بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج3

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
342 /
1

المقصد الثاني في النواهي‏ فصل‏

الظاهر أن النهي بمادته و صيغته في الدلالة على الطلب، مثل الامر بمادته و صيغته، غير أن متعلق الطلب في أحدهما الوجود، و في الآخر العدم، فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت أصلا (1)، نعم يختص‏

____________

(1)

المقصد الثاني في النواهي‏

[معنى النهي مادة و صيغة]

لا يخفى ان المراد من مادة النهي هو لفظ النهي، و المراد من صيغة النهي هي لا تفعل او ما ادى مؤداها، و النهي بمادته و صيغته و الامر بمادته و هو لفظ الامر و صيغته كافعل متوافقان في ان كلا منهما يدل على الطلب، فكما ان مادة الامر تدل على الطلب فكذا مادة النهي تدل عليه، و كما ان صيغة الامر تدل على الطلب كذلك صيغة النهي تدل عليه سوى ان المتعلق للطلب في الامر بمادته و صيغته هو الوجود، فمادة الامر تدل على طلب الوجود و صيغته تدل عليه، و متعلق الطلب في النهي بمادته و صيغته هو العدم.

و لا يخفى انه قد تقدم في اول مبحث الاوامر ان لفظ الامر مشترك بين الطلب و معان او معنى آخر كالشان و الفعل و غيرهما كما مر بيانه في مبحث الاوامر.

و المراد اتحاده مع مادة النهي هو اتحاده باحد معانيه و هو الطلب، و ليس مادة النهي كمادة الامر مشتركة بين الطلب و غيره، فالاشتراك بين الطلب و غيره مما يختص بمادة الامر دون مادة النهي: أي ان لفظ امر مشترك و لفظ نهي غير مشترك، و الاتحاد بين مادة الامر و مادة النهي هو في خصوص الطلب و ان الامر طلب الوجود و النهي طلب العدم.

و على كل فقد تقدم ايضا في الاوامر انه يعتبر في معنى الامر بمعنى الطلب العلو و انه يدل على الوجوب، و مثله الحال في مادة النهي فانه يعتبر فيها العلو و انها تدل على الالزام.

2

النهي بخلاف، و هو: أن متعلق الطلب فيه، هل هو الكف، أو مجرد الترك و أن لا يفعل و الظاهر هو الثاني (1)، و توهم أن الترك و مجرد أن‏

____________

و قد تقدم ايضا ان المنساق من لفظ الامر هو الطلب بوجوده الانشائي، و كذلك المنساق من لفظ النهي هو الطلب بوجوده الانشائي، و كل ما دلت عليه صيغة افعل انشاء من طلب او وجوب او غير ذلك فصيغة النهي تدل عليه ايضا، سوى انه لم يوجد قائل بدلالة صيغة النهي على المرة كما كان قائل في دلالة صيغة الامر على المرة.

و اما لو قلنا بان متعلق النهي كالامر هو الطبيعة فهل النهي كالامر في الاكتفاء بامتثاله بالمرة ام لا؟ و سيأتي التنبيه على ذلك.

و على كل فمن هذه الجهات الامر و النهي و صيغتاهما متوافقان و لا اختلاف بينهما إلّا ان متعلق الطلب في الامر و صيغته هو وجود متعلقهما و في النهي و صيغته متعلق الطلب عدم الوجود، و قد اشار إلى ما ذكرنا بقوله: ( (الظاهر ان النهي بمادته و صيغته في الدلالة على الطلب مثل الامر بمادته و صيغته غير ان متعلق الطلب في احدهما)): أي في الامر بمادته و صيغته ( (الوجود و في الآخر)): أي في النهي بمادته و صيغته ( (العدم)) و قد اشار إلى ان ما يعتبر في الامر مادة و صيغة معتبر في النهي كذلك مادة و صيغة من العلو و الوجوب و غير ذلك بقوله: ( (فيعتبر فيه)): أي في النهي ( (ما استظهرنا اعتباره فيه)): أي في الامر مادة و صيغة.

(1) قد ذكرنا ان مثل الاشتراك في مادة الامر بين معنيين أو اكثر يختص به مادة الامر دون مادة النهي، و وجود القائل بدلالة نفس صيغة الامر على المرة مما تختص به صيغة الامر دون صيغة النهي، و قد اشار الى ان ما يختص به النهي دون الامر هو الخلاف الواقع في صيغة النهي دون الامر، و هو متعلق الطلب فيها هل هو مجرد الترك و عدم الفعل او هو الكف و هو المعنى الوجودي الحاصل للنفس من الممانعة عن‏

3

لا يفعل خارج عن تحت الاختيار، فلا يصح أن يتعلق به البعث و الطلب، فاسد، فإن الترك أيضا يكون مقدورا، و إلا لما كان الفعل مقدورا و صادرا بالارادة و الاختيار، و كون العدم الازلي لا بالاختيار،

____________

ميلها الى الوجود، بخلاف الامر فان كون المتعلق للطلب فيه هو وجود الفعل و ايجاده موضع وفاق.

و لا يخفى ان مادة النهي تابعة لهذا الخلاف لأن المنصرف من لفظ النهي أو الموضوع له فيه هو ما أنشئ بالصيغة، فان قلنا ان ما ينشأ بصيغة النهي هو طلب الترك و عدم الفعل كان المراد من مادة النهي هو هذا الانشاء، و ان قلنا ان ما ينشا بالصيغة هو طلب الكف كان المراد من مادة النهي هو انشاء طلب الكف.

و المختار للمصنف ان ما ينشأ بالصيغة هو طلب مجرد الترك و ان لا يفعل دون طلب الكف، و اليه اشار بقوله: ( (الظاهر هو الثاني)) لان الثاني في مساق عبارته هو مجرد الترك و ان لا يفعل. و لعل سبب استظهاره ذلك هو ان الصيغة مركبة من هيئة و مادة، و المادة هي الفعل و الهيئة دالة على طلب مجرد ترك الفعل و لا يستفاد منها غير ذلك، فلا دلالة فيها على ذلك المعنى المدعى و هو كف النفس عن ميلها، مضافا الى ما ذكروه في بعض المطولات من انه لا يعقل ان يكون المراد بصيغة النهي هو طلب الكف، اذ المراد من الكف- كما مر- هو ردع النفس عن ميلها إلى الفعل، فيلزم على هذا ان يكون المكلف الذي ليس له ميل إلى الفعل ان لا يكون منهيا و غير متوجه اليه النهي، لانه اذا كان لا يمكن ان يحصل له ميل فطلب الردع عن الميل طلب المستحيل، و اذا كان مما يمكن ان يحصل له ميل فيجب على المكلف تحصيل الميل ليتمكن من امتثال النهي، و من البعيد جدا ان يلتزم بانه يجب على المكلف الميل ليقدر على الامتثال، و حينئذ فينحصر على القول بطلب الكف في النهي اختصاص النهي بخصوص من له الميل الى الفعل و هذا ايضا من المستبعد جدا.

4

لا يوجب أن يكون كذلك بحسب البقاء و الاستمرار الذي يكون بحسبه محلا للتكليف (1).

____________

(1) هذا اشارة الى البرهان الذي اقامه مدعي ان النهي هو طلب الكف لا مجرد ان لا يفعل.

و حاصله: ان عدم الفعل غير مقدور، و يشترط في الامر و النهي ان يكونا متعلقين بما هو مقدور، و الدليل على ان العدم غير مقدور امور ثلاثة:

الأول: ان العدم نفي محض لا محل لتاثير القدرة فيه، اذ العدم لا شي‏ء و متعلق القدرة لا بد و ان يكون شيئا.

و الجواب عنه: ان القدرة على ما عرفوها هي كون الشخص ان شاء فعل و ان لم يشأ لم يفعل، فالقادر هو الذي يستطيع ان يشاء و ان لا يشاء، فالفعل وجوده تحت القدرة لانه يستطيع وجوده فيفعله و عدمه تحت القدرة ايضا لانه لما كان يستطيع أن يشاء فيفعل كان نقض العدم و تبديله بالوجود تحت قدرته و هذا المقدار كاف في نسبة القدرة الى العدم و انه من المقدور لا من غير المقدور، فهو يستطيع ان لا يفعل بالمعنى الذي ذكرناه مضافا الى انه لو لم يكن عدم الفعل تحت قدرة الشخص لكان وجوده ضروري التحقق من الشخص فلا يكون فعله مقدورا ايضا.

و الحاصل: ان الفعل اذا كان غير مقدور فالعدم غير مقدور لعدم القدرة على نقضه، و اذا كان الفعل ضروري التحقق من غير اختيار للشخص فيه كحركة المرتعش فالعدم غير مقدور و هو واضح، و الفعل ايضا غير مقدور لانه لم يكن الشخص بالنسبة اليه بحيث ان شاء فعل، و اذا كان الفعل مقدورا للشخص بحيث ان شاء فعل كان العدم مقدورا ايضا لاستطاعة نقضه و تبديله، و الى هذا الجواب اشار بقوله: ( (فان الترك ايضا يكون مقدورا و إلّا لما كان الفعل مقدورا)) و حاصله: انه ليس معنى القدرة التأثير حتى تختص بالوجود، بل القدرة هي الاستطاعة و ليس لازم الاستطاعة التأثير في الوجود و العدم.

5

.....

____________

الثاني: ان العدم سابق على النهي فمتعلق النهي لا بد و ان يكون متاخرا عنه، اذ لا يعقل تاثير المتاخر فيما تقدم عليه لانه من تحصيل الحاصل.

و الجواب عنه: ان متعلق النهي ليس هو العدم السابق على النهي بل العدم المتاخر عن النهي، فان العدم مستمر مع الزمان فما مع الزمان المتقدم متقدم و ما مع الزمان المتاخر متاخر و ليس من تحصيل الحاصل، لأن السابق هو نفس العدم و المتأخر هو ابقاء العدم و استمراره.

الثالث: ان العدم ازلي لانه لا شي‏ء، و لا شيئية اللاشي‏ء ذاتية للاشي‏ء و الذاتيات لا تحتاج الى علة و لا بد في المطلوب من المكلف اختياره هو العلة له فلذلك كان العدم لا يتعلق به الاختيار، و قد اشار الى هذا بقوله: ( (و كون العدم الازلي لا بالاختيار)).

و الجواب عنه: ان ازلية العدم لا تحتاج الى علة في عالم الازل و لكن بقاءه و استمراره ليس كذلك، لانه يمكن ان ينقلب العدم بقاء الى الوجود، فاستمرار العدم بقاء بان لا ينقلب الى الوجود انما هو لان الشخص بيده ابقاؤه على عدميته و بيده قلبه الى الوجود، فاستمرار العدم مما تتعلق به قدرة المكلف بالمعنى المتقدم و كلما تتعلق به القدرة فهو اختياري، و اذا كان اختياريا كان متعلقا للتكاليف، و الى هذا اشار بقوله: ( (لا يوجب ان يكون)) كذلك ( (بحسب البقاء و الاستمرار)): أي كون العدم ازليا في عالم ازليته لا يوجب ان يكون ازليا في عالم بقائه و استمراره لإمكان ان يكون ازليا في عالم الازل حيث انه لا يحتاج الى العلة ازلا، و لكن بقاؤه و استمراره حيث انه يمكن ان ينقلب الى الوجود بقاء فاستمراره منوط بان لا يقلبه احد الى الوجود، فالشخص المقتدر على قلبه الى الوجود يكون امر هذا العدم بيده و تحت اختياره ان شاء و اراد قلبه انقلب و ان لم يرد ان يقلبه لا ينقلب، و التكاليف لا تحتاج اختياريتها التي هي الشرط فيها إلى اكثر من ذلك، فمتعلق الطلب في النهي هو ابقاء العدم و استمراره، و حيث كان الابقاء و الاستمرار للعدم تحت اختيار

6

.....

____________

المكلف كان هذا هو ( (الذي يكون بحسبه)) العدم ( (محلا للتكليف)) هذا على ما هو الظاهر من المصنف.

و يمكن ان يجاب مع تسليم ان القدرة لا تتعلق بالعدم بذاته على ما يظهر من كلمات اهل المعقول، فانهم يقولون ان العدم غير محتاج إلى علّة، و مضمون ما يقولون في مقام تعريف القدرة النفسانية انها: هي قوة النفس على الارادة و ساير افعال النفس، و القدرة الجسمانية: هي القوة المنبثة في العضلات التي بواسطتها تتحرك العضلات الى ما تتوجه اليه.

و من الواضح ان العدم مما لا تتحرك له العضلات مضافا الى كلامهم الاول ان العدم غير محتاج إلى العلّة يظهر جليّا ان العدم لا تتعلق القدرة به بنفسه، و لكن هذا لا ينافي ما يحتاج اليه التكليف، لأن وجود الفعل حيث كان مما تتعلق به القدرة فانه مما تتحرك له العضلات و اذا شاء الشخص ان يفعله فعله فوجود الفعل تحت القدرة، و اذا لم يرد ان يفعله لو يحصل الوجود و يبقى عدمه على حاله، فالعدم و ان لم يكن متعلقا للقدرة بذاته إلّا انه حيث كان قلبه إلى الوجود تحت القدرة فيكون ابقاؤه و استمراره بيد المكلف، فهو كالمقدور بالواسطة بسبب القدرة على نقيضه الذي به يتبدل العدم و يقوم الوجود بدلا عنه و هذا المقدار كاف في صحة التكليف به، فان صحة التكليف لا تناط بما لا بد ان يكون هو متعلق حركة العضلات بل هي منوطة بما يكون وضعه بيده كالوجود بان يقدر عليه بتحريك عضلاته اليه، و بما كان إبقاؤه و استمراره بيده كالعدم بواسطة ان نقيضه و هو الوجود بيده، فالعدم كالمقدور مع الواسطة و الوجود متعلق لها بلا واسطة و هذا المقدار كاف في صحة التكاليف و كونها اختيارية.

7

ثم إنه لا دلالة لصيغته على الدوام و التكرار، كما لا دلالة لصيغة الامر (1) و إن كان قضيتهما عقلا تختلف و لو مع وحدة متعلقهما، بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها و قيدها تعلق بها الامر مرة و النهي أخرى (2)،

____________

(1)

[عدم دلالة النهي على التكرار]

قد عرفت فيما تقدم انه لم نظفر بمن قال: ان صيغة النهي تدل على المرة، و انما الكلام في دلالتها على التكرار بان يكون التكرار جزء ما يدل عليه النهي، أو ان التكرار مستفاد من قرينة خارجة عن مدلول اللفظ في النهي.

