياس مع الفارق؛ لأن الموضوع المقيس عليه واحد و كونه ابن عمرو و أخابكر إنّما هما جهتا عروض الحكمين و سببه، و منه يظهر ضعف الثالث أيضا.

و أما الثانى فيدفع: بأن التكليف بما لا يطاق إنّما يلزم اذا تنجز التكليف بالواقع مطلقا سواء علم به المكلف أم لا، و إلّا فاللازم منتف لا محالة.-

26

____________

- و أما الرابع فيندفع: بأن مفسدة تفويت الواقع يندفع بتداركها بمصلحة أخرى و ان لم نعلمها تفصيلا و احتمال ذلك يدفع القبح المذكور، و مما يكشف عن صحّة جميع ما ذكرناه: حسن الاحتياط في موارد الأصول؛ إذ الواقع لو كان مختصّا بها لم يبق مسرح للاحتياط حينئذ أصلا. و مما ذكرناه تظهر الحال بالنسبة الى سائر المراتب المذكورة التي منها ما نحن فيه و هي نسبة الأدلة الاجتهادية الى الأصول» إنتهى. أنظر أوثق الوسائل: 587.

* أقول: و قد مرّ ما ينفعك في المقام من السيّد الشيرازي فراجع.

قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى اغتشاش النسخ في المقام بحيث لا يكاد انطباقها على شي‏ء حيث ضرب في بعضها على ما هو بين قوله «لأنّ موضوع الحكم في الاصول» و قوله: «فحينئذ الدليل المفروض» كما يظهر من مراجعتها.

و كيف كان فلو كانت العبارة ثابتة بحالها يتعين مرجع الضمير في «منه» في اعتبار الاتحاد، كما ان سياق المقام قاض بكونه المرجع، كما لا يخفى على المتأمّل العارف بأساليب الكلام؛ فيشكل حينئذ بان الموضوع في الاصول العملية و ان لم يكن عين الموضوع في الأدلة الاجتهادية، الا انه مرتبة من مراتبه و محكوم بحكمه، كيف! و الّا يلزم التصويب فيكون حاله بالنسبة اليه من قبيل حال المقيد بالاضافة الى المطلق في سراية حكمه اليه، و تنافى الحكمين فيه و ان لم يكن من ذاك الباب، إذ من المعلوم ان الاطلاق و التقييد أمران إضافيان لا بد من كون المحل قابلا لورود كلّ فيه بدل الآخر، و ليس المقام كذلك، بداهة عدم قابلية الموضوع في الادلة للتقييد بالجهل بالحكم و لا بعدمه، فلا تقييد فلا اطلاق، فافهم فانه لا يخلو من دقة، و لا يبعد كون هذا منشأ للضرب عليه في بعض النسخ.

و اما لو كانت مضروبا عليها يتعين المرجع في كون التعارض تنافي الدليلين.

و بيانه على هذا: انه حيث علم ان التعارض هو التنافي بين الدليلين، علم انه لا تعارض بين-

27

____________

- الاصول و الأدلة؛ اذ لا تنافى بينهما، و ذلك لان الموضوع في الاصول لمّا كان مقيدا بالجهل، فلا تخلو الأدلة من ورودها عليها و رفعها لموضوعها حقيقة او من حكومتها عليها و رفعها له حكما، حسبما اشار اليه من التفصيل.

و من المعلوم انه لا تنافي عرفا بين الوارد و المورود و هو واضح، و لا بين الحاكم و المحكوم فانه بمنزلة الشرح و التفصيل، و لا يعد التفاوت بين الشارح و المشروح في العرف تنافيا. هذا كلّه في رفع التنافى بين الأدلة الاجتهادية و أدلة الاصول العملية.

و اما رفع التنافي بين نفس الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطائفة الأولى و مؤدّى الثانية من الحكم الظاهري فقد استوفينا الكلام فيه عند تصوير جعل الطرق في ردّ ابن قبة، فمن أراد الاطلاع فعليه المراجعة ثمة» إنتهى. انظر درر الفوائد: 427.

* و قال السيّد المحقق اليزدي (قدّس سرّه):

«و قد مرّ في أوّل رسالة أصل البراءة أيضا في المتن: أن وجه عدم التعارض بين الأصول و الأدلّة تعدّد الموضوع، لأنه من المعلوم أنه لا يتحقق التناقض بين قضيتين الا بعد اجتماع الوحدات الثمانية التي منها وحدة الموضوع، لكنه قد ضرب على هذه العبارة هنا في بعض النسخ خط المحو، و قد ذكرنا نحن سابقا فساد هذا الكلام، فانه لما كان موضوع الحكم الواقعي الذي هو مفاد الأدلة نفس الفعل أعم من أن يكون حكمه معلوما أو مظنونا أو مشكوكا أو موهوما أو مغفولا عنه بالمرة بناء على الصواب من مذهب المخطئة، فلا جرم يكون الفعل في حال الشك في حكمه الذي هو موضوع الأصل بعض أفراد الموضوع الواقعي للدليل فاتحد الموضوع فيهما فيحصل التعارض بينهما.

قيل: ان وجه عدم التعارض بين الاصول و الأدلة اختلاف المحمول فيهما دون الموضوع، لأن المحمول فى الاصول هو الحكم الظاهري الفعلي، و في الأدلة هو الحكم الواقعي الشأني و أحدهما ليس من سنخ الآخر حتى يتنافيا.-

28

____________

- و فيه: أن هذا الجواب مناسب لدفع التناقض المورد على جعل الأحكام الظاهرية كلية في قبال الأحكام الواقعية حيث انه عند الشك في الحكم الواقعى ليس الحكم الفعلي سوى مفاد الأصل، و الحكم الواقعي باق على شأنيته لم يصر فعليّا، و هذا بخلاف ما نحن فيه؛ فان الحكم الواقعي الذي هو مفاد الدليل فعلي لحصول العلم به بالفرض، و مفاد الأصل أيضا فعلي فيحصل التعارض بين حكمين فعليين فافهم.

و كفيف كان: لا كلام في تقديم الأدلة الاجتهادية على الاصول العملية، إنّما الكلام و الاشكال في وجه التقديم و قد مر في أوّل رسالة أصل البراءة الوجوه المذكورة فيه مفصلا و لا بأس باعادة الكلام فيها إجمالا فانه لا يخلو عن فائدة، فنقول: ان فيه وجوها:

أحدها: الحكومة و تقرّر بوجوه:

الأوّل و ما يستفاد من المتن هنا و في رسالة أصل البراءة أيضا: و هو أن دليل حجية الأدلة الاجتهادية قد نزّل مؤدّاها منزلة الواقع المستلزم ذلك لتنزيل نفس الدليل منزلة العلم، و هو ناظر بالنظر القصدي الى إلغاء الشك و آلغاء أحكام الشك من الاصول المجعولة فلذلك يقدم عليها.

الثانى: ما حكي عن تلميذ المصنف (رحمه اللّه) السيد المحقق الشيرازى (رحمه اللّه): من أن دليل حجية الأدلة تنزّل نفس الأدلة منزلة العلم المستلزم لتنزيل مؤدّاها منزلة الواقع، و هو ناظر الى الغاء الشك و أحكامه كما ذكر في التقرير الأول.

الثالث: ما مر منا عن قريب من كون الأدلة بملاحظة دليل حجيتها ناظرة الى أدلة الاصول بالنظر القهري، بمعنى أن الشارع لما نزّل مؤدّى الدليل منزلة الواقع كان لازمه بحكم العقل رفع الشك و حكمه أعني تنزيلا و ان لم يقصد المتكلم هذا المعنى بل لم يلتفت اليه أيضا.

