جامع السعادات - ج1

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
406 /
3

الجزء الأول‏

1

مقدمة محمد رضا المظفر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

حياة المؤلف 1128-1209

هو الشيخ الجليل المولى (محمد مهدي بن أبي ذر النراقي) أحد أعلام المجتهدين في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر من الهجرة، و من أصحاب التأليفات القيمة. و يكاد أن يعد في الدرجة الثانية أو الثالثة من مشاهير علماء القرنين.

و هو عصامى لا يعرف عن والده (أبي ذر) إلا أنه كان موظفا في الدولة الإيرانية بوظيفة صغيرة في قرية (نراق) ، و لولا ابنه هذا لذهب ذكره في طيات التاريخ كملايين البشر من أمثاله، و لا يعلم ما إذا كان لشيخنا النراقي أخوة، و لكن له ولد نابه الذكر، هو المولى أحمد النراقي المتوفى 1244، صاحب (مستند الشيعة) المشهور في الفقه، و صاحب التأليفات الثمينة، أحد أقطاب العلماء في القرن الثالث عشر. و كفاه فخرا أنه أحد أساتذة الشيخ العظيم المولى مرتضى الأنصاري المتوفى 1281.

و لعل النراقي الصغير هذا هو من أهم أسباب شهرة والده و ذيوع صيته، لما وطئ عقبه و ناف عليه بدقة النظر و جودة التأليف. كما حذا حذوه في تأليفاته. فان الأب المكرم ألف في الفقه (معتمد الشيعة) .

4

و الابن الجليل ألف مستندها. و ذاك ألف في الأخلاق (جامع السعادات) -هذا الكتاب الذي نقدمه-و هذا ألف (معراج السعادة) في الفارسية.

و ذاك ألف (مشكلات العلوم) و هذا ألف (الخزائن) ... و هكذا نسج على منواله و أحكم النسج.

مولده و وفاته‏

ولد الشيخ المترجم له-رحمه اللّه تعالى-في (نراق) كعراق‏ (1) ، و هي قرية من قرى كاشان بإيران، تبعد عنها عشرة فراسخ. و كذا كانت مسقط رأس ولده المتقدم الذكر. و لم يذكر التأريخ سنة ولادته، و على التقريب يمكن استخراجها من بعض المقارنات التأريخية، فإنه تلمذ-في أول نشأته على ما يظهر-على الشيخ المحقق الحكيم المولى إسماعيل الخاجوئي ثلاثين سنة، مع العلم أن أستاذه هذا توفي عام 1173، فتكون أول تلمذته عليه عام 1143 على أقل تقدير، إذا فرضنا أنه لازمه إلى حين وفاته.

و لنفرض على أقرب تقدير أنه قد حضر عليه و هو في سن 15 عاما، و عليه فتكون ولادته عام 1128، أو قبل ذلك.

أما وفاته فقد كانت عام 1209 في النجف الأشرف، و دفن فيها، فيكون قد بقي بعد وفاة أستاذه الوحيد البهبهاني سنة واحدة، و يكون عمره 81 عاما على الأقل.

و في (رياض الجنة) المخطوط، تأليف السيد حسن الزنوزي المعاصر للمترجم له-حسب نقل الأستاذ حسن النراقي-: أن عمره كان 63 سنة، فتكون ولادته سنة 1146 هـ. و هذا لا يتفق أبدا مع ما هو معروف في

____________

(1) و في أعيان الشيعة-ج 10 ص 250-: انها بفتح النون.

5

تأريخه: أنه تلمذ على المولى إسماعيل الخاجوئي ثلاثين سنة، لأنه يكون عمره على حسب هذا التأريخ حين وفاة أستاذه 27 سنة فقط.

نشأته العلمية و أساتذته‏

عاش شيخنا كما يعيش عشرات الآلاف من أمثاله من طلاب العلم:

خامل الذكر، فقير الحال منزويا في مدرسته، لا يعرف من حاله إلا أنه طالب مهاجر، و لا يتصل به إلا أقرانه في دروسه، الذين لا يهمهم من شأنه إلا أنه طالب كسائر الطلاب، يتردد في حياة رتيبة بين غرفته و مجالس دروسه، ثم بعد ذلك لا ينكشف لهم من حاله إلا بزته الرثة التي ألفوا منظرها في آلاف طلاب العلم، فلا تثير اهتمامهم و لا اهتمام الناس.

و بطبيعة الحال لا يسجل له التأريخ شيئا في هذه النشأة، و كذلك كل طالب علم لا يسجل حتى اسمه ما لم يبلغ درجة يرجع إليه الطلاب في التدريس، أو الناس في تقليد، أو تكون له مؤلفات تشتهر. و من هنا تبتدئ معرفة حياة الرجل العالم، و تظهر آثاره و يلمع اسمه.

و مع ذلك، فإنا نعرف عن شيخنا: أن أسبق أساتذته و أكثرهم حضورا عنده هو المولى إسماعيل الخاجوئي المتقدم الذكر. و هذا الأستاذ كان مقره في أصفهان، و فيها توفي و دفن، و الظاهر أنه لم ينتقل عنها حتى في الكارثة التأريخية المفجعة التي أصابتها من الأفغانيين الذين انتهكوها بما لم يحدّث التأريخ عن مثلها، و ذلك سنة 1134. فتكون نشأة شيخنا المترجم له العلمية في مبدأ تحصيله في أصفهان على هذا الشيخ الجليل. و الظاهر أنه عليه قرأ الفلسفة، لأن هذا الشيخ من أساتذة الفلسفة المعروفين الذين تنتهي تلمذتهم في ذلك العصر إلى المولى صدر الدين الشيرازي صاحب الأسفار.

و كفى أن من تلاميذه المولى محراب، الإلهي المعروف، الذي طورد لقوله‏

6

بوحدة الوجود، و لما جاء إلى إحدى العتبات المقدسة متخفيا. وجد في الحرم شيخا ناسكا يسبح بلعن ملا صدرا و ملا محراب، و لما سأله عن السبب في لعنهما قال: لأنهما يقولان (بوحدة واجب الوجود) ، فقال له ساخرا:

إنهما حقا يستحقان منك اللعن! و درس أيضا شيخنا المترجم له-و الظاهر أن ذلك في أصفهان أيضا- على العالمين الكبيرين: الشيخ محمد بن الحكيم العالم الحاج محمد زمان، و الشيخ محمد مهدي الهرندي. و هما من أساتذة الفلسفة على ما يظهر.

و لا شك أنه انتقل إلى كربلاء و النجف، فدرس على الأعلام و الثلاثة:

الوحيد البهبهاني الآتي ذكره-و هو آخر أساتذته و أعظمهم، و تخريجه كان على يديه-و الفقيه العالم صاحب الحدائق الشيخ يوسف البحراني المتوفى 1186، و المحقق الجليل الشيخ مهدي الفتوني المتوفى 1183.

فجملة أساتذته سبعة، سماهم ولده في بعض إجازاته على ما نقل عنه بـ (الكواكب السبعة) . و هم خيرة علماء ذلك العصر، و على رأسهم الآفاة الوحيد أستاذ الأساتذة.

