بداية الوصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج9

- الشيخ محمد طاهر آل راضي المزيد...
379 /
1

المقصد الثامن في تعارض الادلّة و الامارات (1)

.

فصل‏

التعارض هو تنافي الدليلين أو الادلة بحسب الدلالة و مقام الاثبات على وجه التناقض أو التضاد حقيقة أو عرضا، بأن علم بكذب أحدهما إجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلا (2)، و عليه فلا تعارض بينهما

____________

[المقصد الثامن مبحث التعادل و التراجيح‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

(1) و بهذا المقصد الثامن تنتهي مقاصد الكتاب، لان مبحث الاجتهاد و التقليد من الخاتمة لا من المقاصد. و انما كان مبحث التعارض من المقاصد لان نتيجة هذا المبحث مما تقع في طريق الاستنباط، لوضوح انه بعد تعارض الادلة، فاما ان تكون متكافئة و لازم ذلك عدم حجيّة احدهما بالفعل، و عليه فالمرجع غير هذه الادلة المتعارضة في الحكم الذي تعارضت فيه، و اما ان لا تكون متكافئة فالمرجع هو الراجح منها، و يكون هو الدليل الذي يثبت به الحكم، و مع كون نتيجتها مما تقع في طريق الاستنباط فهي من المسائل الاصولية، و لذلك كانت من المقاصد.

ثم لا يخفى ان عقد البحث في هذا المقصد انما هو لبيان الحال في تعارض الادلة الاجتهادية، و لما كان المراد هو البحث عن تعارض الحجتين من الامارات فلا بد و ان يكون المراد من الامارات هي الامارات المعتبرة، لوضوح كون الامارة غير المعتبرة ليست بحجة. و على هذا فيكون عطف الامارات في المتن على الادلة من عطف التفسير، لان الدليل الاجتهادي هو الامارة المعتبرة، فلا يكون العطف من عطف العام على الخاص.

(2) توضيح الحال يحتاج الى بيان امور: الاول: ان جعل عنوان هذا المبحث تعارض الادلة اولى من جعل العنوان التعادل و التراجيح، لان التعادل هو التكافؤ في الادلة،

2

.....

____________

و التراجيح هو ترجيح بعضها على بعض. و لا ريب في ان الادلة تتعارض و تتنافى اولا، و بعد تنافيها و تعارضها تكون اما متعادلة او بعضها ارجح من الآخر. و من الواضح ان جعل عنوان المبحث هو الجامع لاقسامه اولى من جعل عنوانه نفس اقسامه، او جعل العنوان الموضوع اولى من جعله الحكم او الاثر المرتب عليه. و من البيّن ان الموضوع للتعادل و التراجيح هو التعارض، لما عرفت من انها تتعارض أولا ثم اما تتعادل او يكون بعضها ارجح.

الثاني: ان التعارض هو من باب التفاعل .. و قد يتوهّم بدوا انه لا بد من وقوع المادة فيه لفاعلين، كمثل تشارك زيد و عمرو، و تضارب بكر و خالد. و لكن مراجعة الاستعمالات الصحيحة ينفي ذلك، فان مثل تعافى زيد عن الامر، و تقاعس عمرو عن النهوض، و تساند زيد الى الجدار، و تماثل للشفاء، و تغابى عن الحق، و تمايل في الهواء، و تهادى في مشيته، مما كان الفاعل فيها واحدا لا اثنين كثير جدا، قد ورد في القرآن الكريم ما كان الفاعل فيها واحدا كقوله تعالى: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ‏ (1) و قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى‏ (2) و قوله عزّ من قائل: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏ (3).

فظهر مما ذكرنا: انه لا يلزم في باب التفاعل ان تدل النسبة فيه على نسبة المادة لفاعلين، بل لو دلّت على ذلك لكانت الهيئة دالة على نسبتين، و من البديهي ان الهيئة انما تدل على نسبة واحدة لا نسبتين، و انما مدلول هيئة التفاعل هي نسبة واحدة خاصة لها طرفان، فقد يكون الطرفان مشتركين في تلك المادة فيكون لباب التفاعل فاعلان كتضارب زيد و عمرو و تشارك بكر و خالد، و قد يكون الفاعل واحدا

____________

(1) المائدة: الآية 3.

(2) النجم: الآية 55.

(3) السجدة: الآية 16.

3

.....

____________

و الطرف له دخل في تحقق هذه النسبة للفاعل، كمثل كون الجدار قد كان متساندا اليه و كون الهواء مما كان التمايل فيه.

و ينبغي ان لا يخفى ان ما قلنا بانه لو كان دالا على المشاركة بين اثنين لكان له نسبتان- لا يخلو عن شي‏ء، فان غايته هو اختصاصه بكون الطرف لا بد و ان يكون مثل الفاعل الاول، و هذا لا يستلزم ان يكون له نسبتان بل له نسبة واحدة، غايته ان الطرف فيها هو لا بد و ان يكون مثل الفاعل الاول.

و مما ذكرنا ظهر ايضا: ان هيئة التفاعل لا تستلزم الدلالة على الاظهار من الفاعل حتى يلزم ان تكون مستندة دائما الى ما له الشعور، فيكون اسنادها الى ما لا شعور له من المجاز اما في الاسناد او في الكلمة، و ذلك لوضوح انا لا نجد في انفسنا لحاظ علاقة في قولنا تمايلت الخشبة في الهواء، بل نرى ان الاسناد في قولنا تمايل زيد في الهواء و تمايلت الخشبة في الهواء اسناد الى ما هو له، و انه على نحو واحد فيهما من غير أيّ فرق اصلا، و ليس قوله تعالى: تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ‏ مجازا اصلا. فلا وجه لما ذكر في المقام من كون باب التفاعل يدل على الاظهار المستلزم لاسناده الى خصوص من له الشعور و ان استعماله في غير ما له الشعور كنسبة التعارض الى الادلة لا بد فيه اما من التزام المجازية باحد نحويها او النقل بحسب الاصطلاح، بل هو استعمال جار على طبع وضع المادة لغة.

[الفصل الاول: تمهيد حول التعارض‏]

[تعريف التعارض‏]

الثالث: شرح الفاظ التعريف للتعارض المذكور في المتن، و هو قوله:

«التعارض هو تنافي الدليلين او الادلة بحسب الدلالة و مقام الاثبات على وجه التناقض او التضاد حقيقة او عرضا» التنافي بين الشيئين هو عدم اجتماعهما في الوجود.

و قد عرّف المشهور التعارض: بتنافي المدلولين، و عرّفه المصنف: بتنافي الدليلين.

و الوجه في عدول المصنف عن تعريف المشهور يتوقف على تمهيد مقدمة، و هي:

ان التنافي المطلق و هو عدم الاجتماع في الوجود متحقق بين المدلولين، لبداهة عدم‏

4

.....

____________

اجتماع الوجوب و عدم الوجوب- مثلا- لانهما متناقضان بالذات، و عدم اجتماع الوجوب و الحرمة لانهما متضادان بالذات على المعروف، فالتنافي بين المدلولين المتناقضين و المتضادين ذاتي. و التنافي بالذات- ايضا- متحقق بين الدالين بما هما حجتان، لعدم امكان الاجتماع ذاتا بين الحجتين القائمتين على الوجوب و عدم الوجوب، و على الوجوب و الحرمة، لوضوح عدم امكان جعل حجتين فعليتين تدل احداهما على الوجوب و الثانية على عدم الوجوب، او تدل احداهما على الوجوب و الثانية على الحرمة. فالتنافي بالذات كما هو متحقق بين المدلولين المتنافيين ذاتا، كذلك متحقق بالذات بين الحجتين الدالتين على ما لا يمكن اجتماعهما.

و لا ينبغي ان يتوهّم: ان التنافي بين المدلولين أولا و بالذات و بين الدليلين ثانيا و بالعرض .. فانه فاسد، لان معنى كون التنافي بين الدليلين ثانيا و بالعرض هو انه يصح سلب التنافي بينهما حقيقة عنهما لانه من الواسطة في العروض، كقولهم جرى الميزاب فانه يصح سلب الجريان عنه حقيقة، لان الجاري حقيقة هو الماء لا الميزاب، مع انه لا يصح سلب التنافي حقيقة عن الحجتين القائمتين على المتنافيين، لما عرفت من عدم امكان جعل حجتين دالتين على المتنافيين، فالتنافي بالذات كما ينسب على وجه الحقيقة الى المدلولين ينسب- ايضا- على وجه الحقيقة الى الحجتين الدالتين.

نعم التنافي بين المدلولين واسطة في الثبوت للتنافي الحقيقي بين الدليلين، و لازم كونه من الواسطة في الثبوت هو ثبوت التنافي حقيقة للدليلين ... هذا كلّه في التنافي.

و اما التعارض فهو اخص من مطلق التنافي، لانه يصح ان يقال: تعارض الخبران، و لا يصح ان يقال تعارض الحكمان. و لعل السبب في ذلك هو ان التعارض كون الشي‏ء واقعا في طريق الآخر و مانعا دونه، و حيث ان الدليل هو الموصل للمدلول و الطريق اليه فهو الذي يقع في طريق الدال الآخر و يعترض سبيله. فالتعارض هو خصوص التنافي بين الطريقين، و لذا اذا لم يكن بين الطريقين تناف بان كان لسان احدهما لسان الحكومة على الآخر و المفسّريّة له، يخرجان عن عنوان التعارض‏

5

.....

____________

المبحوث عنه في المقام مع وجود التنافي حقيقة و لبّا بين المدلولين، فالتعارض هو التنافي الخاص- لا مطلق التنافي- و هو التنافي بين الدليلين، لما عرفت من ان الدليل الحاكم و المحكوم لا تعارض بينهما مع تحقق التنافي بين مدلوليهما لبّا و حقيقة، و لذلك عدل المصنف عن تعريف المشهور بكون التعارض تنافي المدلولين الى تعريفه بانه تنافي الدليلين.

و المراد من الدليلين و الادلة: هو الدليل بما هو دليل قد اعتبر حجة بالجعل الشرعي، و على هذا فيكون قوله: و مقام الاثبات، من عطف التفسير كما مرّت الاشارة الى ذلك في الحاشية المتقدّمة، لوضوح انه لا تعارض بين الدليلين غير المعتبرين و ان كان بينهما تناف، لعدم وقوع كل منهما مانعا و معترضا سبيل الآخر حيث لا يثبت بهما حكم، فليس لهما مقام الاثبات حتى يتمانعا.

قوله: «على وجه التناقض او التضاد حقيقة» كون الدليلين متناقضين حقيقة بان يدل احدهما على وجوب شي‏ء و الآخر على عدم وجوبه، و كون الدليلين متضادين حقيقة بان يدل احدهما على وجوب الشي‏ء و الآخر على حرمته مثلا.

قوله: «او عرضا» المراد من قوله عرضا- في قبال الحقيقة- ليس الواسطة في العروض لانه كما سيأتي انه يكون التنافي حقيقيا. ايضا التنافي بين الدليلين بالعرض هو ان يكون متعلق احد الدليلين عير متعلق الآخر، كما لو دلّ احد الدليلين على وجوب الظهر و الآخر على وجوب الجمعة، و كنا قد علمنا من الخارج بكذب احدهما، و لو لعلمنا بانه لا يجب في الظهر فرضان الجمعة و الظهر، فاما ان تجب الجمعة فلا يجب الظهر او يجب الظهر فلا تجب الجمعة ... و مما ذكرنا ظهر: ان وقوع التنافي بينهما لا لتنافيهما في الدلالة، لوضوح عدم التنافي بينهما في الدلالة، لان احدهما قد دلّ على وجوب الظهر و الآخر على وجوب الجمعة، و لا تنافي بين هاتين الدلالتين، الّا انه حيث علمنا بكذب احدهما فنعلم بعدم صدورهما معا، و ان الصادر لا بد و ان يكون احدهما، فمن هذه الجهة التي قد عرضت يقع التنافي بينهما،

6

.....

____________

فلذا كان التنافي بينهما عرضا لا حقيقة: أي عارضا لا أولا و بالذات، و ان كان بعد العلم بذلك يكون التنافي بينهما حقيقيا.

بقي شي‏ء: و هو ان قوله عرضا هل يرجع الى التناقض و التضاد معا، او يختصّ بخصوص التضاد؟ .. و يظهر من بعض الاعلام المحشين انه يختص بالتضاد و لا يشمل التناقض، نظرا الى ان التناقض هو عدم اجتماع الوجود و العدم، و التضاد هو عدم اجتماع الامرين الوجوديين، فان وردا على محلّ واحد كان التضادّ حقيقيا، و ان لم يردا على محل واحد بل كان عدم اجتماعهما للعلم بان الموجود احدهما كان التضاد عرضيا. فالتناقض لا ينقسم الى حقيقي و عرضي، و التضاد هو المنقسم الى حقيقي و عرضي، و لما كان المفروض في المقام ان التنافي انما حصل للعلم بكذب أحد الدليلين بعد كونهما امرين وجوديين لم يردا على محل واحد، فالتنافي بينهما من التضاد العرضي.

إلّا انه يمكن ان يقال بامكان رجوع قوله عرضا الى التناقض و التضاد معا، و ان التناقض ايضا ينقسم الى حقيقي و عرضي كالتضاد، و ذلك انه بعد ان لم يكن بين الدليلين بذاتهما تناقض و لا تضاد حقيقي لعدم وحدة الموضوع، و انما جاء التنافي بينهما من جهة العلم بعدم اجتماعهما: فتارة نعلم بعدم اجتماعهما فقط، و لازم ذلك ان يحصل لنا في كل واحد منهما بخصوصه احتمال الوجود و العدم، و من هذه الحيثية يكون الحكم الترجيح بينهما او التخيير. و اخرى نعلم زيادة على عدم اجتماعهما حرمة احدهما، بان نعلم ان الواجب هو اما الظهر او الجمعة، و انه لو كان الواجب هو الظهر فالجمعة محرّمة و بالعكس. فان كانت جهة التنافي بينهما هو العلم بعدم اجتماعهما فقط فهذا التنافي مستلزم للتناقض العرضي، و ان كان التنافي من جهة العلم بحرمة احدهما فلا بد و ان يكون هذا التنافي مستلزما للتضاد العرضي، لان كل واحد منهما مما يحتمل كونه هو الواجب او انه هو المحرّم .. و ما اشار اليه من كونهما امرين وجوديين لم يردا على محل واحد فلا بد و ان يكون التنافي بينهما هو

7

بمجرد تنافي مدلولهما، إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض‏

____________

التضاد و العرضي .. فالجواب عنه: ان التنافي انما حصل لامر خارج عن الامرين الوجوديين لانه بعد ان كانا مما لم يردا على محل واحد فحال التضاد حال التناقض في كونه ليس من الحقيقي، فالمدار في التنافي هو ما يؤدّي اليه ذلك الامر الخارج، فان ادّى الى عدم الاجتماع و ان الموجود احدهما فقط كان ذلك التنافي من التناقض، لمرجعه الى ان كلا منهما اما واجب او ليس بواجب، و ان كان ما يؤدي اليه ذلك الامر الخارج هو العلم بكون احدهما هو الواجب و الثاني على فرضه يكون محرما فذلك التنافي المستفاد منه هو التنافي بنحو التضاد العرضي.