و في الكل نظر.

أما الوجه الأول فيرد عليه:-

29

____________

- أولا: النقض بأدلة الاصول بأن نقول: لو كان قوله: (صدّق العادل و اعمل بقوله) ناظرا الى الاستصحاب الذي مؤدّاه نقيض قول العادل مثلا و يعني به ألغ الاستصحاب، لكان دليل الاستصحاب أيضا ناظرا الى قوله: (صدّق العادل) و يستفاد منه ألغ قول العادل، و أحدهما ليس بأولى من الآخر.

و ثانيا: أنا نمنع كون مفاد (صدّق العادل) ألغ احتمال الخلاف و ألغ الشك ناظرا الى أدلة الاصول، و لو سلم افادته لالغاء الشك فانه يدل على الغاء الشك مقدمة للأخذ بمؤدى قول العادل و بمقدار ما يتوصّل به الى العمل بقول العادل لا الغاء الشك مطلقا بالنسبة الى الحكم المجعول للشك المخالف لقول العادل فانه في غاية البعد، فافهم ذلك فإنه لا يخلو عن دقة.

و أما الوجه الثانى فيرد عليه:

أوّلا: أن ظاهر حجية الأدلة تنزيل مؤداها منزلة الواقع كما ذكره المصنّف لا تنزيل الدليل منزلة العلم.

و ثانيا: على فرض التسليم أن تنزيل الطريق منزلة العلم ليس الا من حيث الطريقية ليس ناظرا الى أحكام موضوع العلم و رفع أحكام موضوع الشك.

و ثالثا: أن قوله (عليه السّلام) «لا تنقض اليقين» أولى بدعوى يكونه في مقام اثبات اليقين في زمان الشك أعني تنزيلا بل هو مدلوله المطابقى، فيعارض مقتضى الدليل المخالف له لو لم نقل بكونه أقوى في الافادة فتدبر.

فاذن أحسن وجوه الحكومة هو الوجه الثالث و محصله: أن أدلة الطرق بلسانها تدل على أن مؤداها هو الواقع نفسه، و من المعلوم أن من أدرك الواقع لا يحصل له الشك و لا يجري في حقه أحكام الشك فكأن الدليل الاجتهادي بتعيينه الواقع كشف عن عدم موضوع الشك و أحكامه يعني تنزيلا، و الا فالشك متحقق بالوجدان و كأنه قال: لا تشك و اعلم بأن الواقع كذا.-

30

____________

- الثانى: الورود و يقرّر بوجوه:

أوّلها: أن يقال ان الشك الذي قد علّق الحكم عليه في أدلة الاصول يراد منه التحيّر في مقام العمل، و هو لا يتحقق الا اذا لم يكن هناك دليل و الا فترتفع الحيرة بذلك الدليل، و لازم ذلك أن يراد من العلم الذي جعل غاية لحكم الأصل أعم من العلم الوجداني و الشرعي أعني الدليل الاجتهادي.

ثانيها: أن يقال: ان المراد من العلم المأخوذ غاية في أدلة الاصول أعم من الوجداني و الشرعي، و يلزم ذلك أن يكون المراد من الشك المعلق عليه حكم الأصل هو التحيّر و عدم طريق للعمل، و الفرق بينه و بين الوجه الأول ليس الا بالأصالة و الفرعية في كيفية الاستفادة.

ثالثها: أن يقال: انه يفهم من سياق أدلة الاصول أن اعتبارها مقيد بصورة عدم وجود دليل كاشف عن الواقع، و الفرق بينه و بين الأولين: أن التصرّف في الأوّلين داخلي حيث حمل الشك و العلم على غير ظاهرهما، و في هذا الوجه من الخارج حيث جعل السياق قرينة على تقييد مفاد أدلة الاصول بما اذا لم يكن هناك دليل.

الثالث: التخصيص و يقرّر بوجوه:

أحدها: أن يقال ان التعارض حاصل بين أدلة الاصول و كل واحد واحد من الأمارات الواردة في الأحكام الخاصة، و لا ريب في أنه اذا قيس كل دليل خاص الى أدلة الاصول يكون أخص مطلقا منها فيقدم لذلك. و لكن المصنّف في أوّل رسالة البراءة جعل التعارض بين أدلة الأمارات و بين الاصول لا نفس الأمارات، فراجع و راجع ما علقنا عليه.

الثانى: أن يقال- بعد جعل التعارض بين أدلة الأمارات و الاصول-: ان تخصيص الاصول بأدلة الأمارات تخصيص حسن، أما تخصيص أدلة الأمارات بالاصول من تخصيص الأكثر فهو المستهجن، اذ قل ما يكون مورد من موارد الأمارة لا يجري فيه أصل تعبدي فلا جرم يقدم الأوّل على الثاني.-

31

____________

- الثالث: أن يقال: ان عموم أدلة الأمارات لأفراد العام مرآتي بمعنى أن عنوان العام ليس موردا للحجة بل الحجة نفس المصاديق الخاصة، و انّما ذكر عنوان العام لأجل كونه مرآة لها كاشفا عنها، و كل عام كذلك يكون نصا في مدلوله، فلا جرم يقدم على ما يعارضه من الظواهر. و لا يخفى ما فيه من منع الصغرى أولا و الكبرى ثانيا» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الأصول: ج 3/ 432- 436.

* و قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: محطّ النظر في هذا المبحث بيان أن الاصول العملية لا تعارض الأدلة الاجتهادية، حيث أن الاصول العملية عبارة عن القواعد العقلية أو النقلية أو المقررة للجاهل بالأحكام الشرعية الواقعية، فهي لا تصلح معارضة للأدلة الرافعة للجهل بالواقع حقيقة أو حكما، كما أوضحه المصنف (رحمه اللّه)، فما صدر من كثير من الأعلام في كثير من المقامات من جعل الاصول العملية معارضة للأدلة الاجتهادية، أو معاضدة لها، إمّا غفلة منهم، أو مبني على اعتبار الاصول لديهم من باب الظن، أو غير ذلك من المحامل.

و كيف كان فقد ظهر- بما أشرنا اليه في توضيح مرام المصنف «(رحمه اللّه)»- اندفاع ما قد يتوهم من أنه يرد عليه: أن النسبة بين المتعارضين إنّما تلاحظ بين ذوات الأدلة التي حصّلها المجتهد، لا بوصف اطلاعه عليه، لأن هذا الوصف لم يؤخذ قيدا في موضوع الأحكام الواقعية، و حيث أن موضوعها أعم من صورتي العلم و الجهل، فلا يجدي تقييد موضوع الاصول بصورة الجهل في دفع المعارضة، فان حكم الشارع بحرمة العصير و نجاسته على الاطلاق، يعارض حكمه بطهارته و حليته مع الجهل، غاية الأمر أن أحد المتعارضين أخص من الآخر، و ما لم يطلع المجتهد على حكم الشارع بحرمته و نجاسته، لا يعلم بأن كل شي‏ء حلال و طاهر ما لم يعلم حرمته و نجاسته مبتلى بالمعارض في خصوص المورد، و بعد الاطلاع عليه يعلم بأن اطلاق الحكم الأوّل مع عموم الحكم الثاني متنافيان، فلا بد في رفع-

32

بيان المراد من الدليل الإجتهادي و الفقاهتي و النسبة بينهما

____________

- المعارضة إمّا من الالتزام بعدم التضاد بين الأحكام مع اختلافها في المرتبة من حيث الفعلية و الشأنية، و تحقيقه موكول الى محله، و قد تقدم بعض الكلام فيه فيما علقناه على أوائل أصل البراءة فراجع.