و لما فرغ هذا الشيخ من التحصيل في كربلا، رجع إلى بلاده و استقام فى كاشان. و هناك أسس له مركزا علميا تشد إليه الرحال، بعد أن كانت كاشان مقفرة من العلم و العلماء، و استمرت بعده على ذلك مركزا من مراكز العلم في إيران، و ليس لدينا ما يشير إلى تأريخ انتقاله إلى كاشان.

و رجع إلى العراق، و توفي في النجف الأشرف و دفن فيها. و الظاهر أن مجيئه هذا كان-و كان معه ولده-بعد أستاذه الوحيد، جاء لزيارة المشاهد المقدسة فتوفي، أما ولده فقد بقي بعده ليدرس العلم على أعلامه يومئذ، كبحر العلوم، و كاشف الغطاء.

7

عصره‏

يمضي القرن الثاني عشر للهجرة على العتبات المقدسة في العراق، بل على أكثر المدن الشيعية في إيران التي فيها مركز الدراسة الدينية العالية -كإصفهان و شيراز و خراسان-و تطغى فيه ظاهرتان غريبتان على السلوك الديني: الأولى: النزعة الصوفية التي جرّت إلى مغالاة فرقة الكشفية.

و الثانية: النزعة الأخبارية.

و هذه الأخيرة خاصة ظهرت في ذلك القرن قوية مسيطرة على التفكير الدراسي، و تدعو إلى نفسها بصراحة لا هوادة فيها، حتى أن الطالب الدينى في مدينة كربلا خاصة أصبح يجاهر بتطرفه و يغالي، فلا يحمل مؤلفات العلماء الأصوليين إلا بمنديل، خشية أن تنجس يده من ملامسة حتى جلدها الجاف، و كربلا يومئذ أكبر مركز علمي للبلاد الشيعية.

و في الحقيقة أن هذا القرن يمر و الروح العلمية فاترة إلى حد بعيد، حتى أنه بعد الشيخ المجلسي صاحب البحار المتوفى في أول هذا القرن عام 1110، لم تجد واحدا من الفقهاء الأصوليين من يلمع اسمه و يستحق أن يجعل في الطبقة الأولى، أو تكون له الرئاسة العامة، إلا من ظهر في أواخر القرن كالشيخ الفتوني الجليل في النجف المتوفى 1183، ثم الشيخ آقا الوحيد البهبهاني في كربلا المتوفى 1208، الذي تم على يديه تحول العلم إلى ناحية جديدة من التحقيق.

و هذا الفتور العلمي، و طغيان نزعة التصوف من جهة، و نزعة الأخبارية من جهة أخرى في هذا القرن بالخصوص، مما يدعو إلى التفكير و العجب، و ليس بأيدينا من المصادر ما يكفي للجزم بأسباب ذلك. و أغلب الظن أن أهم الأسباب التي نستطيع الوثوق بها هو الوضع السياسي و الاجتماعي‏

8

اللذان آلت إليهما البلاد الإسلامية في ذلك القرن، من نحو التفكك و اختلال الأمن في جميع أطراف البلاد، و الحروب الطاحنة بين الأمراء و الدول، لا سيما بين الحكومتين الإيرانية و العثمانية، و بين الإيرانية و الأفغانية، تلك الحروب التي اصطبغت على الأكثر بصبغة مذهبية. و هذا كله مما يسبب البلبلة في الأفكار و الاتجاهات، و ضعف الروح العامة المعنوية.

فأوجب ذلك من جهة ضعف ارتباط رجال الدين بالحياة الواقعية، و السلطان الزمنية. و يدعو ذلك عادة إلى الزهد المغالي في جميع شئون الحياة، و اليأس من الإصلاح. فتنشأ هنا نزعة التصوف، و تتخذ يومئذ صرحا علميا على انقاض الفلسفة الإشراقية الإسلامية المطاردة المكبوتة، التي سبق أن دعا لها أنصار أقوياء، كالمولى صدر الدين الشيرازي المتوفى عام 1050، و أضرابه و أتباعه، مع المغالاة في أفكارها. و ساند طريقة التصوف مبدئيا أن السلطة الزمنية في إيران-و هي (سلطة الصفويين) - قامت على أساس الدعوة إلى التصوف. و ظلت تؤيدها و تمدها سرا.

و من جهة أخرى يحدث رد فعل لهذا الغلو، فينكر على الناس أن يركنوا إلى العقل و تفكيره، و يلتجأ إلى تفسير التعبد بما جاء به الشارع المقدس بمعنى الاقتصار على الأخبار الواردة في الكتب الموثوق بها في كل شي‏ء و الجمود على ظواهرها. ثم يدعو الغلو بهؤلاء إلى ادعاء أن كل تلك الأخبار مقطوعة الصدور على ما فيها من اختلاف. ثم يشتد بهم الغلو.

فيقولون بعدم جواز الأخذ بظواهر القرآن وحده، من دون الرجوع إلى الأخبار الواردة. ثم ضربوا بعد ذلك علم الأصول عرض الجدار، بادعاء أن مبانية كلها عقلية لا تستند إلى الأخبار، و العقل أبدا لا يجوز الركون اليه في كل شي‏ء، ثم ينكرون الاجتهاد و جواز التقليد. و هكذا تنشأ فكرة الأخبارية الحديثة التي أول من دعا إليها أو غالى في الدعوة إليها المولى‏

9

أمين الدين الأسترابادي المتوفى 1033. ثم يظهر آخر شخص لهذه النزعة له مكانته العلمية المحترمة في الفقه هو صاحب الحدائق المتقدم ذكره. و هذا الثاني-و إن كان أكثر اعتدالا من الأول و أضرابه-كاد أن يتم على يديه تحول الاتجاه الفكري بين طلاب العلم في كربلا إلى اعتناق فكرة الأخبارية هذه.

و عند ما وصلت هذه الفكرة الأخبارية إلى أوجها، ظهر في كربلاء علم الأعلام الشيخ الوحيد الآقا البهبهاني، الذي قيل عنه بحق: مجدد المذهب على رأس المائة الثالثة عشرة. فإن هذا العالم الجليل كان لبقا مفوها و مجاهدا خبيرا، فقد شن على الأخبارية هجوما عنيفا بمؤلفاته، و بمحاججاته الشفوية الحادة مع علمائها-و قد نقل في بعض فوائده الحائرية و رسائله نماذج منها- و بدروسه القيمة التي يلقيها على تلامذته الكثيرين الذين التفوا حوله، و على يديه كان ابتداء تطور علم الأصول الحديث، و خروجه عن جموده الذي ألفه عدة قرون، و اتجه التفكير العلمي إلى ناحية جديدة غير مألوفة.

فانكمشت في عصره النزعة الأخبارية على نفسها، و لم تستطع أن تثبت أمام قوة حجته. و تخرّج على يديه جماعة كبيرة من أعلام الأمة، كبحر العلوم، و كاشف الغطاء، و المحقق القمي، و الشيخ النراقي-المترجم له- و أشباههم.

