بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج4

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
354 /
1

[تتمة المقصد الثالث فى المفاهيم‏]

[تكملة مفهوم الشرط]

[الجمع بين الشروط المتعددة بطرق مختلفة]

و لعل العرف يساعد على الوجه الثاني، كما أن العقل ربما يعين هذا الوجه، بملاحظة أن الامور المتعددة بما هي مختلفة، لا يمكن أن يكون كل منها مؤثرا في واحد، فإنه لا بد من الربط الخاص بين العلة و المعلول، و لا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين بما هما اثنان، و لذلك أيضا لا يصدر من الواحد إلا الواحد، فلا بد من المصير إلى أن الشرط في الحقيقة واحد، و هو المشترك بين الشرطين (1) بعد البناء على‏

____________

(1) بعد ما عرفت انه على القول بالمفهوم يقع التنافي بين الشرطيتين فلا بد من رفعه بأحد الوجوه المذكورة، و انه في كل واحد منهما يلزم مخالفة الظهور، ففي الوجه الاول مخالفة لظهورين و مثله في الوجه الثاني، و في الوجه الثالث و الرابع مخالفة ظهور واحد فالقاعدة الاولى تقتضي تردد الترجيح بين الاخيرين، أما الأولان فينبغي ان يكونا مرجوحين، و لكن هناك ما يوجب ترجيح الثاني و الرابع دون الأول و الثالث، و لا يعتنى بكون الثاني فيه مخالفة لظهورين بعد ان كان العرف يساعد عليه، لأن العرف انما يلتزم بالمفهوم لكونه يرى الشرطية مسوقة للعلية المنحصرة.

اما امكان ان يكون للشي‏ء الواحد علتان فليس عند العرف مانع عن امكانه، فاذا ذكر للجزاء شرطان فالعرف يفهم من هذا انه لم يسق الكلام لبيان العلة المنحصرة و انما سيق لصرف العلية، و محض العلية من غير انحصار لا يقتضي المفهوم، فاذا كان العرف يرى ان ذلك قرينة على رفع اليد عن المفهوم فلا يلاحظ كونه فيه مخالفة لظهورين أو أكثر، فلذلك يترجح الوجه الثاني على ساير الوجوه عند العرف، و اما عند العقل فحيث انه بعد دلالة القضيتين على كون هذا الجزاء الواحد له شرطان و العقل يرى امتناع صدور الواحد من المتعدد لأنه لا يصدر الواحد الا عن واحد فالمؤثر في الشرطين لا بد ان يكون هو الجامع بينهما و هو واحد، فلذلك يرى ان الوجه الأخير هو أرجح الوجوه، هذا هو الملاك في رجحان الوجه الثاني و الرابع.

و اما مرجوحية الوجه الأول ففيه:

2

رفع اليد عن المفهوم، و بقاء إطلاق الشرط في كل منهما على حاله (1)، و إن كان بناء العرف و الاذهان العامية على تعدد الشرط و تأثير كل شرط

____________

اولا: ان لازمه كون الانحصار اضافيا و لا داعي للالتزام بالانحصار الاضافي، فانه يلزم من القول بالمفهوم المبني على العلية المنحصرة الحقيقية عدم العلية المنحصرة الحقيقية.

و ثانيا: ان الموجب لتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر هو انه القدر المتيقن للأخذ بالمفهوم، و قد عرفت انه مخالف لظهورين و هناك ما فيه مخالفة لظهور واحد، و الاقتصار على القدر المتيقن انما يجب حيث يكون لا مناص عن الالتزام بالمفهوم لكل منهما، فينحصر رفع التنافي بين الشرطيتين بتخصيص المفهوم في كل منهما بمنطوق الآخر، و قد عرفت عدم ما يوجب الالتزام بأنه لا بد ان يكون لكل منهما مفهوم.

و اما مرجوحية الوجه الثالث فانه و ان كان فيه مخالفة لظهور واحد إلّا ان الالتزام بكون كل واحد منهما جزء المؤثر خلاف الظاهر جدا.

(1) مراده من رفع اليد عن المفهوم هو رفع اليد عن ظهور الشرطية في انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط بعنوانه الخاص، فانه بناء على الوجه الرابع المساعد عليه العقل لأجل انه لا يعقل أن يصدر الواحد من المتعدد لا بد ان لا ينتفي الجزاء بانتفاء الشرط بعنوانه الخاص، اذ ليس المؤثر هو عنوان الشرط الخاص بل المؤثر هو الجامع بين الشرطين، فلا مناص عن رفع اليد عن كون المؤثر هو العنوان الخاص و يكون المؤثر هو الجامع بينهما و هو الشرط الذي ينتفي الجزاء بانتفائه: أي انه هو العلة المنحصرة دون العنوان الخاص، فالدال على الشرطية و الانحصار باق على اطلاقه و أنه هو العلة المنحصرة المستلزمة للمفهوم لكنه هو الجامع دون العنوان الخاص، و الى هذا اشار بقوله: «و بقاء اطلاق الشرط في كل منهما على حاله» فان الحرف كلفظ (إن)

3

بعنوانه الخاص (1)، فافهم (2).

و اما رفع اليد عن المفهوم و في خصوص احد الشرطين و بقاء الآخر على مفهومه فلا وجه لان يصار اليه إلّا بدليل آخر. الّا أن يكون ما ابقي على المفهوم أظهر (3)، فتدبر جيدا.

____________

مثلا الدال على الشرطية باق على اطلاقه و لا تقييد للمفهوم المترتب عليه لأنه بانتفاء الجامع بين عنوان المقدم في الشرطيتين.

(1) قد عرفت ان العرف يساعد على الوجه الثاني و هو عدم المفهوم و ان الشرطية سيقت للثبوت عند الثبوت فقط دون الانتفاء عند الانتفاء، و على هذا يكون الشرط مؤثرا بعنوانه الخاص، غايته انه لا يلزم منه الانتفاء عند الانتفاء لانه منوط بالعلية المنحصرة، و حيث يكون الشرط متعددا فلا يكون العنوان الخاص علة منحصرة و الّا لم يتعدد الشرط.

(2) و لعله يشير الى انه بعد الاطلاع على محالية صدور الواحد من المتعدد فالالتزام بالوجه الأول و الثاني لا بد فيهما أيضا من الالتزام بالوجه الرابع، بخلاف الوجه الرابع فانه مع الالتزام به يستغنى عن الوجهين، فالوجه الرابع لا يستغنى عنه ابدا، بخلاف الوجهين الاولين فانه يستغنى عنهما مع الالتزام بالرابع.

نعم بناء على كون كل واحد منهما جزء سبب يستغنى عن الوجه الرابع، بل لا بد من عدم الالتزام به.

(3) هذا هو الوجه الخامس و حاصله:

ان القصر منوط بخفاء الأذان و لا يجب القصر اذا لم يخف الأذان، و مرجع هذا الى الأخذ بمفهوم إحدى الشرطيتين و إلغاء المفهوم في الاخرى، و بهذا يرتفع التنافي لان التنافي انما يكون حيث يؤخذ بمفهوم كلتا الشرطيتين اما اذا اخذ باحدهما و اسقطت الشرطية الأخرى من الدلالة على المفهوم يرتفع موضوعا، لكن رفع التنافي بهذا من قبيل الترجيح بلا مرجح أولا.

4

[تداخل المسببات‏]

الامر الثالث: إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء، فلا إشكال على الوجه الثالث، و أما على سائر الوجوه، فهل اللازم لزوم الاتيان بالجزاء متعددا، حسب تعدد الشروط؟ أو يتداخل، و يكتفى بإتيانه دفعة واحدة (1)؟ فيه أقوال: و المشهور عدم التداخل، و عن جماعة

____________

و ثانيا: مع امكان العمل بكل منهما كما مرّ في أغلب الوجوه المذكورة فلا وجه للعمل بمفهوم احداهما فقط.

و ثالثا: ان الأخذ بمفهوم احداهما فقط لا يرفع التنافي لمعارضة مفهوم المأخوذ بها لمنطوق الشرطية الاخرى، غاية الأمر ان هذه الشرطية التي لا مفهوم لها لا تعارض مفهوم الشرطية المأخوذ بها فان الشرطية التي اخذ بها صاحب السرائر هي خفاء الأذان، فتدل على عدم وجوب القصر اذا لم يخف الأذان مطلقا، و يعارض هذا الاطلاق ما اذا خفيت الجدران و لم يخف الأذان، و لذلك قد ضرب عليه في النسخ المصححة فان كلام المصنف فيها ينتهي بقوله فافهم.

ثم لا يخفى انه اذا كان احداهما اظهر من الأخرى فان لازم الأظهرية الغاء الشرطية الثانية من رأس، و الّا فمتى عمل بمنطوق الشرطية الثانية يحصل التعارض بينهما، فقوله (قدّس سرّه): «إلّا ان يكون ما ابقى على المفهوم أظهر» لا بد و ان يرجع الى ما ذكرنا من الغاء إحدى الشرطيتين و الأخذ بالأظهر منهما.

(1) هذا الأمر الثالث يتحد موضوعا و محمولا مع الأمر الثاني كما هو واضح، فانه فيهما عنوان المسألة واحد و هو ما اذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء، و الاختلاف بينهما هو ان الكلام في الأمر الثاني في تعدد الشرط و اتحاد الجزاء من جهة التنافي في المفهوم، فالكلام فيه مبنى على القول بالمفهوم.

و الكلام في الأمر الثالث من جهة انه هل يلزم الاتيان بهذا الجزاء متعددا فلا يتداخل تأثير الشرط و يكون لكل شرط فرد من هذه الحقيقة الواحدة الواقعة

5

.....

____________

جزاء للشرط المتعدد، او انه لا يلزم الاتيان به متعددا و يكفي الاتيان بالجزاء مرة واحدة و ان تعددت الشروط؟

فتبين مما ذكرنا ان الكلام في هذا الأمر ليس مبنيا على القول بالمفهوم، فانه حتى لو قلنا بعدم المفهوم كما هو الوجه الثاني الذي سبق بيانه في الأمر الثاني فان الكلام من ناحية لزوم تعدد الاتيان بالجزاء و عدم لزوم تعدد الاتيان به أيضا موجود، فوجهة الكلام في تعدد الشرط و اتحاد الجزاء من ناحيتين: من ناحية التنافي على القول بالمفهوم قد بحث عنه في الأمر الثاني، و من ناحية تعدد الاتيان بالجزاء و عدمه فالبحث عنه في هذا الأمر.

ثم لا يخفى انه قد مر ان الوجوه الأربعة التي مرت في الأمر الثاني، ثالثها:

هو حمل الشروط المتعددة على كون كل واحد منها جزء العلة، و العلة التامة هي مجموع الشروط، و على هذا لا مجال لهذا البحث، لانه مبني على ان يكون كل واحد منهما مؤثرا مستقلا في حصول الجزاء لا جزء العلة، فانه لو كان العلة مجموع الشروط فلا مجال الا لوحدة وجود الجزاء، و لا وجه لأن يقال بتعدد الجزاء او بتداخل الشروط في مقام التأثير، فانه إنما يعقل القول بالتعدد او بالتداخل حيث يكون للشروط الاستقلال في التأثير، فعلى القول بالتعدد يتعدد وجود الجزاء و على القول بعدم التعدد لمانع عنه يتداخل التأثير على ما سيأتي بيانه.

نعم على الوجوه الثلاثة الأخر و هي الوجه الأول و الثاني و الرابع يتأتى البحث في هذا الأمر، لأنه بناء عليها لكل شرط تأثير مستقل، و حينئذ يمكن ان يقال بالتعدد و يمكن ان يقال بالتداخل، لوضوح ان مبنى الوجه الأول على المفهوم لكل شرط، و من الواضح ان معناه ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط و انتفاء الجزاء عند انتفائه، و لازم ذلك التأثير الاستقلالي و إلّا لما حصل الثبوت عند الثبوت، فانه لو كان جزء علة لكان الثبوت منوطا بمجموع الشروط لا بواحد منها، و مبنى الوجه الثاني على‏

6

منهم- المحقق الخوانساري- التداخل، و عن الحلي التفصيل بين اتحاد جنس الشروط و تعدده (1).

____________

الالتزام بثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، و ان كان لا دلالة له على الانتفاء عند الانتفاء إلّا ان لازم الثبوت عند الثبوت هو التأثير مستقلا.

و اما على الوجه الرابع فهو و ان كان المبنى فيه أن المؤثر ليس هو الشرط بعنوانه بل الجامع و لكن حيث انه لا بد من ثبوت الجزاء بثبوت الشرط و لو لا ان المؤثر هو الجامع المنطبق عليه فلازمه التأثير مستقلا و ان كان المؤثر هو الجامع.

فاتضح انه على الوجوه الثلاثة يتأتى في البحث المعقود له هذا الأمر الثالث، و كذا على الوجه الخامس المضروب عليه في النسخ المصححة فانه اسقط العمل بالمفهومين و اقتصر على الاخذ بمفهوم احداهما، و اما المنطوق في كل منهما فمفروضه الاخذ به و مع الاخذ بالمنطوقين يتأتى البحث لما عرفت من انه مرتبط بالمنطوق.

و قد أشار الى ذلك بقوله: «اذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء فلا اشكال على الوجه الثالث» لعدم امكان التأثير فيه مستقلا لكل واحد من الشروط فلا مجال للقول بالتعدد و لا بالتداخل.

«و اما على سائر الوجوه» و هي الأربعة التي ذكرناها حيث انها مبنيّة على امكان الاستقلال في التأثير «فهل اللازم لزوم الاتيان بالجزاء متعددا حسب تعدد الشروط او يتداخل و يكتفي باتيانه دفعة واحدة».

و سيأتي من المصنف في آخر هذا الامر انه ايضا لا يتأتى لهذا البحث الّا فيما امكن تعدد الجزاء، و اما اذا كان غير قابل للتعدد كما في قوله: اذا ارتد يجب قتله، و اذا قتل عمدا يجب قتله، فارتد و قتل لا يتأتى فيه هذا البحث لعدم امكان أن يقتل مرتين.

(1) المتحصل مما يأتي من كلام المصنف ان الأقوال أربعة:

7

و التحقيق: إنه لما كان ظاهر الجملة الشرطية، حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه، أو بكشفه عن سببه، و كان قضيته تعدد الجزاء

____________

القول بعدم التداخل، فاذا تعدد وجود الشرط سواء كان الشرط حقيقة واحدة و تعدد وجوده بتعدد وجود أفراده كما في قوله: اذا بلت فتوضأ فتعدد وجود البول، او كان حقايق متعددة كما في قوله اذا بلت فتوضأ، و اذا نمت فتوضأ، فوجود البول و النوم فانه لا بد من تعدد ايجاد الجزاء فيجب ايجاد الوضوء مرتين اذا تعدد البول مرتين، او اذا حصل البول و النوم، و هذا هو المنسوب الى المشهور.

