بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج2

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
399 /
1

[تتمة المقصد الاول فى الاوامر]

فصل في مقدمة الواجب‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

فصل في مقدمة الواجب و قبل الخوض في المقصود، ينبغي رسم أمور:

الاول: الظاهر أن المهم المبحوث عنه في هذه المسألة، البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، فتكون مسألة أصولية، لا عن نفس وجوبها- كما هو المتوهم من بعض العناوين- كي تكون فرعية، و ذلك لوضوح أن البحث كذلك لا يناسب الاصولي، و الاستطراد لا وجه له، بعد إمكان أن يكون البحث على وجه تكون من المسائل الاصولية (1).

____________

(1) لا يخفى ان البحث في مقدمة الواجب يمكن ان يكون اصوليا، و يمكن ان يكون فقهيا، و يمكن ان يكون غير ذلك، و اذا امكن ان يكون البحث فيها بحثا اصوليا فلا وجه للعدول عنه إلى عنوان آخر، فإن بحث عنوان فقهي- مثلا- في فن الأصول لا بد و ان يكون استطراديا، و حيث يمكن ان لا يكون استطراديا فلا وجه لتحريره بنحو يكون استطراديا.

و بيان ذلك: إن المسائل الاصولية: هي ما كان البحث فيها عن قواعد كلية تقع نتيجة البحث عنها في طريق الاستنباط، فاذا كان البحث في مقدمة الواجب عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته كان البحث اصوليا، لأن الملازمة الثابتة اما بالبرهان، أو بالوجدان بين كل واجب و مقدماته هي غير وجوب المقدمة، فاذا ثبتت هذه الملازمة كانت نتيجتها تقع في استنباط حكم شرعي و هو وجوب المقدمة و اذا لم تثبت هذه الملازمة كانت نتيجتها عدم وجوب المقدمة، و ينبغي ان يكون العنوان المبحوث عنه في المقام هكذا:

هو انه هل هناك ملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته ام لا؟

و لا ينبغي أن يكون العنوان كما ذكروه:

هل مقدمة الواجب واجبة ام لا؟

2

ثم الظاهر- أيضا- أن المسألة عقلية، و الكلام في استقلال العقل بالملازمة و عدمه، لا لفظية كما ربما يظهر من صاحب المعالم، حيث استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث، مضافا إلى أنه ذكرها في مباحث الالفاظ، ضرورة أنه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته ثبوتا محل الاشكال، فلا مجال لتحرير النزاع في الاثبات و الدلالة عليها باحدى الدلالات الثلاث، كما لا يخفي (1).

____________

فإن تحرير البحث بهذا العنوان يناسب أن يكون بحثا فقهيا فيلزم الاستطراد من ذكره في الاصول، لأن الاصولي لا يبحث عن نفس الحكم، بل يبحث عما يقع في طريق استنباط الحكم.

فالبحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته بحث اصولي، لأنه بحث عما يقع في استنباط الحكم لا عن نفس الحكم، لوضوح ان ملازمة حكم لحكم غير نفس الحكم، و البحث عن نفس حكم مقدمة الواجب هل هي واجبة ام لا؟ بحث فقهي.

(1) لا يخفي ان استلزام وجوب شي‏ء لوجوب مقدمته لملازمة واقعية ذاتية بينهما ليست من الامور الواضحة لكل احد، بل هي من الامور التي تحتاج إلى اقامة برهان إما نظري أو ارتكازي وجداني، فلا يسع أحد أن يدعي: ان الملازمة بينهما من اللزوم البين بالمعنى الاخص، إذ لو كان اللزوم الذاتي الواقعي بينهما بالغا إلى درجة البين بالمعنى الاخص لما وقع محل نقض و ابرام بين الاعلام، فاثبته بعض، و انكره آخرون، و من البعيد جدا- أيضا- أن يدعى احد: ان الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته ليست واقعية ذاتية، بل هي من الملازمات العرفية كاستلزام حاتم للكرم، فانه لم يدعها احد، و لا ينبغي ان تدعى، إذ لو لم يكن ربط واقعي بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته فهما اجنبيان فأي شي‏ء من المصادفات و الاتفاقيات يوجب الملازمة بينهما كاستلزام حاتم للكرم.

3

.....

____________

فاتضح: ان المسألة عقلية فهي من المسائل الاصولية العقلية لا ربط لها بمباحث الاصول اللفظية، و الذي يظهر من (صاحب المعالم) انها من المسائل الاصولية اللفظية لامرين:

الأمر الأول: ذكر (صاحب المعالم) لها في مباحث الالفاظ لا في مباحث الاصول العقلية. و يمكن الاعتذار عن (صاحب المعالم) بالنسبة إلى هذا الامر: بان السبب في ذكره لها في مباحث الالفاظ هو بعينه السبب الذي دعا لذكر مسألة اجتماع الامر و النهي في مباحث الالفاظ، فإن مسألة اجتماع الامر و النهي هي امكان ان يجتمع الطلب لشي‏ء و الزجر عنه بعنوانين ام لا؟ و لا اختصاص له بان يكون الحكم الطلبي أو الحكم الردعي مستفادا من لفظ الامر، أو لفظ النهي، أو الاجماع، أو غير ذلك.

و لكن حيث كان الطلب و المنع اكثر ما يستفادان من لفظ الامر و لفظ النهي لذلك ذكرت مسألة الاجتماع في مباحث الالفاظ، و في المقام كذلك فإن الوجوب اكثر ما يستفاد من الاوامر اللفظية.

الثاني: استدلال (صاحب المعالم) (1) على نفي وجوب مقدمة الواجب: بان الامر الدال على وجوب ذي المقدمة لا يدل على وجوب مقدمته لا مطابقة و لا تضمنا و لا التزاما.

و ظاهر هذا الكلام منه (قدّس سرّه) ان المسألة لفظية، و ان الكلام في ان اللفظ الدال على وجوب شي‏ء هل يدل على وجوب مقدمته ام لا؟

و قد عرفت ان المسألة و ان الدعوى هي وجود ملازمة واقعية ذاتية بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته.

و قد عرفت- أيضا- بعد دعوى كون هذه الملازمة من البين بالمعنى الاخص حتى يصح ان يقال: انه إنما استدل على نفيها (صاحب المعالم) باحدى الدلالات الثلاث،

____________

(1) معالم الدين، تحقيق البقال: ص 244.

4

.....

____________

فانه إذا كان اللزوم بينا بالمعنى الاخص لا بد من ان يكون اللفظ الدال على وجوب شي‏ء يدل على وجوب مقدمته، لفرض كون اللزوم بينهما من البين بالمعنى الاخص.

و قد عرفت ان المدعى للملازمة لا يدعي بلوغها لهذا الحد.

و قد عرفت- أيضا- انه من البعيد جدا دعوى الملازمة العرفية دون الواقعية الذاتية، فلا يضر مدعي الملازمة تسليم عدم دلالة اللفظ الدال على وجوب ذي المقدمة على وجوب المقدمة، لأن الملازمة بينهما ليست عرفية و لا لزوم بينهما بالمعنى الاخص، بل لزومها من البين مطلقا أو بالمعنى الاعم، و هذا يكفي في استلزام وجوب الشي‏ء لوجوب مقدمته، و هو غير مدلول عليه باللفظ، بل الدال عليه البرهان أو الوجدان بعد التأمل و الالتفات.

فاتضح: أن النزاع في الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته نزاع في مرحلة الثبوت و الواقع، و ان العقل و البرهان أو الوجدان هل يثبت هذه الملازمة، أو انه لا ملازمة في مرحلة الواقع بينهما فلا يثبتها برهان أو وجدان، و اذا كان النزاع في مرحلة الثبوت و الواقع فان من اعترف بمرحلة الثبوت يقول بوجوب مقدمة الواجب و ان لم يدل دليل لفظي على وجوب المقدمة، و من نفى الملازمة في مرحلة الثبوت و الواقع فلا يعقل ان يدل دليل وجوب شي‏ء على وجوب مقدمته لوضوح عدم مجال للمطابقة و التضمن، و انما يحتمل الالتزام، و حيث لا لزوم واقعي فلا يعقل الدلالة الالتزامية في مثل المقام لبعد دعوى الملازمة العرفية.

فاتضح من جميع ما ذكرناه: انه لا مجال لتحرير النزاع في مقام الاثبات و الدلالة كما يظهر من (صاحب المعالم) لانه:

اولا: ان مقام الاثبات فرع مقام الثبوت، فاذا كان الكلام في اصل الملازمة في مقام الثبوت فلا تصل النوبة إلى مقام الاثبات و الدلالة، لانها انما تكون بعد فرض انه هناك ملازمة واقعا يتأتى الكلام في ان: هل لهذه الملازمة الثابتة واقعا دليل في مقام الاثبات؟

5

[اقسام المقدمة]

الامر الثاني: إنه ربما تقسم المقدمة إلى تقسيمات:

[المقدمة الداخلية و الخارجية]

منها: تقسيمها إلى الداخلية و هي الأجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها، و الخارجية: و هي الامور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه (1).

و ربما يشكل في كون الاجزاء مقدمة له و سابقة عليه، بأن المركب ليس إلا نفس الاجزاء بأسرها (2).

____________

و ثانيا: ان النزاع في مقام الثبوت- هنا- لا تصل معه النوبة إلى مقام الاثبات اصلا، لأنه على فرض تحقيق الملازمة واقعا عند العقل أو الوجدان، فلا داعي لأن يدل عليها دليل لفظي أو لبيّ، و مع فرض عدم تحقق الملازمة واقعا عند العقل و الوجدان فلا يعقل ان يدل عليها دليل، إلّا ان يدعى ان الملازمة هنا عرفية لا عقلية أو وجدانية، و هو بعيد جدا.

و قد أشار المصنف على الظاهر إلى ما ذكرناه اولا بقوله: «ضرورة انه إذا كان نفس الملازمة الخ».

(1) قد قسموا المقدمة إلى داخليّة و خارجية، و لا بد اولا من بيان الفرق بينهما.

و حاصله: ان المقدمة الخارجية هي الامور التي يتوقف عليها وجود ذي المقدمة، و كانت خارجة بوجودها و ماهيتها عن ماهية ذي المقدمة، و وجودها كالشرط و المقتضي و المعد، و سيأتي الكلام فيها.

و المقدمة الداخلية هي التي يتوقف عليها ذو المقدمة، و كانت ليست بخارجة عما يتقوم به المركب الذي هو ذو المقدمة، بل داخلة في قوام ماهيته فينحصر مصداقها في الأجزاء التي يتألف المركب منها و لذا قال (قدّس سرّه): «و هي الأجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها».

(2) حاصل الاشكال: ان لزوم المغايرة بين المقدمة و ذيها مما لا ريب فيه، و ان من الواضح انه لا يعقل ان يكون الشي‏ء مقدمة لنفسه.

6

و الحل: إن المقدمة هي نفس الاجزاء بالاسر، و ذو المقدمة هو الاجزاء بشرط الاجتماع، فيحصل المغايرة بينهما، و بذلك ظهر أنه لا بد

____________

و قد عرفت ان المقدمة الداخلية منحصرة فيما يتقوم منها ماهية ذي المقدمة و اجزائه التي يتالف منها، و لا إشكال- أيضا- ان الوجوب النفسي الذي هو وجوب ذي المقدمة معروضة نفس ذي المقدمة، و ذو المقدمة ليس هو الّا الماهية التي يتالف منها ذو المقدمة، و أجزاء الماهية التي يتالف منها ماهية ذي المقدمة هي نفس ذي المقدمة، إذ ليست الماهية المركبة الّا نفس الأجزاء التي تتركب منها الماهية، فاذا كانت الماهية المركبة التي هي الواجبة بالوجوب النفسي و هي نفس الأجزاء التي تتألف- فالأجزاء التي تتألف منها هي الواجبة بالوجوب النفسي. فكيف ان يعقل ان تكون نفس هذه الأجزاء مقدمة، و لها وجوب غير الوجوب النفسي و هو الوجوب الغيري؟

ثم لا يخفى ان وجوب المقدمة و ان كان مترشحا من وجوب ذيها و متاخرا عنه، إلّا ان نفس ذات المقدمة لها السبق على ذيها، لأن وجود ذي المقدمة يتوقف عليها، فلا بد من سبقها عليه، و اذا كانت الأجزاء هي نفس ذي المقدمة فلا يعقل ان يكون لها السبق عليه، لعدم معقولية سبق الشي‏ء على نفسه.

و قد عرفت انه لا بد من سبق المقدمة على ذي المقدمة، و قد أشار إلى ما ذكرناه بقوله: «ربما يشكل في كون الأجزاء مقدمة له»: أي مقدمة للواجب «و سابقة عليه بان المركب ليس إلّا نفس الأجزاء باسرها» فلا يعقل ان تكون نفس الأجزاء باسرها مقدمة، لأنها نفس المركب الذي هو ذو المقدمة، و لا يعقل ان يكون الشي‏ء مقدمة لنفسه، و لا يعقل- أيضا- سبق الأجزاء باسرها على المركب، التي هي نفس المركب لعدم معقولية سبق الشي‏ء على نفسه.

7

في اعتبار الجزئية أخذ الشي‏ء بلا شرط، كما لا بد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع (1).

____________

(1) لا يخفى ان في المقام أمرين:

الأول: انه هل يعقل الاثنينية بين المركب و اجزائه؟ و اذا تعقلنا الاثنينية صح ان يكون هناك مقدمة و ذو المقدمة.

و الثاني: ان هذه الاثنينية هل تصح ان تكون موجبة لترشيح وجوب غيري من الوجوب النفسي ام لا تصح و ان تعقلنا الاثنينية.

و الكلام في الثاني يأتي عند قول المصنف: ثم لا يخفى انه ينبغي خروج الأجزاء عن محل النزاع.

و على كل فالكلام- الآن- في تعقل الاثنينية و ان هنا مقدمة و ذا المقدمة.

و توضيحه: ان المركب من أجزاء الذي هو الكل: هو عبارة عن أجزاء تقيدت بالتآلف و الاجتماع، فهناك شيئان: ذوات الأجزاء، و قيد تآلفها و اجتماعها، فالأجزاء المجتمعة- بما هي مجتمعة- التي هي الكل عبارة عن مجموع الأجزاء و حيثية الاجتماع، فالأجزاء في حال اجتماعها عبارة عن ذوات هذه الكتلة المجتمعة و حيثية اجتماعها، فالكل هو الأجزاء المجتمعة بقيد اجتماعها، و نفس الأجزاء المجتمعة من دون اخذ قيد الاجتماع هي أجزاء الكل.