فيبرز شيخنا المترجم له في عنفوان المعركة الأخبارية و الأصولية، و ساحتها كربلا، و في عنفوان معركة الدعوة إلى التصوف، و ساحتها أصفهان على الأكثر، فيكون أحد أبطال هاتين المعركتين، بل أحد القواد الذين رفعوا راية الجهاد بمؤلفاته و تدريسه، و ساعده على ذلك أنه-رحمه اللّه- كان متفننا في دراسة العلوم، و لم يقتصر على الفقه و الأصول و مقدماتهما، فقد شارك العلوم الرياضية، كالهندسة و الحساب و الهيئة، و له مؤلفات فيها

10

سيأتي ذكرها. كما درس الفلسفة، و يظهر أثر تضلعه في الفلسفة في كتابه هذا (جامع السعادات) ، لا سيما في الباب الأول، و في تقسيمه لأبواب الكتاب و فصوله على أساس علمي متقن برّز فيه على كتاب الأخلاق السابقة عليه من هذه الناحية. و سيأتي بيان ذلك.

كما أن تأليف لهذا الكتاب بشعرنا بأمرين:

(الأول) طغيان التصوف من جهة، و طغيان التفكك الأخلاقي عند العامة من جهة أخرى، و أنهما هما اللذان ألجآه إلى أن يرشد الناس إلى الاعتدال في السلوك الأخلاقي المستقى من منابعه الشرعية، فإنه في الوقت الذي يبني كتابه على مبادئ الفلسفة الإشراقية، حارب فيه من طرف خفي نزعة التصوف، و جعل آراءه و دعوته إلى الأخلاق على أساس الذوق الإسلامى الذي يتمثل في الأحاديث النبوية و ما جاء عن آل البيت-عليهم السلام- فهو في وقت واحد هادم و بان، و بهذا يختلف كتابه عن مثل (إحياء العلوم) الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الروح الصوفية، و هي غايته المثلى.

و (الثاني) من الأمرين حسن اختيار صاحب الترجمة، فإنه لم يسبقه أحد من علماء الإمامية-بعد خريت هذه الصناعة ابن مسكويه المتوفى 421، و الشيخ المولى محسن الفيض المتوفى 1091-الى تأليف كتاب كامل في الأخلاق مبني على أساس علمي فلسفي موجود بين أيدينا.

شخصية المترجم له و أخلاقه‏

إن أعاظم الناس و نوابغهم لا تأتيهم العظمة و النبوغ عفوا و مصادفة، من دون قوة كامنة في شخصيتهم أو ملكة راسخة في نفوسهم، هي سر عظمتهم و تفوقهم على سائر الناس. و ما كلمة الحظ في هذا الباب إلا تعبير مبهم عن تلك القوة التي أودعها اللّه تعالى في شخص النابغة. و قد تكون‏

11

تلك القوة مجهولة حتى لشخص صاحبها الذي يتحلى بها، بل على الأكثر هي كذلك، فيندفع العبقري إلى تلك القمة التي خلقت له أو خلق لها بدافع تلك القوة الكامنة اندفاعا لا شعوريا، و إن أعماله الجزئية التي يقوم بها هي شعرية بمحض اختياره.

و تلاحظ قوة شخصية شيخنا المترجم له في صبره و قوة إرادته و تفانيه في طلب العلم، ثم عزة نفسه، و إن كانت هذه الفاظا عامة قد يعبر بها عن كثير من الناس، و يصح التعبير بها بلا كذب و لا خداع، إلا أن للدرجة الخاصة من الصبر و الإرادة و الحب و العزة و نحوها التي بها يمتاز الشخص النابغ تضيق اللغة عن التعبير عنها بخصوصها إلا بهذه الألفاظ العامة الدارجة و تظهر الدرجة الخاصة التي يختص بها صاحبنا من هذه الأمور في ثلاث حوادث منقولة عنه:

(الأولى) -فيما ينقل أنه كان في أيام التحصيل في غاية الفقر و الفاقة -و الفقر دائما شيمة العلماء، بل هو من أول شروط النبوغ في العلم، و هو الذي يصقل النفس فيظهر جوهرا الحقيقي-فكان صاحبنا قد تشتد به الفاقة فيعجز عن تدبير ثمن السراج الذي لا يتجاوز في عصره عن أن يكون من زيت أو شمع، فيدعوه حرصه على العلم إلى الدخول في بيوت في مراحيض المدرسة، ليطالع على سراجها، و لكنه تأبي عزته أن يدع غيره يشعر بما هو فيه، فيوهم الداخلين-بالتنحنح-أنه جالس للحاجة الخاصة. و تتجلى في هذه الحادثة الصغيرة عزة نفسه و قوة إرادته و صبره على طلب العلم بدرجة غير اعتيادية إلا للنوابغ الأفذاذ.

(الحادثة الثانية) -أن أحد الكسبة الذي كان حانوته في طريق المدرسة بكاشان التي كان يسكنها هذا الطالب النراقي، أن هذا الكاسب المؤمن لاحظ على هذا الطالب انه رث الثياب. و كان معجبا به، إذ كان‏

12

يشتري منه بعض الحاجيات كسائر الطلاب، فرأى أن يكسبه تقربا إلى اللّه فهيأ له ملبوسا يليق بشأنه، و قدمه له عند ما اجتاز عليه، فقبله بإلحاح.

و لكن هذا الطالب الأبي في اليوم الثاني رجع إلى رفيقه الكاسب و ارجع له هذا الملبوس قائلا: إني لما لبسته لاحظت على نفسي ضعة لا أطيقها، لا سيما حينما اجتاز عليك، فلم أحد نفسي تتحمل هذا الشعور المؤلم، و ألقاه عليه و مضى معتزا بكرامته.

(الحادثة الثالثة) -فيما ينقل عنه أيضا-و هي أهم من الأولى و الثانية-أنه كان لا يفض الكتب الواردة إليه، بل يطرحها تحت فراشه مختومة، لئلا يقرأ فيها ما يشغل باله عن طلب العلم. و الصبر على هذا الأمر يتطلب قوة إرادة عظيمة ليست اعتيادية لسائر البشر. و يتفق أن يقتل والده (أبو ذر) المقيم في نراق وطنه الأصلي، و هو يومئذ في أصفهان، يحضر على أستاذه الجليل المولى إسماعيل الخاجوئي، فكتبوا إليه من هناك بالنبإ ليحضر إلى نراق، لتصفية التركة و قسمة المواريث و شئون أخرى، و لكنه على عادته لم يفض هذا الكتاب، و لم يعلم بكل ما جرى. و لما طالت المدة على من في نراق، كتبوا له مرة أخرى، و لكن لم يجبهم أيضا. و لما يئسوا منه كتبوا بالواقعة إلى أستاذه المذكور ليخبره بالنبإ و يحمله على المجي‏ء. و الأستاذ في دوره-على عادة الناس-خشي أن يفاجئه بالنبإ، و عند ما حضر مجلس درسه أظهر له-تمهيدا لإخباره-الحزن و الكآبة، ثم ذكر له: أن والده مجروح، و رجح له الذهاب إلى بلاده و لكن هذا الولد الصلب القوى الشكيمة لم تلن قناته، و لم يزد أن دعا بالعافية، طالبا من أستاذه أن يعفيه من الذهاب. و عندئذ اضطر الأستاذ إلى أن يصرح له بالواقع، و لكن الولد أيضا لم يعبأ بالأمر، و أصر على البقاء لتحصيل العلم. إلا أن الأستاذ هذه المرة لم يجد بدا من أن يفرض

13

عليه السفر، فسافر امتثالا لأمره المطاع، و لم يمكث في نراق أكثر من ثلاثة أيام، على بعد الشقة و زيادة المشقة، ثم رجع إلى دار هجرته. و هذه الحادثة لها مغزاها العميق في فهم نفسية هذا العالم الإلهي، و تدل على استهانته بالمال و جميع شئون الحياة في سبيل طلب العلم.