و قد اشار الى التنافي العرضي- و انه حيث لا يكون بين الدليلين تناف بالذات لا بنحو التناقض بالذات حيث يدل احدهما على الوجوب و الآخر على عدم الوجوب، و لا بنحو التضاد بالذات بان يدل احدهما على الوجوب و الآخر على الحرمة، و ذلك بان لا يكون بينهما تناف اصلا، كما عرفت في المثال من دلالة احد الدليلين على وجوب الظهر و الآخر على وجوب الجمعة، فلمّا لم يردا على موضوع واحد لم يكن بينهما تناف بالذات اصلا، لعدم المانع عقلا من وجوب الظهر و الجمعة معا، و لكن حيث علمنا من الخارج بكذب احدهما و ان الصادر احدهما بنحو الاجمال حدث التنافي بين هذين الدليلين- بقوله: «بان علم بكذب احدهما اجمالا مع» فرض «عدم امتناع اجتماعهما اصلا» لوضوح عدم الامتناع عقلا بين اجتماع الدليلين الذي كان مفاد احدهما وجوب الظهر و مفاد الآخر وجوب الجمعة.

8

و الخصومة (1)، بأن يكون أحدهما قد سيق ناظرا إلى بيان كمية ما أريد

____________

(1) لا يخفى ان هذا التفريع، و هو انه على ما ذكر من كون التعارض تنافي الدليلين دون المدلولين كما عرّفه المشهور، فلا محالة يتفرّع عليه انه فيما كان احد الدليلين حاكما و الآخر محكوما، او كان التوفيق العرفي بينهما يقضي بالتصرّف فيهما الرافع للمعارضة، او كان احدهما واردا على الآخر، او كان احدهما مخصّصا للآخر ..

فان هذه الموارد كلّها خارجة عن مبحث التعارض على تفسير المصنف: من كون التعارض هو تنافي الدليلين، لعدم التنافي بين الدليلين فيما كان احدهما له لسان الحكومة التي معناها كون الحاكم مبيّنا و مفسّرا و شارحا للمحكوم، فلا يكون بينهما تناف لوضوح عدم التنافي بين الدليل المشروح و الدليل الشارح. و مثله في عدم التنافي بين الدليلين فيما كان احدهما واردا و الآخر مورودا، فانه مع ارتفاع موضوع الدليل المورود حقيقة بواسطة الدليل الوارد لا يكون بين الدليلين تناف. و كذلك الحال في مورد التوفيق العرفي بين الدليلين فان العرف اذا كان يرى التصرّف في احدهما او في كليهما متعيّنا لا يكون للدليلين مع تعيين التصرّف تناف بينهما. و كذا العام و الخاص فانه بعد تقديم الخاص على العام في مقام الحجية بما مآله الى عدم حجية العام عند قيام حجة اقوى على خلافه في بعض افراده، فعليه لا يكون بين الدليلين تناف، و هو واضح.

و هذا بخلاف تفسير التعارض على المشهور، فانه اذا كان التعارض هو تنافي المدلولين فان في هذه الموارد كلها التنافي بين المدلولين متحقق، لان كون احدهما في مقام الدليلية غير مناف للآخر في مقام دليليته لا يلازم ارتفاع التنافي بين المدلولين، فان التنافي بين المدلولين باق و ان كان احد الدليلين حاكما و الآخر محكوما.

و لذا قال (قدس سره): «فلا تعارض بينهما» أي بين الدليلين «بمجرد تنافي مدلولهما اذا كان بينهما حكومة» لان الحكومة هي كون الحاكم شارحا و مفسّرا للمحكوم و لا تنافي بين الدليل الشارح و الدليل المشروح، و هذه الحكومة تكون‏

9

من الآخر، مقدما كان أو مؤخرا (1)، أو كانا على نحو إذا عرضا على العرف وفق بينهما بالتصرف في خصوص أحدهما، كما هو مطرد في‏

____________

«رافعة للتعارض و الخصومة» بين الدليلين مع بقاء التنافي بين مدلوليهما، لوضوح ان الشارحيّة و المفسّرية انما هي للدليل الدال على كونه شارحا للدليل الآخر لا للمدلول.

فاتضح مما ذكر: ان هذا التفريع هو الثمرة بين تفسير المصنف و تفسير المشهور، فان هذه الموارد بناء على تفسير المصنف للتعارض بانه تنافي الدليلين تخرج هذه الموارد عن مبحث التعارض، و بناء على تفسير المشهور تدخل في مبحث التعارض لبقاء التنافي بين المدلولين في هذه الموارد.

(1) لما فرغ عن خروج الموارد المذكورة عن مبحث التعارض بناء على تفسيره بانه تنافي الدليلين دون المدلولين- تعرض لبيان جملة منها ...

[تعريف الحكومة]

فاشار أولا الى معنى الحكومة في نظره بقوله: «بان يكون احدهما قد سيق ناظرا الى بيان كمية ما اريد من الآخر مقدّما كان او مؤخّرا» ... و توضيح مراده بامور:

الاول: ان معنى حكومة دليل على دليل آخر هو كون الدليل الحاكم مسوقا لبيان حال الحكم من الدليل المحكوم، و ناظرا الى مقام اثبات حكمه ببيان كمية مقدار الافراد التي يثبت لها الحكم فيه.

فتارة: يكون الحاكم موسّعا لافراد المحكوم، مثل قاعدة الطهارة بالنسبة الى الدليل الدال على شرطية الطهور في الصلاة كقوله (عليه السّلام): (لا صلاة الّا بطهور) (1) فانه بناء على كون الظاهر من قوله لا صلاة الّا بطهور كون الشرط هو الطهارة الواقعية، فان قاعدة الطهارة الدالة على كون الشاك في الطهارة واجدا للطهارة تكون مبيّنة للكمية التي اريدت من قوله لا صلاة إلّا بطهور، و انها تشمل الافراد الواقعية

____________

(1) الوسائل ج 1: 256/ 6 باب 1 من أبواب الوضوء.

10

.....

____________

و المشكوكة. و قد ظهر ان هذه الحكومة موسّعة لافراد الطهور الذي هو شرط للصلاة.

و اخرى: تكون مضيّقة لافراد المحكوم كحكومة قوله: (لا شك لكثير الشك) (1) بالنسبة الى ادلة الشكوك، فان قوله- مثلا- من شك بين الثلاث و الاربع يبني على الاربع قد دلّ على لزوم الاعتناء بكل شك، و لزوم البناء فيه على الاربع، و قوله لا شك لكثير الشك قد دلّ ان الاعتناء بالشك انما هو لغير كثير الشك.

الثاني: ان الحاكم لما كان شارحا لكميّة ما اريد ثبوت الحكم له من المحكوم فلا بد من بقاء الموضوع في مورد الدليل الحاكم، لانه لو كان الموضوع مرتفعا واقعا في مورد الدليل الحاكم لما كان الحاكم شارحا للكمية و المقدار في مقام الاثبات، بل يكون خروج مورد الحاكم في مرحلة الثبوت و الواقع .. و بهذا تمتاز الحكومة عن التخصّص و الورود، فانه في التخصّص و الورود يكون المورد خارجا ثبوتا و واقعا لا في مرحلة الاثبات للحكم فقط.

و تمتاز الحكومة عن التخصيص انه لا شرح في الدليل المخصّص، بل هو رافع لحكم العام لا غير، فان قوله لا تكرم زيدا العالم بالنسبة الى اكرم العلماء لا يدل الّا على رفع وجوب الاكرام بالنسبة الى زيد العالم، و ليس فيه دلالة على ان المدلول في اكرم العلماء هو ما عدا زيدا، بخلاف مثل قوله لا شك لكثير الشك بالنسبة الى ادلة الشكوك، فانه لما كان لسانه لسان رفع الشك كان دالا و شارحا للمدلول في ادلة الشكوك و انه هو ما عدا كثير الشك.

الثالث: ان الشيخ الاعظم بعد ان ذكر الحكومة فرّع بنحو الضابط لها بما حاصله: انه لو لم يكن هناك دليل محكوم لكان الحاكم لغوا، و مرجعه الى انه لا بد في الحكومة من وجود الدليل المحكوم.

____________

(1) اورد الحديث بالمضمون، راجع الوسائل ج 5: 329/ 1 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

11

مثل الادلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الاولية، مع مثل الادلة النافية للعسر و الحرج و الضرر و الاكراه و الاضطرار،

____________

و توضيح الحال: ان الحكومة ان كانت هي الشارحيّة الفعلية فلا بد من تحقّق المحكوم فيها بالفعل، لوضوح ان الشارحيّة الفعلية تستدعي مشروحا بالفعل، و حيث لا مشروح بالفعل لا يعقل تحقّق الشارحيّة بالفعل. و ان كانت الحكومة هي الشارحية بالاقتضاء: بمعنى ان يكون الدليل قابلا لان يكون شارحا و مبيّنا لكمية مقدار الدليل الآخر، و على هذا فلا تستدعي الحكومة تحقق مشروح بالفعل.

و يتفرّع على الاول انه لا بد من تقدّم الدليل المحكوم على الدليل الحاكم، لان الحكومة اذا كانت هي الشارحية بالفعل، و لا بد في كون دليل شارحا بالفعل لدليل آخر من تقدّم المشروح على الشارح.

و يتفرّع على الثاني عدم لزوم تقدّم المحكوم على الحاكم، لان الحكومة بناء عليه هي الشارحية بالاقتضاء، بان يكون الدليل الحاكم قابلا لان يكون مبيّنا لكمية دليل آخر، و لا تستلزم الحكومة بهذا المعنى تقدّم المحكوم، بل حيثما تحقق الدليل الذي يمكن ان يكون الدليل الحاكم شارحا له حينئذ تتحقق الحكومة بالفعل، فلا مانع من ان يكون الدليل الحاكم مقدّما على الدليل المحكوم.

و لما كانت الحكومة بنظر الشيخ (قدس سره) هي الشارحية بالفعل، لذا جعل الضابط لزوم تقدّم المحكوم على الحاكم. و المصنف حيث يرى انه لا يشترط في الحكومة الشارحيّة بالفعل، بل الحاكم هو الدليل الذي يكون قابلا لان يكون مبيّنا لكمية دليل آخر، لذلك صرّح في المتن بانه لا مانع من تقدّم الدليل الحاكم على المحكوم بقوله: «مقدّما كان او مؤخرا».

12

مما يتكفل لاحكامها بعناوينها الثانوية، حيث يقدم في مثلهما الادلة النافية، و لا تلاحظ النسبة بينهما أصلا (1) و يتفق في غيرهما،

____________

(1)

[الجمع العرفي‏]

توضيح الحال يتوقف على امور: الاول: ان الجمع العرفي- اصطلاحا- يشمل الحكومة و الورود و التوفيق العرفي.

الثاني: انه قد تقدّم من المصنف في قاعدة الضرر ان الوجه في تقدّمها على الادلة بعناوينها الاولية، هو حمل الادلة بعناوينها الاولية على الحكم الاقتضائي، و قاعدة الضرر على نفي الحكم الفعلي لان لسانها لسان المانع، و ليس الوجه في تقدّمها حكومتها على الادلة الاولية، لانها ليس المستفاد منها كونها مبيّنة للكميّة، بل المستفاد منها كونها من قبيل المانع عمّا تقتضيه الادلة الاولية، سواء كان المستفاد منها رفع الحكم الذي ينشأ منه الضّرر كما يراه الشيخ، أو كان المستفاد منها رفع الحكم بلسان رفع الموضوع كما يراه المصنف. فهي على كل حال المتحصّل منها هو ان الضرر بحكم المانع، فلا مناص من حمل العناوين للادلة الاولية في مورد الضرر على الاقتضاء، فلا يكون تقدّم ادلة الضرر لاجل الحكومة، لان دليل الضرر بعد ان كان بحكم المانع لا يكون في مقام بيان الكميّة للدليل الآخر. و مثله ساير الادلة التي لسانها لسان نفي الحكم للادلة الاولية، مثل دليل الحرج و دليل رفع الاكراه و دليل رفع الاضطرار.

فاتضح مما ذكرنا: ان حمل الادلة بعناوينها الاولية على الاقتضاء و الادلة النافية بعناوينها الثانوية على نفي الحكم في مرحلة الفعلية مطّرد في كل دليل بعنوان ثانوي كان نافيا للحكم بعنوانه الاولي، لان لسان الدليل الثانوي النافي مرجعه الى جعل المانع، و ليس الجمع بينهما من نحو الحكومة. و مثل الجمع بين الادلة الثانوية النافية و الادلة الاولية بالحمل على الاقتضاء و الفعلية هو الجمع بين المتزاحمين، فيما اذا احرز ان احدهما اقوى مناطا، فانه لا بد من حمل المزاحم الاقوى على الفعلية

13

.....

____________

و المزاحم الأضعف على الاقتضاء، غايته ان المزاحم الاقوى يمنع الاضعف و يثبت حكم نفسه، و الادلة النافية تنفي الحكم فقط.

و لا يخفى ايضا ان مورد الحمل على الاقتضاء و الفعلية يكون التصرّف في احد الدليلين و هو الدليل بالعنوان الاولي، فانه حيث كان الظاهر منه الفعلية فبحمله على الاقتضاء يكون التصرف فيه لا غير.

الثالث: ان هذا الجمع بين الادلة الثانوية النافية و الادلة بالعناوين الاولية هو من الجمع الدلالي، و لا يتوقف على ملاحظة النسبة بين الدليلين، بل حيث كان الدليل الثاني النافي بحكم المانع لا بد من حمل الدليل الاولي على الاقتضاء من دون ملاحظة للنسبة بينهما، فلا فرق بين كون النسبة بينهما عموما مطلقا او عموما من وجه.

و من مصاديق الجمع الدلالي ما اذا كان احد الدليلين واردا على الدليل الآخر، فانه مع كون الدليل الوارد رافعا لموضوع الدليل المورود لا تلاحظ النسبة بينهما، بل لا بد من تقديم الدليل الوارد على كل حال. و كون الورود ليس من الحكومة واضح ايضا، لانه لا بقاء للموضوع فيه، بخلاف الحكومة فان الموضوع لا بد من تحققه في الحاكم و المحكوم. و ينبغي ان لا يخفى انه في الورود يكون التصرّف في الدليل المورود فقط، لانه هو الذي يرتفع الحكم فيه بارتفاع موضوعه.