و الحاصل: ان تقييد موضوع الاصول بالجهل لا يجدى في رفع المعارضة بينها و بين الأحكام الواقعية المخالفة لها، و انما المجدي إنكار المضادة، أو إنكار كون الأحكام الظاهرية أحكاما حقيقة، كما لا يخفى.

توضيح الاندفاع: ان المقصود بالبحث عنه في هذا المقام، انما هو بيان النسبة بين المتعارضين من حيث الدليلية، لا من حيث الدلالة، فلم يقصد المصنف (رحمه اللّه) بهذا الكلام تصحيح اجتماع الأحكام الظاهرية و الواقعية المخالفة لها بالالتزام بتغاير موضوعيهما، حتى يتوجه عليه ما ذكر، فان هذا أمر أجنبي عمّا تعلق الغرض بالبحث عنه في هذا المبحث، و إنّما المقصود في هذا المقام التنبيه على أن جعل الاصول معارضة للأدلة في مقام الإستدلال خطأ، لأنه لا يجرى الأصل بعد الاطلاع على الدليل.

و اما أنه كيف رخص الشارع في ارتكاب مشكوك الحرمة، مع كونه في الواقع حراما، فلتحقيقه مقام آخر، و قد نبّه في بعض الحواشي المنسوبة اليه على أن وجه عدم المعارضة بين الأحكام الواقعية و الظاهرية إنّما هو اختلافهما في المرتبة من حيث الشأنية و الفعلية، لا باختلاف الموضوع، فان موضوعهما واحد.

ثم ان تسمية الأحكام الواقعية أحكاما شأنية، إنّما بمقايستها الى الأحكام الفعلية المنجّزة على المكلّف، التي لا يعذر في مخالفتها، و إلّا فهي لدينا أحكام فعلية حقيقة، و لكن المكلف بواسطة جهله بها معذور فى مخالفتها ما لم يكن عن تقصير، كما لا يخفى» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الأصول: 491- 493.

33

أقول: بعد التّعرّض لتعريف التّعارض و بيان المراد منه، أراد التّعرض لتشخيص ما يوجد فيه هذا المعنى: من حيث وجوده بين مطلق الدّليلين أو الدّليلين المأخوذين بخصوصيّة و قيد؛ فإنّهما قد يكونان اجتهاديّين، و قد يكونان فقاهيّين، و قد يكونان مختلفين و أيضا قد يكونان قطعيّين، و قد يكونان ظنّيين، و قد يكونان تعبّديّين، و قد يكونان مختلفين، فهذا الكلام في مبادي‏ء المسألة بعد الفراغ عن بيان حقيقة التّعارض.

فنقول: إنّ تحقيق القول في المقام و توضيحه يقتضي التّكلّم في موضعين:

أحدهما: في بيان الحال من جهة التّقسيم الأوّل.

فنقول: المراد من الدّليل الاجتهادي: ما أنيط اعتباره بالكشف عن الواقع ظنّا و لو نوعا بناء على اختصاص الاجتهاد عندهم كما حقّقناه في بحث الاجتهاد و التّقليد سواء كان بمعنى الفعليّة على ما يقتضيه كلمات الأكثرين من الخاصّة و العامّة، أو الملكة، بتحصيل الظّن بالحكم الشّرعي أو ملكته فتحصيل القطع بالحكم الشّرعي خارج عن الاجتهاد موضوعا، و إن كان العلم بالحكم الشّرعي الفرعيّ الحاصل من المقدّمات النّظريّة داخلا في الفقه عندهم على ما ينادي به تعريفهم للفقه.

و المراد من الدّليل الفقاهتي: الّذي يسمّى بالأصل في كلماتهم، و يطلق عليه الدّليل مقيّدا، كما أنّ الأوّل يطلق عليه الدّليل مطلقا و مقيّدا ما لم ينط اعتباره بالكشف، سواء لم يكن كاشفا أصلا أو كان كاشفا و لم يلحظ في اعتباره، فالمعتبر في الدّليل الاجتهادي أمران ينتفي بانتفاء أحدهما فالاستصحاب على القول بعدم إناطة اعتباره بالظّن داخل في الأصل و إن قيل بإفادته للظّنّ. و منه يظهر: أنّ‏

34

الأمارات الموضوعيّة خارجة عن الدّليل الاجتهادي موضوعا.

و المؤسّس لهذا الاصطلاح على ما وقفنا عليه: المحقّق الطّبري‏ (1) في «شرح الزّبدة» و شاع في لسان الفريد البهبهاني (قدّس سرّه) و تلامذته و من هنا نسبه شيخنا الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) إلى الفريد البهبهاني و قد تقدّم وجه المناسبة في الجزء الثّاني من التّعليقة (2).

ثمّ إنّ الأصل قد يكون شرعيّا صرفا كالاستصحاب، و قد يكون عقليّا كذلك كالتّخيير بين الاحتمالين، و قد يكون ذا وجهين وجهتين كالبراءة في وجه و الاحتياط كذلك على ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة (3).

أمّا الدّليلان الاجتهاديّان: فلا إشكال في وقوع التّعارض بينهما في الجملة؛ لأنّه إن كان اعتبارهما منوطا بالظّن النّوعي المطلق من دون اشتراط حصول الظّن منهما في القضايا الشّخصيّة و من دون اعتبار عدم قيام الظّن على الخلاف، فلا إشكال في وقوع التّعارض بينهما و إن كان اعتبارهما منوطا بحصول الظّن منهما في الوقائع شخصا، فلا إشكال في عدم تصور التّعارض بينهما لاستحالة حصول الظّن بالنّقيضين أو الضدّين كما هو ظاهر، فإن ارتفع الظّن منهما فلا يكونان دليلين و حجّتين و إن بقي في أحدهما فيعود سليما عن المعارض.

و من هنا تبيّن: أنّه لا يمكن التّعارض بين الأمارات على القول باعتبارها

____________

(1) العالم الفاضل المولى محمّد صالح المازندراني صهر المجلسي الأوّل في شرحه على زبدة الشيخ البهائي (قدس أسرارهم).

(2) بحر الفوائد: ج 2/ 4.

(3) بحر الفوائد: ج 2/ 8.

35

من باب الظّن المطلق على القول باختصاص نتيجة الدّليل لحجّيّة الظّن في الفروع مع القول بكون النّتيجة هي حجّيّة الظّن الشّخصي، إلّا إذا فرض ارتفاع الظّن الشّخصي من إحدى الأمارتين لا من جهة المعارضة، بل من جهة القياس القائم على خلافها، أو سائر الظّنون الغير المعتبرة بالخصوص بناء على القول بحجيّتها فيما إذا ارتفع الظّن منها من جهة المقابلة المزبورة- على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة- فإنّ النّتيجة حينئذ الظّن الشّأني و النّوعي فيعارض مع الأمارة المفيدة للظّن في الشّخصي في المسألة فيما إذا لم يستند حصول الظّن منها بالقياس و لو بالاستناد النّاقص بأن يكون جزءا للسّبب المفيد للظّن فتأمّل‏ (1).

نعم، على القول بتعميم النّتيجة من الجهتين أو إحداهما فضلا عن القول باختصاص النّتيجة بالمسائل الأصوليّة يقع التّعارض بينهما جدّا، فإطلاق القول بعدم إمكان وقوع التّعارض على القول باعتبار الأمارات من باب الظّن المطلق في كلام غير واحد منظور فيه، اللّهمّ إلّا أن يحمل على الصّورة الأولى فإنّها المعروفة المعهودة من كلماتهم فتدبّر.