و اتضح مما ذكرنا: ان الفرق بين الأجزاء و الكل هو لحاظ اللابشرطية و البشرطشي‏ء، فإن نفس الأجزاء المجتمعة إذا لوحظت من دون اخذ حيثية الاجتماع فيها، بنحو عدم لحاظ قيد الاجتماع فيها: أي عدم تقيدها بالاجتماع كانت هي الأجزاء، و هذا معنى لحاظها لا بشرط، اذا ليس اللابشرطية الا لحاظ الشي‏ء من دون تقيده بشي‏ء، و ليس اللابشرطية في الأجزاء لحاظها مقيدة بعدم الاجتماع، فانه من لحاظ بشرط لا، لانه لحاظ الأجزاء مع قيد عدم الاجتماع فتكون مقيدة بهذا العدم، و ليس معنى البشرطلا الّا تقيد الملحوظ بعدم شي‏ء، و هذا بخلاف لحاظها بنحو عدم‏

8

.....

____________

التقيّد بهذا العدم بلحاظها بنحو عدم لحاظ شي‏ء معها لا مقيدة بعدم هذا الشي‏ء، فانه من اللحاظ اللابشرطي، اذ اللابشرطية هو كون الملحوظ غير مقيد بوجود شي‏ء آخر و لا بعدمه، فلحاظ الأجزاء المجتمعة من دون تقيدها بحيثية تحقق الاجتماع و لا بحيثية عدم تحقق الاجتماع هو لحاظها لا بشرط، و لحاظها مقيدة بحيثية الاجتماع هو لحاظها بشرط شي‏ء و هو معنى كونها كلّا و مركبا، و لحاظها بشرط عدم حيثية الاجتماع لحاظها بشرط لا: أي بشرط كونها ليست كلا و من الواضح ان حيثية الاجتماع لا يعقل ان تعرض على المقيد بشرط عدم الاجتماع، بل لا بد ان تعرض على غير المقيد بالاجتماع، لأن عروضها على المقيد بالاجتماع لازمه عروض الشي‏ء على نفسه، و عروضها على المقيد بعدم الاجتماع لازمه عروض الشي‏ء على نقيضه، فهي انما تعرض على غير المقيد بالاجتماع و لا بعدم الاجتماع، و هذا لازم في كل عارض و معروض، فإن العارض لا بد و أن يعرض على غير المقيد به و لا بعدمه.

و قد عرفت: ان معنى اللابشرطية هو كون الملحوظ غير مقيد بوجود شي‏ء آخر و لا بعدمه، فالأجزاء بالأسر الملحوظة من دون حيثية الاجتماع هو مناط كونها أجزاء، و الأجزاء بالاسر بقيد الاجتماع هو مناط كونها كلا.

فاتضح بما ذكرنا معنى الاثنينية في المقام، و ان المركب ينحل إلى ذات المقيد و المقيد بما هو مقيد، فهنا اثنان: ذات المقيد، و المقيد بما هو مقيد.

و قد اتضح- أيضا- ان هذه الأجزاء الملحوظة لا بشرط هي التي تعرضها الكلية و حيثية الاجتماع، فلا بد ان يكون لها سبق على الكل، لوضوح لزوم سبق كل معروض على عارضه.

و اتضح- أيضا- ان المقدمة هي الأجزاء المجتمعة من دون أخذ قيد اجتماعها، لأن لحاظ الأجزاء بالانفراد و الاستقلال لا يكون لحاظا لها بما هي أجزاء للكل، و من الواضح ان الجزئية و الكلية متضائفان فلا بد و ان يلحظ الجزء بما هو مضاف إلى الكل، و في حال لحاظها جزءا لا بد من لحاظ كليتها، و اذا لحظت بالانفراد

9

و كون الاجزاء الخارجية- كالهيولى و الصورة- هي الماهية المأخوذة بشرط لا لا ينافي ذلك، فإنه إنما يكون في مقام الفرق بين نفس الاجزاء الخارجية و التحليلية- من الجنس و الفصل- و أن الماهية إذا أخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة، و إذا أخذت لا بشرط تكون جنسا أو فصلا (1)،

____________

و الاستقلال لا تكون مضافة إلى الكل، فلا يكون لحاظها منفردة و بالاستقلال لحاظا للجزء بما هو جزء، و انما يكون لحاظها بما هي جزء: بان تلحظ الأجزاء المجتمعة بذاتها مضافة إلى حيثية اجتماعها التي بها تتم حيثية الكلية.

و قد أشار المصنف إلى الاثنينية بقوله: «و الحل ان المقدمة هي نفس الأجزاء بالاسر، و ذا المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع فيحصل المغايرة» و الاثنينية.

و قد أشار إلى ان الفرق بين الجزئية في الأجزاء بالاسر و كليتها هو اللحاظ اللابشرطي و البشرطشي‏ء بقوله: «و بذلك ظهر انه لا بد في اعتبار الجزئية اخذ الشي‏ء بلا شرط» و الى الشرط بقوله: «كما لا بد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع»، و لعله أشار إلى ما ذكرنا اخيرا من تضايف الجزئية و الكلية بتعبيره باعتبار الجزئية و اعتبار الكلية.

(1) قد عرفت ان جواب المصنف في الفرق بين الأجزاء و الكل هو اللابشرطية و البشرطشي‏ء، و هو غير جواب تقريرات الشيخ، فإن الظاهر منه انه قد أجاب عن الإشكال: بان الفرق بين الأجزاء و الكل هو ان لهذه الأجزاء المجتمعة لحاظين: لحاظ بشرط لا و هو مناط جزئيتها، و لحاظها لا بشرط و هو مناط كليتها، فالفرق بين الأجزاء و الكل هو البشرطلائية الذي هو مناط الجزئية، و اللابشرطية و هو مناط الكلية، لأن مناط الكلية هو الاجتماع و الاتحاد في هذه الأجزاء و لا بد في الاتحاد من لحاظ اللابشرطية، بخلاف الجزئية فإنها مناط الانفراد و لا بد من لحاظ البشرط اللائية فإنها مناط الانفراد، و قد قرب ما ادعاه: من ان الفرق هو البشرطلائية و اللابشرطية بالتنظير بالهيولى و الصورة التي هي الأجزاء الخارجية: بأن‏

10

.....

____________

الأجزاء الخارجية إذا لوحظت بنحو الانفراد و البشرطلائية فلا يصح حمل بعضها على بعض و لا حملها على الكل، فلا يقال- مثلا- البدن نفس، و لا النفس بدن، و لا البدن انسان.

و اذا لوحظت هذه الأجزاء بنحو اللابشرطية كان لها اتحاد و وحدة و كانت انسانا- مثلا- و صح حمل بعضها على بعض، فيقال: الحيوان ناطق و بالعكس، و صح حملها على الكل، فيقال: الحيوان انسان، و الناطق انسان و بالعكس فيهما، فاثبتها و مقدميتها بلحاظها بشرط لا و منفردة و كونها كلا و ذا المقدمة بلحاظها لا بشرط و انها متحدة، هذا هو المتحصل مما ذكر في التقريرات.

و قد عرفت بما ذكرنا: ان الفرق بينهما هو اللابشرطية و البشرطشي‏ء، و ما ذكر في التقريرات غير تام لما عرفت ان الكل ليس هو إلّا الأجزاء بقيد الانضمام و الاجتماع، فهناك مقيد و قيد و القيود لا تلحق الّا اللابشرط، فإن غير المقيد بوجود شي‏ء و لا بعدمه يعقل ان يتقيد بوجوده، فالأجزاء غير المقيدة بحيثية الاجتماع و لا بعدمها يعقل ان تتقيد بحيثية الاجتماع فتكون كلا، اما المقيدة بشرط لا: أي بعدم كونها كلا و مجتمعة و تكون ملحوظة بالانفراد و عدم كونها متحدة و مجتمعة، فلا يعقل ان تلحقها حيثية الاجتماع فإنها بما هي مقيدة بعدم الاتحاد و الاجتماع لا يعقل ان تكون متحدة و مجتمعة.

و اما ما ذكره من التنظير بالهيولى و الصورة و لحاظهما بشرط لا فالذي يظهر مما ذكره اهل فنه انهم في مقام بيان الفرق بين الأجزاء الخارجية: أي الهيولى و الصورة، و الأجزاء التحليلية: أي الجنس و الفصل.

و توضيح ذلك- على نحو لا يكون منافيا لما ذكرنا-: انهم ذكروا هذا الفرق في الماهية التي لها وجود واحد في الخارج فهي متحدة في الوجود اتحادا حقيقيا مع كونها مركبة، فاذا لوحظت اجزاؤها بحيث انها متحدة في الوجود و لها وجود واحد لا بد و ان تلحظ تلك الأجزاء بنحو اللابشرط، إذ اللابشرطية هي التي لا تأبى عن‏

11

.....

____________

أي شرط فهي- مع انها موجودة بوجود واحد- أجزاء، فلا بد و ان تلحظ غير آبية عن هذا الاتحاد و الموجودية بوجود واحد، و لهذا يسمون هذه الأجزاء الملحوظة من هذه الجهة بالأجزاء التحليلية لفرض كونها موجودة بوجود واحد، فالعقل مع كونه يراها موجودة بوجود واحد يحللها إلى جزءين و يعبّرون عنهما بالجنس و الفصل، و يقولون ان الجنس هو اللامتعيّن في مقام وجوده المتعيّن بوجود الفصل و يسمونها بالأجزاء التحليلية لفرض كونها أجزاء لما هو موجود بوجود واحد بلحاظ هذه الوحدة في الوجود، فلا بد و أن تكون تحليلا لهذا الواحد وجودا، و اذا لوحظت هذه الأجزاء بما انها لكل منها وجود إذ المفروض كونها لها تركيب في الخارج- فلكل من هذه الأجزاء المركبة في الخارج وجود يختصّ به، و لذا يقال: الهيولى موجودة في الخارج و الصورة موجودة في الخارج، فلحاظها بما ان لكل منها وجودا يخصّه و إن كان لمجموعها وجود واحد الّا أنه لكل واحد من الأجزاء حيثية وجود غير حيثية وجود الجزء الآخر فاذا لوحظت هذه الحيثيات بما أنها مختصّة بكل واحد و أن لكل واحد حيثية من هذا الوجود غير الحيثية الأخرى- كان ذلك سببا لأن تكون ملحوظة بشرط لا، لفرض لحاظ كل منها بحيثيته المختصّة به، و لا إشكال ان حيثيته المختصّة به غير الحيثية الأخرى المختصّة بالآخر فقد لوحظت منفردة و ان لكل منها تحققا غير تحقق الآخر، فهي بهذا اللحاظ بشرط لا و هي بهذا اللحاظ غير متحدة و كل منها غير الجزء الآخر، لأن له حيثية وجود غير حيثية وجود الآخر و غير حيثية وجود الكل، و لذا لا يصح حملها بعضا على بعض و لا بعضها على الكل، فلا يقال:

البدن نفس، و لا النفس بدن، و لا البدن انسان و انما يصح حملها مجتمعة على الكل فيصح ان يقال: الانسان نفس و بدن، فالبشرطلائية في الهيولى و الصورة انما هي في قبال اللابشرطية في الأجزاء التحليلية التي هي الجنس و الفصل المنظور لحيثية اتحادها، و لذا يصح حمل بعضها على بعض و على الكل فيصح ان تقول: الناطق حيوان، و الناطق انسان و بالعكس فيهما.

12

لا بالاضافة إلى المركب (1)

____________

فاذا عرفت ما ذكرنا- تعرف أن البشرطلائية التي ذكروها في الماهية الموجودة بوجود واحد غير البشرطلائية التي ذكرها في التقريرات في المقام، فإن الأجزاء في المقام لكل منها وجود مستقل- تماما- خارجا و حقيقة عن وجود الآخر و انما لها وحدة اعتبارية فلا يعقل لحاظها بشرط لا لأجل لحاظ ما لها من حيثية الوجود الواحد، لأن المفروض بل واقع الحال ان لكل منها وجودا منفصلا تمام الانفصال عن وجود الجزء الآخر و عن الكل و أنهم في غنى عن لحاظها بشرط لا، لذلك فلحاظها بشرط لا لا بد و ان يكون بنحو قياسها إلى الكل، و اذا لحظت بشرط لا عن الكل لا يعقل ان تكون مع هذا اللحاظ أجزاء و ذات مقيد تلحقه حيثية الاجتماع، فإن المقيد بعدم الكلية و الاجتماع لا يعقل ان يلحقه الاجتماع كما عرفت، فلا بد في هذه المركبات ان تلحظ بنحو اللابشرطية حتى يصح ان يلحقها شرط الاجتماع فتكون كلا.

و قد اتضح- أيضا- ان لحاظ الأجزاء بشرط لا كما ذكر في الهيولى و الصورة بلحاظ ان لكل منها حيثية من الوجود غير حيثية وجود الجزء الآخر و غير حيثية وجود الكل، و انها بهذا اللحاظ لا يصح حمل بعضها على بعض و لا على الكل و ان هذه البشرطلائية لا تنافي في لحاظها لا بشرط من ناحية أنها أجزاء تلحظ بنحو اللابشرط من ناحية التألف، و الانضمام، و التركيب، و الاجتماع و انها ذات المقيد، و التاليف و الاجتماع قيدها و المجموع منها يكون كلا.

(1) لا يخفى ان لحاظ الأجزاء بنحو البشرط اللائية كالهيولى و الصورة و لحاظ الأجزاء لا بشرط كالجنس و الفصل لا يختص باضافة الأجزاء بعضها إلى بعض، بل يعم لحاظ المركب أيضا، فإن لحاظها بنحو البشرطلائية كما يقع بالنسبة إلى لحاظ الأجزاء بنحو اللابشرط كذلك يقع في قبال لحاظ المركب، فالهيولى كما أنها في قبال الجنس و الفصل: أي الحيوان و الناطق كذلك هي في قبال الانسان أيضا، بل الهيولى و الصورة في لحاظهما بشرط لا يقع حتى بالنسبة إلى بعضهما إلى بعض، فإن حيثية

13

فافهم (1).

____________

الهيولى غير حيثية الصورة كما انها غير حيثية الجنس و الفصل و غير حيثية الانسان، و كذلك الجنس و الفصل فإنهما حيث لحظا بنحو اللابشرطية فهما باضافة بعضهما إلى بعض و بالاضافة إلى المركب أيضا، و لذا يجوز حملهما بعضا على بعض و على الكل أيضا و لحاظهما كذلك في قبال لحاظهما بشرط لا و لا يختص لحاظ البشرطلائية و اللابشرطية بالنسبة إلى لحاظ الأجزاء بعضها إلى بعض، و يمكن أن يكون مراده من قوله (قدّس سرّه): لا بالاضافة الى المركب- ان لحاظ هذه اللابشرطية ليس هو لحاظ اللابشرطية التي ذكرها و هو لحاظ الأجزاء لا بشرط من حيث قيد التالف و الاجتماع فإن تلك اللابشرطية تختص بلحاظ الأجزاء في قبال الكل، فإنها لحاظ بالنسبة إلى وصف الجزئية و الكلية و هما متضائفان، فلا بد في مقام لحاظ احدهما من لحاظ الآخر.