و من مصاديق الجمع الدلالي التوفيق العرفي بين الدليلين، و من موارد التوفيق العرفي ما اذا كان كل واحد من الدليلين نصّا في فرد و ظاهرا بالنسبة الى فرد آخر، فان العرف لا يتوقف في الاخذ بنصّ كلّ منهما و رفع اليد عن ظاهر كلّ منهما من دون ملاحظة النسبة بينهما.

و لا يخفى انه يختلف هذا المورد من التوفيق العرفي عن مورد الحمل على الاقتضاء و عن مورد الورود بان التصرّف فيه في كلا الدليلين، بخلاف مورد الاقتضاء و مورد الورود فان التصرّف في احد الدليلين منهما.

14

كما لا يخفى (1).

____________

و قد ظهر ايضا مما ذكرنا: ان الجمع الدلالي يشمل مورد الحمل على الاقتضاء و الفعلية، كما في الادلة الثانوية النافية و الادلة بعناوينها الاولية و التوفيق العرفي و الورود.

و قد اشار المصنف الى مصاديق الجمع الدلالي بالاشارة أولا الى مورد الحمل على الاقتضاء و الفعلية بقوله: «او كانا على نحو اذا عرضا على العرف وفّق بينهما بالتصرّف في خصوص احدهما» بحمله على الاقتضاء «كما هو مطّرد في مثل الادلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الاولية مع مثل الادلة النافية» مثل الدليل النافي «للعسر و الحرج» و مثل دليل النافي «للضرر» و مثل دليل الرفع الرافع «للاكراه و الاضطرار» و هذه الادلة كلها من الادلة الثانوية فهي «مما يتكفّل لاحكامها بعناوينها الثانوية» لوضوح ان دليل العسر رافع للحكم حيث يكون مورده من العسر و الحرج، فحكم الوضوء الحرجي يرتفع لعنوان الحرج الطارئ لا بعنوان كونه وضوءا، و مثله دليل الضرر و دليل رفع الاكراه و الاضطرار فانها كلّها عناوين ثانوية طارئة على الموضوعات بعناوينها الاولية ككونها وضوءا او أكلا أو شربا.

و اشار الى ان تقديم الادلة الثانوية النافية و حمل خصوص الادلة الاولية على الاقتضاء من دون ملاحظة للنسبة بينهما بقوله: «حيث يقدّم في مثلها» أي في مثل الدليل النافي للعسر و الضرر و مثل الدليل النافي للاكراه و الاضطرار، فانه لا بد من تقديم «الادلة النافية و لا تلاحظ النسبة بينهما اصلا» أي لا تلاحظ النسبة بين الادلة الاولية و الادلة الثانوية النافية، بل تتقدّم الادلة النافية على كلّ حال‏

(1) أي ان حمل احد الدليلين المتنافيين مدلولا على الاقتضاء و الآخر على الفعلية لا يختصّ بالادلة الثانوية النافية و الادلة بعناوينها الاولية، بل يتفق في غيرهما- ايضا- لزوم حمل احد الدليلين على الاقتضاء و الآخر على الفعلية من دون ملاحظة للنسبة

15

أو بالتصرف فيهما، فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما (1)، أو في أحدهما المعين و لو كان الآخر أظهر (2)، و لذلك تقدم الامارات المعتبرة على الاصول الشرعية، فإنه لا يكاد يتحيّر أهل العرف في تقديمها عليها بعد ملاحظتهما، حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلا، بخلاف‏

____________

بينهما، كما في مثل الدليلين المتزاحمين فانه لا بد من حمل الاقوى على الفعلية و الاضعف على الاقتضاء من غير ملاحظة للنسبة فيهما.

(1) قد عرفت ان من موارد الجمع الدلالي التوفيق العرفي بين الدليلين، كما فيما لو كان كلّ واحد من الدليلين نصّا في مقام و ظاهرا بالنسبة الى مقام آخر، فان العرف لا يتوقف في الجمع بينهما بالاخذ بنص كل واحد منهما و رفع اليد عن الظاهر في كل منهما، و الى هذا اشار بقوله: «او بالتصرف فيهما» معا «فيكون مجموعهما قرينة على التصرّف فيهما» فان النصيّة في كلّ منهما قرينة على التصرّف في الآخر، برفع اليد عن الظاهر في كل منهما.

(2) قد مرّ ايضا ان من موارد الجمع الدلالي ما اذا كان احد الدليلين واردا على دليل آخر، فان العرف لا يتوقف في رفع اليد عن الدليل المورود لارتفاع موضوعه بالدليل الوارد عليه من دون ملاحظة للنسبة بينهما، و من الواضح ايضا ان في مورد الورود يكون التصرّف في خصوص احد الدليلين و هو الدليل المورود دون الدليل الوارد. و الى هذا اشار بقوله: «او في احدهما» أي أو يكون الجمع الدلالي بينهما بالتصرّف في خصوص احدهما «المعيّن و لو كان» الدليل «الآخر اظهر» أي انه لا بد في كون الدليل الوارد اظهر من المورود في الدلالة على رفع موضوع الدليل المورود بالدليل الوارد.

16

العكس فإنه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر، كما أشرنا إليه في أواخر الاستصحاب (1).

و ليس وجه تقديمها حكومتها على أدلتها لعدم كونها ناظرة إلى أدلتها بوجه، و تعرّضها لبيان حكم موردها لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلتها و شارحة لها، و إلّا كانت أدلتها أيضا دالة- و لو بالالتزام- على أن حكم مورد الاجتماع فعلا هو مقتضى الاصل لا الامارة، و هو مستلزم عقلا نفي ما هو قضية الامارة، بل ليس مقتضى حجيتها إلا نفي ما قضيته عقلا من دون دلالة عليه لفظا، ضرورة أن نفس الامارة لا دلالة له إلا على الحكم الواقعي، و قضية حجيتها ليست إلّا لزوم العمل على وفقها شرعا المنافي عقلا للزوم العمل على خلافه و هو قضية الاصل (2)، هذا

____________

(1)

[تقدّم الامارات على الاصول‏]

لا يخفى ان في هذا التفريع دلالة واضحة على ان مراده من قوله: «او في احدهما المعين الى آخره» هو الورود لما مرّ منه: من ان تقدّم الامارات على الاصول انما هو لورودها عليها، كما تقدّم بيانه مفصّلا في المقام الثاني من تتمّة الاستصحاب، و ان كان قوله: «لا يكاد يتحيّر اهل العرف» ربما يوهم ان تقدّم الامارات على الاصول من التوفيق العرفي، الّا ان في تصريحه سابقا من ان تقديم الامارات للورود، و تصريحه ايضا في المقام بان وجه تقديم الامارات انما هو لانه لا يلزم في تقديمها محذور التخصيص بلا مخصّص، بخلاف تقديم الاصول عليها فان لازمه اما لزوم محذور التخصيص بلا مخصّص او بوجه دائر، كما تقدّم في ذلك المقام مشروحا مفصّلا، و اليه اشار بقوله: «كما اشرنا اليه في اواخر الاستصحاب».

(2) قد تقدّم فيما سبق ما ملخصه: ان وجه تقديم الامارة على الاستصحاب هو ورودها عليه، لان موضوع الاستصحاب متقوّم بكون الاخذ بما يخالف اليقين السابق من نقض اليقين بالشك، و الاخذ بالامارة القائمة على خلاف اليقين السابق ليس من نقض اليقين بالشك، بل من نقض اليقين بالحجة. و اما تقديم الامارة على‏

17

.....

____________

ساير الاصول غير الاستصحاب فواضح، لان الاستصحاب في نظر المصنف وارد على غيره من الاصول، فما كان له الورود على الاستصحاب يكون واردا على غيره من الاصول بطريق اولى. و قد تقدّم هناك وجه تقريب ورود الاستصحاب على غيره من الاصول .. و ملخصه: ان الموضوع في الاصول النقلية غير الاستصحاب هو الشك في الحكم من كل جهة، و حيث كان الحكم في الاستصحاب مبيّنا بعنوان نقض اليقين بالشك فمع جريان الاستصحاب يرتفع موضوع الاصول، لان الحكم لا يكون مشكوكا حينئذ من كل جهة، بل يكون مبيّنا بعنوان كونه نقض اليقين بالشك. و اما تقديم الاستصحاب على الاصل العقلي فلكون موضوعه منوطا بعدم البيان و الاستصحاب بيان، فبجريان الاستصحاب يرتفع اللابيان الذي هو موضوع الاصل العقلي.

و مما ذكرنا يتضح وجه الاولويّة في ورود الامارة على ساير الاصول غير الاستصحاب، لان ورود الاستصحاب عليها حيث كان الحكم معلوما بعنوان كونه نقضا لليقين بالشك، فورود الامارة عليها يكون بطريق اولى، لان لسانها كون مؤدّاها هو الحكم بعنوان انه هو الواقع. و اما كونها بيانا يرتفع بها موضوع اللابيان في الاصل العقلي فواضح.

فظهر مما ذكرنا: ان الوجه في تقديم الامارة على الاصول هو ورودها عليها عند المصنف. و قد ذهب الشيخ الاجل في رسائله ان وجه التقديم للامارة على الاصول هو الحكومة. و لما لم يكن التقديم بعنوان الحكومة مرضيا عند المصنف تعرّض للاشارة الى وجه الحكومة و ردّه.

و المتحصّل من مجموع عبارة المصنف في تقريب الحكومة هو: انه لا يشترط في الحكومة ان يكون لسان الدليل الحاكم بمنزلة اعني، بل يكفي في كون الدليل حاكما على دليل آخر هو ان يكون للدليل الحاكم خصوصية اما من جهة دلالته المطابقية او دلالته الالتزامية تكون نافية للدليل الآخر، و لا تكون للدليل المحكوم مثل تلك‏

18

.....

____________

الخصوصية، و حينئذ يكون الدليل الحاكم نافيا للدليل المحكوم و لا يكون المحكوم نافيا له.

و توضيح ذلك: ان الامارة حيث كان لسانها كون مؤدّاها هو الحكم واقعا فهي تدلّ بالمطابقة على كون مؤدّاها هو الحكم الواقعي، و دليل اعتبارها يدلّ بالالتزام على الغاء احتمال خلاف ما قامت عليه الامارة، فمثلا اذا قامت الامارة على حرمة شي‏ء فالامارة القائمة على ذلك تدلّ بالمطابقة على ان هذه الحرمة هي الحكم الواقعي، و دليل اعتبارها و هو صدّق العادل يدلّ بالالتزام على الغاء احتمال كون حكم ما قامت عليه الامارة هو الحلية واقعا، فاحتمال الخلاف في مورد قيام الامارة هو احتمال الخلاف واقعا، لان الامارة حيث كان لسانها ان مؤداها هو الحكم واقعا، فاحتمال الخلاف في مؤدّاها لا بد و ان يكون هو احتمال ان يكون الحكم الواقعي هو غير ما قامت عليه الامارة، و دليل اعتبار الامارة يدلّ على الغاء هذا الاحتمال بالالتزام، لان الدلالة المطابقية لصدّق العادل هي لزوم تصديق العادل، و لزوم التصديق يدلّ بالالتزام على نفي احتمال الخلاف. هذا مدلول الامارة.

و اما الاصل كمثل قوله كل شي‏ء لك حلال، فمدلوله المطابقي هو الحليّة الظاهريّة للمشكوك، و دليل اعتبار الاصل الدال على الاخذ بهذا الاصل- و هي قاعدة الحلّ مثلا- يدل بالالتزام على الغاء احتمال الخلاف في مؤدّاه، و حيث كان مؤدّاه هو الحليّة الظاهرية، فاحتمال الخلاف فيه هو احتمال ان لا يكون الحكم الظاهري هو الحلية الظاهرية بل غيرها، اما عدم هذه الحلية بنحو الاطلاق او كون الحكم الظاهري هو الحرمة الظاهرية لا الحلية. فدليل الغاء احتمال الخلاف في الامارة يدل على ان احتمال غير ما قامت عليه الامارة يلزم الغاؤه، فاذا قامت الامارة على ان العصير العنبي المغلي حرام، فدليل الغاء احتمال الخلاف فيها يدلّ على ان احتمال ان يكون للعصير العنبي المغلي حكم غير الحرمة يجب الغاؤه، فهو يدل على لزوم الغاء الحلية التي دلّت عليها قاعدة الحلّ، لوضوح انه اذا دلّ دليل‏

19

.....

____________

اعتبار الامارة على الغاء احتمال كل حكم واقعي للعصير المغلي عدا الحرمة التي قامت عليها الامارة، فهو يدل على ان العصير العنبي لا شك في حكمه الواقعي، و من الواضح كون الشك في الحكم الواقعي هو الموضوع لقاعدة الحلّ، فدليل اعتبار الامارة يدلّ بالالتزام على رفع الموضوع في القاعدة.

و اما دليل اعتبار القاعدة فهو و ان دلّ على لزوم الغاء احتمال الخلاف في موردها، الّا انه قد عرفت ان احتمال الخلاف في موردها هو احتمال خلاف الحكم الظاهري، و لا دلالة له على نفي كل حكم في مورد القاعدة حتى الحكم الواقعي.

فدليل الاعتبار في الامارة يدلّ بالالتزام على خصوصية تنفي الاصل، لدلالته على الغاء كل احتمال عدا مؤدّى الامارة، بخلاف دليل الاصل فانه لا دلالة فيه على خصوصية تنفي الامارة، فلذلك كانت الامارة حاكمة على الاصول، لما ذكرنا في انه لا يلزم في الدليل الحاكم ان يكون بمعنى اعني او ما يساوقه، بل يكفي في حكومة الدليل الحاكم ان يكون دالّا و لو بالالتزام على خصوصية تنفي الدليل المحكوم، و لا يكون للمحكوم خصوصية دالة على نفي الحاكم .. هذا لعلّه أوجه الوجوه في تقريب حكومة الامارات على الاصول من ناحية الغاء احتمال الخلاف.

و الجواب عنه: ان في الامارة شيئين: نفس الامارة الدالة على الحكم، و دليل اعتبارها و هو صدّق العادل. و لا دلالة لاي واحد منهما على الغاء احتمال الخلاف لا بالمطابقة و لا بالالتزام، اما نفس الامارة كخبر زرارة الدال على حرمة العصير العنبي المغلي مثلا، فانه لا دلالة له الّا الدلالة المطابقية على كون حكم العصير المغلي هو الحرمة واقعا، و ليس له دلالة التزامية على الغاء احتمال الخلاف، فلا تعرّض له الّا لبيان حكم مورده و هو حرمة العصير. و لو كان نفس بيان الامارة لحكم موردها ناظرا و شارحا لادلة الاصول بالالتزام، بدعوى: ان لازم دلالتها على ان الحكم هو الحكم الذي ادّت له رفع كل حكم غير الحكم الذي أدّت اليه، و منه الحكم الذي ادّت اليه الاصول- لكان الاصل ايضا شارحا و ناظرا الى الامارة، فانه حيث يدل‏

20

.....