و حيث ان صيغة النهي مركبة من هيئة و مادة و مدلول المادة هو الماهية و الطبيعة من دون تقيدها بشي‏ء و مدلول الهيئة هو النهي عن هذه الطبيعة- فلا يكون التكرار مما يدل عليه اللفظ اذ ليس هو بعض مدلول المادة و لا الهيئة.

كما انه قد عرفت الحال في عدم دلالة صيغة الامر عليه، و الى هذا اشار بقوله:

( (ثم انه لا دلالة لصيغته)): أي لصيغة النهي ( (على الدوام و التكرار كما لا دلالة لصيغة الامر عليه)).

(2) توضيحه ان النهي في مرحلة الثبوت اما ان يتعلق بعدم الماهية بنحو الاهمال و المهملة في قوة الجزئية فيكفي في الامتثال تحقق فرد للعدم و لو آناً ما، و اما ان يتعلق بعدم الماهية بحيث لا يشذ عنه عدم فلا يحصل الامتثال الا بعدم جميع هذه الماهية الدفعية من افراد هذا العدم و التدريجية منها، فيجب ترك الخمر- مثلا- في أي مكان و اي زمان، هذا في مرحلة الثبوت.

و اما في مرحلة الاثبات فحيث كان الامر و النهي تابعين للمصلحة فيه و للمفسدة فيختلف حال متعلق الامر و النهي اذا كان المولى في مقام البيان، فبواسطة الاطلاق في مقام الامر يكتفى بايجاد الطبيعة مرة واحدة، لانه بمحض ايجادها مرة واحدة تتحقق الطبيعة الحاملة للمصلحة الداعية الى الامر بايجاد هذه الطبيعة، فكون هذه الطبيعة قد تعلق الطلب بها بنحو التكرار يحتاج إلى قرينة، و حيث ان المفروض انتفاء القرينة

8

.....

____________

فالاطلاق يقتضي الاكتفاء بالمرة، و في مقام النهي حيث انه تابع للمفسدة في هذه الطبيعة فالنهي ببركة مقدمات الحكمة يدل على ان ذات هذه الطبيعة غير المقيدة بشي‏ء فيه المفسدة، ففي أي فرد من افراد الطبيعة تحققت الطبيعة تحققت المفسدة، و لا يتخلص من هذه المفسدة إلّا بترك جميع افراد هذه الطبيعة، و حيث كان المولى في مقام البيان و لم يقيد هذه الطبيعة بمكان خاص أو زمان خاص فيستكشف من عدم تقييده في مقام البيان ان نفس ذات هذه الطبيعة هو متعلق النهي، فالعقل يحكم بان ترك هذه الطبيعة التي تعلق النهي بنفس ذاتها لا يحصل إلّا بترك هذه الطبيعة بجميع افرادها الدفعية و التدريجية، و قد اشار إلى هذا الاختلاف بين صيغتي الامر و النهي بقوله: ( (و ان كان قضيتهما عقلا)): أي قضية الامر و النهي عقلا ( (تختلف و لو مع وحدة متعلقهما بان يكون طبيعة واحدة بذاتها و قيدها تعلق بها الامر مرة و النهي اخرى ضرورة)).

قوله: ( (ضرورة)) للاشارة الى سبب اختلافهما من ان العقل يحكم بالفرق بينهما و ان وجود الطبيعة يتحقق بوجود فرد من افرادها و عدم الطبيعة لا يتحقق إلّا بعدم جميع افرادها، إلّا انه لا يخفى ان العقل لا يحكم بهذا الفرق إلّا اذا كان متعلق النهي في مرحلة الواقع هو عدم الطبيعة بحيث لا يشذ عنه عدم.

و اما لو كان متعلق الطبيعة واقعا هو عدم الطبيعة بنحو الاهمال فلا يحكم بذلك، لأن المهملة في قوة الجزئية، و قد اشار الى ان الدوام و الاستمرار في ترك الطبيعة يستفاد من الاطلاق و في مرحلة الاثبات بقوله: ( (اذا كان متعلقه طبيعة مطلقة)): أي انه اذا كان متعلق النهي هو الطبيعة المطلقة يستفاد ان الدوام و الاستمرار مطلوب في ترك الطبيعة.

و من الواضح: ان هذه الاستفادة انما هي ببركة الاطلاق في مرحلة الاثبات فالاطلاق يثبت ان متعلق النهي هو الطبيعة المطلقة غير المقيدة بزمان أو حال من الاحوال، و العقل يحكم ان الطبيعة التي دل الدليل على الاطلاق فيها لا يحصل‏

9

ضرورة أن وجودها يكون بوجود فرد واحد، و عدمها لا يكاد يكون إلا بعدم الجميع، كما لا يخفى.

و من ذلك يظهر أن الدوام و الاستمرار، إنما يكون في النهي إذا كان متعلقه طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان أو حال، فإنه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة، إلا بعدم جميع أفرادها الدفعية و التدريجية.

و بالجملة قضية النهي، ليس إلا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له، كانت مقيدة أو مطلقة، و قضية تركها عقلا، إنما هو ترك جميع أفرادها.

ثم إنه لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف، أو عدم إرادته، بل لا بد في تعيين ذلك من دلالة، و لو كان إطلاق المتعلق من هذه الجهة، و لا يكفي إطلاقها من سائر الجهات، فتدبر جيدا (1).

____________

تركها الّا بترك جميع افرادها الدفعية و التدريجية، و الى هذا اشار بقوله: ( (و قضية تركها عقلا انما هو ترك جميع افرادها)).

(1)

[اذا عصي النهي فهل تحرم سائر أفراد الطبيعة أم لا؟]

توضيحه ان النهي اما ان يتعلق بالطبيعة بنحو الاستغراق بان ينحل الى نواهي عديدة بعدد اعدام الطبيعة، و في مثل هذا لا اشكال انه لو خولف احد افراد الطبيعة فلا يسقط النهي المتعلق ببقية افرادها، اذ لكلّ عدم منها نهي متعلق به لا ربط له بالنهي الآخر، فان قضية الاستغراق لا بد فيها من الانحلال الى نواه متعددة، و لازم الانحلال ان يكون لكل واحد منها اطاعة و عصيان لا ربط له باطاعة الآخر و عصيانه، فلا يكون عصيان واحد منها مستلزما لسقوط النواهي الأخر حتى لا يكون لها اطاعة و عصيان.

و اما اذا كان متعلق النهي هو عدم الطبيعة بنحو الوحدة و لو بحيث لا يشذ عنها عدم الّا ان متعلق النهي واحد و لا بد ان يكون للمتعلق الواحد حكم واحد، فهذا

10

.....

____________

العدم الملحوظ بنحو كونه واحدا و ان كان بحيث انه لا يشذ عنه عدم إلّا انه ليس له إلّا حكم واحد.

و من الواضح: ان الحكم الواحد لو خولف سقط بالمخالفة و العصيان و لا تكون الطبيعة متعلقة للنهي الا بنهي آخر غير هذا النهي الساقط، فلا بد في مقام بقاء النهي- لو خولف- على حاله متعلقا بالطبيعة من دلالة دليل على انه بنحو الاستغراق و لو كان ذلك الدليل هو الاطلاق، اما لو كان لها اطلاق لا يدل إلّا على ان الطبيعة ليست ملحوظة بنحو الاهمال، بل كان عدم الطبيعة ملحوظا بنحو لا يشذ عنه عدم، إلّا انه لا يفيد هذا الاطلاق بهذا المقدار على بقاء النهي لو خولف لانه و ان كان قد تعلق بالطبيعة بنحو ان يكون العدم ملحوظا بنحو لا يشذ عنه عدم، إلّا انه حيث انه له حكم واحد و هو يسقط بالمخالفة فلا يكون هناك دليل على إبقاء العدم لو خولف، و قد اشار الى ما ذكرنا من انه لا بد في بقاء النهي لو خولف من دلالة و لو بالاطلاق على كونه بنحو الاستغراق و الانحلال الى نواه بقوله: ( (بل لا بد في تعيين ذلك من دلالة و لو كان اطلاق المتعلق من هذه الجهة)) و اشار الى ان الاطلاق من ساير الجهات لا يكفي في ذلك كما لو كان له اطلاق من ناحية عدم الاهمال فقط بقوله:

( (و لا يكفي اطلاقها من ساير الجهات)).

و قد ظهر مما ذكرنا: ان نفس النهي المتعلق بالطبيعة لا دلالة فيه على بقائه لو خولف، لما عرفت: من ان الاستغراق أو غيره لا بد و ان يستفاد من دليل يدل عليه، اما نفس صيغة النهي فلا دلالة لها الا على طلب الترك المستفاد من الهيئة و ان متعلقه هو هذه المادة المستفاد ذلك من المادة، و اما ان هذا الطلب المتعلق بترك هذه المادة على أي نحو بحيث يكون باقيا لو خولف أو غير باق فليس ذلك داخلا في مفاد الهيئة و لا في مفاد المادة حتى تكون الصيغة دالة عليه.

بقي شي‏ء: و هو هل للصيغة الواردة في مقام البيان اطلاق يقتضي كونها بنحو الاستغراق ام لا؟

11

فصل اختلفوا في جواز اجتماع الامر و النهي في واحد، و امتناعه، على أقوال: ثالثها جوازه عقلا و امتناعه عرفا، و قبل الخوض في المقصود (1)

____________

لا يبعد ان يقال: ان اطلاق الصيغة الواردة في مقام البيان يعيّن الاستغراق، فان النهي حيث انه تابع للمفسدة، فلازم كونها متعلقة للنهي ان هذه الطبيعة هي المتحملة بنفسها للمفسدة، و من الواضح: ان كل وجود من وجودات الطبيعة متحمل لطبيعة ذات المفسدة ايضا، و لازم ذلك ان يكون كل وجود من وجودات هذه الطبيعة حيث انه فيه الطبيعة الحاملة للمفسدة ان يكون مطلوب الترك، و معنى ذلك هو انحلال النهي إلى نواه متعددة و لكل واحد منها اطاعة و عصيان، و معنى هذا هو بقاء النهي المتعلق بهذه الطبيعة لو خولف في احد افراده.

(1)

فصل اختلفوا في جواز اجتماع الامر و النهي في واحد، و امتناعه، على أقوال‏

لا يخفى ان هذا الفصل من اهم مسائل هذا المقصد الثاني المختص للبحث عن مسائل النهي، و قد عنونوا المسألة: بانه هل يجوز اجتماع الامر و النهي في واحد ام لا يجوز؟

و الاقوال فيه ثلاثة: جواز الاجتماع عقلا و عرفا، و عدم الجواز عقلا و عرفا، و التفصيل بجوازه عقلا و امتناعه عرفا.

و لا يخفى انه لا بد من انطباق متعلق الامر و النهي على هذا الواحد ظاهرا اذ لو لم ينطبقا عليه فلا شبهة في جوازه، فان الامر باكرام زيد و النهي عن احترام عمر مما لا شبهة فيه، و لكنه اذا انطبقا على شي‏ء واحد ظاهرا فالقائل بجواز الاجتماع يقول لا مانع من الامر بشي‏ء بحيث يسع هذا الواحد الذي ينطبق عليه ما تعلق به النهي و يكون هذا الواحد باعتبار انطباق متعلق الامر عليه امتثالا و اطاعة للامر، و باعتبار انطباق متعلق النهي عليه عصيانا للنهي.

و القائل بعدم الجواز يقول بانه يمتنع ان يكون هذا الواحد مما ينطبق عليه الامر و النهي بالفعل، و لا يعقل بقاؤهما على حالهما بحيث يسعان هذا الواحد، و لا بد

12

يقدم أمور:

الاول: المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين، و مندرجا تحت عنوانين، بأحدهما كان موردا للامر، و بالآخر للنهي، و إن كان كليا مقولا على كثيرين، كالصلاة في المغصوب، و إنما ذكر لاخراج ما إذا تعدد متعلق الامر و النهي و لم يجتمعا وجودا، و لو جمعهما واحد مفهوما، كالسجود للّه تعالى، و السجود للصنم مثلا، لا لاخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالحركة و السكون الكليين المعنونين بالصلاتية و الغصبية (1).

____________

اما ان لا يكون متعلق الامر بالفعل مما يسعه، أو يكون متعلق النهي بالفعل مما لا يسعه، و لا يعقل ان يكون كلاهما مما يسعاه بالفعل، بل لا بد إما ان يكون الامر مما يسعه بالفعل و لا يسعه النهي بالفعل أو بالعكس.

و مما ذكرنا ظهر: ان المراد من الجواز و عدم الجواز هو الامكان و عدم الامكان.

و القائل بالتفصيل يقول: بانه ممكن عقلا و لكنه ممتنع و غير ممكن عرفا.

(1)

[بيان المراد بالواحد الذي تعلق به الامر و النهي‏]

لا يخفى ان الواحد قد يكون جنسيّا كالسجود، و قد يكون نوعيا كنوع السجود المتفصّل بكونه للّه و المتفصّل بكونه لغير اللّه، و قد يكون صنفيّا كالسجود لشكر اللّه و السجود خضوعا له تعالى و كالسجود للصنم أو السجود للنار، و قد يكون شخصيا كالسجود الخارجي للّه.

و لا وجه لاختصاص الواحد الشخصي بالنزاع، لأن موضوع النزاع هو ان الواحد اذا كان مجمعا لمتعلقي الامر و النهي هل يقع به امتثال الامر و عصيان النهي؟

و لازم هذا بقاء كلّ من متعلقي الامر و النهي بحيث يسعان هذا المجمع أو يمتنع ذلك و لا يعقل بقاؤهما كذلك، بل اما ان يبقى احدهما أو يسقطا معا للمعارضة أو المزاحمة على ما سيأتي الاشارة اليه في الامر التاسع.

13

.....

____________

و كما يمكن ان يكون الواحد الشخصي مجمعا لهما كذلك يمكن ان يكون الواحد الجنسي أو النوعي أو الصنفي مجمعا لهما ايضا.

و بعبارة اخرى: انه كما يمكن ان يكون الفرد الواحد الخاص الخارجي مجمعا لمتعلقي الامر و النهي كزيد المجتمع فيه عنوان العالم المطلوب اكرامه و عنوان الفاسق الذي يحرم احترامه، كذلك يمكن ان يكون الكلي الواحد مجمعا للعنوانين، ككلي الركوع الذي هو احد انواع الوضع، فانه يكون بما هو كلي الركوع مجمعا لعنوان الصلاة و عنوان الغصب، فلا وجه لاختصاص النزاع بالواحد الشخصي.

