الحاشية على استصحاب القوانين‏

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
377 /
19

[تعريف الاستصحاب‏]

[الاستصحاب لغة]

[قوله‏]: استصحاب الحال.

(1) [أقول‏]: الاستصحاب لغة: الملازمة، و استصحاب الشي‏ء: أخذه مصاحبا، فعن الصحاح: «كلّ شي‏ء لازم شيئا فقد استصحبه» (1)، و عن القاموس: «استصحبه: دعاه إلى الصحبة و لازمه» (2)، و عن المجمع:

«استصحبه: لازمه، و استصحبت الكتاب: حملته على صحبتي» (3).

[الاستصحاب اصطلاحا]

و في اصطلاح الأصوليين قد يطلق على ما حاصله: إبقاء ما كان على ما كان- كما يظهر من تعاريف جلّهم له- و قد يطلق على نفس الكلّية

____________

(1) الصحاح 1: 162، إلاّ أنّ فيه: «لاءم» بدل (لازم».

(2) القاموس 2: 798، مادة «صحب».

(3) مجمع البحرين 2: 99، إلاّ أنّ فيه: «استصحب الشي‏ء: لازمه، و استصحبت الكتاب و غيره: حملته على صحبتي».

20

المأخوذة من العقل أو الأخبار، كما في قولهم: الاستصحاب حجّة أم لا؟

[تعريف العضدي للاستصحاب‏]

قال العضدي: «معنى استصحاب الحال: أنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء، و قد اختلف في صحّة الاستدلال به» (1) انتهى. فعرّفه بنفس القضيّة الكليّة، فتأمّل [1].

[تعريف الفاضل و إشكال السيد الصدر عليه‏]

و قال السيّد صدر الدين في شرح الوافية- عند تعريف الماتن للاستصحاب بأنّه التمسّك بثبوت ما ثبت-: «هذا التعريف كأكثر التعاريف لا يخلو عن مسامحة، لأنّ الاستصحاب هو المتمسّك به، و ليس هو التمسّك أو الإثبات أو مشاكلهما (2)» ثمّ قال بعيد هذا: «و لقد عبّر شارح المختصر عن المبحث بما هو أوضح من تعبير غيره» (3) فنقل ما نقلناه عنه، فتأمّل.

[تعريف الاستصحاب بالمعنى المصدري و القاعدة، تعريف حقيقيّ‏]

و الحقّ أنّ كلاّ من الإطلاقين إطلاق حقيقيّ في عرفهم، فإنّ الظّاهر أنّ لفظ «الاستصحاب» نقل إلى الإبقاء الخاصّ، و بهذا الاعتبار أخذ منه المشتقّات- كقولهم: يستصحب و مستصحب- و إلى الكلّية المشهورة.

فتعريفه بكلّ من المعنى المصدري و القاعدة تعريف له بالمعنى الحقيقي.

[كونه حقيقيا في المعنيين على الترتيب‏]

ثمّ هل حقيقيّته في المعنيين اتّفقت في مرتبة واحدة؟ بأن استعمل لفظ «الاستصحاب» من أوّل الأمر في كلّ من المعنى المصدريّ و القاعدة حتّى صار حقيقة فيهما، أو على الترتيب؟ بأن صار حقيقة في المعنى المصدري ثمّ صار حقيقة في القاعدة، وجهان، الظاهر: الثاني،

[هل كونه حقيقيا في القاعدة على نحو الاشتراك أو أنّه منقول إلى القاعدة]

و عليه: فهل صيرورته [2]

____________

[1] في هامش النسخة ما يلي: إشارة إلى ما سيجي‏ء من تطبيق كلام العضدي و السيد الصدر مع تعريف المصنف (انتهى) و سيأتي في الصفحة 49.

[2] في هامش النسخة ما يلي: لا يقال: إنّ هذا الترديد مناف للقطع السابق بأنّ اللفظ

____________

(1) شرح مختصر الأصول 2: 453.

(2) في المصدر: أو ما شاكلهما.

(3) شرح الوافية (مخطوط): 122.

21

حقيقة في القاعدة مع بقائه على الحقيقيّة في المعنى المصدري، حتّى يكون اللفظ مشتركا تعيّنيّا فيهما؟ أو مع هجره عن المعنى المصدري، حتّى يكون منقولا عنه إلى القاعدة، فوقع في لفظ «الاستصحاب» عند أهل الأصول نقلان مرتّبان؟

[بيان وجه كلّ من الاحتمالين، و تقوية الأوّل‏]

يحتمل الأوّل، نظرا إلى أصالة عدم الهجر، مضافا إلى تبادر المعنى المردّد بين المعنيين من لفظ «الاستصحاب»، و هو أمارة الاشتراك اللفظي.

و يحتمل الثاني، نظرا إلى ترجيح المجاز على الاشتراك، مضافا إلى ندرة المشتركات التعيّنية.

و الأقوى الأوّل، للأصل و التبادر المذكورين.

و أمّا ترجيح المجاز على الاشتراك: فإن كان مستنده أصالة عدم الوضع، فقد عرفت أنّ الأصل هنا على الخلاف، لأنّ الأصل بقاء آثار الوضع، و بعبارة أخرى: ترجيح المجاز على الاشتراك إنّما هو عند الشكّ في حدوث الحقيقيّة لا في بقائها، و ما نحن فيه من قبيل الثاني.

و إن كان مستنده غلبة المجاز على الاشتراك، ففيه: أنّها- على مرجوحيّتها بالنسبة إلى التبادر الّذي ذكرنا- معارضة في المقام بغلبة أخرى، و هي: أنّ الغالب في المعاني العرفيّة- سيّما الخاصّة- عدم هجرها في ذلك العرف، فتأمّل. و هذه إن لم تقدّم على تلك- من جهة أنّها أخصّ بالنسبة

____________

حقيقة عرفيّة في كلّ من المعنيين.

لأنّا نقول: مرادنا في السابق هو الحقيقيّة في الجملة، بمعنى الوصول إليها، و هو أعمّ من البقاء عليها، فكنّا في مقام دفع توهّم: أنّ تعريفه بالمعنى المصدريّ، باعتبار أنّه فرد من المعنى اللغوي و هو مطلق الإبقاء و الملازمة، فقلنا: إنّ تعريفه بالإبقاء الخاصّ إنّما هو باعتبار أنّه معنى مستقلّ حقيقيّ في الجملة، لا باعتبار أنّه فرد من مطلق الإبقاء، فتدبر.

22

إليها- فلا أقلّ من التعارض الموجب للتساقط، فليرجع إلى الأصل الّذي ذكرنا.

و بهذا يذبّ أيضا عمّا ذكر أخيرا: من ندرة المشتركات التعيّنية، فتأمّل.

[الاستصحاب من الأدلّة، بناء على استفادته من حكم العقل‏]

ثمّ إنّ كون هذه الكلّية من الأدلّة، على فرض استفادتها من العقل واضح، لأنّ الأدلّة العقليّة- على ما صرّح به بعضهم‏ (1)- هي القواعد الّتي أسّسها العقل.

[كون الاستصحاب من القواعد، بناء على استفادته من الأخبار]

و أمّا على فرض استفادتها من الأخبار، فالظاهر أنّها قاعدة مستفادة منها- كسائر القواعد المستفادة من الأدلّة، مثل قاعدة نفي الضرر، و قاعدة نفي الحرج، و قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة، و غيرها- لا أنّه دليل كالكتاب و الإجماع.

و يؤيّد ذلك أنّ الشهيد في قواعده عبّر عنه ب «قاعدة اليقين» (2).

[وجه إطلاق الدليل عليه‏]

و تعبيرهم في عناوينهم بقولهم: «الاستصحاب حجّة أم لا» و إطلاق الدليل عليه، إمّا جري على ممشى القدماء- حيث تكلّموا في كونها من الأدلّة العقليّة- و إمّا مسامحة، و مرادهم: أنّ هذه القاعدة معتبرة و مأخوذة من دليل أم لا؟

[الاستصحاب دليل مستقلّ، لا أنه داخل في السنّة، كما يظهر من المصنف‏]

و على فرض الدليليّة فهو دليل مستقلّ، لا أنّه داخل في السنّة، لأخذه منها، كما يظهر من المصنّف أعلى اللّه مقامه في أوّل الكتاب حيث قال (رحمه اللّه) بعد ذكر الأدلّة الأربعة: «و أمّا الاستصحاب فإن أخذ من الأخبار فداخل في السنّة، و إلاّ في العقل» (3). إذ لا يخفى أنّ كلّ دليل ثبت حجيته بدليل فلا يدخل هذا

____________

(1) راجع مناهج الأحكام، للنراقي (قدّس سرّه)، ذيل المقصد الثالث.

(2) القواعد و الفوائد 1: 132، القاعدة الثالثة.

(3) قوانين الأصول: 5.

23

الدليل الثابت الحجيّة في عنوان الدليل المثبت لحجيّته، فلا يقال في الخبر الواحد- على تقدير استفادة حجيّته من الكتاب-: إنّه داخل في الكتاب.

[هل الاستصحاب من المسائل الأصولية]

ثمّ: إنّ مسألة الاستصحاب هل هي من المسائل الأصوليّة، أو الفرعيّة، أو قاعدة مشتركة كلّية يدخل فيها المسائل الأصوليّة و الفرعيّة، بل و غيرها؟

لا سبيل إلى الاحتمال الأوسط.

و أمّا الأوّل و الثّالث: فالظاهر أنّه إن جعلنا الاستصحاب من الأدلّة فيتعيّن الأوّل منهما، و إن جعلناه من القواعد فالظاهر الثالث، و لكنّ المقام بعد يحتاج إلى تأمّل تامّ، فإنّ تشخيص المسائل الأصوليّة و تمييزها عن غيرها من مزالّ الإقدام، و مزالق الإفهام، و متشاجر الأعلام.

[تعريف المصنف للاستصحاب‏]

[قوله‏]: (قدّس سرّه): «هو كون حكم أو وصف يقينيّ الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاّحق».

[الإيراد عليه بأمور:]

(1) [أقول‏]: يرد عليه أمور:

[الإيراد الأوّل‏]

الأوّل: أنّ الاستصحاب- على ما عرفت سابقا- هو: إمّا الإبقاء و الإثبات و ما شاكلهما، أو القاعدة. و أمّا نفس «كون الشي‏ء يقينيّا في الآن السابق مشكوكا في الآن اللاّحق» فهو ليس باستصحاب، بل هو مورده و محلّه.

[الاستشهاد بما في المعالم‏]

قال في المعالم: «اختلف الناس في استصحاب الحال، و محلّه أن يثبت حكم في وقت ثمّ يجي‏ء وقت آخر و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على ما كان؟ و هو الاستصحاب» (1) انتهى.

____________

(1) المعالم: 227.

24

فانظر كيف جعل (رحمه اللّه) ما جعله المصنّف نفس الاستصحاب، محلا له! و جعل الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء هذا المتيقّن سابقا المشكوك لاحقا، لا نفس كونه متيقّنا سابقا مشكوكا لاحقا!

[إرجاع التعاريف إلى أمرين‏]

و الحاصل: أنّ المتصدّين لتعريف الاستصحاب طرّا بين معرّف له بما يرجع حاصله إلى إبقاء ما كان على ما كان- و هم الأكثرون- و بين معرّف له بنفس القاعدة، كما اختاره شارحا الوافية (1) و المختصر (2).

[تأويل كلام المصنف‏]

اللّهم إلاّ أن يؤوّل كلام المصنّف بما يرجع- بالأخرة- إلى ما عرّفه به الأوّلون، أو يوجّه تعريف الآخرين على وجه ينطبق معه تعريف المصنّف.

أمّا الثاني: فسيأتي عند نقل المصنّف لتعريف العضدي‏ (3).

[استبعاد هذا التأويل‏]

و أمّا الأوّل، فبأن يقال: إنّ لفظة «الكون» تامّة بمعنى الثبوت، و قوله:

«يقينيّ الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء»- بالجرّ- صفتان لقوله:

«حكم أو وصف»، و قوله: «في الآن اللاّحق» متعلّق بالكون.

هذا كلّه مع جعل الاستصحاب المحدود مصدرا مبنيّا للمفعول مضافا إلى النائب عن الفاعل، فيصير المعنى: أنّ استصحاب الحال- أي مستصحبيّته- هو ثبوت الحكم أو الوصف الكذائي في الآن اللاّحق، فإنّ الاستصحاب بالمصدر المبنيّ للفاعل لمّا كان هو إثبات الحكم الكذائي في الآن اللاّحق، كان بالمصدر المبنيّ للمفعول ثبوت الحكم الكذائي في الآن اللاّحق، و هذا بعينه هو الّذي أراده القوم، إلاّ أنّهم عرّفوا الاستصحاب بالمصدر المعلوم الّذي هو فعل الشخص، و المصنّف عرّف الاستصحاب الّذي هو صفة

____________

(1) شرح الوافية (مخطوط): 122.

(2) شرح مختصر الأصول 2: 453.

(3) يأتي في الصفحة: 48- 49.

25

للحال.

لكنّ هذا التأويل بعيد، و نسبة الخطأ إلى المصنّف أبعد.