____________

على الحكم في مورده فهو دالّ ايضا بالالتزام على انه لا حكم لمورده الّا الحكم الذي دلّ عليه الاصل.

و الحاصل: ان تعرّض نفس الدليل لحكم مورده و بيانه لا دلالة له بالالتزام على الغاء احتمال الخلاف، و لو كان نفس التعرّض لبيان الحكم دالّا بالالتزام لكان ذلك من الطرفين، فلا تختصّ الامارة بخصوصية تنفي الاصل، و لو كانت تلك الخصوصية مستفادة من نفس تعرّض الامارة لبيان حكم المورد لكانت مستفادة ايضا من نفس تعرّض الاصل لبيان حكم مورده.

و المصنف بعد ان نفى وجه تقديم الامارة على الاصول للحكومة حيث لا نظر لها و لا شرح لادلة الاصول بقوله: «و ليس وجه تقديمها حكومتها» أي ليس وجه تقديم الامارة هو حكومتها «على ادلتها» أي على ادلة الاصول «لعدم كونها ناظرة الى ادلتها بوجه» أي لعدم كون الامارة ناظرة الى ادلة الاصول بوجه من الوجوه. و حيث انه ليس في الامارة الا شيئان: نفس الامارة، و دليل اعتبارها- تعرّض أولا لبيان ان نفس الامارة لا دلالة لها على النظر و الشرح لادلة الاصول، لعدم دلالتها على الغاء احتمال الخلاف، لان دلالتها المطابقية ليست هي الّا بيان حكم موردها بقوله: «و تعرّضها لبيان حكم موردها» التي هي دلالتها المطابقية «لا يوجب كونها ناظرة» بهذه الدلالة «الى ادلتها» أي الى ادلة الاصول «و شارحة لها». و اشار الى ان نفس تعرّضها لبيان حكم موردها لو كان دالا و لو بالالتزام العقلي على نفي ادلة الاصول، لكانت ادلة الاصول- ايضا- دالة على مثل ذلك لتعرّضها ايضا لبيان حكم موردها بقوله: «و الّا كانت ادلتها» أي ادلة الاصول «ايضا دالة و لو بالالتزام على» نفي الامارة و «ان حكم مورد الاجتماع فعلا» و هو العصير العنبي المغلي الذي هو مورد الامارة الدالة على حرمته، و مورد الاصل الدال على حليّته يدل الاصل لتعرضه لبيان الحكم فيه على نفي الامارة ايضا، فنفس التعرّض لبيان حكم المورد في الامارة اذا كان نافيا للاصل بالالتزام العقلي،

21

.....

____________

فان نفس تعرض الاصل لبيان الحكم في مورده يكون نافيا- ايضا- بالالتزام العقلي للامارة.

و الحاصل: ان الاصل في مورد الاجتماع- ايضا- يدل بالالتزام العقلي على ان حكم مورده فعلا «هو مقتضى الاصل لا الامارة».

و بالجملة: انه اذا كان نفس التعرض لبيان حكم المورد هو النافي لغيره فحال الاصل في ذلك حال الامارة، فكما ان الامارة مستلزمة عقلا لنفي الاصل فالاصل «هو مستلزم عقلا» ايضا «نفي ما هو قضية الامارة». هذا كله بالنسبة الى نفس الامارة، و انها لا دلالة لها بالمطابقة على نفي احتمال الخلاف، و استلزامها عقلا لنفي الحكم الذي هو غير حكمها موجود في الاصل ايضا، فانه مستلزم عقلا لنفي الحكم غير الحكم الذي قام عليه. و اما دليل الاعتبار في الامارة و هو صدق العادل، فان كان المستفاد منه جعل الحكم المماثل على طبق ما أدّت اليه الامارة فحاله حال النفس الامارة، حيث لا دلالة له على هذا المبنى الا الدلالة على ان ما قامت عليه الامارة هو الحكم، و لا دلالة له على هذا على الغاء احتمال الخلاف، لا على الغاء الحكم المحتمل، و لا على الغاء حكم الاحتمال: أي ان صدق العادل اذا كان المراد منه جعل الحكم المماثل فلا دلالة لفظية له على غير ذلك، فلا يدل بالدلالة اللفظية لا المطابقية و لا الدلالة اللفظية الالتزامية على الغاء الحكم المحتمل واقعا غير الحكم المماثل، و لا على الغاء حكم الاحتمال الذي هو مورد الاصل، فان مورد الاصل مقام حكم الاحتمال لان مورده في مقام الشك و الاحتمال.

و الحاصل: ان حال صدق العادل حال الامارة ليس له إلّا التعرض لجعل الحكم المماثل. و دعوى نفيه عقلا لحكم غيره بنفس تعرضه لبيان الحكم المماثل كما مر بيانه في نفس الامارة .. يجري فيه- ايضا- ما ذكرناه من كون الاصل- ايضا- ينفي عقلا غيره كما عرفت.

22

.....

____________

لا يقال: ان صدق العادل يدل على لزوم التصديق بما جاء به العادل، و معنى التصديق به هو اعتقاد ان ما جاء به هو الواقع، و الاعتقاد بانه هو الواقع ينفي الحكم المحتمل الذي هو غير ما قامت عليه الامارة، و ينفي حكم الاحتمال لانه مع الاعتقاد بانه هو الواقع لا مجال للاحتمال حتى يكون له حكم و يجي‏ء مورد الاصل.

فانه يقال أولا: انه ليس المراد من تصديق العادل هو تصديقه جنانا، لان التصديق الجناني انما يحصل باسبابه، و ليس خبر العادل منها لانه من الظنيات، فلا يكون المراد من الامر بتصديق العادل هو التصديق الجناني، بل المراد من الامر بتصديقه هو التصديق العملي بترتيب الاثر على ما يقوله المخبر العادل عملا، و ليس هناك اعتقاد و قطع بالواقع حتى يكون نافيا لغير ما قامت عليه الامارة.

و ثانيا: انه سلمنا ان المراد من التصديق هو التصديق الجناني، إلّا انه لا بد و ان يكون بنحو الكناية عن العمل، و نتيجة الكناية هو طلب المكنى عنه دون نفس ما يدل عليه المكنى به.

فاتضح: انه لا دلالة لفظية لا بالمطابقة و لا بالالتزام لدليل الاعتبار و هو صدق العادل على الغاء احتمال الخلاف ..

و ثالثا: ان الكلام مبني على ان المستفاد من دليل الاعتبار هو جعل الحكم المماثل على طبق ما أدت اليه الامارة بعنوان تصديق العادل، بان يكون صدق العادل واسطة في جعل الحكم المماثل بعنوان انه تصديق العادل، كمن اراد ان يأمر عمرا باكرام زيد فأمره بعنوان اكرم جارك او صديقك، فلا يكون دالا على غير جعل الحكم المماثل، و يكون حال دليل الاعتبار حال نفس الامارة من دون فرق، الا كون الامارة دالة على نفس الحكم بعنوانه الخاص من الحرمة و الوجوب، و دليل الاعتبار دالا على جعله بعنوان انه تصديق المخبر العادل. فلا دلالة لصدق العادل لا بالمطابقة و لا بالالتزام على الغاء احتمال الخلاف، لا بالنسبة الى الحكم المحتمل،

23

مع احتمال أن يقال: إنه ليس قضية الحجية شرعا إلا لزوم العمل على وفق الحجة عقلا و تنجز الواقع مع المصادفة، و عدم تنجزه في صورة المخالفة (1). و كيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب الغاء احتمال‏

____________

و لا بالنسبة الى حكم الاحتمال. هذا فيما اذا كان المستفاد من دليل الاعتبار هو جعل الحكم المماثل.

فاتضح: ان المستفاد من دليل الاعتبار هو جعل الحكم المماثل، فهو لا ينفي غيره الا بالاستلزام العقلي كما مر بيانه. و الى هذا اشار بقوله: «بل ليس مقتضى حجيتها» أي ليس مقتضى حجية الامارة بدليل اعتبارها «الا نفي ما قضيته عقلا» بنحو الاستلزام العقلي «من دون دلالة عليه لفظا». ثم اشار الى ما تدل عليه الامارة و دليل الاعتبار معا بقوله: «ضرورة ان نفس الامارة لا دلالة له الا على» ان مؤداها هو «الحكم الواقعي و قضية حجيتها» المستفادة من دليل الاعتبار «ليست» هي «الا لزوم العمل على وفقها شرعا» بجعل الحكم المماثل، فالمستفاد منهما معا هو الحكم «المنافي عقلا للزوم العمل على خلافه» و هو انما ينفي الخلاف بنحو الاستلزام العقلي، بمعنى ان لازم كون العصير العنبي حكمه هو الحرمة- مثلا- يستلزم عقلا نفي غيره من الاحكام للعصير، و قد عرفت ان النفي بهذا النحو من الاستلزام العقلي موجود في الاصل ايضا، و اليه اشار بقوله: «و هو قضية الاصل».

(1) ينبغي ان لا يخفى ان هذا يدل على ان كلامه المتقدم مبني على كون المستفاد من دليل الاعتبار هو جعل الحكم المماثل. و بعد ما فرغ من عدم دلالة دليل الاعتبار- بناء على جعل الحكم- على نفي احتمال الخلاف إلّا بنحو الاستلزام العقلي الموجود مثله في الاصل- تعرض الى انه بناء على ان المستفاد من دليل الاعتبار هو جعل الحجية، فلا دلالة ايضا على الغاء احتمال الخلاف، لانه لو كان المستفاد من دليل صدق العادل هو جعل الحجية لخبر العادل: بمعنى التنجيز للواقع لو اصاب‏

24

الخلاف تعبدا، كي يختلف الحال و يكون مفاده في الامارة نفي حكم الاصل، حيث أنه حكم الاحتمال بخلاف مفاده فيه، لاجل أن الحكم‏

____________

و العذر لو خالف، من دون دلالة له على جعل الحكم المماثل على طبق مؤدى خبر العادل، فمن الواضح ايضا انه لا دلالة لما دل على ذلك- و هو كون خبر العادل منجزا لو اصاب و معذرا لو خالف- على الغاء احتمال الخلاف لا بالدلالة المطابقية و لا بالدلالة الالتزامية اللفظية، فان كون خبر العادل مما ينجز لو اصاب و يعذر لو خالف لا دلالة له بالمطابقة و لا بالتزام على الغاء احتمال الخلاف، بل بناء على ان المستفاد من دليل الاعتبار هو جعل الحجية لا جعل الحكم المماثل، لا يكون دليل الاعتبار دالا على جعل حكم شرعا على طبق مؤدى الامارة حتى يكون ذلك الحكم نافيا عقلا لغيره. و لذا قال (قدس سره): «هذا» أي ان ما قلناه مبني على ان دليل الاعتبار يدل على جعل الحكم على وفق ما قامت عليه الامارة. و اما «مع احتمال ان يقال انه ليس قضية الحجية» لخبر العادل «شرعا الا لزوم العمل» على وفقه كما يلزم العمل «على وفق الحجة عقلا و» انه انما يدل على «تنجز الواقع مع المصادفة و عدم تنجزه في صورة المخالفة» فانه على هذا لا يكون دليل الاعتبار دالا على جعل حكم، بل لا يكون دالا الا على جعل نفس الحجية.

و لا يخفى انه قد تقدم من المصنف في اول حجية الظن ان مختاره في دليل الاعتبار هذا المعنى لا جعل الحكم المماثل.

و انما ذكره هنا بنحو الاحتمال مما شاة مع الشيخ الاعظم حيث انه لا يقول بجعل الحجية، بل هي عنده منتزعة عن جعل التكليف. فذكر أولا عدم دلالة دليل الاعتبار على الغاء احتمال الخلاف بناء على انه يدل على جعل الحكم، ثم اشار الى انه لا دلالة له ايضا بنحو أوضح- بناء على ان المستفاد منه هو جعل الحجية- حيث انه بناء عليه لا حكم حتى يكون بوجوده نافيا لغيره عقلا.

25

الواقعي ليس حكم احتمال خلافه، كيف؟ و هو حكم الشك فيه و احتماله، فافهم و تأمل جيدا.

فانقدح بذلك أنه لا تكاد ترتفع غائلة المطاردة و المعارضة بين الاصل و الامارة، إلا بما أشرنا سابقا و آنفا، فلا تغفل (1)، هذا و لا تعارض أيضا

____________

(1) حاصله: انه لا يستفاد من دليل اعتبار الامارة الدلالة على وجوب الغاء احتمال الخلاف تعبدا، لا بالدلالة المطابقية و لا بالدلالة الالتزامية اللفظية. نعم لو دل على ذلك لكان دالا على خصوصية تنفي مقتضى الاصل، بخلافه في الاصل لما مر بيانه: من ان دليل الاعتبار لو كان دالا على الغاء احتمال الخلاف، لكان مقتضاه في الامارة غير مقتضاه في الاصل، فان مقتضاه في الامارة هو الغاء احتمال غير ما قامت عليه الامارة، و في مورد قيام الامارة حيث انه هناك احتمالان: احتمال كون الحكم الواقعي غير ما قامت عليه الامارة، و احتمال حكم الشك في ذلك المورد فانه ايضا غير ما قامت عليه الامارة، فإلغاء احتمال الخلاف في الامارة يشمل كلا الامرين.

و اما مقتضى دليل الاعتبار في الاصل فهو لا يدل على اكثر من الغاء احتمال كون حكم الاحتمال في مورده هو غيره، و لا يدل على الغاء احتمال الخلاف مطلقا حتى الغاء احتمال الحكم الواقعي، لان المستفاد من دليل اعتبار الاصل هو العمل على طبق الاصل في مقام الشك.