مؤلفاته‏

لشيخنا المترجم له عدة مؤلفات نافعة، تدلّ على قابلية في التأليف و صبر على البحث و التتبع، و على علم غزير. و نحن نعدّ منها ما وصل بحثنا إليه، و أكثر اعتمادنا في تعدادها و بعض أوصافها على كتاب (رياض الجنة) المذكور في مصادر هذه الطبعة:

(في الفقه) :

1- (لوامع الأحكام في فقه شريعة الإسلام) : و هو كتاب استدلالي مبسوط، و قد خرج منه كتاب الطهارة في مجلدين يقرب من (30) ألف بيت.

2- (معتمد الشيعة في أحكام الشريعة) : هو أتم استدلالا و اخصر تعبيرا من كتاب اللوامع السالف الذكر، خرج منه كتاب الطهارة و نبذ من الصلاة و الحج و التجارة و القضاء. قال في الروضات عن الكتابين:

«ينقل عنهما ولده المحقق في المستند و العوائد كثيرا» .

3- (التحفة الرضوية في المسائل الدينية) : في الطهارة و الصلاة، فارسي، يقرب من (10) آلاف بيت.

4- (أنيس التجار) : في المعاملات، فارسي، يقرب من (8) آلاف بيت.

5- (أنيس الحجاج) : في مسائل الحج و الزيارات، فارسي، يقرب‏

14

من (4) آلاف بيت.

6- (المناسك المكية) : في مسائل الحج أيضا، يقرب من ألف بيت.

7- (رسالة صلاة الجمعة) : ذكرها و ما قبلها حفيده (الأستاذ حسن النراقي) في رسالته لنا.

(في أصول الفقه) :

8- (تجريد الأصول) : مشتمل على جميع مسائل الأصول مع اختصاره، يقرب من (3) آلاف بيت. قال عنه في الروضات: «شرحه ولده في مجلدات غفيرة جمة» ، 9- (أنس المجتهدين) : توجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامة بالنجف الأشرف (برقم 408-سجل المخطوطات) ، تقع في 411 صفحة، بخط محمد حسين بن علي نقي البزاز فرغ منها بتأريخ 3 صفر من سنة 1181. و في تقدير رياض الجنة يقرب من (10) آلاف بيت.

10- (جامعة الأصول) : يقرب من (5) آلاف بيت.

11- (رسالة في الإجماع) : يقرب من (3) آلاف بيت.

(في الحكمة و الكلام) :

12- (جامع الأفكار) : في الإلهيات، يقرب من (30) الف بيت قد فرغ من تأليفه سنة 1193، و عليه فليس هو من أوائل مؤلفاته، كما قال عنه صاحب (رياض الجنة) ، و ستجد راموزا للصفحتين الأولى و الأخيرة منه بخط المؤلف، منقولتين عن النسخة التي هي بحرزة أحد أحفاده (الأستاذ حسن النراقي) . و الذي يجلب الانتباه في الصفحة الأخيرة ما ذكره من الحوادث المروعة في الوباء و غبرة التي وقعت في تلك الفترة.

13- (قرة العيون) : في أحكام و الوجود و الماهية، يقرب من‏

15

(5) آلاف بيت، 14- (اللمعات العرشية) : في حكمة الإشراق، يقرب من (25) الف بيت.

15- (اللمعة) : و هو مختصر اللمعات، يقرب من الفي بيت.

16- (الكلمات الوجيزة) : و هو مختصر اللمعة، يقرب من ثمانمائة بيت.

17- (أنيس الحكماء) : في المعقول، و هو من أواخر تأليفاته، لم يتم. احتوى على نبذ من الأمور العامة و الطبيعيات، يقرب من (4) آلاف بيت.

18- (أنيس الموحدين) : في أصول الدين، فارسي، يقرب من (4) آلاف بيت.

19- (شرح الشفا) : في الإلهيات، النسخة الأصلية بخط المؤلف موجودة عند أحد أحفاده (الأستاذ حسن النراقي) .

20- (الشهاب الثاقب) : في الإمامة، في رد رسالة الفاضل البخاري، يقرب من (5) آلاف بيت.

(في الرياضيات) :

21- (المستقصى) : في علوم الهيئة، خرج منه مجلدان إلى مبحث اسناد الحركات. يقرب من (40) ألف بيت، قال عنه في رياض الجنة:

«لم يعمل أبسط و أدق منه في علم الهيئة، و لقد طبق فيه أكثر البراهين الهندسية بالدلائل العقلية، لم يتم» .

22- (المحصل) : كتاب مختصر في علم الهيئة، يقرب من (5) آلاف بيت.

23- (توضيح الإشكال) : في شرح تحرير أقليدس الصوري‏

16

في الهندسة، و قد شرحه إلى المقالة السابعة، فارسي، يقرب من (16) ألف بيت.

24- (شرح تحرير اكرثاذوسنيوس) : يقرب من (3) آلاف بيت.

25- (رسالة في علم عقود الأناقل) : فارسية، تقرب من ألف بيت.

26- (رسالة في الحساب) : ذكرها في روضات الجنات.

(في الأخلاق و المواعظ) :

27- (جامع السعادات) : هذا المطبوع بثلاثة أجزاء-حسب تقسيمنا له-قال عنه في رياض الجنة: «يقرب من (25) ألف بيت» .

و قد طبع في إيران على الحجر سنة 1312 بجزءين، و سيأتي وصفه، و قد تقدم شي‏ء من وصفه. و هذه الطبعة الثلاثة له على الحروف بالنجف الأشرف 28- (جامع المواعظ) : في الوعظ، يقرب من (40) الف بيت لم يتم.

(في المتفرقات) :

29- (محرق القلوب) : في مصائب آل البيت، فارسي، يقرب من (18) ألف بيت، قال عنه في روضات الجنات: «طريف الأسلوب» 30- (مشكلات العلوم) : في المسائل المشكلة من علوم شتى، مطبوع على الحجر بإيران، يشبه بعض الشي‏ء كشكول البهائي. و قد نسج على منواله ولده المحقق في كتابه (الخزائن) المطبوع على الحجر بإيران.