(1) يمكن ان يكون إشارة إلى إمكان تصحيح ما في التقريرات بان نقول: ان لحاظ اللابشرطية و البشرطلائية في أجزاء المركبات الحقيقية كما ذكره المصنف في أمور المشتق إنما هو لأجل تصحيح الحمل و لعدم تصحيح الحمل، فإن الجزء الملحوظ لا بشرط كالجنس و الفصل يصح حمله، و الملحوظ بشرط لا كالهيولى و الصورة لا يصح الحمل فيه.

و ما ذكره المصنف و ان كان غير ما ذكره غيره: من ان لحاظ اللابشرطية و البشرطلائية في أجزاء المركبات الحقيقية التي هي الموجودة بوجود واحد إنما هو لأن لأجزاء هذه المركبات جهتين واقعيتين: جهة كونها موجودة بوجود واحد فهي متحدة في الوجود و لحاظها من هذه الجهة لحاظ اللابشرط فلذلك يصح حملها، وجهة ان لكل من هذه الأجزاء حيثية من الوجود تخصه غير حيثية الجزء الآخر و غير حيثية الكل و بهذه الجهة يكون لحاظ البشرطلائية.

14

.....

____________

و الفرق بين المصنف و ما ذكره الغير لا يهم فيما نحن بصدده فنقول: انه من الواضح ان هذه اللابشرطية و البشرطلائية لا محل لها في أجزاء المركبات التي لكل واحد من أجزائها وجود واقعي حقيقي مستقل تمام الاستقلال عن وجود الأجزاء الأخر و الوحدة فيها اعتبارية لا غير، فانه إذا كان للأجزاء وجودات استقلالية واقعية فلا يعقل لحاظها لا بشرط لتصحيح الحمل، لوضوح ان ما كان له وجود مستقل لو لحظ لا بشرط لا يصح حمله على الأجزاء و لا على الكل لأن مناط صحة الحمل في هذا الحمل الذي هو الحمل الشائع الاتحاد إما اتحادا في الوجود: بان يكون لهما وجود واحد حقيقي كالجنس و الفصل، و إما لاتحادهما اتحاد الكلي و فرده كحمل الانسان على زيد و بالعكس، أو لتصادقهما على وجود واحد كحمل الضاحك على المتعجب أو على الناطق فما لم يكن هناك اتحاد حقيقي بنحو من الأنحاء لا يصح الحمل و اما صرف اللحاظ اللابشرطي لا يكون مصححا للحمل مع ان لكل منهما وجودا منفردا مستقلا عن الآخر لا يتحد مع الآخر بنحو من أنحاء الاتحاد، و حيث انها ليست موجودة بوجود واحد فلا يصح لحاظها لا بشرط لما لها من حيثية الوجود الواحد المختصة بها- كما ذكره غير المصنف (قدّس سرّه)- و أيضا لا يكون لحاظها بشرط لا لأجل عدم تصحيح الحمل، لوضوح انه بعد ان كان لكلّ منها وجود مستقل فهي بنفسها لا يصح حملها فلا داعي إلى لحاظها بشرط لا، لعدم صحة الحمل كما في المركبات الحقيقية كالهيولى و الصورة.

و من الواضح- أيضا- انها حيث كان لكل منها وجود مستقل انفرادي فلا يعقل لحاظها بنحو البشرطلائية لأجل حيثية تخصّها من الوجود الواحد إذ ليس لها وجود واحد، بل لكل واحد منها وجود على حدة مستقل و منفرد عن الآخر تماما، فإن للركوع- مثلا- وجودا يخصّه غير وجود القراءة. إلّا انها يمكن ان تلحظ بشرط لا و لا بشرط لا من حيث الجهتين المتقدمتين.

15

[خروج الأجزاء عن محل النزاع‏]

ثم لا يخفى أنه ينبغي خروج الاجزاء عن محل النزاع- كما صرح به بعض- و ذلك لما عرفت من كون الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتا، و إنما كانت المغايرة بينهما اعتبارا، فتكون واجبة بعين وجوبه، و مبعوثا إليها بنفس الأمر الباعث إليه، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر،

____________

و تقريبه انه حيث كان الكلام في مقدميّة الأجزاء للكل لأجل إمكان ان تكون واجبة بوجوب مقدّمي فلذات الجزء الذي له وجود مستقل لحاظ لا يرتبط بكونه جزءا: بان تلحظ ذاته من حيث هي، لا من حيث كونه جزءا، و لحاظ: بان يلحظ كل جزء منفردا عن الكل بما انه بعض هذا الكل و هذا لحاظ صحيح لذات كل جزء منفردا، فإن كل جزء بنفسه إذا لحظ بالنسبة إلى تألف الكل منه هو بعضه و جزء من الكل، ففي هذا اللحاظ حيثية التضايف بين الكل و الجزء محفوظة و لا يلزم في لحاظ الجزئية ملاحظة مجموع الأجزاء، كما ذكرنا سابقا.

و لا يخفى ان لحاظ الجزء بهذا اللحاظ: أي بما هو بعض الكل هو من اللحاظ البشرطلائي، لانه ملحوظ بما هو غير الكل: بنحو انه بعضه و لحاظ بما هو بعض مضايف للحاظ الكل و هو في قبال الكل و بشرط لا من ناحية الكلية، لوضوح كون البعضيّة في قبال الكلية- فصحّ ان يلحظ الجزء بما هو جزء بنحو اللحاظ البشرطلائي، و يمكن ان يلحظ لا بشرط من ناحية كونه في قبال الكل و انه بعض منه، بل بان يلحظ مع غيره من الأجزاء مجتمعة، و حيث ان الكل هو الأجزاء المجتمعة فلحاظها لحاظ الكل فصحّ أن يكون لحاظ الأجزاء لا بشرط: أي لحاظها مع غيرها- لحاظا لكليّه.

إلّا انه بعد تصحيح ما في التقريرات- بما ذكرنا: من البشرطلائية و اللابشرطية- يمكن ان يرد عليه: ان لحاظ الأجزاء مجتمعة لا بشرط ليس لحاظ الكليّة، بل لحاظ الكلية لحاظ الأجزاء المجتمعة بشرط الاجتماع، فيكون الفرق بين الجزئية و الكلية هو لحاظ البشرطلائية و البشرطشي‏ء لا اللابشرطية.

16

لامتناع اجتماع المثلين (1)، و لو قيل بكفاية تعدّد الجهة، و جواز اجتماع الأمر و النهي معه، لعدم تعدّدها هاهنا، لأن الواجب بالوجوب الغيري‏

____________

(1) هذه هي الجهة الثانية التي أشرنا اليها في صدر المسألة: و هي انه بعد تصحيح أن للأجزاء مقدميّة على الكل، و انه- هنا- اثنان: مقدمة و ذو المقدمة إلّا ان هذه المقدميّة لا ينبغي ان يشملها محل النزاع في مسألة وجوب مقدمة الواجب، و ان بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها ملازمة واقعية ام لا؟

و توضيح ذلك: ان المفروض هو كون هذا التركيب اعتباريا لا حقيقيا، و لازم كون التركيب اعتباريا انه ليس الموجود في الخارج إلّا نفس الأجزاء، و انه ليس في الخارج هيئة خارجية تعرض هذه الأجزاء كهيئة السريرية- مثلا- و الّا كان التركيب خارجيا و لم يكن تركيبا اعتباريا، فمعنى التركيب الاعتباري هو كون لحاظ الاجتماع لحاظا ذهنيا بحتا لا خارجيا و إنما هو آلة للحاظ كونه مركبا فقط.

و من الواضح: ان الذي يكون واجبا باي نحو من الوجوب سواء كان نفسيا أو غيريا هو الموجود الخارجي، فاذا لم يكن في الخارج غير نفس الأجزاء فحينئذ هي التي تكون واجبة بالوجوب النفسي.

و من الواضح: انه ليس المأمور به في هذه المركبات الاعتبارية مركبا مما في الخارج و مما في الذهن. فاذا كانت حيثية الاجتماع أمرا ذهنيا فلا تكون مامورا بها و ينحصر ما هو المأمور به في المركبات الاعتبارية و بما يوجد في الخارج، و الذي يوجد في الخارج هو نفس الأجزاء من دون حيثية الاجتماع لما عرفت: من ان التركيب اعتباري. و اذا كانت نفس الأجزاء في الخارج هي الواجبة بالوجوب النفسي لا يبقى مجال لأن تكون واجبة بوجوب آخر مقدّمى، لأن الواجب بالوجوب المقدمي هو الذي يتوقف عليه وجود ذي المقدمة في الخارج، فاذا كانت نفس هذه الأجزاء التي هي مقدمة بنحو من اللحاظ هي الواجبة بالوجوب النفسي في الخارج لا تكون مما يتوقف عليها وجود الواجب في الخارج فلا يترشح لها وجوب من الوجوب النفسي،

17

لو كان إنما هو نفس الأجزاء، لا عنوان مقدّميتها و التوسّل بها إلى‏

____________

لأن الذي يترشح له الوجوب هو ما توقف عليه وجود الواجب لا ما كان نفس الواجب خارجا، فإن المقدمة إذا كانت في الخارج نفس ما هو واجب بالوجوب النفسي لا يعقل ان يترشح لها وجوب غيري فانه لو ترشح لها وجوب غيري، لزم اجتماع المثلين كما هو المعروف، و لزوم اجتماع العلتين المستقلتين على معلول واحد، لأن الوجوب الذي هو علة لإيجاد المقدمة و الوجوب النفسي علة لإيجاد ذي المقدمة، و حيث انه في الخارج واحد و هو نفس الاجزاء فيلزم اجتماع علتين عليه، لوضوح ان هذه الموجودات في الخارج تكون واجبة بوجوب نفسي، و نفسها- أيضا- تكون واجبة بوجوب غيري فيجتمع وجوبان على واجب واحد و يكون من اجتماع العلتين المستقلتين على معلول واحد.

و الى ما ذكرنا أشار بقوله: «لما عرفت من كون الأجزاء بالأسر عين المأمور به» لما عرفت: من ان التركيب إذا كان اعتباريا لا يكون المأمور به في الخارج إلا نفس الأجزاء لا غير، و تنحصر المغايرة بين الأجزاء و الكل بالمغايرة الاعتبارية، لأن حيثية الاجتماع أمر ذهني غير مأمور بها و انما هي أمر ذهني كان آلة للحاظ المركب و وحدته اعتبارا، فحينئذ تكون نفس الأجزاء بلحاظها لا بشرط مقدمة و بلحاظها بشرط شي‏ء ذا المقدمة، فالمغايرة بين المقدمة و ذي المقدمة بصرف اللحاظ الاعتباري و هو امر اعتباري، و لذا قال (قدّس سرّه): «و انما كانت المغايرة بينهما»: أي بين المقدمة و ذي المقدمة «اعتبارا» لا أمرا خارجيا، و لازم ذلك ان تكون الواجبة بالوجوب النفسي هي نفس الأجزاء بالأسر و لذا قال (قدّس سرّه): «فتكون واجبة بعين وجوبه»: أي بعين الوجوب النفسي «و» تكون الأجزاء بالأسر مبعوثا اليها بنفس الأمر الباعث اليه»: أي بنفس الباعث إلى الواجب النفسي، و لا يعقل ان تكون واجبة بوجوب آخر غيري، و إلّا لزم اجتماع المثلين، و لذا قال: «فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر لامتناع اجتماع المثلين».

18

المركب المأمور به، ضرورة أن الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدّمة، لأنه المتوقف عليه، لا عنوانها، نعم يكون هذا العنوان علّة لترشح الوجوب على المعنون.

فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي و الغيري، باعتبارين: فباعتبار كونه في ضمن الكل واجب نفسي، و باعتبار كونه مما يتوسّل به إلى الكل واجب غيري (1)، اللهم إلا أن يريد

____________

(1) هذا دفع لما يمكن ان يقال.

و حاصله: انه لو قلنا بكفاية تعدد الجهة في اجتماع الأمر و النهي، بان نقول: إن الشي‏ء بعنوان واحد لا يعقل أن يؤمر به و ينهى عنه لكنه بعنوانين يمكن أن يجتمع الأمر و النهي فيه فيكون واجبا بعنوان و محرما بعنوان آخر كعنوان الصلاة و الغصب في الحركة الركوعية- مثلا- فانه تكون بعنوان كونها صلاة مأمورا بها، و بعنوان كونها غصبا منهيا عنها، فاذا قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي بعنوانين و بجهتين جاز اجتماع الوجوبين- أيضا- هنا بعنوانين، فإن الأجزاء بعنوان كونها هي الكل تكون واجبة بالوجوب النفسي و بعنوان كونها مقدمة تكون واجبة بالوجوب الغيري، و حيث ان المطلوب واحد يتاكد الوجوب و يكون وجوبا واحدا مؤكدا.

نعم، اذا قلنا بامتناع الاجتماع صح ان يمنع اجتماع الوجوبين في المقام.

و حاصل الدفع: هو انه لو قلنا: بكفاية تعدد الجهة في اجتماع الأمر و النهي أو الأمرين في الواحد ذي العنوانين لا نقول به في المقام، لأن الواجب بالوجوب المقدّمي ليس عنوان المقدمية حتى يجتمع في هذه الأجزاء عنوان كونها صلاة- مثلا- و عنوان كونها مقدمة فإن الواجب بالوجوب المقدّمي ليس عنوان المقدّمية، بل ذات ما هو مقدمة.

19

.....

____________

و البرهان عليه: ان الواجب بالوجوب الغيري ذات ما يتوقف عليه الواجب النفسي لا عنوان مقدّميته و ليس كالصلاة و الغصب فإن المحرّم ما هو معنون الغصبية: أي الحركة المعنونة بكونها غصبا لتعلق الحرمة بعنوان الغصبية، و ليس المحرم ذات الحركة فيجتمع العنوانان. فإن قلنا بكفاية تعدّد الجهة صح الاجتماع، و ان لم نقل بكفاية تعدّد الجهة نقول: بالامتناع.

و أما في المقام فالواجب بالوجوب الغيري ذات ما هو مقدمة لا عنوان المقدميّة- فلا يكون المقام مما اجتمع فيه عنوانان.