و بعبارة اخرى: ان ما يقتضيه اصل الاباحة هو كون حكم الواقعة المشكوكة هو الاباحة الظاهرية لا الحرمة الظاهرية، و اما كون حكمها الواقعي هو الحرمة واقعا فدليل الاعتبار في الاصل لا ينفي هذا الاحتمال، بل دليل الاعتبار في الاصل يقول اعمل على طبق هذا الاصل و الغ احتمال غيره من احتمال حكم الشك، و لا يقول الغ احتمال الحكم الواقعي، بل لا يعقل ان يدل على الغاء احتمال الحكم الواقعي، لان موضوع الاصل هو احتمال الحكم الواقعي، فكيف يدل دليل اعتباره على الغاء احتمال الحكم الواقعي، و لو دل على الغائه للزم دلالته على الغاء نفس حكم‏

26

إذا كان أحدهما قرينة على التصرف في الآخر، كما في الظاهر مع النص أو الاظهر، مثل العام و الخاص و المطلق و المقيد، أو مثلهما مما كان‏

____________

الاصل، فيلزم من دليل اعتباره عدم اعتباره، لان موضوع دليل اعتباره متقوم بالشك في الحكم الواقعي، فلو دل على الغاء الحكم الواقعي لدل على الغاء موضوع دليل اعتباره. و لذا قال (قدس سره): «و كيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب الغاء احتمال الخلاف تعبدا كي يختلف الحال» في ما يقتضيه دليل الاعتبار «و يكون مفاده في الامارة نفي حكم الاصل» لدلالته في الامارة على الغاء احتمال الخلاف سواء كان هو الحكم المحتمل او كان حكم الاحتمال و «حيث انه» في الاصل هو «حكم الاحتمال» فيدل دليل الاعتبار في الامارة على نفيه «بخلاف مفاده» أي بخلاف مفاد دليل الاعتبار «فيه» أي في الاصل فانه لا ينفي الامارة «لاجل ان» الامارة لسانها ان مؤداها هو «الحكم الواقعي» و دليل الاعتبار في الاصل يدل على الغاء الحكم الظاهري غير الحكم الذي ادى اليه، و لا يدل على الغاء احتمال الحكم الواقعي لان الحكم الواقعي «ليس» هو «حكم احتمال خلافه» أي خلاف الحكم الظاهري، و «كيف» يدل على الغاء احتمال الحكم الواقعي «و» الحال ان مفاد الاصل «هو حكم الشك فيه» أي في الحكم الواقعي «و» في مورد «احتماله» أي ان الموضوع في الاصل هو الشك في الحكم الواقعي و احتماله، فلا يعقل ان يدل دليل اعتبار حكم لموضوع على ارتفاع ما هو الموضوع لذلك الحكم.

قوله (قدس سره): «سابقا الخ» أي ان المطاردة و المنافاة بين المدلولين في الامارة و الاصل لا ترتفع، إلّا بما ذكره سابقا في المقام الثاني من آخر مبحث الاستصحاب، و بما ذكره آنفا في هذا المبحث بقوله: «و لذلك تقدم الامارات المعتبرة على الاصول الشرعية» و هو ورود الامارات على الاصول كما مر بيانه.

27

أحدهما نصا أو أظهر، حيث أن بناء العرف على كون النص أو الاظهر قرينة على التصرف في الآخر.

و بالجملة: الادلة في هذه الصور و إن كانت متنافية بحسب مدلولاتها، إلا أنها غير متعارضة، لعدم تنافيها في الدلالة و في مقام الاثبات، بحيث تبقى ابناء المحاورة متحيرة، بل بملاحظة المجموع أو خصوص بعضها يتصرف في الجميع أو في البعض عرفا، بما ترتفع به المنافاة التي تكون في البين (1)، و لا فرق فيها بين أن يكون السند فيها قطعيا أو ظنيا أو مختلفا،

____________

(1)

[حمل الظاهر على النص أو الاظهر]

توضيحه: ان التعارض كما مر بيانه على رأي المصنف ليس هو تنافي المدلولين، بل هو تنافي الدليلين في مقام الحجيّة الفعلية: أي تنافيهما في مقام الاثبات و التأثير لا في مقام الثبوت و الاقتضاء. فعلى هذا لا تنافي بينهما فيما اذا كان احدهما قرينة على التصرّف في الآخر، لان ما كان هو القرينة على التصرّف في الآخر فالتأثير الفعلي له دون الآخر الذي يتعيّن التصرّف فيه، كما في مثل العام و الخاص و المطلق و المقيد، فان العام و المطلق من قبيل الظاهر، و الخاص و المقيّد من قبيل النص او الاظهر، و لا ريب ان النصّ و الاظهر قرينة على التصرّف في الظاهر. ففي مقام الفعلية و التأثير لا حجيّة فعليّة للظاهر في قبال النصّ أو الاظهر، فلا تنافي بينهما في مقام الفعلية و التأثير، فليسا هما من المتعارضين على هذا. و اما كون النص و الاظهر قرينة على التصرّف في الظاهر فلان بناء العرف في مقام اجتماعهما على ذلك.

و الحاصل: ان المتعارضين هما الدليلان المتنافيان في مقام الفعلية و التأثير، بحيث يتحيّر ابناء المحاورة في الجمع بينهما في مقام اجتماعهما، و حيث ان بناء المحاورة في مقام اجتماع الظاهر مع النص او الاظهر لا تحيّر عندهم فيما هو المؤثر بالفعل و ما هو الحجة فعلا، و ان المؤثّر بالفعل و الحجة فعلا عندهم هو النصّ او الاظهر، فلا تنافي عند ابناء المحاورة في الحجّة الفعلية بين العام و الخاص و المطلق و المقيّد، لان الخاصّ و المقيّد عند ابناء المحاورة بمنزلة النصّ و الاظهر فهو الحجة الفعلية عندهم، و الذي‏

28

.....

____________

يتعيّن التصرّف فيه عند أبناء المحاورة برفع اليد عن تأثيره و حجيته بالفعل هو العام و المطلق لانهما من الظاهر.

و الحاصل: ان أبناء المحاورة عند اجتماع العام و الخاص و المطلق و المقيد يرون الخاص و المقيد قرينة على التصرّف في العام و المطلق، فلا تنافي بينهما عندهم فيما هو الحجّة الفعلية، فلا تعارض بينهما على هذا، لان المتعارضين هما الدليلان المتكافئان في مقام الحجيّة الفعلية.

و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «و لا تعارض ايضا اذا كان احدهما قرينة على التصرّف» ... الى قوله «و المطلق و المقيد».

و مما ذكرنا يظهر انه كلما اجتمع الظاهر مع النص او الاظهر فالنص و الاظهر يكونان قرينة على التصرّف في الظاهر، و تنحصر الحجّة الفعلية في النصّ و الاظهر، فلا تنافي في مقام التأثير و الحجية الفعلية بين كل ظاهر و نصّ او اظهر و ان كان بينهما عموم و خصوص من وجه، و لا اختصاص لما ذكرنا بالعام و الخاص و المطلق و المقيد، بل فيما كان بين الدليلين عموم و خصوص من وجه فان كان احدهما ظاهرا و الآخر نصّا يكون التصرّف في خصوص الظاهر، و ان كان كلّ منهما نصّا في جهة و ظاهرا في جهة اخرى يكون التصرّف في ظاهر كل منهما بقرينة النصوصية او الاظهريّة في الآخر. و الى هذا اشار بقوله: «او مثلهما» أي و مثل العام و الخاص و المطلق و المقيد غيرهما، كالدليلين اللذين كان بينهما عموم و خصوص من وجه «مما كان احدهما نصّا أو اظهر» من الآخر، فلا تعارض بين هذين الدليلين كما لا تعارض بين العام و الخاص و المطلق و المقيد. و قد اشار الى الوجه في عدم التعارض بين هذه الادلة بقوله: «حيث ان بناء العرف» ... الى قوله «و بالجملة». و اشار الى ان التعارض ليس هو التنافي بين المدلولين، بل هو التنافي بين الدليلين في مقام الاثبات و الحجيّة الفعلية بقوله: «و بالجملة» ... الى قوله «بحيث تبقى ابناء المحاورة متحيرة». ثم اشار الى ان التعارض ليس هو في مثل العام و الخاص و المطلق و المقيد، او ما كان‏

29

فيقدّم النصّ أو الاظهر- و إن كان بحسب السند ظنيّا- على الظاهر و لو كان بحسبه قطعيا (1).

____________

بينهما عموم و خصوص من وجه و كان احدهما ظاهرا و الآخر نصّا او اظهر، او كان كلّ واحد منهما ظاهرا في جهة و نصّا او اظهر في جهة اخرى، فان هذه الموارد لا تعارض بينها في مقام الحجيّة الفعلية، لتعيّن التصرف اما في احدهما بخصوصه او في كليهما، و بذلك ترتفع المنافاة بينهما في مقام التأثير و الحجية الفعلية، فلا تعارض بينهما فيما هو الحجّة بالفعل بقوله: «بل بملاحظة المجموع» ... الى آخر قوله «بما ترتفع المنافاة التي تكون في البين».

(1) حاصله: ان موارد الجمع الدلالي كلّها التي ضابطها ان يكون احدهما ظاهرا و الآخر نصّا او اظهر، يقدّم في جميعها النصّ و الاظهر و ان كان ظني السند على الظاهر و ان كان قطعي السند ... فان الصور المتصوّرة فيهما اربع:

الاول: ان يكونا معا قطعيين بحسب السند. الثانية: ان يكونا معا ظنيين بحسب السند. الثالثة: ان يكون النصّ او الاظهر قطعيا سندا و الظاهر ظنيّا. الرابعة:

بالعكس بان يكون النص او الاظهر ظنيّا سندا، و الظاهر قطعيّا بحسب السند.

و لما كانت الصورة الاخيرة هي التي ربما يتوهّم فيها تقديم الظاهر على النص او الاظهر، لفرض كون الظاهر فيها قطعيا من حيث السند و النصّ و الاظهر ظنيّا، لذلك نبّه على لزوم التقديم في جميع الصور حتى في هذه الصورة، و لا ينبغي ان يتوهّم فيها تقديم الظاهر لكونه قطعي السند، لان التقديم انما يكون مع التعارض، و حيث قد عرفت ان في موارد الجمع الدلالي كلها لا تعارض بين الدليلين فلا وجه للتقديم. فالنص و الاظهر دلالة الظني من حيث السند يتقدم على الظاهر دلالة و ان كان مقطوع السند، فان سريان التعارض الى السندين انما هو حيث يتحقق التعارض في مقام الدلالة للتنافي فيها، و حيث لا تنافي في مقام الدلالة فلا يكون بين السندين تعارض حتى يتوهّم لزوم تقديم القطعي بحسبه على الظن بحسبه. و لذا قال‏

30

و إنما يكون التعارض في غير هذه الصور مما كان التنافي فيه بين الادلة بحسب الدلالة و مرحلة الاثبات (1)، و إنما يكون التعارض بحسب السند

____________

(قدس سره): «و لا فرق فيها» أي لا فرق في موارد الجمع الدلالي كلها «بين ان يكون السند فيها قطعيا» في كليهما «او ظنيّا» في كليهما «او مختلفا» و في جميعها يتقدّم النصّ و الاظهر من دون فرق حتى في الصورة الاخيرة «فيقدّم النصّ أو الاظهر و ان كان بحسب السند ظنيّا على الظاهر و لو كان بحسبه قطعيا».

(1)

[صور تعارض الدليلين‏]

التعارض في غير صور الجمع الدلالي انما هو للتنافي في مقام الدلالة.

و صور التعارض في الدليلين المتنافيين- في مقام الدلالة و هي في مرحلة الاثبات- المتكافئين فيها ست:

الاولى: ان يكون الدليلان قطعيّ السند و قطعيّ الدلالة، و لا بد في هذه الصورة من ان يكونا من حيث جهة الصدور ظنيّين، اذ لا يعقل ان يكونا قطعيين حتى من حيث جهة الصدور للزوم التناقض في مرحلة الواقع، لانهما اذا كانا قطعي السند و قطعي الدلالة و قطعيين من حيث جهة الصدور بان يكونا قد صدرا لبيان الواقع واقعا، فلازم ذلك ان يكون الواقع الشي‏ء و عدمه اعمّ من كونه نقيضه او ضده، و هذا معنى لزوم التناقض، و لا يعقل صدور المتناقضين واقعا بحسب الواقع من الشارع.

الثانية: ان يكون الدليلان قطعيّ السند ظاهري الدلالة.

الثالثة: ان يكونا ظنيّ السند قطعيّ الدلالة.

الرابعة: ان يكونا ظنيّ السند ظاهري الدلالة.

الخامسة: ان يكون الدليلان مختلفين من حيث السند، فيكون احدهما قطعي السند و الآخر ظنيّه، و لكن من حيث الدلالة يكونان قطعيين معا.

السادسة: ان يكونا مختلفين- ايضا- من حيث السند، و لكن من حيث الدلالة يكونان معا ظاهرين.

31

فيما إذا كان كل واحد منها قطعيا دلالة و جهة، أو ظنيا (1) فيما إذا لم‏

____________

(1) توضيحه: ان الصور الست المذكورة للتعارض ليس في جميعها تعارض من حيث السند، بل التعارض من حيث السند في بعض منها.

بيان ذلك: انه فيما كان السند فيهما قطعيا لا تعارض من حيث السند، لوضوح انه مع فرض كون السند فيهما قطعيا فلا يعقل ان ينفي احدهما الآخر من جهة السند.

و مما ذكرنا يظهر انه لا تعارض من حيث السند في الصورة الاولى، و لا في الدلالة- ايضا- لفرض كونها قطعيّة ايضا، و يتعيّن التعارض حينئذ ان يكون في جهة الصدور فقط.

و لا تعارض- ايضا- من حيث السند في الصورة الثانية لفرض كونه قطعيا فيهما، و تكون المعارضة في الدلالة لكونها ظنيّة فيهما.

و في الصورة الثالثة لا تعارض بينهما من حيث الدلالة لفرض كونها قطعيّة فيهما، و ينحصر التعارض بينهما من حيث السند لكونه ظنيّا فيهما.

و في الصورة الرابعة يتعارضان من حيث السند و الدلالة لفرض كونهما معا ظنيين فيهما.

و في الصورة الخامسة حيث فرض كون احدهما قطعيّ السند و فرض كون الدلالة فيهما معا قطعيّة، فان كان ما هو قطعي السند و قطعي الدلالة قد كان قطعيا ايضا من حيث جهة الصدور، فلا بد من تقديمه على ما هو ظني السند، للعلم بان ما كان قطعيّا من حيث جهة الصدور قد صدر لبيان الواقع قطعا مع فرض كونه قطعي السند و الدلالة، للعلم بان الحكم الذي دلّ عليه هو الحكم الواقعي قطعا، و مع العلم بان حكمه هو الحكم الواقعي لا بد من العلم بان معارضه لم يكن صادرا، او كان صادرا لا لبيان الواقع، فهو ساقط عن الحجية قطعا، و اذا لم يكن ما هو قطعي‏

32

يكن التوفيق بينها بالتصرّف في البعض أو الكل (1)، فإنه حينئذ لا معنى للتعبّد بالسند في الكل، إما للعلم بكذب أحدهما، أو لاجل أنه لا معنى‏

____________

السند و قطعي الدلالة قطعيّا من حيث الجهة فيقع التعارض حينئذ بين جهته فقط و سند ظني السند و جهته، دون دلالته لفرض كونها قطعية ايضا.

و في الصورة السادسة يقع التعارض بين دلالة قطعي الصدور و سند ظني السند و دلالته، لفرض كون الدلالة فيهما معا غير قطعية و السند في خصوص احدهما ظنيّا.