[الإيراد الثاني‏]

الثاني: أنّ الظاهر تعلّق الظرف أعني: «في الآن السابق» باليقيني، و كذا تعلّق قوله: «في الآن اللاّحق» بالمشكوك، فيصير المعنى: أنّ الاستصحاب هو أن يتيقّن في الآن السابق بحصول حكم أو وصف و يشكّ في الآن اللاّحق في بقائه.

[التعريف مختلّ عكسا و طردا]

و هذا التعريف مختلّ عكسا و طردا.

أمّا الأوّل: فلأنّه لا يعتبر في الاستصحاب أن يتيقّن في السابق بشي‏ء و يشكّ في الزمن اللاّحق، بل ربّما يحصل اليقين و الشكّ في الزمان اللاّحق، كما إذا قطعنا الآن بحياة زيد أمس و شككنا في هذا الآن بموته، فإنّه محلّ الاستصحاب قطعا، مع أنّه لم يحصل اليقين في السابق بشي‏ء. و ربّما يحصل اليقين و الشكّ في الآن السابق، كما إذا قطعنا الآن بحياة زيد و شككنا الآن أيضا في موته غدا، فإنه محلّ الاستصحاب، مع أنّه لم يحصل الشكّ في الآن اللاّحق.

و أمّا الثاني: فلأنّه يدخل في الحدّ ما إذا قطعنا في السابق بدخول زيد في الدار، ثمّ في الآن اللاّحق شككنا في دخوله السابق، أنّه في السابق دخل أو لم يدخل، و إنّما كان قطعنا جهلا مركّبا، و على فرض الدخول فهل هذا الدخول باق أم مرتفع؟ فيصدق على هذا «أنّه تيقّن في السابق بشي‏ء و شكّ في اللاّحق في بقائه» مع أنّه ليس باستصحاب قطعا، و سيأتي تفصيل ذلك.

[إصلاح التعريف طردا و عكسا]

اللهمّ إلاّ أن يجعل قوله: «في الآن السابق» متعلّقا بالحصول لا باليقينيّ، و كذا قوله: «في الآن اللاّحق» متعلّقا بالبقاء، فيصلح الطرد و العكس.

26

و يمكن أن يصلح الطرد أيضا، بأن نقول: المتبادر من «الشكّ في البقاء» هو أن يكون الحدوث يقينيّا و الشكّ في البقاء و الارتفاع، بأن يكون للشكّ طرفان: بقاء الشي‏ء و ارتفاعه، لا أن يشكّ في الحدوث و البقاء كليهما، بأن يكون للشك أطراف ثلاثة: عدم حدوثه أصلا، و حدوثه مع بقائه، و حدوثه مع ارتفاعه.

[الإيراد الثالث‏]

الثالث: أنّ المراد بالشكّ في قوله: «مشكوك البقاء» إن كان هو الاحتمال المساوي فيلزم اختلال التعريف عكسا، لأنّ صورة مرجوحيّة البقاء يجري فيها الاستصحاب على مسلك المصنّف و من وافقه في استفادة اعتبار القاعدة من الأخبار، و الحال أنّه يخرج عن التعريف، بل يلزم اختلاله طردا أيضا، إذ يدخل فيه ما إذا وجد دليل تعبّديّ لا يرفع الشكّ الواقعي على خلاف الحالة السابقة، فإنّه يصدق عليه التعريف، مع أنّه ليس باستصحاب، لأنّه مأخوذ فيه «عدم الدليل على انتفاء الحالة السابقة» كما تقدّم في عبارة المعالم‏ (1).

و إن كان هو الاحتمال المطلق- مساويا أو راجحا أو مرجوحا- فيلزم الاختلال الطردي فقط، إذ يدخل فيه ما إذا قام ظنّ معتبر على الخلاف، فانّه يصدق عليه الحدّ، مع أنّه ليس باستصحاب.

و القول بأنّ الظنّ المعتبر بمنزلة القطع- بل هو قطع في مرحلة الظاهر- لا يجدي فيما نحن بصدده، لأنّه لا يرفع الاحتمال الواقعي الموهوم.

[الإيراد الرابع بخروج الاستصحاب القهقرى‏]

الرابع: أنّ التعريف غير منعكس، لخروج الاستصحاب القهقرى، فإنّه و إن لم يكن حجّة إلاّ أنّه لا يخرج بذلك عن اسم الاستصحاب.

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 23.

27

[دفع هذا الإيراد]

اللّهم إلاّ أن يمنع صدق اسم الاستصحاب عليه في الاصطلاح و إن أطلق عليه لغة، فانّ القدر المتيقّن من المعنى المنقول إليه هو «إثبات ما ثبت في السابق، في اللاّحق» و يعبّر عنه بالإبقاء، لا «إثبات مطلق ما ثبت في زمان، في زمان آخر» و كما أنّ الأوضاع الأوّلية توقيفيّة، فكذلك الأوضاع الثانويّة يقتصر فيها على القدر المتيقّن.

مضافا إلى أنّه يمكن ادّعاء العلم بعدم كونه استصحابا في الاصطلاح من جهة تبادر الغير و صحّة السلب، فتأمّل.

[الأولى في التعريف: أنه إبقاء ما ثبت في زمان في ما بعده مع عدم الدليل‏]

و الأولى في تعريف الاستصحاب، أن يقال: إنّه إبقاء ما ثبت في زمان في ما بعده مع عدم الدليل.

و القيد الأخير للتنبيه على أنّ عدم الدليل مأخوذ في مفهوم الاستصحاب، كما صرّحوا به، لا أنّه معتبر في اعتباره، كما يظهر من بعض‏ (1) حيث عدّه من شروط العمل بالاستصحاب، إلاّ أن يرجع إلى ما ذكرنا.

ثمّ، إنّ المراد بالدليل المعتبر عدمه في الاستصحاب، هو مطلق ما يزيل الشكّ في مرحلة الواقع أو الظاهر، و لو كان استصحابا آخر، فعند تعارض استصحابين يكون أحدهما- باعتبار مستصحبه- رافعا للشكّ في الآخر و مزيلا له، لا يجري الاستصحاب المزال في الحقيقة، لا أنّه يجري و لكنّه يطرح لمكان المعارضة.

[وجه تقديم «استصحاب المزيل»]

كما أنّ تقديم المزيل من جهة أنّه سليم عن المعارض، لا لأنّه أقوى من معارضه، فإذا غسل ثوب متنجّس بالماء المستصحب الطهارة، أو لاقى ثوب طاهر للماء المستصحب النجاسة، فلا يجري استصحاب نجاسة الثوب في‏

____________

(1) هو الفاضل التوني في الوافية: 208.

28

الأوّل، و لا استصحاب طهارته في الثاني. و سيوضح لك هذا في بحث تعارض الاستصحابين‏ (1) بما لا مزيد عليه، فانتظر.

[المراد بالمشكوك‏]

قوله (قدّس سرّه): «و المراد بالمشكوك أعمّ من المتساوي الطرفين، ليشمل مظنون البقاء و غيره، و إن كان مراد القوم هنا هو الاحتمال المرجوح في الواقع».

(1) [أقول‏]: لا شكّ أنّ الشكّ الّذي أخذه من أخذه من القوم في تعريف الاستصحاب، هو الشكّ الّذي يكون من أركان الاستصحاب و محقّقا لمورده، و يعبّرون عنه بالشكّ البدويّ، فلا ضير في أن يريدوا به الاحتمال المساوي، فانّه إنّما يصير راجحا بملاحظة الاستصحاب، كما في إلحاق المشكوك بالأعمّ الأغلب.

ثمّ لو سلّمنا أنّ المراد به الاحتمال بعد ملاحظة الاستصحاب، فلا يخفى أنّ مرادهم هو الاحتمال الراجح لا المرجوح، إلاّ أن يضاف إلى الارتفاع لا البقاء، لكنّ المصنّف في مقام تفسير المضاف إلى البقاء، فتأمّل.

[اعتبار حصول الظنّ في حجية الاستصحاب و عدمه‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «لأنّ بناءهم في الحجيّة على حصول الظنّ».

(2) [أقول‏]: هذا هو الظاهر من أكثر استدلالاتهم، و لكن لا يظهر من بعضها الآخر إناطة الاعتبار على الظنّ، مثل ما استدلّ به المحقّق في المعارج من «أنّ المقتضي للحكم الأوّل ثابت، و المعارض لا يصلح رافعا ... إلى آخر الدليل [1]». فراجعه.

[هل الحجية فيه من باب مطلق الظن أو من باب الظن الخاصّ‏]

ثمّ إنّ حجيّته عند هؤلاء، هل هي من باب مطلق الظنّ، أو من جهة

____________

[1] معارج الأصول: 206، و فيه: لنا وجوه، الأوّل: إنّ المقتضي للحكم الأوّل ثابت، فيثبت الحكم، و العارض لا يصلح رافعا، فيجب الحكم بثبوته في الثاني».

____________

(1) لم نجد بحثا تحت هذا العنوان فيما بأيدينا من هذه النسخة.

29

قيام الدليل الخاصّ من الشارع على اعتباره، و بعبارة أخرى من باب الظنّ المخصوص؟

يظهر من جمهورهم: الأوّل، و من نادر منهم: الثاني، حيث قال- بعد الاستدلال على الحجيّة بما حاصله: «إنّ الاستصحاب مفيد لرجحان البقاء، و العمل بالراجح واجب»، مجيبا عمّا أورد عليه: من أنّه إن أريد أنّ العمل بمطلق الراجح واجب فهو ممنوع، للأدلّة الناهية عن العمل بغير العلم، و إن أريد أنّ العمل بهذا الراجح الخاصّ واجب فما الدليل عليه؟- ما حاصله:

«إنّ العمل بهذا الراجح الخاصّ واجب للأخبار الواردة في الباب ... فذكر بعضها» (1).

[هل الظن المعتبر شخصي أو نوعي‏]

ثمّ على التقديرين: هل اعتباره مشروط بحصول الظنّ منه في أشخاص الوقائع، أو يكفي فيه كونه مفيدا للظنّ من حيث الطبيعة؟ يعني أنّه لو خلّي و طبعه يفيد الظنّ، فلا يقدح في ذلك التخلّف لأمر خارجي، كما في الخبر الصحيح، فإنّه قد لا يفيد الظنّ، كما إذا عارضه قياس.

و بعبارة أخرى: هل يكون حجيّته من باب الظنّ الشخصي كالشهرة و الاستقراء و الأولويّة الاعتبارية- على القول باعتبارها-، أو من باب الظنّ الطبعيّ، كالخبر الصحيح؟

و تظهر الثمرة في ما إذا عارضه قياس أو غيره من الظنون الغير المعتبرة، فتأمّل.

[الظاهر من الكلمات و صريح المصنف: الأوّل‏]

الظاهر من كلماتهم: الأوّل، كما هو صريح المصنّف هنا. و ممّن صرّح بذلك شيخنا البهائي طاب ثراه في الحبل المتين، فقال- في مسألة «من تيقّن‏

____________

(1) لم نعثر عليه.

30

الطهارة و شكّ في الحدث» بعد كلام له في تقرير الاستصحاب- ما هذا لفظه:

«ثمّ لا يخفى أنّ الظنّ الحاصل بالاستصحاب- في من تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث- لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدّة شيئا فشيئا، بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان، بل ربما يصير الطرف الراجح مرجوحا- كما إذا توضّأ عند الصبح مثلا و ذهل عن التحفّظ، ثم شكّ عند الغروب في صدور الحدث منه، و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت- و الحاصل: أنّ المدار على الظنّ، فما دام باقيا فالعمل عليه و إن ضعف».

هذا، ثمّ قال: «و قد ذكر العلاّمة في المنتهى: أنّ من ظنّ الحدث و تيقّن الطهارة لا يلتفت، لأن الظنّ إنّما يعتبر مع اعتبار الشارع له، و لأنّ في ذلك رجوعا عن المتيقّن إلى المظنون» (1)، انتهى.

ثم قال: «و فيه نظر يعلم به المتأمّل في ما تلوناه» (2)، انتهى.

أقول: و لعلّ نظر العلاّمة إلى الأخبار الواردة في من تيقّن الطهارة و لم يتيقّن الحدث، فإنّها عامّة للشاكّ و الظانّ، و ليس مدرك المسألة منحصرا في الاستصحاب المفيد للوصف، فإنّ من مداركها قوله (عليه السّلام) في موثّقة بكير بن أعين: «إذا استيقنت أنّك أحدثت فتوضّأ، و إيّاك أن تحدث وضوء حتّى تستيقن أنّك قد أحدثت» (3) و غيرها من الأخبار.

[ذكر مؤيدات لهذا الاعتبار]

هذا، و ممّا يؤيّد ذلك: أنّ العلاّمة في المنتهى قد استدلّ أوّلا على أنّ من ظنّ الطّهارة و شكّ في الحدث فهو متطهّر، بالأخبار مثل صحيحة زرارة

____________

(1) منتهى المطلب 1: 74.

(2) الحبل المتين: 37.

(3) الوسائل 1: 332، الباب 44 من أبواب الوضوء، الحديث الأول، مع اختلاف يسير.

31

و غيرها.