و القول الثاني: التداخل مطلقا سواء تعدد الشرط من حقايق متعددة او من حقيقة واحدة فيجب اتيان الجزاء مرة واحدة سواء وجد البول مرتين او وجد البول و النوم، و هذا القول الثاني و هو التداخل حيث انه يمكن ان يكون اتيان الجزاء مرة واحدة لتداخل الشروط في مقام التأثير اذا تقارنا او بأن يؤثر الأول اذا سبق، و هو التداخل السببي، او لتداخل المسبب بأن يؤثر كل من الشرطين إلّا ان الاثرين الحاصلين يسقطان باتيان وجود واحد يجمع كلا الأثرين، و هذا هو التداخل المسببي غير التأكدي، أو بأن يؤثر الشرط السابق في وجود الحكم و الثاني في تأكده و هو التداخل المسببي التأكدي، فالقول بالتداخل يرجع الى قولين التداخل السببي و التداخل المسببي.

و القول الرابع: التفصيل بين تعدد الشرط بتعدد أفراد الجنس الواحد كما في حصول البول مرتين فيلزم التداخل و اتيان الجزاء مرة واحدة حينئذ و ان حصل البول مرتين، و بين تعدد الشرط من جنسين كما لو حصل البول و النوم فلا تداخل، و لا بد من اتيان الجزاء مرتين.

و قد أشار الى هذه الأقوال بقوله: «و المشهور ... الى آخر الجملة».

إلّا انه لم يذكر هنا ان القول بالتداخل على نحوين التداخل السببي و المسببي، لكنه لازم كلامه الآتي كما سيأتي الإشارة اليه.

8

عند تعدد الشرط، كان الاخذ بظاهرها إذا تعدد الشرط حقيقة أو وجودا محالا، ضرورة أن لازمه أن يكون الحقيقة الواحدة- مثل الوضوء- بما هي واحدة، في مثل إذا بلت فتوضأ، و إذا نمت فتوضأ، أو فيما إذا بال مكررا، أو نام كذلك، محكوما بحكمين متماثلين، و هو واضح الاستحالة كالمتضادين (1). فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه:

____________

(1) حاصل هذا التحقيق هو بيان السبب الذي ينبغي ان يكون داعيا الى القول بالتداخل بمسلكيه و توضيحه: ان الجملة الجزائية الواحدة كقوله فتوضأ، عبارة عن الوجوب المستفاد من الهيئة و الطبيعة الكلية الواحدة، و هي طبيعة الوضوء بما هي طبيعة واحدة كلية المستفادة من المادة الواقعة متعلقا لهذا الوجوب، فظاهر الجملة انه اذا وجد البول يحدث الوجوب المتعلق بطبيعة الوضوء الكلية، فاذا تكرر وجود البول فينبغي مع وجود كل بول وجوب متعلق بهذه الطبيعة الكلية الواحدة بما هي واحد و كذلك اذا وجد البول و النوم فانه ينبغي ان يحدث مع الأول وجوب متعلق بهذه الطبيعة الواحدة، و ان يحدث أيضا وجوب آخر متعلق بهذه الطبيعة الكلية الواحدة بما هي واحدة عند حدوث الثاني و هو النوم مثلا، و لازم هذا انه اذا تكرر وجود البول او وجد البول و النوم ان يتعلق وجوبان بهذه الطبيعة الواحدة بما هي واحدة، و من الواضح انه مع وحدة المتعلق لا يعقل ان يجتمع عليه حكمان سواء كان الحكمان مثلين كالوجوبين، أو ضدين كالوجوب و الحرمة، و كما انه لا يعقل أن يجتمع في الحقيقة الواحدة كطبيعة الوضوء الكلية الواحدة الوجوب و الحرمة فتكون طبيعة الوضوء بما هي طبيعة الوضوء واجبة و محرمة، كذلك لا يمكن ان تكون هذه الطبيعة الواحدة واجبة بوجوبين، فان اجتماع المثلين كاجتماع الضدين.

و قد ظهر مما ذكرنا: ان هذا انما ينشأ حيث يكون المتعلق هو الطبيعة الواحدة بما هي واحدة، الذي هو الظاهر من الجملة الجزائية.

9

[التصرف في الشرط بناء على التداخل بوجوه‏]

إما بالالتزام بعدم دلالتها في هذا الحال على الحدوث عند الحدوث، بل على مجرد الثبوت (1)، أو الالتزام بكون متعلق الجزاء و إن كان واحدا

____________

اما لو قامت قرينة على كون المتعلق ليس هو الطبيعة الواحدة بما هي واحدة، بل فرد من افرادها، فلا يلزم هذا المحال و هو اجتماع المثلين، كما انه لا يلزم اجتماع الضدين أيضا لو كان أحد افراد الوضوء واجبا و الآخر محرما. و سيأتي منه (قدّس سرّه) ان هناك قرينة على ان المتعلق هو الفرد من هذه الطبيعة لا الطبيعة الواحدة بما هي واحدة، و لهذا ذهب المشهور الى التعدد.

و على كل فسبب القول بالتداخل هو ظهور الجملة الشرطية في كون المتعلق هو الطبيعة الواحدة بما هي واحدة.

قوله (قدّس سرّه): «في مثل اذا بلت ... الخ» هذا مثال لتعدد الشرط حقيقة، فان حقيقة البول غير حقيقة النوم.

قوله (قدّس سرّه): «او فيما اذا بال مكررا» هذا مثال لتعدد الشرط وجودا لا حقيقة، فانه اذا بال مكررا فقد تعدد وجود الحقيقة الواحدة، و أما حقيقة البول بما هي حقيقة واحدة فلم تتعدد.

(1) قد عرفت ان القول بالتداخل سببي و مسببي، و قد أشار بالالتزام الأول الى التداخل السببي و بالالتزام الثاني الى التداخل المسببي غير التأكدي، و بالالتزام الثالث الى التداخل المسببي التأكدي، كما سيأتي توضيح ذلك.

و لا يخفى ان ظهورات القضية الشرطية و هي أربعة: الأول ان ظاهر الشرطية حدوث الجزاء بحدوث الشرط، بمعنى ان وجوب الوضوء المعلق على البول يحدث بحدوث البول، و من الواضح ان الحدوث هو الوجود بعد العدم، فاذا وجد البول ثانيا أو وجد النوم بعد البول و كان وجوب الوضوء متحققا بالأول، فانه لا يصدق الحدوث عند الحدوث بالنسبة الى الثاني، و لكنه يصدق ان الجزاء ثابت حال ثبوت الشرط الثاني و ان كان حدوثه كان بالشرط الأول، و على كل فالثبوت عند الثبوت‏

10

صورة، إلا أنه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط، متصادقة على واحد، فالذمة و إن اشتغلت بتكاليف متعددة، حسب تعدد الشروط، إلا أن الاجتزاء بواحد لكونه مجمعا لها، كما في أكرم هاشميا و أضف عالما، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة، ضرورة أنه بضيافته بداعي الامرين، يصدق أنه امتثلهما، و لا محالة يسقط الامر بامتثاله و موافقته، و إن كان له امتثال كل منهما على حدة، كما إذا أكرم الهاشمي بغير

____________

أعم من الحدوث عند الحدوث الذي لازمه التأثير الاستقلالي أو الاشتراك في التأثير فيما اذا تقارن وجود الشرطين، و من كون الجزاء ثابتا عند ثبوت الشرط و ان كان التأثير للشرط الأول، فاذا رفعنا اليد عن هذا الظهور و التزمنا بالثبوت عند الثبوت يرتفع الاشكال من ناحية اجتماع الحكمين و يحصل التداخل السببي، فان السببين- أي الشرطين- ان تقارنا أثرا أثرا واحدا و هو الوجوب الواحد المتعلق بطبيعة الوضوء الواحدة و ان سبق احدهما كان التأثير له و لا تأثير للثاني.

و قد عرفت مما ذكرنا ان المراد من التداخل هو كون الواجب اتيان الوضوء مرة واحد، في قبال قول المشهور القائلين بأنه ينبغي ان يتعدد اثبات الوضوء كلما تعدد الشرط حقيقة أو وجودا، فالتعدد حقيقة كما في البول و النوم، و التعدد وجودا كما فيما اذا تعدد البول و الى هذا اشار بقوله: «فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه اما بالالتزام بعدم دلالتها» أي بعدم دلالة القضية الشرطية «في هذا الحال» أي في حال تكرر الشرط اما حقيقة او وجودا «على الحدوث عند الحدوث بل على مجرد الثبوت» أي على مجرد كون الجزاء ثابتا حال ثبوت الشرط الذي عرفت انه أعم.

11

الضيافة، و أضاف العالم غير الهاشمي (1).

____________

(1) هذا الالتزام مرجعه الى التداخل المسببي غير التأكدي، و لازمه أيضا رفع اليد عن الظهور الثاني في القضية الشرطية، فان ظاهر القضية الشرطية كون الوجوب الحادث بحدوث الشرط متعلقا بعنوان الوضوء و حقيقته، لا ان متعلق الوجوب حقيقة أخرى غير حقيقة الوضوء، و الوضوء مجمع للحقائق المتعددة بتعدد الشرط، فاذا رفعنا اليد عن هذا الظهور و قلنا ان الوضوء مجمع لحقائق أخرى كل واحدة منها هي الجزاء الحادث بحدوث الشرط و بوجود حقيقة الوضوء تحصل الحقائق المتعددة، و حال حقيقة الوضوء في كونها مجمعا و محصلا لها حال إضافة العالم الهاشمي الذي به يحصل امتثال أمرين قد تعلق احدهما بإكرام العالم و الثاني بإضافة الهاشمي، فانه لا شبهة في انه باكرام العالم الهاشمي يحصل امتثال كلا الأمرين لتصادقهما عليه، فانه باضافته يصدق اكرام العالم و يصدق اضافة الهاشمي.

و لا يخفى انه في هذا المثال قد تعدد متعلق الوجوب لانه بين هذين الكليين عموم و خصوص من وجه، لصدق اكرام العالم وحده باكرام العالم غير الهاشمي، و صدق إضافة الهاشمي وحده بإضافة الهاشمي غير العالم، و يتصادقان في اضافة العالم الهاشمي لكونه مجمعا لامتثال هذين الأمرين و حصول الغرضين معا به، لوضوح انه به يحصل الغرض المترتب على اكرام العالم، لان المفروض انه عالم و يحصل الغرض المترتب على اضافة الهاشمي لان المفروض انه هاشمي أيضا، فيتأتى من المكلف قصد امتثال الأمرين بإضافة العالم الهاشمي، و كل ما تأتى به قصد امتثال الأمر فلا بد و ان يكون مسقطا لذلك الأمر، و الّا لم يكن مما قد تأتى به قصد امتثاله و هو خلف، و لا ريب ان الكليين العامين من وجه المتعلق فيهما متعدد، و يدل عليه امكان امتثال كل واحد منهما على حدة، و قد اشار الى كون اضافة العالم الهاشمي مسقطا لكلا الأمرين بقوله: «ضرورة انه بضيافته بداعي الأمرين يصدق انه امتثلهما»، و أشار الى انه ما يتأتى به قصد امتثال الأمر لا بد و ان يكون‏

12

إن قلت: كيف يمكن ذلك- أي الامتثال بما تصادق عليه العنوانان- مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه (1)؟

____________

مسقطا للأمر بقوله: «و لا محاله يسقط الأمر بامتثاله و موافقته» و أشار الى ان العامين من وجه يتعدد المتعلق فيهما بقوله: «و ان كان له امتثال كل منهما على حدة» و قد ظهر ان المثال المذكور هو من التداخل المسببي غير التأكدي، لأن الوجوب في كل واحد غير الوجوب في الآخر، فهو متعدد و لكنه مع ذلك يحصل امتثالهما بإتيان شي‏ء واحد، فالوضوء الذي حاله كحال هذا المثال في كونه مجمعا للحقائق التي لكل واحدة منها وجوب غير وجوب الاخرى، و لم يرد في مقام التعلق الوجوب على الوجوب حتى يكون مجالا للتأكد كما سيأتي بيانه في الالتزام الثالث، نعم هو من التداخل لما عرفت من ان المراد منه انه لا يجب اتيان الوضوء متعددا بل يكفى اتيانه مرة واحدة.

(1) حاصل ان قلت ان المثال المذكور و هو اكرم عالما و أضف هاشميا من العامين من وجه، و العامان من وجه لهما مورد افتراق و مورد اجتماع، و في مورد الافتراق و ان كان لا يلزم اجتماع الحكمين و لكن في مورد الاجتماع يلزم اجتماع الحكمين، فهذا المثال الذي كان هو المقيس عليه في هذا الالتزام لتعدد الشرط و اتحاد الجزاء لرفع محذور اجتماع الحكمين هو نفسه يلزم منه في مورد التصادق اجتماع الحكمين، و اذا اجتمع الحكمان في مورد فلا مناص عن تزاحمهما، و اذا تزاحما لا يعقل ان يكونا فعليين في مورد التصادق، و اذا لم يكونا فعليين فلا يمكن ان يقصد بمورد التصادق امتثالهما، لان قصد الامتثال انما يكون للحكم الفعلي، و قد عرفت عدم فعلية الحكمين في مورد الاجتماع، و الى هذا أشار بقوله: «كيف يمكن ذلك أي الامتثال بما تصادق عليه العنوانان مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه» أي في مورد التصادق.

13

قلت: انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين، بل غايته أن انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب و انتزاع صفته له (1)، مع أنه- على القول بجواز الاجتماع- لا محذور في اتصافه بهما (2)، بخلاف ما إذا كان بعنوان واحد (3)،

____________

(1) حاصله: ان انطباق العنوانين على واحد لا يقلب العنوان المنطبق عليه اليهما، نعم غايته انه يكون العنوان المنطبق عليه العنوانان له وجوب بالعرض و لا يكون واجبا بالذات حتى يتزاحم العنوانان فيه، و هذا مراده من قوله: «بل غايته ان انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب و انتزاع صفته له» و في قوله انتزاع صفته له اشارة الى ما ذكرنا من انه يكون واجبا بالعرض لا بالذات، و إلّا فكيف يعقل ان يتولد من الوجوبين المجتمعين وجوب ذاتي، نعم يعقل ان يوجب الاجتماع تأكد الوجوب و لكنه ليس البناء في هذا الالتزام عليه و انما هو مبنى الالتزام الثالث.