و بعبارة اخرى: ان الحيثية تارة تكون تقييدية كما في الصلاة- مثلا- و اخرى تعليلية كما في وجوب المقدمة، فإن عنوان المقدمية حيثية تعليلية لأن يكون ذات ما يتوقف عليه الواجب النفسي واجبا بالوجوب الغيري، و لعل السبب في كون عنوان المقدمية حيثية تعليلية هو أن الحاكم بوجوب مقدمة الواجب هو العقل، و العقل يرى ان التوقف لذات ما يتوقف عليه الواجب النفسي، لا لعنوان المقدمية فما هو بالحمل الشائع مقدمة هو الذي يتوقف عليه الواجب فعنوان المقدمية عند العقل حيثية تعليلية، بخلاف الصلاة فانه لما وقع هذا العنوان متعلقا للأمر فالشي‏ء المعنون بكونه صلاة هو الواجب، فالحركة الركوعية المقيدة بحيثية كونها صلاة هي الواجبة فالحيثية تقييدية، و إلى هذا أشار (قدّس سرّه) بقوله: «لأن الواجب بالوجوب الغيري لو كان إنما هو نفس الأجزاء لا عنوان مقدميتها» و أشار إلى البرهان بقوله: «ضرورة ان الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة»: أي ذات ما هو مقدمة لا عنوان المقدمية «لأنه المتوقف عليه لا عنوانها»: أي لأن الملاك و السبب في وجوب المقدمة هو توقف الواجب عليها، و الواجب انما يتوقف على ذات ما هو مقدمة لا عنوان المقدّمية كما عرفت، فان عنوان المقدمية لم يقع تحت خطاب شرعي حتى نقول ان الأمر تعلق بالعنوان لينطبق على المعنون كما تعلق في عنوان الغصب حتى ينطبق على معنونه، و الّا فالذي يقوم به مفسدة الغصب- أيضا- ما هو غصب‏

20

أن فيه ملاك الوجوبين، و إن كان واجبا بوجوب واحد نفسي لسبقه (1)،

____________

بالحمل الشائع، لا مفهوم الغصبية و لكن حيث كان الغصب متعلق النهي بعنوانه لينطبق على معنونه فالعنوان هو المتعلق للنهي و الخطاب، بخلاف وجوب المقدمة فإن المدرك لوجوبها لو قلنا به هو العقل و العقل يدرك ان ذات ما يتوقف عليه الواجب هو الذي تعلق به الوجوب و يترشح اليه من الوجوب النفسي.

نعم، حيث ان موجودات العقل من سنخ المدركات النفسية فالعقل يدرك ما في الخارج بعنوانه فيجعل عنوان المقدمية مرآة لما هو الواجب عنده، و هو ما بالحمل الشائع مقدمة: أي ذات ما هو مقدمة، و إلى كون الحيثية تعليلية أشار بقوله: «نعم يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون».

فاذا عرفت هذا- عرفت انه لم يجتمع في المقام عنوانان.

فاتضح فساد ما توهم ان المقام من قبيل ما اجتمع فيه العنوانان كما في مقام اجتماع الأمر و النهي فلا تكون الأجزاء مما تتصف بالوجوب النفسي و الغيري و الى هذا أشار بقوله: «فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء إلى آخره».

(1) حاصله كاعتذار و تأويل لتوهم هذا المتوهم: بان نقول أن مراده من اجتماع العنوانين في الأجزاء أن في الأجزاء يجتمع الملاكان للوجوبين لا نفس الوجوبين، لأنه حيث كان ملاك المقدمية- على ما عرفت مما تقدم- موجودا في الأجزاء و ملاك الوجوب النفسي لا ريب في وجوده فيها لأنها نفس الواجب بالوجوب النفسي فاجتمع في الأجزاء الملاكان لوجوبين لا نفس الوجوبين، و حيث لا مجال لتأثير كلا الملاكين فلا بد ان يؤثر احدهما فقط، فيكون المؤثر في الوجوب هو ملاك الوجوب النفسي لأن ملاك الوجوب النفسي كعلة للوجوب الغيري، فلا بد و أن يسبق ملاك الوجوب النفسي في التأثير- في المقام- لأن تأثير ملاك الوجوب النفسي بعد ان كان كعلة للوجوب الغيري لا يعقل بان يتوقف تأثيره على ما هو كمعلول له، بخلاف تأثير ملاك الوجوب الغيري فانه لما كان كمعلول للوجوب النفسي فيتوقف تأثيره على تأثير

21

فتأمل (1).

____________

ملاك الوجوب النفسي، فلا بد و أن يتقدم في التأثير فلا مانع له و هو ملاك الوجوب النفسي لعدم توقفه على ملاك الوجوب الغيري، لأن تأثير العلة لا يتوقف على تأثير معلولها بخلاف تأثير المعلول فإنه يتوقف على تأثير العلة، و هو واضح و هذا مراده من قوله (قدّس سرّه): «و ان كان واجبا بوجوب واحد نفسي لسبقه».

(1) لقد ذكر (قدّس سرّه) في حاشيته على المتن وجه التأمل‏ (1).

و حاصله، بتوضيح: انه ليس في الأجزاء ملاك الوجوب الغيري و إن تصورنا مقدميتها بما مر من اللحاظ اللابشرطي، فالأجزاء لا يعقل أن يكون فيها ملاك المقدّمية الذي يقتضي ان تكون واجبة بالوجوب الغيري لأن ملاك المقدمية الذي يقتضي الوجوب لا يكفي فيه صدق المقدّمية وحدها، بل لا بد من كونها مقدمة بحيث يتوقف وجود الواجب النفسي عليها و هذا الشرط مفقود في الأجزاء، اذ لا يعقل ان يكون في الأجزاء ملاك ما يتوقف وجود الواجب النفسي عليه، لما عرفت: من ان الواجب بالوجوب النفسي نفس الأجزاء، فلا يعقل ان يكون وجود الأجزاء التي هي الواجب بالوجوب النفسي متوقفا على المقدمة الواجبة بالوجوب الغيري، اذ لا يعقل توقف وجود الأجزاء على نفسها، فملاك الوجوب الغيري و هو توقف وجود ذي المقدمة على وجود المقدمة لا يوجد في هذه المقدمة التي أمكن أن تكون مقدمة بنحو من اللحاظ.

و قد عرفت ان صرف كونها مقدمة لا يكفي في تحقق ملاك الوجوب الغيري، بل لا بد من التوقف في مقام الوجود و لا توقف هنا في مقام الوجود.

____________

(1) راجع كفاية الاصول بحاشية المحقق المشكيني (قدّس سرّه): ج 1، ص 141 حجري.

22

هذا كله في المقدمة الداخلية.

[المقدمة الخارجية]

و أما المقدمة الخارجية: فهي ما كان خارجا عن المأمور به، و كان له دخل في تحققه، لا يكاد يتحقق بدونه، و قد ذكر لها أقسام، و أطيل الكلام في تحديدها بالنقض و الإبرام، إلا أنه غير مهم في المقام (1).

[المقدمة العقلية و الشرعية و العادية]

و منها: تقسيمها إلى العقليّة، و الشرعيّة، و العاديّة:

فالعقليّة: هي ما استحيل واقعا وجود ذي المقدمة بدونه.

____________

(1) لقد قسموا المقدمة الخارجية التي يتوقف وجود الواجب النفسي عليها إلى خمسة أقسام: السبب، و الشرط، و عدم المانع، و المعدّ، و العلة التامة.

و عرفوا السبب: بانه ما لزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم.

و الشرط: بانه ما لزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود.

و المانع: بانه ما لزم من وجوده العدم و لا يلزم من عدمه الوجود و مثلوا للسبب بالنار بالنسبة إلى الاحراق، و للشرط بالمقاربة من الجسم، و للمانع بالرطوبة المانعة من احتراق الجسم في حال مقاربة النار لها.

و عرفوا المعدّ: بما يقرّب المعلول من علته و مثلوا له بطي المسافة للكون على السطح مثلا.

و العلة التامة: هي مجموع هذه الامور. و قد اكثروا النقض و الابرام في التعاريف المذكورة.

و لا يخفي انه لا فائدة في هذه التقاسيم و لا في النقض و الإبرام فيها، لأن هذه التقسيمات انما يكون لها اثر حيث نقول بالتفصيل في وجوب بعضها دون بعض، أما لو قلنا بوجوب كل ما توقف الواجب عليه فلا فائدة في ذلك، هذا أولا.

و ثانيا: انه على مذاق المصنف ان هذه التعاريف لفظية لشرح الاسم و ليست بالحد و لا بالرسم فلا ينبغي النقض و الإبرام فيها و لذا قال (قدّس سرّه): «إلّا انه غير مهم في المقام».

23

و الشرعيّة على ما قيل: ما استحيل وجوده بدونه شرعا (1)، و لكنه لا يخفى رجوع الشرعيّة إلى العقليّة، ضرورة أنه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا، إلا إذا أخذ فيه شرطا و قيدا، و استحالة المشروط و المقيد بدون شرطه و قيده يكون عقليا (2).

____________

(1) هذا تقسيم آخر للمقدمة، فانهم قسموا المقدمة إلى العقلية، و عرفوها: بانه ما استحيل وجود ذي المقدمة بدونها عقلا كطي المسافة بالنسبة إلى الوصول إلى مكة- مثلا- فان طي المسافة ما يتوقف عليها وجود الواجب عقلا، لوضوح محالية الطفرة عقلا. فهذا التوقف مما يحكم العقل به و انه لا يعقل وجود الواجب بدون هذه المقدمة. و الى المقدمة الشرعية: و هي ما استحال وجود الواجب بدونها شرعا كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة فانه يستحيل تحقق الصلاة الصحيحة شرعا بدون الطهارة بعد أن اشترط الشارع الصلاة بالطهارة، و من الواضح ان هذا التوقف ليس كالسابق الذي يدرك العقل محالية وجود ذي المقدمة بدونها و لكن عند الشارع بعد أن أخذ الطهارة شرطا يستحيل عنده وجود ذي المقدمة بدونها. و الى المقدمة العادية، و سيأتي الكلام فيها، فأقسام المقدمة ثلاثة: عقلية، و شرعية، و عادية.

(2) حاصل ما اورده المصنف على تقسيم المقدمة إلى الشرعية و العقلية ان الشرعية ترجع إلى العقلية، بان نقول: ان هذا الاشتراط الشرعي إن كان إرشاديا إلى أن هذا المتعلق للوجوب النفسي لا يحصل منه الغرض المترقب منه الّا باتيان هذه المقدمة، فيكون الشارع في هذا المقام مرشدا صرفا إلى هذا التوقف، و تكون الصلاة واقعا مما تتوقف على الطهارة، كتوقف أداء مناسك الحج في مكة على طي المسافة فالتوقف عقلي، لاستحالة حصول ذي المقدمة واقعا بدون هذه المقدمة، و إنما الفرق بين هذين التوقفين هو ان العقل في الاولى يدرك التوقف، و في الشرعية لا يدرك التوقف و انما الشارع أرشد اليه.

24

[رجوع المقدمة العادية إلى العقلية]

و أما العاديّة: فإن كانت بمعنى أن يكون التوقّف عليها بحسب العادة بحيث يمكن تحقّق ذيها بدونها، إلا أنّ العادة جرت على الإتيان به بواسطتها، فهي و إن كانت غير راجعة إلى العقلية، إلا أنه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع، و إن كانت بمعنى أن التوقف عليها و إن كان فعلا واقعيا كنصب السلم و نحوه للصعود على السطح، إلا أنه لاجل عدم التمكن عادة من‏

____________

و أما إذا كانت الشرطية جعلية فالشرعية- أيضا- ترجع إلى العقلية: بمعنى انه بعد أخذ الشارع هذا الشرط في المشروط به فلا يعقل حصول المشروط بدون شرطه، فيكون الفرق بين العقلية و الشرعية هو ان السبب في التوقف تارة يكون أمرا طبيعيا و اخرى أمرا شرعيا.

و أما التوقف نفسه فلا يختلف في كليهما، فإن الحال في كليهما واحدة لانهما صغرى لكبرى واحدة، و هي استحالة حصول المشروط من دون شرطه، غايته ان السبب في كون الشي‏ء شرطا مختلف، ففي الاولى اقتضاه الوضع الطبيعي و في الثانية كان بواسطة الجعل الشرعي.

و على كل فقد ظهر ان الاستحالة في كل منهما هي عند العقل، لا أن الاستحالة في المقدمة العقلية عقلية و في المقدمة الشرعية شرعية، بل في كليهما الاستحالة عقلية، و إنما الاختلاف بينهما في سبب هذه الاستحالة كما عرفت. و يمكن ان يكون المصنف قد أشار إلى كلا الاحتمالين بقوله: «إذا اخذ فيه شرطا» فإن الأخذ تارة لأجل أنه يعلم و يرى ما لا يتوصل اليه العقل فيكون قد أخذه لأن يرشد إلى دخالته واقعا، و اخرى يكون الاخذ لأجل جعله لشرطيته، إلّا ان المنصرف من كلامه (قدّس سرّه) هو الاحتمال الثاني لظهور الأخذ في الجعل.

25

الطيران الممكن عقلا فهي- أيضا- راجعة إلى العقليّة، ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا لغير الطائر فعلا، و إن كان طيرانه ممكنا ذاتا (1)،

____________

(1) هذا القسم الثالث، و هو المقدمة العاديّة- فقد عرفت فيما تقدم انهم قسموا المقدمة إلى عقلية و شرعية و عادية، و قد مر الكلام في العقلية و الشرعية.

و أما العادية: فهي التي اقتضت العادة إتيانها و قد أشار المصنف إلى نحوين منها، و لها انحاء أخر و لكن لا موجب لذكرها لخروجها كالنحو الاول الذي أشار اليه في الخروج عن محل النزاع.

النحو الاول: أن يكون توقف ذي المقدمة على هذه المقدمة بالخصوص، لأن العادة جرت على إتيان هذه المقدمة، و لكن ليس لذي المقدمة توقف على خصوص هذه المقدمة، كما لو كان هناك طريقان كل منهما موصل إلى الغاية المأمور بها و لكن العادة جرت على سلوك هذا الطريق، فهذه المقدمة يصح ان تكون في قبال المقدمة العقلية، لوضوح أن المقدمة العقلية هي التي يستحيل عقلا إتيان ذي المقدمة بدونها، و هذه المقدمة العادية لا يستحيل إتيان ذي المقدمة بدونها لإمكان سلوك الطريق الآخر الذي لم تجر العادة بسلوكه، و لكن لا دخالة لها في محل النزاع من كون مقدمة الواجب واجبة، فإن الكلام في وجوب المقدمة التي يستحيل وجود الواجب بدونها، فالقائل بوجوب مقدمة الواجب لا يقول بوجوب خصوص هذه المقدمة العادية، لأن الذي يستحيل وجوب الواجب بدونه هو طي المسافة لا خصوص هذه المقدمة التي جرت العادة بسلوكها، فلا وجه لجعلها قسما من أقسام مقدمة الواجب التي هي محل النزاع، و لذا قال (قدّس سرّه): «فهي و إن كانت غير راجعة إلى العقلية إلّا انه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع».