و ممّا يؤيّد الاحتمال الأوّل- أيضا-: أنّ جملة من هؤلاء فرضوا- في استدلالهم على إفادة الاستصحاب للظنّ- عدم الظنّ بارتفاع الحال السابق.

قال شيخنا المتقدّم- في أثناء الاستدلال-: «إنّ العاقل إذا التفت إلى ما حصل بيقين و لم يعلم و لم يظنّ طروّ ما يزيله، حصل له الظنّ ببقائه» (1)، انتهى.

و بمثل ذلك صرّح العضدي‏ (2) و غيره في استدلالاتهم.

ثمّ على التقادير السابقة إذا عارض الاستصحاب دليل ظنّي، فهل يعامل معهما معاملة المتعارضين، أم يطرح الاستصحاب؟

يظهر من جملة من مشايخنا المعاصرين‏ (3): الأوّل، حيث قالوا: «إذا بني على اعتبار الاستصحاب من جهة حصول الظنّ، فإذا عارضه ظنّ آخر فلا بدّ من ملاحظة التعارض و الترجيح».

و هذا (4) إنّما يفيد إذا وجدت صورة يكون الاستصحاب مفيدا للظنّ مع وجود دليل ظنّي هنا، و الظاهر عدم وجود هذه الصورة، بل كلّما وجد في مورد الاستصحاب دليل ظنّي على الخلاف فلا يفيد الاستصحاب ظنّا، و لذا أخذوا في الاستدلال على إفادة الاستصحاب للظنّ: قيد عدم الظنّ بالخلاف.

نعم، لو استدلّ على ذلك بالغلبة، و أنّ الغالب في الموجودات البقاء- كما فعله بعض المحقّقين‏ (5)- فالإنصاف أنّه يمكن حصول الظنّ منه على‏

____________

(1) الحبل المتين: 36.

(2) شرح مختصر الأصول 2: 453.

(3) منهم السيّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 652.

(4) في هامش النسخة ما يلي: يعني الّذي قالوه.

(5) نقله في مفاتيح الأصول: 641 عن النهاية، و الإحكام.

32

خلاف الدليل الظنّي المعارض له، فإن الظنّ الحاصل من الغلبة قد يكون أقوى من معارضها، و يصير المعارض موهوما، كما لا يخفى. و ستتّضح لك هذه المقامات فيما بعد، فانتظر.

[عدم اختصاص الأخبار بصورة حصول الظن‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «إلاّ أن يدّعى أنّ الأخبار مبتنية على الظنّ الحاصل ... إلخ».

(1) [أقول‏]: هذا الادّعاء أنّما يتطرّق في الأخبار لو كان موردها مختصّا بصورة حصول الظنّ، و ليس كذلك، لأنّها بين ناه‏ (1) عن نقض اليقين بغير اليقين، و بين ناه عن نقضه بالشكّ.

أمّا عموم الأوّل، فواضح.

و أمّا الثاني، فنقول: إنّ الشكّ فيها أريد به مطلق الاحتمال، لأنّه المتبادر عرفا.

و لو لم يكن التبادر، فيكفينا كونه- في اللغة- لمطلق الاحتمال، و نثبت مطابقة العرف معهما بأصالة عدم النقل.

و لو قطعنا بمخالفة العرف، فيرجع الأمر إلى تعارض اللّغة و العرف.

و لو سلّمنا تقديم العرف على اللغة، أو قطعنا بتطابقهما في كونه للاحتمال المساوي، فنقول: لا يضرّنا، إذ غاية الأمر عدم موافقة هذه الجملة من الأخبار للجملة الأولى، لكن ليس بينهما تعارض يوجب حملا، لأنّهما من قبيل العام و الخاصّ المنفيّين، كما في قولك: «لا تكرم العلماء»، و «لا تكرم زيدا العالم».

[معارضة المفهوم مع المنطوق‏]

نعم، قد يتصوّر التعارض بين مفهوم بعض هذه الجملة مع مناطيق‏

____________

(1) كذا في الأصل، و الظاهر: ناهية، و كذا فيما يليه.

33

الجملة الأولى، و هو مفهوم الخبر المرويّ عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «من كان على يقين فشكّ، فليمض على يقينه» (1) و بين مفهوم هذا الخبر و تلك المناطيق عموم من وجه، لكنّ الترجيح مع المناطيق من وجوه:

الأوّل: أنّ الظاهر من نفي الشكّ المأخوذ في المفهوم هو صورة العلم، و ليس له ظهور في مورد التعارض و هو الظنّ.

الثاني: أنّه على فرض الظهور فهو ظهور إطلاقي، لا يعارض الظهور العموميّ، و بعبارة أخرى: التقييد أولى من التخصيص.

الثالث: أنّه مفهوم، و هو لا يعارض المنطوق.

الرابع: أنّه واحد، و المناطيق كثيرة.

الخامس: أنّ من عمل بالاستصحاب لم يفرّق بين حصول الظنّ على الخلاف و عدمه، و بعبارة أخرى: عمل بالمناطيق و طرح المفهوم.

هذا كلّه مضافا إلى أمور اخر.

[الرد على من أنكر الاستصحاب في الأحكام الطلبية]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «لأنّ ما يفعل في الوقت فهو بحسب الأمر».

(1) [أقول‏]: إن أراد من «الأمر» الدليل الدالّ على التكليف، ففيه: أنّه قد يكون شموله للآن الثاني غير معلوم، مثلا قام الإجماع على وجوب شي‏ء و شكّ في توسعته و تضييقه، و على فرض العلم بشموله فقد يقع الشكّ في كون شي‏ء غاية و مزيلا له. و على فرض العلم بالغاية و المزيل، فقد يقع الشك في حدوثه.

ففي هذه الصور أين الدليل الدالّ على ثبوت الحكم في الآن الثاني،

____________

(1) الخصال: 619، و عنه الوسائل 1: 175، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 6.

34

حتّى يجب الامتثال بحسبه؟

و إن أراد من «الأمر» نفس التكليف الموجود سابقا، ففيه: أنّ القائل بالاستصحاب لا يقول بأنّ الاستصحاب محدث للحكم الشرعي و منشئ له في الآن الثاني، بل يقول: إنّ التكليف الموجود سابقا المشكوك في بقائه من الجهات السابقة باق بحكم الاستصحاب، فإذا كان باقيا فلا بد من امتثاله، فهذا الامتثال ليس إلاّ للتكليف السابق.

و سيجي‏ء تمام الكلام معه إن شاء اللّه تعالى.

[عدم جريان استصحاب بقاء الشرط أو عدم المانع في مسألة الصوم‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «إذ الشكّ قد يحصل في التكليف في الموقّت، كمن شكّ في وجوب إتمام الصوم لو حصل له المرض في أثناء النهار، و أنّه هل يبيح الفطر، أم لا؟»

(1) [أقول‏]: لا يقال: إنّ الحكم بوجوب الصوم ليس من جهة استصحاب وجوبه أو من جهة استصحاب حرمة الإفطار، بل إنّما هو من جهة بقاء شرط الصوم أو عدم حدوث المانع، فيثبت وجوب الصوم تبعا، و سيأتي أنّ هذا القائل يقول بالاستصحاب في الأمور الوضعيّة- كالأسباب و الشروط و الموانع- فيثبت الأحكام الطلبيّة تبعا لها.

لأنّا نقول: استصحاب بقاء الشرط، أو عدم المانع لا يجري هنا، فإن حكم بوجوب الصوم فليس إلاّ من جهة استصحاب نفس الوجوب و حرمة الإفطار.

أمّا وجه عدم جريان استصحاب الشرط، فلأنّه لا شكّ أنّ هذا الشخص قد ارتفعت عنه حالة قطعا، و بقيت له حالة، بل حالات، و لا يعلم أنّ الشرط هو الحالة المرتفعة أو الحالة الباقية، فكما تقول: الأصل بقاء الشرط- يعني الحالة الّتي هي شرط- فنقول: إنّ الأصل بقاء غير الشرط،

35

مثلا: لو جعل المولى وجود زيد في الدار شرطا لوجوب إكرام عمرو، فخرج شخص من الدار و لا يعلم أنّه زيد أو غيره، فلا يمكن التمسّك بأصالة بقاء الشرط.

و الحاصل: أنّ الشكّ في أمثال المقام إنّما هو الشكّ في اتّصاف الباقي بالشرطيّة أو المرتفع، و لا يجري الاستصحاب في الشكّ في الاتّصاف مع القطع بارتفاع أمر مردّد بين الموصوف و غيره.

فمجرى استصحاب الشرط هو: ما إذا وقع الشكّ في أصل البقاء و الارتفاع، لا في أنّه الباقي أو غيره، ففي المثال المذكور، لو شككنا في خروج زيد من الدار مع عدم القطع بخروج شخص مردّد، لحكمنا باستصحاب الشرط.

و من هذا علم وجه عدم جريان استصحاب عدم المانع، لأنّ المفروض هو وجود شي‏ء و هو المرض، و شككنا في مانعيّته، نظير ما إذا وقع الشكّ في أنّ المذي- الموجود يقينا- هل هو مانع أم لا؟ فلا يمكن الحكم بأصالة عدم المانع، لأنّه شكّ في الاتّصاف. نعم يجري الاستصحاب في الآثار السابقة كالطهارة و غيرها.

و الحاصل: أنّ في مسألة الصوم لا يمكن التمسّك باستصحاب سوى استصحاب وجوب الصوم و حرمة الإفطار، و لا يجري استصحاب الشرط و لا عدم المانع، فافهم و اغتنم.

[الخدشة في جريان استصحاب وجوب الصوم و حرمة الإفطار و المانع، إمّا مانع عن الحدوث أو مانع عن البقاء]

ثمّ إنّه يمكن الخدشة في جريان استصحاب وجوب الصوم و حرمة الإفطار، نظرا إلى أنّ التكليف بالصوم- يعني الإمساك عن الأمور المخصوصة من أوّل طلوع الفجر إلى المغرب- تعلّقه على الشخص في متن الواقع مشروط بعدم اتّفاق مانع من الموانع الشرعيّة أو العقليّة في هذا البين، فاتّفاق‏

36

واحد منها في أثناء النهار كاشف عن عدم حدوث التكليف بالصوم ابتداء، لا أنّه حدث و ارتفع، كما أنّ المذي على تقدير مانعيّته إنّما يمنع من بقاء الطهارة، لا حدوثها، فليس هو من هذا القبيل.

فالشكّ في أنّ المرض الكذائي مانع عن الصوم أم لا، يرجع إلى الشكّ في أنّ التكليف بالصوم مع علم الآمر بأنّه سيتّفق هذا المرض في أثناء النهار، هل حدث أم لا؟ لا إلى الشكّ في أنّ ذلك التكليف هل ارتفع بعد الحدوث أم لا؟ حتّى يكون من قبيل الشكّ في مانعيّة المذي، فإذا رجع الشكّ إلى الشكّ في الحدوث، فمقتضى الاستصحاب: عدم الحدوث، و هو عكس المطلوب.

و الحاصل: أنّه لمّا كان من الموانع، ما يمنع عن حدوث الشي‏ء كالحيض للصوم، و منها: ما يمنع من بقائه كالبول للطهارة، فكلّما شكّ في كون شي‏ء مانعا بالطور الثاني- كالمذي- فيجري فيه الاستصحاب، لأنّ مرجعه إلى الشكّ في البقاء.

[عدم جريان الاستصحاب في المانع عن الحدوث‏]

و كلّما شكّ في كون شي‏ء مانعا على النهج الأوّل فلا يجري فيه الاستصحاب، لأنّ مرجعه إلى الشكّ في الحدوث، بل الأصل: عدم الحدوث.

فإن قلت: لا شكّ أنّ هذا الشخص كان قبل عروض المرض مكلّفا في مرحلة الظاهر بالصوم و حرمة الإفطار، لعدم علمه بأنّه سيصير مريضا، فنستصحب هذا التكليف الظاهري.

قلت: لا ريب أنّ هذا التكليف الظاهري إنّما كان لاعتقاده أنّه مكلّف به في الواقع، و الآن قد زال الاعتقاد، فيزول ما كان منوطا به.

نظير ما إذا اعتقدنا أوّلا بأنّ هذا المائع خمر، فكان حراما علينا من جهة الاعتقاد، ثمّ شككنا في أنّه خمر أو خلّ، فلا يمكن استصحاب الحرمة السابقة، لأنّ الحرمة الواقعيّة مشكوكة الحدوث من أوّل الأمر، و الظاهريّة

37

مقطوعة الانتفاء، لانتفاء مناطها، و هو الاعتقاد.

و نظيره في الأحكام الشرعيّة: ما إذا حكم المجتهد بحرمة العصير العنبي لدليل، ثمّ شكّ في حجّية ذلك الدليل، و حصل له تردّد فيها في المسألة الأصوليّة، فحينئذ لا يجوز أن يستصحب الحرمة السابقة.

و تمام الكلام في ذلك سيجي‏ء عند الكلام فيما يتراءى استصحابا و ليس باستصحاب، إن شاء اللّه.

و قد فصلّ بعض هذا الكلام في مبحث الإجزاء عند الكلام في أنّ الأمر الظاهري العقلي لا يقتضي الإجزاء.