(2) حاصله: ان ما ذكرنا من الالتزام بالوجوب العرضي للمنطبق عليه العنوانان انما هو على القول بعدم جواز الاجتماع.

و اما على القول بجواز الاجتماع فلا داعي للالتزام بالوجوب العرضي، بل عليه لا مانع من كون المورد للتصادق مجمعا للوجوبين الذاتيين لعدم سراية احدهما الى الآخر، بعد ان كان لكل منهما عنوان غير العنوان الآخر.

(3) حاصله: ان مقام تعدد الشرط و اتحاد الجزاء ظاهر القضية الشرطية فيه كما عرفت كون عنوان الجزاء الواحد بما هو واحد قد اجتمع فيه الوجوبان بواسطة تعدد الشرط، فهو من اجتماع الحكمين في واحد بعنوان واحد، و هو مما لا ريب في محاليته، و لذا كان الالتزام بأن هذا الجزاء الواحد و ان كان ظاهر القضية الشرطية كونه هو متعلق الوجوب، إلّا انه برفع اليد عن هذا الظاهر و جعل المتعلق حقايق متعددة يرتفع الاشكال، و يكون هذا الجزاء الواحد مجمعا للعنوانين الواجبين لا انه هو بنفسه متعلقا للوجوبين.

14

فافهم (1).

____________

(1) لا يخفى انه يحتمل ان يكون اشارة الى كون المثال المذكور مقيسا عليه انما هو بناء على انه خارج عن عنوان مسألة تعدد الشرط و اتحاد الجزاء، و قد صرح بعضهم بكون العنوانين الكليين العامين من وجه مورد التصادق فيهما داخل في عنوان تعدد الشرط و اتحاد الجزاء لتحقق الملاك فيه لأن المجمع هو واحد، و انطباق الكليين الواجبين عليه كالشرطين الموجبين لحدوث الوجوبين على الجزاء الواحد، فان كل واحد من الكليين سبب لوجوب يتعلق بالمجمع لكونه فردا للعنوان المنطبق عليه، فيكون المجمع بما هو واحد قد تعدد فيه السبب الموجب كل واحد منه لوجوب فيجتمع الحكمان في واحد.

فما ذكر مقيسا عليه هو بنفسه محل الاشكال كتعدد الشرط و اتحاد الجزاء و هما متحدان ملاكا.

و يحتمل ان يكون إشارة الى ان ما ذكره من كون المجمع للعنوانين لا يوجب اجتماع الوجوبين بل يكون واجبا بالعرض، هو مناف لما مر منه في مسألة اجتماع الأمر و النهي من ان تعدد العنوان لا يقتضي تعدد المعنون، بل العنوان كمرآة للمعنون و متعلق الوجوب في الحقيقة هو المعنون، فيلزم اجتماع الوجوبين و يعود الاشكال المزبور من اجتماع الحكمين.

و يحتمل ان يكون اشارة الى ان المثال المذكور و ان كان مجمعا للوجوبين و يتزاحم الوجوبان فيه و لا يكونان فعليين لتزاحمهما، إلّا انه حيث ان المجمع محتمل للغرضين اذ لا يعقل انطباق كلي على شي‏ء ما لم يكن فيه عنوانه، و لا بد مع تحقق العنوان من تحقق الغرض الداعي الى تعلق الوجوب بالعنوان، و اذا كان المجمع محتملا لكلا الغرضين فبإتيانه لا بد من سقوط الوجوبين لتحقق الغرض الداعي للوجوب سواء كانا توصليين او تعبديين، و سقوطهما اذا كانا توصليين بحصول الغرض واضح.

و اما لو كانا تعبدين فانه قد مر منه (قدّس سرّه) انه يمكن قصد التعبدية بقصد محبوبيته‏

15

أو الالتزام بحدوث الاثر عند وجود كل شرط، إلا أنه وجوب الوضوء في المثال عند الشرط الاول، و تأكد وجوبه عند الآخر (1).

____________

و ملاكه، بل يمكن أيضا اتيانه بقصد امتثال الأمر لانه مساو لسائر أفراده في كل شي‏ء عدا عدم امكان فعلية الأمر فيه لمانع هو التزاحم، لا وجود مفسدة مانعة عن تأتي قصد القربة فيه.

و يمكن ان يكون اشارة الى ان تعدد العنوانين غير العنوان الواحد و ان كان مجمعا لحقائق متعددة، لوضوح كون الامر متعلقا بهذا العنوان الواحد سواء كان له حقيقة واحدة او حقايق متعددة و اللّه العالم.

(1) هذا التداخل المسببي التأكدي و هو برفع اليد عن الظهور الثالث، فان الظاهر من ترتب الجزاء على الشرط ترتب وجود الجزاء لا تأكد الموجود.

و بعبارة اخرى: إن ظاهر قوله اذا بلت فتوضأ ان الذي يحدث بحدوث البول هو أصل وجوب الوضوء لا تأكد وجوب الوضوء الذي قد حصل سابقا بغير هذا البول الحادث فعلا، سواء كان الشرط الحادث سابقا نوما او بولا غير هذا البول الحادث فعلا، فاذا رفعنا اليد عن هذا الظهور و قلنا اذا سبق شرط فالحاصل به هو أصل الوجوب، و الحاصل بالشرط اللاحق هو تأكد ذلك الوجوب فيكون وجوبا واحدا مؤكدا، و اذا اقترنا يحصل منهما أيضا وجوب واحد مؤكد.

فيفترق هذا التداخل عن التداخل السببي بأنه للشرط على هذا أثر قطعا فيما اذا سبق الشرط شرطا آخر، فان أثر الشرط اللاحق هو التأكد، بخلاف التداخل السببي فان الشرط اللاحق لا أثر له بعد سبقه بالشرط الأول. و اذا اقترنا فالحاصل بهما وجوب واحد، و لم يظهر من المصنف تأكد ذلك الوجوب الحاصل باقترانهما.

و يفترق هذا التداخل عن التداخل المسببي غير التأكدي هو ان الأثر للشرط اللاحق هو التأكد على هذا. و اما التداخل المسببي غير التأكدي فان لكل شرط وجوبا غير وجوب الآخر سواء سبق أحدهما و لحق الآخر أو اقترنا، فمتعلق‏

16

و لا يخفى أنه لا وجه لان يصار إلى واحد منها، فإنه رفع اليد عن الظاهر بلا وجه، مع ما في الاخيرين من الاحتياج إلى إثبات أن متعلق الجزاء متعدد متصادق على واحد، و إن كان صورة واحدا مسمى باسم واحد، كالغسل، و إلى إثبات أن الحادث بغير الشرط الاول تأكّد ما حدث بالاول، و مجرد الاحتمال لا يجدي، ما لم يكن في البين ما يثبته (1).

____________

الوجوب لكل واحد حقيقة غير الحقيقة المتعلق بها الوجوب الحاصل بالشرط الآخر، غاية الأمر انه يحصل امتثالهما بإتيان الوضوء مرة واحدة، و على هذا فالوضوء ليس هو متعلق الوجوب لواحد من الشروط و انما به يحصل الامتثال لوجوبهما، بخلاف هذا التداخل فان الوجوب فيه متعلقه الوضوء، غايته انه تارة يكون وجوب الوضوء و أخرى تأكد هذا الوجوب.

(1) حاصله ايرادان: الأول، إيراد على هذه الوجوه الثلاثة، و الثاني ايراد يختص بالوجهين الاخيرين.

و حاصل الأول: انه لا وجه لرفع اليد عن الظهور الّا بقرينة تدل على رفع اليد عنه لان الظهور حجة متبعة لا يرفع اليد عنها بحجة أخرى، فان قامت القرينة كان رفع يد عن حجة بحجة، و إلّا كان رفع يد عن حجة بغير حجة. و لذا قال (قدّس سرّه): «انه لا وجه لان يصار الى واحد منها فانه رفع اليد عن الظاهر بلا وجه» و من الواضح ان في كل هذه الوجوه الثلاثة رفعا عن ظهور من غير قرينة قامت عليه.

و الايراد الثاني: المختص بالاخيرين أي الثاني و الثالث فهو انه على الوجه الثاني الوجوب الحاصل بالشرط لم يتعلق بالوضوء، و ان متعلقه حقائق مجهولة يحصل امتثالها بإتيان الوضوء أو الغسل، لأن تلك الحقائق تتصادق عليه، و لازم هذا ان يكون الوضوء أو الغسل هو في الصورة حقيقة واحدة لها وجود واحد و لها اسم واحد و لكنها في الخارج حقايق و وجودات متعددة، و لا يدرك احد ان الوضوء او

17

.....

____________

الغسل هو حقايق و وجودات متعددة، بخلاف اضافة العالم الهاشمي فانها؟ إكرام للعالم و اضافة للهاشمي، و حيث لا يدرك احد ان الوضوء او الغسل كذلك فلا بد لمدعي ذلك من اثبات ان الوضوء أو الغسل هو وجودات و حقائق متعددة، فهو مضافا الى كون الالتزام بالحقايق المتعددة رفعا عن ظهور الشرطية في كون الوضوء بعنوانه متعلق الوجوب انه لا بد لمدعي ذلك من اثبات ان هذه الحقيقة الواحدة هي حقائق متعددة، و الى هذا اشار بقوله: «من الاحتياج الى اثبات ان متعلق الجزاء ... الى آخر الجملة».

و لا يخفى ان هذا مما يتعلق بالأول من الاخيرين و هو الوجه الثاني المتقدم.

و أما الوجه الثالث و هو الثاني من الاخيرين فقد عرفت انه التزام بتأكد الوجوب فيما اذا اقترنا أو تلاحقا، فمضافا الى انه خلاف ظاهر الشرطية في كون الحاصل بالشرط اللاحق او المقارن ليس هو أصل الوجوب بل تأكده، ان اللازم من التأكد هو كون وجوب الوضوء او الغسل بعد تحقق كلا الشرطين يكون وجوبا شديدا ليس هو كالوجوب الحاصل بأحدهما فقط، فعلى مدعى هذا الوجه ان يثبت مضافا الى كون الحاصل بالشرط الثاني ليس هو أصل الوجوب ان الوجوب الثابت بعد الشرط الثاني هو وجوب أكيد شديد، و هذا مما يحتاج الى اثبات أيضا و لا يكفي فيه الاحتمال، و الى هذا اشار بقوله: «و الى اثبات ان الحادث بغير الشرط الأول تأكد ما حدث بالأول و مجرد الاحتمال لا يجدي».

18

إن قلت: وجه ذلك هو لزوم التصرف في ظهور الجملة الشرطية، لعدم امكان الاخذ بظهورها، حيث أن قضيّته اجتماع الحكمين في الوضوء في المثال، كما مرت الاشارة إليه (1).

قلت: نعم، إذا لم يكن المراد بالجملة فيما إذا تعدد الشرط كما في المثال هو وجوب وضوء مثلا بكل شرط غير ما وجب بالآخر، و لا ضير في كون فرد محكوما بحكم فرد آخر أصلا، كما لا يخفى (2).

____________

(1) حاصل ان قلت: انه لا بد من ارتكاب مخالفة ظهور للجملة الشرطية، لان المحافظة على جميع ظهورات الشرطية غير معقول، فان لازمه كون الحقيقة الواحدة بما هي واحدة قد اجتمع فيها حكمان فعليان و هو من اجتماع المثلين و لا ريب في محاليته. و لا يخفى ان هذا يرجع الى الايراد الشامل للوجوه الثلاثة و هو قوله (قدّس سرّه): «و لا يخفى انه لا وجه لان يصار ... الى آخر الجملة».

(2) و حاصل الجواب انه انما يجب ان يرتكب خلاف الظهور حيث ينحصر التخلص عن الاشكال به، و هنا غير منحصر رفع الاشكال باحد الوجوه الثلاثة المذكورة، لان الاشكال منوط بكون متعلق الوجوب هو حقيقة الوضوء او الغسل الكلية بما هي كلية و واحدة.

اما اذا كان متعلق الوجوب هو فرد من أفراد هذه الحقيقة فلا يجتمع الحكمان و يرتفع الاشكال، لان لكل وجوب متعلقا غير متعلق الآخر، فلا داعي الى التزام رفع اليد عن الحدوث عند الحدوث، و لا الى التزام ان متعلق الوجوب غير عنوان الجزاء الخاص بل حقايق متعددة يحصل امتثالها بحقيقة الوجوب، و لا الى الالتزام بان الحاصل بالشرط اللاحق هو تأكد الوجوب لا أصل الوجوب، فانه بالالتزام بكون المتعلق هو الفرد نلتزم بالحدوث عند الحدوث، و ان المتعلق هو العنوان الخاص، و ان الحاصل هو أصل الوجوب لا تأكده، فالاشكال يرتفع بحذافيره اذا كان متعلق الوجوب هو الفرد من حقيقة الوضوء أو الغسل و لا يجتمع الحكمان في‏

19

إن قلت: نعم، لو لم يكن تقدير تعدد الفرد على خلاف الاطلاق (1).

____________

واحد، و هذا مراده من قوله: «نعم اذا لم يكن المراد بالجملة فيما اذا تعدد الشرط كما في المثال» كقوله اذا بلت فتوضأ و اذا نمت فتوضأ «هو وجوب الوضوء مثلا بكل شرط غير ما وجب بالآخر» و هو الفرد من حقيقة الوضوء لا حقيقة الوضوء الكلية «و» على هذا «لا ضير في كون فرد محكوما ب» مثل «حكم فرد آخر».

(1) حاصله ان في الالتزام بكون متعلق الوجوب هو الفرد من الحقيقة دون الحقيقة الكلية أيضا خلاف الظهور، و هذا هو الظهور الرابع للقضية الشرطية، فان ظاهر القضية الشرطية ان الوجوب المستفاد من الهيئة متعلق بما يستفاد من المادة و هو الحقيقة الكلية، فقوله: اذا بلت فتوضأ يدل بظاهره ان متعلق الوجوب الحادث بحدوث الشرط متعلق بحقيقة الوضوء بما هي حقيقة واحدة كلية، فيعود المحذور من لزوم اجتماع الحكمين، و يرتفع بكون المتعلق هو الفرد و لكنه مخالف لظهور الشرطية، و لا وجه لترجيح مخالفة ظهور على مخالفة ظهور آخر، فلا وجه لترجيح هذا الالتزام على الالتزامات الثلاثة المذكورة.

