بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج6

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
404 /
1

[تكملة المقصد السادس فى الامارات‏]

[الاستدلال بالاخبار على حجية خبر الواحد]

فصل في الاخبار التي دلت على اعتبار الأخبار الآحاد. و هي و إن كانت طوائف كثيرة، كما يظهر من مراجعة الوسائل و غيرها (1)، إلا أنه يشكل‏

____________

(1) لا يخفى ان الاخبار الدالة على حجية خبر الواحد طوائف، منها ما دل على حجية خبر الثقة.

و لا يخفى ان المراد من الثقة في المقام هو خبر غير العادل الامامي المأمون الكذب، بان يكون معروفا بصدق اللهجة او كان عدلا لا يفعل الكبائر و لا يصر على الصغائر و لكنه ليس بامامي، كالاخبار الدالة على جواز الاخذ بروايات بني فضال كقوله (عليه السّلام): (خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا) (1) و بنو فضال فطحية فهم ليسوا شيعة امامية، فان المراد من الشيعي الامامي هو المعترف بالأئمة الاثني عشر باسمائهم، و عليه فلا يكونون عدولا بالمعنى الاخص، لان العادل بحسب اصطلاحنا الخاص هو الشيعي الإمامي ذو الملكة الرادعة عن الكبائر و الاصرار على الصغائر.

و منها: ما دل على حجية خبر الشيعي مثل مكاتبة علي بن سويد يقول فيها (عليه السّلام): (لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا، فانك ان تعديتهم اخذت دينك من الخائنين ...) (2).

و منها: ما دل على حجية خبر العادل كالروايات الدالة على الاخذ من العمري و ابنه، و قوله (عليه السّلام) مشيرا الى زرارة: (فعليك بهذا الجالس) (3) بعد ان قال له السائل: من اين آخذ معالم ديني؟

و لا يخفى ان اخص هذه الطوائف الثلاث هو خبر العادل.

____________

(1) بحار الانوار ج 2، ص 252.

(2) بحار الانوار ج 2، 82.

(3) بحار الانوار ج 2، ص 246.

2

الاستدلال بها على حجية الأخبار الآحاد بأنها أخبار آحاد، فإنها غير متفقة على لفظ و لا على معنى، فتكون متواترة لفظا أو معنى (1).

و لكنه مندفع بأنها و إن كانت كذلك، إلا أنها متواترة إجمالا، ضرورة أنه يعلم إجمالا بصدور بعضها منهم (عليهم السّلام) (2)، و قضيته و إن كان‏

____________

(1) حاصل الاشكال: انه لا يصح الاستدلال لحجية اخبار الآحاد باخبار الآحاد، و لا بد ان يكون الدليل على حجية شي‏ء مفروغا عن حجيته، و المفروض ان الكلام في حجية اخبار الآحاد، فلا يعقل ان تكون هذه الاخبار بعد ان كانت اخبار آحاد دليلا على حجية اخبار الآحاد لانه غير مفروغ عن حجيتها، مضافا الى لزوم الدور في خصوص الاستدلال بها لحجية اخبار الآحاد، لان الاستدلال بها موقوف على حجيتها، و حجيتها موقوفة على حجية خبر الواحد، و اذا كانت هي الدليل لحجية خبر الواحد كانت حجية خبر الواحد موقوفة عليها، فتكون حجيتها موقوفة على حجيتها، لتوقف حجيتها على حجية خبر الواحد الموقوف على حجيتها، و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «بانها اخبار آحاد» فلا يصح الاستدلال بها لحجية خبر الواحد، و ليست متواترة حتى لا تكون اخبار آحاد فلا يلزم الدور، و حجية المتواتر من الاخبار مفروغ عن حجيته لانه مما يوجب العلم و العلم حجة لا تحتاج الى جعل لان المتواتر ما اتفق على لفظ واحد أو معنى واحد، و هذه الاخبار غير متفقة على لفظ واحد و لا على معنى واحد فهي غير متواترة لا لفظا و لا معنى، و الى هذا اشار بقوله: «فانها غير متفقة ... الى آخر الجملة».

(2) هذا هو الجواب عن هذا الاشكال، و حاصله: ما تقدم من ان التواتر على انحاء ثلاثة:

التواتر اللفظي: و هو اخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب بخبر يتفقون على روايته بالفاظه كما في رواية الاعمال بالنيات.

و التواتر المعنوي: و هو اتفاقهم على معنى واحد و ان اختلفت الالفاظ الدالة عليه.

3

حجية خبر دل على حجيته أخصها مضمونا إلا أنه يتعدى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية، و قد دل على حجية ما كان أعم (1)،

____________

و التواتر الاجمالي: و هو اخبار جماعة غير متفقين على لفظ واحد و لا على معنى واحد، و لكنه يعلم بواسطة كثرة هؤلاء المخبرين ان بعض هذه الاخبار صادر قطعا، و هذه الطوائف الكثيرة مما يعلم اجمالا بصدور بعضها، فهي و ان لم تكن متواترة لفظا و لا معنى و لكنها متواترة اجمالا، و الى هذا اشار بقوله: «و لكنه» أي هذا الاشكال عليها بانها اخبار آحاد «مندفع بانها و ان كانت كذلك» أي غير متواترة لفظا و لا معنى «إلّا انها متواترة اجمالا ... الى آخر الجملة».

(1) حاصله: ان لازم التواتر الاجمالي هو الاخذ باخص هذه الاخبار مضمونا، لان اخصها هو الذي يعلم بصدوره اما بنفسه او في ضمن ما هو اعم منه، و مختار المصنف و المشهور هو حجية خبر الثقة، فالدليل يكون اخص من المدعى لان اخص هذه الاخبار هو خبر العادل، فهو المتواتر اجمالا و هو اخص من خبر الثقة.

و الجواب عنه: انه بعد ان كان خبر العادل حجة قطعا لتواتره اجمالا، و من الواضح ايضا ان معنى حجيته هو الاخذ بمضمونه، و قد دل خبر العادل مثل الذي دل على الاخذ بروايات بني فضال على حجية خبر الثقة، و لا فرق في حجية خبر العادل في مضمونه بين ان يكون حكما من الاحكام أو حجية خبر من الاخبار، فخبر العادل الدال على الاخذ برواية بني فضال يدل على حجية خبر الثقة لوضوح عدم الخصوصية لبني فضال من دون ساير الثقات، و الى هذا اشار بقوله: «و قضيته» أي و قضية التواتر الاجمالي «و ان كان حجية خبر دل على حجيته اخصها مضمونا» و هو خبر العادل الامامي «إلّا انه يتعدى عنه» الى غيره و هو خبر الثقة «فيما اذا كان بينها» أي بين الاخبار «ما كان بهذه الخصوصية» بان كان خبر عادل «و قد دل» خبر هذا العادل «على حجية ما كان اعم» من خبر العادل و هو

4

فافهم (1).

____________

حجية خبر الثقة، فيكون التواتر الاجمالي دليلا على حجية خبر العادل، و خبر العادل يكون دليلا على حجية خبر الثقة الذي هو اعم من العادل.

(1) لعله اشارة الى ما يمكن ان يتوهم بان اثبات حجية خبر الثقة بخبر العادل الذي ثبتت حجيته بالتواتر الاجمالي يستلزم الدور، لان حجية خبر العادل موقوفة على التواتر الاجمالي، و التواتر الاجمالي موقوف على الطوائف الثلاث التي من جملتها الطائفة التي تضمنت حجية خبر الثقة، فاذا توقفت حجية خبر الثقة على خبر العادل لكونه على الفرض هو الدليل على حجية خبر الثقة كانت حجية خبر العادل موقوفة على ما يتوقف على حجية خبر العادل، لانها متوقفة على التواتر المتوقف على ما دل على حجية خبر الثقة، و قد قلنا ان حجية خبر الثقة موقوفة على حجية خبر العادل.

و يرده: ان هذا التوهم اشبه بالمغالطة لان حجية خبر العادل موقوفة على وجود الطائفة المتضمنة لحجية خبر الثقة لا على حجية خبر الثقة، و حجية خبر الثقة- لا وجوده- موقوف على حجية خبر العادل، فاختلف الموقوف و الموقوف عليه، فان حجية خبر الثقة متوقفة على حجية خبر العادل و حجية خبر العادل غير متوقفة على حجية خبر الثقة بل على وجوده.

و يمكن ان يكون اشارة الى انه لا داعي الى دعوى التواتر الاجمالي في مجموع الطوائف الثلاث، بل يمكن دعوى التواتر الاجمالي في نفس الطائفة الدالة على حجية خبر الثقة كما ادعى ذلك صاحب الرسائل (قدس سره)، و انها و ان لم تكن هذه الطائفة متواترة لفظا او معنى و لكنها متواترة اجمالا للعلم بصدور بعضها.

5

[تقرير الاجماع على حجية الخبر من وجوه:]

فصل في الاجماع على حجية الخبر. و تقريره من وجوده (1):

[الوجه الاول: دعوى الاجماع القولي‏]

أحدها: دعوى الاجماع من تتبع فتاوى الاصحاب على الحجية من زماننا إلى زمان الشيخ، فيكشف رضاه (عليه السّلام) بذلك، و يقطع به، أو من تتبع الاجماعات المنقولة على الحجية (2)، و لا يخفى مجازفة هذه‏

____________

(1) لا يخفى انه سيذكر وجوها ثلاثة لتقرير الاجماع، و ثالثها هو استقرار سيرة العقلاء، و اطلاق الاجماع على السيرة انما هو لاجتماعها مع الاجماع الاصطلاحي في الكشف عن جعل الشارع لحجية الخبر.

و الفرق بينها و بين الاجماع القولي و العملي هو انهما لو تمّا لكشفا عن نفس جعل الشارع من دون واسطة، و السيرة انما تكشف عن الامضاء لعمل العقلاء و لازمه هو اعتبار حجية الخبر عنده.

(2) و هذه الدعوى ترجع الى وجهين: الوجه الاول: دعوى الاجماع المحصّل الحاصل من تتبع فتاوى العلماء من زماننا الى زمان الشيخ (قدس سره) و يحصل من هذا التتبع القطع برضاء الامام (عليه السّلام) من باب الحدس، فهو اجماع محصّل على طريقة الحدس.

الوجه الثاني: هو حصول الاجماع المستلزم لرضا الامام (عليه السّلام) من باب الحدس، لا بسبب التتبع لنفس الفتاوى من العلماء بحجية الخبر، بل السبب للقطع بحصول هذا الاجماع المستلزم للقطع برضا الامام هو تظافر الاجماعات المنقولة على حجيته بحيث يحصل من تظافرها القطع بتحقق الاجماع المحصّل الحدسي، و هو يستلزم رضاء الامام (عليه السّلام).

و قد اشار الى الوجه الاول بقوله: «دعوى الاجماع من تتبع فتاوى الاصحاب على الحجية ... الى آخر الجملة». و قوله (قدس سره): «و يقطع به» اشار الى انه من الاجماع الحدسي.

6

الدعوى، لاختلاف الفتاوى فيما أخذ في اعتباره من الخصوصيات، و معه لا مجال لتحصيل القطع برضائه (عليه السّلام) من تتبعها، و هكذا حال تتبع الاجماعات المنقولة (1)، اللهم إلا أن يدعى تواطؤها على الحجية في الجملة، و إنما الاختلاف في الخصوصيات المعتبرة فيها، و لكن دون إثباته خرط القتاد (2).

____________

و الى الوجه الثاني اشار بقوله: «او من تتبع الاجماعات المنقولة».

و ينبغي ان لا يخفى انه اذا لم يحصل الاجماع المحصل من تتبع الاجماعات المنقولة فلا يصح دعوى كون الاجماع المنقول دليلا على حجية الخبر، لما مرّ من ان الوجه في دعوى حجيّة الاجماع المنقول هو حجية الخبر، فلا يعقل ان يكون ما يتوقف حجيّته على حجية الخبر يكون دليلا على حجية الخبر، لانه دور واضح.

(1) الوجه في هذه المجازفة هو انه يرد على تقرير الاجماع بالوجه الاول ان فتاوى العلماء غير متفقة على حجية الخبر الواحد بمضمون واحد، فان بعضهم ادعى الاجماع على حجية خبر الثقة، و بعضهم ادعى الاجماع على حجية خبر العادل المعدّل بعدل واحد، و بعضهم ادعى الاجماع على حجية خبر الواحد المعدّل بعدلين.

و مثله يرد على تقريره بالوجه الثاني، فان الاجماعات المنقولة لم تتفق على مضمون واحد، فان بعضهم نقل الاجماع على حجية خبر الثقة، و بعضهم نقله على حجية خبر العادل.

و حيث ان الاجماع المدعى في المقام من الاجماع القولي فلا بد من الاتفاق على لفظ واحد او معنى واحد، و قد عرفت الاختلاف لفظا و معنى ... فلا وجه لدعوى الاجماع بكلا وجهيه، و الى هذا اشار بقوله: «و معه لا مجال لتحصيل القطع برضائه ... الى آخر الجملة».

(2) حاصل هذه الدعوى ان اختلاف الفتاوى أو نقل الاجماع و ان لم يحصل منه الاجماع المحصّل على حجية خبر الثقة او حجية خبر العادل المعدّل بعدل واحد، الا

7

.....

____________

انه يحصل منه القطع بحجية اخص ما دلت عليه هذه الفتاوى و الاجماعات المنقولة، و هو حجية خبر العادل المعدّل بعدلين، و يكون حالها حال دعوى التواتر الاجمالي في طوائف الاخبار المتقدمة، فيكون المتحصّل منهما هو حجية الخبر في الجملة و هو اخصّها، فانها على الاخص متفقة، و انما الاختلاف بينها في ما زاد على ذلك، و هذا هو مراده من قوله: «إلّا ان يدعى تواطؤها على الحجية في الجملة ... الى آخر عبارته».

و الجواب عن هذه الدعوى: انه فرق بين التواتر الاجمالي في طوائف الاخبار المتقدمة، و بين فتاوى العلماء و الاجماعات المنقولة في المقام، فان اللفظ الدال على معنى اعم المحكى في الاخبار المتقدمة دال على الاخص، لوضوح دخول الفرد الاخص في المضمون الدال على معنى أعم، بخلاف المقام فان المفتي لحجية خبر الثقة لعله لا يقول بحجية خبر العادل، لاحتمال انه انما اقام على حجية خبر الثقة دليلا بحيث لو لم تتم دلالته او اختلت حجيته لما قال بحجية خبر العادل، لعدم قيام دليل عنده على حجية خبر العادل.