و ممّا ذكرنا تبيّن: أنّه لا يمكن التّعارض بين الدّليلين اللّفظيّين إذا قلنا باشتراط اعتبار الظّواهر بحصول الظّن بالمراد منها شخصا على ما بنى عليه الأمر بعض أفاضل من تأخّر في باب «الألفاظ» على القول باعتبارها من باب الظّن الخاصّ- كما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة- و إن كان اعتبارهما منوطا

____________

(1) الوجه في التأمّل: الإشكال في حكم العقل بحجيّة الظّن النوعي في الفرض، و إن حكم بحجيّته في صورة عدم المعارض مع الأمارة المعتبرة. منه (دام ظلّه).

36

بعدم قيام الظّن على الخلاف، فإن أخذ القيد على وجه الإطلاق فلا إشكال في عدم إمكان التّعارض، و إن أخذ على وجه التّقييد بالظّن الشّخصي فإن ارتفع الظّن منهما بالتّقابل فيقع التّعارض بينهما لا محالة، و إن بقي الظّن في أحدهما عاد سليما لانتفاء شرط الاعتبار في الآخر كما هو المفروض.

و إن كان الدّليلان الاجتهاديّان مختلفين من حيث عنوان الاعتبار من الجهات المسطورة فالنّوعي المطلق يعارض القسمين الأخيرين و النّوعي المقيّد لا يعارض الشّخصي مطلقا سواء فرض حصول الظّن منه على ما هو المفروض أو عدمه كما هو ظاهر هذا.

و أمّا الأصلان فلا يقع التّعارض بينهما على ما هو التّحقيق عندنا في الأصلين الحكميّين سواء كانا من جنسين أو من جنس واحد كالاستصحابين؛ فإنّ الاستصحاب وارد على الأصول العقليّة و حاكم على الأصول الشّرعيّة و لا يتصوّر اجتماع البراءة موردا مع الاحتياط و التّخيير كما لا يتصوّر اجتماع فردين من هذه الأصول.

نعم، قد يتوهّم التّعارض بين أصالة الاشتغال أو استصحابه و أصالة البراءة في دوران الأمر في المكلّف به بين الأقلّ و الأكثر، و كذا بينهما في مسألتي النّقض السّهوي و الزّيادة بين قيام الإجماع على اتّحاد حكمهما من حيث الإبطال و الصّحة بناء على عدم جواز الفصل ظاهرا فيما لا فصل فيه واقعا، لكن تقدّم فساد التّوهّم المزبور بما لا مزيد عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة.

و أمّا الاستصحابان فلا يتصوّر اجتماعهما في الشّبهة الحكميّة، إلّا في مسألة المتمّم و المتمّم و أشباهها بناء على عدم اعتبار سبق الكرّيّة في الاعتصام بعد قيام‏

37

الإجماع على اتّحاد حكم الماء الواحد طهارة و نجاسة، فقد يتوهّم في المسألة:

تعارض استصحابي الطّهارة و النّجاسة و الرّجوع إلى قاعدة الطّهارة بعد تساقطهما أو التّرجيح بها، و لكنّه فاسد أيضا بعد جعل النّاقض في باب الاستصحاب الأعمّ من اليقين التّفصيلي و الإجمالي بارتفاع الحالة السّابقة عن مجرى أحد الاستصحابين، مع أنّ القول بالتّساقط في تعارض الأصول فيما يحكم فيه بالتّساقط لا بدّ و أن يرجع إلى عدم شمول الدّليل لصورة التّعارض كما هو الشّأن في كلّ ما يحكم فيه بالتّساقط؛ فإنّه لا بدّ و أن يرجع إلى ما ذكرنا في تساقط الأصول على ما ستقف عليه عن قريب هذا في الأصول الحكميّة.

و أمّا الأصول الموضوعيّة و إن كان الكلام فيها خارجا عن محلّ البحث فيتصوّر فيها التّعارض كما يتصوّر الورود و الحكومة و لو بين الجنسين منها؛ فإنّ قاعدة الشّك في التّجاوز و بعد الفراغ و بعد خروج الوقت أخصّ من الاستصحاب، و كذا البناء على الأكثر في الشّك في الرّكعات على القول بكون مقتضى الأصل البناء على الأقلّ و إن كان فاسدا عندنا على ما أوضحنا القول فيه في باب الخلل، فإذا لم يكن المخصّص قطعيّا فيقع التّعارض بينهما لا محالة على ما ستقف عليه و إن تعيّن العمل بالخاصّ من باب التّرجيح.

نعم، لا يتصوّر التّعارض بينهما إذا كانت من جنس واحد على ما هو التّحقيق عندنا: من كون الغاية في الأصول العلم بالخطاب المنجّز الأعمّ من الإجمالي و التّفصيلي، بل على القول بكون الغاية فيها خصوص العلم التّفصيلي لا يتصوّر التّعارض بينهما أيضا كما هو ظاهر، فالاستصحابان الجاريان في الموضوعات مثلا: إمّا أن يكون الشّك في مستصحب أحدهما مسبّبا عن الشّك في‏

38

مستصحب الآخر، أو يكون الشّك فيهما مسبّبا عن ثالث. و على الأوّل: لا إشكال في عدم تعارضهما و حكومة الثّاني على الأوّل. و على الثّاني: يعمل بكلّ منهما إذا ترتّب عليهما أثر شرعيّ لا يلزم من ترتيبه مخالفة عمليّة للخطاب المعلوم بالإجمال فلا مورد للتّعارض في هذا الفرض، و بما له أثر إن لم يترتّب الأثر على كلّ واحد منهما، بل على أحدهما فلا يفرض التّعارض في الفرض أيضا، و لا يعمل بشي‏ء منهما فيما لو عمل بهما مع ترتّب الأثر عليهما لزم طرح الخطاب المعلوم إجمالا من جهة حصول الغاية و هو اليقين و العلم هذا و قد مضى شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الثّالث من التّعليقة فراجع، هذا بعض الكلام في الاجتهاديّين و الفقاهيّين.

و أمّا المختلفان أعني: الدّليل و الأصل فلا يتصوّر التّعارض بينهما فضلا عن تقديم الثّاني على الأوّل في الشّبهة الحكميّة على ما هو المقصود بالبحث و الكلام.

و أمّا الأمارات القائمة على الموضوعات الخارجيّة مع الأصول الجارية فيها فنتكلّم فيها بعد الفراغ عن بيان حكم الدّليل و الأصل في الأحكام.

و الوجه فيما ذكرنا: من عدم تصوّر التّعارض بينهما في الأحكام بعنوان الأصل الجاري في المسألة إن كان عقليّا محضا كالتّخيير بين الاحتمالين و البراءة و الاحتياط- على ما هو الحقّ عندنا المبرهن عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة:

من رجوع ما ورد فيهما في الشّرع من الأدلّة النّقليّة إلى تأكيد حكم العقل بهما في مواردهما- فلا إشكال في عدم تصوّر التّعارض بينه و بين الدّليل الموجود في مورده؛ ضرورة ارتفاع موضوع حكم العقل فيها بوجود الدّليل و إن كان ظنيّا؛ لأنّ الموضوع في التّخيير هو عدم ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر، و في البراءة

39

عدم البيان الواصل إلى المكلّف من الشّارع بحيث يرجع العقاب معه إلى العقاب من دون حجّة من الشّارع، و في الاحتياط احتمال العقاب و المؤاخذة على الواقع المحتمل لا عدم العلم بالواقع و الشّكّ فيه.