و بعبارة اخرى: ان مقدمات الحكمة الجارية في المادة تقضى ان المتعلق هو طبيعة الوضوء الكلية لأن الألفاظ موضوعة للطبائع، فلفظ الوضوء موضوع لطبيعة الوضوء، و الفرد و ان كان فردا للطبيعة إلّا انه هو الطبيعة بقيد الفردية، و المراد من لفظ الوضوء في مقام تعلق الحكم أما ان يكون هو الطبيعة الكلية، أو فردها حيث لا اهمال فيما اذا كان المولى في مقام البيان، و لو أراد المولى الطبيعة المقيدة بالفردية لكان عليه البيان، و حيث لا بيان فيتعيّن ان يكون المتعلق هو الطبيعة غير المقيدة، فالاطلاق يقتضي ان المتعلق هو الطبيعة الكلية الواحدة دون الفرد، و الى هذا اشار بقوله: «نعم لو لم يكن تقدير تعدد الفرد على خلاف الاطلاق».

20

قلت: نعم، لو لم يكن ظهور الجملة الشرطية في كون الشرط سببا أو كاشفا عن السبب، مقتضيا لذلك أي لتعدد الفرد و الّا كان و بيانا لما هو المراد من الاطلاق.

و بالجملة: لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء و ظهور الاطلاق ضرورة أن ظهور الاطلاق يكون معلقا على عدم البيان، و ظهورها في ذلك صالح لان يكون بيانا، فلا ظهور له مع ظهورها، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلا، بخلاف القول بالتداخل (1)

____________

(1) توضيحه: انه قد عرفت- مما مرّ- ان للجملة ظهورات أربعة: ظهورها في الحدوث عند الحدوث. و ظهورها في ان المتعلق هو العنوان الخاص أي الوضوء بما هو وضوء لا انه مجمع. و ظهورها في كون الحادث هو أصل الوجوب لا تأكده.

و يمكن ان يدعى ان بعض هذه الظهورات بالوضع: بأن يدعى ان الأداة تدل بالوضع على الحدوث عند الحدوث، و ان كون المتعلق هو العنوان الخاص- ايضا- بالوضع. نعم ظهورها في كون الحادث هو الوجوب لا تأكده بالاطلاق، و لكن لو تنزلنا و قلنا ان هذه الظهورات الثلاثة بالاطلاق مثل ظهور الرابع: و هو كون المتعلق هو الطبيعة الكلية دون فردها، و لكنه من الواضح ان التمسك بالاطلاق انما يصح حيث لا قرينة تدل على خلافه، و في المقام قرينة تدل على ان المتعلق هو الفرد دون الحقيقة الكلية، فان ذكر الاسباب المتعددة للجزاء الواحد قرينة على ان المتعلق هو الفرد من هذه الحقيقة الواحدة، و الذي يدل على هذا انه لو قال في كلام متصل اذا بلت فتوضأ و اذا نمت فتوضأ، فان العرف يفهم منه ان متعلق الوجوب هو فرد من حقيقة الوضوء لا حقيقة الوضوء الكلية، و لا فرق في ذكر السبب المتعدد بين كونه مذكورا بكلام متصل او منفصل فالتمسك بإطلاق المادة يتوقف على عدم القرينة، و قد عرفت وجود القرينة على كونه هو الفرد من الحقيقة دون نفس الحقيقة الكلية و مع قيام القرينة على هذا لا يبقى مجال للتمسك بهذا الاطلاق، و قد عرفت انه اذا

21

.....

____________

كان المتعلق هو الفرد يرتفع الاشكال من رأس، فلا وجه لرفع اليد عن الظهورات الباقية حيث لا قرينة على رفع اليد عنها، فلا دوران بينها و بين الظهور الرابع بعد ان كان ظهور تعدد الشرط للجزاء الواحد- سواء كان الشرط هو السبب المؤثر بنفسه أو كاشفا عن تحقق السبب المؤثر- قرينة عند العرف على ان المتعلق هو الفرد دون الطبيعة الكلية، و يقية الظهورات لا قرينة على خلافها فلا وجه لرفع اليد عنها من دون قرينة.

و قد جمع المصنف الظهورات الثلاثة في قوله: «ظهور الجملة في حدوث الجزاء» أي ان الجملة الدالة على حدوث أصل الوجوب المتعلق بالعنوان الخاص عند حدوث الشرط، و هذه هي الظهورات الثلاثة عبر عنها بقوله في حدوث الجزاء، فان المراد بالجزاء هو الوجوب المتعلق بالعنوان الخاص، و قد اشار الى ان ظهور تعدد الشرط للجزاء الواحد قرينة على ان المتعلق هو الفرد، فلا يبقى مجال للتمسك بإطلاق المادة المقتضي لكون المتعلق هو الطبيعة الكلية لقيام القرينة على خلافه بقوله:

«ضرورة ان ظهور الاطلاق يكون معلقا على عدم البيان و ظهورها في ذلك صالح لان يكون بيانا» اي ان ظهور تعدد الشرط في الجملة الشرطية قرينة على ان لا إطلاق للمادة، فهو بيان على خلاف إطلاق المادة، و مع وجود البيان لا يبقى محل للإطلاق، و هو المراد من قوله: «فلا ظهور له مع ظهورها» أي فلا ظهور لإطلاق المادة مع ظهور تعدد الشرط في الجملة الشرطية.

فاتضح مما ذكرنا ان القول بعدم التداخل و انه لا بد من تكرار متعلق الوجوب في الجزاء بإتيان الوضوء متعددا لا يلزم منه تصرف في مخالفة ظهور أصلا، لأن الظهورات الثلاثة مأخوذ بها على القول بعدم التداخل، و الظهور الرابع و هو إطلاق المادة لا موقع له لقيام القرينة على خلافه، و الى هذا أشار بقوله: «فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلا بخلاف القول بالتداخل» فانه لا بد فيه من التصرف و رفع اليد عن احد الظهورات الثلاثة.

22

كما لا يخفى (1).

____________

(1) ذكر المصنف في هامش الكتاب‏ (1) هنا ما محصله ان كون تعدد الشرط في الجمل الشرطية قرينة على عدم الإطلاق في المادة لكون الإطلاق معلقا على عدم البيان، و تعدد الشرط يصلح للبيان على ذلك عند العرف انما يتم هذا على مذاق الشيخ الأعظم الأنصاري، فانه يرى ان الاطلاق معلق على عدم البيان الى الأبد، و عليه فلا يجب على المتكلم البيان متصلا بكلامه، و له تأخير البيان في كلام منفصل آخر بعد تمامية كلامه الذي كان ظاهر الإطلاق، فما إن وجد البيان يرتفع الإطلاق.

و أما على مذاق المصنف كما سيأتي بيانه في المطلق و المقيد، فان الاطلاق عنده يتم بتمامية كلام المتكلم، و الاطلاق لا يكون معلقا على عدم البيان الى الأبد، بل على عدم البيان في نفس ذلك الكلام، فاذا تمّ كلام المتكلم تمّ الاطلاق و صحّ التمسك به.

و بعبارة أخرى: ان الاطلاق انما يكون معلقا على عدم البيان في مقام التخاطب لا على عدم البيان الى الأبد. و ما يكون منافيا له في كلام منفصل لا يكون قرينة عليه بل يكون معارضا للإطلاق.

و لا يخفى ان تعدد الشرط في المقام الذي كان قرينة على عدم إطلاق المادة قد ورد في جمل منفصلة بعد انتهاء مقام التخاطب، فعلى مذاق المصنف الاطلاق في المادة يتم في جملة اذا بلت فتوضأ بمجرد انتهاء كلام المتكلم و تمامية مقام التخاطب، و لكنه مع ذلك لا دوران بين الظهورين و هما ظهور الجملة في حدوث الجزاء و ظهور إطلاق المادة، لان العرف اذا جمع بينهما يرفع اليد عن التمسك بإطلاق المادة و ان كان قد

____________

(1) كفاية الاصول بحاشية المحقق المشكيني (قدّس سرّه) ج 1، ص 318 (حجري).

23

[عدم ابتناء التداخل على معرفية الاسباب الشرعية و مؤثريتها]

فتلخص بذلك، أن قضية ظاهر الجملة الشرطية، هو القول بعدم التداخل عند تعدد الشرط (1).

و قد انقدح مما ذكرناه، أن المجدي للقول بالتداخل هو أحد الوجوه التي ذكرناها، لا مجرد كون الاسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات (2)، فلا وجه لما عن الفخر و غيره، من ابتناء المسألة على أنها معرّفات أو مؤثرات (3) مع أن الاسباب الشرعية حالها حال غيرها، في كونها

____________

تم الإطلاق فيها بتمامية كلام المتكلم، فهو من قبيل ترجيح أحد المتعارضين على الآخر، كترجيح الدليل الحاكم على المحكوم و الخاص على العام، ففي النتيجة لا بد من رفع اليد عن اطلاق المادة و لا دوران بينه و بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء عند العرف.

(1) حاصله: انه بعد ما عرفت يتبين ان قول المشهور بعدم التداخل و انه لا بد من إتيان الجزاء متعددا اذا تعدد وجود الشرط ليس فيه تصرف مناف لظهور الجملة الشرطية، بخلاف القول بالتداخل بأوجهه الثلاثة، فانه لا بد فيه من التصرف و رفع اليد عن احد ظهورات الجملة الشرطية، فالتمسك بظهور الجملة الشرطية يقتضي عدم التداخل اذا تعدد الشرط.

(2) حاصله انه قد عرفت ان القول بالتداخل المبتني على كون متعلق الوجوب هو الطبيعة الكلية لا يتم إلّا بالتصرف في احد ظهورات الجملة الشرطية بنحو من الانحاء الثلاثة المتقدمة، و القول بعدم التداخل يتم بكون متعلق الوجوب هو فرد الطبيعة، و لا فرق في ذلك بين كون الشرط هو المؤثر بنفسه او كاشفا و معرّفا عن المؤثر.

(3) المحكي عن فخر المحققين: انه ان قلنا بان الاسباب الشرعية معرفات عن المؤثر فلا بد من القول بالتداخل، و ان قلنا ان الاسباب الشرعية مؤثرات بنفسها فلا مناص عن القول بعدم التداخل.

فالقول بالتداخل و عدمه يبتني على كون الاسباب الشرعية معرفات او مؤثرات.

24

معرفات تارة و مؤثرات أخرى، ضرورة أن الشرط للحكم الشرعي في الجملة الشرطية، ربما يكون مما له دخل في ترتّب الحكم، بحيث لولاه لما وجدت له علة، كما أنه في الحكم غير الشرعي، قد يكون أمارة على حدوثه بسببه، و إن كان ظاهر التعليق أن له الدخل فيهما، كما لا يخفى (1).

____________

و غاية ما يقال في تقريبه ان الاسباب الشرعية اذا كانت معرفات فلا مانع من ان يتعدد معرفات المعرّف الواحد، فتعدد الشروط المعرفات عما هو المعرف تكشف عن مؤثر واحد، و مع كون المؤثر واحدا لا يتعدد اثره، فالاثر دائما هو وجوب واحد متعلق بالطبيعة.

و بعبارة اخرى: ان مرجع القول بالتداخل هو انه لا يجب تعدد اتيان الجزاء بتعدد الشرط، و اذا كانت الشروط معرفات فان من الجائز و الواقع في الخارج تعدد المعرفات عن المعرّف الواحد فلا نعلم بتعدد الحكم، لان تعدد الحكم انما يكون بتعدد المؤثر، و لا موجب لتعدده لجواز ان تكون هذه الشروط معرفات عن مؤثر واحد.

و اما اذا قلنا بأن الاسباب الشرعية مؤثرات فلا مناص من القول بعدم التداخل و لزوم تعدد الجزاء، لان كل شرط مؤثر بنفسه و لكل مؤثر اثر فيتعدد الاثر و هو الوجوب بتعدد الشرط، و هو معنى عدم التداخل، فانه ليس هو الّا تعدد الاتيان بتعدد الشرط.

فتبين ان التداخل يبتنى على كون الاسباب الشرعية معرفات، و عدم التداخل مبتن على كون الاسباب الشرعية مؤثرات.

(1) قد اورد المصنف على عبارة فخر المحققين بإيرادين:

الأول: انه قد ظهر فساده مما ذكرنا و هو ان الظاهر من الجملة الشرطية هو حدوث الجزاء بحدوث الشرط سواء كان الشرط هو المؤثر بنفسه او انه كاشف و معرّف عمّا هو المؤثر في حدوث الجزاء، و على كل فان الجملة الشرطية تدل على‏

25

.....

____________

الحدوث عند الحدوث سواء كان المؤثر في الحدوث هو نفس عنوان الشرط او انه أمر آخر يتحقق بتحققه.

و اما كون ان من الجائز تعدد المعرفات لمعرف واحد فهو مناف لظاهر الجملة في الحدوث عند الحدوث، فان قلنا ان الجزاء الحادث بحدوث الشرط هو الوجوب المتعلق بالطبيعة الكلية فلا مناص عن القول بالتداخل و يتم بالتصرف في احد الظهورات الثلاثة، و ان كان المتعلق هو الوجوب المتعلق بالفرد فيتم القول بعدم التداخل.

الثاني ما أشار اليه بقوله: «مع ان الاسباب» و حاصل هذا الايراد ان عبارة فخر المحققين ظاهرة في كون الاسباب الشرعية بالخصوص التي هي الشروط في الجملة الشرطية تنقسم الى معرفات و مؤثرات، مع انه لا اختصاص لكون الشروط في الجمل الشرطية الشرعية منقسمة الى معرفات و مؤثرات، بل الشروط التي تقع في الشرطيات غير الشرعية كالشرطيات العقلية أيضا كذلك تنقسم الى معرفات و مؤثرات، فالشرط في قولنا ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود مؤثر لمعلولية النهار لطلوع الشمس، و الشرط في قولنا ان كان الدخان موجودا فالاحتراق موجود معرف، لان العلة في الاحتراق هو النار، و الدخان معرف لها.

و الحاصل: ان الشرط الشرعي ربما يكون له الدخل بنفسه في ترتب الحكم كالاستطاعة في قوله ان استطعت فحج، و من الواضح دخول الاستطاعة بنفسها في حدوث وجوب الحج، و ربما يكون معرفا عما له الدخل كقوله ان سمعت أذان العدل فصلّ، فان سماع أذان العدل كاشف عما له الاثر في وجوب الصلاة و هو دخول الوقت، و قد عرفت ان الحال في الشرط العقلي كذلك.