نعم لو علم من المفتين او ممن نقل عنهم الاجماع انهم يقولون بحجية الاخص على كل حال لكان حال دعوى الاجماع في المقام مع اختلاف المضامين حال الطوائف الثلاث، و يكون المتحصل منها قيام الاجماع المحصل الحدسي على حجية الخبر الاخص، و لكن انى لنا بهذا العلم؟ و قد اشار الى ذلك بقوله: «و لكن دون اثباته» أي دون اثبات التواطؤ على الحجية في الجملة الراجعة الى حجية الاخص مضمونا «خرط القتاد».

8

[الوجه الثاني: دعوى الاجماع العملي‏]

ثانيها: دعوى اتفاق العلماء عملا- بل كافة المسلمين- على العمل بخبر الواحد في أمورهم الشرعية، كما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها (1).

و فيه: مضافا إلى ما عرفت مما يرد على الوجه الاول، أنه لو سلم اتفاقهم على ذلك، لم يحرز أنهم اتفقوا بما هم مسلمون و متدينون بهذا

____________

(1) الفرق بين هذه الدعوى للاجماع و بين الدعوى الاولى له هي ان الدعوى الاولى هي دعوى الاجماع القولي، و هذه الدعوى الثانية هي دعوى الاجماع العملي.

و الفرق بين دعوى الاجماع العملي و دعوى الاجماع بالنحو الثالث- و هو السيرة العقلائية و عمل العقلاء- ان الاجماع العملي هو عمل العلماء و المسلمين بما هم علماء و بما هم مسلمون، فاذا تم فهو كاشف عن جعل الامام (عليه السّلام) و اعتباره للخبر الواحد بما ان الامام إمام لعلماء الدين و هم المطلعون على رأيه و بما انه رئيس للمسلمين، و المسلمون رعيته يتبعونه متابعة المرءوس للرئيس، بخلاف عمل العقلاء بما هم عقلاء، فانه انما يكشف عن امضاء الشارع لعملهم و إلّا لردعهم.

و على كل فحاصل هذه الدعوى هو الاجماع عملا من العلماء بما هم علماء و من المسلمين بما هم مسلمون على الاخذ بخبر الواحد في امورهم الشرعية و احكامهم، كما يظهر من تصريح المفتين في مستند فتواهم انهم انما افتوا لوجود خبر واحد دل على هذه الفتوى.

و قد اشار الى كونه من الاجماع العملي لا القولي بقوله: «دعوى اتفاق العلماء عملا» و الى عمل المسلمين بما هم مسلمون بقوله: «بل كافة المسلمين» و ان مورد اتفاقهم هو العمل منهم في امورهم الشرعية ليكون كاشفا عن جعل الشارع لحجية الخبر الواحد لهم في الاحكام الشرعية بقوله: «في امورهم الشرعية» و الى ان سبب العلم بالاتفاق العملي للعلماء- بما هم علماء- هو فتاواهم المصرحين بان المستند فيها هي اخبار الآحاد بقوله: «كما يظهر ... الى آخر الجملة».

9

الدين، أو بما هم عقلاء و لو لم يلزموا بدين، كما هم لا يزالون يعملون بها في غير الامور الدينية من الامور العادية، فيرجع إلى ثالث الوجوه (1)، و هو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الاديان و غيرهم على العمل بخبر الثقة، و استمرت إلى زماننا، و لم يردع عنه نبي و لا وصي نبي،

____________

[للمصنف (قده) على الوجه الثاني في تقرير الاجماع إيرادان‏]

(1) اورد المصنف على هذا الوجه في تقرير الاجماع إيرادين:

الاول: هو ما اورده على التقرير الاول، و هو ان عمل العلماء غير متفق على ملاك واحد، فان عمل بعضهم مستند الى اعتبار خبر الثقة، و عمل بعضهم بحجية خبر العادل او خصوص المعدل بعدلين.

و الثاني: ان العمل دليل صامت، و كما يحتمل ان يكون عملهم يستند الى سيرة المتشرعة و انهم يعملون بما هم متشرعة حتى تتصل بعمل الشارع نفسه، يحتمل ايضا ان يكون مستندهم في عملهم بناء العقلاء و سيرتهم بما هم عقلاء على العمل بخبر الواحد الممضاة من قبل الشارع و لو بعدم الردع، فيرجع هذا الوجه الى الوجه الثالث الآتي في تقرير الاجماع.

و قد اشار اليهما بقوله: «و فيه مضافا الى ما عرفت مما يرد على الوجه الاول» من منع اتفاقهم على امر واحد في عملهم «انه لو سلم اتفاقهم على ذلك» أي لو سلم اتفاقهم في مقام العمل على امر واحد و هو الاخذ بخبر الثقة مثلا إلّا انه «لم يحرز انهم اتفقوا» على العمل به «بما هم مسلمون و متدينون بهذا الدين» حتى تكون سيرتهم سيرة متشرعية «او» انهم انما اتفقوا على العمل به لانهم عقلاء، فان العقلاء «بما هم عقلاء و لو لم يلتزموا بدين» يعملون بخبر الثقة «كما» ان العقلاء بما «هم» عقلاء «لا يزالون يعملون بها» أي بهذه السيرة العقلائية «في غير الامور الدينية من الامور العادية».

و على هذا الاحتمال «فيرجع» تقرير الاجماع على هذا الوجه الثاني «الى» تقريره على «ثالث الوجوه».

10

[الوجه الثالث: دعوى استقرار سيرة العقلاء]

ضرورة أنه لو كان لاشتهر و بان، و من الواضح أنه يكشف عن رضا الشارع به في الشرعيات أيضا (1).

____________

(1) هذا هو الوجه الثالث في تقرير الاجماع على حجية خبر الواحد، و هو ما عرفت من دعوى بناء العقلاء و سيرتهم بما هم عقلاء على الاخذ بخبر الثقة، و هي مستمرة من زمان النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و اوصيائه (عليهم السّلام) بل من قبل زمانهم من أزمنة الاديان السابقة على الاسلام، و هذه السيرة بمرأى منه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و من اوصيائه (عليهم السّلام)، و لم يردع عنها لا هو و لا أوصياؤه عليهم الصلاة و السلام جميعا، و عدم ردعهم دليل على امضائهم لهذه السيرة العقلائية و إلّا لردعوا، و لو ردعوا لاشتهر ردعهم لان متعلق الردع من اعظم موارد الابتلاء، و كلما زاد الامر اهمية توفرت الدواعي لنقله، و لم ينقل عنهم- (صلوات اللّه عليهم)- ردع عن هذه السيرة العقلائية، فيكون من الواضح كشف عدم الردع من الشارع عن هذه السيرة عن رضاء الشارع بها في الشرعيات، لان اخذ العقلاء لا يختلف حاله في امور معاشهم و معادهم، و من الواضح ايضا انه لا يحتمل ان يكون عدم الردع من الشارع لمانع يمنع عن الردع.

فتلخص ان تقرير الاجماع على هذا الوجه يبتني على مقدمات ثلاث:

- بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة مطلقا، و هو محرز بالوجدان قطعا.

- و عدم الردع منهم (عليهم السّلام) و هو محرز ايضا و إلّا لنقل و اشتهر مع وجود الداعي الى الردع لفرض ان عمل العقلاء مطلق حتى في امورهم الدينية، فهم يعتبرون خبر الثقة منجزا لو اصاب و معذرا لو خالف، فهو عندهم طريق الى الاحكام الواقعية، و لا شبهة ان تنجيز أحكام الشرع بهذا الطريق و التعذير عند المخالفة لها لو لم يكن ممضى عند الشارع لردع عنه بما هو مشرع لاحكام يريد امتثالها و لا يرضى بمخالفتها، فانه من البديهي ان للشارع احكاما واقعية فعلية يريد امتثالها و لا يرضى بمخالفتها.

11

إن قلت: يكفي في الردع الآيات الناهية، و الروايات المانعة عن اتباع غير العلم، و ناهيك قوله تعالى:

وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏

، و قوله تعالى:

وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً

(1).

____________

- و ان هذا الردع منهم (عليهم السّلام) لا مانع منه بحيث لو لم يكن مرضيا و ممضى عندهم لردعوا عنه، و هو محرز ايضا، اذ لا يحتمل احتمالا عقلائيا ان هناك مانعا عن ردعهم عن هذه السيرة العقلائية.

و مع تمامية هذه المقدمات يتضح حجية خبر الثقة بامضاء الشارع لعمل العقلاء القائم على الاخذ بخبر الثقة.

و قد اشار المصنف الى ما ذكرنا جميعا بقوله: «دعوى استقرار سيرة العقلاء ...

الى آخر عبارته».

(1) حاصله: ان المقدمة الثانية ممنوعة و هي عدم الردع عن هذه السيرة.

و لا يخفى ان الردع كما يكون بدليل خاص كأن يقول لا تأخذ بخبر الثقة، او لا تاخذ بعمل العقلاء في اخذهم بخبر الثقة في امور دينك- كذلك يمكن ان يكون الردع بما هو اعم، بان يردع عن اتباع عنوان عام من جملة مصاديقه الاخذ بهذه السيرة العقلائية، و الردع و ان لم يصل الينا بعنوان خاص في مقام المنع عن الاخذ بها، إلّا انه قد وصلنا الردع بعنوان عام من جملة مصاديقه هذه السيرة.

و بيان ذلك: انه لا اشكال في كون خبر الثقة الذي قامت سيرة العقلاء على الاخذ به لا يوجب علما، لان احتمال خطأ الثقة في نقله على الاقل موجود، و مع هذا الاحتمال لا يكون خبره موجبا للعلم، و غاية ما يقتضيه خبر الثقة هو الظن، و قد وردت الآيات الناهية عن اتباع غير العلم و عن الاخذ بالظن، فخبر الثقة بعنوانين قد ورد الردع عنه، بعنوان كونه من غير العلم، و بعنوان كونه مما يوجب‏

12

قلت: لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك، فإنه- مضافا إلى أنها وردت إرشادا إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين، و لو سلم فإنما المتيقن لو لا أنه المنصرف إليه إطلاقها هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة (1)- لا يكاد يكون الردع بها إلا على وجه دائر، و ذلك‏

____________

الظن في قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1) و في قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* (2).

(1) حاصله: ان هذه الآيات لا تصلح رادعة عن السيرة لوجوه:

الاول: انها وردت في النهي عن اتباع غير العلم و عن العمل بالظن في خصوص اصول الدين كما مرت الاشارة الى هذا فيما سبق.

و لا يخفى ان هذه الآيات بناء على كونها مختصة باصول الدين تكون ارشادية لا مولوية، لحكم العقل بلزوم العلم في ما يرجع الى اصول الدين، و مع حكم العقل بذلك يكون النهي الشرعي ارشادا اليه.

مضافا الى ان اصول الدين كالاعتقاد بوجود واجب الوجود عزّ و جل و وحدانيته و صفاته و نبوة انبيائه (عليهم السّلام) لا يعقل ان يكون الامر الوارد بلزوم العلم فيها او النهي عن اتباع غير العلم او عن العمل بالظن فيها مولويا، لان مولوية الامر معناها هو الامر من الشارع بما هو مولى و مشرع، و يتوقف ذلك على الفراغ عن الاعتقاد به بما هو كذلك، و كون المورد اصول الدين لازمه فرض عدم المفروغية عن ذلك، الّا ان يقال ان المولوية و كونه شارعا منوط بكونه كذلك واقعا لا بالاحراز و الاعتقاد.

و لكنه يمكن ان يقال: ان الامر أو النهي المولوي عن اتباع غير العلم لا يعقل ان يتوجه الى العبد في حال علمه لحصول الغرض، و لا في حال الشك لعدم امكان‏

____________

(1) الاسراء: الآية 36.

(2) يونس: الآية 36.

13

لان الردع بها يتوقف على عدم تخصيص عمومها، أو تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة، و هو يتوقف على الردع عنها بها، و إلا لكانت مخصصة أو مقيدة لها، كما لا يخفى (1).

____________

محركية الامر أو رادعيّة النهي للشاك في وجود المولى الآمر أو الناهي، فالعقل هو المرشد بلزوم الفحص في أي حال دون الامر و النهي.

و على كل فقد اتضح ان الامر و النهي الواردين في اصول الدين لا بد و ان يكونا للارشاد، و قد اشار (قدس سره) الى ان هذه النواهي ارشادية و ان موردها اصول الدين بقوله: «فانه مضافا الى انها وردت ارشادا ... الى آخر الجملة».

الثاني: ان هذه الآيات العامة الناهية الشاملة لاصول الدين و للظن الذي ليس بحجة عند العقلاء لو كانت شاملة ايضا للظن الذي بنى العقلاء على حجيته كخبر الثقة لكانت بالنسبة الى اصول الدين او الظن غير الحجة عند العقلاء امضائية، لحكم العقل في عدم كفاية الظن و غير العلم فيهما، و بالنسبة الى الظن الذي بنى العقلاء على حجيته تأسيسيّة لإلغائها حجية ما بنى عليه العقلاء، و الجمع بين كونها تاسيسيّة في مورد و امضائية في مورد آخر بعيد جدا، فهي اما امضائية او تاسيسيّة.

و حيث ان موردها اصول الدين فلا بد و ان تكون امضائية لا تاسيسيّة، و لازم هذا ان تكون هذه النواهي اما ان يكون القدر المتيقن منها هو اتباع غير العلم في اصول الدين و في خصوص الظن غير الحجة عند العقلاء، او انه بواسطة ورودها في مورد الامضائية يكون المنصرف منها عند اطلاقها ذلك، و لا تشمل الظن الذي بنى العقلاء على حجّيّته كخبر الثقة، و الى هذا اشار بقوله: «و لو سلّم فانما المتيقن منها لو لا انه المنصرف اليه اطلاقها ... الى آخر الجملة».

(1) هذا هو الوجه الثالث، توضيحه: انه فرق بين الدليل الخاص الدال على الردع عن العمل بالسيرة العقلائية و بين الدليل العام الذي من جملة ما يدل عليه الردع عن‏

14

.....

____________

السيرة كمثل الآيات الناهية، فان المدعى انها تدل على عدم اتباع غير العلم الذي من جملته السيرة القائمة على الاخذ بخبر الثقة.