و من المعلوم ضرورة ارتفاع تلك الموضوعات العقليّة بعد قيام الدّليل الشّرعي على الحكم في المسألة، و هذا هو المراد من الورود في كلام شيخنا الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) العالي)، و إن أطلق عليه الحكومة في لسان غير واحد من المتأخّرين: من جهة عدم الفرق عندهم بينهما و لا مشّاحة، و يطلق عليه التّخصّص في لسان شيخنا أيضا، و إن كان التّخصّص عنده أعمّ من الورود: من حيث شموله لما لا يشمل مورد الدّليل الآخر في نفسه و ابتداء و إن كان منظورا فيه، إلّا أنّه لا مشاحّة، فالدّليل و الأصل العقلي لا يجتمعان في مورد و موضوع واحد حتّى يتصوّر التّعارض بينهما.

و إن كان الأصل شرعيّا كالاستصحاب بناء على التّمسّك فيه بالأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك و عدم تنزيلها على صورة حصول الظّن كما زعمه بعض؛ إذ على التّمسّك فيه بالعقل يخرج عن الأصول و يدخل في الأدلّة، و إن كان تعليقيّا بالنّسبة إلى غالب الأدلّة الظّنيّة فلا يتصوّر التّعارض بينهما من حيث كون دليل اعتبار الأمارة القائمة في المسألة شارحا لما أثبته الأصل و دلّ عليه و مفسرا له و حاكيا عنه: من حيث دلالته على عدم الاعتناء باحتمال كونه مخالفا للواقع و ترتيب آثار الواقع عليه، فمؤدّاه واقع بنائي بمقتضى دليل اعتباره، فكلّما ترتّب شرعا على احتمال مخالفة الدّليل للواقع لو لا اعتباره و هو الرّجوع إلى الأصل يحكي دليل اعتباره عن كونه ملغى في نظر الشّارع، كما يدلّ على ترتيب الآثار

40

الشّرعيّة المترتّبة على الواقع على مؤدّى الأمارة فهو بمنزلة الواقع.

كما أنّ الاحتمال بمنزلة عدمه في حكم الشّارع فيكون دليل اعتبار الأمارة ناظرا إلى دليل الأصل و شارحا عنه و هذا هو المراد بالحكومة و لا يعتبر فيها تأخّر الحاكم عن المحكوم، كما ربّما يتوهّم من بيان شيخنا في «الكتاب».

و من المعلوم أنّ الحاكم بالمعنى المذكور لا يعدّ في العرف معارضا للمحكوم و منافيا له، فيكون تقدّمه عليه في نظر العرف تقدّما ذاتيّا لا لمكان التّرجيح و إن كان أضعف الظّنون المعتبرة.

و من هنا يقدّمون ما دلّ على نفي الحرج و الضّرر على أدلّة الأحكام من غير ملاحظة تعارض و ترجيح، و هذا يكشف عن التّقدّم الذّاتي و إن زعم بعض خلاف ما ذكرناه، هذا فيما كان الدّليل ظنّيّا و لو كان قطعيّا فتقديمه على الأصل من باب الورود مطلقا.

ثمّ إنّ الحكومة بالمعنى المذكور إنّما هو فيما لوحظ فيه حال الدّليلين، و إلّا فالحكومة قد توجد بين فردين من جنس واحد كالاستصحابين في الشّك السّببي و المسبّبي فلا يكون هناك دليلان يكشف أحدهما عن الآخر كما هو ظاهر.

ثمّ إنّ افتراق الحكومة عن الورود لا يكاد يخفى على أحد، و أمّا افتراقها عن التّخصيص فيما كان الخاصّ ظنّيّا من جميع الجهات، فإنّما هو في مجرّد التّرتّب و التّعبير، و إلّا فهو تخصيص في المعنى و رافع لحكم الموضوع واقعا. و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلّامة في «الكتاب»: أنّها تخصيص في المعنى بعبارة التّفسير، فكلامه هذا منزّل على الخاصّ الظّني من جميع الجهات حتّى لا ينافي ما يفيده بعد ذلك في شأن العامّ و الخاصّ.

41

فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه: أنّ الدّليل و الأصل لا يتصوّر التّعارض بينهما في الشّبهة الحكميّة و إن كان الدّليل ظنّيّا و هذا يقال علي سبيل الموجبة الكلّيّة. و أمّا الأدلّة الظّنية بعضها مع بعض و الأصول كذلك فقد يوجد بينهما الورود، كما أنّه قد يوجد بينهما الحكومة فيما إذا كان أحدهما تنجيزيّا و الآخر تعليقيّا كما في العام و الخاصّ مثلا؛ فإنّ أصالة العموم معتبرة فيما إذا لم يكن هناك قرينة على التّخصيص كما هو الشّأن في جميع الظّواهر؛ فإنّها مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف.

فإن كان الخاصّ قطعيّا من جميع الجهات فيكون واردا على أصالة العموم، كما هو شأن القرينة القطعيّة بالنّسبة إلى جميع الظّواهر؛ فإنّها تعليقيّة بأسرها.

و إن كان قطعيّا بحسب الدّلالة و ظنّيّا بحسب الصّدور، فيكون حاكما على أصالة العموم بالنّظر إلى دليل اعتبار صدوره؛ فإنّ مقتضاه عدم الاعتناء باحتمال عدم الصّدور و الرّجوع إلى أصالة العموم و البناء على عدم القرينة لو لا دليل التّعبّد بالصّدور، فيكون الدّليل المذكور شارحا لما دلّ على اعتبار أصالة العموم فلا يكون الخاصّ معارضا للعام، إلّا فيما كان ظنّيّا بحسب الدّلالة كالعام، و إن كان راجحا عليه إذا لوحظا بأنفسهما من غير ملاحظة الخصوصيّات، و إلّا فقد يكون العام أقوى دلالة من الخاصّ بملاحظتها كما ستقف على شرح القول فيه هذا.

و في «الكتاب» جعل النّص الظّني الصّدور واردا أيضا على أصالة العموم إذا كان مستند اعتبار أصالة العموم الظّن النّوعي بإرادة الحقيقة الحاصل من الغلبة من حيث استظهار تقيّد اعتباره بعدم قيام الدّليل المعتبر على الخلاف و لو كان ظنّيّا.

ثمّ استكشف ذلك بقوله: (و يكشف عمّا ذكرنا: أنّا لم نجد و لا نجد من‏

42

أنفسنا ... إلى آخره) (1) (2) و هو كما ترى محلّ مناقشة؛ لأنّ ما أفاده في الكاشف‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 17.

(2) قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: قد يقال: ان عدم تقدم الخاص في شي‏ء من موارده، لا يكشف عن كون حجية ظهوره مقيدة كما هو المدّعى، كى يكون الخاص واردا عليه، لجواز كون ظهور الخاص حاكما على ظهور العام، فيتقدم عليه حينئذ كما هو الشأن في كل حاكم.