و بقوله: «ضرورة ان الشرط للحكم الشرعي ... الى آخر الجملة» قد أشار الى ما كان الشرط الشرعي له الدخل في ترتب الحكم، و لم يشر الى ما كان الشرط الشرعي معرفا و قد عرفت مثاله، و قد أشار الى ما كان الشرط العقلي معرفا لا مؤثرا

26

نعم، لو كان المراد بالمعرّفية في الاسباب الشرعية أنها ليست بدواعي الاحكام التي هي في الحقيقة علل لها، و إن كان لها دخل في تحقق موضوعاتها، بخلاف الاسباب غير الشرعية (1)، فهو و إن كان له‏

____________

بقوله: «كما انه في الحكم غير الشرعي قد يكون امارة» أي معرفا على المؤثر لا مؤثرا بنفسه، فيكون الشرط العقلي دالا «على حدوثه بسببه» أي كاشفا عن حدوث الحكم بحدوث السبب الذي كان الشرط غير الشرعي امارة عليه و كاشفا، و لم يشر الى ما كان الشرط العقلي مؤثرا لوضوحه.

(1) حاصله: ان بعض المحققين قد ذكر وجها لما يظهر من فخر المحققين من ان الأسباب الشرعية معرفات او مؤثرات، من ان الاسباب غير الشرعية لا مانع عقلا من ان تكون مؤثرات.

و اما الاسباب الشرعية فربما يقال بأنها لا يعقل ان تكون مؤثرات، لان العلل منحصرة في أربع: الصورية، و المادية، و الفاعلية، و الغائية.

و من الواضح ان الاسباب الشرعية ليست علة صورية و لا مادية، لان العلل الصورية و المادية من شئون الموجودات المركبة دون موجودات عالم الاعتبار و الحكم من موجود عالم الاعتبار لا الموجودات المركبة و هو من البسائط.

و اما كون الاسباب الشرعية ليست علة فاعلية لوضوح ان الفاعل للحكم هو الشارع فانه هو الجاعل للحكم، و من الواضح ان البول او النوم ليس هو الجاعل لوجوب الوضوء، بل الجاعل له هو الشارع.

و أما كونها علة غائية فهو و ان كان ربما يحتمل بدوا، الّا ان التحقيق خلافه لوضوح ان العلل الغائية للحكم هي المصالح و المفاسد، فان من الواضح ان العلة الغائية لوجوب الوضوء عند حدوث البول هي المصلحة الداعية لوجوب الوضوء دون نفس البول، نعم للبول دخل في تحقق ما هو الموضوع و العلة الغائية للحكم، لان وجود البول محقق للمصلحة الداعية للحكم التي هي العلة الغائية، و هذا مراده‏

27

[تفصيل الحلى و ردّه‏]

وجه، إلا أنه مما لا يكاد يتوهم أنه يجدي فيما همّ و أراد (1).

ثم إنه لا وجه للتفصيل بين اختلاف الشروط بحسب الاجناس و عدمه، و اختيار عدم التداخل في الاول، و التداخل في الثاني، إلّا توهّم عدم صحة التعلق بعموم اللفظ في الثاني، لانه من أسماء الاجناس،

____________

من قوله: «و ان كان لها دخل في تحقق موضوعاتها» أي لها دخل في تحقق الموضوع و العلة الغائية.

و أما الاسباب العقلية فتكون اسبابا بالعلل الأربع و هو مراده من قوله: «بخلاف الاسباب غير الشرعية».

(1) حاصله: ان هذا التحقيق في الفرق بين الاسباب الشرعية و ان كان وجيها من حيث ذاته، إلّا انه لا ينفع فيما افاده الفخر في المقام من ابتناء التداخل و عدمه على المعرفات و المؤثرات، فان كون الاسباب الشرعية ليست من احد العلل الأربع و ان غايتها انها لها دخل في العلة الغائية بخلاف الاسباب العقلية لا يوجب التداخل اذا كانت معرفات، و عدم التداخل اذا كانت مؤثرات، فانها و ان كانت معرفات و كواشف عما هو المؤثر او ما له الدخل في ترتب الحكم و لو بنحو العلة الغائية، لكنه لا بد من حدوث الجزاء بحدوثها و لو لأنها معرفات و كواشف عما له الدخل في حدوث الجزاء، فاذا كان الحادث بحدوث هذا الكاشف هو الوجوب المتعلق بالطبيعة الكلية، و الحادث بحدوث النوم و لو لكون النوم كاشفا أيضا هو الوجوب المتعلق أيضا بالطبيعة الكلية، فلا بد من التصرف بأحد الوجوه الثلاثة المتقدمة ليرتفع اشكال اجتماع الحكمين، و هذا مراده من قوله: «إلّا انه مما لا يكاد يتوهم انه يجدي فيما هم و أراد» فان مهمه هو التداخل و عدمه، و لا ربط له بالتحقيق المذكور.

28

فمع تعدد أفراد شرط واحد لم يوجد إلا السبب الواحد، بخلاف الاول، لكون كل منها سببا، فلا وجه لتداخلها (1)، و هو فاسد.

____________

(1) قد مر ان الاقوال في المسألة ثلاثة: عدم التداخل، و التداخل بنحويه، و تفصيل صاحب السرائر (قدّس سرّه) بين اتحاد الجنس في الشرط فالتداخل و عليه اذا تعدد وطء الحائض- مثلا- فلا يجب اتيان الكفارة الا مرة واحدة، و بين تعدد الجنس في الشرط كالبول و النوم فعدم التداخل و يجب تعدد الاتيان بالوضوء اذا وجد البول و النوم، و قد اشار المصنف الى وجه هذا التفصيل بقوله: «الا توهم» أي لا وجه للتفصيل الّا توهّم.

و حاصله: ان الشرطية الدالة على ان المقدم أي الشرط علة لحدوث الجزاء قد دل على ان العلة هي الجنس، و الجنس بما هو واحد لا تكثر فيه، فالعلة للجزاء واحدة و العلة الواحدة معلولها واحد، فتعدد وجود الجنس لا يوجب تعدد الجزاء لان الجنس بما هو جنس واحد لا تعدد فيه، فليس للجنس فيما اذا اتحد عموم، لان العموم انما يراد حيث تكون افراد، و قد عرفت ان الجنس اذا كان بما هو جنس علة لا يكون إلّا شيئا واحدا و ليس هناك افراد، فليس للشرط عموم بحسب الافراد، بخلاف ما اذا تعدد الجنس فان الشرط يتعدد لدلالة كل شرطية على علة لهذا الجزاء، و مقتضى هذا التعدد الاتيان لاقتضاء كل جنس لإتيان غير الإتيان الذي يوجبه الجنس الآخر، و يكون للشرط بما هو عموم لتعدد افراده و هي الاجناس المتعددة فالمتحصل من هذا هو التداخل اي إتيان الجزاء مرة واحدة فيما اذا اتحد الجنس و ان تعدد وجوده، كما اذا وطأ الحائض مرات عديدة فانه لا تجب الا كفارة واحدة، او تعدد نفس البول مرات فانه لا يوجب الوضوء الا مرة واحدة.

و اما اذا تعدد الجنس بان حدث البول و النوم فعدم التداخل، أي إتيان الجزاء مرات بحسب تعدد جنس الشرط فيجب إتيان الوضوء مرتين عند حدوث البول و النوم، و الى هذا أشار بقوله: «انه لا وجه للتفصيل بين اختلاف الشروط بحسب‏

29

فإن قضية اطلاق الشرط في مثل إذا بلت فتوضأ هو حدوث الوجوب عند كل مرة لو بال مرات، و إلا فالاجناس المختلفة لا بد من رجوعها إلى واحد، فيما جعلت شروطا و أسبابا لواحد، لما مرت إليه الاشارة، من أن الاشياء المختلفة بما هي مختلفة لا تكون أسبابا لواحد (1)، هذا كله‏

____________

الأجناس» كما في البول و النوم «و عدمه» كما في وطء الحائض «و اختيار عدم التداخل» أي الإتيان بالجزاء متعددا «في الأول» و هو ما اذا تعدد الجنس «و التداخل في الثاني» و هو الإتيان مرة واحدة فيما اذا اتحد الجنس و ان تعدد وجوده «الا توهم» أي لا وجه لهذا التفصيل إلّا انه فيما اذا اتحد الجنس «عدم صحة التعلق بعموم اللفظ» فانه لا عموم للواحد بما هو واحد «لانه من اسماء الاجناس» و لا تعدد للجنس الواحد بما هو واحد «فمع تعدد أفراد شرط واحد» و هو الجنس لا تتعدد العلة «و لم يوجد الا السبب الواحد بخلاف الأول» و هو ما اذا تعدد الجنس فانه بتعدده تتعدد العلة «لكون كل منها» أي لكون كل واحد من الاجناس «سببا» غير الآخر «فلا وجه لتداخلها» فيجب تعدد الاتيان.

(1) اورد عليه المصنف بايرادين: الأول ما أشار اليه بقوله: «فان قضية ... الى آخر الجملة».

و حاصله: ان القضية اذا دلت على كون الجنس هو العلة فلا اشكال ان الجنس بوجوده علة، اذ لا يعقل علية ماهية الجنس بما هي ماهية الجنس، فان الماهيات بما هي ماهيات لا تأثير لها، و انما يكون للماهية تأثير فيما اذا كانت موجودة، فاذا كان مدلول القضية الشرطية ان الماهية الموجودة هي العلة فالاطلاق بحسب مقدمات الحكمة يقتضي تأثيرها في حدوث الجزاء كلما تحقق لها وجود، فان الماهية و ان امكن ان تلحظ في مقام التأثير بنحو صرف الوجود المقابل للعدم المحض المنطبق ذلك على أول وجودات الماهية، إلّا انه يحتاج الى بيان، لأن المفهوم من كون وجود الماهية هو العلة ان الملحوظ هو كل وجود للماهية الناقض لعدم نفسه، لا الوجود الناقض‏

30

فيما إذا كان موضوع الحكم في الجزاء قابلا للتعدد. و أما ما لا يكون قابلا

____________

لعدم الماهية مطلقا المنطبق على خصوص أول وجود للماهية، فاذا كان المراد هو هذا الوجود الناقض للعدم المطلق كان على المولى البيان، فاطلاق الشرط بحسب مقدمات الحكمة يقتضي ان العلة هي الماهية كلما وجدت فيتكرر الجزاء كلما تكرر وجود الجنس، و عليه فيتعدد وجوب الإتيان بالوضوء كلما تعدد وجود البول، و هذا مراده من قوله: «فان قضية اطلاق الشرط في مثل اذا بلت فتوضأ هو حدوث الوجوب» و هو الأمر باتيان الوضوء «عند كل مرة لو بال مرات».

و الايراد الثاني ما اشار اليه بقوله: «و إلّا فالاجناس ... الى آخر الجملة» و حاصله: انه بعد ما عرفت فيما مر من انه لا يعقل ان يصدر الواحد من الكثير، فاذا تعددت الاجناس فلا بد و ان يكون المؤثر في المعلول الواحد المترتب عليها هو الجامع لها، و لا يمكن ان تؤثر الاجناس المتعددة بما هي متعددة أثرا واحدا، لعدم امكان صدور الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير، و على هذا فلا بد من القول بالتداخل أيضا حتى اذا تعدد الجنس، و لا وجه للتفصيل بين اتحاد الجنس و تعدده، و هذا مراده من قوله: «و إلّا فالاجناس المختلفة لا بد من رجوعها الى واحد» أي الى جامع واحد لها يكون هو المؤثر «فيما اذا جعلت» الاجناس المتعددة «شروطا و اسبابا ل» معلول «واحد لما مرت الاشارة اليه من ان الاسباب المختلفة بما هي مختلفة لا تكون اسبابا لواحد» لعدم معقولية صدور الواحد من الكثير بما هو كثير، و لا بد من رجوع الكثير الى واحد لوجوب التسانخ بين العلة و المعلول، كما مرّ بيانه مفصّلا في مبحث الواجب التخييري.

31

لذلك، فلا بد من تداخل الاسباب فيه، فيما لا يتأكد المسبّب، و من التداخل فيه فيما يتأكد (1).

فصل‏

[مفهوم الوصف‏]

[حجة مفهوم الوصف و المناقشة فيها]

الظاهر أنه لا مفهوم للوصف و ما بحكمه مطلقا، لعدم ثبوت الوضع، و عدم لزوم اللغوية بدونه، لعدم انحصار الفائدة به، و عدم قرينة أخرى‏

____________

(1) قد اشرنا الى هذا في أول المسألة و هو ان البحث في ان تعدد الشرط و اتحاد الجزاء هل يقتضي عدم التداخل أو التداخل السببي و المسببي، انما هو فيما اذا امكن ان يتعدد وجود الجزاء.

اما فيما اذا لم يمكن ان يتعدد وجوده فلا مجال لهذا البحث أصلا.

و لا يخفى ان الجزاء ربما لا يكون قابلا للتأكد كما اذا ارتد و قتل في وقت واحد، فان الجزاء و هو وجوب القتل لا يتأتى فيه التأكد، و كما اذا عقد الوكيل و الموكل عقد بيع لشخص واحد على مملوك واحد، فان الحاصل من مجموع العقدين ملكية واحدة للمشتري و هي غير قابلة للتأكد، و لا بد فيه من القول بالتداخل في السبب، و الى هذا اشار بقوله: «و اما فيما لا يكون قابلا لذلك» أي بأن لا يكون الجزاء قابلا للتعدد «فلا بد من تداخل الاسباب فيما لا يتأكد المسبب» فان وجوب القتل و الملكية غير قابل للتأكد.

و ربما يكون الجزاء قابلا للتأكد و ان كان غير قابل للتعدد، كما فيما اذا وردت النجاسة على النجاسة، بأن وقع في البئر بعير فمات و وقع المسكر فيها أيضا، فان النجاسة قابلة للتأكد و حينئذ لا بد من القول بالتأكد في المسبب، اذ مهما امكن ان يكون للسبب تأثير و لو بنحو التأكد فلا وجه للعدول عنه، و الى هذا أشار بقوله:

«و من التداخل فيه» أي في المسبب «فيما يتأكد» أي فيما كان المسبب قابلا للتأكد كالنجاسة مثلا.

32

ملازمة له (1)، و علّيته فيما إذا استفيدت غير مقتضية له، كما لا يخفى، و مع كونها بنحو الانحصار و إن كانت مقتضية له، إلا أنه لم يكن من‏

____________

(1) من الامور التي ادعي دلالتها- مضافا الى الثبوت عند الثبوت- على الانتفاء عند الانتفاء هو الوصف و ما بحكمه، و الوصف كقوله: في السائمة زكاة بأنه يدل على ثبوت الزكاة عند ثبوت السوم، و على انتفاء الزكاة عند انتفاء السوم، فهو يدل على عدم الزكاة في المعلوفة لا انه ساكت عن الدلالة عليها، و المراد مما بحكم الوصف هو مثل قوله: لئن يمتلئ بطن الانسان قيحا خير من ان يمتلئ شعرا، فان الامتلاء كناية عن الكثرة، فلهذا الكلام دلالة على المنع عن كثرة قول الشعر، و عدم المنع عن قول الشعر قليلا.