و الوجه في ذلك ان الدليل الخاص حجيته في مقام الاثبات غير متوقفة على غير ان يكون له ظهور دلالي، و المفروض وجود الظهور و لا مانع عن الاخذ به الا وجود الناسخ له و المفروض عدمه، و كون السيرة بنفسها ناسخة له غير معقول حتى لو قلنا بجواز النسخ قبل حضور وقت العمل، لان ظهور النص الخاص في تخصيصه للسيرة اقوى من دلالة السيرة بالالتزام على نسخ النص الخاص، و لذا لا اظن ان يستشكل احد في تقديم النص الخاص الرادع عن العمل بالسيرة على السيرة.

و اما الردع للسيرة بالعموم فليس كذلك، لوضوح ان العموم الرادع انما تتم حجّيّته في مقام العمل به على اطلاقه و عمومه حيث لا يكون له مخصص أو مقيد، لما عرفت ان العام او المطلق حيث انهما في معرض التقييد و التخصيص فلا تتم حجتهما الفعليّة الا بعد عدم المخصص و المقيد، و كما يمكن ان تكون العمومات رادعة عن السيرة يمكن ايضا ان تكون السيرة مخصصة او مقيدة للعموم او الاطلاق.

فيلزم من كون العمومات رادعة للسيرة دور واضح، لان كون العمومات رادعة للسيرة يتوقف على الحجية الفعلية للعمومات المتوقفة على عدم تخصيصها، و عدم تخصيصها يتوقف على ان لا تكون السيرة مخصصة لها.

و من البيّن انه كما يمكن ان تكون العمومات رادعة للسيرة يمكن ايضا ان تكون السيرة مخصصة لها، فرادعية الآيات تتوقف على عدم تخصيصها بالسيرة، و عدم تخصيصها بالسيرة يتوقف على كونها رادعة للسيرة، و الّا لو لم تكن رادعة لكانت السيرة صالحة لتخصيصها، فرادعية الآيات تتوقف على رادعيتها و هو الدور. و الى هذا اشار بقوله: «لا يكاد يكون الردع بها» أي لا يكاد يكون الردع بالآيات للسيرة «الا على وجه دائر و ذلك لان الردع بها» حيث ان المفروض انها عمومات «يتوقف على عدم تخصيص عمومها او تقيد اطلاقها» لما عرفت من ان العام حيث‏

15

لا يقال: على هذا لا يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضا، إلا على وجه دائر، فإن اعتباره بها فعلا يتوقف على عدم الردع بها عنها، و هو يتوقف على تخصيصها بها، و هو يتوقف على عدم الردع بها عنها (1).

____________

انه في معرض التخصيص لا تتم حجيّته الفعلية، فكون هذه العمومات رادعة للسيرة القائمة على الاخذ بخبر الثقة يتوقف على عدم تخصيصها او عدم تقييدها «بالسيرة» القائمة «على اعتبار خبر الثقة» فان السيرة بما هي سيرة عقلائية صالحة لتقييد الاطلاق و تخصيص العموم «و هو يتوقف» أي و عدم تخصيص السيرة للعمومات يتوقف «على الردع عنها» أي عن السيرة «بها» أي بالآيات «و إلّا» أي لو لم تكن الآيات رادعة للسيرة «لكانت» السيرة «مخصصة» للعمومات الناهية «او مقيّدة لها».

فالرّدع بهذه الآيات يتوقف على عدم تخصيصها بالسيرة المتوقف على كونها رادعة للسيرة، فيتوقف الردع بها على ما يتوقف على الردع بها، و هو الدور.

(1) توضيحه: ان سيرة العقلاء بما هم عقلاء على شي‏ء ليست دليلا بنفسها، بل تتوقف حجيتها على عدم ردع الشارع عنها، فكون السيرة حجة تامة على الاخذ بخبر الثقة يتوقف على عدم الردع للسيرة، و الردع بالآيات للسيرة و ان كان دوريا كما عرفت إلّا ان حجيّة السيرة على الاخذ بخبر الثقة ايضا دوري، لان حجيّة السيرة تتوقف على عدم الردع لها بالآيات، و عدم الردع لها بالآيات يتوقف على تخصيصها للآيات الناهية، و الّا فالآيات لو لم تكن السيرة مخصصة لها لكانت رادعة عنها، فحجية السيرة على خبر الثقة تتوقف على عدم الردع لها، و عدم الردع لها بالآيات يتوقف على كون السيرة مخصصة للآيات، و الّا لكانت الآيات رادعة للسيرة لو لم تكن مخصصة بالسيرة، و تخصيص السيرة للآيات يتوقف على ان لا تكون الآيات رادعة لها، فحجية السيرة على خبر الثقة متوقفة على عدم الردع المتوقف على كون السيرة مخصصة للآيات المتوقف على عدم الردع لها بالآيات، فعدم الردع متوقف‏

16

فإنه يقال: إنما يكفي في حجيته بها عدم ثبوت الردع عنها، لعدم نهوض ما يصلح لردعها، كما يكفي في تخصيصها لها ذلك، كما لا يخفى (1)، ضرورة أن ما جرت عليه السيرة المستمرة في‏

____________

على ما يتوقف على عدم الردع، فكما ان الردع في الآيات يتوقف على الردع، كذلك عدم الردع في السيرة يتوقف على عدم الردع، فلا تكون الآيات رادعة و لا تكون السيرة حجة على خبر الثقة للزوم للدور في كليهما، و بالآخرة لا تكون السيرة دليلا تاما على حجية خبر الثقة لانه يلزم من كونها حجة عليه الدور، لما عرفت من توقفها على عدم الردع المتوقف على كونها مخصصة للآيات المتوقف ذلك على عدم ردع الآيات لها.

و الى هذا اشار بقوله: «على هذا لا يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة الا على وجه دائر فان اعتباره بها» أي ان اعتبار خبر الثقة بواسطة السيرة و كونها حجة عليه «فعلا يتوقف على عدم الردع بها» أي كون السيرة حجة فعلا على خبر الثقة يتوقف على عدم الردع بالآيات «عنها» أي عن السيرة «و هو يتوقف على تخصيصها بها» أي عدم الردع بالآيات للسيرة يتوقف على تخصيص الآيات بالسيرة، فضمير تخصيصها يرجع الى الآيات، و ضمير بها يرجع الى السيرة «و هو يتوقف على عدم الردع بها عنها» أي تخصيص الآيات بالسيرة يتوقف على عدم ردع الآيات للسيرة، فضمير بها يرجع الى الآيات، و ضمير عنها يرجع الى السيرة، فعدم الردع للسيرة المتقوم به حجيتها الفعلية على خبر الثقة يتوقف على كونها مخصصة للآيات، و كونها مخصصة يتوقف على عدم ردع الآيات لها و هو دور ايضا.

(1) توضيح الجواب عن هذا الاشكال و ان رداعية الآيات للسيرة دوري، بخلاف السيرة على الاخذ بخبر الثقة الذي لازمه تخصيص السيرة للآيات فانه غير دوري يتوقف على بيان امر:

17

.....

____________

و هو ان رادعية الآيات للسيرة لا بد فيه من وصوله و ثبوته، لان الردع الواقعي غير الواصل لا يكون مانعا عن حجية السيرة، فكون الآيات حجة بالفعل في ردعها للسيرة متوقف على وصول ردعها و ثبوته و ان تكون ظاهرة في الرادعية، و قد عرفت ان كون الآيات ظاهرة في الردع دوري، فلا ظهور لها بالفعل في الرادعيّة، فرادعيتها لا وصول لها بالفعل.

و اما حجية السيرة على الاخذ بخبر الثقة فقد عرفت انها متوقفة على الامضاء الذي يكفي في استكشافه عدم ثبوت الردع لا ثبوت عدم الردع، نعم لو كان استكشاف الامضاء متوقفا على ثبوت عدم الردع للزم الدور من الجانبين، لان اثبات عدم الردع لها الذي به يستكشف الامضاء يتوقف على ثبوت تخصيصها للآيات، و ثبوت تخصيص السيرة للآيات متوقف على ثبوت عدم ردع الآيات لها، اذ لو كانت رادعة لها لما كانت السيرة مخصصة لها بل كانت مردوعة بالآيات، و مع كونها مردوعة لا تكون حجة مخصصة، و قد عرفت ان العام لا يرفع اليد عن ظهوره في العموم إلّا بحجة اقوى منه تدل على تخصيصه، فيكون ردع الآيات للسيرة دوريا، و حجية السيرة على الاخذ بخبر الثقة- ايضا- دوريا.

اما لو كانت السيرة حجيتها لا تتوقف على ثبوت عدم الردع بل كانت متوقفة على عدم ثبوت الردع و به يتم استكشاف الامضاء و عدم الثبوت لا يحتاج الى ثبوت، فكون السيرة حجة لا يتوقف على ثبوت التخصيص و ثبوت عدم الردع، بل هو متوقف على عدم ثبوت الردع، و لما كان ردع الآيات للسيرة دوريا فردعها لها لم يثبت و هذا كاف في حجية السيرة و لا يحتاج الى اثبات.

و بعبارة اخرى: ان حجية الآيات في ردعها يتوقف على العلم بالردع، و حجية السيرة في الاخذ بخبر الثقة يتوقف على عدم العلم بالردع لا على العلم بعدم الردع، و لما كان الردع دوريا فلم يعلم به، و صرف عدم العلم به كاف في حجية السيرة، فما هو المناط في رادعية الآيات لم يثبت لاستلزامه الدور لانها متوقفة على ظهورها،

18

مقام الاطاعة و المعصية، و في استحقاق العقوبة بالمخالفة، و عدم‏

____________

و لا بد من ثبوت الظهور و وصوله بالعلم به، و حجية السيرة لا تتوقف على ثبوت ظهور ايضا يدل على عدم الردع حتى يكون الدور من الجانبين، بل يكفي في ثبوت حجية السيرة عدم العلم بالرادع لها، و عدم العلم لا يحتاج الى مثبت، فما يتوقف عليه حجية السيرة متحقق و هو عدم العلم بالرادع، و ما يتوقف عليه حجية الآيات في الرادعية هو الظهور و لا بد من تحققه بالعلم به.

و بعبارة اوضح: ان ما تتوقف عليه حجية الآيات في الرادعية امر وجودي لا بد من وصول المثبت له، و ما يتوقف عليه حجية السيرة امر عدمي يكفي فيه عدم الوصول و عدم العلم، فحجية السيرة على الاخذ بخبر الثقة شرطها متحقق، و حجية الآيات في ظهورها في الردع شرطها غير متحقق.

و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «فانه يقال» في مقام الجواب عن لزوم الدور في حجية السيرة على حجية خبر الثقة و انه غير مستلزم للدور بخلاف رادعية الآيات للسيرة فانه دوري كما تقدم انه «انما» لا يكون دوريا لانه «يكفي في حجّيّته» أي في حجية خبر الثقة «بها» أي بالسيرة هو «عدم ثبوت الردع عنها» أي عن السيرة و الامر العدمي لا يحتاج الى مثبت، و يكفي فيه عدم ثبوت الرادع و لو «لعدم نهوض ما يصلح لردعها» كالآيات فانها لا تصلح رادعة للسيرة لاستلزام ذلك الدور، و اذا كان ذلك كافيا في حجية السيرة و لا يستلزم دورا فالسيرة كما تكون حجة في الاخذ بخبر الثقة تكون مخصصة للآيات الناهية، فالآيات الناهية لا تصلح لردع السيرة، و السيرة تصلح لان تكون حجة على خبر الثقة و مخصصة للآيات الناهية، و الى هذا اشار بقوله: «كما يكفي في تخصيصها لها ذلك كما لا يخفى» أي كما ان عدم ثبوت الردع كاف في حجية السيرة على الاخذ بخبر الثقة كذلك عدم ثبوت الردع كاف ايضا في تخصيص السيرة للآيات، فضمير تخصيصها يرجع الى السيرة، و ضمير لها يرجع الى الآيات الناهية عن اقتفاء غير العلم و عن العمل بالظن.

19

استحقاقها مع الموافقة، و لو في صورة المخالفة عن الواقع، يكون عقلا في الشرع متبعا ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه في الشرعيات (1)،

____________

(1) حاصله: ان الضرورة قائمة على ان سيرة العقلاء جارية على العمل بخبر الثقة و هو حجة عندهم يعملون على طبقه، و ان العامل بما دل عليه خبر الثقة مطيع و غير العامل على طبقه عاص، و ان المخالف لما دلّ عليه خبر الثقة مستحق للعقوبة و ان الموافق لما دلّ عليه خبر الثقة لا يستحق عقوبة فيما لو كان خبر الثقة غير موافق للواقع فالاخذ به معذر عند المخالفة.

و الحاصل: ان خبر الثقة متبع عند العقلاء ما لم يدل دليل خاص على المنع عنه، و الى هذا اشار بقوله: «ضرورة ان ما جرت عليه السيرة المستمرة ... الى آخر الجملة».

و قوله: «يكون عقلا في الشرع متبعا» هذا خبر ان التي اسمها ما جرت عليه السيرة، و مراده من قوله يكون عقلا في الشرع متبعا هو انه بعد قيام السيرة على الاخذ بخبر الثقة التي يكفي فيها عدم ثبوت الردع و لم يثبت بالعمومات ردع لها لما عرفت، فتكون السيرة حجة على الاخذ بخبر الثقة، و لما كان العقل هو الحاكم في باب الاطاعة و المعصية و المعذرية فاذا دلّ خبر الثقة على حكم شرعي فالعقل يحكم بما ذكره من ان الاطاعة تكون باتباع ما دل عليه خبر الثقة، فان وافق الواقع كان اطاعة و ان خالف الواقع كان معذرا عنه و ان خولف فمخالفته تكون معصية.

و لما كانت المخالفة عند المصنف تقتضي استحقاق العقاب، سواء كانت مخالفة واقعية او تجريا- لما مرّ منه من ان المتجري يستحق العقاب- لذلك اطلق العبارة في المقام بقوله: «و في استحقاق العقوبة بالمخالفة».

و مراده من الدليل الذي ينهض على المنع عن السيرة هو الدليل الخاص كأن يقول الشارع لا تتبع السيرة القائمة على الاخذ بخبر الثقة في احكامي، لان الدليل العام كالعموم و الاطلاق قد عرفت انه غير قابل لان يكون مانعا و رادعا عن السيرة.

20

فافهم و تأمل (1).