31- (رسالة نخبة البيان) : ذكرها حفيده (الأستاذ حسن النراقي) 32- (معراج السماء) : ذكره أيضا حفيده المذكور.

17
جامع السعادات و علم الأخلاق‏

لا شك أن القدرة على التأليف موهبة من اللّه تعالى فوق موهبة العلم و الفهم، و ليس كل من كان عالما استطاع التأليف.

و التأليف في حد ذاته من أبرز الخدمات التي يؤديها العالم للناس في حياته، و من أعظم الحظوظ للإنسانية، و بسببه استطاعت أن تتقدم على مرور الأجيال. و مع ذلك ليس كل تأليف يعد خدمة للناس و حظا للإنسانية.

و إذا أردنا أن نضع المؤلفات في رفوف حسب قيمتها، فانما في فترات منقطعة تظهر مؤلفات من النوابغ يصح أن نضعها في الرف الأعلى و يصدق عليها بحق أنها مما ينفع الناس، فتمكث في الأرض، و تفرض نفسها للخلود و البقاء إذا سلمت من عوادي الدهر الغاشمة. و من سوء الحظ أن الفراغ لا يزال كثيرا في هذا الرف الأعلى.

و من بين الفترات لا بد أن تبرز في كل علم من المؤلفات هي من حقها أن توضع في الرف الثاني أو ما دونه. و حظها أن تنسج على منوال غيرها لتحييها و تهي‏ء انتهاء الفترة لظهور الأثر الخالد مما يوضع في الرف الأعلى.

و هذه غير العثاء الذي يذهب جفاء، و من حقه أن يلقى في سلة المهملات و ما أكثر هذا النوع الرخيص، لا سيما في عصرنا الحاضر الذي سهلت له الطباعة الاسفاف.

و يجب ألا نغالي في مؤلفات شيخنا النراقي فنضعها في الرف الأعلى، و لكن (جامع السعادات) الذي نقدمه، هو بالخصوص من الآثار الخالدة، و إن لم يكن موضعه هذا الرف الأعلى كسائر الكتب الأخلاقية في الدورة الإسلامية. و لا ندري السر في ذلك، لأن الفترة بعد لم تنته لعلم الأخلاق بخصوصه كيما يظهر الأثر الخالد المنتظر الذي سيكون في الرف الأعلى،

18

أم لأن هذا العلم ليس له تلك الفترات، بل كله في فترة مستديمة ليأس العلماء الأخلاقيين من التأثير على الناس بمجرد التأليف؟! و هذا الثاني هو الأقرب إلى الواقع. و الحق مع الأخلاقيين في يأسهم فإن الأخلاق لا تكتسب بالعلم و قراءة الكتب، و إنما هي صفات و ملكات لا تحصل للإنسان إلا بالتمرينات القاسية و التربية الطويلة، لا سيما في أيام الطفولة و في السن المبكرة قبل أن يفرض في الإنسان أن يكون أهلا للقراءة، و لو كانت قراءة الكتب وحدها كافية لخلق الفضيلة في النفس أو تنميتها لكانت كتب الأخلاق من أثمن ما خلق اللّه و لأغنى البشرية كتاب واحد يفي بذكر الأخلاق الفاضلة، بل لاكتفينا بالقرآن الكريم وحده، أو ينهج البلاغة بعده الذي تريد خطبه و مواعظه أن تصهر الناس في بوتقتها الملتهبة لتخرجهم إبريزا صافيا كصاحبها، و لكن البشرية الظالمة لنفسها بدل أن تنصهر بهذا اللهب تخبو جذوتها و تزيد جمودا علي مساوئها.

و ليس هذا الرأي عن الكتب الأخلاقية فيه شي‏ء من المغالاة على ما اعتقد، إلا أني مع ذلك لا أظلم بعض زمرة صالحة من أهل الفتوة و أرباب القلوب الحية، إذ نجدهم يتأثرون بالكلمة الأخلاقية الموجهة إليهم ممن يعول على قوله، و يتتبعون بإخلاص مجهودات المؤلفين في الأخلاق، ليترسموا خطاهم فيهذبوا أنفسهم.

و من هنا نجد السبيل إلى انصاف الأخلاقيين و إعطاء مؤلفاتهم حقها من التقدير، لنعتقد أنهم لم يعملوا عملا باطلا لا نفع فيه، بل الحق أن له قيمته العظيمة، و كفى أن يتأثر بدعوتهم بعض فتيان كرام بررة. و هذا التأثر على قلته له قيمة معنوية لا توازن بشي‏ء في الدنيا، بل سير الحياة و تقدمها يتوقف مبدئيا على هذا التأثر، و إن كان محدودا. و ما التقدم الاجتماعى الذي يحصل في أمة في بعض الفترات من الزمن إلا نتيجة من‏

19

نتائج هذا التأثر المحدود.

و مع ذلك، فإن تأثير الدعوة الأخلاقية هذا التأثير المحدود لا يأتي من مجرد شحن الكتاب بالنظريات الأخلاقية المجردة. بل لروحية المؤلف أعظم الأثر في اجتذاب قلوب الفتيان الكرام إلى الخير. و من هنا اشترطوا في الواعظ أن يكون متعظا.

و على هذا الأساس ينبغي أن توضع كتب الأخلاق في رفوفها، فليس للنظريات الفلسفية و رصانة التأليف و تركيزه على المبادئ العلمية-في نظر أرباب القلوب-تلك الأهمية الأخلاقية التي تعلق عليها. و لا تقاس بالأثر الأخلاقي الذي يحصل من روحية المؤلف و مقدار تأثره هو بأقواله، و ما كانت شهرة (مجموعة ورام) ، و ما كانت أهميتها إلا لأنها ناشئة من قلب صادق، ذلك قلب الأمير الزاهد الإلهي (الشيخ ورام ابن أبي فراس المالكي الأشتري) ، و ليس فيها صفة علمية أو فنية تقضي بهذا الاهتمام.

و من العجيب أن قلب الرجل الأخلاقى يبرز ظاهرا على قلمه في مؤلفاته، فتلمسه في ثنايا كلماته. و بالعكس ذلك الذي لا قلب له، فإنك لا تقرأ منه إلا كلاما جافا لا روح فيه، مهما بلغت قيمته في حساب النظريات الفلسفية.

و في نظري أن قيمة (جامع السعادات) في الروح المؤمنة التي تقرأها في ثناياه أكثر بكثير من قيمته العلمية. و إني لأتحدى قارئ هذا الكتاب إذا كان مستعدا للخير أن يخرج منه غير متأثر بدعوته، و هذا هو السر في إقبال الناس عليه و في شهرته، على أنه لا يزيد من ناحية علمية على بعض الكتب المتداولة التي لا نجد فيها هذا الذوق و الروحانية. و الكتاب نفسه يكشف لنا عن نفسية المؤلف، و ما كان عليه من خلق عال و إيمان صادق.