و اتضح من قوله الوصف و ما بحكمه ان المراد من الوصف هو الوصف النحوي، و هو العنوان المنطبق على الذات باعتبار تلبسها بالمبدإ.

و على كل فالاقوال في دلالة الوصف و ما بحكمه على المفهوم و عدمه ثلاثة:

قول بدلالته على المفهوم مطلقا سواء كان الوصف قد ذكر لكونه علة للحكم بأن استفيدت عليته من قرينة، او لم يكن كذلك بان لم تقم قرينة على ذكره لأجل كونه علة.

و قول بالتفصيل بين كون الوصف قد ذكر لبيان كونه علة للحكم فيدل على المفهوم، و بين كونه لم يذكر لذلك فلا يدل على المفهوم.

و قول بعدم دلالة الوصف مطلقا على المفهوم و هو مختار المصنف، و يكفي سندا لهذا القول عدم صحة ما استدل به للدلالة على المفهوم اطلاقا او تفصيلا.

و قد استدل للقول بدلالة مفهوم الوصف بأدلة:

الأول: دعوى كون الوصف موضوعا للدلالة على العلية المنحصرة، و هي تستلزم الثبوت عند الثبوت و الانتفاء عند الانتفاء.

33

.....

____________

و يردها ان الوضع انما يثبت بالتبادر او بتنصيص اهل اللغة و من الواضح انه لا يتبادر من الوصف العلية المنحصرة للحكم، و لو كان المتبادر منه ذلك لكان استعماله في غيرها كالعلية غير المنحصرة مجازا يحتاج الى ملاحظة العلاقة و العناية عند الاستعمال، و بالوجدان لا نرى استعمالا في مقام الوصف في غير العلة المنحصرة في انفسنا ملاحظة علاقة او عناية.

و اما تنصيص اهل اللغة فممنوع لعدم تنصيص من اللغويين على ذلك، مضافا الى منع حجية قول اللغوي بما هو لغوي على الوضع، و ليس للغوي الا بيان مواقع الاستعمال، و الى هذا أشار بقوله: «لعدم ثبوت الوضع».

الثاني: من أدلة القائلين بمفهوم الوصف، هو انه لو لم يدل الوصف على كونه العلة المنحصرة للحكم للزم اللغوية، و من الواضح انه يمنع اللغوية على الحكيم، و اما ان الوصف لو لم يكن هو العلة المنحصرة للحكم لزم اللغوية فلانه لو لم يكن مثلا وصف السوم هو العلة المنحصرة لثبوت الزكاة للسائمة و كانت الزكاة ثابتة لمطلق الإبل سائمة أو معلوفة لكان ذكر السوم في قوله: في السائمة زكاة قد كان ذكر لا لغاية و لا لدخل له في ثبوت الزكاة، و ليست اللغوية الا ذكر العنوان من دون غاية و داع لذكره، فكون الوصف للانحصار و عدم اللغوية متلازمان، و لازمه ان عدم كونه للانحصار و اللغوية متلازمان أيضا، و حيث قد عرفت ان اللغوية محال على الحكيم فما يلزم منه المحال محال أيضا.

فاتضح انه لا بد من كون ذكر الوصف لداعي الانحصار المستلزم للمفهوم، فان المستلزم للمفهوم ليس إلا كون العلة للحكم علة منحصرة، فان لازمها الثبوت عند الثبوت للعلية و الانتفاء عند الانتفاء للانحصار.

و يرده عدم لزوم اللغوية لو لم يكن الوصف علة منحصرة للحكم، لعدم انحصار الفائدة في ذكره في العلية المنحصرة، فان ذكره ربما يكون لاجل ان السائل قد علم‏

34

.....

____________

حكم غيره، كما لو كان عالما بحكم المعلوفة و جاهلا بالسائمة فذكر الشارع السائمة لإعلامه بالحكم، لا لأجل كون السوم علة منحصرة.

و ربما يكون لان السائل لم يكن عنده معلوفة، و كل ما عنده سائمة فذكر السوم لانه هو الموجود عند السائل.

و ربما يكون لأجل مزيد الاهتمام، فان الاكرام اذا كان شاملا للعالم و الجاهل لكن العالم له مزيد الاهتمام في الاكرام، لا لأنه علة منحصرة له، و الى هذا أشار بقوله: «و عدم لزوم اللغوية بدونه» أي بدون انحصار العلية، بمعنى انه لا تنحصر الفائدة في العلية المنحصرة حتى يكون الوصف اذا لم يكن علة منحصرة يلزم اللغوية «لعدم انحصار الفائدة» لذكره «به» أي بالانحصار.

الثالث: من الادلة على كون الوصف ذا مفهوم ما أشار اليه بقوله: «و عدم قرينة أخرى ملازمة له» و حاصله: ان الوصف و ان لم يكن موضوعا للانحصار و لا يلزم اللغوية لو لم يكن للانحصار، إلّا ان الاطلاق يقتضي العلية المنحصرة في الوصف و هو المراد بالقرينة الاخرى الملازمة.

و تقريبه ان المولى حيث كان في مقام البيان لما له دخل في ترتب الحكم، فلو كان غير هذا الوصف له دخل فيه لكان على المولى بيانه، و حيث لم يبينه فلا بد و ان يكون ما له الدخل منحصرا في الوصف و إلّا لكان مخلا بغرضه.

و يرده اولا: انه انما يتم هذا حيث يحرز ان المولى في مقام بيان ما له الدخل في ترتب الحكم، لإمكان ان لا يكون الداعي الى الوصف ذلك، بل ذكر الوصف لمجرد التعريف الى ما هو موضوع للحكم.

و ثانيا: لو سلمنا ذلك و لكن دخالة الوصف في ترتب الحكم لا يلازم العلية المنحصرة للحكم، لجواز تعدد العلل لهذا الحكم، فان قوله: اكرم زيدا العالم كما يجوز ان يكون للعلم دخل في وجوب اكرامه يمكن أيضا ان يكون كونه جيرانا للمولى موجبا لإكرامه، او كونه محسنا على المولى موجبا لإكرامه أيضا، فلا يكون المولى‏

35

مفهوم الوصف، ضرورة أنه قضية العلية الكذائية المستفادة من القرينة عليها في خصوص مقام، و هو مما لا إشكال فيه و لا كلام، فلا وجه لجعله تفصيلا في محل النزاع، و موردا للنقض و الابرام (1).

____________

مخلا بغرضه لو لم يكن الوصف للانحصار، فلا اطلاق يقتضي كون الوصف علة منحصرة، نعم لو احرز ان المولى في مقام بيان كل ما له الدخل، و لم يذكر غير الوصف لدل على العلية المنحصرة.

و بالجملة: ان دلالته على العلية المنحصرة لا بد فيه من احرازين: احراز كون المولى في مقام بيان ما له الدخل، و احراز كونه في مقام بيان كل ما له الدخل.

(1) هذا تعرض للتفصيل في المقام، و حاصله: ان الظاهر ان الوصف اذا كان احترازيا فان معنى كونه احترازيا انه احتراز عن غير ما له الدخل في ترتب الحكم، و الى هذا يرجع قولهم ان الوصف مشعر بالعلية، و الظاهر أيضا ان يكون الوصف بعنوانه الخاص احترازيا، و مع تمامية المقدمتين تثبت العلية المنحصرة، لانه بكونه احترازيا تثبت العلية، و بكونه بعنوانه الخاص كذلك يثبت الانحصار، فانه لو لم يكن بعنوانه الخاص علة لكانت العلة هي الجامع دون العنوان الخاص و هو خلاف الظاهر أيضا.

نعم يتوقف هذا القول على احراز ان القيد قد ذكر لأجل الاحتراز، و لعل هذا هو مراد المفصل بان الوصف اذا استفيدت عليته دل على المفهوم و إلّا فلا يدل، فانه بعد اثبات ان الداعي لذكر القيد الاحترازية يدل على العلية و كونه بعنوانه الخاص يدل على الانحصار و لعله أيضا الى هذا يرجع التفصيل بين الوصف المعتمد على الموصوف في دلالته على المفهوم دون الوصف غير المعتمد فانه لا مفهوم له، فاكرم زيدا العالم له مفهوم بخلاف اكرم العالم فانه لا مفهوم له، بتقريب انه بعد ذكر الموصوف يكون احتمال كون الوصف للتعريف ضعيفا، و يقوى كون الداعي لذكره هو الاحتراز فيكون له مفهوم، فانه بعد قوله أكرم زيدا يضعف احتمال كون ذكر

36

.....

____________

العالم للتعريف و يتمحض للاحترازية، بخلاف ما اذا لم يذكر زيد فانه يحتمل قويا او احتمالا مساويا كون ذكر العالم للتعريف و الاشارة الى زيد لا للاحتراز، فاكرم العالم لا مفهوم له لعدم قرينة على الاحترازية المستلزمة للعلية.

و يرده، اولا: ان هذا التفصيل انما يتم حيث تحرز العلية و كون القيد للاحتراز.

و ثانيا: ان غاية ما ذكر كون الوصف له دخل أما انه علة منحصرة فلا موجب له، لأن كون الوصف بعنوانه الخاص وصفا لا يقتضي الانحصار إلّا اذا كان الوصف هو المؤثر، لعدم إمكان صدور الواحد عن المتعدد. أما لو كان له دخل فيما له التأثير فلا يتأتى الدليل المذكور، كما انه قد دل الدليل على كون وصف الكثرة للماء له دخل في تأثيره في الاعتصام، و وصف الجريان أيضا له دخل في عاصميته، و قد أشار الى هذين الايرادين بقوله: «فيما اذا استفيدت غير مقتضية له» فبقوله: «فيما اذا استفيدت» أشار الى الأول و ان مجرد ذكر الوصف ما لم يحرز انه لأجل الاحتراز لا تستفاد علية الوصف، و الى الثاني بقوله: «غير مقتضية له».

نعم اذا قامت القرينة الخاصة على ان الوصف علة للحكم و انها منحصرة دلت الجملة الوصفية على المفهوم، و لكن على هذا يكون الدال على المفهوم هي القرينة الخاصة دون الوصف بما هو وصف، و لا يصح ان يكون هذا الكلام تفصيلا في المقام، و الى هذا اشار بقوله: «و مع كونها بنحو الانحصار» أي و مع قيام القرينة على كون الوصف علة منحصرة «و ان كانت مقتضية له» أي مقتضية للدلالة على المفهوم «إلّا انه لم يكن من مفهوم الوصف» لكون الدال على المفهوم هي القرينة الخاصة دون الوصف «ضرورة انه قضية العلة الكذائية» أي المنحصرة «المستفادة من القرينة عليها في خصوص مقام» من المقامات التي تقوم فيه القرينة الخاصة فيه على ذلك «و هو مما لا اشكال فيه و لا كلام فلا وجه لجعله تفصيلا في محل النزاع و موردا للنقض و الابرام».

37

و لا ينافي ذلك ما قيل من أن الاصل في القيد أن يكون احترازيا، لان الاحترازية لا توجب إلا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضية، مثل ما إذا كان بهذا الضيق بلفظ واحد، فلا فرق أن يقال: جئني بإنسان أو بحيوان ناطق (1)، كما أنه لا يلزم في حمل المطلق على المقيد، فيما وجد شرائطه إلا ذلك، من دون حاجة فيه إلى دلالته على المفهوم، فإنه من المعلوم أن قضية الحمل ليس إلا أن المراد بالمطلق هو المقيد، و كأنه لا يكون في البين غيره (2)، بل ربما قيل إنه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ

____________

(1) حاصله: انه لا حاجة الى قيام قرينة خاصة على كون القيد للاحتراز، بل هناك قرينة عامة على ذلك فان الأصل في القيد الاحترازية، و هذا الأصل اما ان يرجع الى دعوى بناء العقلاء على ذلك او الى كون الاطلاق يقتضي الاحترازية، و لذا شاع ان الأصل في القيد هو الاحتراز.

و يرده: ان هذا خلط بين ما له الدخل في شخص الحكم و بين ما يقتضي المفهوم، فان كون الاصل في القيد ان يكون احترازيا معناه ان الأصل يقتضي ان يكون القيد أو الوصف له دخل في شخص ذلك الحكم، و المفهوم انما هو حيث يكون للوصف دخل في سنخ الحكم كما مر تفصيله.

و بعبارة اخرى: انه لا اشكال في ان الوصف له دخل في تحقق الموضوع الخاص لذلك الحكم، و لا دلالة له على ان حقيقة الحكم بما هي حقيقة الحكم مربوطة بذلك الوصف، مثلا اذا قال المولى جئني بحيوان ناطق، فان الناطقية تدل على ان الموضوع لهذا الوجوب هو الانسان، و لا دلالة له على ان كلي وجوب المجي‏ء منحصر و مقيد بالانسان، و هذا مراده من قوله: «لأن الاحترازية لا توجب إلّا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضية ... الى آخر الجملة».

(2) لا يخفى ان هذا من جملة أدلة القائلين بمفهوم الوصف مطلقا، فيكون ذكر التفصيل في البين اقحاما له بين ادلتهم.

38

.....

____________

و حاصله: انه لو لم يكن الأصل في الوصف او القيد هو الاحتراز و العلية لما كان اللازم فيما اذا كان لنا مطلق و مقيد ان نحمل المطلق على المقيد، فان الحمل المذكور انما هو لأجل ان للوصف مفهوما ناشئا من دلالته على العلية المنحصرة.

و توضيحه: ان الوصف في المطلق الدال على انتفاء الحكم عند انتفاء المطلق لا ينافي المنطوق في المقيد، و لكن المفهوم في المقيد ينافي المنطوق في المطلق، مثلا قوله:

أعتق الرقبة المملوكة شامل لعتق الرقبة المملوكة كافرة أو مؤمنة، و يدل على انتفاء العتق عن غير المملوك، و لكن قوله: اعتق الرقبة المؤمنة يدل على انتفاء العتق عن غير المؤمنة، و هذا ينافي الحكم في المطلق الشامل للكافرة و المؤمنة، اما لو لم نقل بالمفهوم فلا يكون ثبوت الحكم للمقيد منافيا للحكم الثابت لمنطوق المطلق.

و يرده، اولا: ان السبب في حمل المطلق على المقيد هو العلم بوحدة الحكم، و أنه اما هو الحكم في المطلق او أنه هو الحكم في المقيد، و حيث ان المقيد اقوى حجة فرفع اليد عن المقيد رفع يد عن الحجة بحجة اضعف منها، بخلاف المطلق فانه رفع يد عن الحجة فيه بالحجة الأقوى.