____________

(1) اشار المصنف الى وجه امره بالفهم و التامل في هامش الكتاب‏ (1) هو ان هناك وجها آخر لحجية السيرة، و لو قلنا بان السيرة متوقفة على ثبوت عدم الردع فيلزم الدور من حجيتها كما يلزم الدور من رادعية الآيات فلا تكون الآيات الناهية حجة في الردع و لا تكون السيرة حجة على خبر الثقة، او قلنا بان المتوقف عليه الظهور العمومي و الاطلاقي ليس ثبوت عدم التخصيص و التقييد له بل هو ايضا موقوف على عدم ثبوت المخصص و المقيد فيكون امرا عدميا كما في ثبوت الردع، فتكون الآيات حجة في الردع و تكون السيرة حجة في التخصيص و الاخذ بخبر الثقة، و حيث ان حجيتهما معا غير معقول لانهما متنافيان و فعلية المتنافيين محال، فيتساقطان في مقام التعارض و هو الاخذ بخبر الثقة.

و النتيجة على كل حال عدم كون السيرة حجة بالفعل على خبر الثقة اما للزوم الدور في الجانبين او لتساقط الحجتين.

و حاصل الوجه الذي اشار اليه في هامش الكتاب هو: ان السيرة العقلائية على الاخذ بخبر الثقة قائمة قبل نزول الآيات و غير مردوعة، لان المفروض ان ردعها لو كان لكان بالآيات الناهية، فقبل نزول الآيات الناهية كانت السيرة حجة لعدم ثبوت ردعها، و بعد نزول الآيات الناهية يدور الامر بين كون السيرة خاصّا مقدما على العام فتكون مخصصة للآيات الناهية بعمومها او اطلاقها و تكون حجة على الاخذ بخبر الثقة.

و بين كون العام ناسخا لها و رادعا لها و مانعا عن حجيتها، فيدور الامر بين تخصيص العام بالسيرة و بين نسخ العام للسيرة.

____________

(1) كفاية الاصول بحاشية المحقق المشكيني (قدس سره) ج 2 ص 101 (حجري).

21

.....

____________

و قد مرّ من المصنف القول بانه كلما دار الامر بين تخصيص العام بالخاص و بين نسخ العام للخاص فالتخصيص مقدم على النسخ، و تكون النتيجة حجية السيرة، و لو فرض عدم الترجيح للتخصيص فيتكافئان، و لكن الاستصحاب في حجية السيرة قبل نزول الآيات الرادعة جار فنثبت حجيتها باستصحاب حجيتها قبل نزول الآيات.

ثم اورد هو (قدس سره) على نفسه بما حاصله: ان السيرة لما كانت مقيدة بعدم الردع فحجيتها دائما تكون مغياة بعدم ورود الردع، ففي الزمان السابق على نزول الآيات تكون السيرة حجة، و اما في زمان نزول الآيات التي ظاهرها بحسب عمومها هو الردع فلا تكون حجة لانتهاء امد غايتها بنزول الرادع.

و بعبارة اخرى: انه ليس الامر من قبيل الدوران بين التخصيص و النسخ، فان الدوران بينهما فيما اذا لم يكن احدهما مقيدا بعدم الآخر، كظهور العام في معناه و ظهور الخاص في معناه، اما مقامنا فليس من هذا القبيل فان السيرة مقيدة بعدم الردع فيدور الامر بين التخصيص للعام و بين ارتفاع قيد السيرة، و ليس ارتفاع القيد من قبيل النسخ فليس المقام من قبيل الدوران بين التخصيص و النسخ.

ثم اجاب هو عن هذا الاشكال، و توضيحه: ان الغاية للسيرة لو كانت هي عنوان عدم الردع لكان الحال كما ذكر، و لكن الشرط لحجتها هو الامضاء المستكشف بعدم الردع، و لما كانت قبل نزول الآيات غير مردوعة فقد تحقق الامضاء المستكشف بعدم الردع عنها في الزمان السابق على نزول الآيات، و الامضاء غير مغيّا بعدم الردع فحجية السيرة غير مغياة بعدم الردع دائما بل هي غاية الى ان يستكشف الامضاء، و بعد استكشافه تسقط غاية عدم الردع، و اذا لم يكن الامضاء مغيّا فظاهره الدوام و الاستمرار، فتكون حال السيرة في حجتها على خبر الثقة حال الدليل الابتدائي الدال على حجية خبر الثقة في ظهورها في الدوام و الاستمرار الى ان يثبت ما يدل على انتهاء امد الامضاء.

22

[الوجوه العقلية التي أقيمت على حجية خبر الواحد]

فصل في الوجوه العقلية التي أقيمت على حجية الخبر الواحد (1).

[الوجه الاول: العلم الاجمالي بصدور جملة من الأخبار]

أحدها: إنه يعلم إجمالا بصدور كثير مما بأيدينا من الاخبار من الائمة الاطهار (عليهم السّلام) بمقدار واف بمعظم الفقه، بحيث لو علم تفصيلا ذاك المقدار لانحل علمنا الاجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات و سائر الامارات الى العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الاخبار الصادرة المعلومة تفصيلا و الشك البدوي في ثبوت التكليف في مورد سائر الامارات غير المعتبرة (2).

____________

و قد عرفت ان الآيات لا دلالة لها بالفعل على المنع عن الامضاء لدوريتها، فتكون السيرة بحسب هذا الوجه حجة من دون مزاحم على الاخذ بخبر الثقة و مخصصة لعموم الآيات.

(1) قد ذكروا وجوها ثلاثة عقلية لحجية خبر الواحد، و بالجملة ان القائلين بحجية خبر الواحد استدلوا لذلك بالكتاب و هي الآيات المتقدمة كآية النبأ و آية النفر، و بالسنة و هي الاخبار التي مرّ التعرّض لها، و بالاجماع و قد تقدم من المصنف بيانه ايضا بوجوه ثلاثة آخرها السيرة العقلائية، و بالعقل و هو ايضا قد ذكر بطرق ثلاثة.

(2) لا يخفى ان هذا الوجه الاول قد قرّره الشيخ الاعظم في رسائله على صورة غير هذه الصورة التي ذكرها المصنف، و حاصل ما ذكره الشيخ (قدس سره) مركب من مقدمات: الاولى: انا نعلم اجمالا بوجود احكام واقعية كثيرة في ضمن هذه الطرق من خبر الواحد و الشهرة و الاجماعات المنقولة.

الثانية: انا نعلم اجمالا ايضا بصدور اخبار كثيرة فيما بأيدينا من الاخبار، و قد تضمنت احكاما واقعية.

الثالثة: ان تلك الاخبار قد تضمنت احكاما الزامية مخالفة للاصول النافية للتكليف.

23

.....

____________

الرابعة: ان تلك الاخبار مجردة عن القرائن الموجبة للظن بأقربيّة ما اقترنت به، و لازم هذا العلم الاجمالي هو حجية ما بأيدينا من الاخبار، لانه بعد العلم الاجمالي بوجود تكاليف واقعية في ضمن هذه الطرق فلا بد من كونها فعلية، لوضوح ان مدلول هذه الطرق هي الاحكام الفعليّة، و بعد حصول العلم الاجمالي يكون ما بأيدينا من الاخبار قد تضمنت احكاما واقعية فعليّة، فلا بد من العمل بها، لان العلم الاجمالي بتضمنها لاحكام واقعيّة يقتضي الاخذ بها جميعا، لان كل واحد منها هو طرف للعمل الاجمالي بوجود التكاليف في ضمنها.

و قد ذكر الشيخ في الرسائل ما يدل على ان ما بأيدينا من الكتب الاربعة التي هي مجموع الاصول الاربعمائة و غيرها قد اشتملت على ما صدر من الائمة الاطهار (عليهم السّلام) لبيان الاحكام الواقعية.

و اما وجه المقدمة الثالثة، فلان محض العلم بصدور هذه الاخبار عنهم (عليهم السّلام) ما لم تكن متضمنة للعلم بتكاليف الزامية على خلاف ما تقتضيه الاصول النافية لا يكون علما يوجب الاخذ بالاخبار، لان ما يوجب التنجز هو العلم بالحكم الالزامي دون العلم بالصدور و لو كان متضمنا لنفى التكليف.

و اما وجه المقدمة الرابعة، فلان الاخبار المقترنة بالقرينة توجب انحلال العلم و انحصار الاخذ بخصوص الاخبار المقترنة بالقرائن فلا تكون النتيجة الاخذ بالاخبار التي بأيدينا كلّها.

و قد اورد الشيخ (قدس سره) على هذا الوجه بهذا البيان الذي بينه بايرادات اربعة:

الاول: و توضيحه، ان العلم الاجمالي بصدور الاخبار المتضمنة لتكاليف فعلية لا يحل العلم الاجمالي الاول، و هو علمنا بوجود تكاليف في ضمن الطرق التي منها الاجماعات المنقولة و الشهرات، لان العلم الاجمالي الاول بتكاليف فعلية في ضمن الطرق اوسع من العلم الاجمالي الثاني و هو كون الاخبار الصادرة في ضمن هذه‏

24

.....

____________

الاخبار متضمنة لتكاليف فعليّة، و اذا كان لنا علمان اجماليان كان ثانيهما اضيق دائرة من الاول لا يكون موجبا لانحلال الاول، كما لو علمنا اجمالا بوجود غنم محرمة لكونها موطوءة- مثلا- في ضمن غنم بعضها سود و بعضها بيض، ثم علمنا بوجود غنم محرمة لكونها مغصوبة مثلا في ضمن البيض، إلّا انه كان علمنا الاجمالي بوجود غنم محرمة في ضمن البيض اقل من علمنا الاجمالي الاول، و ذلك بحيث لو عزلنا من الغنم البيض مقدارا بحيث ينحل علمنا الاجمالي الثاني بحرمة الغنم التي في البيض، و ضممنا بقية الغنم البيض الى الغنم السود كان علمنا الاجمالي الاول بوجود غنم محرمة في ضمن هذه الغنم التي هي مجموع بقية الغنم البيض و الغنم السود موجودا فعلا، فان العلم الاجمالي الثاني لا يحل العلم الاول و ان احتملنا انطباق الغنم المغصوبة في علمنا الثاني على الغنم الموطوءة في علمنا الاول، إلّا ان احتمال الانطباق لما كان مع عزل مقدار من الغنم البيض الذي به ينحل العلم الاجمالي الثاني بوجود الغنم المغصوبة في ضمن البيض يكون العلم الاجمالي الاول بوجود الغنم الموطوءة باقيا على الفرض في ضمن بقية الغنم البيض و السود، فلا يكون العلم الاجمالي الثاني حالا للعلم الاول، و يجب الاحتياط في جميع اطراف الغنم التي هي الغنم البيض و السود.

و مقامنا من هذا القبيل، فان علمنا الاجمالي بوجود الاخبار الصادرة في ضمن ما بأيدينا من الاخبار لا يحل العلم الاجمالي بوجود تكاليف في ضمن الطرق التي منها الاجماعات المنقولة و الشهرات، و لذا لو عزلنا من الاخبار مقدارا ينحل به علمنا الاجمالي بوجود اخبار صادرة منهم (عليهم السّلام) و ضممنا بقية الاخبار الى الاجماعات المنقولة و الشهرات لعلمنا ايضا بوجود تكاليف واقعية في ضمنها ايضا، و عليه فيجب الاحتياط في الاخذ بالاجماعات و الشهرات ايضا.

و من الواضح ان الغرض من هذا الدليل العقلي هو الاخذ بخصوص الاخبار دون الاجماعات و الشهرات.

25

.....

____________

الثاني: و توضيحه، انه حيث كان المفروض عدم حجية الخبر الواحد بجعل تعبّدي يخصه، و انما يؤخذ به للعلم الاجمالي بوجود اخبار صادرة متضمنة لتكاليف واقعية فعلية، فيكون الاخذ بالخبر انما هو لاجل ان هذه الاخبار متضمنة للتكاليف الواقعيّة.

و من الواضح ان الخبر الواحد لا يوجب إلّا الظن بكون مؤداه هو الحكم الواقعي، و لازم ذلك هو الاخذ بكل ما يوجب الظن بالحكم الواقعي اذا كان مؤداه موافقا لمضمون الخبر و ان كان هو اجماعا او شهرة.

كما ان لازم كون الاخذ بالخبر الواحد لاجل كونه موجبا للظن بحكم اللّه هو الاخذ بالخبر الذي يظن بكون مضمونه حكم اللّه، و ان كان ذلك الخبر غير مظنون الصدور، و ترك الخبر المظنون الصدور اذا لم يحصل الظن بكون مضمونه هو حكم اللّه الواقعي.

و الحاصل: ان لازم عدم حجية الخبر بالخصوص، و انه من باب العلم الاجمالي بصدور اخبار منهم (عليهم السّلام) هو الاخذ بكل خبر يظن بان مضمونه هو حكم اللّه، لان العلم بصدور الاخبار لا لموضوعية الاخبار الصادرة بما هي اخبار صادرة، بل لكون الاخبار الصادرة غالبا يكون صدورها لاجل بيان الحكم الواقعي، فالمناط هو الاخذ بحكم اللّه، فكل ما كان من الاخبار مضمونه مظنون كونه حكم اللّه الواقعي هو الذي يجب الاخذ به و ان كان ضعيفا و موهوم الصدور، و لا يجب الاخذ بمظنون الصدور اذا لم يكن مضمونه مما يظن بكونه حكم اللّه و يجب الاخذ بموهوم الصدور اذا كان مضمونه ما يظن بكونه حكم اللّه.

الثالث: و توضيحه، انه اذا كان الاخذ بالخبر للعلم الاجمالي بصدور اخبار متضمنة لحكم اللّه الواقعي، فاللازم هو الاخذ بخصوص الخبر المثبت للتكليف و لا يجب الاخذ بالخبر النافي للتكليف، و الوجه فيه الاخذ بالخبر لكونه متضمنا لحكم اللّه، فالملاك في الاخذ به هو تنجز الاحكام الواقعية، و التنجز انما هو للأمر بطلب‏

26

.....

____________

الفعل او طلب تركه، اما عدم التكليف فلا تنجز له، فاذا لم يكن الخبر متضمنا لحكم اللّه بل كان نافيا للتكليف كان خارجا عن علمنا الاجمالي، فان علمنا الاجمالي يرجع الى العلم بوجود احكام منجزة، و الحكم النافي للتكليف ناف للتنجز ايضا، لما علمت ان المنجز هو التكليف لا عدم التكليف.

و اما الرابع: فهو الذي اعترف المصنف بوروده، و سيأتي بيانه بعد ذكر وجه المصنف ان شاء اللّه تعالى.

هذا حاصل وجه الشيخ و ما اورده هو عليه (قدس سره) مع توضيح ذلك.

و اما وجه المصنف في تقرير هذا الدليل العقلي الاول فهو مركب من مقدمات.