لا يقال: ان الاجتماع في الكلي لو كان موجبا لدخوله في موضوع النزاع لكان الامر بالسجود للّه و النهي عن السجود للصنم مما لا يجتمعان- بناء على الامتناع- و اجتماعهما مما لا ريب فيه مع انهما يجتمعان في كلي واحد و هو السجود، فذهاب كل من القائلين بالجواز و الامتناع الى صحة هذا الاجتماع مما يدل على خروجه عن موضوع النزاع.

فانه يقال: ان القائل بالامتناع انما يرى الامتناع اما لانه لا يمكن ان يجتمع فيما هو الحكم لبّا و هو الارادة و الكراهة لواحد بان يريد هذا الواحد و يكرهه، أو لانه لا يمكن ان يجتمع التحريك إلى هذا الواحد و البعث اليه مع التحريك إلى عدمه و الزجر عنه، و لازم هذا الكلام انه لا بد ان يجتمع ما تعلق به الامر و ما تعلق به النهي في وجود هذا الواحد، فان كان هذا الواحد فردا شخصيا فله وجود شخصي و ان كان كليا ففي وجوده في ضمن فرده، و اذا كان الكلي متفصلا بفصلين لا يعقل ان يجتمعا في وجود واحد للكلي و لو في ضمن فرده كالسجود للّه و السجود للصنم، فانه لا يعقل ان يجتمعا في وجود واحد لكلي السجود و لو في ضمن احد افراده، اذ لا يعقل ان يجتمع في وجود واحد للسجود الكلي هذان النوعان و هما السجود للّه و السجود للصنم، بخلاف كلي الركوع المتحقق في فرد من افراده فانه يمكن ان يكون مجمعا للصلاة و الغصب، و كذلك السجود الكلي المتحقق في ضمن فرد من افراده‏

14

.....

____________

يمكن ان يجتمع فيه العنوانان كالصلاة و الغصب، إلّا انه لا يعقل ان يكون مجمعا لعنواني السجود للّه و السجود للصنم، فالواحد الجنسي الذي يمكن ان يجتمع في وجوده العنوانان هو الداخل في موضع النزاع، و الواحد الجنسي الذي لا يعقل ان يجتمع في وجوده و لو في ضمن فرده العنوانان فهو خارج عن محل النزاع، فالسجود الكلي الذي يكون مجمعا لعنواني الصلاة و الغصب هو الداخل دون السجود الكلي بالنسبة الى نوعيه و هما السجود للّه و السجود للصنم فانه خارج عن موضع النزاع.

و بعبارة اخرى: ان محل النزاع هو ان متعلق الامر و النهي الذي يمكن ان يجتمعا في الوجود الواحد سواء كان ذلك الوجود الواحد مجمعا لهما من حيث انه بذاته انطبق عليه العنوانان كزيد الشخصي الذي ينطبق عليه عنوانا العالم و الفاسق، أو لانه قد تحقق في ضمنه الواحد الجنسي الذي هو المجمع للعنوانين كهذا الوضع الخاص الذي تحقق به كلي الوضع السجودي الذي اجتمع فيه- بما هو وضع سجودي- عنوانا الصلاة و الغصب، و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: ( (المراد بالواحد)) في العنوان المذكور هو ( (مطلق ما كان ذا وجهين و مندرجا تحت عنوانين باحدهما كان موردا للامر و بالآخر للنهي و ان كان كليا مقولا على كثيرين)) أي و ان كان ذلك الواحد كليا و مقولا على كثيرين و لا يختص الواحد المذكور في العنوان بالواحد الشخصي، بل يعم الواحد الجنسي ايضا ( (كالصلاة في المغصوب)) فان الصلاة في المغصوب قد اجتمع عنوان الصلاة و الغصب في وضع الركوع و السجود و القيام و كل من هذه كلي مقولا على كثيرين من افراد وضع الركوع و السجود و القيام ( (و انما ذكر)) الواحد في العنوان لا لاخراج غير الواحد الشخصي بل ( (لا خراج)) الواحد مفهوما و هو مثل ( (ما اذا)) تعدد متعلق الامر و النهي و لم يجتمعا وجودا و لو جمعهما واحد مفهوما كالسجود للّه و السجود للصنم مثلا)) فانهما و ان اجتمعا في مفهوم السجود الواحد إلّا ان مفهوم السجود بالنسبة إلى هذين: العنوان المامور باحدهما و المنهي عن احدهما جامع مفهومي لهما لا جامع وجودي، اذ لا يعقل ان يجتمع في السجود

15

الثاني: الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادة، هو أن الجهة المبحوث عنها فيها التي بها تمتاز المسائل، هي أن تعدد الوجه و العنوان في الواحد يوجب تعدد متعلق الامر و النهي، بحيث ترتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد، أو لا يوجبه، بل يكون حاله حاله، فالنزاع في سراية كل من الامر و النهي إلى متعلق الآخر، لاتحاد متعلقيهما وجودا، و عدم سرايته لتعددهما وجها، و هذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الاخرى، فإن البحث فيها في أن النهي في العبادة أو المعاملة يوجب فسادها، بعد الفراغ عن التوجه إليها (1).

____________

الكلي الموجود و لو في ضمن فرده عنوانا السجود للّه و السجود للصنم فلا يمكن ان يكون وجودا للسجود يكون ذلك الوجود السجودي سجودا للّه و سجودا للصنم.

و على كل فالواحد المذكور انما ذكر لاخراج الواحد المفهومي ( (لا لاخراج الواحد الجنسي أو النوعي كالحركة و السكون الكليين المعنونين بالصلاتية و الغصبية)).

و لا يخفى ان السكون انما يكون مجمعا للعنوانين من الصلاة و الغصبية بناء على كون السكون من الاكوان الصلاتيّة، إلّا ان يكون مراده من السكون هو الوضع الخاص الذي يكون حال السكون كالوضع الركوعي و السجودي.

(1)

[الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادة]

لا يخفى ان الداعي لإبداء الفرق بين هذه المسألة و مسألة دلالة النهي على الفساد في العبادة هو ان موضوع هذه المسألة هو الامر و النهي و محمولها جواز الاجتماع و عدمه، و الموضوع و المحمول في تلك المسألة هو الامر و النهي و اجتماعهما، لأن لازم دلالة النهي على الفساد في العبادة و عدمه هو تعلق النهي بما تعلق به الامر، و لازم تعلق النهي بما تعلق به الامر هو اجتماع الامر و النهي، فهي مشتملة على الامر و النهي و على اجتماعهما، فمن هنا يبدأ توهم المتوهم: انه ما الفرق بين هاتين المسألتين مع ان هذه المسألة هي الامر و النهي و البحث عما يستلزمه اجتماعهما، و تلك المسألة ايضا هي الامر و النهي و البحث عما يستلزم اجتماعهما.

16

.....

____________

و الذي يرتضيه المصنف في الفرق بينهما: هو ان المميز لمسألة عن مسألة اخرى هو الجهة المبحوث عنها في كل مسألة.

و توضيحه: انه قد تقدم لك في صدر الكتاب هو ان المميز للعلوم بعضها عن بعض هو امتيازها بالغرض لا بالموضوعات و لا بالمحمولات و كان المميز للعلوم هو الغرض، فالمميز للمسائل بعضها عن بعض هو الغرض و الجهة التي دعت للبحث عن تلك الجهة في تلك المسألة، لا باختلاف الموضوع في المسألتين و لا باختلاف المحمول فيهما، فلو اتحدت المسألتان موضوعا و محمولا و اختلفتا في الغرض و الجهة المبحوث عنها فيهما فهما مسألتان مختلفتان بواسطة اختلاف الغرض، و لو اختلفتا موضوعا و محمولا أو موضوعا فقط و محمولا فقط و لكنهما اتحدتا في الغرض فهما متحدتان و غير مختلفتين، مثلا مسألة قام زيد المبحوث عنها من حيث الفاعل داخلة في المسألة المبحوث فيها عن الفاعل هي غير مسألة قام زيد المبحوث عنها في المسألة الباحثة عن الفعل و ان اتحدت المسألتان موضوعا و محمولا، و مسألة زيد قائم و عمرو قاعد المبحوث عنهما في مسألة المبتدأ و الخبر هما مسألة واحدة و ان اختلفتا موضوعا و محمولا.

فاتضح: ان المميز للمسائل هو الغرض و الجهة المبحوث عنها في تلك المسألة لا الموضوع و لا المحمول.

و اذا عرفت هذا تعرف ان الجهة المبحوث عنها في مسألة الاجتماع و عدمه هو ان تعدد الوجه و العنوان كالصلاة المامور بها و الغصبية المنهي عنها المجتمعتين في الحركة الصلاتية في المكان المغصوب هل يوجب تعدد تلك الحركة ام لا يوجب تعددها؟

فالقائل بالجواز يرى ان تعدد الوجه في الامر و النهي موجب لتعددها.

و القائل بالامتناع يرى ان تعدد الوجه و العنوان في الامر و النهي لا يوجب التعدد فيما اجتمعا فيه و هي الحركة. و الوجه و الغرض المبحوث عنه في مسألة دلالة النهي‏

17

.....

____________

على الفساد في العبادة هو ان النهي المتعلق بما تعلق به الامر هل يوجب فساده و عدم صحة الامتثال به او لا يوجب فساده؟

و الفرق بين هاتين الجهتين واضح، فان الجهة في مسألة الاجتماع هو اقتضاء تعدد العنوان لتعدد المجمع و عدمه، و الجهة في مسألة دلالة النهي على الفساد في العبادة هو فساد العبادة التي صارت مجمعا لهما.

و الفرق بين تعدد المجمع و عدمه، و فساد العبادة المجمع لهما و عدمه من اوضح الواضحات. و بعد تمايز الجهتين في المسألتين يتضح الميزان الفارق بينهما، و قد عرفت ان الجهة و الغرض هو المميّز، و حينئذ فسواء اتحد الموضوع و المحمول في المسألتين أو اختلفا فهما مسألتان لاختلاف الجهة فيهما، و قد اشار إلى ان المميّز للمسائل هو الجهة و الغرض بقوله: ( (الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادة هو ان الجهة المبحوث عنها فيها)): أي في هذه المسألة ( (التي بها)): أي التي بتلك الجهة المبحوث عنها في المسألة ( (تمتاز المسائل)) بعضها عن بعض، و قد اشار الى ان الجهة في هذه المسألة غير الجهة في مسألة النهي في العبادة بقوله: ( (هي ان تعدد الوجه و العنوان في الواحد يوجب تعدد متعلق الامر و النهي بحيث ترتفع به)): أي بحيث ترتفع بواسطة تعدد الوجه و العنوان في هذا الواحد ( (غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد)) فانه من المسلم انه لا يعقل اجتماع الامر و النهي في الواحد بعنوان واحد، فلا يعقل اجتماع الامر بالصلاة و النهي عن الصلاة بان يقول: صل و لا تصل، و لا بد اما من رفع اليد عن احدهما أو تساقطهما و الرجوع الى الاصول.

فهل ان الواحد بعنوانين كالحركات الصلاتية في المغصوب المجتمع فيها الامر بالصلاة و النهي عن التصرف في المغصوب هو كالواحد بالعنوان الواحد، أو انه بواسطة تعدد الوجه و العنوان ترتفع المحالية و عدم الامكان المتحقق في الواحد ب عنوان واحد؟

18

.....

____________

فالنزاع في هذه المسألة في ان هذين العنوانين المجتمعين في الوجود الواحد هل يوجب سراية كل من العنوانين إلى الآخر؟ و يكون حال صلّ و لا تغصب كحال صل و لا تصل.

أو ان تعدد الوجه و العنوان لا يوجب السراية؟ فلا محالية و ان كان المجمع وجودا واحدا. فهذه هي الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة.

و اما الجهة المبحوث عنها في تلك المسألة و هي مسألة النهي في العبادة فهي غير هذه الجهة، لأن جهة البحث هناك هو ان النهي المتعلق بما تعلق به الامر كقوله صلي و لا تصلي ايام الحيض فانه قد نهيت المرأة عن الصلاة في حال حيضها، فهل ان هذا النهي المتعلق بصلاتها في حال حيضها يدل على فساد صلاتها لو أتت بالصلاة ام لا يدل؟

و من الواضح: ان لازم جهة البحث في مسألة النهي في العبادة كون النهي قد تعلق بما تعلق به الامر، و بعد الفراغ عن انه قد تعلق بما تعلق به الامر فهل يوجب هذا التعلق فساد العبادة ام لا؟

فالبحث فيها عن انه هل يوجب الفساد ام لا؟ بعد الفراغ عن ان متعلق النهي هو نفس متعلق الامر. و هذا المفروغ عنه في مسألة النهي الذي لازمه عدم بقاء الامر التكليفي هو مبحوث عنه في هذه المسألة، و ان النهي المتعلق بعنوان الغصب اذا اجتمع مع عنوان الصلاة في الوجود الواحد هل يسري إلى الصلاة المتعلق بها الامر ام لا؟ فكون متعلق النهي هو متعلق الامر ليس مفروغا عنه هنا بل هو المبحوث عنه، بخلاف مسألة النهي في العبادة فانه من المفروغ عنه فيها، و الى هذا اشار بقوله:

( (بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الاخرى)) و هي مسألة النهي في العبادة ( (فان البحث فيها في ان النهي في العبادة او المعاملة يوجب فسادها بعد الفراغ عن التوجه اليها)): أي بعد الفراغ عن توجه النهي الى نفس العبادة كقوله: صلي، و دعي الصلاة ايام اقرائك.

19

نعم لو قيل بالامتناع مع ترجيح جانب النهي في مسألة الاجتماع، يكون مثل الصلاة في الدار المغصوبة من صغريات تلك المسألة.

فانقدح أن الفرق بين المسألتين في غاية الوضوح (1).

و أما ما أفاده في الفصول، من الفرق بما هذه عبارته ثم اعلم أن الفرق بين المقام و المقام المتقدم، و هو أن الامر و النهي هل يجتمعان في شي‏ء واحد أو لا؟ أما في المعاملات فظاهر، و أما في العبادات، فهو أن النزاع هناك فيما إذا تعلق الامر و النهي بطبيعتين متغايرتين بحسب‏

____________

(1)

[كلام الفصول و المناقشة فيه‏]

و هذا ايضا مما يدل على ان الجهة المبحوث عنها في مسألة الاجتماع غير الجهة المبحوث عنها في مسألة النهي في العبادة.