و قد تبيّن مما مرّ ان تعارض الدليلين معا من ناحية السند انما هو في الصورة الثالثة و الرابعة، و عدم تعارضهما معا من حيث السند في الصورة الاولى و الثانية لفرض كونه قطعيا فيهما معا، و لا في الصورة الخامسة حيث ان احد السندين قطعي، و في الفرض الاول منه يتقدّم ما هو قطعي السند و الدلالة و الجهة، و في الفرض الثاني يقع التعارض بين جهة قطعي الصدور و الدلالة و بين سند ظني الصدور و جهته، فلا تعارض بينهما معا من حيث السند. و في الصورة السادسة يقع التعارض بين دلالة قطعي الصدور و سند ظني الصدور و دلالته، فلا تعارض ايضا بينهما معا من حيث السند. و قد اشار الى الصورتين التي يتعارض الدليلان معا من حيث السند فيها بقوله: «و انما يكون التعارض بحسب السند فيما اذا كان كل واحد من» الدليلين «قطعيا دلالة و جهة» كما في الصورة الثالثة «او» كان كل واحد منهما «ظنيّا» من جهة الدلالة كما هما ظنيان من جهة السند ايضا.

(1) لانه قد عرفت انه فيما اذا امكن التوفيق بالجمع الدلالي بينهما لا يكونان من المتعارضين، فلا تعارض بينهما من حيث السند فيما اذا كان احدهما نصّا او اظهر و كان الآخر ظاهرا، او كان كلّ واحد منهما نصّا من جهة و ظاهرا من جهة اخرى، ففي الصورة الاولى يكون التصرف في احدهما، و في الصورة الثانية يكون التصرّف فيهما معا كما مرّ بيان ذلك.

33

للتعبّد بصدورها مع إجمالها، فيقع التعارض بين أدلة السند حينئذ، كما لا يخفى (1).

____________

(1) قد عرفت ان التعارض بين الدليلين في السندين معا انما هو في الصورة الثالثة و الرابعة ... و قد ذكر المصنف وجهين لوقوع التعارض: الوجه الاول ما اشار اليه بقوله: «فانه حينئذ لا معنى للتعبّد بالسند في الكل اما للعلم بكذب احدهما» و العلم بكذب احدهما هو الوجه الاول. و الوجه الثاني ما اشار اليه بقوله: «او لاجل انه لا معنى للتعبّد بصدورها مع اجمالها الى آخره».

و توضيح الاول: ان المتعارضين تارة يعلم اجمالا بان احدهما لم يصدر و اما الثاني يكون محتمل الصدور و عدم الصدور، و في هذه الصورة يعلم بكذب احدهما قطعا لفرض العلم بعدم صدور احدهما. و اخرى يعلم اجمالا بصدور احدهما و عدم صدور الآخر، و في هذه الصورة- ايضا- يعلم بكذب احدهما قطعا لفرض العلم بعدم صدور احدهما اجمالا. و ثالثة: يعلم اجمالا بصدور احدهما فقط من دون علم بالآخر، فيكون الآخر محتمل الصدور و عدم الصدور، و في هذه الصورة لا علم بكذب احدهما لفرض كون العلم بالصدور مختصّا باحدهما اجمالا، و الآخر محتمل الصدور و عدم الصدور فلا علم بالكذب. و رابعة: انه لا يكون علم اجمالي في البين، لا بعدم صدور احدهما، و لا بصدور احدهما و عدم صدور الآخر، و لا بصدور احدهما فقط، و في هذه الصورة ايضا لا علم بالكذب كما هو واضح، و في هذه الصورة لا يكون هناك الّا العلم الاجمالي بعدم صدورهما معا لبيان الواقع، اذ لا يعقل ان يكون الحكم الواقعي كل واحد منهما، و الّا لما كانا متعارضين.

و لا يخفى ان هذا العلم الاجمالي موجود في جميع صور التعارض.

فاتضح مما ذكرنا: ان العلم بالكذب و ان كان يختصّ بالصورة الاولى و الثانية، و لا يعمّ الصورة الثالثة و الرابعة المذكورتين للمتعارضين، إلّا ان العلم الاجمالي بعدم صدورهما معا لبيان الواقع يعم جميع الصور. و لا يخفى انه مع العلم بكذب‏

34

.....

____________

احدهما يمتنع عقلا جعل الحجيّة لكلّ واحد من السندين بناء على الطريقية لا الموضوعية، فيقع التعارض بين السندين لامتناع حجية كل واحد منهما- بناء على الطريقية- مع العلم بكذب احدهما، و يمتنع عقلا ايضا حجية كل واحد منهما مع العلم الاجمالي بعدم صدورهما معا لبيان الواقع.

و توضيح الثاني: انه قد عرفت ان تعارض السندين معا في الدليلين المتعارضين هو في الصورة الثالثة و الرابعة من الصور الست المتقدمة. و حيث فرض في الصورة الثالثة قطعية الدلالة فيهما معا فلا اجمال في الدلالة، و تنحصر المعارضة بينهما في السندين. و اما الصورة الرابعة فالدلالة فيهما و ان كانت ظنية كما هو المفروض فيها، إلّا انه بعد تعارضهما دلالة لا بناء من العقلاء على حجية الظهور فيهما معا، و يكون حالهما حال المجمل من حيث الظهور، فلا معنى لجعل الحجية الفعلية لكل واحد من السندين مع تعارضهما في الدلالة، فان جعل الحجية الفعلية لكليهما لغو من الحكيم مع فرض تعارضهما دلالة الموجب لاجمال الظهور فيهما، كما لو كان الدليل مجملا من حيث الدلالة فانه مع اجماله في الدلالة يكون جعل الحجية الفعلية لسنده لغوا من الحكيم لعدم الفائدة في هذا الجعل، فاذا كانت الادلة متعارضة في الدلالة فجعل الحجية الفعلية لسند كل واحد منها ايضا لا فائدة فيه لاجمال ظهورها فهو لغو لا يصدر من الحكيم، فلا بد و ان يكون الحجة الفعلية هو احد الادلة المتعارضة، و لذلك يقع التعارض في السند ايضا في الادلة المتعارضة في الدلالة.

و المتحصل من جميع ما ذكرنا: ان الموجب للتعارض: اما العلم الاجمالي بعدم صدورهما معا لبيان الواقع، او لزوم اللغوية في جعل الحجية الفعلية لكل واحد من المتعارضين، و هذا هو الثاني الذي اشار اليه بقوله (قدس سره): «او لاجل انه لا معنى للتعبد بصدورها» أي لا معنى للتعبد بصدور الادلة المتعارضة في الدلالة «مع اجمالها» لما عرفت من انه بعد تعارضها في الدلالة لا بناء من العقلاء على الاخذ بظهورها جميعا فتكون مجملة من حيث اصالة الظهور، و حيث عرفت ايضا

35

فصل‏

التعارض و إن كان لا يوجب إلّا سقوط أحد المتعارضين عن الحجية رأسا، حيث لا يوجب إلا العلم بكذب أحدهما، فلا يكون هناك مانع عن حجية الآخر، إلا أنه حيث كان بلا تعيين و لا عنوان واقعا- فإنه لم يعلم كذبه إلا كذلك، و احتمال كون كل منهما كاذبا- لم يكن واحد منهما بحجة في خصوص مؤدّاه، لعدم التعيين في الحجة أصلا، كما لا يخفى.

نعم يكون نفي الثالث بأحدهما لبقائه على الحجية، و صلاحيته على ما هو عليه من عدم التّعيّن لذلك لا بهما (1)، هذا بناء على حجية

____________

انه لا معنى لجعل الحجية الفعلية لسند كل واحد منها «ف» لاجل ذلك «يقع التعارض بين ادلة السند حينئذ كما لا يخفى».

(1)

[الفصل الثانى: الاصل الاولى فى المتعارضين بناء على الطريقية]

توضيح الحال يتوقف على امور: الاول: ان الظاهر من ادلة الجعل لحجيّة الامارات هو الطريقية و انها بداعي الايصال الى الواقع، كقوله (عليه السّلام): العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا فعني يؤدّيان، و غيره من ادلة الجعل، و ظهور اخبار العلاج في ذلك ايضا، فان المزايا المذكورة في الادلّة العلاجية: كالأوثقيّة و الأصدقيّة و الأورعيّة و الأفقهيّة و موافقة الكتاب و مخالفة القوم كلها ظاهرة في ان جعل الحجية انما هو بداعي الايصال الى الواقع.

الثاني: ان الجامع الاولي للامارة المجعولة هو احتمال الاصابة للواقع شخصا، و غلبة الاصابة نوعا.

الثالث: انه بناء على الطريقية فالعلم التفصيلي بكذب الامارة مخرج لها موضوعا عن ادلّة الحجية، لان جعل الحجية للامارة حيث انه بداعي الايصال فلا بد و ان تكون الامارة محتملة الاصابة شخصا غالبة الاصابة نوعا، و مع العلم بالكذب تفصيلا لا تكون الامارة محتملة الاصابة شخصا و لا غالبة الاصابة نوعا.

36

.....

____________

و اما مع العلم الاجمالي بكذب احدهما فان كل واحد من الامارتين و ان كان محتمل الاصابة شخصا غالب الاصابة نوعا، الّا ان الواقع حيث انه غير قابل للفعلية فيهما معا، لوضوح عدم امكان ان يكون الواقع كل واحد منهما، بل الواقع على فرضه لا يكون الّا في ضمن احدهما- فلا يعقل ان يكون كل واحد منهما مشمولا لادلة الحجية. و منه يظهر ان احتمال ان يكون كل واحد من الدليلين حجة بالفعل في مدلوله المطابقي غير معقول بناء على الطريقية.

و مما ذكرنا يظهر ايضا: ان العلم الاجمالي بعدم صدور كل واحد منهما لبيان الواقع- بناء على الطريقية- لا بد فيه في فرض التعارض، و مع هذا العلم الاجمالي لا يعقل- ايضا- ان يكون كل واحد من الدليلين حجة بالفعل في مدلوله المطابقي.

[حجية احدهما بنحو التخيير العقلي بينهما]

الرابع: انه بعد ما عرفت عدم امكان حجيّة كل واحد من المتعارضين فعلا في المدلول المطابقي ... فمحتملات المقام امور:

منها حجيّة احدهما بنحو التخيير العقلي بينهما.

و الوجه فيه ان اطلاق دليل الحجية يشملهما معا، لان كل واحد منهما محتمل الاصابة شخصا غالب الاصابة نوعا، لانه من الظنون النوعية، و العلم الاجمالي بكذب احدهما يوجب سلب القدرة عن العمل بهما معا، و لازم شمول الاطلاق لكلا الدليلين و عدم القدرة على الجمع بينهما هو التخيير بينهما عقلا.

و يرد عليه: ان اطلاق دليل الحجية و ان شمل كل واحد منهما مع الغض عن الآخر، الّا انه لا يشملهما معا: بمعنى انه لا يشمل كل واحد منهما مع لحاظ اجتماعه مع الآخر، للعلم بعدم وجود ملاكها فيهما معا ثبوتا بناء على الطريقية، فليس المانع هو عدم القدرة على الجمع بينهما، و انما يكون المانع عدم القدرة فيما اذا كان كل واحد منهما بلحاظ الآخر واجدا لملاك الحجية ثبوتا، كانقاذ الغريقين فانه حينئذ يكون المانع عدم القدرة على الجمع بينهما فيكون التخيير عقليا. اما في‏

37

.....

____________

المتعارضين فليس ملاك الحجية ثبوتا متحققا فيهما معا ليكون المانع عدم القدرة، بل المانع عدم تحقق ملاك الحجية ثبوتا فيهما معا، فلا يكون المقام من التخيير العقلي.

[حجية الخبر الموافق للواقع و عدم حجية الخبر الكاذب‏]

و منها: حجيّة الخبر الموافق للواقع و عدم حجية الخبر الكاذب غير الموافق للواقع، و يكون المقام من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة.

و الوجه فيه ان كل واحد من الخبرين مع لحاظه بذاته يغض النظر عن الآخر يشمله اطلاق دليل الحجية، الّا ان الحجيّة الفعلية- بناء على الطريقية- الموجبة لتنجّز الواقع و الموصلة اليه هي خصوص الخبر الموافق للواقع، دون الخبر غير الموافق للواقع الذي هو الخبر الكاذب، لوضوح كون الخبر الكاذب لا ينجّز الواقع و لا يوصل اليه.

و بعبارة اخرى: انه مع لحاظ الخبرين معا مجتمعين فان احدهما بخصوصه و هو الخبر الموافق للواقع يكون هو الحجة، و الخبر غير الموافق للواقع لا يكون بحجة، و حيث لا يعلم الخبر الموافق للواقع بخصوصه من الخبر غير الموافق للواقع، فلازم هذا كون المقام من قبيل اشتباه الحجة باللّاحجّة.

و فيه أولا: ان مورد اشتباه الحجة باللّاحجّة هو ان لا يكون كل واحد من الخبرين مع فرض الغض عن الآخر مما يشمله اطلاق دليل الحجية، كما لو اشتبه- مثلا- رجال الخبرين الثقة و الضعيف، بان روى كل واحد من الخبرين عن ابن سنان، و علم اجمالا بان احدهما راويه هو ابن سنان الضعيف و الآخر ابن سنان الثقة، فان كل واحد من الخبرين لا يشمله اطلاق دليل الحجية، و حيث علم ان احد الراويين ثقة و الآخر ضعيف فالمورد يكون من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة. اما في المقام فحيث ان اطلاق دليل الحجية يشمل كل واحد منهما على الفرض، و العلم بكذب احدهما اجمالا يمنع عن الحجية الفعلية لكل واحد منهما لا انه يوجب اخراج احدهما عن شمول اطلاق دليل الحجية، فلا يكون من قبيل اشتباه الحجة باللّاحجّة.

38

[حجية احدهما من غير تعيين‏]

و ثانيا: ان فرض الكلام هو العلم بكذب احدهما فقط، لا العلم بكذب احدهما و صدق الآخر، فلا يعلم بموافقة الآخر للواقع حتى يكون الخبر المعلوم موافقته للواقع هو الحجة و الخبر غير الموافق للواقع ليس بحجة، ليكون من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة.

و الحاصل: ان فرض الكلام هو عدم موافقة احدهما للواقع، و اما الآخر فيمكن ان يكون موافقا و يمكن ان لا يكون موافقا، فليس في فرض الكلام لنا علم بموافقة احد الخبرين للواقع حتى يكون هو الحجة بخصوصه، و يكون من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة.

و ثالثا: ان مجرد الموافقة للواقع لا تكفي في كون الخبر الموافق له حجة بالفعل، بل الحجة الفعلية متقومة بوصول الواقع بالخبر و تنجزه به، و حيث لم يعلم المنجز للواقع منهما و الموصل له، فمجرد كون احدهما موافقا للواقع من دون كون الواقع واصلا به و منجزا به لا يوجب كون احدهما هو الحجة الفعلية، فلم يبق لنا إلّا احتمال الموافقة و هو موجود في كل واحد من الخبرين، فلا يكون المقام من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة.