و فيه: انه لا يعقل الحكومة في الفرض، فان ما دل على حجية الخاص لا يدل الّا على وجوب الالتزام بمؤدّاه، و عدم الاعتناء باحتمال عدم تحقّقه في الواقع، و معنى حجية ظاهر العام من باب الظن ليس أيضا الّا ذلك، فيتزاحمان في مورد الاجتماع لا محالة بعد فرض عدم اختصاص امارية شي‏ء من الأمارتين المتنافيتين أو اعتباره بعدم الاخرى، فلا بد حينئذ من ملاحظة المرجّح- نظير الاستصحاب لو قلنا بحجيته من باب الظن من دون تقييده بعدم امارة على خلافه- فلا يعقل حينئذ حكومة سائر الامارات المخالفة له عليه، اذ الاستصحاب أيضا على هذا التقدير كاحدى الامارات التي لا معنى لحجيتها الا الالتزام بثبوت مؤداها، و عدم الاعتناء باحتمال تخطّيها عن الواقع، فيتزاحمان في مورد الاجتماع، و هذا بخلاف ما لو جعلناه أصلا عمليا يرجع اليه لدى الجهل بالواقع، فان الرجوع اليه على هذا التقدير فرع الاعتناء باحتمال الخلاف، و هو شي‏ء نفاه دليل اعتبار الامارة المنافية له.

و هكذا الكلام في اصالة العموم، فانه ان جعلناها امارة يتحقق المعارضة بينها و بين سائر الامارات المنافية له.

و ان جعلناها أصلا تكون الامارات المنافية له حاكمة عليه، فلاحظ و تدبر» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الأصول: 494.

* و قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«ربما يشكل: ان هذا ليس بكاشف عن الورود، فانه ليس مما يخصّه، بل يعم الحكومة.-

43

لازم أعمّ من الورود و الحكومة بل من التّرجيح أيضا لما عرفت: من قوّة الخاصّ الظّني بحسب الدّلالة بالنّسبة إلى العام إذا لوحظا بالنّظر إلى أنفسهما مع تصريحه بكونهما متعارضين بقوله: (نعم، لو فرض الخاصّ ظاهرا ... إلى آخره) (1) فإنّه صريح في كون محلّ كلامه في ورود الخاصّ على العام أو حكومته فيما كان الخاصّ نصّا و قطعيّا بحسب الدّلالة.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا: أنّ ما أفاده في «الكتاب» في الفرق بين الحاكم و المخصّص بجعل الأوّل خارجا عن عنوان المعارض و الثّاني داخلا فيه بقوله:

(و الفرق بينه و بين المخصّص ... إلى آخره) (2) منزّل على الخاصّ الظّني الصّدور

____________

- قلت: يمكن ان يذب من الاشكال بما حققناه سابقا: من ان الدليل الناظر الى دليل آخر ربما يعارض عموم هذا الدليل ظهوره في نظره اليه و يقدم عليه اذا كان اقوى، و يتوقّف أو يتساوى كما تقدم، فيقال: ان ما ذكره على هذا لا يعم الحكومة، بل يختص بالورود، فانه يمكن ان يفرض ظهور العام في عمومه أقوى من ظهور دليل حجية الخاص في نظره اليه او مكافئته له، و انه أراد من اضعفية مرتبة ظن الخاص، اضعفية ظهور دليل حجيته في نظره الى العام من ظهوره في العموم، لا أضعفية ظهوره في عمومه و شموله له، و يشعر بذلك انه اكتفى فيه بمجرد امكان الفرض، و ذلك لان الواقع في ظهور دليل الحجية في نظره الى العام انه بلغ من القوة غايتها بخلاف ظهوره في الشمول لجميع افراد موضوعه، حيث انه ما بلغ هذا المبلغ، و ليس كون ظن العام اقوى مرتبة من ظن الخاص من هذا الجهة بعزيز، كي يكتفى فيه بمجرد امكان الفرض، فتدبر جيّدا. و يمكن أن يكون قوله: «فافهم» اشارة الى الاشكال و الدفع، او خصوص الاشكال، فافهم» إنتهى. انظر درر الفوائد: 434.

(1) فرائد الأصول: 4/ 17 هامش رقم 2.

(2) نفس المصدر: ج 4/ 15.

44

و الدّلالة؛ لأنّ تصريحه بجريان الورود و الحكومة بالنّسبة إلى الأصل اللّفظي بعد ما ذكره بقوله: (ثمّ إنّ ما ذكرنا من الورود و الحكومة جار في الأصول اللّفظيّة أيضا ... إلى آخره‏ (1)) (2) أقوى شاهد على التّنزيل المذكور سيّما الاستدراك بقوله: (نعم، لو فرض الخاصّ ظاهرا خرج عن النّص و صار من باب تعارض الظّاهرين ... إلى آخره) (3) هذا.

و قد وقفت على ما ينافي ما سلكه شيخنا الأستاذ العلّامة في المقام من كلام‏

____________

(1) فرائد الأصول: 4/ 15.

(2) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«إعلم ان الأصول اللفظيّة إنما هي أدلّة اجتهاديّة بالنسبة إلى مؤدّياتها لا أحكام ظاهريّة، إلّا ان اعتبارها إنّما هو في صورة عدم القرينة الصارفة عنها فحينئذ إن كانت القرينة قطعيّة فهي بنفسها رافعة لموضوعها فتكون واردة عليها.

و إن كانت ظنّيّة من حيث الصدور- مع نصوصيّته أو أظهريّته- فتكون حاكمة عليها؛ إذ بمقتضى أدلّة اعتبار سندها تكون كمقطوع الصدور من حيث إيجابها لرفع حكم تلك الأصول و اعتبارها عن موردها و إن لم يرفع عن موضوعها و هو عدم العلم بالقرينة.

و بعبارة أخرى: ان الحكم بصدور ما يكون على تقدير صدور قرينة انّه لم يعتن باحتمال عدم القرينة بمعنى انه رفع الحكم المجعول لذلك الاحتمال عن مورد تلك القرينة المظنونة الصدور، فيكون حكمه بالصدور تفسيرا لدليل اعتبار تلك الأصول، فيكون دليل اعتبار الأصول حاكما على دليل اعتبار الأصول اللفظيّة.

و المصنّف (قدّس سرّه) جعل الحكومة هنا أيضا بين نفس الأصول و نفس القرائن الظنّيّة و ليس بجيّد.

و التحقيق: ما عرفت: من كون دليل اعتبار القرينة حاكما على دليل اعتبار الأصول» إنتهى.

أنظر تقريرات المجدد الشيرازي: ج 4/ 190.

(3) فرائد الأصول: ج 4/ 17.

45

بعض أفاضل تلامذته و هو غريب، هذا بعض الكلام في حكم المختلفين في الأحكام الشرعيّة.

و أمّا إذا قاما في الموضوعات الخارجيّة فلا يتصوّر التّعارض بينهما أيضا إذا فرض اعتبار الظّاهر فضلا عن تقديم الأصل على الأمارة، فما أفاده ثاني الشّهيدين في تقديم الأصل على الظّاهر في «تمهيده» في صور كثيرة لا بدّ أن ينزّل على الظّواهر الغير المعتبرة، كما أنّ إشكاله في تقديم أحدهما في صور مذكورة فيه لا بدّ أن ينزّل على الإشكال في اعتبار الظّاهر المقابل للأصل و إن كان من حقّه عدم الإشكال بعد عدم العلم باعتبار الظّاهر، و إن كان الخلاف موجودا من جهة الاختلاف في اعتبار الظّاهر فتدبّر.

أمّا حكم بعضهم بتقديم قول من كان قوله موافقا للظّاهر و إن لم يكن معتبرا و كان مخالفا للأصل فهو من جهة ذهابه إلى كون المدّعي في العرف: من كان قوله مخالفا للظّاهر و إن كان موافقا للأصل، و المدّعى عليه و المنكر في العرف: من كان قوله موافقا للظّاهر و إن كان مخالفا للأصل. و هذا كما ترى، يرجع إلى الاجتهاد في تشخيص الموضوع العرفي و لا تعلّق له بالمقام أصلا.