فإن قلت: لعلّ الشارع حكم في مسألة الصوم بأنّ المكلّف الجامع للشرائط عند أوّل الوقت يجب عليه الصوم إلى أن يعلم بوجود مانع.

قلت: فعلى هذا لا يحتاج الحكم بوجوب الإتمام إلى الاستصحاب، لأنّ الفرض عدم العلم بالمانع، فيحكم بالوجوب بنفس الحكم الشرعي المذكور.

ثمّ إنّه لو فرضنا مانعيّة المرض للصوم على نهج رافعيّة البول للطهارة- بأن يكون المرض عند حدوثه رافعا لوجوب الصوم المتحقّق سابقا- أمكن استصحاب الوجوب في ما إذا شكّ في رافعيّة مرض.

[نقل عبارة الفاضل في المقام‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «ثمّ إنّ الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة- على ما ذكره المتوهّم- لا يجري فيما كان من قبيل الموقّت كالحيض، أو التأبيد و الدوام كالزلزلة، و يجري في بعض المطلقات كالتغيّر بالنجاسة، الّذي هو سبب لتنجّس الكرّ، و الطهارة الّتي هي شرط لجواز المضي في الصلاة».

(1) [أقول‏]: هذا المتوهّم هو الفاضل التوني في الوافية، و عبارته لا تخلو عن اغتشاش، قال- بعد الاستدلال على عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الطلبيّة الابتدائيّة، بما نقله المصنّف بالمعنى هنا-: «و أمّا الأحكام‏

38

الوضعيّة: فإذا جعل الشارع شيئا سببا لحكم من الأحكام الخمسة كالدلوك لوجوب الظهر، و الكسوف لوجوب صلاته، و الزلزلة لصلاتها، و الإيجاب و القبول لإباحة التصرفات و الاستمتاعات في الملك و النكاح، و فيه‏ (1) لتحريم أمّ الزوجة، و الحيض و النفاس لتحريم الصوم و الصلاة، إلى غير ذلك، فينبغي أن ينظر إلى كيفيّة سببيّة السبب، هل هي على الإطلاق؟ كما في الإيجاب و القبول، فإنّ سببيّته على نحو خاصّ و هو الدوام إلى أن يتحقّق مزيل، و كذا الزلزلة. أو في وقت معيّن؟ كالدلوك و نحوه ممّا لا يكون السبب وقتا، و كالكسوف و الحيض و نحوهما ممّا يكون السبب وقتا للحكم، فانّها أسباب للحكم في أوقات معيّنة.

و جميع ذلك ليس من الاستصحاب في شي‏ء، فإنّ ثبوت الحكم في شي‏ء من الزمان- الثابت فيه الحكم- ليس تابعا للثبوت في جزء آخر، بل نسبة الحكم في اقتضاء السبب للحكم‏ (2) في كلّ جزء نسبة واحدة. و كذا الكلام في الشرط و المانع.

فظهر ممّا مر: أنّ الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلاّ في الأحكام الوضعيّة، أعني الأسباب و الشرائط و الموانع للأحكام الخمسة من حيث إنّها كذلك، و وقوعه في الأحكام الخمسة إنّما هو بتبعيّتها، كما يقال، في الماء الكرّ المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيّره من قبل نفسه: بأنّه يجب الاجتناب منه في الصلاة، لوجوبه قبل زوال تغيّره، فإنّ مرجعه إلى أنّ النجاسة كانت ثابتة قبل زمان تغيّره، فيكون كذلك بعده.

____________

(1) في هامش النسخة ما يدل على رجوع الضمير إلى النكاح.

(2) في المصدر: بل نسبة السبب في اقتضاء الحكم.

39

و يقال في المتيمّم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: إنّ صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان، فكذا بعده. أي كان مكلّفا و مأمورا بالصلاة بتيمّمه قبله، فكان متطهّرا قبل وجدان الماء، فكذا بعده، و الطهارة من الشروط.

فالحقّ- مع قطع النّظر عن الروايات- عدم حجيّة الاستصحاب، لأنّ العلم بوجود السبب أو الشرط أو المانع في وقت، لا يقتضي العلم و لا الظنّ بوجوده في غير ذلك الوقت، كما لا يخفى، فكيف يكون الحكم المعلّق عليه ثابتا في غير ذلك الوقت؟

فالّذي يقتضيه النّظر- بدون ملاحظة الروايات-: أنّه إذا علم تحقّق العلامة الوضعيّة تعلّق الحكم بالمكلّف، و إذا زال ذلك العلم بطروّ شكّ- بل و ظنّ أيضا- يتوقّف عن الحكم بثبوت الحكم الثابت أوّلا.

إلاّ أنّ الظاهر من الأخبار: أنّه إذا علم وجود شي‏ء فإنّه يحكم به حتّى يعلم زواله» (1) انتهى كلامه.

[جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة من جهات‏]

ثمّ إنّه وقع الاختلاف في استفادة مراده من عبارته، و ها نحن حاصرون للجهات الّتي يتصوّر الاستصحاب من أجلها في الأحكام الوضعيّة، ثمّ نشير إلى ما هو الجواب عن هذا القائل بأيّ احتمال أراد.

فنقول: إذا ثبت من الشارع حكم وضعيّ، بأن قال مثلا: «إنّ تغيّر الكثير بالنجاسة سبب لتنجّسه» فالاستصحاب هنا يتصوّر من جهات:

الأولى: نفس الحكم الشرعيّ الوضعيّ- أعني: سببيّة التغيّر للتنجّس- بأن نشكّ في بقائها و زوالها، إمّا لاحتمال النسخ أو غيره من موجبات الشكّ.

الثانية: موضوع هذا الحكم الوضعيّ، و هو نفس السبب و الشرط، بأن‏

____________

(1) الوافية: 202- 203.

40

يشكّ في بقائهما و زوالهما، كأن ثبت التغيّر في زمان، فشككنا في زمان آخر في بقائه.

الثالثة: في نفس المسبّب و المشروط، بأن يقال: إنّا وجدنا الأسباب بين ما يبقى المسبّب مع زواله- كالإيجاب و القبول للآثار المترتّبة عليهما، و الزلزلة لصلاتها- و بين ما لا يبقى مع زواله- كالحيض و الجنابة لحرمة المسّ- فنشكّ في أنّ التغيّر هل هو من قبيل الأوّل؟ حتّى يبقى التنجّس مع زواله أيضا، أو من قبيل الثاني؟ حتى لا يبقى، فيمكن جريان الاستصحاب في نفس المسبّب، و هو التنجّس.

الرابعة: الحكم التكليفي المترتّب على الحكم الوضعي- كوجوب الاجتناب- بأن نشكّ في بقائه لإحدى الجهات المذكورة، فنقول: الأصل بقاؤه.

فهذه جهات أربع يتصوّر منها الاستصحاب فيما إذا ثبت حكم وضعيّ من الشارع.

[ما فهمه بعض الناظرين في عبارة الفاضل التوني‏]

ففهم بعض الناظرين في العبارة المذكورة- على ما حكي‏ (1)- أنّ مراده جواز إجراء الاستصحاب من الجهة الأولى، فاعترض على القائل بقلب الدليل الّذي استدلّ به على عدم جريان الاستصحاب في الطلبيّات الابتدائية عليه في هذا المقام: بأن سببيّة شي‏ء لشي‏ء أو شرطيّته له، إمّا أن يثبت في وقت و يكون موقّتا ... إلى آخر الدليل الّذي ذكره.

و لا يخفى أنّ هذا خلاف ظاهر العبارة، بل خلاف صريح آخر العبارة- فراجعها-، و إن كان لها فيه ظهور بدويّ، نظرا إلى أنّ ظاهر قوله: «إنّ‏

____________

(1) لم نقف عليه و لا على من حكاه عنه.

41

الاستصحاب يجري في الأحكام الوضعيّة» هو ذلك، فإنّ الحكم الوضعيّ ليس إلاّ سببيّة التغيّر للنجاسة، لا نفس التغيّر و لا نفس النجاسة.

[ما فهمه المصنّف من العبارة]

و أمّا المصنّف (قدّس اللّه روحه) فظاهر عبارته- بعد ملاحظتها إلى الآخر- أنّه فهم من العبارة واحدة من الجهة الثانية و الثالثة، و لا يستفاد منها تعيين إحداهما، و إن كان لها ظهور في الجهة الثالثة [1] و يشهد له تقسيم ذلك الفاضل السبب إلى ما يكون من قبيل الإيجاب و القبول و الزلزلة، و ما يكون من قبيل الكسوف و الحيض.

و لكن الحقّ- وفاقا لبعض المعاصرين- كما هو صريح آخر العبارة المتقدّمة: أنّ مراده الجهة الثانية. و كيف كان، فليست عبارته متن حديث حتّى يجب الاهتمام في فهم مراده منها.

[التحقيق: جريان الاستصحاب في الحكم الوضعي من جميع الجهات‏]

بل التحقيق: جريان الاستصحاب عند ثبوت حكم وضعيّ من الشارع من جميع الجهات الأربع المذكورة مع الأحكام الطلبيّة الابتدائيّة أيضا، كما ستعرف.

[الجواب عمّا هو ظاهر مراد الفاضل من جريان الاستصحاب في نفس الأسباب و الشروط بأمور]

و أمّا الجواب عمّا هو ظاهر مراد الفاضل من جريان الاستصحاب في‏

____________

[1] في هامش النسخة ما يلي: و كأنّ منشأ استفادته لذلك هو تمثيل الفاضل بالماء المتغيّر الّذي زال تغيّره، و بالمتيمّم الّذي وجد الماء في أثناء الصلاة، فحسب أنّه يقول:

باستصحاب المسبّب، و هو النجاسة بعد زوال السبب، أعني: التغيّر. و باستصحاب الصحّة مع زوال الشرط، أعني: فقدان الماء.

لكن ليس هذا مراد الفاضل، بل مراده- كما يفهم من كلامه- هو أنّ النجاسة سبب لوجوب الاجتناب، و الطهارة التّرابيّة شرط لصحّة الصلاة، فإذا شكّ في بقاء هذا السبب و هذا الشرط لأمر من الأمور يمكن أن نبقيهما بالاستصحاب، و إن كان لازم جواز استصحاب النجاسة و نفس السبب، جواز استصحاب المسبّب بعد زوال السبب أيضا، لأنّ نفس النجاسة مسبّبة عن التغيّر و إن كانت سببا لوجوب الاجتناب.

لكن مراد الفاضل: الملزوم لا اللازم.

42

نفس الأسباب و الشروط- على ما عرفت أنّه المراد لا غير- فأمور:

الأوّل: أنّ هذا ليس قولا بجريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة، بل في موضوعاتها.

الثاني: أنّ الأخبار الّتي استدلّ بها للجريان في الموضوعات تدلّ على الجريان في الأحكام، لأنّ شمولها لها ليس بأدون من شمولها لها، حتّى قال بعض: إنّها لا تشمل الموضوعات، بل تختصّ بالاحكام، كما ستعرف‏ (1)، فتأمّل.

فالقول بأنّ الاستصحاب إنّما يجري في وجوب الاجتناب تبعا لجريانه في النجاسة، تحكّم بحت، لتساوي الأخبار من حيث الشمول بالنسبة إلى الكلّ.

الثالث: أنّ لازم القول بجريان الاستصحاب في نفس الأسباب و الشروط، و أنّ جريانه في الأحكام الطلبيّة من باب التبعيّة لها، هو لزوم الجريان في نفس المسبّب- أعني الجريان من الجهة الثالثة- و لزوم الجريان في نفس الحكم الوضعي- أعني نفس السببيّة و الشرطيّة- و هو الجريان من الجهة الأولى، فلا وجه لتخصيص الجريان بموضوعات الأحكام الوضعيّة، دون أنفسها و دون المسبّبات.

[لازم القول بجريانه في الأسباب: جريانه في المسببات‏]

بيان الملازمة: أنّه إذا جعل الشارع- مثلا- النجاسة سببا لوجوب الاجتناب، و شكّ في بقاء النجاسة- و لذا يستصحبها- فقد يكون الشكّ في البقاء من جهة الشكّ في أنّ التغيّر الّذي هو سبب لها هل هو من قبيل الإيجاب و القبول؟ حتّى لا يزول المسبّب- أعني النجاسة- بزواله، أم من قبيل‏

____________

(1) في الصفحة: 57.

43

الحيض و الجنابة، حتى تزول النجاسة بزواله؟

فاستصحاب النجاسة استصحاب للمسبّب بعد زوال سببه، و إن كانت هي أيضا- باعتبار- سببا لوجوب الاجتناب، فرجع استصحاب السبب إلى استصحاب المسبّب.

[الاستصحاب في السبب قد يرجع إلى استصحاب المسبب أو إلى السببية]

فثبت بذلك: أنّ الاستصحاب في نفس السبب قد يرجع إلى استصحاب المسبّب، باعتبار كون السبب مسبّبا عن سبب، كما أنّ النجاسة سبب لوجوب الاجتناب و مسبّبة عن التغيّر.