و منها: كون الحجة هو احدهما من غير تعيين، و هو الذي يظهر من المتن اختياره.

و الوجه فيه هو ان المقتضي للحجية موجود في كل واحد من الخبرين، لان المقتضي للحجية في الخبر هو احتمال اصابته الواقع شخصا و غلبة اصابته نوعا، و هذا المعنى موجود في كل واحد من الخبرين، و المانع عن تأثير هذا الاقتضاء في كل واحد من الخبرين هو العلم الاجمالي بكذب احدهما، و هذا المانع متساوي النسبة الى كل واحد من المقتضيين الموجودين في الخبرين، و اذا كان المقتضي موجودا في كل واحد من الطرفين، و كان المانع متساوي النسبة اليهما، و لم يكن مانعا عن كل واحد منهما بخصوصه، و لم يكن ايضا مانعا عن احدهما المعين بخصوصه، كان‏

39

.....

____________

ذلك المانع مانعا عن تأثير المقتضيين فيهما معا.

[نفي الثالث بالمتعارضين‏]

اما تأثير المقتضي في احدهما بلا تعيين فلا مانع منه، فيكون الحجة هو احدهما من غير تعيين لتحقق المقتضى له من غير مانع، اما تحقق المقتضي له فلما عرفت من وجود المقتضى في كل واحد منهما، و اما عدم المانع فلما عرفت ايضا من ان المانع المذكور انما يمنع عن تأثير كلا المقتضيين معا، و لا يمنع عن تأثير كل واحد منهما بخصوصه و لا عن احدهما المعين بخصوصه ليكون مانعا عن التأثير في احدهما بلا تعيين، فلا مانع حينئذ عن تأثير المقتضي في احدهما بلا عنوان، و يسقط المقتضي عن التأثير في احدهما بلا عنوان ايضا، و على هذا فيكون الحجة هو احدهما بلا تعيين و الساقط هو احدهما بلا تعيين ايضا. و حيث كان الحجة هو احدهما بلا تعيين و لم يعلم انه أيهما فكل واحد منهما بخصوصه لا يكون حجة بالفعل في مؤداه، لان الحجة هو احدهما بلا عنوان و من غير تعيين، فما هو المعين بعنوانه الخاص ليس بحجة و ما هو الحجة هو احدهما بلا تعيين، و لازم ذلك عدم حجية كلا الخبرين في مدلولهما المطابقي و نفي الثالث غيرهما، لفرض كون الحجة هو احدهما بلا عنوان، و هذا المقدار كاف في نفي الثالث لان الثالث هو غيرهما، و حيث كان الحجة هو احدهما فلازمه ان يكون غيرهما ليس بحجة. فكون الحجة هو احدهما بلا تعيين صالح بنفسه لنفي الثالث.

و ليس نفي الثالث بهما معا، بدعوى انهما بعد تساقطهما في مدلولهما المطابقي ينفيان الثالث بمدلولهما الالتزامي، فان للدليل دلالة مطابقية و هو كون مؤداه هو الحكم، و دلالة التزامية و هو نفي الحكم الذي خالف مؤداه المطابقي، فالمتعارضان و ان سقطا في مدلولهما المطابقي للعلم بكذب احدهما، إلّا انهما لم يسقطا في مدلولهما الالتزامي و هو نفي الثالث، فيكون نفي الثالث منفيا بهما معا. و لكنه لا وجه لهذه الدعوى بعد ما عرفت من ان الحجة هو احدهما بلا تعيين، و انما تساقطا لعدم تمييز ما هو الحجة منهما، و بعد العلم بكذب احدهما يكون الكاذب‏

40

.....

____________

ساقطا عن الحجية في مدلوله المطابقي و الالتزامي، فلا بد و ان يكون نفي الثالث مستندا الى ما هو الحجة و هو احدهما بلا تعيين.

و قد اشار الى ما ذكرنا بقوله: «التعارض و ان كان لا يوجب إلّا سقوط احد المتعارضين عن الحجية رأسا» لتحقق المقتضي للحجية في كل واحد منهما، و هو كونه محتمل الاصابة شخصا غالب الاصابة نوعا، و انما لا يؤثر هذا المقتضي في حجية كل واحد منهما لوجود المانع، و المانع «لا يوجب» الا عدم تأثير المقتضي في احدهما لانه ليس هو «إلّا العلم بكذب احدهما فلا يكون هناك مانع عن حجية الآخر إلّا انه حيث كان» ما هو الساقط هو احدهما «بلا تعيين و لا عنوان واقعا» لفرض عدم العلم به بخصوصه «فانه لم يعلم كذبه الا كذلك» أي لم يعلم كذبه الا اجمالا و كونه احدهما «و» هذا لا يوجب إلّا «احتمال كون كل منهما كاذبا» و لعدم تمييز ما هو الكاذب منهما «لم يكن واحد منهما بحجة في خصوص مؤداه لعدم التعيين في الحجة اصلا كما لا يخفى. نعم يكون نفي الثالث باحدهما لبقائه على الحجية» لما عرفت من عدم المانع عن كون الحجة هو احدهما بلا تعيين «و صلاحيته» أي و صلاحية ما هو الحجة و هو احدهما «على ما هو عليه من عدم التعين لذلك» أي لا يكون نفي الثالث به «لا بهما» معا.

[سقوط المتعارضين في الحجيّة الفعلية]

و منها: سقوط المتعارضين في الحجية الفعلية، و لا يكون الحجة هو احدهما بنحو التخيير العقلي لما عرفت، و لا الموافق للواقع منهما كما مر، و لا احدهما بلا تعيين كما هو ظاهر المتن لان مرجع ما ذكره الى حجية المردد، فان احدهما بلا تعيين واقعا ليس هو إلّا المردد، و المردد لا تحقق له لا ذهنا و لا خارجا، اما خارجا فلبداهة ان كل شي‏ء في الخارج هو هو لا هو او غيره، و اما ذهنا فلأن كل موجود سواء كان في الذهن او الخارج له ماهية ممتازة عن ساير الماهيات بامتياز ما هوي، و له وجود ممتاز بنفس هويته الوجودية عن ساير الوجودات، و من الواضح ان المردد بما هو مردد لا ماهية له ممتازة عن ساير الماهيات لفرض الترديد في نفس ذاته، و لا وجود له لان‏

41

.....

____________

الوجود مشخص لما تعلق به من الماهيات، و لا يعقل ان يكون الوجود مشخصا لما كان بذاته آبيا عن التشخص، و المردد بما هو مردد آب بذاته عن التشخص و التعين، و من الواضح ان الذهن نحو وجود للماهية و به تتشخص ذهنا، كما ان الوجود الخارجي مشخص لها خارجا.

فظهر ان المردد- بما هو مردد- لا وجود له لا ذهنا و لا خارجا، و ما لا وجود له بكلا نحوي الوجود لا يكون متعلقا لصفة من الصفات اصلا، لا الصفات الخارجية و لا الصفات النفسية كالعلم و الارادة، و لا الصفات الاعتبارية كالحجية، لانه لا معنى لتعلق الحجية بما لا تحقق له لا ذهنا و لا خارجا.

و ما يقال: من ان العلم الاجمالي المتعلق بنجاسة احد الإناءين- مثلا- قد تعلق بالمردد فان متعلقه هو عنوان احدهما.

فانه يقال: ان العلم الاجمالي لم يتعلق بالمردد، بل متعلقه مفصل من جهة كونه نجسا موجودا في الخارج، و لما كان ذلك المعلوم بما هو نجس في الخارج مجهول الانطباق على الإناءين كان هو علما من جهة مشوبا بجهل من جهة اخرى، فمرجع العلم الاجمالي الى علم من جهة و جهل من جهة، لا ان العلم الاجمالي هو العلم المتعلق بالمردد. و المفروض في المقام كون الحجة هو احدهما بلا تعيين واقعا، فان مرجعه الى الترديد، و لذلك لا يرد الترديد على من قال بان الحجة هو احدهما و هو الموافق للواقع، لان متعلق الحجة امر معين واقعا لا مردد.

و على كل فمن يرى عدم امكان كون الحجة هو احدهما بلا تعيين واقعا، و لا احدهما بنحو التخيير العقلي، و لا احدهما الموافق للواقع، و لا يعقل ايضا ان تكون الحجة كل واحد منهما للعلم بكذب احدهما- فلا بد من سقوط كلا المتعارضين في المدلول المطابقي، لعدم حجية كل واحد منهما، و اذا كان السقوط للمتعارضين في المدلول المطابقي لعدم الحجية فلا سبيل لنفي الثالث، لان سقوطهما لاجل عدم الحجية في المدلول المطابقي معناه عدم الحجة على الملزوم، فلا تكون هناك حجة على‏

42

الامارات من باب الطريقية (1)، كما هو كذلك (2) حيث لا يكاد يكون حجة طريقا إلا ما احتمل إصابته، فلا محالة كان العلم بكذب أحدهما

____________

اللازم، و المدلول الالتزامي هو اللازم للمدلول المطابقي، فحيث لا يكون الدليل حجة في مدلوله المطابقي لا يكون حجة في مدلوله الالتزامي، بخلاف ما اذا كان الحجة في المتعارضين هو احدهما باحد الانحاء المذكورة فانه يكون هو الحجة على نفي الثالث.

(1) لا يخفى ان الاحتمالات المتقدمة: من كون الحجة احدهما بنحو التخيير، او احدهما الموافق للواقع، او احدهما لا بعينه، او سقوطهما معا، مبنية على كون حجية الامارات من باب الطريقية و لا يصال الواقع و تنجزه بها.

و اما بناء على السببية و كون الحكم الواقعي هو مؤدى الامارة فسيأتي الكلام فيه.

و اما كون تلك المحتملات مبنية على الطريقية، فلوضوح ان كون الحجة هو احدهما باحد العناوين الثلاثة المذكورة، أو تساقطهما في الحجية لكون العلم بكذب احدهما مانعا انما هو حيث يكون المبنى في الامارة حجيتها طريقا لايصال الواقع و تنجزه بها، لبداهة انه اذا كان هناك واقع قد جعلت الامارة طريقا اليه يكون العلم بكذب احدهما و مخالفته له و عدم ايصاله اليه مانعا اما عن حجية احدهما او موجبا لتساقطهما.

و اما بناء على كون الحكم الواقعي هو مؤدى الامارة، فلا يكون العلم بكذب احدهما و مخالفته للواقع مانعا عن حجيتها، إلّا ان يدعى ان السببية في الامارة هي في خصوص الخبر الذي لم يعلم كذبه كما سيأتي بيانه. و اما اذا قيل بعدم تقيد السببية في الامارة بذلك فلا يكون العلم بكذب احدهما مانعا.

(2) يريد ان الصحيح هو حجية الامارة من باب الطريقية، لان حجيتها اما لبناء العقلاء، و من الواضح ان بناء العقلاء على الاخذ بخبر العادل او الثقة انما هو لكونه‏

43

مانعا عن حجيته (1)، و أما بناء على حجيتها من باب السببية فكذلك لو كان هو خصوص ما لم يعلم كذبه، بأن لا يكون المقتضي للسببية فيها إلا فيه، كما هو المتيقن من دليل اعتبار غير السند منها، و هو بناء العقلاء على أصالتي الظهور و الصدور، لا للتقية و نحوها، و كذا السند لو كان دليل اعتباره هو بناؤهم أيضا، و ظهوره فيه لو كان هو الآيات و الاخبار،

____________

طريقا الى الواقع، لا لان مؤداه هو الواقع واقعا. و اما للاخبار، و الظاهر منها ايضا هو ذلك، لوضوح ظهور قوله (عليه السّلام) صدق العادل فيما اخبر به بذلك، فان مادة التصديق ظاهرة في ان هناك واقعا يكون الاخذ باخبار العادل عنه تصديقا له بانه هو الواقع، و ان الامر بالأخذ بقول العادل عملا بعنوان كونه تصديقا له واضح الظهور ايضا في ان الامر بتصديقه لصدقه في خبره و مطابقته لواقع هناك، لا لأن ما اخبر به هو الحكم واقعا و انه ليس هناك شي‏ء يكون مطابقته له صدقا.

(1) هذا تعليل لكون ما تقدم من الكلام انما هو بناء على الطريقية. و حاصله:

انه بناء على الطريقية تكون الحجية منحصرة في الطريق الذي احتمل اصابته للواقع، اما ما علم عدم اصابته للواقع فلا يكون بحجة، و لذلك كان العلم اجمالا بكذب احدهما مانعا عن حجية احدهما، فلا يعقل ان يكون كل واحد من المتعارضين حجة بالفعل مع العلم بكذب احدهما، و لا بد ان يكون الحجة هو احدهما كما مر بيانه.

و قد اشار الى انحصار الحجية بما احتمل اصابته بقوله: «حيث لا يكاد الى آخر الجملة» و اشار الى كون العلم بكذب احدهما مانعا على الطريقية بقوله: «فلا محالة الى آخر الجملة».

44

ضرورة ظهورها فيه، لو لم نقل بظهورها في خصوص ما إذا حصل الظن منه أو الاطمئنان (1).

____________

(1)

[مختار الشيخ الاعظم (قده) من التخيير مطلقا- بناء على السببية- و تعريض المصنف (قده) به من وجوه‏]

لا يخفى ان ظاهر الشيخ (قدس سره) في رسائله انه بناء على السببية في الامارات فالوجه هو التخيير مطلقا و ان علم بكذب احدهما، فالعلم بكذب احدهما ليس بمانع بناء على السببية في الامارات. و كلام المصنف تعريض به.

و قد عرض به من وجوه: الاول ما اشار اليه بقوله: «فكذلك لو كان الى آخر الجملة» أي ان العلم بالكذب يكون مانعا حتى على القول بالسببية، فيما اذا قلنا بان ما يدل على ان الجعل في الامارات بنحو السببية هو في خصوص ما لم يعلم كذبه.

و توضيح ذلك: انه لا اشكال ان مقام جعل الامارة سواء على الطريقية او السببية هو الجهل بالحكم الواقعي، لبداهة انه مع العلم بالحكم الواقعي لا مقام لجعل الامارة، و في مقام الجهل بالحكم الواقعي يتأتى الجعل في الامارة التي هي من الظنون. و للامارة جهات ثلاث: جهة الدلالة، و جهة الصدور لا للتقية، وجه السند. و لا بد من تمامية الحجة في الامارة من هذه الجهات الثلاث، فانه متى كانت الحجة في جهة من هذه الثلاث غير تامة لا تكون الامارة بحجة.

و الحجة في الامارة من جهة الدلالة و جهة الصدور منحصرة في بناء العقلاء على الاخذ بظهور ما كان الدليل ظاهر الدلالة فيه، و في بناء العقلاء على ان الظاهر في الكلام الصادر من العقلاء انه قد صدر للواقع لا لبيان غير الواقع، و من الواضح ان القدر المتيقن من بناء العقلاء حيث انه لا اطلاق له لانه دليل عملي، فهو دليل لبي لا لفظي حتى يكون له اطلاق، و لذا كان القدر المتيقن منه كون الحجة في جهة الدلالة و جهة الصدور هو في الامارة التي لا يعلم كذبها.