النحو الثاني: أن تكون المقدمة مما يستحيل تحقق ذي المقدمة بدونها إلّا ان العادة اقتضت هذه الاستحالة، و ذلك كنصب السلم للأجسام الثقيلة للصعود على السطح التي ليس لها قدرة الطيران، و ليس لها من القوة الخارقة للعادة بحيث تستطيع‏

26

فافهم (1).

____________

الوثوب إلى أعلى حتى تكون على السطح، و إنما سميت هذه المقدمة بالعاديّة لأن المقدمة العقلية التي يتوقف ذو المقدمة عليها هو طي المسافة، لامتناع الكون على السطح من دون طي المسافة لاستلزام ذلك للطفرة المحال عقلا وقوعها، فالكون على السطح يتوقف توقفا عقليا على طي المسافة، و أمّا توقفه على خصوص نصب السلم إنّما هو لأجل عدم تمكن الجسم الثقيل من الطيران و عدم قوة له خارقة للعادة على الوثوب إلى السطح، فالتوقف على نصب السلم إنما هو بالقياس إلى أن الجسم الثقيل المعتاد منه لا يقدر على الطيران و ليست له قوة خارقة للعادة، و هذه المقدمة تسمى بالمقدمة العاديّة، لأن المعتاد في الجسم الثقيل في صعوده إلى السطح أن يتوقف على نصب السلم.

و لا يخفى ان هذا النحو من المقدمة و ان كان يسمى بالمقدمة العادية إلّا ان التوقف فيه عقلي، لوضوح ان الكلام في توجه وجوب المقدمة إلى ما يتوقف عليه وجود ذي المقدمة، و حيث انحصر في الجسم الثقيل فرد طي المسافة بنصب السلم فيتوجه الوجوب اليه، لانحصار طي المسافة بالنسبة إلى الجسم الثقيل، فهذه المقدمة تدخل- أيضا- في المقدمة العقلية لأن محل الكلام ليس وجوب المقدمة التي لها امكان ذاتي، فإن طيران الجسم الثقيل و إن كان ممكنا بالذات إلّا انه بحسب العادة و الوقوع لا تحقق له، و الكلام ليس في وجوب المقدمة التي لها إمكان بالذات و لذا قال: «فهي- أيضا- راجعة إلى العقلية ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب» للسلم «عقلا» بالنسبة إلى الجسم الثقيل «لغير الطائر فعلا، و ان كان طيرانه» أي طيران الجسم الثقيل «ممكنا ذاتا».

(1) لعله يشير بقوله فافهم إلى ان رجوع الشرعية و العادية إلى العقلية لا يضر في كون المقدمة تنقسم اليهما و الى العقلية، لوضوح انه مع كونهما يرجعان إلى العقلية هناك فرق بينهما، لأن الغرض في هذا التقسيم هو كون ما يتوقف عليه ذو المقدمة تارة

27

[مقدمة الوجود و الصحة و الوجوب و العلم‏]

و منها: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود، و مقدّمة الصحة، و مقدمة الوجوب، و مقدمة العلم.

[رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود]

لا يخفى رجوع مقدّمة الصحة إلى مقدّمة الوجود، و لو على القول بكون الاسامي موضوعة للأعمّ، ضرورة أن الكلام في مقدمة الواجب، لا في مقدمة المسمى بأحدها، كما لا يخفى.

[خروج مقدمة الوجوب و المقدمة العلمية عن محل النزاع‏]

و لا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع، و بداهة عدم اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها، و كذلك المقدمة العلمية، و إن استقلّ العقل بوجوبها، إلّا أنه من باب وجوب الاطاعة إرشادا ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجّز،

____________

يكون أمرا عقليا بذاته يدركه العقل، و اخرى لا يكون العقل مدركا لتوقف ذي المقدمة عليه، و لكن بعد جعله شرعا يدرك التوقف عليه، و ثالثة ان يكون ادراك العقل للتوقف عليه بملاحظة ما للجسم الثقيل في المعتاد من عدم قدرته على الطيران و الوثوب، و بهذه الإضافة و الملاحظة يدرك العقل التوقف على هذه المقدمة الخاصة و هي نصب السلم بخلاف طي المسافة فانه لمحالية الطفرة يدرك العقل توقف ذي المقدمة على طي المسافة توقفا بالذات من دون ملاحظة و إضافة إلى شرع أو عادة.

و بعبارة اخرى: ان التقسيم بلحاظ نفس التوقف في المقدمة، و ان سببه تارة يكون عقليا تدركه الأنظار جميعا، و اخرى يكون شرعيا لا تدركه الانظار غير نظر الشارع، و ثالثة يكون محاليته بالقياس إلى الغير.

و الاولى العقلية، و الثانية الشرعية، و الثالثة العادية.

فان نصب السلم إنما يكون مقدمة بالاضافة و القياس إلى الاجسام الثقيلة التي لا قدرة لها على الوثوب.

28

لا مولويا من باب الملازمة، و ترشّح الوجوب عليها من قبل وجوب ذي المقدمة (1).

____________

(1) هذا تقسيم آخر للمقدمة، فإنهم قسموها إلى أقسام أربعة:

القسم الاول: مقدمة الوجود: و هي التي يتوقف وجود الواجب عليها لا وجوبه، كطي المسافة بالنسبة إلى الكون على السطح، فإن وجود الكون على السطح يتوقف على طي المسافة لا وجوب الكون على السطح فإنه لا توقف له على طي المسافة، و لا إشكال في دخول هذه المقدمة في محل النزاع، فبناء على وجوب مقدمة الواجب تكون مقدمة الكون على السطح واجبا شرعيا، و بناء على عدم الوجوب تكون مقدمة الكون على السطح واجبا عقليا لا شرعيا، لإرشاد العقل و إلزامه بإتيانها لتوقف وجود الواجب عليها و هي مقدورة فاذا لم يأت بها يكون قد فوت الواجب و لم يمتثله باختياره.

القسم الثاني: مقدمة الصحة: و هي التي يتوقف صحة الواجب عليها، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة فإنّ صحة الصلاة متوقفة على الطهارة، لا ذات وجود أجزاء الصلاة كالتكبير و الركوع و غيرهما متوقفة على الطهارة، لوضوح عدم توقف ذات التكبير على الطهارة. نعم، التكبير الموصوف بالصحة موقوف على الطهارة، هذا.

و لكنه من الواضح دخول مقدمة الصحة في مقدمة الوجود، لأن المفروض أن محل الكلام في مقدمة الواجب بما هو واجب سواء توقف تحقق ذات الواجب عليها أو توقف تحققه بما هو واجب عليها، فإن الطهارة و إن لم يتوقف تحقق ذات ما هو واجب عليها إلّا أن تحقق الواجب بما هو واجب متوقف عليها.

و بعبارة اخرى: ان الكلام في مقدمة ما هو واجب و مأمور به فان الكلام في وجوب ما تتوقف عليه الصلاة التي هي واجبة، و ليس الكلام في خصوص ما يتوقف عليه المسمى بلفظ الصلاة. نعم، لو كان الحال كذلك لكانت مقدمة الصحة قسما مقابلا لمقدمة الوجود الّا انه ليس كذلك، بل الكلام في وجوب مقدمة الواجب بما

29

.....

____________

هو واجب حتى لو قلنا بان اسامي العبادات- مثلا- موضوعة للاعم، لبداهة ان المأمور به بما هو مأمور به هو الفرد الصحيح لا الاعم من الصحيح و الفاسد، و اذا كان الواجب و المأمور به هو الصحيح دخلت مقدمة الصحة في مقدمة الوجود لما عرفت من توقف الصحيح عليها الذي هو الواجب، و الى هذا أشار بقوله:

«لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود الخ».

القسم الثالث: مقدمة الوجوب: و هي التي يتوقف وجوب الواجب عليها لا وجوده و هي على نحوين لأنها:

تارة: لا تكون اختيارية للمكلف كالوقت بالنسبة إلى الصلاة و لا ريب في خروج هذا عن محل النزاع لا لما يأتي من محالية دخولها في محل النزاع، بل لأن ما لا يكون باختيار المكلف لا يكون موردا للتكاليف.

و اخرى: تكون تحت الاختيار كقوله- مثلا- إذا قرأت آية السجدة فاسجد، فإن قراءة آية السجدة تحت اختيار المكلف إلّا انه لا يعقل دخولها في محل النزاع لعدم إمكان اتصاف مقدمة وجوب الواجب بالوجوب من قبل وجوب الواجب، لأن المفروض انه انما يكون وجوب الواجب متحققا بعد تحققها، فقبل تحققها لا وجوب للواجب حتى يترشح منه وجوب هذه المقدمة و بعد تحققها و حصول وجوب الواجب لا معنى لترشح الوجوب اليها، إذ الداعي لتعلق الوجوب بشي‏ء أن يكون داعيا إلى إيجاده و تحصيله، و بعد وجوده لا معنى لايجاده و تحصيله فانه من إيجاد الموجود و تحصيل الحاصل، مضافا إلى ان وجوب مقدمة الواجب معلول لوجوب الواجب، و من الواضح ان وجوب الشي‏ء له نحو من العلية لوجوده لانه هو الداعي لوجوده و مقدمة الوجوب هي التي يكون وجودها من معاليل وجوب الواجب، فاذا فرض ترشح الوجوب اليها من وجوب الواجب تكون العلة معلولة لمعلولها و هو من أبده المحالات، لوضوح أن ما فرض كونه علة لشي‏ء لا يعقل ان يكون معلولا لذلك الشي‏ء، و الى ما ذكرنا أشار بقوله: «لا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل‏

30

.....

____________

النزاع و بداهة عدم اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها»: أي بداهة عدم إمكان ترشح الوجوب اليها من الواجب المشروط وجوبه بوجودها، و هذا يمكن انطباقه على المحذور الاول و هو لزوم تحصيل الحاصل، و يمكن انطباقه على المحذور الثاني و هو أن علة الشي‏ء لا يعقل ان تكون معلولا له.

القسم الرابع: المقدمة العلمية: و هي التي يتوقف العلم بتحقق الواجب عليها لا وجوده و لا صحته و لا وجوبه، كغسل مقدار مما فوق قصاص الشعر و مما فوق المرفق ليحصل العلم بتحقق ما هو المأمور به من غسل الوجه و اليد، فإن غسل ما فوق قصاص الشعر و ما فوق المرفق لا يتوقف عليه وجود غسل الوجه و لا وجود غسل المرفق و لا صحته و لا وجوبه، و إنما يتوقف عليه العلم بتحقق ما هو المأمور به قطعا أو كالصلاة إلى جهتين أو اكثر إذا اشتبهت القبلة بينها.

و من الواضح خروج المقدمة العلمية عن محل الكلام، لانه في المقدمة التي تكون علة في مقام الوجود لتوقف وجود الواجب عليها، و ليس غسل ما فوق قصاص الشعر مما يتوقف عليه وجود الغسل من قصاص الشعر، و لا الصلاة إلى جهة غير القبلة مما يتوقف عليه وجود الصلاة إلى القبلة.

نعم، العلم بتحقق وجود الغسل و العلم بتحقق الصلاة إلى القبلة يتوقف على ذلك. و قد عرفت ان الكلام ليس فيما يتوقف عليه العلم بوجود الواجب.

بعبارة اخرى: الكلام في وجوب علة الوجود لا في علة العلم بالوجود، و ان كانت هذه المقدمة العلمية مما يأمر العقل بإتيانها إرشادا إلى احراز الامتثال و للتخلص من تبعات عدم امتثال الواجب، ليأمن المكلف من تبعات مخالفة التكليف الذي نجز عليه، و ليس الكلام في كل مقدمة يأمر العقل بإتيانها ارشادا إلى ما به يحصل العلم بالاطاعة، و انما الكلام في المقدمة التي يترشح لها وجوب مولوي من وجوب الواجب فتكون مطلوبة كالواجب النفسي بطلب مولوي، غايته انه وجوب غيري ترشحي و هذه المقدمة ليست إلا المقدمة التي تكون علة لوجود الواجب، لأن من‏

31

[تقسيم المقدمة إلى المتقدم و المقارن و المتأخر]

و منها: تقسيمها إلى المتقدّم، و المقارن، و المتأخّر، بحسب الوجود بالاضافة إلى ذي المقدمة (1)، و حيث إنها كانت من أجزاء العلة و لا بد

____________

يريد شيئا يريد ما يتوقف عليه وجود ما أراده، لا المقدمة التي يتوقف عليها العلم بتحقق ما أراده و هي خارجة عن العلية لوجود ما طلب و ما أريد هذا حاصل ما أشار اليه بقوله: «و كذلك المقدمة العلمية»: أي كما ان مقدمة الوجوب خارجة عن محل الكلام كذلك المقدمة العلمية خارجة أيضا «و ان استقل العقل بوجوبها»:

أي بلزوم اتيانها إلّا انه ليس لتوقف وجود الواجب عليها، فإن الواجب مربوط بعلة وجوده لا بوجود شي‏ء آخر معه ليس دخيلا في علته، بل دخيلا في تحقق العلم بوجوده، و لذلك يأمر العقل باتيانها الّا ان أمره باتيانها لا لأنها علة للوجود، بل لأنها علة للعلم بتحقق ما أمر به لأن العقل يلزم بالاطاعة على نحو اليقين فلا بد في تحقق العلم بالاطاعة من الإتيان بالمقدمة العلمية ليأمن بها من العقوبة، إذ الأمان من العقوبة لا يتحقق إلّا بعد العلم بإتيان ما أمر به فالأمر بالمقدمة العلمية أمر عقلي إرشادي للعلم بتحقق الإطاعة. و الكلام في مقدمة الواجب التي لها امر مولوي يترشح من وجوب الواجب للملازمة بين الوجوب النفسي للواجب و الوجوب الغيري للمقدمة، و لذا قال (قدّس سرّه): «إلّا انه»: أي إلّا ان استقلال العقل بوجوبها و لزوم اتيانها «من باب وجوب الاطاعة ارشادا» فالامر من العقل بوجوب اتيان المقدمة العلمية ارشادي «ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجّز لا مولويا» كمقدمة الواجب فإن الأمر فيها مولوي كالامر في الواجب النفسي «من باب الملازمة و» لأجل «ترشح الوجوب عليها من قبل وجوب ذي المقدمة».

(1) هذا تقسيم آخر للمقدمة، فانهم قسموها الى المقدمة المتقدّمة، و المقارنة، و المتأخرة بحسب الوجود.

و لا يخفى ان عنوان هذا التقسيم حيث كان في مقدمة الواجب فهو مختص بمقدمة المأمور به دون مقدمة الحكم التكليفي و الحكم الوضعي.