نعم، يستثنى عمّا ذكرنا الأصل الأخصّ بالنّسبة إلى الظّاهر المعتبر الأعمّ كأصالة الصّحة في عمل النّفس بعد الفراغ أو عمل الغير على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظّن؛ فإنّه لا بدّ من الأخذ بالأصل بعد الفراغ عن ثبوته و إلّا لزم طرحه رأسا.

فإن شئت قلت: إنّ الأصل الوارد في بعض موارد الأمارة المعتبرة لا بدّ من الأخذ به لكن لا من باب الحكومة؛ ضرورة امتناع شرح الأصل عن الأمارة و

46

الدّليل، فما يذكر من كلمات شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في الأصول و الفروع: من حكومة استصحاب الشّرائط- كاستصحاب الطّهارة مثلا- على الدّليل المثبت للشّرط- كقوله: (لا صلاة إلّا بطهور) (1)- منظور فيه؛ لعدم اتّحاد الأصل و الدّليل من حيث المرتبة، فكيف يمكن جعل الأصل مفسّرا و شارحا له؟

و إن شئت قلت: إنّ الدّليل المثبت للحكم الواقعي ساكت عن حكم الشّك في الموضوع فكيف يمكن جعل استصحاب الموضوع حاكما عليه؟ ضرورة أنّ قوله:

(لا صلاة إلّا بطهور) (2) لا دلالة على حكم الشّك في الطّهارة و الحدث، و إن كان الحكم عدم جواز الدّخول في الصّلاة مع الشّك في وجود الشّرط الواقعي من جهة قاعدة الشّغل فلا يمكن جعل الاستصحاب المتكفّل لحكم الشّك حاكما عليه فهو وارد على أصالة الشّغل لا حاكم على دليل الشّرط فافهم.

و من هنا لا يفرق بين كون دليل الشّرط ظنّيّا أو قطعيّا من جميع الجهات؛ فإنّ ثبوت الشّرط على وجه القطع لا يمنع من الشّك في وجوده الخارجي كما هو واضح، فلا بدّ من أن يحمل ما أفاده شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) على غير الحكومة بالمعنى الّذي عرفته: بجعل الاستصحاب كاشفا عن إرادة الطّهارة بالمعنى الأعمّ من‏

____________

(1) المحاسن: ج 1/ 78 كتاب عقاب الأعمال من المحاسن الباب الأوّل:- ح 1، و الفقيه: ج 1/ 58- ح 129، و التهذيب في عدّة مواضع منها: ج 1/ 49 باب «الاحداث الموجبة للطهارة»- ح 83، و الاستبصار: ج 1/ 55 باب «وجوب الاستنجاء من الغائط و البول»- ح 15. عنها الوسائل في عدّة مواضع منها: ج 1/ 315 باب «وجوب الاستنجاء و إزالة النجاسات للصّلاة»- ح 1.

(2) المصدر السابق.

47

الواقعيّة و الظّاهريّة من دليل اشتراط الطّهارة الّذي قد عرفت استحالته فتأمّل.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه: أنّ التّنافي المعتبر في التّعارض موضوعا إنّما هو بعد إمكان اجتماع المتعارضين في موضوع واحد فلا يتحقّق بين الوارد و المورود و لا بين الحاكم و المحكوم بعد ملاحظة تنزيل الشّارع. و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلّامة ما عرفته بقوله: (و منه يعلم: أنّه لا تعارض ... إلى آخره) (1).

فعدم التّعارض مستند إلى إلى عدم اجتماع الدّليل و الأصل لا إلى عدم اجتماع مدلولهما؛ فإنّه لا تنافي بين كون شي‏ء حراما في الواقع و حلالا في الظّاهر مثلا و هكذا.

و قد صرّح بذلك في أوّل الجزء الثّاني من «الكتاب» (2)، و الظّاهر أنّه من المسلّمات عندهم و قد بنوا عليه الأمر في مسألة اجتماع الأمر و النّهي على ما نبّهناك عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة (3).

إشكال عويص في تعارض الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي‏

لكن قد تقدّم منّا الإشكال في ذلك على القول بالتّخطئة و ثبوت الحكم المشترك بين العالم و الجاهل و عدم اختصاص كلّ من العالم و الجاهل بحكم في مرحلة الواقع و إن كانت فعليّة الأحكام الإلزاميّة، و لحوق استحقاق المؤاخذة في‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 11.

(2) فرائد الأصول: ج 2/ 11.

(3) بحر الفوائد: ج 2/ 6.

48

حكم العقل تابعة في حقّ القاصر لما يدلّ على ثبوتها؛ فإنّه لا محيص بناء عليه عن الالتزام باجتماع الضّدّين؛ فإنّ العلم و الجهل و قيام الدّليل على الحكم و عدمه لا يوجب اختلافا في حقيقة الحكم، فإن كانت الأحكام متضادّة- كما قضت به ضرورة العقل و الوجدان كان التّضاد بين أنفسها من غير مدخليّة لقيام الدّليل عليها و عدمه، و إنّما يؤثّران في أمر عقلي خارج عن حقيقة الحكم و إن سلّم عدم صدق عنوان التّكليف عليها قبل ثبوتها و قيام الدّليل عليها؛ فإنّ الضّديّة تتبع المعنون لا العنوان و هو أمر ظاهر هذا.

و قد تقدّم ما يدفع به هذا الإشكال و ما يزيّفه في الجزء الثّاني من التّعليقة و لم أقف إلى الآن على ما يدفع به هذا الإشكال‏ (1).

نعم، في كلام بعض أفاضل من عاصرناه من حاضري مجلس بحث شيخنا ابتناء الإشكال على القول بالامتناع في مسألة اجتماع الأمر و النّهي، و دفعه- مع اضطراب كلامه في المقام كغيره-: بكون الحكم الظّاهري راجعا إلى الإخبار بالمعذوريّة و نفي العقاب.

و هو كما ترى، في كمال الغرابة؛ فإنّ الابتناء المذكور لا محصّل له أصلا؛ حيث إنّ الاجتماع في المقام يرجع إلى الاجتماع الآمري لا المأموري كما هو ظاهر، و جواز الاجتماع على القول به مبنيّ على الثّاني كما بيّن في محلّه، فكيف يبتني الإشكال المذكور على القول بالامتناع؟

____________

(1) أقول: لاحظ كلمة السيّد المجدّد الشيرازي في المقام فإنّها لا تخلو من فائدة على طولها و تفصيلها. أنظر تقريرات السيّد المجدّد الشيرازي: ج 4/ 149- فصاعدا.

49

و أمّا دفع الإشكال بإرجاع الحكم الظّاهري إلى الإخبار عن نفي المؤاخذة فهو أشدّ ضعفا؛ إذ كيف يستقيم إرجاع القضايا الشّرعيّة الصّريحة في إنشاء الحكم الشّرعي كأخبار الاستصحاب و الحلّيّة و نحوهما إلى القضيّة الخبريّة المذكورة؟ هذا.

مع أنّ الحكم الظّاهري قد يكون إلزاميّا و الحكم الواقعي غير الإلزاميّ، و قد يكونان متوافقين إلزاميّين أو غير إلزاميّين.

نعم، يمكن الالتزام بذلك بالنّسبة إلى بعض أخبار البراءة أو حكم العقل بها، مع أنّ هذا الوجه لا يستقيم بالنّسبة إلى الاحتياط و التّخيير، فلا بدّ أن يلتزم فيهما:

بأنّ مرجعهما إلى الإخبار عن المؤاخذة على تقدير المصادفة و الإخبار عنها على تقدير عدم الالتزام بأحد الحكمين هذا.