و إني لأؤمن إيمانا لا يقبل الشك: أن انتشار هذا الكتاب بين الناس‏

20

في هذا العصر سيكون له أثره المحسوس في توجيه أمتنا نحو الخير، بعد أن نفدت طبعته الأولى و عزت نسخته، و لا سيما أن خطباء المنابر-فيما اعتقد- ستكون لهم الحصة الوافرة في التأثر به و نقل تأثرهم إلى سواد الأمة الذين هم المعول عليهم في نهضتنا الأخلاقية المقبلة.

و هذا ما دفعني-و اللّه هو الشاهد علي-إلى السهر على تصحيح الكتاب و تدقيقه، ليخرج بهذه الحلقة، و إن كانت ظروفي الخاصة كادت أن تحول دون التفرغ له، لو لا أني توكلت على اللّه و وطنت نفسي على تجاهلها و إهمال كثير مما يجب العناية به، و الحمد للّه على توفيقه.

النواحي الفنية في الكتاب‏

من أهم ما يؤاخذ به كتابنا هذا، اعتماده على المراسيل في الأحاديث، و تسجيل كل ما يرى أمامه من المنقولات: غثها و سمينها، من دون إشارة إلى التمييز و لا إلى المصادر، حتى نقل كثيرا عن إحياء العلوم. و تعمد النقل عن مثل جامع الأخبار و مصباح الشريعة، اللذين يشهد أسلوبهما على وضع أكثر ما فيهما. و قد وجدنا صعوبة كبيرة في العثور على جملة من مصادر هذه المنقولات لتصحيحها، و قد يستغرق البحث للعثور على مصدر خبر واحد أياما، كما قد يذهب البحث سدى. و ما كان يهمنا من الرجوع إلى المصادر إلا تصحيح المنقولات لا إثبات مصادرها، فلذلك لا نشير في الحاشية إلى المصدر إلا إذا وجدنا اختلافا في نصه في النسخ، فنقول:

صححناه على كذا مصدر. و بهذه المناسبة لا بد من الاعتراف بالجميل، فنذكر الأستاذ الفاضل السيد عبد الرزاق المقرم بالشكر لما أعاننا عليه من الفحص عن بعض الروايات.

و الذي يهون الخطب في هذه المؤاخذة-على أن لها قيمتها الفنية-

21

أنها لا تختص بهذا الكتاب وحده من بين كتب الأخلاق الإسلامية، بل هذا ديدنها، و كأن همّ أصحابها من الاستشهاد بالمنقولات نفس أداء الفكرة فإذا كانت بحسب نظرهم صحيحة مقبولة في نفسها فلا يجب عندهم أن يكون الحديث الذي يتضمنها صحيحا مقبولا في عرف أهل الحديث، فإذا قال المحدث: «قال النبي و الإمام كذا» ، يعني بذلك أن هذا القول ثابت بالنقل الصحيح الموثوق به، و إلا فيقول «روى عنه كذا» أو ما يشبه ذلك أما الأخلاق فلا يعني بذلك القول إلا أنه مروي عنه بأي طريق كان.

و لعل لهذا التسامح عذرا مقبولا في مذهبهم على ما قدمنا، لو لم تكن فيه إساءة إلى أمانة النقل في أهم تراث إسلامي ديني، في حين كان من الممكن تحشيها بقليل من التحقيق و البحث، على أن في الثابت الصحيح عن آل البيت-عليهم السلام-ما فيه الكفاية للإمام بنواحي الأخلاق المطلوبة، و ما في (الكافي) كاف وحده في هذا الباب. و كنا نتمنى -أثناء التصحيح-على صاحب كتابنا هذا ألا يتبع هذه العادة عند الأخلاقيين، فيزيد على فائدته الأخلاقية فائدة أخرى في تحقيق الأحاديث الصحيحة.

اما أسلوب الكتاب الأدبي، فهو يمثل إلى حد ما عصره الذي ضعفت فيه اللغة إلى حد كبير، بالرغم على أن الفلاسفة الإشراقيين اشتهروا في تلك العصور بحسن البيان و قوة الأسلوب، لا سيما في العصر السابق على عصر المؤلف، كالسيد الداماد العظيم المتوفى 1041، و تلميذه النابغة الجليل المولى صدر المتقدم ذكره، حتى كان يسمى الأول: أمير البيان، و لعل الثاني أحق بهذا اللقب. غير أن صاحبنا لا يحسب في عداد الفلاسفة و إن ارتشف من منهلهم. على أنه كان يقتبس كثيرا نص عبارات غيره استراحة إليها.

و هذه سنة مستساغة عند المؤلفين الأخلاقيين، و كأن كتبهم يجدونها مشاعة

22

بين الجميع، أو لأن همهم أداء الفكرة كما كان عذرهم في مراسيل الأحاديث.

و بهذه المناسبة نقول: إنا وجدنا أثناء تصحيح الكتاب كثيرا من الألفاظ و العبارات مما لم نجد له مسوغا من اللغة العربية، ككلمة (القادسة) و (الهلاكة، ففضلنا أن نبقيها على ما وجدناها، حرصا على أمانة النقل، و أهملنا التنبيه عليها، و مثل كلمة (سيما) فضلنا أن نصححها و نضع كلمه (لا) بين قوسين إشارة إلى زيادتها منا.

و إذا كانت أمانة النقل هي العذر لنا في ذلك، فهي التي تقضي علينا أن نصرح أن عناوين الكتاب على الأكثر هي من وضعنا لا من وضع المؤلف.

و أما أسلوبه العلمي، فقد بناه مؤلفه من أوله إلى آخره على نظرية الوسط و الأطراف في الأخلاق، تلك النظرية الموروثة من الفلسفة اليونانية و قد بحث عنها المؤلف في (الجزء الأول ص 59) . و ليس من حقنا أن نناقشها، و لا يمتاز بها هذا الكتاب وحده، فإن شأنه في الاعتماد على هذه النظرية الأساسية شأن ساير كتب الأخلاق الإسلامية العلمية.

و لكن الذي امتاز به كتابنا-بعد أن بحث مؤلفه بحثا فلسفيا متوسطا عن النفس و قواها، و الخير و السعادة، و الفضائل و الرذائل، في البابين الأول و الثاني، كما صنع أسلافه-أن جعل أساس تقسيمه للكتاب على القوى الثلاث: العاقلة و الشهوية و الغضبية، و معللا ذلك بأن «جميع الفضائل و الرذائل لا تخرج عن التعلق بالقوي الثلاث» (1-66) . و ذكر لكل قوة ما يتعلق بها من أجناس الفضائل و الرذائل منفردة و منضمة إلى الأخرى ثم ذكر أنواعها، و استقصى ذكر الأنواع، مطبقا على كل نوع نظرية الوسط و الأطراف، فجاء في استقصائه و إلحاقه كل فضيلة و رذيلة بالقوة التي تتعلق بها، بما لم يجي‏ء به غيره و لم بسبقه إليه أحد فيما نعلم، و هو نفسه ادعى

23

ذلك فقال: «ان احصاء الفضائل و الرذائل و ضبطهما، و إدخال البعض في البعض، و الإشارة إلى القوة الموجبة لها على ما فصلناه، مما لم يتعرض له علماء الأخلاق» (1-71) .