لا يخفى ان المقدمات الاربع المذكورة في وجه الشيخ لم يخالف المصنف الشيخ في ثلاث منها، انما خالفه في واحدة و هي المقدمة الثانية، و لذا ذكرنا المقدمة الاولى و الثانية لانها بحسب تقرير المصنف يكون العلم الاجمالي فيها حالا للعلم الاجمالي في المقدمة الاولى، و لذا لا يرد الايراد الاول الذي اورده الشيخ على هذا الوجه العقلي.

الاولى: هي المقدمة الاولى المذكورة في وجه الشيخ، و هو العلم الاجمالي بتكاليف فعلية في ضمن الطرق من الاخبار و الاجماعات و الشهرات.

الثانية: و هي التي خالف بها الشيخ هو العلم الاجمالي بصدور كثير مما بأيدينا من الاخبار من الأئمة (عليهم السّلام) المتضمنة للاحكام الواقعية، و تلك الاخبار الصادرة عنهم (عليهم السّلام) وافية بمعظم الفقه بحيث لو علمنا تفصيلا بتلك الاخبار الصادرة لا نحل علمنا الاجمالي بوجد تكاليف واقعية الى علم تفصيلي و شك بدوي.

و توضيحه: ان العلم الاجمالي، تارة ينحل الى علمين تفصيليين كما لو علمنا اجمالا بوجود عشرة من الغنم محرمة في ضمن غنم ثم علمنا تفصيلا بتلك العشرة، فان هذا الانحلال لازمه هو العلم بالمحرّم بعينه من الغنم و هو العشرة و بالحلال بعينه من الغنم و هو الباقي من الغنم غير هذه العشرة.

27

.....

____________

و اخرى: ينحل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي و شك بدوي، كما لو علمنا بوجود غنم محرمة لا نعرف مقدارها على التحقيق، و لكنا نعلم بانها لا تزيد على العشرين مثلا، و نحتمل ان تكون اقل من ذلك و لكنها تزيد على العشرة، فلو علمنا باثني عشر منها على التفصيل بانها محرمة فان علمنا الاجمالي ينحل الى علم تفصيلي بهذه الاثني عشر و شك بدوي في بقية الغنم.

و مقامنا من قبيل الثاني، فان علمنا الاجمالي بوجود احكام في ضمن ما بأيدينا من الاخبار بحيث تكون وافية بمعظم الفقه، يوجب انحلال علمنا الاجمالي الاول الى علم بان الاخذ بما بأيدينا من الاخبار يحصل به الاخذ بمقدار من الاحكام الواقعية كثيرة، بحيث يوجب الشك في وجود احكام واقعية في غير هذا الاخبار من الطرق الاخرى كالإجماعات و الشهرات.

و يدل على انحلال العلم الاجمالي الاول بالاحكام الواقعية في ضمن مطلق الطرق بهذا العلم الاجمالي الثاني، و هو كون ما بأيدينا من الاخبار وافيا بمعظم الفقه، أي انه موجود فيه معظم الاحكام الواقعية انه لو علمنا تفصيلا بالاحكام الواقعية الموجودة في ضمن ما بأيدينا من الاخبار لانحل العلم الاجمالي الاول الى علم تفصيلي بهذه الاحكام الواقعية و شك بدوي في وجود أحكام واقعية غير هذه الاحكام في ضمن الطرق الاخرى.

لا يقال: انا بالوجدان نرى انه مع الاخذ بالاخبار يحصل لنا علم اجمالي بوجود أحكام واقعية في ضمن الطرق الاخرى من الاجماعات و الشهرات، و انكار ذلك مكابرة.

فانا نقول: انه لا ننكر هذا العلم الاجمالي و لكنه محتمل الانطباق على الاحكام التي في ضمن الاخبار.

و دعوى ان هذا العلم الاجمالي معلوم عدم الانطباق بحيث انا نعلم ان هذه الاحكام الواقعية التي في ضمن الطرق الاخرى غير الاخبار هي غير الاحكام الواقعية

28

[الجواب عن ثالث ايرادات الشيخ (قده)]

و لازم ذلك لزوم العمل على وفق جميع الاخبار المثبتة، و جواز العمل على طبق النافي منها فيما إذا لم يكن في المسألة أصل مثبت له، من قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب، (1) بناء على جريانه في أطراف ما

____________

الموجودة في ضمن الاخبار ممنوعة، بل دعواها مكابرة مع فرض ان ما بأيدينا من الاخبار واف بمعظم الفقه.

و منه تبين انه لا يرد على هذا التقرير الايراد الاول الذي اورده الشيخ (قدس سره) على التقرير الاول.

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «انه يعلم اجمالا بصدور كثير مما بايدينا من الاخبار من الأئمة الاطهار بمقدار واف بمعظم الفقه» أي انا نعلم بان اخبارنا عنهم (عليهم السّلام) قد اشتملت على معظم الاحكام الواقعية «بحيث» يكون وجود احكام واقعية اخرى غير الاحكام الموجود في هذه الاخبار مشكوكا، فينحل العلم الاجمالي الاول بالعلم الاجمالي الثاني، و يدل على انحلاله به هو انه «لو علم تفصيلا ذاك المقدار» الموجود في ضمن هذه الاخبار من الاحكام الواقعية «لا نحل علمنا الاجمالي» الاول «بثبوت التكاليف بين الروايات و سائر الامارات الى العلم التفصيلي بالتكاليف» الواقعية «في مضامين» هذه «الاخبار الصادرة المعلومة تفصيلا» انها صادرة و متضمنة للاحكام الواقعية «و الشك البدوي في ثبوت التكليف» الواقعي «في مورد سائر الامارات غير المعتبرة» كالاجماعات و الشهرات، و مراده من الشك البدوي في ثبوتها في هذه الموارد غير الاخبار، هو الشك في ثبوتها بما انها غير منطبقة على ما هو موجود في الاخبار.

(1) يشير بهذا الى عدم ورود الايراد الثالث للشيخ لا على التقرير الاول و لا على التقرير الثاني، و ان اثر العلم الاجمالي ليس هو خصوص الاخبار المثبتة للتكاليف دون الاخبار النافية، فان السبب في الاخذ بما بأيدينا من الاخبار هو العلم الاجمالي بصدور الاخبار في ضمنها، و لا ريب انه لو علمنا بالخبر الصادر عنهم تفصيلا يجب‏

29

.....

____________

العمل على طبقه اذا تضمن اثبات التكليف و جواز العمل على طبق الخبر النافي للتكاليف، و المراد من جواز العمل على طبق الخبر النافي للتكليف هو عدم لزوم الاحتياط في مورده فيما اذا احتملنا وجوبا او حرمة، و هذا هو المراد لمن اقام الدليل العقلي على الاخذ بما بأيدينا من الاخبار، و لم يرد منه وجوب العمل على طبق جميعها باتيان ما اثبتته من التكاليف و نفي ما نفته من التكاليف حتى يرد عليهم بان لازم هذا الدليل هو الاخذ بالخبر المثبت للتكليف دون الخبر النافي، لوضوح انهم لا يريدون من العمل على طبق الخبر النافي لزوم نفي التكليف به.

و على كل فحال العلم الاجمالي بالاخبار الصادرة حال العلم التفصيلي بصدورها.

نعم هناك فرق بين العلم التفصيلي بالصادر النافي و العلم الاجمالي به، في انه مع العلم التفصيلي بصدور الخبر النافي لا يؤخذ في مورده بأصل مثبت للتكليف كقاعدة الاشتغال او الاستصحاب، و في العلم الاجمالي لا بد من الاخذ بالاصل المثبت للتكليف من قاعدة الاشتغال او الاستصحاب في مورد الخبر النافي، و انما يجوز العمل على طبق الخبر النافي حيث لا يكون في مورده اصل مثبت للتكليف.

و الوجه في هذا الفرق هو انه مع العلم التفصيلي بصدور الخبر النافي يعلم بعدم التكليف تعبدا، و مورد ثبوت التكليف بالاصل او القاعدة هو مقام الشك في التكليف لا العلم بعدم التكليف تعبدا، و في مقام العلم الاجمالي بصدور اخبار فيما بأيدينا من الاخبار لا يحصل علم تعبدا بعدم التكليف في مورد الخبر النافي، لان المفروض في العلم الاجمالي هو ان فيها ما هو صادر لا أن جميعها صادرة، و إلّا لكان علما تفصيليا، فهو مورد الشك في التكليف فيكون الاصل او القاعدة مثبتا للتكليف.

و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «و لازم ذلك» أي و لازم العلم الاجمالي بصدور الاخبار الكثيرة فيما بأيدينا من الاخبار هو «لزوم العمل على وفق جميع‏

30

علم إجمالا بانتقاض الحالة السابقة في بعضها، أو قيام أمارة معتبرة على انتقاضها فيه، و إلا لاختص عدم جواز العمل على وفق النافي بما إذا كان على خلاف قاعدة الاشتغال (1).

____________

الاخبار المثبتة» للتكليف «و جواز العمل على طبق النافي منها» للتكليف، لا كما يظهر من الشيخ من وجوب العمل على طبق المثبت للتكليف و الغاء الخبر النافي بالمرة.

و اشار الى اشتراط جواز العمل على طبق النافي بعدم وجود قاعدة او اصل في مورده بقوله: «فيما اذا لم يكن في» مورده «اصل مثبت له» أي للتكليف «من قاعدة الاشتغال او الاستصحاب».

(1) لما كان لا خلاف في جريان قاعدة الاشتغال للتكليف في اطراف العلم الاجمالي و لا تسقط الا بالتعارض، و مع عدم التعارض فلا اشكال في جريانها مع العلم الاجمالي و اثبات التكليف بها.

و اما الاستصحاب فحيث قد مر منه و يأتي في بابه التعرض له ان جريان الاستصحاب في مورد العلم الاجمالي محل خلاف، و قد مرت الاشارة الى ان الشيخ (قدس سره) يظهر منه عدم جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي سواء أ تعارض ام لم يتعارض- فأراد المصنف ان يشير الى ان الاستصحاب انما يكون مثبتا للتكليف في مورد الخبر النافي حيث نقول بجريانه في اطراف العلم الاجمالي، و اما اذا قلنا بعدم جريانه في اطراف العلم الاجمالي فلا يكون الاستصحاب مثبتا للتكليف في مورد الخبر النافي، و يجوز حينئذ العمل على طبق الخبر النافي، و يختص عدم جواز العمل على طبق الخبر النافي بخصوص قاعدة الاشتغال لعدم الخلاف في جريانها في اطراف العلم الاجمالي، و لذا قال (قدس سره): «او الاستصحاب» أي ان الاستصحاب انما يكون مثبتا للتكليف في مورد الخبر النافي كقاعدة الاشتغال «بناء على جريانه في اطراف ما علم اجمالا بانتقاض الحالة السابقة في بعضها» كما لو صلينا- مثلا- الى اربع جهات في مقام الجهل بالقبلة، و علمنا بعد خروج الوقت‏

31

[رد المصنف (قده) الدليل العقلي باختيار رابع ايرادات الشيخ (قده)]

و فيه: إنه لا يكاد ينهض على حجية الخبر، بحيث يقدم تخصيصا أو تقييدا أو ترجيحا على غيره، من عموم أو إطلاق أو مثل مفهوم (1)، و إن‏

____________

بفساد احدى الصلوات، «او» كان الفساد في بعض الصلوات ل «قيام امارة معتبرة على انتقاضها» أي على انتقاض الحالة السابقة «فيه» أي في بعض ما علم اجمالا به، كما لو قامت البينة على فساد بعض الصلوات، فان الاستصحاب انما يجري في اثبات القضاء لصلوات عما في الذمة، و لا يؤخذ بالخبر النافي للتكليف، و هو قوله اذا خرج الوقت فقد دخل حائل حيث نقول بجريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي «و إلّا» أي و ان لم نقل بجريانه في اطراف العلم الاجمالي «لاختص عدم جواز العمل على وفق» الخبر «النافي بما اذا كان» الخبر النافي «على خلاف قاعدة الاشتغال» فقط دون الاستصحاب.

و قد ظهر مما ذكره المصنف ان الايراد الاول لا يرد على التقرير الثاني، و الايراد الثالث لا يرد مطلقا، و لم يتعرض المصنف للايراد الثاني.

(1) لما كان ايراد الشيخ الرابع واردا على التقريرين و المصنف معترف بوروده حتى على التقرير الثاني- اشار الى وروده على هذا التقرير.

و حاصله: انه لما كان الاخذ بما بأيدينا من الاخبار من باب العلم الاجمالي بصدور بعضها لا لحجية الخبر تعبدا، فلا يمكن الاخذ بالخبر الواحد على تخصص به عموما او تقيد به اطلاقا، لان رفع اليد عن عموم العام و اطلاق المطلق انما هو لقيام حجة اقوى من حجية العام في عمومه و المطلق في اطلاقه.

و من الواضح ان الاخذ بالخبر للعلم الاجمالي ليس لازمه حجية الخبر تعبدا حتى يكون الاخذ به من تقديم اقوى الحجتين، فالخبر المخصص لعموم او المقيد لاطلاق لا يكون حجة اقوى من عموم العام و اطلاق المطلق، فلا يكون نتيجته الاخذ بالخبر للعلم الاجمالي كما هو المطلوب في حجة الخبر من تخصيص العام به و تقييد المطلق به، و كما لا يخصص به عموم و لا يقيد به اطلاق كذلك لا يترجح ظهور الخبر

32

كان يسلم عما أورد عليه من أن لازمه الاحتياط في سائر الامارات، لا في خصوص الروايات، لما عرفت من انحلال العلم الاجمالي بينهما بما علم بين الاخبار بالخصوص و لو بالاجمال فتأمل جيدا (1).

ثانيها: ما ذكره في الوافية، مستدلا على حجية الاخبار الموجودة في الكتب المعتمدة للشيعة، كالكتب الاربعة، مع عمل جمع به من غير رد ظاهر، و هو إنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة، سيما بالاصول الضرورية، كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و المتاجر و الانكحة و نحوها، مع أن جل أجزائها و شرائطها و موانعها إنما يثبت بالخبر غير القطعي،

____________

المنطوقي على ظهور مفهوم ينافيه، فان ترجيح المنطوق على المفهوم انما هو لظهور الخبر الذي كان حجة تعبدا لا للعلم الاجمالي، و قد اشار الى ذلك بقوله: «انه لا يكاد ينهض ... الى آخر الجملة».