و أمّا رجوع استصحاب نفس السبب إلى استصحاب نفس الحكم الوضعي- أعني السببيّة- فبأن نفرض كون الشكّ في بقاء النجاسة- التي تكون سببا لوجوب الاجتناب- ناشئا عن الشك في بقاء سببيّة التغيّر، بأن نقطع أنّ التغيّر في زمان كان سببا للتنجس دائرا معه وجودا و عدما، ثمّ باعتبار تبدّل بعض حالات الماء أو قيود سببيّة السبب، شككنا في بقاء سببيّة التغيّر مع القطع ببقائه.

فالشكّ في بقاء النجاسة- أعني سبب وجوب الاجتناب- ناش عن الشكّ في بقاء سببيّة التغيّر، فنقول: الأصل بقاء السببيّة، فإذا ثبت بقاء السببيّة ثبت النجاسة، فاستصحاب النجاسة راجع إلى استصحاب سببيّة التغيّر.

ثمّ إنّ هذا المثال مثال فرضيّ، فلا يناقش فيه، بأنّه ليس في الفقه من هذا عين و لا أثر.

فان قلت: لا نسلّم أنّ استصحاب نفس السبب- أعني النجاسة- راجع إلى استصحاب سببيّة التغيّر، بل هنا شكّان: شكّ في بقاء النجاسة، و شكّ في بقاء سببيّة التغيّر، و إن كان الثاني منشأ للأوّل، لكنّ القائل يقول باستصحاب‏

44

النجاسة من حيث الشكّ في بقائها، لا باعتبار رجوعه إلى استصحاب السببيّة. و لا ضير في أن يكون في موضع شكّان، يكون أحدهما ناشئا عن الآخر، و مع ذلك يجري الاستصحاب في الناشئ لا المنشأ.

كما أنّ القائل بحجيّة الاستصحاب في الأحكام- دون الأمور الخارجيّة- إذا اتّفق له شكّ في بقاء الحكم، و نشأ شكّه من جهة الشكّ في بقاء أمر خارجيّ، يقول باستصحاب الحكم دون الأمر الخارجي.

قلت: فلم لا يقول الفاضل بمثل ذلك في استصحاب وجوب الاجتناب؟ إذ كما أنّ الشكّ في بقاء وجوب الاجتناب عن الماء ناش عن الشكّ في بقاء نجاسة الماء- و لذا يقول: بأنّ استصحاب وجوب الاجتناب راجع في الحقيقة إلى استصحاب بقاء النجاسة، كما عرفت من كلامه- فكذلك الشكّ في بقاء النجاسة ناش عن الشكّ في بقاء سببيّة التغيّر، فلم لا يقول: إنّ استصحاب بقائه راجع في الحقيقة إلى استصحاب سببيّة التغيّر؟

فظهر ممّا ذكرنا: أنّه لا فرق بين الجهات الأربع الّتي ذكرناها في ما إذا ثبت حكم وضعيّ من الشارع في شمول الأدلّة لها، و ليس بعضها لآخر و راجعا إليه، و إن كان شكّه ناشئا عن شكّه، فاضبط و اغتنم.

45

[تقسيمات الاستصحاب‏]

[منشأ تكثّر الأقسام- غالبا- أمران‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): ثمّ إنّ الاستصحاب ينقسم إلى أقسام كثيرة: فتارة من جهة الحال السابق أنّه الوجود أو العدم، و أنّه ما ثبت من الشرع أو العقل أو الحسّ، و أنّ ما ثبت من الشرع وضعيّ أو غيره.

(1) [أقول‏]: اعلم أنّ منشأ تكثّر أقسام الاستصحاب- غالبا- أمران:

الأوّل: اعتبار المستصحب، و الثاني: اعتبار منشأ الشكّ.

[تقسيمات الاستصحاب باعتبار المستصحب‏]

أمّا تقسيمه بالاعتبار الأوّل:

فنقول: إنّ المستصحب إمّا حكم شرعيّ أو من متعلّقاته، و الحكم الشرعي: إمّا تكليفيّ أو وضعيّ.

و المتعلّق: إمّا أن يكون في الموضوعات الاستنباطيّة- كالوضع و القرينة و النقل-، أو من غيرها- كالرطوبة و اليبوسة و نحوهما-.

و أمّا الطهارة و النجاسة: فإن لوحظا من حيث إنّهما وصفان فهما من المتعلّقات، و إن لوحظا من حيث حكم الشارع بثبوتهما لمحلّ فمن الأحكام.

46

و كذا نحو الحريّة و العبديّة و المالكيّة و الزوجيّة.

ثم إنّ جعل الموضوعات الشرعيّة- كالصلاة و الصوم و غيرهما- قسما مستقلاّ مقابلا للّغوي و الخارجيّ لا يوجب ثمرة، لأنّه إن لوحظ الاستصحاب فيها باعتبار تشخيص أوضاعها أو المرادات منها فيدخل في الموضوعات الاستنباطيّة، و إن كان باعتبار نفس معانيها فيدخل في الأمور الخارجيّة، كأن يشكّ في فعل الصلاة فيستصحب عدم فعلها.

و على التقادير الأربعة: إمّا أن يكون أمرا وجوديّا- كالوجوب و الصحّة و الوضع و الرطوبة- أو يكون أمرا عدميّا- كعدم هذه المذكورات-.

[تقسيمات الاستصحاب باعتبار منشأ الشك‏]

و أمّا تقسيمه بالاعتبار الثاني:

فنقول: إنّ الشكّ في بقاء الحالة السابقة، إمّا أن يكون من جهة الشكّ في مقتضيها- بحيث لا نعلم أنّ ثبوت الحكم في الزمان السابق كان على وجه له استعداد للبقاء في هذا الزمان- أو نقطع بذلك و نشك في البقاء من جهة.

[منشأ الشك في المقتضي أمور]

أمّا الشكّ الأوّل، فلا يخلو غالبا عن أن ينشأ عن أمور:

الأوّل: تبدّل الزمان، بأن يكون سبب الشكّ مجرّد ذلك.

الثاني: تبدّل وصف من أوصاف الموضوع غير مقطوعة المدخليّة في موضوعيّة الموضوع أو حال من أحوال الحكم.

الثالث: تردّد الموضوع بين أمرين، نقطع بعدم استعداده للبقاء إلى هذا الزمان على فرض كون الموضوع أحدهما، و باستعداده كذلك على فرض كون الموضوع أحدهما الآخر.

ثمّ إنّ الأوّل- أعني تبدّل الزمان- على قسمين، لأنّ مضيّ الزمان إمّا أن يوجب الشكّ في بقاء أصل الحكم و ارتفاعه كلّيّا و رأسا، و إمّا أن يوجب الشكّ في بقاء الحكم الخاصّ في الواقعة الخاصّة.

47

مثال الأوّل: الشكّ في نسخ الحكم الفلاني في الشريعة.

و مثال الثاني: بقاء خيار الغبن، أو بقاء الخيار المسبب عن العيوب الموجبة لفسخ النكاح في الزمن الثاني.

و الثاني- أعني تغيّر الوصف- أيضا على قسمين، لأنّ الشكّ إمّا أن يكون في أصل مدخليّة الحال أو الوصف و عدم مدخليّته رأسا، و إمّا أن نقطع بأصل المدخليّة، لكنّ الشأن في كيفيّة المدخليّة و أنّ المدخليّة في الحدوث فقط- بحيث يبقى الحكم و إن زال الوصف-، أو في الحدوث و البقاء كليهما- بحيث يزول الحكم بزواله-.

مثال الأوّل: ما إذا قطعنا في حال حياة مجتهد بصحّة تقليده، بل وجوبه، ثمّ مات فشككنا في بقاء الصحّة و الوجوب، من جهة أنّ حياة المجتهد هل لها مدخليّة في الحكم المذكور، أو لا مدخليّة لها أصلا، بل يجوز تقليد الميّت و لو بدوا؟

و مثال الثاني: هو هذا المثال، إلاّ أنّه نفرض أنّ للحياة مدخليّة في الحكم المذكور في الجملة و لا يصحّ تقليد الميّت بدوا، لكن شككنا في أنّ مدخليّتها في الحدوث فقط، فيجوز الاستمرار على تقليد المجتهد بعد موته، أو في الحدوث و البقاء، فيدور الحكم مدار الحياة حدوثا و ارتفاعا.

هذا خلاصة الكلام في أقسام الشكّ من جهة المقتضي، و هي خمسة حاصلة من ضمّ كلّ من قسمي كلّ من تبدّل الزمان و تبدّل الوصف، إلى القسم الثالث، أعني تردّد الموضوع.

[أقسام الشك في المانع‏]

و أمّا الشكّ من جهة المانع فهو أقسام- أيضا-:

لأنّه إمّا أن يكون الشكّ في وجود أمر معلوم المانعيّة- كالشكّ في حدوث البول بعد الطهارة- و إمّا أن يكون الشكّ في مانعيّة الأمر المعلوم‏

48

الوجود، و هذا على أقسام:

لأنّ الشكّ إمّا من جهة اشتباه الحكم الشرعيّ، كالشك في كون المذي مانعا.

و إمّا أن يكون من جهة الشكّ في المسألة اللّغويّة، مثل أنّا نعلم أنّ النوم ناقض للوضوء، لكن نشك في أنّ الخفقة و الخفقتين من أفراده، أو قطعنا فرضا بمانعيّة المذي لكن معناه مجمل.

و إمّا أن يكون الشكّ من جهة اشتباه الأمر الخارجي، كما إذا قطعنا بحدوث ما يشكّ في كونه وذيا أو بولا، و كالرطوبة الواقعة على الثوب المشكوك كونه بولا أو ماء.

و إمّا من جهة الشكّ من جهة تردّد الحالة السابقة بين أمر يكون هذا رافعا له، و أمر لا يكون هذا رافعا له، كما إذا تيقّنّا انتقال ملك عن واحد إلى آخر بعوض ثمّ فسخ أحدهما، فنشكّ في أنّ الفسخ رافع للمعاملة السابقة أو لا، للشكّ في كون العقد الواقع في السابق من العقود اللازمة أو من الجائزة. و كالشكّ في كون الصلاة بدون السورة رافعة للاشتغال السابق، من جهة الشكّ في أنّ الاشتغال كان بالصلاة معها أو لا؟

فهذه- أيضا- خمسة أقسام، يحصل من ضمّها إلى الخمسة السابقة:

عشرة، لا أظنّ استصحابا يخلو منها.

[تقسيم آخر بالنظر إلى مدرك ثبوت الحكم‏]

و قد يقسّم الاستصحاب بالنظر إلى مدرك ثبوت الحكم السابق، إلى استصحاب حال العقل و الشرع، و يقسّم الثاني إلى استصحاب حال الإجماع و غيره.

[إرجاع تعريف العضدي و غيره إلى تعريف المصنف‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «قال العضدي: معنى استصحاب الحال: أنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يظنّ عدمه، و كلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء

49

و اختلف في صحّة الاستدلال به ... إلخ‏

(1)

».

(1) [أقول‏]: قد وعدناك سابقا (2) أن نرجع حاصل كلام العضدي و غيره- ممّن يظهر منه تعريف الاستصحاب بالقاعدة- إلى تعريف المصنّف السابق، فنقول:

قد رأيت أنّ كلام العضدي قياس من الشكل الأوّل مشتمل على صغرى و كبرى، فلا يخلو: إمّا أن يكون العضدي جعل الاستصحاب عبارة عن نفس الصغرى، و أتى بالكبرى لبيان الحكم تطفّلا، دون الموضوع.

و إمّا أن يكون قد جعله عبارة عن مجموع القياس، كما هو الظاهر.

فعلى الأوّل: موافقته لتعريف المصنّف ظاهرة، لأنّه جعل الاستصحاب عبارة عن «كون الشي‏ء كائنا في الزمن الماضي غير مظنون العدم» و هذا بعينه تعريف المصنّف‏ (3)، إلاّ أنّه (رحمه اللّه) قد أخذ «الشكّ» و العضدي أخذ «عدم الظنّ بالعدم».

و على الثاني، نقول: لا ريب أنّ مناط الاستدلال بالقياس ليس إلاّ الأوسط، فإنّه هو الدليل و العلّة لحمل الأكبر على الأصغر، لما تقرّر من أنّ حقيقة البرهان وسط يستلزم مطلوبا.

فالاستصحاب- الّذي هو دليل لبقاء الحكم- إذا جعل عبارة عن القياس، فهو يرجع في الحقيقة إلى أنّه وسط القياس، لما عرفت أنّه الدليل حقيقة.

مثلا، إذا قلنا: إنّ الطهارة قد كانت و لم يظنّ عدمها، و كلّ ما كان‏

____________

(1) شرح مختصر الأصول 2: 453.

(2) راجع الصفحة: 24.

(3) المتقدّمة في أول الكتاب.

50

كذلك فهو مظنون البقاء، و استنتجنا من هذا أنّ الطهارة باقية ظنّا، فالدليل حقيقة للبقاء، هو «كون الطهارة كائنة في السابق، غير مظنونة الارتفاع في اللاّحق» و لم يعرّف المصنّف (رحمه اللّه) الاستصحاب إلاّ بهذا، غير أنّه بدّل «غير مظنون الارتفاع» بقوله: «مشكوك البقاء»، فهو (رحمه اللّه) قد عرّف الاستصحاب- الّذي هو من الأدلّة- بحاصل تعريف العضدي- الّذي هو الدليل في الحقيقة-.