و هذه أهم ناحية فنية في الكتاب، و فتح جديد في تحقيق منشأ حدوث خلق الفضيلة و الرذيلة، لو اتفق لغيره أن يترسم خطاه، و يتم ما فتحه من هذا الباب من التحقيق، لتقدم على يديه علم الأخلاق كبيرا. و على أساس تحقيقه هذا أسقط فضيلة العدالة من حسابه، فلم يجعلها جنسا مقابلا لأجناس الفضائل الثلاث الأخرى، و هي الحكمة و العفة و الشجاعة، باعتبار أن العدالة جامعة لجميع الكمالات بأسرها، لا أنها في مقابلها، و قد فصل هذا الرأي في الباب الثاني، و لا أظن أحدا يقره عليه، و لا يثبت أمام النقد. و لكن هذه المقدمة تضيق عن مثل هذه الأبحاث الدقيقة، كما تضيق عن مقارنة هذا التأليف بالمؤلفات الأخلاقيه الأخرى. و قصدنا أن هذا التقسيم من المؤلف، و إرجاع الفضائل و الرذائل إلى أسبابها، و جعل مواضيع الأبحاث تلك القوى، و إحصاء أنواع الأخلاق بنوعيها و لوازمها، كل ذلك مستجد و هي طريقة علمية امتاز بها الكتاب.

تصحيح الكتاب و مراجعه‏

وعدت الأخ الفاضل الألمعي السيد محمد كلانتر، ناشر الكتاب و ملتزمه تصحيحا و تعليقا-جزاه اللّه خير ما يجزى العاملون-: على الاشتراك معه و إعانته على تدقيق و تحقيق هذا السفر الجليل و تصحيحه أيضا عند الطبع، إذا توفق لتهيئة ما يلزم لطبعه، و ذلك قبل سنتين. و شاء التوفيق أن يحقق هذه الأمنية، فلم أجد للتخلي عن الوفاء بالوعد سبيلا مهما كلفني الأمر.

24

و يعجبني من هذا الرجل صبره و جلده على المشاق في سبيل نشره، باعتباره أحد الكتب التي يجب إحياؤها في هذا العصر، و هذا منه أحد شواهدي على تأثر الفتيان الكرام الأبرار بهذا السفر الأخلاقي. و قد شاهدت صبره لأول مرة في إيران في صيف العام الماضي، لما اشترك هو و العلامة الأخ بالروح الشيخ محمد شيخ الشريعة، في تصحيح قسم من الكتاب على النسخة المخطوطة الآتي ذكرها في المراجع رقم 2 إلى حد ص 176 من الجزء الأول من هذا المطبوع، فأودعا في التعليقة آراءهما القيمة في تحقيقه و تصحيحه. و لئن عدنا في التصحيح من أوله لما استقبلت المطبعة النسخة للطبع، فإنا اعتمدنا كثيرا على تلك التحقيقات القيمة الماضية.

و لا ننسى أن نذكر أن للنسخة المطبوعة في إيران على الحجر، فيها من التحريف و التصحيف ما يذهب بالاطمئنان إليها، و يشوه المقصود و المعنى. و من الغريب أن نجد التحريف حتى في الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة. أما تذكير المؤنث و تأنيث المذكر، و تشويه الإملاء و التبويب، فهذه أمور حدّث عنها و لا حرج. و يكفي أن تقارن صفحة واحدة منها بمطبوعنا، لتعرف أي مجهود بذل للتصحيح و الإخراج، و تجد العناية على كل سطر منه، بل كل كلمة.

و من سوء الحظ، أن النسخة المخطوطة المرجع رقم (2) لم تكن أكثر حظا في الصحة من أختها المطبوعة. و هذا ما دعانا إلى أن نرجع إلى كتب أخرى تمتّ بالموضوع بصلة لتحقيق الكتاب، كالكتب الأخلاقية و كتب الحديث. و أكثر ما كان يعنينا تصحيح الأحاديث الشريفة بالرجوع إلى مصادرها الذي جشمنا بحثا مضنيا كان يستغرق أكثر أوقاتنا، و قد نذكر أحيانا في التعليقة المصدر المرجوع إليه، و على الأكثر لا نذكر المرجع إلا عند ما يكون مخالفا لنسخ الكتاب. و يحسن الآن أن نذكر أهم المراجع‏

25

التي اعتمدنا عليها لتصحيح الكتاب، و هي:

1-النسخة من الكتاب-المشار إليها آنفا-المطبوعة على الحجر بإيران سنة 1312.

2-النسخة المخطوطة منه التي تفضل بها شيخنا الحجة الشيخ محمد محسن الشهير بـ (آغا بزرگ) مؤلف الذريعة، و قد نسخت سنة 1208. و نعبر عنها في التعليقة بـ (نسختنا الخطية) . 3-النسخة المخطوطة منه في مكتبة سپه سالار بطهران. و لا يحضرنا الآن تأريخ نسخها و رقمها في المكتبة. و قد قوبلت النسخة إلى حد صفحة 176 من الجزء الأول.

4-النسخة المطبوعة، التي يملكها الخطيب السيد جواد شبر، و فيها بعض التقييدات و التصحيحات.

5-إحياء العلوم-للشيخ أبي حامد الغزالي.

6-إحياء الإحياء-المجلد الرابع المطبوع في إيران على الحجر سنة 1326، للشيخ المولى محسن الفيض الكاشاني.

7-نسخة أصول الكافي-المخطوطة سنة 1103، في مكتبة منتدى النشر برقم (446) ، و هي نسخة ظاهر عليها التصحيح و دقة المقابلة على نسخ صحيحة.

8-نسخة أصول الكافي-المخطوطة التي تحت تصرفنا.

9-فروع الكافي-المطبوع بالحجر سنة 1315، و هو من المطبوعات الحجرية الصحيحة، 10-الوسائل-المطبوعة سنة 1323، المعروفة بطبعة عين الدولة.

11-البحار-المجلد 15 بجميع أجزائه الأربعة، المطبوع على الحجر.

12-كنز العمال-المطبوع بحيدرآباد دكن سنة 1312.

26

13-مستدرك الوسائل-للشيخ المحدّث النوري، المطبوع على الحجر سنة 1319.

14-الوافي-للشيخ المولى محسن الفيض، المطبوع على الحجر سنة 1325. و هو من المطبوعات الحجرية الصحيحة.

15-سفينة البحار-المطبوع على الحجر بالنجف الأشرف سنة 1352 للمحدث الثقة الجليل الشيخ عباس القمي.

16-جامع الأخبار-المطبوع بالهند على الحجر.

17-مصباح الشريعة-المطبوع بالهند على الحجر، و هذه غير المراجع التي رجعنا إليها نادرا: كمجموعة الشيخ ورام، و الحقائق للفيض، و مجمع البحرين للشيخ فخر الدين الطريحي، و نهاية ابن الأثير... و نحوها كثير لا فائدة في إحصائه. و هذه المراجع هي التي روجعت لتصحيح أجزاء الكتاب، و اللّه تعالى هو الموفق للصواب.