و قوله: «من عموم او اطلاق او مثل مفهوم» العموم له التخصيص و الاطلاق له التقييد و المفهوم له الترجيح.

(1) هذا اشارة الى عدم ورود الايراد الاول على التقرير الثاني بعد العلم الاجمالي بكون الصادر فيما بايدينا من الاخبار وافيا بمعظم الفقه، فانه به ينحل العلم الاجمالي الذي اطرافه الاخبار و ساير الطرق من الاجماعات و الشهرات كما مر تفصيله، و لذا قال: «لما عرفت من انحلال العلم الاجمالي بينهما» أي انحلال العلم بوجود احكام واقعية بين الاخبار و غيرها من الطرق بواسطة العلم الاجمالي الثاني بوجود احكام واقعية كثيرة في ضمن هذه الاخبار، و هي الاخبار الصادرة الوافية بمعظم الفقه، فالعلم الاجمالي الاول منحل «بما علم بين الاخبار بالخصوص» من الاحكام الكثيرة «و لو» كان العلم «ب» نحو «الاجمال».

33

[الوجه الثاني: استدلال صاحب الوافية على حجية الكتب الأربعة]

بحيث نقطع بخروج حقائق هذه الامور عن كونها هذه الامور عند ترك العمل بخبر الواحد، و من أنكر فإنما ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالايمان (1).

____________

(1) هذا هو الدليل العقلي الثاني و قد استدل به صاحب الوافية على حجية الكتب الاربعة، و هو مركب من مقدمتين:

الاولى: ان الكتاب الكريم و السنة القطعية قد دلا على تكاليف لا يختص بها الموجودون في عصر النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهم السّلام)، فنحن نقطع بان هذه التكاليف نحن مخاطبون بها فعلا و هي باقية الى زماننا كمثل الصلاة و الصوم و الحج و الزكاة و البيع و النكاح و ساير ابواب الفقه.

الثانية: انا نعلم ايضا ان هذه الماهيات مركبة من اجزاء و شرائط بحيث لو اقتصرنا على تفصيل اجزائها و شرائطها على السنة المتواترة القطعية و الاجماعات المحصلة لخرجت تلك الامور عن حقائقها، و نقطع ايضا بان ما بأيدينا من الكتب الاربعة قد تضمنت الاجزاء و الشرائط لهذه الامور بحيث لا تخرج هذه الامور عن حقائقها فجيب العمل بالكتب الاربعة.

و ملخص هذه الدليل هو انه بعد العلم بالخطاب المنجز بالامور التي ذكرها، و العلم الاجمالي بان الكتب الاربعة قد اشتملت على حقائق اجزاء هذه الامور و شرائطها فيكون اللازم من هذين العلمين لزوم الاخذ بالكتب الاربعة، لانحصار امتثال هذه الخطابات المعلومة بالضرورة في الاخذ باخبار هذه الكتب الاربعة.

و الفرق بين هذا الدليل و الدليل السابق ان متعلق العلم الاجمالي في هذا الدليل معلوم بعنوانه و هو الصلاة و الصوم و أمثالهما، و لكنه غير معلوم بالتفصيل من ناحية الاجزاء و الشرائط، و في هذا الدليل السابق متعلق العلم غير معلوم حتى بعنوانه.

و ايضا الفرق بينهما هو دعوى اشتمال خصوص الكتب الاربعة على الاخبار الصادرة المشتملة على الاجزاء و الشرائط الواقعية في هذا الدليل الثاني، و في الاول اشتمال الاخبار التي بأيدينا على تفصيل التكاليف اعم من الكتب الاربعة و غيرها.

34

[اشكال شيخنا الاعظم فيه بوجهين و مناقشة المصنف فيهما]

و أورد عليه: أولا: بأن العلم الاجمالي حاصل بوجود الاجزاء و الشرائط بين جميع الاخبار، لا خصوص الاخبار المشروطة بما ذكره، فاللازم حينئذ: إما الاحتياط، أو العمل بكل ما دل على جزئية شي‏ء أو شرطيته (1).

____________

و قد اشار المصنف الى المقدمة الاولى من هذا الدليل بقوله: «انا نقطع ببقاء التكليف ... الى آخر الجملة»، و الى المقدمة الثانية بقوله: «مع ان جل اجزائها ... الى آخر الجملة».

(1) المورد هو الشيخ الاعظم في رسائله، و توضيح الايراد الاول على هذا الدليل العقلي الثاني: هو ان العلم الاجمالي بوجود الاجزاء و الشرائط لهذه الامور لا يختص بخصوص الكتب الاربعة بل هو موجود في الاخبار اعم من الموجود في الكتب الاربعة و غيرها، فاللازم الاخذ بجميع ما بأيدينا من الاخبار لا خصوص الكتب الاربعة.

و لا يخفى ان الاخذ بالاخبار انما يكون بعد عدم امكان العلم بالاحتياط و الاخذ بكل ما احتملنا جزئيته او شرطيته لهذه الامور، لان اللازم بعد العلم يتنجز الخطاب بهذه الامور، و العلم بانها مركبة من اجزاء و شرائط هو الاحتياط و الاتيان بكل ما احتمل جزئيته او شرطيته، و لكنه حيث ان العلم باشتمال هذه الاخبار على ما هو واف بمعظم الأجزاء و الشرائط لذا ينحل العلم الاجمالي بالتكليف باتيان اجزاء و شرائط هذه الامور بالاخذ بما بأيدينا من الاخبار او ساير الطرق مما يدل على جزئية شي‏ء او شرطيته لهذه الامور، فلذا لا يجب علينا العلم بالاحتياط، و نكون بالخيار بين العمل بالاحتياط و بين العمل بكل ما يدل على جزئية شي‏ء أو شرطيته.

نعم اذا لم يمكن الاحتياط فحينئذ ينحصر الامر في الاخذ بكل ما يدل على جزئية شي‏ء او شرطيته.

35

قلت: يمكن أن يقال: إن العلم الاجمالي و إن كان حاصلا بين جميع الاخبار، إلا أن العلم بوجود الاخبار الصادرة عنهم (عليهم السّلام) بقدر الكفاية بين تلك الطائفة، أو العلم باعتبار طائفة كذلك بينها، يوجب انحلال ذاك العلم الاجمالي، و صيرورة غيره خارجا عن طرف العلم، كما مرت إليه الاشارة في تقريب الوجه الاول (1).

____________

و على كل فلا تكون نتيجة هذا الدليل هو خصوص الاخذ بالكتب الاربعة، و قد اشار الى هذا بقوله: «لا خصوص الاخبار المشروطة بما ذكره» و هي كونها خصوص الموجودة في الكتب الاربعة.

و اشار الى ان لازم العلم بتنجز هذه الامور هو الاحتياط أو العمل بكل ما اثبت جزئيته او شرطيته لا خصوص الكتب الاربعة بقوله: «فاللازم حينئذ اما الاحتياط أو العمل ... الى آخر كلامه».

(1) حاصله الايراد على ما اورده الشيخ، و هو ان الاختصاص بخصوص الكتب الاربعة انما هو لانحلال العلم الاجمالي بالاجزاء و الشرائط بالعلم بان ما في الكتب الاربعة من الاخبار الصادرة المشتملة على الاجزاء و الشرائط وافية بمعظم اجزاء و شرائط هذه الامور، و ذلك موجب لانحلال العلم الاجمالي الاول بحيث يكون الشك في وجود اجزاء و شرائط في غيرها شكا بدويا، و حاصله يرجع الى ما في تقرير الدليل العقلي الاول بالنحو الثاني لا بالنحو الذي ذكره الشيخ (قدس سره).

و الى هذا اشار بقوله: «ان العلم الاجمالي» الاول «و ان كان حاصلا بين جميع الاخبار» بل بين جميع الطرق «إلّا ان العلم بوجود الاخبار الصادرة عنهم (عليهم السّلام) بقدر الكفاية» لتفصيل الاجزاء و الشرائط «بين تلك الطائفة» و هي الموجودة في خصوص الكتب الاربعة، او نقول باشتمال الكتب الاربعة على ما هو مقطوع الاعتبار ان لم يكن مقطوع الصدور، بحيث يكون مقطوع الاعتبار الموجود فيها وافيا بما فيه الكفاية للاجزاء و الشرائط، و الى هذا اشار بقوله: «او العلم‏

36

اللهم إلا أن يمنع عن ذلك، و ادعي عدم الكفاية فيما علم بصدوره أو اعتباره، أو ادعي العلم بصدور أخبار أخر بين غيرها (1)،

____________

باعتبار الطائفة كذلك» أي العلم بان مقطوع الاعتبار الموجود في الكتب الاربعة هو ايضا واف بما فيه الكفاية للاجزاء و الشرائط «بينها» أي بين جميع الاخبار التي بايدينا هو الذي «يوجب انحلال ذاك العلم الاجمالي» و هو العلم الاجمالي الاول بوجود الشرائط و الاجزاء في جميع ما بأيدينا من الاخبار، اما الى العلم الاجمالي بوجود الاجزاء و الشرائط بقدر فيه الكفاية و هي الاخبار الصادرة في ضمن الكتب الاربعة، او الى العلم التفصيلي بالاجزاء و الشرائط الموجودة في الكتب الاربعة اذا قلنا بان في الكتب الاربعة ما هو مقطوع الاعتبار، و بذلك ينحل العلم الاجمالي الاول الى لزوم الاخذ بخصوص الطائفة الموجود في الكتب الاربعة «و صيرورة غيره» أي غير الموجود في الكتب الاربعة من الاخبار «خارجا عن طرف العلم» الاجمالي بعد هذا الانحلال.

ثم اشار الى ان الحال في المقام هو الحال في تقرير الدليل العقلي الاول بالنحو الذي ذكره المصنف بقوله: «كما مرت اليه الاشارة ... الى آخر الجملة».

(1) حاصله: ان هذا الايراد الاول من الشيخ على صاحب الوافية انما يتم بدعوى احد امرين و هما:

- اما دعوى العلم بان ما في الكتب الاربعة غير واف بقدر فيه الكفاية للاجزاء و الشرائط، و حاصله دعوى العلم بوجود اجزاء و شرائط في غير ما هو موجود في الكتب الاربعة فلا ينحل العلم الاجمالي الاول، و يكون لازمه الاخذ بجميع ما بأيدينا من الاخبار لا خصوص الكتب الاربعة، لان ما في الكتب الاربعة سواء قلنا بان فيها ما هو مقطوع الصدور او مقطوع الاعتبار غير واف بما فيه الكفاية للاجزاء و الشرائط.

37

فتأمل (1).

و ثانيا: بأن قضيته إنما هو العمل بالاخبار المثبتة للجزئية أو الشرطية، دون الاخبار النافية لهما (2).

____________

- و اما دعوى انا نعلم بان في غير الكتب الاربعة ما هو مقطوع الصدور ايضا فلا يكون العلم بوجود الصادر في ضمن الكتب الاربعة موجبا لانحلال العلم الاول للعلم بوجود الصادر في غيره ايضا.

و قد اشار الى الدعوى الاولى بقوله: «و ادعى عدم الكفاية» للوفاء بالاجزاء و الشرائط «فيما علم بصدوره او» علم «اعتباره من تلك الطائفة» و هي الموجود في الكتب الاربعة.

و الى الثانية اشار بقوله: «او ادعى العلم بصدور اخبار أخر بين غيرها» أي غير تلك الطائفة.

(1) يمكن ان يكون اشارة الى منع كلا الدعويين.

(2) هذا هو الاشكال الثالث الذي مر التعرض له في اشكالات الشيخ على الدليل العقلي الاول بتقريره الاول، و قد مر من المصنف الاشكال عليه.

و حاصل الاشكال: ان العلم الاجمالي بالاخبار الصادرة المتضمنة للاجزاء و الشرائط الواقعية لازمه العمل بخصوص الخبر المثبت للاجزاء و الشرائط دون الخبر النافي للجزئية و الشرطية، و قد مر من المصنف ان لازم العلم الاجمالي بوجود الصادر هو العمل على طبق المثبت للاجزاء و الشرائط، و جواز العمل على طبق النافي ما لم يكن هناك قاعدة او اصل مثبت للتكليف، و لذا لم يتعرض له هنا، و لعل عدم التعرض له لان العلم الاجمالي بوجود الصادر من الاخبار و ان كان يقتضي العمل بالخبر المثبت للتكليف لكنه لا تثبت به حجية الخبر المطلوب ثبوتها له، من تخصيص العام به و تقييد المطلق و الترجيح لمنطوقه على مثل المفهوم المعارض له كما

38

و الاولى أن يورد عليه: بأن قضيته إنما هو العمل بالاخبار المثبتة فيما لم تقم حجة معتبرة على نفيهما، من عموم دليل أو إطلاقه، لا الحجية بحيث يخصص أو يقيد بالمثبت منهما، أو يعمل بالنافي في قبال حجة على الثبوت و لو كان أصلا، كما لا يخفى (1).

____________

اورد المصنف به على التقرير الاول و الثاني للدليل العقلي الاول، و ذكره هنا موردا به على هذا الدليل العقلي الثاني.

و اما في النافي فهو و ان كان يجوز العمل على طبقه لكنه فيما لم يكن هناك اصل او قاعدة مثبتة للتكليف، و هذا ايضا لا يريده القائل بحجية الخبر، فان المراد من حجية الخبر المطلوب ثبوتها له هو تقديم الخبر النافي على الاصل و القاعدة المثبتين للتكليف.

(1) حاصله ما عرفت- الآن- من ان اثبات حجية الخبر بواسطة هذا العلم الاجمالي لا تؤدي الى حجية الخبر المطوب ثبوتها له من تقييد الاطلاق به و تخصيص العموم به و الترجيح لمنطوقه على مثل المفهوم المعارض له، لما عرفت من انه لا يرفع اليد عن الاطلاق و العموم و الظهور المفهومي الثابتات بالخبر المتواتر- مثلا- إلّا بحجة اقوى، و العلم الاجمالي بوجود الصادر في ضمن ما بأيدينا من الاخبار أو في الكتب الاربعة كما يريده صاحب الوافية لا يجعل الخبر المقيد أو المخصص او المعارض للمفهوم حجة اقوى من عموم العام و اطلاق المطلق و ظهور المفهوم بعد عدم معرفة الصادر بعينه، كما ان حجية الخبر النافي المطلوب فيها تقديمها على الاصل و القاعدة المثبتين للتكليف لا جواز العمل به ما لم يكن هناك قاعدة او اصل يثبت التكليف بهما.