و بعبارة أخرى: انه بعد العلم بأن الحكم واحد و هو احدهما فيدور الأمر فيهما بين التعيين و التخيير فانه لو كان الحكم هو حكم المطلق فالأخذ بالمقيد أخذ بالمطلق أيضا لأن المقيد أحد أفراد المطلق، فان عتق الرقبة المؤمنة عتق لمطلق الرقبة، بخلاف الأخذ بالمطلق ليس أخذا بالمقيد، فان عتق الرقبة الكافرة ليس أخذا بالمقيد، فبالأخذ بالمقيد تبرأ الذمة قطعا، فلذا يحملون المطلق على المقيد و يأخذون بالمقيد و يرون ان القيد قد ورد لتضييق دائرة الموضوع في المطلق لا لأجل المفهوم، و الى هذا اشار بقوله: «كما انه لا يلزم في حمل المطلق على المقيد فيما وجد شرائطه» التي سيأتي بيانها في مبحث المطلق و المقيد التي من جملتها كون الحكم دالا على الوجوب «الا ذلك» و هو تضييق دائرة الموضوع للحكم «من دون حاجة فيه الى دلالته على‏

39

المفهوم، فإن ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور المطلق في الاطلاق، كي يحمل عليه، لو لم نقل بأنه الاقوى، لكونه بالمنطوق، كما لا يخفى (1).

و أما الاستدلال على ذلك أي عدم الدلالة على المفهوم- بآية

وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ‏

ففيه أن الاستعمال في غيره أحيانا مع القرينة مما لا يكاد ينكر، كما في الآية قطعا، مع أنه يعتبر في دلالته عليه عند القائل بالدلالة، أن لا يكون واردا مورد الغالب كما في الآية (2)،

____________

المفهوم فان من المعلوم ان قضية الحمل ليس إلّا ان المراد بالمطلق هو المقيد» لأجل العلم بكون الحكم فيهما واحدا فيكون القيد لتضييق دائرة الموضوع لا للمفهوم.

(1) هذا هو الايراد الثاني، و حاصله: انه لو كان حمل المطلق على المقيد لأجل المفهوم في المقيد لما كان له وجه، لأن التنافي كما عرفت انما هو بين مفهوم المقيد و منطوق المطلق، فظهور المطلق في الاطلاق منطوقي و ظهور المقيد في المفهوم المنافي لمنطوق المطلق ظهور مفهومي، و الظهور المنطوقي أقوى من الظهور المفهومي، و ان لم يكن أقوى فلا أقل من تساوي الظهورين، فلا وجه لتقديم ظهور المقيد في المفهوم على ظهور المطلق في الاطلاق، و انما نسبه الى القيل لان تقديم الظهورات بعضها على بعض مرتبط بما هو أظهر في الدلالة، و ليس كون الظهور منطوقيا موجبا للاظهرية، فقد يكون مفهوم أقوى من منطوق، و على كل فقد أشار الى ما ذكرنا بقوله: «ربما قيل انه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ المفهوم فان ظهوره فيه» أي ان ظهور المقيد في المفهوم «ليس بأقوى من ظهور المطلق في الاطلاق ... الى آخر الجملة».

(2) قد عرفت انه يكفي في انكار مفهوم الوصف هو عدم تمامية ما استدل به على دلالته على المفهوم، و لكن بعض القائلين بعدم المفهوم في الوصف استدلوا لعدم دلالة الوصف على المفهوم بالآية المباركة و هي قوله تعالى: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ‏ (1) فان قوله اللاتي في حجوركم هو وصف للربائب، فلو كان للآية دلالة

____________

(1) النساء: الآية: 23

40

.....

____________

على مفهوم الوصف لدلت على انتفاء الحرمة عما عدا الربيبة التي تكون في حجر زوج أمها، فلا تكون الربيبة التي ليست في حجره بمحرمة عليه، و الحال انه من المعلوم المسلم ان الربيبة التي ليست في الحجر أيضا محرمة، فتكون لهذه الآية- بناء على المفهوم- منافاة لما دل على حرمة الربيبة التي ليست في الحجر، بخلاف ما اذا لم يكن للوصف مفهوم، فان الحرمة في هذه الآية و ان كانت مختصة بالتي في الحجر إلّا انه لا تدل على انتفاء الحرمة عن غيرها، فلا تكون الآية منافية للدليل الدال على حرمة الربيبة التي ليست في الحجر.

و يرده، أولا: ان القائل بالمفهوم لا يدعي انحصار استعمال الوصف في المفهوم، بل يدعي ان الوصف المجرد عن القرينة يدل على العلية المنحصرة المستلزمة للمفهوم، و اما استعمال الوصف احيانا في العلية غير المنحصرة بل في مطلق الثبوت عند الثبوت لا مانع منه اذا قامت القرينة عليه، و قد قامت القرينة الخارجية على ان الحكم في الآية لا يختص بالربيبة التي في الحجر، و الى هذا أشار بقوله: «ففيه ان الاستعمال في غيره أحيانا مع القرينة ... الى آخر الجملة».

و ثانيا: ان القائلين بدلالة الوصف على المفهوم يشترطون في دلالته على ذلك ان لا يكون الوصف واردا مورد الغالب، و الوصف الوارد مورد الغالب لا يدل عندهم على المفهوم، و لا إشكال ان وصف الربيبة بكونها في الحجر هو من الوصف الوارد مورد الغالب، لان الغالب في الربيبة ان تكون تابعة لأمها فتكون في حجر زوج أمها، و الى هذا أشار بقوله: «مع انه يعتبر في دلالته» أي في دلالة الوصف على المفهوم «عند القائل بالدلالة» أي بدلالة الوصف على المفهوم «ان لا يكون» أي الوصف «واردا مورد الغالب كما في الآية» فانه وارد مورد الغالب فيها كما هو واضح لما عرفت.

41

و وجه الاعتبار واضح، لعدم دلالته معه على الاختصاص، و بدونها لا يكاد يتوهم دلالته على المفهوم (1)، فافهم (2).

____________

(1) حاصله: ان وجه اشتراط القائلين بمفهوم الوصف ان لا يكون واردا مورد الغالب ان الوصف الوارد مورد الغالب لا ظهور له في العلية المنحصرة، فلا يدل على المفهوم و هو ما عن الفخر الرازي، و حاصله:

ان معنى كونه واردا مورد الغالب ان الفرد الكثير الشائع للموصوف هو المتصف بذلك الوصف، و غير المتصف بذلك من افراد الموصوف شاذ نادر و الشاذ و النادر ملحق بالمعدوم، فكأن الوصف الوارد مورد الغالب يكون مساويا في الوجود للموصوف، و من الواضح انه لا دلالة للوصف على المفهوم لأنه بانتفاء الوصف المساوي ينتفي الموضوع، و انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه ليس من الدلالة المفهومية، و الى هذا أشار بقوله: «و وجه الاعتبار واضح» أي وجه اعتبار كون الوصف غير وارد مورد الغالب في دلالته على المفهوم واضح «لعدم دلالته معه على الاختصاص» أي لعدم دلالة الوصف مع كونه واردا مورد الغالب على انه إنما ذكر لكونه علة منحصرة للحكم يختص الحكم بها دون غيرها، فان كونه غالبا يجعله كالوصف المساوي و هو لا دلالة له على المفهوم كما عرفت و لذا قال: «و بدونها» أي و بدون الاختصاص المستفاد من العلية المنحصرة «لا يكاد يتوهم دلالته» أي دلالة الوصف «على المفهوم».

(2) لعله إشارة الى ما يرد على ما ذكره الرازي، فانه يرد عليه:

أولا: انه لا ملازمة بين كونه شاذا نادرا ملحقا بالمعدوم و بين كونه وصفا غير غالب، لأنه يكفي في كونه غالبا ان يكون أكثر، و ليست القلة دائما ملازمة للندرة الملحقة بالعدم.

و ثانيا: انه مع تسليم كونه شاذا نادرا يكون كالوصف المساوي إلّا ان هذا انما يمنع عن الدلالة على المفهوم حيث يكون المناط في دلالة الوصف على المفهوم هو لزوم‏

42

[تحرير محل النزاع‏]

تذنيب: لا يخفى أنه لا شبهة في جريان النزاع، فيما إذا كان الوصف أخص من موصوفه و لو من وجه، في مورد الافتراق من جانب الموصوف، و أما في غيره، ففي جريانه إشكال أظهره عدم جريانه، و إن كان يظهر مما عن بعض الشافعية، حيث قال: قولنا في الغنم السائمة زكاة، يدل على عدم الزكاة في معلوفة الابل جريانه فيه (1)، و لعل وجهه‏

____________

اللغوية، فانه اذا كان الوصف واردا مورد الغالب لا يكون ذكره لغوا، لأنه يكون كإعادة و تأكيد الموضوع، و قد عرفت ان بعض القائلين بالمفهوم يقولون به لتبادر العلية المنحصرة منه و مع كونه متبادرا اليه، و الدلالة فيه وضعية لا يختلف حالها في الوصف الوارد مورد الغالب و غيره.

و ثالثا: انه لو كان الورود مورد الغالب موجبا لكونه كالوصف المساوي و الحاق النادر بالمعدوم، لكان ذلك موجبا للانصراف الى خصوص الوصف الوارد مورد الغالب، و لازمه اختصاص الحكم به و هذا ينافي ما أراده المشترطون له، فانهم يقولون انه لا مفهوم له و الحكم يعم الوصف و غيره، فتأمل.

(1) ينبغي بيان النسبة بين الوصف و الموصوف ليتبين ما هو داخل في النزاع و ما هو خارج عنه.

فان كانت النسبة بينها التساوي كالضاحك و الانسان، أو كان الوصف أعم كالماشي بالنسبة الى الانسان، فان الماشي أعم من الانسان لعدم صدق الانسان من دون الماشي و صدق الماشي من دون الانسان. و لا ينبغي دخول هذين في محل النزاع لأن المفهوم انتفاء سنخ الحكم عن الموضوع، فلا بد اذا من ثبوت الموضوع و انتفاء الوصف لظهور ثمرة النزاع في دلالة القضية الوصفية على انتفاء سنخ الحكم عن الموضوع- بناء على المفهوم- و عدم دلالتها على الانتفاء عند انتفاء الوصف، و فيما اذا كان الوصف مساويا أو اعم لا ثبوت للموضوع عند انتفاء الوصف حتى يكون داخلا في محل النزاع.

43

.....

____________

و اما اذا كان الوصف أخص من الموصوف كالكريم بالنسبة الى الانسان، فلا اشكال في دخوله في محل النزاع لثبوت الموضوع من دون الوصف و هو الانسان غير الكريم. و اما اذا كان بين الوصف و الموصوف عموم من وجه كالغنم السائمة، فانه تارة يصدق السوم و هو الوصف من دون الغنم كما في الابل السائمة، و أخرى يصدق الموصوف من دون الوصف كما في الغنم المعلوفة، و ثالثة ينتفي الوصف و الموصوف كما في الابل المعلوفة.

فان كان الافتراق من جانب الوصف كما في الابل السائمة فليس من المفهوم.

نعم اذا قلنا بأن العلة للحكم المستقلة في العلية من دون دخالة للموضوع فيه هو السوم، فتدل القضية على ثبوت الزكاة في الابل السائمة، و تدل القضية أيضا على انتفاء الزكاة في الابل المعلوفة كما سيأتي بيانه في وجه ذهاب بعض الشافعية الى دلالة القضية المذكورة على انتفاء الزكاة في الابل المعلوفة.

و ان كان الافتراق من جانب الموصوف كما في الغنم المعلوفة فلا اشكال في دخولها في محل النزاع لثبوت الموضوع و انتفاء الوصف، و الحال فيه كالحال في الوصف الأخص مطلقا في انه ان قلنا بالمفهوم فيدل على انتفاء الحكم عن الغنم المعلوفة، و ان قلنا بعدم المفهوم فلا دلالة على انتفاء الحكم عنها و تكون القضية الوصفية ساكتة عن ذلك.

و ان كان الافتراق من جانب الوصف و الموصوف كما في الابل المعلوفة ففي دخوله في محل النزاع خلاف، الاقوى عدم دخوله في محل النزاع، لأنه مع انتفاء الموضوع و الوصف معا لا يكون انتفاء الحكم مسببا عن انتفاء الوصف، بل من باب انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، و ذهب بعض الشافعية الى دخوله في محل النزاع، فيدل قوله في الغنم السائمة زكاة على انتفاء الزكاة عن الابل المعلوفة بناء على دلالة القضية الوصفية على المفهوم، و قد أشار المصنف الى جريان النزاع في الوصف الأخص من الموصوف كأكرم العالم، و الوصف الأخص منه من وجه فيما اذا كان‏

44

استفادة العلية المنحصرة منه. و عليه فيجري فيما كان الوصف مساويا أو أعم مطلقا أيضا، فيدل على انتفاء سنخ الحكم عند انتفائه (1)،

____________

الافتراق من جانب الموصوف كما في الغنم المعلوفة بقوله: «انه لا شبهة في جريان النزاع فيما اذا كان الوصف أخص من موصوفه و لو من وجه في مورد الافتراق من جانب الموصوف» و هذه العبارة تشمل القسمين الأخص مطلقا و مورد الافتراق من جانب الموصوف، و قد أشار بقوله: «و أما في غيره ففي جريانه اشكال» الى ان مورد الافتراق من جانب الوصف و الموصوف كالإبل المعلوفة الأظهر عدم جريان النزاع فيه، و لذا قال: «أظهره عدم جريانه» و الى ان بعض الشافعية يقول بدخوله في محل النزاع بقوله: «و ان كان يظهر مما عن بعض الشافعية حيث قال قولنا في الغنم السائمة زكاة يدل على عدم الزكاة في معلوفة الابل جريانه فيه» و قوله: «جريانه فيه» هذا فاعل يظهر: أي يظهر جريان النزاع في معلوفة الابل.

(1) قد عرفت ان انتفاء الحكم بانتفاء الموضوع ليس من محل النزاع، و لكن يمكن ان يكون وجه قول بعض الشافعية بدلالته في الغنم السائمة زكاة على انتفاء الزكاة عن معلوفة الابل هو استفادة كون السوم علة مستقلة منحصرة للحكم، فانه اذا كانت العلة المستقلة المنحصرة للحكم هو السوم فلا بد من دلالة ذلك على انتفاء الزكاة عن الابل المعلوفة.