و حاصله: انه حيث كانت الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة هو انه مع تعدد الوجه و العنوان هل يوجب سريان النهي الى متعلق الامر ام لا؟

فعلى القول بالجواز و عدم السريان لا تكون الصلاة في الدار المغصوبة مما يسرى اليها النهي المتعلق بالغصب و لا يكون متعلق الامر العبادي مما سرى اليه النهي فلا تكون من صغريات مسألة النهي في العبادة، إذ لم يتعلق نهي بالعبادة لعدم السريان.

و على القول بالامتناع و ان النهي عن الغصب المجتمع مع الامر بالصلاة يسري إلى الصلاة تكون الصلاة الساري لها النهي من الغصب المنهي عنه من صغريات مسألة النهي في العبادة، و قد اشار إلى إلى ان هذا يدل على الفرق بقوله: ( (فانقدح ان الفرق)) الى آخر كلامه (قدّس سرّه).

20

الحقيقة (1)، و إن كان بينهما عموم مطلق، و هنا فيما إذا اتحدتا حقيقة و تغايرتا بمجرد الاطلاق و التقييد، بأن تعلق الامر بالمطلق، و النهي‏

____________

(1) قد ظهر- مما مر- ان الفارق بين المسائل و المميز لها هو الغرض و الجهة المبحوث عنها في المسألة، و ان الموضوعات و المحمولات سواء تعددت أو اتحدت لا تكون فارقة و مميزة بين المسائل هذا على مختاره (قدّس سرّه).

و حيث كان ما اختاره (قدّس سرّه) غير الذي اختاره في الفصول في الفرق بين المسألتين- تعرض إلى ما جعله في الفصول فارقا و الى رده بقوله: ( (فاسد)) جواب قوله: ( (و اما ما افاده في الفصول من الفرق)).

و لا يخفى ان صاحب الفصول ذكر الفرق بين المسألتين في مسألة النهي في العبادة المبحوث عنها بعد البحث عن مسألة الاجتماع، فمراده من قوله المقام المتقدم هو مقام مسألة اجتماع الامر و النهي.

و حاصل الفرق عنده بين المسألتين هو اختلاف الموضوع فيهما، و لذا قال:

( (و هو ان الامر و النهي)) الى آخره.

و بيانه: ان الفرق بين مسألة الاجتماع و مسألة النهي في العبادة و المعاملة: هو ان الموضوع في مسألة الاجتماع هو ان الامر و النهي هل يجتمعان ام لا؟ و حيث كان الموضوع فيها هو الامر و النهي و المحمول اجتماعهما- ظهر الفرق بين مسألة الاجتماع و مسألة النهي في خصوص المعاملات، لوضوح انه ليس في المعاملات امر يجتمع مع النهي، بل الموجود في المعاملات حكم وضعي و الامر الذي هو جزء الموضوع في مسألة الاجتماع المراد منه هو التكليفي، فلا موجب لتوهم اتحادهما حتى نحتاج إلى ابداء الفرق، و الى هذا اشار بقوله: ( (اما في المعاملات فظاهر)).

و اما في النهي في العبادات فلوجود الامر التكليفي فيها نحتاج الى الفارق، فالفرق هو ان الموضوع في مسألة الاجتماع هو الامر و النهي، و المحمول اجتماعهما و عدمه.

و حيث كان النزاع في جواز اجتماعهما في واحد ام لا؟ فلا بد و ان يكون متعلق الامر

21

.....

____________

طبيعة غير طبيعة متعلق النهي، و ان هاتين الطبيعتين المختلفتين هل يمكن ان تجتمعا في وجود واحد ام لا؟

و لو كان متعلق النهي متحدا مع متعلق الامر لكان العنوان هل يجوز ان يتعلق النهي بما تعلق به الامر ام لا؟ و الى هذا اشار بقوله: ( (ان النزاع هناك)): أي مسألة الاجتماع ( (فيما اذا تعلق الامر و النهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة)) كالصلاة و الغصب.

ثم قال (قدّس سرّه): ( (و ان كان بينهما عموم مطلق)). توضيحه: ان متعلق الامر و النهي اما ان يكونا متباينين بحيث لا يتصادقان على واحد و هذا خارج موضوعا عن مسألة الاجتماع، لانهما اذا كانا لا يتصادقان على واحد فلا يعقل البحث انه هل يسري احدهما الى الآخر ام لا؟

و اما ان يكونا متساويين بان لا يشذ مصداق لاحدهما عمّا يصدق عليه الآخر، و هذا خارج- ايضا- عن مسألة الاجتماع على ما يظهر من كلامه (قدّس سرّه)، و السبب في الخروج هو انه اذا كانا متساويين في الصدق يكونان من باب التعارض، و مسألة اجتماع الامر و النهي- بناء على الجواز- لا تكون داخلة في باب التعارض، و اما بناء على الامتناع فقد تدخل في باب التعارض و قد تدخل في باب التزاحم كما ستأتي الاشارة اليه في الامر التاسع.

فانحصر مورد مسألة الاجتماع فيما اذا كان بين متعلق الامر و النهي عموم من مطلق كما لو امر باكرام العلماء و نهي عن احترام اهل البدع و انحصر اهل البدع بمصداق العالم، أو يكون بينهما عموم من وجه كصلّ و لا تغصب فانه تصدق الصلاة من دون الغصب في الصلاة في غير المغصوب، و يصدق الغصب دون الصلاة في التصرفات الغصبية غير الصلاتية، و يجتمعان في الحركات الصلاتية في المحل المغصوب، و قد اشار إلى ما ذكرنا بقوله: ( (و ان كان بينهما عموم مطلق)) فانه اشار

22

.....

____________

إلى الفرد الخفي و هو العموم من مطلق، و اما العموم من وجه فحيث انه واضح لم يشر اليه إلّا بعنوان الترقي الى العموم المطلق.

فحاصل ما ذكره صاحب الفصول في الفرق بين مسألة الاجتماع و مسألة النهي:

هو ان الموضوع في مسألة الاجتماع هو ان الامر و النهي المتعلقين بطبيعتين مختلفتين كان بينهما عموم من وجه أو عموم من مطلق هل يجوز اجتماعهما في وجود واحد كان ذلك الوجود الواحد مصداقا لهما ام لا يجوز؟

و الموضوع في مسألة النهي في العبادة هو ان النهي المتعلق بما تعلق به الامر هل يوجب فساده ام لا؟ فتعلق النهي بما تعلق به الامر هو الموضوع في مسألة النهي في العبادة، و لازم ذلك هو اتحاد المتعلق فيهما، فموضوع البحث في هذه المسألة في الطبيعة الواحدة التي تعلق بها الامر و تعلق بها النهي، و لا بد في هذه المسألة: أي مسالة النهي في العبادة ان يكون المتعلق به النهي هو الطبيعة الواحدة المقيدة بشي‏ء و الطبيعة الواحدة غير المقيدة بشي‏ء هي متعلق الامر، فيكون النهي متعلقا بالمقيد و الامر متعلقا بالمطلق، لوضوح انه لو تعلق النهي بما تعلق به الامر من دون ضم شي‏ء لكان بينهما تعارض فاما ان يتساقطا فلا امر حتى يكون امتثاله صحيحا أو فاسدا، أو يتغلّب جانب النهي فلا امر ايضا أو يتغلب جانب الامر فلا نهي حتى يكون موجبا للفساد ام لا؟

و اما ان يكون بينهما عموم من وجه فهو خارج عن موضوع مسألة النهي في العبادة، لما عرفت من انه لا بد ان يكون العنوان المتعلق للامر هو متعلقا للنهي و لا بد في العموم من وجه اختلاف العنوان المتعلق فيهما.

هذا شرح ما ذكره في الفصول بقوله: ( (و هنا)) أي و في مسألة النهي في العبادة الكلام ( (فيما اذا اتحدتا حقيقة و تغايرتا بمجرد الاطلاق و التقييد بان تعلق الامر بالمطلق و النهي بالمقيد)).

فاتضح: ان الفرق بين المسألتين عنده هو اختلاف الموضوع فيهما.

23

بالمقيد انتهى موضع الحاجة، فاسد، فإن مجرد تعدد الموضوعات و تغايرها بحسب الذوات، لا يوجب التمايز بين المسائل، ما لم يكن هناك اختلاف الجهات، و معه لا حاجة أصلا إلى تعددها، بل لا بد من عقد مسألتين، مع وحدة الموضوع و تعدد الجهة المبحوث عنها، و عقد مسألة واحدة في صورة العكس، كما لا يخفى (1).

و من هنا انقدح أيضا فساد الفرق، بأن النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا، و هناك في دلالة النهي لفظا، فإن مجرد ذلك لو لم يكن تعدد الجهة

____________

(1) قد عرفت ان قوله: ( (فاسد)) هو جواب قوله: ( (و اما ما افاده في الفصول)).

و اما وجه فساده فقد عرفته ايضا- مما مر- من ان المميّز للمسائل هو الغرض و الجهة المبحوث عنها في تلك المسألة لا اختلاف الموضوع و لا اختلاف المحمول و انه اذا تعددت الجهة المبحوث عنها لا بد من عقد مسألتين و ان اتحد الموضوع و المحمول، و لا بد من دخول قولنا- مثلا-: ضرب زيد في البحث عن الفاعل المرفوع بفعله و دخولها في البحث عن الفعل المستند الى فاعله و تكون هذه القضية الواحدة من مسائل باب الفاعل و من مسائل باب الفعل، فهذه القضية الواحدة هي من حيث اختلاف الجهة فيها مسألتان من ناحية البحث و ان كانت من ناحية الموضوع و المحمول هي قضية واحدة، و اذا اتحد الغرض فلا بد من البحث عن القضيتين المختلفتين موضوعا و محمولا تحت عنوان واحد و جعلهما مسألة واحدة من ناحية الجهة المبحوث عنها، و قد اشار الى ان المميز للمسائل هو الغرض دون الموضوع و المحمول بقوله:

( (فان مجرد تعدد الموضوعات ... الى آخر كلامه)) و اشار الى انه مع تعدد الغرض لا بد من عقد مسألتين و ان اتحد الموضوع و المحمول و مع وحدة الغرض لا بد من عقد مسألة واحدة و ان تعدد الموضوع و المحمول بقوله: ( (بل لا بد من عقد مسألتين ... الى آخر كلامه)).

24

في البين، لا يوجب إلا تفصيلا في المسألة الواحدة، لا عقد مسألتين، هذا مع عدم اختصاص النزاع في تلك المسألة بدلالة اللفظ، كما سيظهر (1).

الثالث: إنه حيث كانت نتيجة هذه المسألة مما تقع في طريق الاستنباط، كانت المسألة من المسائل الاصولية، لا من مبادئها الاحكامية،

____________

(1)

[صدق ضابط المسألة الاصولية على مسألة الاجتماع‏]

بعد ما عرفت- فيما مر- من أن المميز و الفارق بين المسائل هو الجهة و الغرض المبحوث عنه فيها- يتضح ايضا فساد هذا الفرق الذي ذكره المصنف عن بعض.

و حاصله: ان الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادة هو ان هذه المسألة عقلية و البحث عن ان العقل هل يرى جواز اجتماع الامر و النهي في واحد بعنوانين ام لا يرى؟

و البحث في مسألة النهي في العبادة هو ان اللفظ هل يدل على الفساد ام لا؟

و ملخص الفرق: ان هذه المسألة عقلية و تلك المسألة لفظية، و قد عرفت ان الفارق و المميز منحصر في الجهة و الغرض، فلو كانت الجهة و الغرض متحدا في المسألتين لما كان كون البحث في احداهما عقليا و في الاخرى لفظيا بفارق، بل لا بد مع وحدة الغرض من عقد مسألة واحدة يبحث فيها مرة من ناحية الجواز و عدم الجواز عقلا، و اخرى من ناحية الدلالة اللفظية، و الى هذا اشار بقوله: ( (ان مجرد ذلك)): أي مجرد كون البحث في احداهما عقليا و في احداهما لفظيا لا يصلح ان يكون فارقا و مميزا بينهما ( (لو لم يكن تعدد الجهة في البين)) فان الاختلاف في العقلية و اللفظية ( (لا يوجب إلّا تفصيلا في المسألة الواحدة)).

ثم ذكر اشكالا آخر على هذا الفارق: و هو ان البحث في مسالة دلالة النهي على الفساد لا ينحصر في الدلالة اللفظية و انه هناك في الدلالة اللفظية و العقلية ايضا و قد اشار الى هذا بقوله: ( (هذا مع عدم اختصاص النزاع ... إلى آخر كلامه))، إلّا انه سيأتي منه ان النزاع في مسألة النهي هو في الدلالة اللفظية فقط.

25

و لا التصديقية، و لا من المسائل الكلامية، و لا من المسائل الفرعية، و إن كانت فيها جهاتها، كما لا يخفى (1)، ضرورة أن مجرد ذلك لا يوجب‏

____________

(1) لا يخفى انه وقع الكلام في ان مسألة اجتماع الامر و النهي هل هي من المسائل الاصولية؟

أو من المبادئ الاحكامية؟

أو من المبادئ التصديقية لعلم الاصول؟

أو من المسائل الكلامية؟

أو من المسائل الفرعية؟

و قد اختار المصنف انها من المسائل الاصولية، ثم اشار إلى ان جهات كل واحدة من هذه الاربع الأخر موجودة فيها.

و توضيح ذلك: اما انها من المسائل الاصولية فلأن المناط في كون المسألة اصولية وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط، و لا اشكال في ان نتيجة هذه المسألة مما تقع في طريق استنباط الحكم الفرعي، لوضوح انه على القول بجواز الاجتماع فالمجمع للامر و النهي يقع به الامتثال للامر، و يصح وقوعه عبادة و يعاقب على المنهي عنه الصادق على المجمع و لا يسقط كل من الحكمين عما يترتب عليه.

و على القول بالامتناع فلا بد من السقوط فاما ان يسقطا معا فلا يصح وقوع المجمع عبادة حتى بناء على عدم انحصار عبادية العبادة في قصد الامر، لأن نفس متعلق العبادة يكون منهيا عنه و مثل هذا النهي في العبادة يقتضي الفساد كما سيأتي، أو يسقط احدهما فان سقط الامر و تغلّب النهي فلا تصح- ايضا- عبادة لما ذكرنا، و ان سقط النهي و تغلّب الامر صحّ وقوع المجمع عبادة لوجود الامر و سقوط ما يمنع عن العبادية و هو النهي، و من الواضح ان هذه النتيجة الفرعية تستنبط و تترتب على المختار في هذه المسألة.