[إشكال السيد الصدر على تعريف الفاضل، و استجواده لتعريف العضدي‏]

و كأنّ شارح الوافية- السيّد صدر الدين- فهم هذا من كلام العضدي، حيث قال- بعد تعريف صاحب الوافية للاستصحاب، بأنّه التمسك بثبوت ما ثبت في وقت على بقائه في غير ذلك الوقت‏ (1)-: «لا يخفى أنّ هذا التعريف كأكثر التعاريف لا يخلو عن مسامحة، لأن الاستصحاب ليس نفس التمسّك، بل هو المتمسّك به» ثمّ نقل تعريف العضدي و استجوده‏ (2).

أقول: لا يخفى أنّ المتمسّك به- الّذي جعله السيّد معنى الاستصحاب- ليس إلاّ ثبوت ما ثبت في السابق، لأنّ صاحب الوافية، قال: «هو التمسّك بثبوت ما ثبت على بقائه» بأن يقال: إنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يعلم عدمه، و كلّ ما كان فهو باق، فجعل المتمسّك عليه هو البقاء، و المتمسّك به هو ثبوته سابقا.

فاستجواده تعريف العضدي يدلّ على أنّه فهم منه ما ذكرنا من أنّه- أي العضدي- أراد أنّ الاستصحاب هو كون شي‏ء في السابق و عدم الظنّ بعدمه في اللاّحق، لأنّه المساوق للمتمسّك به الّذي هو ثبوت ما ثبت.

____________

(1) الوافية: 200، مع اختلاف يسير.

(2) شرح الوافية (مخطوط): 122.

51

[الأقوال في الاستصحاب‏]

[كلام التفتازاني فيما قاله الحنفيّة]

[قوله‏]: «و أكثر الحنفيّة على بطلانه، فلا يثبت به حكم شرعيّ».

(1) [أقول‏]: قال التفتازاني في شرح الشرح: «كأنّه يشير بذلك إلى أنّ خلاف الحنفيّة في إثبات الحكم الشرعي، دون النفي الأصلي، و هذا ما يقولون: إنّه حجّة في الدّفع‏ (1) لا في الإثبات، حتّى إنّ حياة المفقود بالاستصحاب يصلح حجّة لبقاء ملكه لا لإثبات الملك له في مال مورّثه» (2)، انتهى.

[توجيه المصنف لمقالة الحنفية]

و وجّه المصنّف هذا القول منهم- في مبحث أصل البراءة- بأنّ أصالة عدم انتقال المال إلى المفقود ينافي ما يقتضيه استصحاب البقاء، فيحتاج في إثبات الانتقال إلى المفقود إلى دليل آخر.

____________

(1) في المصدر: في الرفع.

(2) تعليقة شرح مختصر الأصول 2: 284.

52

[الإيراد على هذا التوجيه بوجوه‏]

أقول: هذا الوجه- لعدم صحّة التمسّك بالاستصحاب في إثبات الحكم الشرعي- إن كان مستفادا من كلمات الحنفيّة فلا كلام لنا معهم، و إن كان توجيها من المصنّف (رحمه اللّه) عنهم، فهو منه (رحمه اللّه) غير وجيه.

أمّا أوّلا: فلعدم جريان أصالة عدم الانتقال إلى المفقود في المقام حتّى ينافي مقتضى استصحاب البقاء، لأنّ انتقال المال بعد موت المورّث إلى شخص- و لو كان هو الإمام- مقطوع، لعدم كون الملك، بلا مالك، و إنّما الشكّ في المنتقل إليه هل هو هذا المفقود أو غيره؟ فكلّما تقول: الأصل عدم انتقال المال إلى المفقود، فنقول: الأصل عدم انتقاله إلى غيره، فيبقى استصحاب بقاء المفقود- المقتضي لانتقال المال إليه- سليما عن المعارض.

و أمّا ثانيا: فلأنّا لو سلّمنا عدم معارض لأصالة عدم انتقال المال إلى المفقود، فنقول: إنّ هذا الأصل لا يقوى على معارضة استصحاب البقاء، نظرا إلى أنّ استصحاب البقاء استصحاب في الموضوع، و ذلك استصحاب في الحكم، و الأوّل مقدّم على الثاني؛ نظرا إلى أنّ الشكّ في الثاني مسبّب و ناش عن الشكّ في الأوّل، و أنّ ثبوت الأوّل مستلزم لخلاف الثاني، إذ بعد ثبوت حياة المفقود بالاستصحاب، فيستلزم‏ (1) ذلك ثبوت الانتقال.

بل نقل الإجماع على تقديم الاستصحاب في الموضوع عليه في الحكم.

و الظاهر أنّ الوجه في الإجماع ما ذكرنا، و حاصله: أنّ استصحاب الموضوع مزيل بالنسبة إلى استصحاب الحكم.

بل يمكن أن يقال: إنّ استصحاب الحكم غير جار هنا، نظرا إلى أنّ الشكّ في الانتقال- ظاهرا و واقعا- لا يوجد في زمان، لما عرفت في تعريف‏

____________

(1) كذا في النسخة.

53

الاستصحاب من أنّ المعتبر فيه: هو عدم دليل يزيل الشكّ واقعا أو ظاهرا.

بل يمكن أن يقال: إنّ الجاري هنا هو استصحاب الانتقال، لا عدم الانتقال، نظرا إلى أنّا كنّا قاطعين- قبل الشكّ في حياة المفقود- بأنّه إذا مات قريبه المورث، فماله ينتقل إلى المفقود، و ليس لعدم الانتقال بالفعل وجه إلاّ عدم موت المورّث، فإذا شكّ في حياة المفقود و مات المورّث، فمقتضى القضيّة التعليقيّة المذكورة- أعني تعليق الانتقال علي موت المورّث- ليس إلاّ هو تنجّز الانتقال، نظرا إلى وجود المعلّق عليه، فاضبط هذا و اغتنم.

و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك في باب تعارض الاستصحابين إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا ثالثا: فلأنّا لو سلّمنا تعارض استصحاب عدم الانتقال مع استصحاب البقاء- المقتضي للانتقال- و تساقطهما، فنقول: إنّ عدم العمل بدليل لمكان التعارض الموجب للتساقط، ليس قولا بعدم حجيّة ذلك الدليل و بطلانه، فإنّ الحجيّة بالشّأن لا يستلزم الحجيّة بالفعل، و معنى البطلان هو نفي الأولى لا الثانية.

و بالجملة: معنى أنّه لا يثبت به حكم شرعيّ: أنّه ليس من شأنه ذلك، لا أنّه لا يثبت لمكان المعارضة.

[قوله‏] (قدّس سرّه): «بل يمكن إدراج استصحاب بقاء غير الحكم الشرعي- كالرطوبة و اليبوسة- أيضا فيه، لأنّ استصحاب البقاء لا يتمّ إلاّ باعتبار استصحاب عدم المزيل، فتأمّل».

[بيان وجه التأمّل بأمور]

(1) [أقول‏]: كأنّ وجه التأمّل أمور:

الأوّل: أنّه قد يمكن استصحاب بقاء المذكورات مع عدم إمكان‏

54

استصحاب عدم المزيل، كما إذا وجد أمر و شككنا في كونه مزيلا لليبوسة السابقة- نظرا إلى الشكّ في أنّه ثلج أو حجر-، و من المعلوم عدم جريان الاستصحاب في نفس المزيل، لأنّ الشكّ في مانعيّة الموجود، لا في وجود المانع، فيختص استصحاب بقاء اليبوسة بالجريان.

الثاني: أنّه لو سلّمنا عدم افتراق بين الاستصحابين و عدم انفكاك الأوّل عن الثاني، لكن من المعلوم أنّهما أمران مستقلاّن لا يتوقّف أحدهما على الآخر، فإنّ استلزام الشي‏ء للشي‏ء لا يوجب توقّفه عليه.

الثالث: لو سلّمنا التوقّف، لكنّه لا يلزم من توقّف الاستصحاب الوجوديّ على العدميّ دخوله فيه، بحيث يندرج تحت مفهومه و يفهم من لفظه.

هذا كلّه لو أراد العقد السلبيّ من الحصر في قوله: «لا يتمّ إلاّ بكذا» بأن جعل وجه اندراج الاستصحاب الوجوديّ تحت النفي الأصلي- الّذي وقع في كلام العضدي- هو عدم إمكانه بدونه و توقّفه عليه، كما هو الظاهر من العبارة.

و إن أراد العقد الإيجابي من الحصر، بأن جعل وجه اندراج الاستصحاب الوجوديّ تحت النفي الأصليّ، كون العدميّ مستلزما للوجوديّ، فيكون القائل باعتبار الاستصحاب في النفي الأصليّ- أعني عدم المزيل- يلزمه القول بالاستصحاب الوجوديّ- أعني الرطوبة- فمن هنا يندرج استصحاب بقاء مثل الرطوبة و اليبوسة تحت النفي الأصليّ في كلام العضدي و الحاجبي، ففيه:

أوّلا: إنّ إبقاء الرطوبة السابقة من جهة استصحاب عدم المزيل ليس استصحابا لها، فإنّ الاستصحاب ليس مطلق إبقاء الشي‏ء في زمان‏

55

الشكّ، بل هو إبقاؤه فيه من جهة نفس الشكّ فيه، لا من جهة إبقاء ما يوجب بقاؤه لبقائه، فيمكن أن يقول أحد باستصحاب عدم المزيل، و لا يقول باستصحاب الرطوبة و إن استلزم الاستصحاب الأوّل بقاءها.

و من هنا ترى بعضهم يقولون باستصحاب الأمور الخارجيّة، و لا يقولون باستصحاب نفس الحكم، و إن كان لازم استصحاب الأمر الخارجي- إذا كان من متعلّقات الحكم- بقاء نفس الحكم إذا كان الشكّ فيه من جهة الشكّ في بقاء الأمر الخارجي، لكن قد عرفت أنّ مطلق بقاء الشي‏ء في زمان الشك ليس استصحابا.

و ثانيا: أنّه لو تمّ هذا فغاية ما يثبت هو أنّه يلزم القائل بحجيّة الاستصحاب في النفي الأصلي القول بحجيّته في الوجوديّ في ما إذا كان الاستصحاب العدمي جاريا، كما إذا شكّ في وجود المانع. و أمّا في ما لم يكن جاريا- كما إذا شكّ في مانعيّة الموجود- فلا يلزمه القول بها، فافهم و اغتنم.

[في أن نقل المصنف لكلام الخوانساري استدراك لما استفاده من كلام العضدي‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «و لكنّ المحقّق الخوانساري في شرح الدروس‏

(1)

في مبحث الاستنجاء بالأحجار قال: ... إلخ».

(1) [أقول‏]: هذا استدراك ممّا استفاده (رحمه اللّه) من ظاهر كلام العضدي- بعد تعميم النفي الأصلي في كلامه لجميع الاستصحابات العدميّة- من أنّ كلّ من قال بالاستصحاب لم يفرّق بين النفي الأصلي- يعني العدمي بجميع أقسامه الشامل للبراءة الأصليّة و نفي الأمور الخارجيّة- و بين الحكم الشرعي.

وجه الاستدراك: أنّ الظاهر من كلام العضدي عدم المفصّل في الاستصحاب من جهة المستصحب، و ظاهر كلام المحقّق وجود المفصّل بين‏

____________

(1) مشارق الشموس: 76.

56

الشرعيّات و غيرها.

[توجيه كلام الخوانساري بما لا ينافي كلام العضدي‏]

أقول: يمكن أن يكون المقسم في كلام المحقّق الخوانساري، هو الاستصحاب الوجوديّ، حيث قال: إنّه ينقسم باعتبار الحكم المأخوذ فيه إلى شرعيّ و غيره.

و حينئذ فوجود القائل بعدم اعتبار الاستصحاب في الأمور الخارجيّة- يعني الوجوديّة منها- لا ينافي ما مرّ من عبارة العضدي: من نفي الفرق عند القائل بالاستصحاب بين النفي الأصلي و الحكم الشرعي، إذ لم يكن بين في كلامه ما يدلّ على التعميم، بحيث يشمل الأمور الخارجيّة الوجوديّة.

و أمّا إدراجها تحت النفي الأصلي الأعمّ من الحكم و غيره- بناء على أنّ استصحابها لا يتمّ إلاّ باعتبار استصحاب عدم المزيل- فقد عرفت أنّه لا وجه له. مع أنّ المصنّف (رحمه اللّه)- أيضا- أمر بالتأمّل‏ (1).

[توجيه ما نقله الخوانساري‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «و هو يستلزم كون مثل أصالة عدم النقل و أصالة بقاء المعنى اللغوي أيضا خلافيّا».