و اما في جهة السند فالدليل غير منحصر ببناء العقلاء، فان الدليل على الحجية فيها: بناء العقلاء، و الآيات، و الاخبار. و حال بناء العقلاء في جهة السند كحاله في‏

45

.....

____________

جهة الظهور الدلالي و جهة الصدور لا للتقية في ان القدر المتيقن منه هو حجية سند الامارة التي لا يعلم كذبها. و اما الآيات و الاخبار فحيث انها دليل لفظي فقد يتوهم ان لها اطلاقا يعم الخبرين و ان علم بكذب احدهما .. إلّا انه توهم باطل، لضرورة ظهور اخبار الجعل- كصدق العادل المستفاد من آية النبأ، و مثل قوله (عليه السّلام) فلان مأمون على الدين و الدنيا، و فلان ثقة- في خروج ما علم كذبه من الامارة عن الحجية، فتختص الحجية في الامارة بخصوص ما لم يعلم الكذب منها. و هذا اذا لم نقل بان الاخبار تدل على اكثر من ذلك و انها انما تدل على حجية خصوص الامارة الموجبة للظن او لخصوص مرتبة الاطمئنان منه.

فتحصل من جميع ما ذكرنا: ان العلم بكذب احدهما مانع على السببية ايضا، و لازم كونه مانعا كون الحجة في المتعارضين هو احدهما لا على التعيين، كما كان ذلك هو اللازم على الطريقية على مختار المصنف (قدس سره) كما مر بيانه. و قد اشار الى هذه النتيجة في اول كلامه بقوله: «بان لا يكون المقتضي للسببية فيها» أي في الامارات «الا فيه» أي الا كون الحجة هي في خصوص ما لم يعلم كذبه، و عليه فلا بد من كون العلم بالكذب مانعا، و كون الحجة في المتعارضين هو احدهما بلا تعيين.

و اشار الى ان دليل الاعتبار في غير جهة السند- و هو جهة الدلالة و الصدور- منحصر في بناء العقلاء، و ان القدر المتيقن منه كون الحجة خصوص الامارة التي لم يعلم كذبها بقوله: «كما هو المتيقن من دليل اعتبار غير السند منها» و هو جهة الدلالة و جهة الصدور «و هو بناء العقلاء على أصالتي الظهور و الصدور لا للتقية و نحوها» كالقاء الخلاف بين الشيعة حفظا لهم.

و اشار الى ان جهة السند دليل الاعتبار فيها غير منحصر في بناء العقلاء، بل هو بناء العقلاء و الآيات و الاخبار، و انه فيما كان هو بناء العقلاء يكون الحال في جهة السند كالحال في جهة الدلالة و الصدور بقوله: «و كذا السند لو كان دليل اعتباره هو

46

و أما لو كان المقتضي للحجية في كل واحد من المتعارضين لكان التعارض بينهما من تزاحم الواجبين، فيما إذا كانا مؤديين إلى وجوب الضدين أو لزوم المتناقضين (1)، لا فيما إذا كان مؤدى أحدهما حكما غير

____________

بناؤهم ايضا». و اما الآيات و الاخبار فأشار الى ان الظاهر منها ايضا هو كون الحجة خصوص ما لم يعلم كذبه بقوله: «و ظهوره فيه» أي و ظهور دليل الاعتبار في حجية خصوص ما لم يعلم كذبه «لو كان هو الآيات و الاخبار ضرورة ظهورها فيه» كما عرفت من ان الظاهر- من صدق العادل المستفاد من آية النبأ، و الاخبار الواردة في ذلك كقوله (عليه السّلام): فلان مأمون او ثقة- هو حجية خصوص ما لم يعلم كذبه. و اشار الى ان المستفاد من الآيات و الاخبار اكثر من ذلك بقوله: «لو لم نقل بظهورها في خصوص ما اذا حصل الظن منه» أي من السند «او» حصل منه «الاطمئنان».

و لا يخفى ان كون بناء العقلاء دليلا على الحجية لازمه كون مبنى الحجية هو الطريقية دون السببية، لان بناء العقلاء على الحجية في الامارات من حيث الجهات الثلاث كلها- جهة الدلالة و جهة الصدور و جهة السند- انما هو لان الاصل عندهم في الظهور الدلالي مطابقته للواقع، و لان الاصل في الصدور ان يكون لبيان الواقع، و لان الاصل في المخبر الثقة ان يكون صادقا يطابق اخباره الواقع، ففي جميع هذه الاصول الثلاثة العقلائية هناك واقع عند العقلاء، يكون مؤدى الخبر مطابقا له من حيث الدلالة و من حيث الصدور و من حيث المخبر، و ليس للسببية عند العقلاء عين و لا اثر. نعم السببية يمكن ان تدعى بالنسبة الى الادلة اللفظية الدالة على الاعتبار بالنسبة الى جهة السند كما سيأتي بيان ذلك.

(1) هذا هو الوجه الثاني من وجوه التعريض، و الرد على ما ذهب اليه الشيخ: من انه بناء على السببية فالوجه هو التخيير مطلقا و ان علم بكذب احدهما.

47

.....

____________

و توضيحه: ان مدرك القول بالسببية ان كان للتخلص عن اشكال تفويت المصالح الواقعية، فلازم ذلك هو القول بالسببية في خصوص الخبر المخالف للواقع، و اما الخبر الموافق للواقع فلا سببية فيه، و هذا قول بالطريقية و السببية معا، لان الخبر ان كان موافقا للواقع فقد ادرك فيه مصلحة الواقع، و ان كان مخالفا للواقع فقد كان به المصلحة التي بها يتدارك ما يفوت من مصلحة الواقع، و على هذا فالمقتضي للحجية و ان كان موجودا في كل واحد من الخبرين، إلّا ان لازم هذا القول كون دليل الاعتبار جامعا للطريقية و السببية، و هو جمع بين الآلية و الاستقلالية بنظر واحد و هو محال.

إلّا ان يقال: انه ليس في دليل الاعتبار جمع بين اللحاظين، بل دليل الاعتبار يتضمن لزوم اتباع ما اخبر به العادل، غايته ان العلة لاعتباره مختلفة: تارة تكون مصلحة الواقع، و اخرى المصلحة التي يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع.

و لكنه يرد عليه ما يأتي في المبنى الثاني للسببية من ان التخيير ليس مطلقا.

الثاني: ان مبنى القول بالسببية ليس التخلص عن اشكال التفويت، بل مبناها هو ان الظاهر من كل عنوان رتب عليه حكم ان الحكم قد رتب عليه بذاته، لا لانه معرف لغيره و طريق اليه، فظاهر اعتبار ما اخبر به العادل هو لزوم الاخذ به لانه خبر عادل، لا لانه طريق الى غيره، غايته حيث ان الجعل لا بد و ان يكون لمصلحة فيكون ما اخبر به ذا مصلحة على كل حال، و على هذا فالمقتضي للحجية في كل واحد من الخبرين موجود، و لا يكون العلم بالكذب مانعا لفرض كون المصلحة متحققة في نفس مؤدى الخبر، و هي العلة للجعل و الاعتبار، و ليس العلة للجعل و الاعتبار مصلحة الواقع حتى يكون العلم بعدم مطابقة مؤدى الخبر للواقع مانعا عن الحجية، بل ليس هناك داع للجعل الا المصلحة القائمة بنفس مؤدى الخبر، و هي متحققة في كل واحد من الخبرين.

48

.....

____________

فاذا تعارض الخبران على هذا المبنى للسببية يكونان من المتزاحمين في خصوص ما اذا كانا مؤديين الى حكمين الزاميين كوجوب الضدين، كما لو دل احدهما- مثلا- على وجوب القصر و الآخر على وجوب التام، او كانا مؤديين الى حكمين متناقضين، كما لو دل احدهما على وجوب فعل شي‏ء و الآخر على وجوب تركه.

و الوجه في كونهما من المتزاحمين هو تمامية المقتضي في كل واحد منهما، و هي المصلحة المشتمل عليها مؤدى كل منهما، و المانع عن تأثيرهما هو عدم القدرة على الجمع بينهما للزوم اجتماع الضدين او المتناقضين، فلا بد من القول بالتخيير بينهما لان بتركهما تفوت المصلحتان معا، و حيث لا يمكن الجمع بينهما فيكون الوجه هو التخيير بينهما.

و الحاصل: ان التعارض يكون من التزاحم بناء على السببية في خصوص ما اذا دل المتعارضان على مثل وجوب الضدين، أو دلا على وجوب امرين متناقضين كما اذا دلا على وجوب الفعل او وجوب الترك، و حينئذ فاللازم هو التخيير بينهما.

لا فيما اذا كان احد الخبرين دالا على حكم الزامي و الآخر على حكم غير الزامي، فانه لا وجه للقول بالتخيير بينهما كما سيأتي بيانه.

فاتضح مما ذكرنا: انه على القول بالسببية لا وجه للقول بالتخيير مطلقا في المتعارضين. و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «و اما لو كان المقتضي للحجية في كل واحد من المتعارضين» كما عرفت في السببية على المبنى الثاني، و على فرض كون السببية بهذا المعنى لا تكون النتيجة التخيير مطلقا بل «لكان التعارض بينهما» موجبا لان يكون التعارض «من» باب «تزاحم الواجبين في» خصوص «ما اذا كان مؤديين الى وجوب الضدين او لزوم المتناقضين».

49

إلزامي، فإنه حينئذ لا يزاحم الآخر، ضرورة عدم صلاحية ما لا اقتضاء فيه أن يزاحم به ما فيه الاقتضاء (1)، إلا أن يقال بأن قضية اعتبار دليل غير الالزامي أن يكون عن اقتضاء، فيزاحم به حينئذ ما يقتضي‏

____________

(1) توضيحه: ان مصلحة الحكم غير الالزامي في مرحلة الثبوت على نحوين: الاول:

ان تكون المصلحة لها اقتضاء بالنسبة الى الحد غير الالزامي، و اما بالنسبة الى المرتبة العليا التي هي فوق مرتبة غير الالزامي و هي مرتبة الحد الالزامي فهي لا اقتضاء، و على هذا فلا يكون تعارض الخبرين الدال احدهما على استحباب الشي‏ء و الآخر على وجوبه من المتزاحمين، لعدم معقولية مزاحمة ما لا اقتضاء له لما له الاقتضاء، لان ما دل على الاستحباب له مصلحة مقتضية للحد غير الالزامي، و بالنسبة الى المرتبة العليا و هي مرتبة اللزوم لا اقتضاء له، و الدليل الدال على الوجوب له اقتضاء بالنسبة الى المرتبة العليا و هي مرتبة اللزوم، فدليل الاستحباب بالنسبة الى مرتبة اللزوم لا اقتضاء له و دليل الوجوب بالنسبة الى مرتبة اللزوم له اقتضاء، و لا يعقل ان يزاحم ما ليس له اقتضاء لما له الاقتضاء، فلا تزاحم بين ما يدل على الاستحباب و بين ما يدل على الوجوب، و لا بد من تقديم ما يدل على الوجوب. فلا يكون في هذا الفرض تزاحم بين هذين المتعارضين ليكون الحكم فيها التخيير، فلا وجه للحكم بالتخيير مطلقا على السببية، فانه في مثل هذا الفرض لا بد من تقديم الامارة الدالة على الوجوب على الامارة الدالة على الاستحباب، لعدم التزاحم بين ما ليس له اقتضاء و ما له الاقتضاء.

و الى ما ذكرنا اشار بقوله: «لا فيما اذا كان مؤدى احدهما حكما غير الزامي» و كان مؤدى الآخر حكما الزاميا «فانه حينئذ لا يزاحم الآخر» أي انه على هذا الفرض لا يزاحم ما كان غير الزامي لما كان الزاميا «ضرورة» انه اذا كان غير الالزامي لا اقتضاء له بالنسبة الى المرتبة العليا فلا يزاحم ما كان له الاقتضاء بالنسبة الى المرتبة العليا ل «عدم صلاحية ما لا اقتضاء فيه ان يزاحم به ما فيه الاقتضاء».

50

الالزامي، و يحكم فعلا بغير الالزامي، و لا يزاحم بمقتضاه ما يقتضي غير الالزامي، لكفاية عدم تمامية علة الالزامي في الحكم بغيره (1).

____________

(1) حاصل إلّا ان يقال: هو ان الدليل غير الالزامي له الاقتضاء ايضا بالنسبة الى عدم المرتبة العليا ثبوتا و إثباتا. فلا بد من التكلم فيه في مرحلة الثبوت و في مرحلة الاثبات ..

و اما الكلام في مرحلة الثبوت، فنقول: ان المصلحة في الدليل غير الالزامي كما انها يكون لها اقتضاء بالنسبة الى الحد غير الالزامي يكون لها اقتضاء ايضا بالنسبة الى عدم المرتبة العليا، لاقتضائها فعلية الحكم غير الالزامي، و فعلية الحد غير الالزامي تنافي فعلية الحد الالزامي، فلو كان هناك حد الزامي لكان منافيا لكون الحكم الفعلي هو الحد غير الالزامي. و على هذا الفرض يكون الدليل غير الالزامي مزاحما للدليل الالزامي، لانه كما ان الدليل الالزامي له اقتضاء بالنسبة الى المرتبة العليا فللدليل غير الالزامي اقتضاء ايضا بالنسبة الى عدمها، فيقع التزاحم بينهما بالنسبة الى المرتبة العليا التي هي حد الالزام، لان الدليل الالزامي يقتضي وجودها، و الدليل غير الالزامي يقتضي عدمها. و اما بالنسبة الى اصل الرجحان فلا تزاحم بينهما، بل كل منهما له اقتضاء بالنسبة اليه، و حينئذ فتكون النتيجة هو الحكم بالرجحان بعد تساقطهما في المرتبة العليا. هذا في مرحلة الثبوت.

و اما مرحلة الاثبات التي اشار اليها بقوله: «ان قضية اعتبار دليل غير الالزامي الى آخره»، فتوضيحها:

ان دليل الاعتبار الشامل للامارة المتكفلة للحكم غير الالزامي الاستحبابي يقتضي ان الحكم الفعلي هو الاستحباب على طبق مؤدى الامارة التي دلت عليه- بناء على السببية- و وجود المصلحة الفعلية في مؤدى الامارة، ففيما لو كان في الواقع مصلحة تقتضي الوجوب و كانت الامارة الدالة على الاستحباب لا مزاحم لها، فلا بد و ان هذه المصلحة الفعلية الاستحبابية لها اقتضاء بالنسبة الى عدم مرتبة اللزوم،