26

.....

____________

ثم لا يخفى انها من المسائل الاصولية العقلية لكنها من العقلية غير المستقلة، اما انها من المسائل العقلية فلان البحث فيها انه هل يستلزم عقلا اجتماع الامر و النهي المتعلقين بعنوانين في وجود واحد سقوط احدهما، أو لا يستلزم اجتماعهما سقوط احدهما عقلا؟ و اما انها من غير المستقلات العقلية فلأن المستقلات العقلية هي المسألة التي تكون موردا لحكم العقل من دون توسط شي‏ء شرعي، كمبحث الحسن و القبح العقليين فان البحث فيها غير متوقف على ما يرجع الى الشرع، و غير المستقلات العقلية هي التي تكون موردا لحكم العقل بعد ارتباطها بما يرجع الى الشرع، و من الواضح ان حكم العقل في هذه المسألة انما هو بعد الامر و النهي المرتبطين بالشارع.

و اما من يدعى انها من المبادئ الاحكامية فلأن المبادئ الاحكامية هي التي يبحث فيها عن الحكم و لوازمه، و هذه المسألة مما يبحث فيها عما يستلزمه الحكم لأنها يبحث فيها عن انه هل يستلزم احد الحكمين من الحرمة و الوجوب المجتمعين في مورد لعدم الآخر أو لا يستلزم احد الحكمين المجتمعين عدم الآخر؟

و اما دعوى انها من المبادئ التصديقية فلأن المبادئ التصديقية لعلم الاصول هي التي يكون نتيجة البحث فيها سببا لدخول الناتج منها في احدى المسائل الاصولية، و مسألة الاجتماع من هذا القبيل لأنها و ان كانت بناء على القول بالجواز يترتب عليها صحة وقوع المجمع عبادة، إلّا انها بناء على الامتناع لا يترتب عليها فساد العبادة الّا بعد دخولها في باب التعارض و ملاحظة ما يقتضيه باب التعارض، و ان من الواضح ان باب التعارض من المسائل الاصولية.

و لا يخفى انه لازم دعوى هذا القائل هو كون المسألة من المبادئ التصديقية لا بد و ان تقع في طريق احدى المسائل الاصولية للاستنباط نفيا و اثباتا، فلا تكون مسألة الاجتماع من المسائل التصديقية إلّا ان يقع القول بالجواز فيها في طريق احدى المسائل الاصولية، و القول بالامتناع فيها ايضا يكون كذلك.

27

.....

____________

و لكن قد عرفت انه على القول بالجواز لا تدخل في طريق احدى المسائل الاصولية الّا ان الظاهر انه شرط لا يلتزمون به، فانه يكفي عندهم كون الاثر لطرف واحد، أو نقول إن وقوعها بناء على الامتناع في طريق احدى المسائل الاصولية يستلزم كونها ذا اثر نفيا و اثباتا، لأن عدم وقوعها بناء على الجواز يصح ان يقال انه اثر ايضا لعدم موجب للالتزام بكون الاثر لا بد و ان يكون امرا وجوديا فان كونها لا تقع ايضا اثر.

و اما دعوى انها من المسائل الكلامية فلوضوح ان علم الكلام هو ما يبحث فيه عن احوال المبدأ و المعاد، و حيث ان الامر و النهي الشرعيين مما يتعلقان بالمبدإ فالبحث عن جواز اجتماعهما و عدمه بمعنى انه هل يحسن من الشارع أن يأمر و ينهى عن واحد بعنوانين ام لا يحسن ذلك؟ و بهذا المعنى هي من مسائل الكلام لا لأنها مسألة عقلية، لوضوح انه ليس كل مسالة عقلية هي من الكلام.

إلّا انه لا بد من تغيير العنوان المبحوث عنه في المقام بان يكون العنوان: هل يجوز للشارع ان يامر و ينهى بعنوانين مجتمعين في وجود واحد، لأن العنوان المبحوث عنه في المقام هو ان الامر و النهي اذا اجتمعا هل يطرد احدهما الآخر ام لا؟ لا لأنهما من الشارع فانه سيأتي ان القائل بالامتناع يرى سراية احدهما الى الآخر فيكون اجتماعهما من اجتماع الضدين و محالية اجتماع الضدين لا يختص بكونهما من الشارع.

و اما دعوى انها من المسائل الفرعية فلان النتيجة المتحصلة من جواز اجتماع الامر و النهي و عدمه هو صحة وقوع المجمع امتثالا للامر و عصيانا للنهي.

و لا يخفى ان كون النتيجة من البحث هو صحة الامتثال و عدمه لا يجعل المسألة المبحوث عنها من المسائل الفرعية، لأن النتيجة في البحث عن كل مسالة اصولية يرتبط بحكم شرعي فيلزم ان يكون علم الاصول بجملته هو علم الفقه، و هو واضح‏

28

كونها منها إذا كانت فيها جهة أخرى، يمكن عقدها معها من المسائل، إذ لا مجال حينئذ لتوهم عقدها من غيرها في الاصول، و إن عقدت كلامية في الكلام، و صح عقدها فرعية أو غيرها بلا كلام، و قد عرفت في أول الكتاب أنه لا ضير في كون مسألة واحدة، يبحث فيها عن جهة خاصة من مسائل علمين، لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة، كانت بإحداهما من مسائل علم، و بالاخرى من آخر، فتذكر (1).

____________

الفساد، بل هذه المسألة انما تكون فرعيه حيث يتغير العنوان فيها بان يكون: هل يقع المجمع كالحركة الصلاتية في الدار المغصوبة امتثالا للامر و عصيانا للنهي ام لا؟

اما البحث عن جواز الاجتماع و عدمه بلزوم اجتماع الضدين و عدم لزومه فيتفرع عليه صحة الصلاة و عدمها فليس بحثا فقهيا.

فاتضح مما ذكرنا من دون تغيير عنوان البحث في المقام انما يكون فيها جهة المسائل الثلاث الاصولية و المبادئ الاحكامية و المبادئ التصديقية، فقول المصنف: ( (و ان كانت فيها جهاتها)) لا بد و ان يراد منه وجود جهاتها و لو بتغيير للعنوان لتنطبق جهات المسائل الخمس كلها.

(1) قد عرفت ان هذه المسألة يمكن ان تكون من المسائل الاصولية و يمكن ان تكون من المبادئ الاحكامية و من المبادئ التصديقية و من المسائل الكلامية و من المسائل الفرعية، و ان كان في الاخيرين ينبغي تغيير العنوان.

و على كلّ فمجرد امكان ان تكون المسألة الاصولية من المسائل الأخر لا يقتضي ان يقال انها منها لأن مراد القائل انها من المسائل الأخر ان كان لإنكار كونها اصولية و قد عرفت بطلانه- لما تقدم- من انها مسألة تقع نتيجتها في طريق الاستنباط، مضافا الى انها لو لم تكن من مسائل الاصول فلا وجه للبحث عنها في الاصول، و ان كان مراده انها مع كونها اصولية يمكن ان يبحث عنها في غير الاصول من الكلام و الفقه- مثلا- فهو صحيح، و لا يضر امكان ان يبحث عنها في علم آخر بالبحث عنها

29

الرابع: إنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه، أن المسألة عقلية، و لا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع و الامتناع فيها بما إذا كان الايجاب و التحريم باللفظ، كما ربما يوهمه التعبير بالامر و النهي الظاهرين في الطلب بالقول، إلا أنه لكون الدلالة عليهما غالبا بهما، كما هو أوضح من أن يخفى.

و ذهاب البعض إلى الجواز عقلا و الامتناع عرفا، ليس بمعنى دلالة اللفظ، بل بدعوى أن الواحد بالنظر الدقيق العقلي اثنان، و أنه بالنظر المسامحي العرفي واحد ذو وجهين، و إلا فلا يكون معنى محصلا للامتناع العرفي، غاية الامر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع، فتدبر جيدا (1).

____________

في الاصول بعد ان كانت مما يترتب عليها الغرض المطلوب في علم الاصول، و قد مر- في اول هذا الكتاب- انه لا مانع ( (و لا ضير في كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصة من مسائل علمين)) المراد من الجهة الخاصة هو موضوعها و محمولها لا الغرض الداعي للبحث عنها، و لذا قال: ( (لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة الى آخر كلامه)) و ذلك كمسألة جواز اجتماع الامر و النهي في وجود واحد و عدم جوازه، فانه يمكن ان يبحث عنها في الاصول لحصول الغرض من علم الاصول و ترتبه عليها، و يمكن ان يبحث عنها في علوم أخر لترتب الغرض في تلك العلوم عليها ايضا.

(1)

[التفصيل بين الامتناع عرفا و الجواز عقلا]

قد عرفت- مما مر- ان المسألة من المسائل الاصولية العقلية غير المستقلة مضافا إلى ان عنوان المسألة يدل على كونها عقلية، لأن المراد من الجواز و عدمه في العنوان هو الامكان و عدمه، و من الواضح ان الحكم بالامكان و عدمه مما يرتبط بالعقل دون الدلالة اللفظية، فلو كانت المسألة لفظية للزم تغيير العنوان بان يعنون: ان النهي عن شي‏ء باللفظ هل يدل على عدم الوجوب في مورد الاجتماع ام لا يدل؟

30

.....

____________

و دعوى ان المسألة لفظية ربما ينشأ من توهمين اشار اليهما المصنف و الى فسادهما:

الاول: ما اشار اليه بقوله: ( (كما ربما يوهمه التعبير بالامر و النهي)).

و حاصله: ان توهم انها لفظية انما نشأ من تعبيرهم في العنوان بجواز اجتماع الامر و النهي، و لفظ الامر و النهي لهما ظهور في الطلب و الزجر المستفادين من اللفظ و القول، و اذا كان متعلق الجواز و عدمه ما يستفاد من اللفظ فلا بد من كونها لفظية، اذ البحث يتبع القيد الخاص في العنوان، و حيث تقيد الجواز و عدمه بما يستفاد من اللفظ فاللازم ان تكون المسألة لفظية.

و قد اشار الى فساد هذا التوهم بقوله: ( (إلّا انه لكون الدلالة عليهما الى آخره)) و حاصله: ان التعبير عن الايجاب و التحريم المجتمعين في وجود واحد بلفظ الامر و النهي انما هو لان الايجاب و التحريم غالبا يكونان مستفادين من الدليل اللفظي الذي هو الامر و النهي، و إلّا فقد عرفت ان الكلام في جواز اجتماع الوجوب و الحرمة سواء كانا مستفادين من لفظ أو عقل أو اجماع، و لا خصوصية للحرمة و الوجوب المستفادين من اللفظ، فالتعبير بالامر و النهي المخصوصين بمقولة اللفظ انما نشأ من الغالب لا غير.

الثاني: ما اشار اليه: ( (و ذهاب البعض الى آخره)) توضيح هذا المنشأ الثاني لتوهم كون المسألة لفظية انه قد ذهب بعضهم الى التفصيل في هذه المسألة.

و حاصل هذا التفصيل: انه يجوز عقلا و يمتنع عرفا و يدعى المتوهم ان مراد هذا المفصل من الجواز عقلا انه حيث كان متعلق الامر طبيعة غير الطبيعة المتعلق بها النهي فهما متعددان بالذات و المتعدد بالذات لا يعقل ان يكون واحدا، فاذا تصادقا و اجتمعا في وجود واحد فلا بد من تعدد ذلك الواحد فلا يسري حكم احدهما إلى الآخر لتعددهما و تعدد ما اجتمعا فيه و تصادقا عليه، فلذا ان العقل يرى الجواز، و مراده من الامتناع عرفا هو انه حيث كان الايجاب و التحريم المبحوث عن جواز

31

.....

____________

اجتماعهما و عدمه مستفادين من اللفظ، و العرف يرى ان اللفظ الدال على الوجوب يدل بالدلالة الالتزامية الناشئة من الملازمة العرفية على عدم اجتماع الوجوب مع الحرمة فيما اذا اجتمعا في وجود واحد، و كذلك العرف يرى ان اللفظ الدال على الحرمة يدل بالدلالة الالتزامية الناشئة من الملازمة العرفية على عدم اجتماع الحرمة مع الوجوب فيما اذا اجتمعا في وجود واحد، فاذا كان مراد المفصّل من الامتناع عرفا هو الدلالة الالتزامية التي هي من الدلالات اللفظية فلازم ذلك ان يكون البحث في هذه المسألة لفظيا، و الّا فلو كانت المسألة بجميع شئونها عقلية فلا معنى لهذا التفصيل، فلا مناص من ان يكون لهذه المسألة مساس بالناحية اللفظية.

و قد اشار المصنف في ضمن الجواب عن هذا التوهم الى منشأ هذا المتوهم لكون المسألة لفظية بقوله: ( (ليس بمعنى دلالة اللفظ)).

و حاصل الجواب: هو ان مراد هذا المفصّل من الامتناع العرفي ليس دلالة اللفظ بالالتزام على عدم الاجتماع للملازمة العرفية حتى يستلزم ذلك ان تكون المسألة لفظية، بل مراد هذا المفصّل من الجواز العقلي هو انه حيث ان العقل ينظر الى الاشياء بدقة و تحليل فهو يرى ان هذا الواحد بنظر العرف الذي لا ينظر الى الاشياء بدقة و تحليل هو واحد، و لكنه بالدقة و التحليل هو متعدد فلذلك يرى العقل الجواز، و مراده من الامتناع عرفا هو ان العرف حيث لا ينظر الى الاشياء بدقة و تحليل بل نظره اليها بنحو التسامح في مقام النظر فهو يرى ان المجمع واحد و لا يجتمع الامر و النهي في واحد، فمراده من الامتناع عرفا هو ان العرف يرى عدم الاجتماع لانه مبني على النظر المسامحي دون النظر الدقي، و ليس مراده من الامتناع العرفي هو الدلالة الالتزامية العرفية، بل العرف يرى ان هذا المجمع واحد ذو وجهين، و حيث كان المجمع في رأي العرف واحدا فلذا يرى عدم جواز الاجتماع.

و قد اشار ايضا الى لزوم حمل مراد المفصّل في دعوى الامتناع عرفا على ما ذكره دون الدلالة اللفظية بقوله: ( (و إلّا فلا يكون معنى محصلا الخ)).

32

.....