(1) [أقول‏]: يمكن أن يقال: إنّ نقل المحقّق المذكور للخلاف في المسألة إنّما هو بعد إخراج الأصول المتّفق عليها، مثل أصالة عدم النقل، و أصالة عدم القرينة، و أصالة بقاء المفقود و نحوها، فلا يلزم من وجود القائل بعدم حجيّة الاستصحاب في غير الشرعيّات، وجود القائل بالعدم في الأصول المذكورة من جهة أنّها من غير الشرعيّات، لخروجها عن محلّ النزاع أوّلا.

على أنّه يمكن أن يقال: إنّ كلام المحقّق في نقل الأقوال في الاستصحاب من باب التعبّد، كما هو المعروف بين متأخّري المتأخّرين،

____________

(1) تقدّم في الصفحة: 53.

57

فتأمّل.

و يدلّك على هذا: استدلال هذا المحقّق- في أثناء كلامه على عدم حجّية الاستصحاب في الأمور الخارجيّة من قبل القائل به- بمنع شمول الأخبار لها، لبعد بيان ذلك عن منصب الشارع‏ (1).

فحينئذ لا ضير في أن يقال: بعدم حجيّة الاستصحاب في هذه الأصول المتّفق عليها من باب التعبّد. بل مال إليه بعض مشايخنا (2)، بل لا يبعد الميل إليه.

هذا على أنك قد عرفت إمكان أن يكون المقسم في كلام المحقّق، الاستصحاب الوجوديّ، فلا يلزم أيضا ما ذكر المصنّف.

لكن يشكل ذلك في أصالة بقاء المعنى اللغوي. اللّهم إلاّ أن يقال: بأنّ اعتبارها لرجوعها إلى أصالة عدم النقل المتّفق عليها.

[نقل المصنف استدلال الخوانساري لمذهبه‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «و استدلّ عليه‏

(3)

: أوّلا بأنّه لو كان أمر أو نهي بفعل إلى غاية مثلا، فعند الشكّ لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظنّ بالامتثال، و ما لم يحصل الظنّ لم يحصل الامتثال».

[يستفاد من عبارة المحقق الخوانساري أمور]

(1) [أقول‏]: يستفاد من عبارة هذا المحقّق أمور:

الأوّل: أنّ في صورة عدم الظنّ و العلم بالامتثال لا يحصل الامتثال في الواقع، و إن فرضنا وجود الغاية واقعا في زمان شكّه، و أنّه أتى بما أمره به المولى إلى الغاية الواقعيّة، و هو التحقيق، نظرا إلى [أنّ‏] الامتثال ليس عبارة عن مجرّد إتيان ما أمر به المولى، حتى يدور مدار الإتيان الواقعي، بل هو

____________

(1) حكاه شارح الوافية عن حاشية شرح الدروس، انظر شرح الوافية: 120.

(2) لعلّ المراد به السيّد المجاهد (قدّس سرّه) انظر مفاتيح الأصول: 657.

(3) المستدل هو المحقّق الخوانساري (قدّس سرّه) في مشارق الشموس: 76.

58

إتيان المأمور به، لأنّه المأمور به، و هذا فرع العلم أو الظنّ المعتبر بأنّ ما أتى به هو المأمور به، و لا تكفي الموافقة الاتّفاقيّة في صدق الإطاعة عرفا.

و من هنا اتّفقوا على أنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي البراءة اليقينيّة، لا مجرّد حصول المأمور به في الخارج و لو مع جهل المأمور بكونه المأمور به أو بعضه، أو غيره.

الثاني: يستفاد من إطلاق الظنّ في كلامه حكمه بكفاية الظنّ بالامتثال المسبّب عن الظنّ بوجود الغاية، و به صرّح في شرح الدروس- على ما حكي- حيث نقل عنه ما حاصله: أنّه إذا ورد دليل على ثبوت حكم إلى غاية معيّنة، فلا بدّ من الحكم ببقائه إلى أن يحصل العلم أو الظنّ بوجود الغاية (1) انتهى.

أقول: هذا الظنّ إن استفيد من دليل معتبر من الشارع فلا كلام، و إلاّ فهو مبنيّ على حجيّة مطلق الظنّ في الموضوعات الخارجيّة للأحكام الشرعيّة، و هو محلّ تشاجر بين العلماء.

و الظاهر عدم اعتباره، سيّما في المقام، في مقابل هذه القاعدة- يعني قاعدة الاشتغال و استصحابه- كما سيجي‏ء اللّهم إلاّ مع عدم التمكّن من العلم.

و للكلام مقام آخر.

الثالث: انّ صريح دليل المحقّق هذا و دليله الثاني هو أنّ مراده إجراء الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي، لا في الأمر الخارجي- أعني عدم وجود المزيل- ثمّ إبقاء الحكم الشرعي لأجله، كما احتمله بعض المعاصرين‏ (2)

____________

(1) مشارق الشموس: 77.

(2) الظاهر انه الفاضل النراقي في المناهج: 134.

59

في كلامه بعد ما اختار هو هذا المذهب- يعني إبقاء الحكم في أمثال المقام من جهة استصحاب عدم الغاية، لا من جهة استصحاب نفسه- و سنشير إليه مع جوابه إن شاء اللّه تعالى.

[الدليل الثاني للخوانساري‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «و ثانيا بما ورد في الروايات من: أنّ اليقين لا ينقض إلاّ باليقين».

[الفرق بين هذا الدليل و الدليل السابق‏]

(1) [أقول‏]: الفرق بين هذا الدليل و سابقه: أنّ مرجع ذلك الدليل إلى قاعدة الاشتغال، أعني ما اشتهر بينهم، و ادّعى هذا المحقّق عليه الإجماع:

من أنّ الشغل اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة.

و مرجع هذا الدليل إلى استصحاب الاشتغال، و لكلّ منهما مفهوم مباين لمفهوم الآخر.

نعم، الغالب عدم انفكاك الثاني عن الأوّل. و قد يتعارضان، كما إذا تردّد الأمر بين كون واجب مضيّقا أو موسّعا، فإنّ مقتضى قاعدة الاشتغال:

الأوّل، و مقتضى استصحابه: الثاني، فتأمّل.

[نقل تعليل الخوانساري في ذيل تلك العبارة]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «و حينئذ فلا ظهور في عدم نقض الحكم و ثبوت استمراره».

(2) [أقول‏]: قال بعد ذلك معلّلا له- على ما حكي- ما هذا لفظه:

«إذ الدليل الأوّل ليس بجار فيه، لعدم ثبوت حكم العقل في مثل هذه الصورة، خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالّة على عدم المؤاخذة بما لا يعلم.

[صريح عبارة الخوانساري: حصر الاستصحاب في الصورتين‏]

و الدليل الثاني الحقّ أنّه لا يخلو من إجمال. و غاية ما يسلّم منه إفادة الحكم في الصورتين اللّتين ذكرناهما، و إن كان فيه أيضا بعض المناقشات،

60

لكنّه لا يخلو من تأييد الدليل الأوّل، فتأمّل» (1)، انتهى.

[اعتباره في صورة ثالثة]

و اعلم: أنّ صريح عبارته المذكورة في هذا المقام و إن كان حصر الاستصحاب في صورتي الشكّ في وجود المانع و الشكّ في صدق المانع المعلوم المانعيّة. إلاّ أنّه يظهر ممّا حكي عنه- في حاشية شرح الدروس- عند شرح قول الشهيد نوّر اللّه مضجعه: «و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه» اعتبار الاستصحاب في صورة ثالثة، و عبارته- على ما حكيت- هي هذه:

«و توضيحه: انّ الاستصحاب لا دليل على حجيّته عقلا. و ما تمسّكوا به ضعيف، و غاية ما يتمسّك فيها ما ورد في بعض الروايات الصحيحة: «أنّ اليقين لا ينقض بالشكّ أبدا، و أنّه ينقضه بيقين آخر مثله» [1].

و على تقدير تسليم صحّة الاحتجاج بالخبر في مثل هذا الحكم و عدم منعها- بناء على أنّ الحكم الظاهر أنّه من الأصول، و يشكل التمسّك بالخبر الواحد في الأصول، إن سلّم جواز التمسّك به في الفروع- نقول:

الظاهر أوّلا: أنّه لا يظهر شموله للأمور الخارجيّة، مثل رطوبة الثوب و نحوها؛ إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الّتي ليست حكما شرعيّا، و إن كان يمكن أن تصير منشأ لحكم شرعي بالعرض، و مع عدم الظهور فلا يمكن الاحتجاج به فيها، و هذا ما يقال: إنّ الاستصحاب في الأمور الخارجيّة لا عبرة به.

ثمّ، بعد تخصيصه بالأحكام الشرعيّة، الأمر على وجهين:

____________

[1] الوسائل 1: 175، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ذيل الحديث الأوّل، بلفظ:

«و لا تنقض اليقين أبدا بالشكّ، و إنّما تنقضه بيقين آخر». و في التهذيب 1: 8، الحديث 11: «و لا ينقض ... إلخ».

____________

(1) مشارق الشموس: 76.

61

أحدهما: أن يثبت حكم شرعيّ في مورد خاصّ باعتبار حال نعلم من الخارج أنّ زوال تلك الحال لا يستلزم زوال الحكم.

و الآخر: أن يثبت باعتبار حال لا يعلم فيه ذلك.

مثال الأوّل: إذا ثبت نجاسة ثوب خاصّ باعتبار ملاقاته للبول- بأن يستدلّ عليها بأنّ هذا الثوب شي‏ء لاقاه البول، و كلّ ما لاقاه البول نجس- و الحكم الشرعي النجاسة، و ثبوته باعتبار حال هو ملاقاة البول. و قد علم من الخارج- لضرورة أو إجماع أو غير ذلك- بأنّه لا يزول النجاسة بزوال الملاقاة فقط.

و مثال الثاني: ما نحن بصدده، فإنّه ثبت وجوب الاجتناب عن الإناء المخصوص- باعتبار أنّه شي‏ء يعلم وقوع النجاسة فيه بعينه، و كلّ شي‏ء كذلك يجب الاجتناب عنه- و لم يعلم بدليل من الخارج أنّ زوال هذا الوصف الّذي يحصل باعتبار زوال المعلوميّة (1) بعينه لا دخل له في زوال الحكم.

و على هذا نقول: شمول الخبر للقسم الأوّل ظاهر، يمكن التمسك بالاستصحاب فيه، و أمّا القسم الثاني فلا، فالتمسك فيه مشكل.

فإن قلت: بعد ما علم في القسم الأوّل انّ الحكم لا يزول بزوال الوصف، فأيّ حاجة إلى التمسّك بالاستصحاب؟ و أيّ فائدة في ما ورد في الأخبار من: «أنّ اليقين لا ينقض إلاّ بيقين مثله»؟

قلت: القسم الأوّل على وجهين:

أحدهما: أن يثبت أنّ الحكم- مثل النجاسة- حاصل بعد الملاقاة ما لم يرد عليها الماء على الوجه المعتبر في الشرع، و فائدته- حينئذ- أنّ عند

____________

(1) كذا في النسخة.

62

حصول الشكّ بورود الماء لا يحكم بزوال النجاسة.

و الآخر: أن يعلم ثبوت الحكم في الجملة بعد زوال الوصف، لكن لم يعلم أنّه ثابت دائما، أو في بعض الأوقات إلى غاية معيّنة محدودة، و فائدته: أنّه يثبت الحكم في الجملة، فيستصحب إلى أن يعلم المزيل» (1) انتهى.

[الصور التي أجرى الخوانساري فيها الاستصحاب خمس‏]

ثمّ اعلم أنّ جملة الصور الّتي يجري هذا المحقق الاستصحاب فيها- على ما هو ظاهر كلام المحكيّ- خمس:

الأولى: إذا شكّ في وجود المانع.

الثانية: إذا شكّ في فرديّة شي‏ء للمانع المعلوم المانعيّة.

الثالثة: إذا تردّد المانع المعلوم المانعيّة بين شيئين، بأن يكون من قبيل المشترك اللفظي و نحوه من المجملات اللفظيّة أو اللبيّة، كما إذا وقع الإجماع على كون الشي‏ء غاية، و تردّد أمره بين شيئين.

الرابعة: ما إذا شكّ في رافعيّة شي‏ء للاشتغال، من جهة الشكّ في التكليف، لتردّده بين أمرين- و هو القسم الخامس من أقسام الشكّ في المانع الّذي ذكرناه سابقا (2) عند تقسيم الاستصحاب باعتبار سبب الشكّ-.

الخامسة: ما إذا ثبت حكم باعتبار حال يعلم أنّه لا يزول بزوال الحال، لكن لا يعلم أنّه يبقى بعده مستمرّا في جميع الأوقات، أو في بعضها إلى غاية معيّنة.

[بيان الفرق بين الشك في صدق المزيل و الشك في كون الشي‏ء مزيلا]

بقي شي‏ء، و هو أنّ الفرق بين الشكّ في صدق المزيل- الّذي أجرى هذا المحقّق الاستصحاب فيه- و بين الشكّ في كون الشي‏ء مزيلا- الّذي لم يجره‏

____________

(1) حكاه في شرح الوافية: 120، عن حاشية شرح الدروس للمحقّق الخوانساري (قدّس سرّه).

(2) تقدّم في الصفحة: 48.