و إن شئت الوقوف على شرح فساد هذا الوجه و غيره فارجع إلى ما ذكرنا في الجزء الثّاني من التّعليقة فلا حاجة إلى إعادة الكلام و تطويل القول في المقام،

هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالتّقسيم الأوّل.

و قد اتّضح لك من مطاوي ما ذكرنا: المراد من كلّ من التّعارض و الورود و الحكومة و التّخصيص مفهوما؛ فإنّ المراد من الأوّل: ما عرفت في أوّل عنوان المسألة، و من الثّاني: رفع موضوع أحد الدّليلين حقيقة بوجود الآخر، و من الثّالث: شرح أحد الدّليلين و تفسيره للآخر، و من الرّابع: قصر الحكم المستفاد من أحد الدّليلين الثّابت للموضوع العام على بعض أفراد موضوعه من غير أن يكون شارحا له و ناظرا إليه، و أمّا من حيث الخارج و المصداق فلا يقع الاشتباه في الورود أصلا، إلّا إذا فرض الشّك فيما أخذ في موضوع أحد الدّليلين شرعا أو عرفا.

50

و أمّا الحكومة فلها أمثلة واضحة غاية الوضوح، و أمثلة خفيّة نظريّة بحيث يقع الاشتباه فيها كثيرا و الميزان و إن كان ما ذكرنا، إلّا أنّه لا ينفع لرفع الاشتباه في جميع الموارد الشّخصيّة فلا مناص من إيكال التّشخيص و التّطبيق إلى نظر المستنبط، فإن بقي الاشتباه فإن كان الدّوران بين ورود أحد الدّليلين و حكومته فلا ثمرة غالبا؛ فإنّه يحكم بتقديمه ذاتا سواء كان من جهة الورود أو الحكومة. و إن كان بينهما و التّعارض أو بين أحدهما و التّعارض و لم يكن للمردّد أمره رجحان على صاحبه فإجراء حكم التّعارض عليه مشكل كما أنّ إجراء حكم الوارد أو الحاكم عليه أشكل.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بوجوب الأخذ بالمردّد أمره من حيث كونه متيقّن الاعتبار على كلّ تقدير غاية ما هناك تردّد أمره بين الحجّيّة التّعيينيّة و التّخييريّة، و هذا بخلاف الآخر؛ فإنّه مشكوك الاعتبار فعلا من حيث احتمال كونه مورودا أو محكوما فافهم.

لكنّه كما ترى مبنيّ على كون حكم التّعادل و لو في غير الأخبار من المتعارضين- التّخيير، كما ربّما يستظهر من بعض على ما ستقف عليه، و إلّا فلا دوران بين الحجّيّة التّعيينيّة و التّخييريّة فيبقى الإشكال على حاله فتدبّر.

ثمّ إنّ الورود على ما عرفت في بيان مفهومه لا يختصّ بالأدلّة اللّفظيّة، و أمّا الحكومة فلا تجري في الأدلّة اللّبيّة، بل لا بدّ من أن يكون كلّ من الحاكم و المحكوم دليلا لفظيّا على ما بيّنه في الكتاب في حقيقتها، و عرفت منّا: أنّ تقديم الأمارات المعتبرة اللّبيّة الغير المنتهية إلى اللّفظ على الأصول ليس من باب الحكومة الاصطلاحيّة و إن كان في حكمها، كما أنّ تقديم الاستصحاب في الشّك‏

51

السّببي على الاستصحاب في الشّك المسبّب إذا كان مبنيّا على الظّن إنّما هو بحكم الحكومة، بل الأمر في الفرض المزبور و كذلك بناء على التعبّد و الأخبار أيضا على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا لفقد موضوع الدّليلين فالتّقدّم فيما ذكر و إن كان ذاتيّا إلّا أنّه خارج عن عنوان الحكومة الحقيقيّة، و أمّا التّخصيص فلا يتحقّق إلّا فيما كان هناك عام لفظيّ و إن كان الخاصّ لبّيّا.

الكلام في التقسيم الثاني‏

و أمّا الكلام في التّقسيم الثّاني فملخّصه: أنّه ذكر غير واحد: أنّ التّعارض إنّما يكون بين الظّنّيين دون القطعيّين و المختلفين، و عدم تعرّضهم لحكم التّعبّديين أو المختلفين من التّعبّدي و غيره، إنّما هو من جهة عدم وجود ما يكون دليلا في الشّرعيّات من غير اعتبار الكشف فيه أصلا لا نوعا و لا شخصا عندهم غير الأصول و إن أمكن وجوده، مع أنّه على تقدير وجوده أولى بجريان التّعارض فيه من الظّنيّين كما هو ظاهر.

كما أنّه مثل الظّني فيما قابل القطعي في عدم الإمكان من حيث استحالة التّعبّد على خلاف القطع و فيما قابل الظّني في الإمكان كما هو ظاهر، و هذا مع كمال وضوحه و ظهوره بالنّظر إلى ما عرفت: من معنى التّعارض و معنى الدّليل القطعي عندهم و حكم العقل الضّروري بعدم اجتماع القطعيّين المتنافيين الموجب لاجتماع النّقيضين أو الضّدّين، و المراد من الدّليل الظّني: الأعمّ ممّا يعتبر فيه الظّن فعلا كما هو المشاهد بالنّسبة إلى أكثر الأدلة الظّنية مع عدم تقيّدها بعدم قيام الظّن على الخلاف، و كون مرادهم: الإهمال بالنّسبة إلى الظّنّيين في مقابل القطعيّين‏

52

و المختلفين لا الكلّيّة و التّعميم بالنّسبة إلى جميع أقسام الظّنّيين كما هو واضح لا سترة فيه أصلا، بل هو من القضايا الّتي قياساتها معها فتعرّضهم له حقيقة كما في كلام جماعة من الخاصّة و العامّة من المتقدّمين و المتأخّرين: من باب مجرّد التّنبيه و أداء وظيفة الصّناعة العلميّة، و إلّا فليس مطلبا نظريّا محتاجا إلى إقامة البرهان عليه، و مع ذلك قد ناقشهم فيه غير واحد ممّن قارب عصرنا فلعلّ المناقشة من جهة التباس مرادهم من الدّليل القطعي و الظّني عليهم و إلّا فلا يظنّ بمن دونهم التّأمّل فيه مع تبيّن المراد.

نقل الكلمات المصرّحة بعدم تصوّر التعارض بين الأدلّة القطعيّة

و لا بأس بنقل كلمات جماعة من الخاصّة و العامّة في المقام لحصول العلم بمرادهم ممّا ذكروه بملاحظتها و إن كان واضحا بزعمي القاصر.

قال الشّيخ (قدّس سرّه) في محكيّ «الإستبصار»: «المتواتر من الأخبار: ما أوجب العلم، فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقّع شي‏ء يضاف إليه و لا أمر يقوى به و ما يجري هذا المجرى لا يقع فيه التّعارض و لا التّضادّ في أخبار النّبي و الأئمّة (عليهم السّلام)» (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و في محكي «النّهاية»: «الإجماع على أنّه لا يجوز تعادل الأدلّة القطعيّة المقابلة بالنّفي و الإثبات؛ لوجوب حصول المدلول عند حصول الدّليل و هو

____________

(1) الإستبصار: ج 1/ 3 في مقدّمة المؤلف و الحاكي هو محمّد أمين الاسترآبادي في الفوائد المدنيّة: 140 و كذلك السيّد محمّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 680.