و الى الاول اشار بقوله: «بان قضيته» أي ان قضية الخبر بواسطة هذا العلم الاجمالي لا تثبت حجية الخبر كما هو المطوب بل «انما» تقتضيه «هو الاحتياط» في الاخذ «بالاخبار المثبتة» للجزئية و الشرطية «فيما لم تقم حجة معتبرة» بتواتر و نحوه «على نفيهما» أي على نفي الجزئية و الشرطية «من عموم دليل او اطلاقه»

39

[الوجه الثالث: كلام المحقق محمد تقي صاحب الحاشية (قده)]

ثالثها: ما أفاده بعض المحققين بما ملخصه: إنا نعلم بكوننا مكلفين بالرجوع إلى الكتاب و السنة إلى يوم القيامة، فإن تمكنا من الرجوع إليهما على نحو يحصل العلم بالحكم أو ما بحكمه، فلا بد من الرجوع إليهما كذلك، و إلا فلا محيص عن الرجوع على نحو يحصل الظن به في الخروج عن عهدة هذا التكليف، فلو لم يتمكن من القطع بالصدور أو الاعتبار، فلا بد من التنزل إلى الظن بأحدهما (1).

____________

و «لا» يثبت بواسطة هذا العلم الاجمالي «الحجية» للخبر «بحيث يخصص او يقيد بالمثبت منها» أي من هذه الاخبار، و ليس هذا المقدار هو الحجية المطلوب ثبوتها للخبر المثبت للجزئية او الشرطية.

و اشار الى الثاني بقوله: «او يعمل بالنافي» أي لا يثبت بواسطة العلم الاجمالي الحجية للخبر النافي بحيث يعمل به «في قبال حجة على الثبوت و لو كان اصلا» بل يتقدم على الخبر النافي كل حجة معتبرة و لو كانت اصلا او قاعدة، فلا ينفع اثبات الحجية للخبر بهذا العلم الاجمالي «كما لا يخفى».

(1) لا يخفى ان هذا هو الدليل العقلي الثالث لحجية الخبر، و هو للشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم (قدس سره) ذكره في تعليقاته على المعالم، و هو طويل قد نقل اكثره الشيخ الآشتياني (قدس سره) في حاشيته على رسائل الشيخ الاعظم (قدس سره)، و هو على طوله و اكثاره فيه من النقض و الابرام بان قلت لكنه مشتبه المراد، فقد فهم منه الشيخ الاعظم شيئا غير ما فهمه المصنف منه.

و على كل فقد لخصه المصنف على ما استفاده من كلامه في ان مرجعه الى مقدمتين:

الاولى: نعلم باننا يجب علينا الرجوع الى الكتاب و السنة، و مراده من السنة هو السنة المحكية بالخبر الحاكي دون السنة الواقعية التي هي قول المعصوم او فعله او تقريره، لوضوح ان الرجوع اليها انما يمكن التكليف به لأهل زمان الحضور، اما في‏

40

.....

____________

زمان الغيبة فلا يعقل، فلا بد و ان يكون المراد بالتكليف بالرجوع اليها هو الرجوع الى الحاكي عنها، و الاخبار المتواترة فيها و ان كان تقيد العلم بها إلّا انه في الحقيقة يفيد العلم بان المحكي به هو مطابق للواقع من السنة، و بهذا المعنى قالوا ان الخبر المتواتر يفيد العلم بقول المعصوم: أي ان المحكي به يعلم بانه مطابق لها حقيقة. و مثله مرادهم من قوله ان نعلم بوجود الخبر الصادر من المعصوم في ضمن ما بأيدينا من الاخبار، فان مرادهم منه هو العلم بالخبر الحاكي لها المطابق لها حقيقة و واقعا، فان الواصل الينا هو قول الراوي قال الامام كذا او فعل كذا او قرر كذا، و حيث كان ما نقله الراوي متواترا فلذا نعلم بان ما حكاه الراوي هو مطابق لقول الامام الذي تكلم به و لفعله و تقريره اللذين صدرا منه مطابقة واقعية حقيقية، فلا بد و ان يكون التكليف بالرجوع الى السنة في زماننا هذا هو التكليف بالرجوع الى الحاكي عنها.

و يدل ايضا على ان مراده من السنة هو الحاكي لها هو المقدمة الثانية كما سيأتي بيانها.

هذا، مضافا الى ما ادعاه المصنف من تصريح المحقق المحشي في ذيل كلامه بان مراده من السنة هو الحاكي لها فراجع.

و قد اشار الى هذه المقدمة بقوله: «انا نعلم بكوننا مكلفين بالرجوع الى الكتاب و السنة الى يوم القيامة».

لا يقال: ان ظاهر اقتران السنة بالكتاب مما يدل على ان مراده من السنة نفس قول المعصوم او فعله او تقريره أي السنة الواقعية دون السنة المحكية.

فانا نقول: انه لما كان للكتاب الكريم وجود كتبي امكن الرجوع اليه بنفسه: أي الى وجوده الكتبي، و ليس للسنة وجود كتبي بل ليس الموجود لها الا الحكاية، فاقتران السنة بالكتاب لا يقتضي ان يكون مراده منها هو السنة الواقعية.

المقدمة الثانية: ما اشار اليها بقوله: «فان تمكنا ... الى آخره» و توضيحها ان المصنف قد فهم من كلام المحشي (قدس سره) ان التكليف بالرجوع الى السنة هو على‏

41

.....

____________

نحو الموضوعية كما يشير اليه قوله في آخر كلامه في مقام الايراد على الشيخ الاعظم «ان ملاكه ... الى آخره» و سيأتي بيانه ان شاء اللّه، فالرجوع اليها و ان كان على نحو الموضوعية إلّا انه لما كان المكلف به هو الرجوع الى السنة الحاكية لقول المعصوم ففي مقام الانفتاح العقل يحكم بالرجوع الى السنة الحاكية التي يعلم بمطابقتها للسنة الواقعية او يعلم بجعلها تعبدا.

و بعبارة اخرى: عند انفتاح باب العلم و العلمي لا بد من الرجوع اما الى الخبر المقطوع بموافقته للسنة الواقعية، و هو مثل الخبر المتواتر الذي نعلم بان المخبر به فيه هو الحكم الواقعي او الى الخبر المقطوع بحجيته و اعتباره، و هذا هو مراده من قوله: «فان تمكنا من الرجوع اليهما على نحو يحصل العلم بالحكم» و ذلك بالرجوع- مثلا- الى الخبر المتواتر «او ما بحكمه» و هو الرجوع الى الخبر المقطوع بحجيته.

و اما في مقام انسداد باب العلم و العلمي كما هو المفروض في مقامنا لانا في مقام اقامة الدليل العقلي على حجية الخبر، مع فرض انه هو الدليل على حجية الخبر دون الادلة التي تقدمت كالآيات و الروايات و الاجماع، فلا بد من فرض انسداد باب العلم و العلمي، و مع الانسداد فالعقل يحكم بالرجوع الى ما هو مظنون الصدور أو مظنون الاعتبار، لوضوح ان كل تكليف لا بد من امتثاله اما بالعلم او العلمي و إلّا فبالظن، و الى هذا اشار بقوله: «و إلّا فلا محيص عن الرجوع على نحو يحصل الظن به في الخروج عن عهدة هذا التكليف» و هو التكليف بالرجوع الى السنة، ففي مقام الانفتاح و امكان ان نعرف السنة المامورين بالرجوع اليها لا بد من الرجوع الى السنة المقطوع بمطابقتها للسنة الواقعية او الى السنة المقطوع باعتبارها، و في مقام الانسداد فالتكليف بالرجوع الى السنة لا بد من التنزل فيه من العلم و العملي الى ما هو المظنون بصدوره او المظنون باعتباره، و لذا قال (قدس سره): «فلو لم يتمكن من القطع بالصدور او الاعتبار» كما هو فرض مقامنا «فلا بد من التنزل الى الظن باحدهما» أي لا بد من التنزل الى مظنون الصدور او مظنون الاعتبار.

42

[ما أورده المصنف (قده) على كلام المحقق صاحب الحاشية (قده)]

و فيه: إن قضية بقاء التكليف فعلا بالرجوع إلى الاخبار الحاكية للسنة، كما صرح بأنها المراد منها في ذيل كلامه زيد في علو مقامه إنما هي الاقتصار في الرجوع إلى الاخبار المتيقن الاعتبار، فإن و فى،: و إلى أضيف إليه الرجوع إلى ما هو المتيقن اعتباره بالاضافة لو كان، و إلا فالاحتياط بنحو عرفت، لا الرجوع إلى ما ظن اعتباره، و ذلك للتمكن من الرجوع علما تفصيلا أو إجمالا، فلا وجه معه من الاكتفاء بالرجوع إلى ما ظن اعتباره. هذا مع أن مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع إلى السنة- بذاك المعنى- فيما لم يعلم بالصدور و لا بالاعتبار بالخصوص واسع (1).

____________

لا يقال: انه اذا كان المراد من السنة في كلام المحشي هي الاخبار الحاكية للسنة فالتكليف بالرجوع اليها معناه حجيتها، فلا وجه لهذا التكليف في حكم العقل بالرجوع اولا الى الاخبار المقطوعة الصدور ثم الاخبار المقطوعة الاعتبار في حال الانفتاح، و في حال الانسداد الى مظنون الصدور او الاعتبار، بل الاخبار كلها تكون مقطوعة الاعتبار.

فانه يقال: ان التكليف بالرجوع الى السنة الحاكية أي الاخبار ليس فيه اطلاق و انما هو في الجملة: أي ان الاجماع من الشيعة او من المسلمين او الضرورة دليل لبي لا اطلاق فيه، فهو يدل على لزوم الرجوع الى السنة الحاكية في الجملة، و لذا كان للعقل مجال في الحكم بكيفية امتثال الامر بالرجوع اليها.

(1) توضيح ما اورده المصنف على كلام المحقق المحشي، و قد اورد عليه بإيرادين:

أولهما: هو ان نتيجة كلام المحقق (قدس سره) هو القطع بالتكليف بالرجوع الى السنة الحاكية أي الاخبار التي بأيدينا، و حيث ان المفروض الانسداد و لا نعلم ما هو مقطوع الصدور و لا مقطوع الاعتبار بخصوصه فنتنزل الى الظن باحدهما، و لكن لازم هذا هو الرجوع الى متيقن الاعتبار من الاخبار، فانا و ان كنا لم نعلم بمقطوع الصدور لكنا نعلم بمتيقن الاعتبار، فان الامر بالرجوع الى هذه الاخبار في الجملة ان‏

43

.....

____________

كان على وجه يعم الخبر الموثق فلا اشكال في انه يعم الخبر الصحيح الاعلائي و هو الذي كل رجاله عدول معدلون بعدلين، فان و فى هذا النوع من الخبر بمعظم الفقه او بما نعلم بواسطة الاخذ بهذا النوع بانحلال التكليف بالرجوع الى السنة، و إلّا فنتنزل الى الاخذ بالخبر المتيقن الاعتبار بالاضافة، و هو مثل الخبر الصحيح الذي رجاله عدول و لكنهم معدلون بعدل واحد لا بعدلين، فان لم يف هذا النوع ايضا بانحلال التكليف بأن كنا مع الاخذ بهذين النوعين يبقى العلم الاجمالي بالرجوع الى الاخبار بحاله و لا ينحل الى علم تفصيلي و شك بدوي، فلا بد من العمل بالاحتياط و الاخذ بكل خبر مثبت، و لا تصل الحال الى الظن، لوضوح انه مع امكان امتثال التكليف بالعلم التفصيلي او العلم الاجمالي لا تصل النوبة الى الامتثال الظني، و في مقامنا يمكن امتثال الامر بالرجوع الى السنة، اما تفصيلا فيما اذا و فى النوع الاول او هو مع النوع الثاني بانحلال التكليف الى علم تفصيلي و شك بدوي، و ان لم يكن الاخذ بهذين النوعين وافيا فيمكن الامتثال بالعلم الاجمالي و هو الاحتياط و الاخذ بكل ما اثبت التكليف، و لا تصل النوبة الى الاخذ بالمظنون.

و قد اشار الى هذا الايراد الاول بقوله: «انما هي الاقتصار» أي ان قضية العلم ببقاء التكليف فعلا بالرجوع الى الاخبار الحاكية للسنة هي الاقتصار «في الرجوع الى الاخبار» على الرجوع الى «المتيقن الاعتبار» من الاخبار كالخبر الصحيح الاعلائي «فان و فى» بان انحل به التكليف بالرجوع الى الاخبار الحاكية للسنة «و إلّا» فنتنزل الى النوع الثاني من الخبر الصحيح و هو مراده من قوله: «و إلّا اضيف اليه الرجوع الى ما هو المتيقن اعتباره بالاضافة» أي بالاضافة الى النوع الاول من الخبر الصحيح «و إلّا» أي و ان لم يف هذان النوعان «فالاحتياط بنحو عرفت» و هو الاخذ بكل ما اثبت التكليف «لا الرجوع الى ما ظن اعتباره و ذلك» أي ان السبب في ان نتيجة ما ذكره هو الرجوع الى الاخبار الحاكية للسنة بالنحو الذي ذكرناه لها لا بالرجوع الى مظنون الاعتبار، هو انه مع امكان الامتثال اما بنحو العلم‏

44

.....

____________

التفصيلي او بنحو العلم الاجمالي لا تصل النوبة الى الامتثال الظني، و لذا قال (قدس سره): «للتمكن من الرجوع» الى السنة الحاكية بنحو يوجب رجوعنا «علما تفصيلا» بالامتثال «او» علما «اجمالا» بالامتثال، و متى امكن الامتثال اما تفصيلا او اجمالا «فلا وجه معه من الاكتفاء بالرجوع الى ما ظن اعتباره».

ثانيهما: ما اشار اليه بقوله: «مع ان مجال المنع ... الى آخره» و حاصله: انا نمنع القطع بالتكليف بالرجوع الى السنة الحاكية فعلا في حال الانسداد، فان الاجماع من المسلمين و من الشيعة انما هو على الرجوع الى السنة الحاكية المعلومة الصدور بعينها أو المعلومة الاعتبار بعينها، و ليس هناك اجماع محقق مع فرض الانسداد، و المتيقن من المسلمين و الشيعة و ان كان هو الرجوع فعلا الى السنة الحاكية إلّا أن المجمعين كلهم او جلهم ممن يرى انفتاح باب العلم و العلمي، و لم يظهر منهم الاجماع على الرجوع اليها حتى مع الانسداد.