63

فيه- مع رجوع كلّ منهما إلى الشكّ في ثبوت وصف الإزالة له و الشكّ في دخوله تحت مفهوم المزيل، هو: أنّ الشكّ في الأوّل متعلّق أوّلا و بالذات بدخول الشي‏ء تحت العنوان الّذي حكم الشارع عليه بالمزيليّة، و هذا الشكّ مع قطع النّظر عن اتّصاف ذلك العنوان بالمزيليّة، ثمّ يعرض الشكّ في مزيليّة هذا المشكوك، بعد جعل ذلك العنوان- الّذي شكّ في دخول هذا الشي‏ء تحته- متّصفا بالمزيليّة.

مثلا: الشكّ في كون الخفقة و الخفقتين من أفراد النوم ثابت مع قطع النّظر عن كون النوم مزيلا أم لا. نعم، بعد ما جعل مزيلا فيقع الشك في كون الخفقة مزيلا- يعني من أفراد هذا المزيل-.

و الحاصل: أنّ الشكّ في هذا القسم متعلّق- أوّلا و بالذات- بمعنى هذا العنوان، و يرجع بالأخرة إلى الشكّ في ثبوت وصف الإزالة له شرعا.

و أمّا الشكّ في الثاني: فهو متعلّق أوّلا و بالذات بنفس الحكم الشرعي- يعني ثبوت الإزالة لهذا الشي‏ء- و ليس شكّا في صدق المزيل عليه، بمعنى أن يشكّ أنّ العنوان الّذي جعل مزيلا هل يصدق عليه؟ نعم، بمعنى أنّ مفهوم المزيل- يعني المزيليّة- يوجد فيه أم لا؟

مثال ذلك: المذي، فإنّ الشكّ في ثبوت المزيليّة له، لا في صدق العنوان- الّذي جعل مزيلا- عليه.

نظير الأوّل: ما إذا حرّم الشارع الغناء، و شكّ في صدقه على الصوت المرجّع فيه الخالي عن الطرب، من جهة الإجمال في معنى الغناء.

و نظير الثاني: ما إذا شكّ في تحريم صوت بالخصوص من الشارع.

و هذا الفرق بين الشكّين و إن كان في غاية الظهور، إلاّ أنّ الغرض من ذكره التنبيه على أنّ ما ذكره المصنّف فيما سيجي‏ء- عند ذكر أمثلة أقسام‏

64

الشكّ في المانع الّتي ذكرها المحقّق السبزواري‏ (1) من التمثيل للشكّ في صدق المانع بالشكّ في كون المذي حدثا، و تبعه عليه بعض المعاصرين‏ (2)- ليس على ما ينبغي.

بيان ذلك: أنّ الشارع لم يحكم في مقام بيان روافع الطهارة بأنّ الحدث رافع، حتّى يقع الشكّ في صدق الحدث على المذي، فإنّ المراد بالحدث في أحد استعماليه هو أحد الأمور الرافعة للطهارة، فمهما ثبت من الشارع أنّ الشي‏ء الفلاني رافع للطهارة، فإذن يدخل في الحدث.

فالحدث في كلام الشارع ليس موضوعا لحكمه عليه بالرافعيّة، لأنّ هذا الحكم مأخوذ في مفهوم هذا الموضوع، فالرافعيّة في كلام الشارع إنّما حكم بها على خصوص النوم و البول و الغائط و غيرها، لا على الحدث.

[احتمال كون منشأ تمثيل المصنف و من تبعه بالرافع، هو بعض الأخبار]

و لعلّ منشأ ما صدر من المصنّف و من تبعه من هذا التمثيل، هو ورود بعض الأخبار، مثل قوله (عليه السّلام): «إيّاك أن تحدث وضوء حتّى تستيقن أنّك قد أحدثت» [1]، و أنّ الإجماع وقع على ثبوت الطهارة إلى زمان الحدث.

و أنت خبير بأنّ ذلك كلّه ليس في مقام بيان الروافع، بل مرتبة مثل هذا الخبر و هذا الإجماع متأخّرة طبعا عن الأدلّة الواردة في مقام بيان الروافع، بمعنى أنّ بعد ما ثبت من تلك الأدلّة أنّ البول مثلا ناقض، فسمّي باسم الحدث، و أنّ النوم مثلا ناقض، فصار حدثا، و هكذا، ثمّ قال المعصوم- بعد معرفة الأحداث-: «لا تحدث وضوء حتّى تستيقن أنّك قد أحدثت»

____________

[1] الوسائل 1: 176، الباب الأوّل من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7، و فيه: و إيّاك أن تحدث وضوء أبدا ... إلخ.

____________

(1) ذخيرة المعاد: 115.

(2) انظر الفصول الغرويّة: 371.

65

- أي صدر منك بعض الأمور الّتي تعلم أنّها في الشريعة ناقضة-.

و كذلك ما ورد في الأخبار من أنّه «لا ينقض الوضوء إلاّ حدث، و النوم حدث» (1)، فإنّه أيضا في مقام الردّ على العامّة القائلين بأنّ النوم ليس بنفسه من الأحداث، فتأمّل.

نعم، لو فرض أنّ الحدث لم يؤخذ في مفهومه رافعيّة الطهارة- كما يدلّ عليه قوله (عليه السّلام): «لا ينقض الوضوء إلاّ حدث» (2) إذ لا معنى للحكم بناقضيّة الرافع، فيجعل تعريف الفقهاء للحدث بالرافع تعريفا له بلازمه- أمكن أن يكون موضوعا للحكم بالرافعيّة. و مع ذلك أيضا لا يثبت المطلوب؛ نظرا إلى أنّ الأدلّة وردت في بيان رافعيّة خصوصيّات هذا المفهوم، فكلّ فرد من أفراده حكم عليه بخصوصه أنّه رافع.

[المدار في الشك في رافعيّة المذي‏]

فالشكّ في رافعيّة المذي شكّ في الحكم الشرعي بالخصوص له، لا شكّ في دخوله تحت العنوان الّذي حكم عليه الشارع بالرافعيّة، فالشكّ في رافعيّة المذي نظير الشكّ في مطهّرية الغسل بماء السيل، للشكّ في أنّه ماء أم لا؟

فثبت من جميع ذلك: أنّ المحقق الخوانساري لا يجري الاستصحاب في مثل الشكّ في رافعيّة المذي، لأنّه شكّ في كون المذي أيضا كالبول مزيلا، لا في صدق المزيل عليه، فتأمّل.

[موارد جريان الاستصحاب في الشك في الرافع عند السبزواري و الخوانساري‏]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «و على الأوّل، فالشكّ في رفعه أقسام»

(3)

.

____________

(1) الوسائل 1: 180، الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 4.

(2) المصدر السابق.

(3) هذه العبارة للمحقّق السبزواري (قدّس سرّه) في ذخيرة المعاد: 115، نقلها صاحب القوانين.

66

(1) [أقول‏]: هذه الأقسام الأربعة لا يجري الاستصحاب عند المحقّق السبزواري، إلاّ في الأوّل منها (1). و أمّا عند المحقّق الخوانساري‏ (2)، فيجري في الأوّل و الثاني منها، و يجري عنده أيضا في قسم خامس من أقسام الشكّ في المانعية، و هو ما إذا كان المانع متردّدا بحسب المفهوم بين أمور، فيستصحب الحكم عنده إلى القطع بوجود المانع النّفس الأمري.

و هذا في الحقيقة داخل في القسم الثاني من الأربعة، لأنّ إجمال معنى المانع قد يكون بحيث يتردّد بين أمرين فصاعدا- كالمشترك اللفظي- و قد يكون معيّنا في الجملة و شكّ في فرديّة بعض الأمور له و صدقه عليه.

إلاّ أنّ المحقق السبزواري خصّه بالثاني- كما حكاه في المتن- فارجع.

[ما يظهر من السبزواري من نفي حجية الاستصحاب في الأمور الخارجية]

[قوله‏] (قدّس سرّه): «و يظهر منه في غير هذه المواضع نفي حجيّة الاستصحاب في الأمور الخارجيّة».

[تأمّل المحقق الخوانساري فيها أيضا]

(2) [أقول‏]: قد عرفت من عبارة المحقّق الخوانساري أنّ له أيضا تأمّلا في حجيّة الاستصحاب فيها.

[ما قاله الوحيد البهبهاني في المقام‏]

ثمّ: إنّ المحقّق الوحيد البهبهاني بعد ما قسّم الاستصحاب إلى قسمين:

الأوّل: استصحاب متعلّق الحكم الشرعي- كالرطوبة و اليبوسة و عدم النقل، و غير ذلك- و الثاني: استصحاب نفس الحكم الشرعي، و جعله على ضربين:

الأوّل: أن يثبت به حكم شرعي لموضوع معلوم، كما إذا شكّ في ناقضيّة المذي.

الثاني: عكس الأوّل، أعني أن يثبت حكم شرعي لموضوع معلوم،

____________

(1) راجع ذخيرة المعاد: 116.

(2) راجع مشارق الشموس: 76.

67

لكن لا ندري هل تحقّق الموضوع أم لا؟ مثلا: نعلم بأنّ البول ناقض، لكن نشكّ في تحقّقه،

[ما قاله الأخباريون‏]

قال: «و الأخباريّون أيضا صرّحوا بحجيّة استصحاب موضوع الحكم الشرعي- على ما ذكره الشيخ الحرّ (1)- فهم يقولون بحجيّة القسم الأوّل و الضرب الثاني. و الفاضل صاحب الذخيرة صرّح بحجيّة الضرب الثاني‏ (2)، و لعلّه موافق للأخباريين» (3) انتهى كلامه رفع مقامه.

و الظاهر من هذه العبارة: أنّ المحقّق السبزواري إنّما يقول بالاستصحاب في الضرب الثاني، لأنّه يرجع إلى الاستصحاب في الأمور الخارجيّة- أعني عدم تحقّق المانع-.

كما أنّ الأخباريّين لمّا قالوا بحجيّة الاستصحاب في الموضوع لزمهم القول بحجيّته في الضرب الثاني، و إلاّ فالشيخ الحرّ لم يحك عنهم إلاّ حجيّته في الموضوع الشرعي، و هذا بظاهره ينافي ما استظهره المصنّف هنا من المحقّق.

و سيأتي ما يوضح لك مذهب الأخباريّين و مراد العلماء من الأحكام الشرعيّة، و الأمور الخارجيّة، فانتظر.

[قوله‏] (قدّس سرّه): «فحاصل الأقوال يرجع إلى ثمانية».

(1) [أقول‏]: هذا الحاصل محصود من الاختلافات الّتي ذكرها من العلماء الأعلام في هذا المقام.

[القول الأوّل، و القائلون به‏]

و القول الأوّل: محكيّ عن أكثر المحقّقين، كالمفيد (4) و المحقّق في‏

____________

(1) الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: 250، الباب 45.

(2) ذخيرة المعاد: 116.

(3) الرسالة الاستصحابيّة (مخطوط): الصفحة الأولى.

(4) حكاه عنه الشيخ في العدة: 303، و الكراجكي (قدّس سرّه) في كنز الفوائد 2: 30، و المحقّق (قدّس سرّه) في المعارج: 206.

68

المعارج‏ (1) و العلاّمة (2) و الشهيدين‏ (3) و شيخنا البهائي‏ (4) و نسب إلى الشيخ في العدّة (5) و عن أكثر العامّة، كالشافعيّة قاطبة (6) و قيل: أكثرهم‏ (7).

[القول الثاني و الثالث‏]

و القول الثاني: محكيّ عن أكثر المتكلّمين‏ (8) و حكي عن السيّد (9) و الشيخ‏ (10) و ذهب إليه صاحب المعالم، و نسبه فيه إلى المحقّق‏ (11)، و سيأتي ما فيه.

و القول الثالث: إشارة إلى ما حكاه المحقّق الخوانساري في شرح الدروس من أنّ بعضهم يقول بحجيّة الاستصحاب في الشرعيّات- كالطهارة- دون غيرها- كالرطوبة (12)- و عرفت أيضا ميله

إلى الجزء الثاني و التفصيل في الجزء الأوّل من هذا القول.و القول الرابع:

لم يسبق من المصنّف ما يكون إشارة إليه، لكنّه محكيّ عن الأخباريّين‏ (13).

____________

(1) معارج الأصول: 206.

(2) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: 250.

(3) القواعد و الفوائد 1: 134، و تمهيد القواعد: 37.

(4) الحبل المتين: 36.

(5) عدّة الأصول: 304.

(6) نسبه الآمدي إلى جماعة من أصحاب الشافعي، و اختاره أيضا، انظر الإحكام في أصول الأحكام: 4: 367.

(7) القائل هو الشيخ (قدّس سرّه) في العدّة: 303، و فيه: و ذهب أكثر الشافعية.

(8) حكاه في العدّة: 303، و فيه: فذهب أكثر المتكلمين ... إلى أن ذلك ليس بدليل.

(9) حكاه عنهما في مفاتيح الأصول: 634.

(10) حكاه عنهما في مفاتيح الأصول: 634.

(11) المعالم: 235.

(12) مشارق الشموس: 76.

(13) حكاه الوحيد (قدّس سرّه) عن صريح الأخباريّين، كما تقدّم في الصفحة السابقة.