32

.....

____________

و لكن حيث انه لا اختصاص للاشكال الآتي بمقدمة المأمور به لذلك حرّر الإشكال في المقدمات الثلاث، و حيث إن طريق الجواب عن مقدمة الحكم التكليفي و الحكم الوضعي واحد و غير مختلف لذلك جعله مقاما أوّلا، و جعل الجواب عن مقدمة المأمور به مقاما ثانيا لانه غير طريق الجواب عن الحكم التكليفي و الحكم الوضعي كما سيأتي بيانه ان شاء اللّه.

ثم لا يخفى- أيضا- انه لا فرق بين الشرط الشرعي و العقلي فيما هو المهم من محل الإشكال، لوضوح ان الشرط من متممات المقتضي في مقام التأثير، فكما ان المقاربة للجسم شرط في تأثير النار للاحراق كذلك الطهارة بالنسبة إلى الصلاة فانها شرط في تأثيرها الاثر المترقب منها فلا فرق بينهما، فاذا لم يعقل تأثير النار للاحراق مع تاخر المقاربة زمانا عن الإحراق كذلك لا يعقل تأثير الصلاة في الصحة و ترتب اثرها المترقب منها عليها مع تأخر الطهارة زمانا عن تأثير الصلاة في الصحة المترقبة منها بعد انتهاء زمان الصلاة.

و على كل فالشرط يكون متقدما كغسل المستحاضة في الليل لصحة صومها من أول الفجر.

و يكون مقارنا كالستر بالنسبة إلى الصلاة.

و يكون متاخرا كغسل المستحاضة لصلاة المغرب و العشاء بالنسبة إلى صوم يومها الذي انتهى بالمغرب.

و اتضح من الأمثلة المذكورة ان التقدم و التقارن و التأخر هو بحسب الوجود، ففي المثال الاول الغسل يتقدم بالوجود على الصوم، و في الثاني وجود الستر يقارن وجود الصلاة، و في الثالث يتأخر وجود الغسل عن وجود الصوم، و لذا قال (قدّس سرّه): «تقسيمها إلى المتقدم و المتاخر بحسب الوجود بالاضافة إلى ذي المقدمة»: أي إلى وجود ذي المقدمة و لم يذكر المقارن- في بعض النسخ- لعدم تاتي الإشكال الآتي فيه بل هو مختص بالشرط المتقدم بحسب الوجود زمانا المعدوم حال‏

33

[الاشكال في المقدمة المتأخرة]

من تقدمها بجميع أجزائها على المعلول (1) أشكل الأمر في المقدمة المتأخرة، كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض، و الاجازة

____________

حصول المشروط، أو المقتضي المتقدم كذلك المعدوم حال حصول مقتضاه و أثره، و بالمتأخر زمانا بحسب الوجود بعد حصول المشروط و المقتضى.

(1) لأجزاء العلة على معلولها-: أي المقتضي و الشرط- تقدم غير تقدم العلة على معلولها، فإن أجزاء العلة تتقدم بالطبع و ملاكه امكان ان يوجد السابق بدون اللاحق، و عدم إمكان ان يوجد اللاحق و لا يوجد السابق، كمثل تقدم الواحد على الاثنين فان ملاك التقدم الطبعي موجود فيه ايضا، اذ يعقل ان يوجد الواحد و لا وجود للاثنين، و لا يعقل ان توجد الاثنان و لا وجود للواحد، و الحال كذلك في المقتضي بالنسبة إلى مقتضاه فانه يعقل ان يوجد المقتضي و لا وجود للمقتضى: بان توجد النار و لا يوجد الاحراق و لا يعقل ان يوجد الاحراق و لا وجود للنار، و مثله الشرط كمقاربة النار للجسم المحترق فانه يعقل ان توجد مقاربة النار للجسم المحترق و لا يحصل الاحتراق لوجود الرطوبة في الجسم المانعة من الاحتراق و لكنه لا يعقل ان يحترق الجسم و لا تكون مقاربة من النار له. و العلة التامة تتقدم على معلولها بالوجوب لا بالوجود اذ لا يعقل ان توجد العلة التامة و لا وجود للمعلول، و الّا لم تكن علة تامة فلا بد من لزوم المقارنة في الوجود بين العلة التامة و معلولها، و لكنه حيث كان لزوم وجود المعلول آت من ناحية العلة فهذه الضرورة و اللزوم لوجود المعلول ليس لذاته بل من ناحية العلة، فلا بد و أن تكون العلة متقدمة في الوجوب و الضرورة على معلولها، و لذا يقال: وجبت العلة فوجب المعلول، الّا ان العلة التامة و أجزاءها و ان اختلف ملاك التقدم فيهما لكنهما يشتركان في امر و هو انه لا بد من ان يكونا جميعا موجودين في زمان وجود المعلول، فلا يعقل ان تتقدم أجزاء العلة بالوجود على المعلول و تكون حال وجود المعلول معدومة.

و أما العلة التامة فقد مر أنها لا بد من مقارنة زمان وجودها لوجود المعلول.

34

في صحة العقد- على الكشف- كذلك، بل في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط زمانا المتصرم حينه، كالعقد في الوصية و الصرف و السلم، بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه، لتصرمها حين تأثيره، مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا، فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر في الشرعيات- كما اشتهر في الألسنة- بل يعم الشرط و المقتضي المتقدمين المتصرمين حين الأثر.

و التحقيق في رفع هذا الاشكال أن يقال: إن الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها، لا يخلو إما يكون المتقدم أو المتأخر شرطا للتكليف، أو الوضع، أو المأمور به (1).

____________

و قد عرفت ان المراد بأجزاء العلة المقتضي و الشرط دون المعد، فإن المعد ليس من متممات فاعلية العلة بل هو ما يقرب العلة إلى معلولها، فقد يكون موجودا حال وجود المعلول كوجود جد زيد بالنسبة إلى نطفة زيد فانه من قبيل المعد لها، و قد يكون معدوما حال وجود المعلول كصعود المراقي بالنسبة إلى الكون على السطح فإنها حال الكون على السطح معدومة و خصوصا صعود المراقي قبل المرقاة الأخيرة فإن كل واحدة منها معدومة حال وجود لاحقتها.

و أما المقتضي و الشرط فلا يعقل انعدامهما حال تحقق المعلول، لوضوح ان المقتضي هو الذي يترشح منه وجود المعلول، و الشرط هو المتمم لفاعلية المقتضى فلو كانا معدومين حال وجود المعلول للزم تأثير المعدوم في الموجود و هو محال، اذ لا يعقل ان يؤثر اللاوجود في الوجود و هو بديهي، و هذا هو البرهان- أيضا- على أمر مشترك آخر بين أجزاء العلة و العلة التامة، و هو انه لا يعقل ان يتاخرا زمانا عن زمان وجود المعلول للزوم تأثير المعدوم في الموجود.

(1) لا يخفى ان القوم ذكروا الإشكال في تأخر وجود الشرط زمان وجود مشروطه و قد حرروا المسألة في شرائط الحكم الوضعي لانهم ذكروا الاشكال في إجازة المالك‏

35

.....

____________

للعقد الفضولي فإنهم اختلفوا في كون اجازة المالك ناقلة أو كاشفة، و المراد من كونها ناقلة انه لا يكون للعقد تأثير في حصول النقل و الانتقال الا بالاجازة، فالعقد يؤثر النقل و الانتقال بوجود الإجازة.

و ذهب المشهور إلى كونها كاشفة و معنى كونها كاشفة انها بوجودها المتأخر تكون كاشفة عن حصول النقل و الانتقال من حين العقد، و ليس الإجازة عند القائلين بالكشف انها لا دخل لها في تأثير العقد اصلا و انها كاشفة محضة و التأثير للعقد وحده من دون دخالة للاجازة، بل الظاهر من اكثرهم ان لرضا المالك و اذنه دخالة بنحو الشرطية في تأثير العقد فلا بد و ان يكون لإجازته دخالة الشرطية- أيضا- في تأثير العقد من حينه مع كونها متأخرة زمانا عن زمان وجود العقد- فاشكل عليهم الأمر لأن الشرط لا يعقل ان يكون حال حصول أثر العقد معدوما، لأن فاعلية الفاعل و تأثيره تتم بالشرط، فكيف يعقل ان تكون معدوما حال حصول الأثر و يكون من تأثير المعدوم في الموجود، و اذا كان المناط في الإشكال هو هذا اللازم الباطل لا يختص هذا الإشكال بالشرط المتأخر، بل يعم الشرط المتقدم وجوده على وجود المشروط: بان يكون معدوما حال وجود المشروط، فغسل المستحاضة المتقدم في أول الليل الذي هو شرط صحة صومها من أول الفجر يكون من تأثير المعدوم في الموجود، و يعم- أيضا- المقتضي المتقدم بوجوده على مقتضاه و أثره الذي- أيضا- يكون معدوما حال حصول أثره، كتأثير عقد الوصية من الموصي فيما بعد موته فانه ينشئ العقد في حال حياته و يؤثر هذا العقد أثره بعد موته، إذ لا تأثير للوصية في حياة الموصى، فهذا العقد حال إنشائه لا اثر له و في حال تأثيره هو معدوم فيكون من تأثير المعدوم في الموجود.

و الإشكال- أيضا- جار في عقد الصرف فإن العقد لا يؤثر في النقل و الانتقال في المعاملة الصرفية الا بعد التفرق، ففي حال تحقق العقد لا اثر له، و في حال التفرق- الذي هو زمن التأثير- العقد معدوم غالبا. و مثله في عقد السلم، بل يعم الإشكال‏

36

أما الاول: فكون أحدهما شرطا له، ليس إلا أن للحاظه دخلا في تكليف الآمر، كالشرط المقارن بعينه، فكما أن اشتراطه بما يقارنه ليس‏

____________

كل عقد لأن العقد مركب من الإيجاب و القبول، و الإيجاب الذي هو جزء العقد معدوم حال القبول، و بعد أن كان المؤثر هو العقد بجميع أجزائه فانعدام بعض اجزائه حال تأثيره كانعدامه باجمعه في اشكال تأثير المعدوم في الموجود، و لا وحدة اتصالية بين الإيجاب و القبول حقيقة، لأن الإيجاب فعل البائع و القبول فعل المشتري و انما الاتصال بينهما عرفي لا حقيقي، فاشكال لزوم المقارنة بين المؤثر و أثره موجود لئلا يؤثر المعدوم في الموجود.

فاتضح: انه لا اختصاص للإشكال بالشرط المتأخر، بل يجري في الشرط و المقتضى المتقدمين المعدومين حال حصول الاثر، لأن الملاك في الإشكال تأثير المعدوم في الموجود و هو كما يكون في الشرط المتأخر بوجوده عن وجود المشروط كذلك يتأتى في المقتضي و الشرط المتقدمين المعدومين حال حصول الأثر.

و قد عرفت أن كل عقد أجزاؤه غير مجتمعة في الزمان مع زمان تأثيره، و لا بد من مقارنة أجزاء العلة بمقتضيها و شرطها في الزمان لوجود المعلول لعدم إمكان تأثير المعدوم في الموجود.

قوله: «و الاجازة في صحة العقد على الكشف كذلك» لا يخفى ان الاجازة مبتدأ و خبره كذلك: أي ان الإشكال لا يختص بغسل المستحاضة الذي هو من شرط المأمور به بل يتأتى في شرائط الوضع، لأن الاجازة على الكشف من الشرط المتأخر.

قوله: «لتصرمها»: أي لتصرم أجزائه «حين تأثيره مع ضرورة اعتبار مقارنتها»: أي ان اللازم في المؤثر ان يكون بجميع أجزائه موجودا في حال تأثيره لأن انعدام بعض المركب كانعدامه باجمعه في إشكال تأثير المعدوم في الموجود، فلا بد من التقارن الزماني بين أجزاء العلة و معلولها و ان كان لكل جزء من الأجزاء تقدم في الطبع على المعلول.

37

إلا أن لتصوره دخلا في أمره، بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر، كذلك المتقدم أو المتأخر.

و بالجملة: حيث كان الأمر من الأفعال الاختيارية، كان من مبادئه بما هو كذلك تصور الشي‏ء بأطرافه، ليرغب في طلبه و الأمر به، بحيث لولاه لما رغب فيه و لما أراده و اختاره، فيسمى كل واحد من هذه الأطراف- التي لتصورها دخل في حصول الرغبة فيه و إرادته- شرطا، لأجل دخل لحاظه في حصوله، كان مقارنا له أو لم يكن كذلك، متقدما أو متأخرا، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا، كان فيهما كذلك، فلا إشكال (1).

____________

(1) حاصل مرامه (قدّس سرّه) في المقام الأول- الذي يكون جوابا عن شرائط التكليف- ان التكليف ليس هو إلّا إيجاد الإلزام من الآمر بداعي تحريك الغير إلى متعلق الأمر، و هذا الإلزام من الآمر بما هو فعل من أفعال الآمر و من الامور التكوينية الاختيارية للآمر و أما وصفه بالتشريعية فانما هو بلحاظ كون ايجاد متعلقه ليس من افعال الآمر بل من افعال المكلف، فهو باعتبار متعلقه تشريعي لا باعتبار ذاته فانه باعتبار ذات الامر هو فعل مباشري للآمر كسائر افعاله المباشرية الاختيارية له.

و من الواضح- أيضا- ان كل فعل اختياري مسبوق بمبادئه التي من جملتها تصوره و التصديق بفائدته. و لا ريب- أيضا- ان شرائط تحقق الشي‏ء ليست هي علته الفاعلية، لوضوح ان العلة الفاعلية للشي‏ء هو الفاعل و الشرائط تكون من متممات فاعلية الفاعل، فشرائط التكليف من متممات فاعلية الآمر و ايجاده لهذا التكليف، و معنى كونها من متممات ايجاد الفاعل الذي هو الآمر لهذا التكليف هو دخالتها في المصلحة المترتبة على هذا التكليف لا نفس المصلحة المترتبة، و إلا لرجعت هذه الشرائط إلى العلة الغائية، و المفروض أنها من الشرائط لا من العلل، و لما كانت من‏

38

.....

____________

شئون العلة الغائية و لواحقها و كل ما هو من شئون شي‏ء و من توابعه لا بد و ان يكون من سنخ ذلك الشي‏ء.

و من الواضح ان دخالة العلة الغائية في الشي‏ء انما هو دخالة تصورها و التصديق بها في العلية، لأن العلة الغائية متقدمة على الشي‏ء بتصورها و التصديق بها في عالم الفكر و متأخرة عن الشي‏ء في مقام وجودها و ترتبها عليه في الوجود الخارجي، و لذا يقولون: ان العلة الغائية أول الفكر و آخر العمل.