و الفرق بين هذا و بين القول بالمفهوم في الأخص مطلقا هو انه في الاخص مطلقا الوصف علة منحصرة لثبوت الحكم للموضوع، و في هذا الوصف علة منحصرة للحكم من دون مدخلية اضافته الى الموضوع، فاذا كان الوصف هو العلة المستقلة المنحصرة للحكم من دون دخالة اضافته الى الموضوع، فتكون القضية دالة على المفهوم في حال انتفاء الموضوع، و يكون من انتفاء سنخ الحكم لعدم دخالة الموضوع في الحكم أصلا، و على هذه الاستفادة فيكون انتفاء الحكم في الوصف المساوي كالمتعجب و الوصف الأعم من موصوفه كالماشي عند انتفاء الوصف كما في الحيوان‏

45

فلا وجه للتفصيل بينهما و بين ما إذا كان أخص من وجه، فيما إذا كان الافتراق من جانب الوصف، بأنه لا وجه للنزاع فيهما، معللا بعدم الموضوع، و استظهار جريانه من بعض الشافعية فيه، كما لا يخفى، فتأمل جيدا (1).

____________

و الحجر من الدلالة المفهومية، و الانتفاء عند الانتفاء لان لازم كون الوصف بنفسه من دون دخالة الموضوع علة مستقلة منحصرة للحكم هو ثبوت المفهوم، و دلالته على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف و لو انتفى الموضوع، و الى هذا اشار بقوله: «و لعل وجهه استفادة العلية المنحصرة منه» بالنحو الذي ذكرنا من كون الوصف هو العلة المنحصرة للحكم بنفسه من دون دخالة للموضوع أصلا، و على هذا فيكون الوصف دالا على المفهوم و لو كان مساويا أو أعم من الموصوف، و لذا قال: «و عليه فيجري» أي فيجري النزاع حتى «فيما كان الوصف مساويا أو أعم مطلقا أيضا فيدل على انتفاء سنخ الحكم عند انتفائه» أي عند انتفاء الوصف بناء على القول بالمفهوم و لا اختصاص لانتفاء الحكم في المقام و هو انتفاء الوصف في العموم من وجه في مورد الافتراق من جانب الوصف و الموصوف كما في الابل المعلوفة.

(1) هذا تعريض لما يظهر من صاحب التقريرات من تفصيله بين الوصف المساوي و الوصف الأعم مطلقا، و بين مورد الافتراق من جانب الوصف و الموصوف كالابل المعلوفة- باختيار خروج الاولين عن محل النزاع معللا للخروج بكون انتفاء الحكم فيهما لأجل انتفاء الموضوع و هو ليس من الدلالة المفهومية.

و اما في الافتراق من جانب الوصف و الموصوف كانتفاء الزكاة عن الابل المعلوفة فلم يظهر منه خروجه عن محل النزاع بل ظاهره دخوله في محل النزاع، لأنه قال يظهر من بعض الشافعية جريان النزاع فيه، و لو كان يرى خروجه لصرح بعدم صحة دخوله في محل النزاع.

46

[مفهوم الغاية]

فصل هل الغاية في القضية تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية، بناء على دخول الغاية في المغيى، أو عنها و بعدها، بناء على خروجها،

____________

و بعد الاحاطة بما ذكرناه يظهر بوضوح عدم صحة هذا التفصيل من التقريرات، لأنه ان كان الوصف علة مستقلة و منحصرة لثبوت الحكم من دون دخالة لأضافته للموضوع، فلا فرق بين الوصف المساوي و الأعم و الافتراق من جانب الوصف و الموصوف، و يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف و هو من انتفاء سنخ الحكم بناء على دلالته على المفهوم، و لا فرق بين الاقسام الثلاثة أصلا و ان كان الوصف علة منحصرة لثبوت الحكم لموضوعه، و ان انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه ليس من الدلالة المفهومية، فكما يخرج عن محل النزاع الوصف المساوي و الأعم من موصوفه لكون انتفاء الحكم فيه بانتفاء الموضوع لا للمفهوم، كذلك يخرج مورد افتراق الوصف و الموصوف عن محل النزع أيضا لنفس العلة المذكورة، و لا يكون انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه من الدلالة المفهومية فلا وجه للتفصيل بين المساوي و الاعم و مورد الافتراق من جانب الوصف و الموصوف، و الى هذا اشار بقوله: «فلا وجه في التفصيل بينهما» أي بين الوصف المساوي و الاعم مطلقا «و بين ما اذا كان الافتراق من جانب الوصف» و الموصوف كالابل المعلوفة «بأنه لا وجه للنزاع فيهما» أي في الوصف المساوي و الاعم «معللا» لخروجها عن محل النزاع «بعدم الموضوع» عند انتفاء الوصف المساوي و الاعم، و لكنه مع هذا التعليل ذكر «استظهار جريانه» أي جريان النزاع عن «بعض الشافعية فيه» أي في مورد الافتراق من جانب الوصف و الموصوف، و كلامه هذا ظاهر في الفرق بينهما و بين مورد الافتراق من الوصف و الموصوف، و قد عرفت عدم الفرق بينهما، فاما ان تدخل الانحاء الثلاثة جميعها في محل النزاع، و اما ان تخرج كلها عنه.

47

[الفرق بين كون الغاية قيدا للحكم أو للموضوع‏]

أولا (1)؟ فيه خلاف، و قد نسب إلى المشهور الدلالة على الارتفاع، و إلى جماعة منهم السيد و الشيخ، عدم الدلالة عليه.

و التحقيق: إنه إذا كانت الغاية بحسب القواعد العربية قيدا للحكم، كما في قوله: كل شي‏ء حلال حتى تعرف أنه حرام، و كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنه قذر، كانت دالة على ارتفاعه عند حصولها، لانسباق ذلك منها، كما لا يخفى، و كونه قضية تقييده بها، و إلا لما كان ما جعل غاية له بغاية، و هو واضح إلى النهاية (2).

____________

(1) لا يخفى ان الغاية ربما تكون لتحديد المسافة كقولنا سار الجيش ستين فرسخا من البصرة الى الكوفة، و ربما تكون لتحديد السير كقولنا سار الركب الى ان كلّت آباط الابل، و ثالثة يكون المراد من الغاية متلوّها الذي هو قيد للحكم او الموضوع و الظاهر ان محل الكلام في الدلالة على المفهوم و عدمه هو المعنى الثالث.

ثم لا يخفى ان البحث في هذا الفصل المعقود للغاية في موردين:

الأول: في دلالتها على المفهوم و عدمه.

الثاني: في ان الغاية هل هي داخلة في المغيّى او لا؟ أي ان متلوّ الغاية هل يكون مشمولا للحكم المنطوقي او خارجا عنه و قد اشار اليهما، فاشار الى كونها دالة على المفهوم أولا بقوله: «هل الغاية في القضية تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية» أو لا؟ و أشار الى كون الغاية داخلة في المغيا او لا بقوله: «بناء على دخول الغاية في المغيا» لأنه بناء على دخولها في المغيا تكون داخلة في المنطوق، و يكون الكلام في دلالة القضية الغائية على انتفاء الحكم عما بعد الغاية و عدم الدلالة، و بناء على خروج الغاية عن المغيا تكون خارجة عن المنطوق و تكون مما تدل القضية الغائية على انتفاء الحكم عنها بناء على دلالتها على المفهوم، و لذا قال: «أو عنها و بعدها بناء على خروجها».

(2) الأقوال في المسألة ثلاثة:

48

.....

____________

- الأول: دلالة القضية الغائية على المفهوم و انتفاء سنخ الحكم عما عدا الغاية مطلقا و هو المنسوب الى المشهور.

- الثاني: عدم دلالة القضية على الانتفاء مطلقا، و هو المنسوب الى السيد و الشيخ.

- الثالث: التفصيل و هو مختار المصنف، في ان الغاية ان كانت غاية للحكم دلت على المفهوم و انتفاء سنخ الحكم، و ان كانت غاية للموضوع فليس لها دلالة على الانتفاء فلا مفهوم لها، و قد اشار الى التفصيل بقوله: «و التحقيق ... الى آخر كلامه».

و توضيحه: ان الغاية في القضية ربما تكون بحسب القواعد العربية المتبعة غاية و قيدا للحكم كقوله كل شي‏ء حلال لك من النساء و الطيب حتى تعقد الاحرام، و عبارة المتن خالية عن قيد لك، و سيأتي في باب الاستصحاب ان قوله كل شي‏ء حلال حتى تعرف او كل شي‏ء طاهر حتى تعلم فيه اشكال، من حيث كون الغاية فيه غاية للحكم أو الموضوع، فلذلك زدنا قيد لك، فانه مما لا اشكال فيه عندهم انه قيد للحكم دون الموضوع.

و على كل فالغاية المتصلة بالحكم بعد تمام موضوعه فان ظاهرها في القواعد العربية كونها قيدا للحكم كالمثال المذكور، و اذا كانت متصلة بالموضوع فظاهر القواعد العربية انها من قيوده لا من قيود الحكم، و اذا كانت الغاية قيدا للحكم فلا بد من ارتفاعه بارتفاع غايته و قيده، و لازم هذا انتفاء الحكم عما عدا المغيّى.

فان قلت: ان المنشأ شخص الحكم و تقييده لا يقتضي إلّا ارتفاعه لا ارتفاع سنخ الحكم، و قد عرفت ان المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه.

قلت: لا شبهة في ان المنشأ هو شخص الحكم، لان الحكم المنشأ هو الحكم المضاف الى موضوع ما فانه من الأمور النسبية التعلّقية، فتصوره تصور ما هو مضاف و مقيد فتشخصه لا ينفك عنه، و المنشأ هو هذا الحكم المتشخص المضاف الى شي‏ء

49

و أما إذا كانت بحسبها قيدا للموضوع، مثل سر من البصرة إلى الكوفة، فحالها حال الوصف في عدم الدلالة، و إن كان تحديده بها بملاحظة حكمه و تعلق الطلب به، و قضيته ليس إلا عدم الحكم فيها إلا

____________

و المنسوب الى موضوع ما، الّا ان المدعي للمفهوم يقول: ان الغاية لم تكن قيدا له بما هو متشخص بل هي قيد له بما هو طبيعة الحكم و سنخه، و هذه هي دعوى المفهوم في القضية الشرطية، فان الوجوب المنشأ فيها و ان كان متشخصا إلّا ان مدعي المفهوم فيها يقول في ان الحرف دال على العلية المنحصرة للوجوب بما هو وجوب و هو السنخ و لازمه ثبوت المفهوم، فان العلية المنحصرة لشخص الحكم لا تستلزم المفهوم بل لا فائدة في بيان كونها منحصرة أو غير منحصرة له، لأن انتفاءه بانتفاء موضوعه المتشخص به عقلي لا ريب فيه، فاذا كان الوضع او الاطلاق مفيدا للعلية المنحصرة فلا بد و ان تكون لطبيعي الحكم و سنخه لا لذات الحكم المضاف و شخصه.

و قد أشار المصنف الى دليلين على ثبوت المفهوم للغاية التي هي غاية للحكم:

الأول: التبادر و ان المتبادر من الغاية التي هي قيد للحكم هو انتفاء سنخ الحكم عما عدا المغيى، و الى هذا اشار بقوله: «كانت دالة» أي الغاية «على ارتفاعه» أي على ارتفاع الحكم «عند حصولها» أي عند حصول الغاية، فان الحلية الظاهرية المقيدة بأن غايتها هي المعرفة ترتفع بحصول المعرفة، و كذلك الطهارة المقيدة بحصول العلم ترتفع بحصول العلم بالقذارة «لانسباق ذلك منها» أي لانسباق ارتفاع الحكم بالحلية و بالطهارة بمجرد المعرفة و العلم فان العرف يتبادر من قوله كل شي‏ء حلال لك حتى تعرف أو كل شي‏ء طاهر لك حتى تعلم ارتفاع الحلية بالمعرفة و الطهارة بالعلم.

الثاني: الخلف، و حاصله: انه اذا كانت الغاية غاية لطبيعي الحلية و الطهارة فلا بد من ارتفاع هذا الطبيعي عند حصول الغاية، و لو كان الطبيعي ثابتا مع حصول الغاية لما كانت الغاية غاية و نهاية لامد تحققه، و الى هذا اشار بقوله: «و كونه قضية تقييده بها ... الى آخر الجملة».

50

بالمغيا، من دون دلالة لها أصلا على انتفاء سنخه عن غيره (1)، لعدم ثبوت وضع لذلك، و عدم قرينة ملازمة لها و لو غالبا، دلت على‏

____________

(1) حاصله: ان الغاية اذا كانت بحسب القواعد العربية من قيود الموضوع كقوله السير من البصرة الى الكوفة واجب أو سر من البصرة الى الكوفة، فان الغاية في المثالين من قيود الموضوع دون الحكم لأنها متصلة به. أما في المثال الأول فواضح، و أما في المثال الثاني فان الوجوب المستفاد من الهيئة متعلق بالسير الذي هو من البصرة الى الكوفة، و هذا يقتضي كون الابتداء و الانتهاء من قيود السير دون الوجوب، و اذا كانت الغاية قيدا للموضوع فلا تزيد على كونها وصفا و قيدا له، و ان الحكم متعلق بهذا الموضوع الموصوف و المقيد بهذه الغاية، و قد تقدم عدم دلالة الوصف على المفهوم و انه لا دلالة له على انتفاء سنخ الحكم بانتفاء هذا الموضوع الموصوف بالغاية، و ان هذا التحديد انما يوجب ثبوت الحكم لهذا المحدود و لا دلالة له على أكثر من ذلك، و هو ساكت عن انتفاء طبيعي الحكم عن غير هذا الموضوع و لا دلالة له على انتفاء طبيعي الحكم عن غير هذا الموضوع.

و بعبارة اخرى: ان تحديد الموضوع بالغاية انما يدل على ان شخص هذا الحكم ثابت لهذا المعنى بهذه الغاية، فان الوجوب المتعلق بالسير قد دل تقييده بالغاية على ان هذا الوجوب ثابت للسير المحدود بالحدين، فالغاية قد حددت المتعلق لهذا الوجوب و ان شخص هذا الوجوب ثابت للمغيا بهذه الغاية دون غيره، إلّا ان المفهوم انما هو انتفاء سنخ الوجوب، فشخص هذا الوجوب الثابت لهذا الموصوف بالغاية و ان كان ينتفي بانتفاء الغاية إلّا انه ليس من المفهوم في شي‏ء كما عرفت، لان المفهوم هو انتفاء السنخ دون الشخص فما لم يكن التحديد لنفس الوجوب كما في الغاية الراجعة الى الحكم لا تدل القضية الغائية على انتفاء سنخ الوجوب عما عدا المغيى، بل يكون حكم الغاية الراجعة الى الموضوع حكم الوصف المضيق لدائرة الموضوع و لا تزيد على الوصف بشي‏ء أصلا، و القضية الوصفية لا تدل على المفهوم‏