____________

و حاصله: ان الذهاب الى التفصيل في مسألة لا بد و ان يكون تفصيلا فيما هو محل النزاع في المسألة، و حيث كان هذا المفصّل يرى جواز الاجتماع عقلا فقوله بالامتناع عرفا لا بد و ان يكون ان هذا الذي يراه العقل جائزا لا يراه العرف جائزا، و اذا كان مراده غير هذا بان يكون مراده هو دلالة اللفظ على عدم الاجتماع للملازمة العرفية لا يكون قوله هذا تفصيلا في هذه المسألة، لما عرفت من ان التفصيل في مسألة لا بد و ان يكون واسطة بين الايجاب الكلي و السلب الكلي، و الدلالة اللفظية خارجة عما هو موضع النزاع بين القوم من الذهاب إلى الجواز و ذهاب الآخرين إلى عدم الجواز، فيكون هذا المفصّل واسطة بين الرأيين، فهو يوافق القائلين بالجواز من ناحية حكم العقل بالجواز و يوافق القائلين بعدم الجواز من ناحية النظر العرفي و الحكم العرفي، و لو كان مراده من الامتناع عرفا هو الدلالة اللفظية الخارجة عما هو موضع النزاع لما كان لهذا التفصيل منه معنى محصلا، اذ الدلالة اللفظية ليست موضع النزاع، و لا بد من ان يكون هذا المفصّل ممن يرى الجواز مطلقا.

غايته انه اذا كان الوجوب و التحريم مستفادين من اللفظ فاللفظ بالدلالة الالتزامية يدل على عدم وقوع الامر مجتمعا مع الحرمة، و اللفظ الدال على الحرمة يدل على عدم وقوع الحرمة مجتمعة مع الوجوب، و لا يصح جعل هذا تفصيلا فيما هو موضع النزاع، و الى ما ذكرنا- اولا- اشار بقوله: ( (و إلّا فلا يكون معنى محصلا للامتناع العرفي)) و اشار الى انه لو كان المراد من الامتناع العرفي هو الدلالة اللفظية لما كان منه تفصيلا في المسألة، بل يكون المتحصل منه هو عدم وقوع الوجوب و الحرمة المستفادين من اللفظ كل مع الآخر بقوله: ( (غاية الامر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع)): أي بعد ان يكون المتحصل من رأي هذا المفصّل هو جواز الاجتماع و ليس له تفصيل في القول بالجواز، غاية الامر انه لا يقع هذا الجواز فيما اذا كان الوجوب و الحرمة مستفادين من اللفظ.

33

الخامس: لا يخفى أن ملاك النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع يعم جميع اقسام الايجاب و التحريم، كما هو قضية اطلاق لفظ الامر و النهي (1)، و دعوى الانصراف إلى النفسيين التعيينيين العينيين في‏

____________

(1)

[شمول النزاع لانواع الايجاب و التحريم‏]

لا يخفى ان اقسام الايجاب ستة:

- الايجاب النفسي كايجاب الصلاة.

- الايجاب الغيري كوجوب الطهارة الواقعة مقدمة للواجب.

- و الايجاب التعييني كالصلاة ايضا.

- و الايجاب التخييري كالعتق و الصوم في خصال الكفارة.

- و الايجاب العيني كالصلاة ايضا.

- و الايجاب التكافئي كالصلاة على الميت.

و اقسام التحريم الموجود منها في الشرع خمسة:

- التحريم النفسي كحرمة شرب الخمر و قتل النفس.

- و التحريم الغيري كتحريم مقدمة الحرام الأخيرة التي لا يتوسط بينها و بين الحرام ارادة كإلقاء مسلم في النار.

- و التحريم التعييني كشرب الخمر ايضا.

- و التحريم التخييري فمثاله هو ما اذا اضطر شخص الى ارتكاب احد محرمين تعيينيين كما لو اضطر شخص الى احد المحرمين التعيينيين كشرب الخمر أو التصرف في الدار المغصوبة فان النهي عنهما ينقلب من التعيينية الى التخييرية.

- و التحريم العيني كشرب الخمر ايضا.

- و اما التحريم الكفائي فليس له مثال في الشرع، نعم لو قلنا بان الامر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاص فالضد الخاص للواجب الكفائي يكون حراما كفائيا.

و لا يخفى ان اطلاق الامر الموجود في العنوان يعم جميع اقسام الايجاب المذكورة كما ان اطلاق لفظ النهي الموجود في العنوان يعم جميع اقسام التحريم المذكورة.

34

مادتهما، غير خالية عن الاعتساف، و إن سلم في صيغتهما، مع أنه فيها ممنوع.

نعم لا يبعد دعوى الظهور و الانسباق من الاطلاق، بمقدمات الحكمة غير الجارية في المقام، لما عرفت من عموم الملاك لجميع الاقسام (1)، و كذا

____________

مضافا الى ان ملاك النزاع الموجود في الامر و النهي النفسيين موجود في جميع اقسام الامر و النهي المتقدمة، لأن ملاك النزاع هو ان اجتماعهما في وجود واحد هل يوجب سريان احدهما إلى الآخر ام لا يوجب؟ و هذا المعنى موجود في كل تحريم و ايجاب قد اجتمعا في واحد، و لا خصوصية لكون الامر و النهي نفسيين تعيينيين عينيين، لأن السريان الموجب لاجتماع المتضادين لا انحصار له في النفسيين التعيينيين العينيين و قد اشار الى هذا بقوله: ( (ان ملاك النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع يعم جميع اقسام الايجاب و التحريم)) و اشار الى الاول و هو ان اطلاق الامر و النهي يقتضي الشمول ايضا لجميع اقسام التحريم و الايجاب بقوله: ( (كما هو قضية اطلاق لفظ الامر و النهي)).

(1) دعوى اختصاص النزاع بخصوص الامر و النهي النفسيين التعيينيين العينيين تنحصر في وجهين:

الاول: دعوى انصراف لفظ الامر و النهي المذكورين الى خصوص المذكورات و هي باطلة، لأن الانصراف لا يكون جزافا بل لا بد له من منشأ، و منشؤه اما غلبة الوجود أو غلبة الاستعمال في خصوص المذكورات، و دعوى غلبة الوجود ممنوعة صغرى و كبرى.

اما الصغرى فلا نسلم ان وجود النفسيين العينيين التعيينيين اكثر من بقية الاقسام الأخر.

و اما الكبرى فلما مر- غير مرة- من ان الانصراف ينحصر منشؤه بغلبة الاستعمال، لانه انس ذهني يحصل بين اللفظ الموضوع لمعنى عام و بعض افراده،

35

.....

____________

و الانس الذهني انما ينشأ من كثرة ما يراد من هذا اللفظ بعض افراده و لا ربط له بكثرة الوجود و غلبته، فلو كان الاقل وجودا اكثر استعمالا لأوجب الانصراف دون الاكثر وجودا، إلّا ان يدعى الملازمة بين كثرة الوجود و كثرة الاستعمال، و لكنه على كل يكون منشؤه كثرة الاستعمال، فلا وجه لكون كثرة الوجود بنفسها موجبة للانصراف.

و اما غلبة الاستعمال فهي ممنوعة صغرى، فان استعمال لفظ الامر و النهي في خصوص المذكورات ليس اكثر من استعمالهما في بقية اقسام الايجاب و التحريم.

و اما كبرى و هو ان غلبة الاستعمال موجبة للانصراف فهي مسلمة في غير هذا المقام، لأن الشرط في الانصراف ان لا تقوم قرينة على خلاف المنصرف اليه و عدم ارادته في هذا الاستعمال، و في المقام قد قامت القرينة على عدم ارادته و هي عموم الملاك الشامل للمذكورات و غيرها من اقسام الايجاب و التحريم، و الى هذا اشار بقوله: ( (في مادتهما غير خالية عن الاعتساف)) و المراد من مادتهما هو لفظ الامر و النهي: أي ان دعوى الانصراف في خصوص لفظ الامر و النهي في المقام غير خالية عن التكلف، و قد اشار (قدّس سرّه) الى ان دعوى الانصراف في صيغة الامر و النهي الى خصوص المذكورات مسلّمة و هما صيغة افعل و لا تفعل.

ثم عقّب ذلك بقوله: ( (مع انه فيها ممنوع)) و ظاهره منع الانصراف ايضا في صيغتهما كما يساعد عليه تعبيره عن التسليم بصيغة المجهول بقوله: ( (و ان سلّم)).

و لا يخفى ان هذا ينافي ما مر منه في مبحث الاوامر من تسليم الانصراف في الصيغة.

و يحتمل ان يكون سبب منع الانصراف في الصيغة في المقام فيما لو كان تعبير القوم في العنوان انه هل يجوز اجتماع افعل و لا تفعل بعنوانين في وجود واحد ام لا؟

أو انه لا وجه لدعوى الانصراف في المقام لما مر: من ان الانصراف شرطه عدم وجود القرينة على خلافه، و عموم الملاك في المقام لما يشمل جميع اقسام الايجاب و التحريم قرينة على خلافه.

36

ما وقع في البين من النقض و الابرام (1)، مثلا إذا أمر بالصلاة و الصوم تخييرا بينهما، و كذلك نهى عن التصرف في الدار و المجالسة مع الاغيار (2)، فصلى فيها مع مجالستهم، كان حال الصلاة فيها حالها، كما إذا أمر بها تعيينا، و نهى عن التصرف فيها كذلك في جريان النزاع في الجواز و الامتناع، و مجي‏ء أدلة الطرفين، و ما وقع من النقض و الابرام في البين، فتفطن (3).

____________

الوجه الثاني: لدعوى اختصاص النزاع بالمذكورات هو دعوى ان الظاهر من لفظ الامر و النهي في العنوان بواسطة الاطلاق و مقدمات الحكمة يقتضي الاختصاص بالمذكورات، لأن النفسية و التعيينية و العينيّة لا تحتاج في مقام البيان إلى التقييد، بخلاف الغيرية و التخييرية و الكفائية فان نفس لفظ الامر و النهي لا يكفي فيها بل لا بد من ذكر ما يدل عليها، و قد اشار إلى هذا بقوله: ( (نعم لا يبعد دعوى الظهور و الانسباق من الاطلاق)) و الجواب عنه ما اشار اليه بقوله: ( (غير الجارية في المقام)).

و حاصله: ان من شروط جريان مقدمات الحكمة عدم وجود القرينة، و قد عرفت ان عموم الملاك قرينة على عدم الاختصاص بالمذكورات.

(1) قوله: ( (و كذا ما وقع في البين من النقض و الابرام)) هذا معطوف على قوله في صدر المسألة و هو قوله: ( (لا يخفى ان ملاك النزاع)).

و حاصله: ان ملاك النزاع يعمّ جميع اقسام الايجاب و التحريم و كذا ادلة القوم في مقام النقض و الابرام تعمّ جميع اقسام الايجاب و التحريم، فان مدعى السراية و التضاد لا يفرق بين اقسام الايجاب و التحريم، و كذا مدعى عدم السراية لا يفرق ايضا.

(2) هذا مثال لاجتماع الامر التخييري و النهي التخييري، فانه في هذا المثال ملاك النزاع موجود و ادلة الطرفين جوازا و امتناعا تتأتى فيه.

(3) لا يخفى ان امتثال الوجوب التخييري يحصل باتيان احد طرفي التخيير، و عصيان النهي التخييري انما يكون باتيان كلا فردي التخيير، لأن النهي التخييري هو النهي‏

37

السادس: إنه ربما يؤخذ في محل النزاع قيد المندوحة في مقام الامتثال، بل ربما قيل: بأن الاطلاق إنما هو للاتكال على الوضوح، إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال.

و لكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها في ما هو المهم في محل النزاع من لزوم المحال، و هو اجتماع الحكمين المتضادين، و عدم الجدوى في كون موردهما موجها بوجهين في دفع غائلة اجتماع الضدين، أو عدم لزومه، و أن تعدد الوجه يجدي في دفعها، و لا يتفاوت في ذلك أصلا

____________

عن الجمع بينهما فلو تركهما أو ترك احدهما لا يكون عاصيا، فاذا نهى المولى عن التصرف في الدار و المجالسة مع الاغيار بان يكون النهي عن التصرف في الدار المقرون بالمجالسة مع الاغيار فيكون المطلوب بهذا النهي ترك احدهما، و هذا معنى كون النهي تخييريا، فعصيان هذا النهي لا يكون إلّا بالجمع بين الفردين، فاجتماع الامر التخييري بين الصلاة و الصوم الذي يحصل امتثاله باتيان الصلاة- مثلا- انما يجتمع مع هذا النهي التخييري عن التصرف في الدار و المجالسة مع الاغيار في الصلاة في الدار مع مجالسة الاغيار و لذا قال: ( (فصلى فيها)): أي في الدار ( (مع مجالستهم)): أي مع مجالسة الاغيار، فانه يجتمع- في هذه الحركة الصلاتية عنوان الامر المتعلق بالصلاة على نحو التخيير و النهي عن هذه الحركة في الدار المقرونة بمجالسة الاغيار- الامر و النهي، فان قلنا بالجواز و عدم السراية فتقع صحيحة، و ان قلنا بالامتناع و السراية و تغليب النهي أو التساقط فلا تصح.

و حال الامر و النهي التخييري حال الامر بالصلاة تعيينيا و النهي عن التصرف في الدار تعيينيا من وجود الملاك و مجي‏ء ادلة الطرفين، و الى هذا اشار بقوله: ( (كان حال الصلاة فيها)) على نحو التخيير ( (حالها)) على نحو التعيين من وجود ملاك النزاع و مجي‏ء الادلة الى آخر كلامه.

38

وجود المندوحة و عدمها، و لزوم التكليف بالمحال بدونها محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع.

نعم لا بد من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلا، لمن يرى التكليف بالمحال محذورا و محالا، كما ربما لا بد من اعتبار أمر آخر في الحكم به كذلك أيضا.

و بالجملة لا وجه لاعتبارها، إلا لاجل اعتبار القدرة على الامتثال، و عدم لزوم التكليف بالمحال، و لا دخل له بما هو المحذور في المقام من التكليف المحال (1)،

____________

(1)

[اعتبار المندوحة و عدمه‏]

لا يخفى ان بعضهم قيد مورد النزاع في المقام بقيد المندوحة فادعى ان النزاع في جواز الاجتماع و عدمه انما هو فيما كان للمكلف استطاعة ان يأتي بالصلاة- مثلا- في غير الدار المغصوبة، اما لو كان لا مندوحة له و لا يستطيع الاتيان في غير المحل المغصوب كالمسجون في المحل المغصوب فانه ليس موردا للنزاع لصحة صلاته قطعا اما بناء على الجواز فواضح و اما بناء على الامتناع فلسقوط النهي بالاضطرار فلا يجتمع الامر و النهي و على كل فلا اجتماع للامر و النهي حتى يكون من مورد النزاع و قد ذهب المصنف الى انه لا وجه لقيد المندوحة فيما هو المهم في النزاع في هذه المسألة.