فتبين مما ذكرناه: ان شرائط التكليف المتقدمة بوجودها الخارجي هي من الشروط المقارنة كالشروط المقارنة بوجودها و المتأخرة بوجودها الخارجي- أيضا- من المقارنات للمعلول المشروط بها، لأن دخالتها فيه إنما هو لدخالة تصورها و التصديق بها في حصول المشروط، و تصورها و التصديق بها مقارن لحصول المشروط لا متقدم و لا متأخر، لأن تصور الشي‏ء و التصديق به مقارن لإرادته التي هي الجزء الاخير من العلة المحركة للشي‏ء.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: ان الشروط من لواحق العلة الغائية، و العلة الغائية لتصورها و التصديق بها دخل في تحقق الشي‏ء، و لا بد و أن يكون شئون الشي‏ء و لواحقه من سنخه فتكون الشروط كالعلة الغائية لتصورها و للتصديق بها دخالة في وجود المشروط، فالذي يتوقف عليه المشروط لحاظها لا وجودها لأن المعلول إنما يتوقف على لحاظ العلة الغائية لا على وجودها الخارجي، و لحاظ الشروط سواء كانت متقدمة بوجودها أو متاخرة بوجودها هو من مقارنات وجود المشروط، فما هو الشرط في الحقيقة الذي هو اللحاظ هو مقارن، و ما ليس بشرط هو المتقدم و المتأخر، لأن هذه الشروط ليست بوجودها شرط بل بتصورها و التصديق بها، و تصورها و التصديق بها مقارن لا متقدم و لا متأخر- فلا يلزم انخرام القاعدة العقلية في الشروط الشرعية المتقدمة بوجودها أو المتأخرة كذلك، لأن ما هو المتأخر و المتقدم و هو وجودها الخارجي، فليس هو بشرط حتى يلزم تأثير المعدوم في الموجود،

39

.....

____________

و ما هو شرط و هو لحاظها و التصديق بها فهو مقارن و ليس بمعدوم لانه ليس بمتقدم و لا متأخر. هذا إذا كان الحكم هو البعث المنشأ بأمر المولى كما هو الظاهر من عبارته في قوله: «و بالجملة حيث كان الامر من الافعال الاختيارية» و هو البعث المنشأ فإنه فعل من افعال الشخص الآمر الاختيارية كسائر أفعاله فمن جملتها نفس امره، فاذا كان الأمر من أفعال الآمر الاختيارية و كل فعل اختياري مسبوق بمبادئه التي من جملتها تصوره و تصور غايته و التصديق بها، و قد عرفت ان الشروط من شئون و لواحق العلة الغائية فتؤول شرطيتها إلى لحاظها و تصورها و هو من المقارنات- كما مر بيانه- و هذا مراده من قوله: «كان من مبادئه بما هو كذلك»: أي بما هو فعل اختياري مسبوق بمبادئه التي منها «تصور الشي‏ء باطرافه ليرغب في طلبه و الأمر به» و الرغبة في طلبه انما هي للتصديق بغايته و لواحقها و شئونها «بحيث لولاه»:

أي لو لا تصوره و لحاظه باطرافه و ما يترتب عليه من مصالحه و شئونها «لما رغب فيه و لما أراده» فإن الرغبة التي هي نشوء للارادة انما تحصل من تصور الشي‏ء و تصور ما يترتب عليه و شئونه.

فاتضح ان الشرط هو اللحاظ و التصديق بالغاية و شئونها، و هذا هو الشرط في الحقيقة فلأجل هذا التصور الذي هو الصورة لهذه الأطراف «فيسمى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها دخل في حصول الرغبة فيه و إرادته شرطا لأجل دخل لحاظه»: أي لحاظ ذلك المسمى بالشرط في الشرطية، لا أن يكون لوجوده في الخارج الدخل في الشرطية بل انما سمي شرطا لأن صورته التي هي وجود ماهيته بالوجود الذهني الذي هو المناسب لسنخ الموجودات النفسية هو الشرط في الحقيقة لا مطابق الصورة الذي هو الوجود الخارجي، فهذا الوجود بعد خروجه في الحقيقة عما هو الشرط واقعا لا فرق فيه سواء «كان» هذا الوجود الخارجي «مقارنا» للمشروط «أو لم يكن كذلك»: أي بان كان «متقدما أو متأخرا».

40

و كذا الحال في شرائط الوضع مطلقا و لو كان مقارنا، فإن دخل شي‏ء في الحكم به و صحة انتزاعه لدى الحاكم به، ليس إلا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه، و بدونه لا يكاد يصح اختراعه عنده، فيكون دخل كل من المقارن و غيره بتصوره و لحاظه و هو مقارن، فأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن؟! فتأمل تعرف (1).

____________

و المقارن و المتقدم و المتأخر تشترك جميعها في كون لحاظها شرطا لا نفسها بوجودها الخارجي «فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا» لا نفس وجوده الخارجي «كان» الحال «فيهما»: أي في المتأخر و المتقدم «كذلك فلا اشكال» من لزوم تأثير المعدوم في الموجود، لأن ما هو الشرط في الحقيقة هو لحاظ ما يسمونه شرطا و هو وجوده الذهني لا الخارجي، و وجوده الذهني مقارن في الجميع و لا فرق فيه بين المقارن و المتقدم و المتاخر، فهو من تأثير الموجود في الموجود لا المعدوم في الموجود- فاتضح الجواب عن الاشكال فيما إذا كان التكليف و الحكم هو نفس امر الآمر و البعث المنشأ.

و أما إذا كان الحكم و التكليف لبا هو الارادة و الإنشاء ككاشف عما هو الحكم- فالجواب اوضح، لأن الارادة التي هي من الموجودات النفسية فهي من الموجودات الذهنية لا الخارجية فلا بد و ان تكون بجميع ما يتعلق بها من شرائطها من سنخ وجودها و وجودها ذهني فيلزم ان تكون شروطها ذهنية، و إلا فلا مسانخة بين الشرط و المشروط، فيلزم أن يكون تصور هذه المسميات بالشروط هي الشروط لا نفس وجوداتها الخارجية، لأن تصورها و التصديق بها هو المسانخ للارادة دون وجوداتها الخارجية.

(1) الجواب عن الإشكال في الحكم الوضعي هو الجواب عن الحكم التكليفي، و قد عرفت ان القوم حرروا هذا الاشكال في الحكم الوضعي في البيع الفضولي في مسألة الاجازة من المالك المتأخرة عن عقد الفضولي الذي ينسب إلى المشهور ان الاجازة من‏

41

.....

____________

المالك مؤثرة في النقل و الانتقال من حين العقد لا من حين الاجازة و ليست الاجازة كاشفة محضة: بان لا يكون لها مساس في التأثير اصلا، بل هي كالتراضي من المتعاقدين المقارن للعقد الذي لا اشكال عندهم في انه له مساس في تأثير العقد في النقل و الانتقال، و لذلك اشكل عليهم الامر: في ان الاجازة مع كونها متأخرة عن زمان وقوع العقد كيف يمكن ان يكون لها مساس في تأثير العقد من حينه و هو من تأثير المعدوم في الموجود- فاجاب بعضهم: بان الشرط هو عنوان التعقب بالرضا المتأخر لا نفس الرضا المتأخر، و عنوان التعقب مقارن للعقد فإن العقد الذي تتعقبه الاجازة موصوف من حين وقوعه بانه عقد تتعقبه الاجازة المتأخرة عنه، فالشرط مقارن لا متأخر.

و اجاب المصنف عنه بما أجاب به عن شرائط التكليف المتأخرة عن التكليف بالزمان، و لعله انما لم يجب بعنوان التعقب لما يمكن ان يرد عليه: بان عنوان التعقب من العناوين المتضايفة، و المتضائفان متكافئان بالقوة و الفعلية، فوصف العقد بكونه متعقبا بالاجازة مضايف لوصف الاجازة بكونها متعقبة للعقد. فكيف يمكن ان يكون العقد موصوفا بالفعل بالتعقب في حين وقوعه مع كون مضايفه التي هي الاجازة غير موصوفة بالفعل؟ لعدم وجودها فهي متعقبة بالقوة لا بالفعل، فلا يوصف العقد بالفعل بكونه متعقبا بالاجازة إلا بعد تحقق الاجازة فلا يكون ما هو الشرط مقارنا في الزمان للمشروط.

نعم العقد موصوف بالتعقب بالقوة لا بالفعل و لا بد في تحقق الشرط من تحققه بالفعل لا بالقوة.

و على كل فجواب المصنف عن الاشكال: بان الاجازة التي هي بمنزلة الرضا المقارن للعقد ليست شرطا لوجودها الخارجي لحكم الحاكم بالملكية و ترتبها على نفس العقد، بل الشرط في الحقيقة هو تصورها و التصديق بها فالشارع أو العرف الجاعل للملكية مترتبة على تحقق العقد المشروط بالاجازة قد تصور العقد و صدق‏

42

.....

____________

بفائدة ترتب الملكية عليه و تصور ما له دخل في ترتب الملكية على العقد، و حكم على العقد الذي يجيزه المالك بترتب الملكية عليه، فما هو الشرط لترتب الملكية على العقد هو تصور الحاكم و تصديقه بترتب الملكية على العقد، و تصوّره و تصديقه من المقارن لا من المتأخر، فما هو المتأخر الذي هو نفس وجود الاجازة في الخارج ليس بشرط و ما هو الشرط و هو تصور الحاكم و تصديقه بدخالة الاجازة المتأخرة بوجودها لا بتصورها فهو مقارن للعقد و ليس بمتأخر عنه، فالعقد الذي يجيزه المالك هو المتصور للحاكم و هو المؤثر في النقل و الانتقال و هو مصداق من مصاديق كلي العقد الذي رتب الحاكم الشرعي الانتقال عليه و حصول الملكية به، و هذا العقد الذي يجيزه المالك بمجرد حصوله هو مصداق لعقد تصوره الحاكم و صدق به و صدق بدخالة الاجازة في ترتب أثره، فما هو الشرط و هو تصور الاجازة و التصديق بها فهو مقارن للعقد المتصور، فالعقد الذي هو موضوع للاثر هو وجود العقد ذهنا عند الحاكم، و شرطه و هو تصور دخالة الاجازة فيه- أيضا- ذهني متصور مقارنا لتصور العقد فلا انخرام للقاعدة العقلية، إذ ليس للمعدوم تأثير في الموجود و لذا قال (قدّس سرّه):

«و كذا الحال في شرائط الوضع مطلقا»: أي سواء كانت الشرائط متقدمة أو متأخرة أو مقارنة فإن الداخل في التأثير في جميعها هو تصورها و وجودها الذهني لا وجودها الخارجي، فالشرط «و لو كان مقارنا» للعقد كالتراضي من المتعاقدين المالكين المقارن تراضيهما لعقدهما للايجاب من الموجب و للقبول من القابل دخالته في العقد انما هو بدخالة تصوره و التصديق به في العقد المتصور للحاكم الشرعي أو العرف موضوعا للأثر، فالشرط و المشروط كلاهما من الموجودات الذهنية و هما متقارنان بوجودهما الذهني، فلا فرق بين الشروط المتأخرة بوجودها الخارجي أو المتقدمة أو المقارنة، فإن ما هو الشرط فيها جميعا وجودها الذهني و هو مقارن في الجميع و ليس بمتقدم و لا متاخر و لذا قال (قدّس سرّه): «فإن دخل شي‏ء في الحكم به» كدخالة الرضا و الاجازة في الحكم بالنقل و الانتقال «و صحة انتزاعه»: أي‏

43

و أما الثاني: فكون شي‏ء شرطا للمأمور به ليس إلا ما يحصّل لذات المأمور به بالاضافة إليه وجها و عنوانا به يكون حسنا أو متعلقا للغرض، بحيث لولاها لما كان كذلك، و اختلاف الحسن و القبح و الغرض باختلاف الوجوه و الاعتبارات الناشئة من الإضافات، مما لا شبهة فيه و لا شك يعتريه، و الاضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت أصلا، كما لا يخفى على المتأمل، فكما تكون إضافة شي‏ء إلى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان، يكون بذلك العنوان حسنا و متعلقا للغرض، كذلك إضافته إلى متأخر أو متقدم، بداهة أن الاضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضا، فلو لا حدوث المتأخر في محله، لما كانت للمتقدم تلك الاضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه و الامر به، كما هو الحال في المقارن أيضا، و لذلك أطلق عليه الشرط مثله، بلا انخرام للقاعدة أصلا، لان المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس‏

____________

انتزاع الحكم بالملكية «لدى الحاكم به» سواء كان الحاكم الشارع أو العرف بالنقل و بالملكية المترتبة على العقد المنتزعة من ملك المتعاقدين للعوضين هذه الدخالة عند الحاكم في حكم «ليس إلّا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه و بدونه لا يكاد يصح اختراعه» فالعقد الذي يجيزه المالك مصداق لما هو موضوع الاثر عند الحاكم لانه العقد الذي تصوره و تصور جميع ما له دخل فيه، و العقد الذي لا يجيزه المالك ليس بمصداق لما تصوره فلا يكون موضوعا للاثر، فدخالة الشرط انما هي دخالة بحسب اللحاظ لا بحسب الوجود الخارجي و لذا قال: «فيكون دخالة كل من المقارن و غيره» من الشرط المتقدم و المتاخر انما هي «تصوّره و لحاظه» و تصوره و لحاظه «مقارن» لا متقدم و لا متاخر «فاين انخرام القاعدة العقلية» من لزوم تأثير المعدوم في الموجود «في» الشرط «غير المقارن».

44

إلا طرف الاضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن، و قد حقق في محله أنه بالوجوه و الاعتبارات، و من الواضح أنها تكون بالاضافات.

فمنشأ توهّم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخر، و قد عرفت أن إطلاقه عليه فيه، كإطلاقه على المقارن، إنما يكون لاجل كونه طرفا للاضافة الموجبة للوجه، الذي يكون بذاك الوجه مرغوبا و مطلوبا، كما كان في الحكم لاجل دخل تصوره فيه، كدخل تصور سائر الاطراف و الحدود، التي لو لا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف، أو لما صح عنده الوضع. و هذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الاشكال، في بعض فوائدنا، و لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم، فافهم و اغتنم (1).

____________

(1) لا يخفى ان ما سلكه في الجواب عن إشكال شرائط الحكم التكليفي و الحكم الوضعي المتأخرة عن الحكم زمانا أو المتقدمة عليه زمانا المعدومة حال وجوده بارجاع الشرط بوجوده الخارجي إلى الشرط بوجوده الذهني فتكون الشروط كلها من المقارنات- لا يتاتى هذا المسلك في الجواب عن الشروط المتأخرة و المتقدمة التي هي شروط لحصول الاثر من الواجب، لوضوح ان الأثر مترتب على الواجب بوجوده الخارجي، و لا ترتب للاثر على الواجب بوجوده الذهني اصلا فلا بد و ان تكون شروط الواجب لها دخل بوجودها الخارجي، فلذا سلك مسلكا آخر للجواب.