و محصل ما ذكره الماتن هو: ان القدر المتيقن قيام الاجماع على الاخذ بالسنة الحاكية في حال الانفتاح، و في حال الانفتاح يكون الخبر المعلوم الاعتبار معلوما بعينه، و لم يثبت اجماع في فرض الانسداد ليكون الاجماع مستلزما للاخذ بالسنة في الجملة و لذا قال (قدس سره): «مع ان مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع الى السنة الحاكية بذاك المعنى» أي مع فرض الانسداد لا نعلم بانا مكلفون فعلا بالرجوع الى الاخبار الحاكية للسنة، و هو مراده من قوله: «فيما لم يعلم بالصدور و لا بالاعتبار بالخصوص»، و قوله «واسع» هو خبران: أي ان مجال المنع واسع.

45

[مناقشة المصنف (قده) في ايراد الشيخ (قده) عليه‏]

و أما الايراد عليه: برجوعه إما إلى دليل الانسداد لو كان ملاكه دعوى العلم الاجمالي بتكاليف واقعية، و إما إلى الدليل الاول، لو كان ملاكه دعوى العلم بصدور أخبار كثيرة بين ما بأيدينا من الاخبار (1).

ففيه: إن ملاكه إنما هو دعوى العلم بالتكليف، بالرجوع إلى الروايات في الجملة إلى يوم القيامة، فراجع تمام كلامه تعرف حقيقة مرامه (2).

____________

(1) لا يخفى ان الشيخ الاعظم (قدس سره) قد اورد على ما افاده المحقق المحشي بعد ان لم يستوضح ان مراد المحشي من السنة هي السنة الحاكية في الجملة، بما حاصله ان مراد المحقق المحشي من قوله انا نعلم بكوننا مكلفين بالرجوع الى السنة:

اما ان يكون هو السنة الواقعية، و السنة الواقعية هي التي تتضمن الاحكام الواقعية، و تلك السنة الواقعية مطابقة لما بأيدينا من الاخبار، فيرجع كلامه الى العلم الاجمالي بالتكليف باحكام واقعية، فمرجع هذا الى دليل الانسداد، و ما ذكره هو مقدمة واحدة من مقدماته، و لا بد من ضم بقية مقدمات دليل الانسداد اليها، و نتيجتها اما الظن الواقعي من أي طريق حصل، او الظن بالطريق، او الظن بكليهما كما سيأتي بيانه مفصلا في دليل الانسداد ان شاء اللّه.

و اما ان يكون مراده من السنة هي الاخبار المعلومة الصدور، و اطلاق السنة عليها باعتبار مطابقتها حقيقة للسنة الواقعية، فيكون مرجع ما ذكره الى العلم بوجود الاخبار المعلومة الصدور فيما بأيدينا من الاخبار، و هذا هو الوجه الاول المتقدم.

و على كل فلا يكون ما ذكره دليلا عقليا ثالثا على حجية الخبر الواحد بالخصوص.

و المتحصل مما فهمه الشيخ هو الامر بالرجوع الى السنة من باب الطريقية، و عبارة المتن واضحة.

(2) حاصله: انه لا وجه للايراد على المحقق المحشي بما ذكره الشيخ، لان مراده ليس السنة الواقعية حتى يرجع الى الانسداد، و لا الاخبار المعلومة الصدور حتى يرجع‏

46

[أدلّة حجية مطلق الظن‏]

فصل في الوجوه التي أقاموها على حجية الظن (1)، و هي أربعة:

____________

الى الدليل الاول، بل مراده هو الاخبار التي بأيدينا في الجملة. و قد ذكرنا الامارات الدالة على أن مراده من السنة هو ما ذكرناه، و لتصريحه بذلك في ذيل كلامه.

و لازم كون الرجوع الى السنة لا من باب الطريقية و ليس باعتبار مطابقتها للسنة الواقعية- هو كون الرجوع اليها من باب الموضوعية.

و اذا كان مراده هو الرجوع الى السنة الحاكية في الجملة من باب الموضوعية لا يرد عليه ما ذكره الشيخ، بل يرد عليه ما ذكرناه، و لذا قال (قدس سره): «ان ملاكه» أي ان ملاك ما ذكره المحقق المحشي «انما هو دعوى العلم بالتكليف بالرجوع الى الروايات» التي بأيدينا «في الجملة الى يوم القيامة» و هو مراده من السنة دون السنة الواقعية و دون الاخبار المعلومة الصدور.

(1) قد اقاموا وجوها اربعة على حجية مطلق الظن، و لا يخفى ان ظاهر بعض الوجوه الآتية هو حكم العقل بحجية الظن، و هذا ينافي ما تقدم من الاصل الاولي عقلا و شرعا و هو عدم حجية الظن.

و ما يقال من انه لا منافاة بين الامرين، فان الاصل الاولي هو عدم حجية الظن بالنظر الى نفس الظن و الحجية، و ما يأتي من بعض الوجوه المقامة لحجية الظن انما هو بملاحظة حالة طارئة، و لا منافاة بين ان يكون الشي‏ء بالنظر الى ذاته ليس بحجة، و بالنظر الى حالة طارئة عليه حجة.

فانه يقال: ان ظاهر بعض الوجوه هو كون الظن علة تامة للظن بالعقوبة و هي علة تامة ايضا للحجية كما سيأتي بيانه، و لا يختلف حال العلية في حال من الاحوال، فان الظن بالحكم دائما يكون علة لذلك اذا تم هذا الوجه المدعى لحجية الظن، فليس هذا من قبيل الحالة الطارئة.

47

الاول: إن في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم الوجوبي أو التحريمي‏

[الوجه الاول: استلزام مخالفة المجتهد لما ظنه للضرر]

مظنة للضرر، و دفع الضرر المظنون لازم.

أما الصغرى، فلان الظن بوجوب شي‏ء أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة على مخالفته أو الظن بالمفسدة فيها، بناء على تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد (1).

____________

و الاولى: ان يقال في مقام الجمع بين الكلامين- حيث يكون القائل هنا بحجية الظن هو ممن يقول بعدم حجيته بالاصل الاولي-: ان النظر في مقام الاصل بالنسبة الى الظن مهمل من حيث الانفتاح و الانسداد، و النظر في المقام مقيد بكونه في حال الانسداد، و حينئذ يصح ان يقال انه لا منافاة بين ان لا يكون الشي‏ء بحسب ذاته علة لشي‏ء و ان يكون مقيدا بشي‏ء علة تامة له. و لعل هذا هو مراد من اجاب اولا بانه لا منافاة بين ان يكون الشي‏ء بالنظر الى ذاته ليس بحجة و بالنظر الى حالة طارئة عليه حجة.

(1) هذا الوجه الاول مركب من صغرى و كبرى.

اما الصغرى و هي ان ظن المجتهد بالحكم مستلزم للظن بكون مخالفة ذلك الحكم المظنون مستلزما للضرر، فالظن بالحكم مما يستلزم الظن بالضرر عند مخالفته.

و قبل توضيحه نقول انما خص الظن بالمجتهد لانه مقام الشبهة الحكمية المختصة بالمجتهد دون الشبهة الموضوعية التي يشارك المقلد المجتهد فيها.

و توضيح هذه الصغرى: انه لا ريب ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد، فالمصالح و المفاسد كعلة للاحكام الشرعية، و لا ريب ايضا ان مخالفة الحكم الشرعي علة للعقوبة، لبداهة كون مخالفة الحكم الالزامي مما يستوجب استحقاق العقاب، و من الواضح ايضا ان العقوبة من الضرر، بل هي من اعظم الاضرار، و مما لا ريب فيه ايضا ان التلازم بين العلة و المعلول من اعلى مراتب التلازم، و لا يعقل انفكاك المتلازمين في أي مرحلة من المراحل، فهما متلازمان واقعا و متلازمان‏

48

.....

____________

في مقام العلم، فان العلم باحدهما يلازمه العلم بالآخر، و الظن باحدهما يلازمه الظن بالآخر، و احتمال احدهما يلازمه احتمال الآخر. و لما كان الحكم معلولا للمصلحة او المفسدة و مخالفته علة لاستحقاق العقوبة، فيكون الظن به مستلزما للظن بعلته و هي المصلحة او المفسدة، و للظن بمعلوله و هو استحقاق العقاب على مخالفته، فالظن بالحكم مما يستلزم الظن بالعقوبة عند مخالفته، و قد عرفت ان العقوبة ضرر، فلازم الظن بالحكم هو الظن بالضرر عند مخالفته.

و قد ظهر مما ذكرنا من كون الاحكام معلولة للمصالح و المفاسد و من كون الظن بالمعلول ظنا بالعلة ان الظن بالحكم مستلزم للظن بالضرر الدنيوي من جهة ان مخالفته ترك للمصلحة الملزمة فيما اذا كان هو الوجوب، و ارتكاب للمفسدة فيما اذا كان هو الحرمة، و لا ريب ان فعل المفسدة و ترك المصلحة ضرر دنيوي، فالظن بالحكم مستلزم للظن بالضرر من ناحية علته و هي المصلحة و المفسدة و من ناحية معلوله و هي العقوبة.

و لا يخفى ان كون الحكم معلولا للمصلحة او المفسدة مبني على مذهب المشهور من العدلية، و اما كون مخالفة الحكم علة لاستحقاق العقاب فهو مسلم عند الكل.

و قد تبيّن ايضا مما ذكرنا: ان الظن بالضرر انما هو في الحكم الالزامي لانه هو الذي يكون مخالفته مستوجبة لاستحقاق العقاب، اما الحكم غير الالزامي فلا عقاب فيه حتى يكون مخالفته مما يستوجب الظن بالضرر.

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «اما الصغرى فلان الظن بوجوب شي‏ء او حرمته» و هو الحكم الالزامي «يلازم الظن بالعقوبة على مخالفته» لانها معلولة له، و الظن بالعلة يلازم الظن بالمعلول «او الظن بالمفسدة» من جهة ان الظن بالمعلول يستلزم الظن بعلته. و لما كان الحكم- بناء على مذهب المشهور من العدلية- تابعا للمصالح و المفاسد فلا بد ان يكون الظن بالحكم مستلزما للظن بكون مخالفته مستلزمة اما لترك‏

49

و أما الكبرى، فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون، و لو لم نقل بالتحسين و التقبيح، لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما، بل يكون التزامه بدفع الضرر المظنون بل المحتمل بما هو كذلك و لو لم يستقل بالتحسين و التقبيح، مثل الالتزام بفعل ما استقل بحسنه، إذا قيل باستقلاله، و لذا أطبق العقلاء عليه، مع خلافهم في استقلاله بالتحسين و التقبيح، فتدبر جيدا (1).

____________

المصلحة او للوقوع في المفسدة و كلاهما مفسدة، و لذا جمعهما بقوله: «او الظن بالمفسدة فيها» أي في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم.

و لما كان ذلك مبنيا على مذهب بعض دون بعض و هو مشهور العدلية اشار الى ذلك بقوله: «بناء على تبعية الاحكام للمصالح و المفاسد».

(1) قد عرفت ان هذا الوجه مركب من صغرى و كبرى، و قد عرفت الصغرى و هي كون الظن بالحكم مما يستلزم الظن بكون مخالفته ضررا.

و اما الكبرى: فهي استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون، فالظن بالحكم ظن بالضرر و الضرر المظنون يجب دفعه، و الناتج منهما وجوب دفع مخالفة الحكم المظنون، و دفع مخالفته ليس إلّا بامتثاله فيجب اتباع الحكم المظنون، و هذا معنى حجيّة الظن بالحكم، و قد مرّ ذكر الوجه في الصغرى.

و اما الوجه في الكبرى: و هي دعوى استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون فحاصله: ان ملاك استقلال العقل بذلك من طريقين:

الاول: انه احد مصاديق قاعدة الحسن و القبح العقليين، فان العقلاء بنوا على مدح فاعل بعض الافعال و على ذم فاعل بعض الافعال حفظا للنظام و ابقاء للنوع، و نجدهم يذمون على ارتكاب الضرر المظنون و يمدحون على تركه، فهذا المدح و الذم في المقام هو الملاك لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المظنون.

50

.....

____________

و لا يخفى ان الملاك لهذه القاعدة اذا كان الحسن و القبح العقليين فهو يتم عند من يقول بالحسن و القبح العقليين، اما مثل الاشاعرة فلا يتم الاستدلال على وجوب دفع الضرر المظنون عندهم من هذه الجهة، لانهم لا يقولون بالحسن و القبح العقليين.

الثاني: ان الملاك لاستقلال العقل بوجوب دفع الضرر المظنون هو ان العاقل لا يقدم على الضرر المظنون، بل من طبيعة كل ذي شعور هو الفرار من الضرر المظنون، و هذا مما لا يختلف فيه احد، و العقلاء كلهم قد اطبق عملهم عليه بل هو من طبيعة كل ذي شعور، فانه بجبلته يفر عن الضرر المظنون.

و لا اشكال ان العقلاء اذا اطبقوا في مقام العمل على شي‏ء فيصح للشارع الاعتماد على ما اطبقوا عليه في تنجيز اوامره، بل هو بما انه رئيس العقلاء فلا طريقة له غير طريقتهم، فاذا ظن المجتهد بالحكم فحيث انه يظن بالضرر في مخالفته فلو اصاب ظنه الواقع كان للشارع عقابه، و هذا هو معنى حجية الظن، فان الحجية هو التنجيز عند الاصابة للواقع و العذر عند المخالفة.

و قد اشار المصنف الى ان هذا الطريق الثاني هو الملاك لاستقلال العقل بهذه الكبرى، و هي وجوب دفع الضرر المظنون، لانه مما اطبق عليه جميع العقلاء من دون حاجة الى الاستدلال عليه بقاعدة الحسن و القبح لانها مما وقع الخلاف فيها، و لذا قال: «و اما الكبرى فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون» لانه من ما اطبق عليه العقلاء بما هم عقلاء، بل هو من جهة كل ذي شعور، فيجب دفع الضرر المظنون «و لو لم نقل بالتحسين و التقبيح العقليين لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه» أي عدم انحصار ملاك حكم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون «بهما» أي بقاعدة التحسين و التقبيح العقليين «بل يكون التزامه» أي التزام العقل «بدفع الضرر المظنون بل المحتمل» أي ان العاقل بل كل ذي شعور يفرّ عن الضرر المحتمل فضلا عن الضرر المظنون بما هو عاقل و له شعور، و هذا من الامور التي التزمتها العقلاء و هو لزوم دفع الضرر المظنون بل الضرر المحتمل «بما هو كذلك» أي بما هو