و توضيح مرامه: ان المانع لاجتماع الامر و النهي امران:

الاول: التكليف بالمحال: بان يقال ان الامر و النهي انما لا يجتمعان في وجود واحد لانه من شرط توجه التكليف قدرة المكلف على امتثاله بحيث يستطيع ان يمتثل الامر و ان لا يعصي النهي، فلا يعقل توجه التكليف بالامر و النهي لمن لا يستطيع امتثالهما، و الذي لا مندوحة له لا يستطيع امتثال الامر و النهي فلا يعقل ان يتوجها اليه معا.

39

.....

____________

الثاني: ان المانع من اجتماع الامر و النهي هو انه اذا اجتمعا هل يسري احدهما الى الآخر بحيث يكون اجتماعهما موجبا لاجتماع الضدين فيكون من التكليف المحال، بخلاف المانع الاول فانه يكون من التكليف بالمحال و ذلك لأن المانع الثاني هو دعوى اجتماع الضدين و هو من الامور المحالية بالذات، لأن اجتماع الامر و النهي موجب لاجتماع الارادة و الكراهة في وجود واحد و هو محال بالذات هذا بناء على الامتناع، و اما بناء على دعوى الجواز فان القائل به يدعي ان تعدد العنوان لازمه تعدد المعنون فلا يكون اجتماعهما بعنوانين في وجود واحد من اجتماع الضدين و من التكليف المحال.

و اذا كان النزاع في ان اجتماعهما هل يكون من اجتماع الضدين و التكليف المحال ام لا يكون يسقط تقييد مورد النزاع بقيد المندوحة لما عرفت من ان قيد المندوحة انما هو فيما اذا كان المحذور هو التكليف بالمحال لا التكليف المحال، فان اجتماعهما اذا كان موجبا لاجتماع الضدين كان بنفسه من المحالات الذاتية سواء أ كان للمكلف المندوحة ام لم تكن.

و الذي يدلك على ان المهم في النزاع هو اجتماع الضدين و التكليف المحال و عدمه الذي لا يرتبط هذا النزاع بقيد المندوحة هو كون الاشعري القائل بجواز التكليف بالمحال و بغير المقدور من الداخلين في النزاع، لانه لا يقول بالتكليف المحال و بجواز اجتماع الضدين، فالاشعري القائل بالسراية يقول بالامتناع مع انه لا يرى التكليف بالمحال محذورا، فلو كان المهم في النزاع هو التكليف بالمحال الذي عليه يتقيّد عنوان النزاع بقيد المندوحة لما دخل الاشعري في جملة المتكلمين في هذا العنوان المتنازع فيه.

قوله: ( (بل ربما قيل بان الاطلاق انما هو للاتكال على الوضوح)): أي ان القائل باخذ قيد المندوحة في عنوان هذا المسألة يقول ان الذي عنون المسألة مطلقة و خالية من قيد المندوحة و لم يقيد العنوان بقيد المندوحة انما هو لاتكاله على وضوح‏

40

.....

____________

لزوم اخذ قيد المندوحة، فلذلك اطلق العنوان و لم يقيده بها، و قد اشار المصنف الى عدم اخذ المندوحة فيما هو المهم من النزاع و هو لزوم اجتماع الضدين و عدمه بقوله:

( (و لكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها فيما هو المهم في محل النزاع من لزوم المحال و هو اجتماع الحكمين المتضادين)) و عدم الجدوى في كون موردهما: أي لا يجدي كون مورد الامر و النهي و هو الوجود الواحد الذي اجتمعا فيه موجها بوجهين في دفع غائلة اجتماع الضدين بناء على الامتناع و السراية ( (أو عدم لزومه)): أي عدم لزوم اجتماع الضدين في الوجود الواحد اذا اجتمعا فيه بوجهين ( (و ان تعدد الوجه يجدي في دفعها)): أي في دفع غائلة اجتماع الضدين بناء على الجواز و عدم السراية.

و اذا كان المهم من محل النزاع هو هذا فلا دخل لقيد المندوحة فيه ( (و لا يتفاوت في ذلك اصلا)): أي فيما هو المهم من محل النزاع ( (وجود المندوحة و عدمها)).

و قد اشار إلى ان قيد المندوحة انما يؤخذ فيما لو كان المهم من محل النزاع هو المانعية من حيث لزوم التكليف بغير المقدور و التكليف بالمحال، و ليس هذا هو المهم من محل النزاع بل المهم هو ما ذكرنا من لزوم اجتماع الضدين و عدمه، و ان لزوم التكليف بالمحال محذور آخر فيما لا مندوحة فيه غير ما هو المهم في النزاع في هذه المسألة بقوله: ( (و لزوم التكليف بالمحال بدونها)): أي بدون المندوحة ( (محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع)) لأن محذوره محذور لزوم اشتراط القدرة و عدم امكان التكليف بالمحال، و المهم من محل النزاع هو اجتماع الضدين و عدمه.

و قد اشار إلى ان الذي يدل على ان المهم في محل النزاع هو ما ذكرنا لا التكليف بالمحال هو كون الاشعري القائل بجواز التكليف بالمحال من الداخلين في النزاع فيما هو المهم من هذه المسألة، و لو كان النزاع في جواز التكليف بالمحال لما دخل بقوله:

( (نعم لا بد من اعتبارها)): أي لا بد من اعتبار قيد المندوحة لمن يرى ان الحكم في‏

41

فافهم و اغتنم (1).

____________

هذه المسألة هو الجواز و كان من العدلية القائلين بعدم امكان التكليف بالمحال و بغير المقدور فعليه اعتبار قيد المندوحة ( (في الحكم بالجواز فعلا)).

و على كل فقيد المندوحة انما هو ( (لمن يرى التكليف بالمحال محذورا و محالا)).

فاتضح من كلامه هذا من ان الاشعري الذي لا يرى التكليف بالمحال محذورا داخل في المتنازعين في هذه المسألة، فيدل هذا على ان المهم فيما هو محل النزاع هو اجتماع الضدين الذي لا يقول به الاشعري لو لزم ذلك من اجتماع الامر و النهي في واحد، دون التكليف بالمحال الذي يقول به و لا يراه محذورا.

قوله: ( (كما ربما لا بد من اعتبار امر آخر)): أي انه اذا عرفت خروج قيد المندوحة عما هو المهم في محل النزاع و ان المحتاج لقيد المندوحة هو القائل بالجواز من العدليّة حيث يريد استنباط حكم الصلاة بالفعل في الدار المغصوبة، فانه يحتاج إلى قيد المندوحة كما انه في مقام توجه التكليف إلى امور أخر كالبلوغ و العلم و ساير الشرائط العامة و الخاصة في مقام توجه التكليف الفعلي، و قد اشار إلى ان قيد المندوحة انما هو فيما كان المحذور هو التكليف بالمحال و هذا المحذور غير المحذور في محل النزاع و هو لزوم كون المقام من التكليف المحال بقوله: ( (و بالجملة الى آخر كلامه)).

(1) لعله اشارة الى ان لزوم اجتماع الضدين ليس قيدا في موضوع هذه المسألة، و الّا لقالوا: هل يلزم اجتماع الضدين في اجتماع الامر و النهي بعنوانين في واحد ام لا؟

و انما هو مدرك القائلين بالامتناع و بعض القائلين بالجواز، فانه و ان كان لا يرى في اجتماع الامر و النهي بعنوانين في واحد لزوم اجتماع الضدين، إلّا انه حيث كان بحثه بحثا اصوليا فهو انما يبحث عن جواز اجتماع الامر و النهي لاستنباط الحكم الفرعي، و اذا لم تكن مندوحة فلا يجتمع الامر و النهي للزوم التكليف بالمحال، فاجتماع الامر و النهي الذي يبحث عنه القائل بالجواز لاستنباط الحكم الفرعي لا بد من تقييده بقيد

42

السابع: إنه ربما يتوهم تارة أن النزاع في الجواز و الامتناع، يبتني على القول بتعلق الاحكام بالطبائع، و أما الامتناع على القول بتعلقها بالافراد فلا يكاد يخفى، ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي، و لو كان ذا وجهين على هذا القول.

و أخرى أن القول بالجواز مبني على القول بالطبائع، لتعدد متعلق الامر و النهي ذاتا عليه، و إن اتحد وجودا، و القول بالامتناع على القول بالافراد، لاتحاد متعلقهما شخصا خارجا، و كونه فردا واحدا (1).

____________

المندوحة، فتعميم البحث الذي يقع في طريق الاستنباط من القائلين بالامتناع و القائلين بالجواز لا بد من تقييده بقيد المندوحة، و قيد المندوحة بالنسبة إلى عنوان النزاع الذي هو جواز اجتماع الامر و النهي من القائلين بالجواز ليست نسبته نسبة البلوغ و العلم، بل هو من شئون العنوان المذكور فلذا كان اللازم تقييد العنوان به.

(1)

[ابتناء النزاع على تعلق الاحكام بالطبائع لا الافراد و عدمه‏]

يشتمل هذا الامر على توهمين:

الاول: ان النزاع في جواز اجتماع الامر و النهي و عدمه انما يتأتى على القول بتعلق الطلب ايجادا أو تركا بالطبيعة، و اما بناء على تعلقه بالفرد فلا مجال لهذا النزاع.

و بيانه: انه اذا كان متعلق الطلب هو الطبيعة و الطبائع متباينات بانفسها، فاذا تصادقا على واحد فمن يرى ان تصادقهما يوجب سراية احدهما إلى الآخر لأنهما صارا بحسب الخارج واحدا، و ان كانا بذاتهما متعددين و متباينين يقول بالامتناع، و من يرى ان تصادقهما على واحد لا يجعلهما واحدا بل هما باقيان على تعددهما و تباينهما فلا موجب للسراية يقول بالجواز و هذا هو الذي ينبغي ان يكون مدركا للجواز و الامتناع.

لا ما يقال: ان الجواز مبني على تعلق الطلب بالطبيعة المقيدة بالوجود و الامتناع على القول بتعلقه بوجود الطبيعة بدعوى ان الوجود اذا كان تقيده داخلا في الطبيعة

43

و أنت خبير بفساد كلا التوهمين، فإن تعدد الوجه إن كان يجدي بحيث لا يضر معه الاتحاد بحسب الوجود و الايجاد، لكان يجدي و لو على‏

____________

يكون هو خارجا عن الطلب فيكون مدركا للجواز لعدم اجتماع الامر و النهي فيه، و اذا كان داخلا و جزء المطلوب يلزم اجتماعهما فيه فيكون مدركا للامتناع.

لانه يقال: انه بناء على تعلق الطلب بالطبيعة المقيدة بالوجود فان الوجود على هذا و ان كان خارجا عن الطلب النفسي الّا انه لا بد و ان يكون مطلوبا بطلب غيري، لانه مما يتوقف عليه تحقق المطلوب بالطلب النفسي فيكون مجمعا للامر الغيري و النهي الغيري، فلا فرق بين كون وجود الطبيعة قيدا أو جزءا، لما عرفت في الامر الخامس:

ان ملاك النزاع يشمل الغيري ايضا و لا اختصاص له بالنفسي.

و اما اذا كان متعلق الطلب هو الفرد فلا مجال لهذا النزاع لأن الفرد المتشخص في الخارج واحد و غير متعدد فلا يتأتى مناط القول بالجواز، بل لا بد من القول بالامتناع، لأنه اذا كان متعلق الطلب وجودا أو تركا هو الفرد المتشخص خارجا الذي له وجود واحد فكونه ذا وجهين و ذا عنوانين لا يجعله متعددا وجودا، فلا ينفع تعدد العنوان للقول بالجواز، و الى هذا اشار بقوله: ( (ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي و لو كان ذا وجهين)). هذا هو التوهم الاول.

و اما التوهم الثاني: فهو ان القول بالجواز يبتني على تعلق الطلب بالطبيعة لأن الطبائع متباينات بالذات و تصادقهما على وجود واحد لا يجعل المتعدد و المتباين بالذات واحدا.

و القول بالامتناع يبتني على القول بتعلق الطلب بالفرد لأن الفرد متشخص و واحد خارجا و الواحد الخارجي المتشخص لا يتعدد بتعدد الوجه و العنوان، و الى هذا التوهم اشار بقوله: ( (و اخرى ان القول بالجواز مبني على القول بالطبائع ...

الى آخر كلامه)).

44

القول بالافراد، فإن الموجود الخارجي الموجه بوجهين، يكون فردا لكل من الطبيعتين، فيكون مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد، فكما لا يضر وحدة الوجود بتعدد الطبيعتين، كذلك لا يضر بكون المجمع اثنين بما هو مصداق و فرد لكل من الطبيعتين، و إلا لما كان يجدي أصلا، حتى على القول بالطبائع، كما لا يخفى، لوحدة الطبيعتين وجودا و اتحادهما خارجا، فكما أن وحدة الصلاتية و الغصبية في الصلاة في الدار المغصوبة وجودا غير ضائر بتعددهما و كونهما طبيعتين، كذلك وحدة ما وقع في الخارج من خصوصيات الصلاة فيها وجودا غير ضائر بكونه فردا للصلاة، فيكون مأمورا به، و فردا للغصب فيكون منهيا عنه، فهو على وحدته وجودا يكون اثنين، لكونه مصداقا للطبيعتين، فلا تغفل (1).

____________

(1) لا ينبغي ان يخفى انه إذا اثبتنا تأتي النزاع على القول بتعلق الطلب بالفرد، و انه لا فرق في تأتي النزاع بينه و بين تعلق الطلب بالطبيعة.