و حاصله: انّ المصالح الداعية للامر بالواجب:

تارة: تكون مترتبة على ذات الواجب كترتب الاحراق على ذات النار و مثل هذا لا يعقل ان يكون شرط التأثير فيه متقدما معدوما حال حصول الاثر و لا متاخرا حال حصوله، لعدم تعقل دخالة المعدوم في التأثير بل لا بد ان تكون الشروط من المقارنات.

45

.....

____________

و اخرى: لا تكون المصالح المترتبة على الواجب من قبيل تأثير النار في الاحراق مربوطة بذات النار من دون دخل لكون النار معنونة بعنوان اصلا، بل تكون المصالح المترتبة عليه لتعنون الواجب بعنوان حسن، فالحسن اولا و بالذات هو العنوان، و المعنون انما يكون حسنا لاضافته إلى ذلك العنوان بحيث يكون منطبقا عليه ذلك العنوان.

و لا اشكال ان ذات المعنون بالعنوان الحسن: تارة لا تحتاج في مقام انطباق عنوان الحسن عليها الا إلى اضافتها إلى المولى، مثلا الركوع يصدق عليه عنوان تعظيم المولى الذي هو الحسن بمجرد كونه ركوعا للمولى و خضوعا له.

و اخرى تكون ذات المعنون تحتاج إلى انطباق عنوان الحسن عليها إلى اضافتها إلى حيثية تكون بواسطة تلك الحيثية منطبقة لعنوان ذلك العنوان هو المعنون المنطبق عليه عنوان الحسن، كمثل ضرب اليتيم فإن ضرب اليتيم انما يتعنون بعنوان حسن حيث يضاف و يتحيث بحيثية كونه تأديبا له، و تاديب اليتيم هو المعنون بالعنوان الحسن.

و على كل فالمعنون يرتبط عنوان حسنه بتحيثه باضافته إلى شي‏ء يكون بواسطة تلك الاضافة مصداقا لعنوان الحسن، فيدور حسنه مدار اضافته و تحيثه بتلك الإضافة و الحيثية، و حصول الاضافة و الحيثية للشي‏ء الموجبة لحسنه ليست كالمقاربة بالنسبة إلى النار في تأثيرها للاحراق، فإن الاضافة و الحيثية تحصل للشي‏ء بنسبته إلى ذلك الشي‏ء، و لا تتوقف نسبته اليه على المقارنة بينهما بل ربما يحصل العنوان باضافة الشي‏ء إلى مقارن له كاضافة الضرب إلى عنوان التاديب فانه لا بد من المقارنة بين الضرب و قصد التأديب، فلا يعقل ان يكون الضرب لليتيم بلا مقارنته لقصد التأديب معنونا بالتأديب.

و ربما يحصل باضافة الشي‏ء إلى شي‏ء متقدم عليه غير موجود حال وجوده، ككون السلام جوابا فانما يتعنون بعنوان كونه جوابا حيث يتقدم عليه سلام من مبتدئ له بالسلام، فالسلام الثاني يتعنون بكونه جوابا باضافته إلى سلام متقدم عليه منعدم حال حصول السلام الثاني.

46

.....

____________

و ثالثة تحصل الاضافة و الحيثية بنسبته إلى أمر متأخر لم يحصل إلّا بعد حصول المضاف اليه، كخروج الشخص لاستقبال قادم فإن حركته و خروجه يتعنون بعنوان كونه استقبالا للقادم قبل مجي‏ء القادم، فاذا كانت الشروط للواجب انما هي لأجل حصول اضافة و حيثية للواجب باضافته و نسبته إلى امر خارج عنه تكون الاضافة موجبة لتعنونه بعنوان حسن فتلك الاضافة هي الشرط في كون المضاف إلى ذلك الشي‏ء الخارج عنه متعنونا بالعنوان الحسن، و تلك الاضافة تحصل و ان كان وجود المضاف اليه متقدما أو متاخرا كما مر في السلام الجوابي و الحركة بقصد استقبال القادم، فيكون ما هو الشرط مقارنا دائما لا متقدما و لا متاخرا لأن الشرط ليس هو المضاف اليه حتى يقال انه معدوم حال وجود المضاف فيلزم تأثير المعدوم في الموجود، بل الشرط هو تلك الحيثية التي توجد في المضاف المنسوب إلى ما أضيف اليه، و تلك الحيثية فعليتها و حصولها مربوطة باضافة المضاف إلى المضاف اليه بوجوده الخارجي في ظرفه، فالخروج يكون استقبالا بالفعل باضافته إلى قدوم القادم الذي يحصل في ظرفه الّا ان وصف الخروج بكونه استقبالا- و هو حسن حيث يكون للعالم موجود و متحصل بالفعل إذا كان قدوم العالم- يحصل في ظرف مجيئه.

نعم، إذا لم يحصل قدوم العالم في ظرفه لا يكون الخروج استقبالا، فغسل المستحاضة ليلا شرط لحصول امتثال الصوم الواجب ليس بوجوده الخارجي، بل الشرط اضافة صوم المستحاضة اليه، و هذه الاضافة حاصلة بالفعل فيما إذا كانت المستحاضة تغتسل في الليل.

نعم، إذا لم تغتسل المستحاضة ليلا لا يكون للصوم تلك الإضافة و الحيثية، فما هو الشرط المربوط به تعنون الصوم بالعنوان الذي اوجب انطباق الحسن عليه مقارن لوجود الصوم ليس بمتأخر عنه و هو اضافة الصوم و تحيثه بنسبته إلى الغسل في الليل، و أما الغسل في الليل بنفسه فليس شرطا للصوم فلا يلزم تأثير المعدوم في الموجود و لا تنخرم القاعدة العقلية، و اذا كان الشرط واقعا هو الإضافة و الحيثية التي تلحق‏

47

.....

____________

المضاف بنسبته إلى المضاف اليه و هي موجودة و حاصله بالفعل و ان كان المضاف اليه غير موجود إما لتقدمه و انعدامه أو لانه بعد لم يوجد، فلا يختلف حال هذا الشرط الذي هو الإضافة و الحيثية بالنسبة إلى الأمر الثاني الذي تضاف اليه سواء كان وجوده مقارنا للمضاف أو متقدما عليه أو متأخرا عنه.

فإذا دل الدليل على ان صحة صوم المستحاضة مشروط بغسلها في الليل المتأخر عن يوم الصوم فلا بد و ان تكون شرطيته ليست كشرطية المقاربة لتأثير النار في الإحراق، بل شرطيته ترجع إلى ان الصوم المضاف إلى الغسل في الليل متحيث بحيثية لها الدخل في انطباق عنوان حسن عليه، و الصوم الذي يتعقبه الغسل في الليل في حين وقوعه واجد لما هو الشرط فيه و هو تحيثه بالحيثية التي لها دخالة في حسنه قبل وقوع الغسل، كما عرفت مثال ذلك في اتصاف الخروج بعنوان كونه استقبالا قبل قدوم من له الاستقبال.

نعم، إذا لم تغتسل في الليل لا يكون الصوم في حين وقوعه متحيثا بتلك الحيثيّة، و لعله إلى هذا يرجع ما هو المعروف عن المشهور: بان الأسباب الشرعية معرفات باعتبار كشفها عن كون المضاف اليها متحيثا بالحيثية التي لها الدخالة في الأمر به و طلبه.

هذا حاصل ما أجاب به عن الاشكال في الشروط المتأخرة في الزمان عن وجود المشروط بها أو المتقدمة في الزمان عليه المعدومة حال وجوده.

و المتحصل من عبارته (قدّس سرّه) تمهيدا للجواب عن الإشكال أمور ثلاثة:

الأول: ما أشار اليه بقوله: «كون شي‏ء شرطا للمامور به ليس إلّا ما يحصّل لذات المأمور به بالإضافة اليه وجها و عنوانا به يكون حسنا أو متعلقا للغرض».

و حاصله: ان الشروط المذكورة للواجب ليست من قبيل المقاربة بالنسبة إلى النار، بل ترجع إلى كونها موجبة لأن يحصل لذات المأمور به بواسطة اضافته اليها وجه و عنوان حسن دعا إلى طلبه الامر به.

48

.....

____________

و قوله: «أو متعلقا للغرض» إشارة إلى ان الاضافة:

تارة، موجبة لتعنون الواجب بعنوان حسن، كما هو مذهب العدلية في تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد الموجبة لتعنون الشي‏ء بالعنوان الحسن أو القبيح للأمر به و النهي عنه.

و اخرى، تكون الاضافة موجبة لكون الواجب بواسطة تلك الاضافة متعلقا للغرض الملائم للمولى، و هو مذهب الاشاعرة المنكرين للحسن و القبح العقليين، فانهم يقولون: بان الأحكام تابعة للاغراض لا لعنوان الحسن و القبيح، أو انه إشارة إلى الواجبات غير الشرعية بل مطلق الواجبات الصادرة من الموالي إلى عبيدهم فإنها لا تناط بالحسن و القبح، بل هي منوطة بالغرض، و الاغراض كالمصالح للحيثيات و الاضافات دخل في ترتبها على الواجبات التي تتعلق بها أوامر الموالي فإن الخروج الاستقبالي كما يكون مامورا به شرعا لكونه استقبالا لعالم من علماء المذهب تعظيما للشعائر الدينيّة، كذلك يكون موافقا لغرض المولى يدعوه ان يأمر عبيده بالاستقبال.

الثاني: ما أشار اليه بقوله: «و اختلاف الحسن و القبح و الغرض باختلاف الوجوه و الاعتبارات الناشئة من الاضافات مما لا شبهة فيه».

و حاصله: ان الشي‏ء الواحد يختلف بحسب ما يضاف اليه فربما يتحيث بحيثية تقتضي حسنه كتحيث ضرب اليتيم باضافته لقصد التأديب الموجبة لتعنونه بالعنوان الحسن، و ربما يضاف إلى التشفي الموجبة لكونه ظلما و قبيحا، فالصوم المضاف إلى الغسل الليلي يكون حسنا و الصوم غير المضاف إلى غسل في الليل لعدم فعل المستحاضة الغسل لا يكون معنونا لعنوان حسن.

الثالث: ما أشار اليه بقوله: «و الاضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت اصلا».

و حاصله: ما عرفت من ان الاضافة تكون موجودة و ان كان ما اضيفت اليه غير موجود، فما هو الشرط و هو الاضافة فهو مقارن على حد سواء في ما يضاف إلى‏

49

و لا يخفى أنها بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع، و بناء على الملازمة يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن و السابق، إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة، و يكون سقوط الامر بإتيان المشروط به مراعى بإتيانه، فلولا اغتسالها في الليل- على القول بالاشتراط- لما صح الصوم في اليوم (1).

____________

المقارن في الوجود أو المتقدم أو المتأخر في الوجود، فالشرط دائما مقارن فلا انخرام للقاعدة العقلية.

و اتضح بعد تمامية هذه الامور انه لا تأثير للمعدوم في الموجود بل التأثير لموجود و هو الاضافة المقارنة في موجود مقارن و هو الواجب الذي يتعنون بالعنوان الحسن بواسطتها.

و اتضح مما ذكره ان هذه التي يطلقون عليها اسم الشروط المتأخرة بوجودها عن المشروط أو المتقدمة عليه انما اطلق عليها اسم الشرط لكونها وقعت طرفا للاضافة الدخيلة في الحسن، لا لأن لذاتها دخالة في التأثير كدخالة المقاربة في تأثير النار.

و قد عرفت انه لا يضر تأخرها بذاتها في الوجود أو تقدمها في الوجود في حصول الاضافة، و الى هذا أشار بقوله: «فمنشأ توهم الانخرام اطلاق الشرط على المتأخر».

و قد عرفت ان الشرط هو الإضافة لا نفس المضاف اليه المتأخر.

(1) المراد ان جميع اقسام مقدمة الواجب المتقدمة و المتأخرة و المقارنة داخلة في محل الكلام، و ليس مراده دخول مقدمة الحكم التكليفي أو الوضعي.

نعم، في خصوص مقدمة الحكم الوضعي ربما تكون واجبة إذا وجب ايجاد الحكم الوضعي بنذر و نحوه. و على كل فمقدمة الواجب بجميع اقسامها داخلة فيجب الغسل الليلي سواء كان شرطا متقدما لصوم الغد أو متأخرا لصوم اليوم أو مقارنا كالطهارة للصلاة- بناء على الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها- لأن‏

50

الامر الثالث: في تقسيمات الواجب (1).

[فى تقسيمات الواجب‏]

[تقسيم الواجب إلى المطلق و المشروط]

منها: تقسيمه إلى المطلق و المشروط، و قد ذكر لكل منهما تعريفات و حدود، تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود، و ربما أطيل الكلام بالنقض و الإبرام (2) في النقض على الطرد و العكس، مع أنها

____________

هذه المسماة بالشروط و ان كانت ليست بنفسها لها دخالة في التأثير لكنها لها دخالة في تحقق الاضافة و الحيثية التي هي الشرط، فإنها ما لم تحصل في ظرفها سواء كانت متقدمة أو متأخرة أو مقارنة لا تحصل الاضافة، و ما له الدخالة في تحقق الشرط فانه كالشرط نفسه- بناء على وجوب مقدمات الواجب- و عبارة المصنف واضحة.

(1) قد عقد الأمر الثاني لتقسيمات المقدمة و حيث انه سيأتي ان المقدمة تتبع ذيها في الاطلاق و الاشتراط لذلك عقد هذا الامر الثالث لتقسيمات الواجب.

(2) لا يخفى ان معنى الواجب المطلق و المشروط هو كون الوجوب تارة مطلقا، و اخرى مشروطا، فهو يلحق الوجوب اولا و الواجب ثانيا.

و قد ذكر القوم تعريفات للمطلق و المشروط.

- منها: ان المطلق ما لا يتوقف وجوبه بعد الشرائط العامة- و هي البلوغ، و العقل، و القدرة، و العلم- على شي‏ء.

و المشروط ما يتوقف وجوبه بعد الشرائط العامة على شي‏ء.

و يرد عليه: ان الصلاة عندهم من مصاديق الواجب المطلق، و من الواضح ان وجوبها يتوقف على الوقت.

- و منها: ما ينسب إلى المشهور، و هو ان الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده، كالصلاة فانها لا يتوقف وجوبها على الستر و الطهارة- مثلا- مع ان وجودها متوقف عليها.

و المشروط ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده، كالحج فانه يتوقف وجوبه على الاستطاعة المتوقف عليها وجود الحج أيضا.