يتضح فساد كلا التوهمين فانه اذا امكن تأتي النزاع على القول بالفرد يفسد التوهم الاول الذي ادعى انه على القول بالفرد لا يتأتى النزاع، فانه اذا ثبت امكان دعوى الجواز حتى بناء على تعلق الطلب بالفرد يتضح منه فساد دعوى اختصاص النزاع بخصوص القول بالطبيعة، و ايضا يفسد التوهم الثاني الذي ادعى انه بناء على التعلق بالفرد لا وجه للقول بالجواز و انه انما يتأتى على القول بالتعلق بالطبيعة، فان ثبوت امكان تأتي النزاع حتى بناء على التعلق بالفرد لازمه فساد هذا التوهم ايضا، لانه مع امكان القول بالجواز حتى اذا قيل بتعلق الطلب بالفرد لا وجه لاختصاص القول بالجواز بتعلق الطلب بالطبيعة، و لذلك جعل المصنف الجواب عن هذين التوهمين واحدا: و هو امكان القول بالجواز حتى بناء على تعلق الطلب بالفرد.

45

.....

____________

و توضيحه: انه بناء على كون التشخص بالوجود لا بلوازم الطبيعة المقارنة لوجودها كالزمان و المكان لا وقع لهذين التوهمين، لوضوح ان الصلاة المطلوبة اذا كانت تتشخص بنفس وجودها، و مقارناتها من المقولات الأخر خارجة عما به تشخصها، و الفرد هو ليس إلّا الطبيعة المتشخصة، ففرد طبيعة الصلاة هو الصلاة المتشخصة بالوجود و فرد الغصب الموجود منضما اليها ليس به تشخصها، فلا ينبغي ان يتوهم احد ان الغصب الذي لا ربط له بشخص الصلاة، و انما هو مقارن لها لا بد من ان يسرى إلى فرد الصلاة حتى على القول بالجواز فلا يمكن الا القول بالامتناع، بل يمكن ان يقال بجواز الاجتماع لانه بعد ان كان فرد الصلاة غير الغصب و ليس هناك إلّا انهما اجتمعا في وجود واحد فلا سراية لاحدهما الى الآخر. و يمكن ايضا ان يقال: انه حيث اجتمعا في وجود واحد تتحقق السراية فلا يجوز الاجتماع.

نعم، بناء على ما مرّ من المصنف: من ان التشخص بلوازم الوجود من المقولات المقارنة في الوجود للطبيعة يكون لهذين التوهمين وجه.

لأن الفرد الصلاتي يكون تشخصه بما يقارنه فيكون الغصب المقارن له من مشخصاته، و لا بد من سريان ما به التشخص إلى ما يتشخص به، فان الغصب اذا كان هو المشخص للفرد الصلاتي فدعوى سريان قبحه اليه له وجه فيكون الفرد الصلاتي قبيحا، و لا يعقل امر المولى بالقبيح فلا يعقل بناء على تعلق الامر بالافراد القول بالجواز.

و الجواب عنه: ان المتشخص و ان كان هو المقارن إلّا ان المشخص لفرد الصلاة هو الكون في المكان بما هو كون في المكان، و الغصبية خارجة عن حقيقة الكون في المكان بما هو مقولة المكان، فما به التشخص الذي هو الكون في المكان ليس قبيحا و انما القبيح هو الغصبية المتحققة في هذا الكون المكاني و هي خارجة عن الكون المكاني بما هو مقولة المكان.

46

.....

____________

فاتضح انه حتى لو قلنا بان التشخص باللوازم يمكن ان يقال بالجواز ايضا، لأن المشخص للفرد الصلاتي ليس هو الغصب بل تشخصه بنفس مقولة المكان، و الغصب خارج عن مقولة المكان بما هي مقولة المكان.

فيمكن ان يقال بالجواز لأن تعدد الوجه في هذا الوجود الواحد الجامع للفردين- الذي لم يكن احدهما مشخصا للفرد الآخر- مجد في عدم سراية احدهما للآخر.

و يمكن ان يقال بالامتناع لأن اجتماعهما في الوجود الواحد يوجب السراية.

و بعبارة اخرى: ان كون المجمع لهما وجودا واحدا ان كان يقتضي السراية و لا يجدي فيه تعدد الوجه فلا فرق بين كون متعلق الامر و النهي هو الطبيعة أو الفرد، فانه بناء على انه هو الطبيعة فقد جمع الطبيعتين وجود واحد، و بناء على الفرد فانه ايضا قد جمع الفردين وجود واحد، و اذا كان كون المجمع وجودا واحدا لا يقتضي السراية و ان تعدد الوجه يجدي في عدم السراية فلا فرق ايضا بين كون متعلق الامر و النهي هو الطبيعة أو الفرد.

و الحاصل: ان المانع من جواز الاجتماع انما هو كون المجمع وجودا واحدا و ان تعدد الوجه فيه لا ينفع حيث يكون المجمع وجودا واحدا، و اما كون متعلق الامر و النهي هو الفرد فلا يضر القائل بالجواز، كما ان كون متعلقهما هو الطبيعة لا ينفعه اذا كان وحدة وجود المجمع مانعة عن الاجتماع.

و اذا لم تكن وحدة وجود المجمع منافية للقول بالجواز فلا ينافيه كون متعلق الامر و النهي هو الفرد، و الى هذا اشار بقوله: ( (فكما ان وحدة الصلاتية و الغصبية في الصلاة في الدار المغصوبة وجودا غير ضائر)): أي ان الذي عليه يدور الجواز و الاجتماع هو كون المجمع وجودا واحدا، و اما كون المتعلق هو الطبائع أو الافراد فلا يضر و لا ينفع، فاذا كان اجتماعهما في وجود واحد غير ضائر لانه لا يوجب السراية فلا فرق بين كون المتعلق الطبيعة أو الفرد، و لذا قال: ( (كذلك وحدة ما وقع في الخارج من خصوصيات الصلاة فيها وجودا)): أي الخصوصيات الصلاتية التي‏

47

الثامن: إنه لا يكاد يكون من باب الاجتماع، إلا إذا كان في كل واحد من متعلقي الايجاب و التحريم مناط حكمه مطلقا، حتى في مورد التصادق و الاجتماع، كي يحكم على الجواز بكونه فعلا محكوما بالحكمين و على الامتناع بكونه محكوما بأقوى المناطين، أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن هناك أحدهما أقوى، كما يأتي تفصيله.

و أما إذا لم يكن للمتعلقين مناط بذلك، فلا يكون من هذا الباب، و لا يكون مورد الاجتماع محكوما إلا بحكم واحد منهما، إذا كان له مناطه، أو حكم آخر غيرهما، فيما لم يكن لواحد منهما، قيل بالجواز أو الامتناع (1)،

____________

بها تكون الصلاة فردا و مشخصة وجودا، فان وحدة المجمع في الوجود حيث لا تكون مضرة بناء على التعلق بالطبيعة كذلك لا تكون مضرة اذا كان هذا المجمع الواحد قد اجتمع فيه فرد من الصلاة بما له من المشخصات الوجوديّة غير المرتبط بالفرد الغصبي و هو ( (غير ضائر بكونه فردا للصلاة فيكون مامورا به)) و غير ضائر بكون هذا المجمع الواحد وجودا ( (و فردا للغصب)) ايضا ( (فهو على وحدته وجودا يكون اثنين لكونه مصداقا للطبيعتين)) و يكون ايضا اثنين لكونه مصداقا للفردين، لما عرفت من ان كلا من الفردين غير مشخص للآخر و ليس له ربط في تشخصه، و اذا لم يكن فرد الغصب مشخصا لفرد الصلاة فحال الفرد كالطبيعة من ناحية القول بالجواز و عدمه، و انما المانع عن القول بالجواز هو كون المجمع وجودا واحدا، فاذا لم يكن هذا مانعا فليس هناك مانع غيره.

(1)

[صغروية المسألة لكبرى التزاحم لا التعارض‏]

هذا الامر معقود لبيان تعيين مورد مسألة اجتماع الامر و النهي في مرحلتي الثبوت و الاثبات.

و الكلام اولا في بيان مرحلة الثبوت الذي اشار اليها في آخر كلامه بقوله: هذا بحسب مقام الثبوت.

48

.....

____________

فنقول: حيث كان الكلام في مسألة الاجتماع ان اجتماع متعلقي الايجاب و التحريم في مصداق واحد وجودا هل يمنع من الاجتماع ام لا؟ فلا بد من تحقق كلا متعلقي الايجاب و التحريم فيما تصادقا عليه، لأن تحقق الحكم يتبع تحقق مناطه في متعلقه، فانه لا يعقل تحقق الحكم من دون تحقق مناطه لانه يكون من قبيل تحقق المعلول من غير علة، و اذا لم يتحقق مناط الحكم لا يتحقق الحكم و اذا لم يتحقق الحكم فلم يجتمع الحكمان، و لذلك فلا بد في كون المورد من مسألة الاجتماع من تحقق مناط كلّ من الحكمين في مورد التصادق، فانه ما لم يتحقق مناط كلا الحكمين في مورد التصادق لا يكون الحكمان مجتمعين في مورد التصادق فلا يكون المورد من مسألة الاجتماع.

و لا يخفى ايضا انه لا بد من كون كل المناطين فعليا في مورد التصادق، فانه اذا كان احد المناطين اقتضائيا لا فعليا فالحكم يتبعه و يكون اقتضائيا ايضا، و لا اثر للحكم في مرحلة الاقتضاء، بل يصح ان يسلب عن كونه حكما بالحمل الشائع، و كذلك اذا كان احدهما انشائيا لا فعليا فان مورد التزاحم و التأثير انما هو مرتبة الفعلية، فما لم يكن الحكم حكما فعليا لا يزاحم حكما آخر و لا يعارضه.

فمورد مسألة الاجتماع ينحصر في المرتبة الفعلية للايجاب و التحريم فاذا تحقق المناطان للحكمين في مرحلة الفعلية يكون المورد الذي تصادقا فيه بالفعل من مسألة الاجتماع.

فعلى الجواز يكون مورد التصادق فعلا محكوما بالحكمين الايجابي و التحريمي و لذا قال (قدّس سرّه): ( (كي يحكم على الجواز بكونه فعلا محكوما بالحكمين)).

و اما على الامتناع فان كان احد المناطين اقوى و غالبا على غيره فيكون هو الباقي و يسقط الآخر و يكون مورد التصادق اما واجبا فيما تغلبت جهة المصلحة الوجوبية بنحو ان يكون المقدار الزائد على المفسدة التحريمية بحد الالزام، و اما اذا كان الباقي من المصلحة المزاحمة بالمفسدة ليس بحد الالزام فانه يكون مستحبا.

49

.....

____________

و مثله في جهة المفسدة فانها اذا كانت غالبة على المصلحة الوجوبية يسقط الوجوب و يبقى التحريم اذا كان الباقي من المفسدة التحريمية المزاحمة بالمصلحة الوجوبية بحد الالزام، و اذا لم تكن بحدّ الالزام فان المورد يكون مكروها بعد سقوط الوجوب.

و مراده من قوله: ( (و على الامتناع بكونه محكوما باقوى المناطين)) هو ما اذا كان الباقي بحد الالزام أو ان مراده تغلب قوة جهة المصلحة و المفسدة و لا يكون ناظرا الى بقاء الحكم بما هو وجوب أو حرمة، و اذا تكافأ المناطان من المصلحة و المفسدة و لم يكن احدهما اقوى فيسقطان معا و يحكم بغيرهما من الاحكام، و الظاهر هو الاباحة، و الى هذا اشار بقوله: ( (أو بحكم آخر الى آخر كلامه))، و مراده من قوله: ( (كما يأتي تفصيله)) هو ما سيذكره في الامر التاسع.

فاتضح مما ذكرنا ان مورد مسألة الاجتماع انما يكون فيما اذا تحقق المناطان في مورد التصادق بنحو الفعلية.

و اما اذا لم يتحقق المناطان في مورد التصادق بنحو الفعلية و لو بان يكون احدهما اقتضائيا أو انشائيا فلا يكون مورد التصادق من مسألة الاجتماع.

و قد يقال: لا يكون ايضا من مورد باب التعارض لأن باب التعارض مورده الادلة، و الادلة انما تكون ادلة في مرحلة الاثبات لا في مرحلة الثبوت، فمرحلة الثبوت ليس مورد باب التعارض.

و فيه: ان الفرق بين مرحلة الثبوت و الاثبات هو ان النظر في مرحلة الثبوت الى الواقع بما هو، و في مرحلة الاثبات الى كيفية اثبات ذلك الواقع من دليل ظاهر أو نص أو اجماع أو عقل، و الّا فلو علمنا لا من دليل ان المتحقق بالفعل احد المناطين لم يكن المورد من باب الاجتماع و كان من باب التعارض لأن الضابط فيه التكاذب.

و على كل اذا لم يتحقق المناطان لا يكون مورد التصادق من باب الاجتماع، و اذا لم يكن من باب الاجتماع فان تحقق احد المناطين فالحكم حكم ذلك المناط

50

هذا بحسب مقام الثبوت (1).

و أما بحسب مقام الدلالة و الاثبات، فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان، إذا احرز أن المناط من قبيل الثاني، فلا بد من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح و التخيير، و إلا فلا تعارض في البين، بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين، فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلا، لكونه أقوى مناطا، فلا مجال‏

____________

المتحقق، و اذا لم يتحقق اصلا و لا واحد من المناطين يكون حكم المورد حكما آخر سواء قلنا في مورد تحقق كلا المناطين بالجواز أو بالامتناع، و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: ( (و اما اذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك)): أي مناط متحقق في مورد التصادق بالفعل ( (فلا يكون من هذا الباب)): أي من باب الاجتماع الى آخر كلامه.

(1)

[حكم الدليلين المتكفلين للحكمين‏]

قد اشرنا انه سيذكر ان كلامه من اول هذا الامر الى هنا انما هو في مرحلة الثبوت.

قوله: ( (و الّا فلا تعارض في البين)) أي و ان احرزنا كلا المناطين.

قوله: ( (بل كان من باب التزاحم)). قد عرفت انه يكون موردهما مورد التزاحم بناء على الامتناع لا الجواز، و قد عرفت ايضا انه انما يكونان من المتزاحمين لا المتعارضين فيما اذا كانا متعرضين لا للحكم الفعلي، و يدل عليه قوله فيما بعد: لو كان كل منهما متكفلا للحكم الفعلي لوقع بينهما التعارض.

قوله: ( (لو لم يوفق بينهما)). أي ان ملاحظة مرجحات باب المعارضة انما هو فيما اذا لم يحرز قوة احد المناطين أو كان احدهما مضيقا و الآخر موسعا، و الّا فيتقدم الاقوى منهما مناطا أو المضيق منهما و لا يلاحظ بينهما مرجحات باب المعارضة و يحمل الأضعف منهما أو الموسع على الحكم الاقتضائي.