و يجب ألا ننسى في الختام شكر الشيخ عبد الهادي الأسدي على جهوده التي بذلها في تصحيح الكتاب عند الطبع، و الاشتراك في مقابلة النسخة الأصلية و تدقيقها، جزاه اللّه خير ما يجزي العالمين.

النجف الأشرف محمد رضا المظفر 20 رجب 1368 ه

27

مقدمة المصحح‏

مراجع البحث في الترجمة:

1- (روضات الجنات) : للسيد محمد باقر الخوانساري، المطبوع بإيران على الحجر سنة 1316، 2- (الروضة البهية) : للسيد محمد شفيع الحسيني، المطبوع بإيران على الحجر.

3- (أعيان الشيعة) : للسيد محسن الأمين-الطبعة الأولى-في ترجمة الشيخين: أحمد النراقي و إسماعيل الخاجوئي.

4- (مستدرك الوسائل) : -الجزء الثالث-للمحدث ميرزا حسين النوري.

5- (الذريعة) : للشيخ محمد محسن الشهير بآغا بزرگ الطهراني.

6- (الاسناد المصفي) : له أيضا. المطبوع بالنجف الأشرف سنة 1356.

7- (رياض الجنة) : المخطوط، للسيد حسن الزنوزي المعاصر للمؤلف، و من تلامذة الوحيد البهبهاني، نسخة منه محفوظة بخزانة الحاج حسين آغا ملك العامة بطهران تحت رقم (4380) . و قد اعتمدنا عليها في تجديد النظر في الترجمة سنة 1383، على ما نقله لنا عنها مكاتبة أحد أحفاد المترجم له (الأستاذ حسن النراقي) . و أكثر ما اعتمدنا على هذا المصدر في تعداد مؤلفات المترجم له.

8- (قصص العلماء) : للميرزا محمد بن سليمان التنكابني، المطبوع على الحجر بطهران.

28

ملاحظة:

في سفرتي الأخيرة إلى إيران في العام الماضي-لأمور تخص:

(جامعة النجف الدينية) -التقيت مع الأخ الأستاذ (حسن النراقي) -دام ظله-من أحفاد المؤلف-قدس سره-، جرى الحديث معه حول شيخنا المؤلف و عظمته.

فأراني الأخ النراقي نموذجا من خطوط المؤلف الرّاقية، فجذبني حسن الخط و روعته، و لا سيما تلكم الصفحات من كتاب.

(جامع الأفكار و ناقد الأنظار) ففكرت في طبع نموذج الصفحة الأولى و الأخيرة من الكتاب المذكور تثبيتا لعظمة ناحية أخرى من نواحي حياة المؤلف المليئة بجلائل الفنون الروائع. و قد أبدى الأستاذ النراقي موافقته على ذلك في اطار من التبجيل الصادق و الأدب... مما يخص نفسيته الواسعة.

فشكرا له و تقديرا.

السيّد محمد كلانتر

29

نموذج الصحفة الأولى من كتاب (جامع الأفكار و ناقد الأنظار) بخط المؤلف (قده)

30

(جامع الافكار و ناقد الأنظار)

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي دل على ذاته بذاته و تجلى لخلقه ببدايع مصنوعاته، أظهر من عجائب قدرته ما حير ثواقب العقول و الأفهام، و أبرز من غرائب عظمته ما بهر نوافذ المدارك و الأوهام خرق علمه باطن غيب السترات و أحاط بغموض عقائد السريرات، و الصلاة على مهابط المعارف و الأسرار و وسائط الفيوضات و الأنوار، من الأنبياء المكرمين الأخيار و خلفائهم الراشدين الأطهار.

و بعد فيقول أضعف المحتاجين: مهدي بن أبي ذر النراقي-نور اللّه قلبه بنور اليقين و جعله من الصادقين المقربين-: هذا يا إخواني ما أردتم من أصول المعارف الحقيقية و جوامع العقائد اليقينية: من العلم باللّه و صفات كماله و معرفة أسمائه و نعوت جلاله، و ما يتلوهما من المباحث الإلهية العالية و المطالب الحقة المتعالية مما يرتقى به إلى منازل الأخيار و يعرج به إلى عوالم العقول و الأنوار، و يتوجه به إلى شطر كعبة الملكوت و يسلك به إلى صقع عالم الجبروت. و قد بعث اللّه السفراء لأجله، و انعقد إجماع الأمة على وجوب أخذه، فيلزم على الكل حمله و لا يسع لأحد جهله، و أسأل اللّه أن يجعله خالصا لوجهه و يحرسه عن غير أهله، و لاشتماله على جمع الأفكار الإلهية و نقدها، سيما ما تعلق بالشرح الجديد للتحريك من الحواشي، و سميته بـ (جامع الأفكار و ناقد الأنظار) و رتبته على مقدمات و مقالات.

المقدمة الأولى-في إبطال ترجح المساوي و المرجوح و ترجيحهما.

بيان الأول: أن معنى المساوات كون شيئين في مرتبة واحدة بالنظر إلى ثالث، و معنى المرجوحية كون الشيئين أحدهما أبعد من الآخر، و الراجحية كونه أقرب منه، فلو ترجح المساوى أو المرجوح لزم التناقض.

31

نموذج الصفحة الأخيرة من كتاب (جامع الأفكار و ناقد الأنظار) بخط المؤلف (قده)

32

و بعد ما ثبت أن الواجب-سبحانه-صرف الوجود و محض الوجود و ليس فيه نقص و لا ممازجة، و أنه ليس جسما و جسمانيا، ثبت معه نفي التحيز و الجهة و الحلول و الاتحاد و الألم و اللذة المزاجية عنه سبحانه، و بذلك تم مباحث الصفات السلبية، و هو آخر ما أردنا إيراده في هذا الكتاب و الحمد للّه على تأييده على الإتمام، و الصلاة على سيد الأنام و على عترته امناء الإسلام و وقع إتمامه في أول يوم من شهر ربيع الأول من سنة 1193 -ثلاث و تسعين و مائة بعد الألف من الهجرة المباركة النبوية-و قد كان ذلك عند تراكم الهموم و الأحزان و تفاقم الغموم و الأشجان، و فرط الملال و ضيق البال، من هجوم المصائب و المحن و تواتر النوائب و الفتن، من ابتلائنا أولا في بلدة كاشان-حماها اللّه عن طوارق الحدثان-بالزلازل الهائلة المفزعة و الرجفات المزعزعة المزعجة، و انهدام جميع الأبنية و المساكن و جلّ البيوت و المواطن، و هلاك كثير من الأصدقاء و الأحباب و ذهاب غير واحد من الأحبة و الأصحاب، ثم ابتلائنا بالأمراض الشديدة الغريبة و الأسقام الوبائية العجيبة، بعد ارتحالنا لعدم السكنى و غيره من اختلال الأمور إلى بعض القرى، و احتراق فؤادي بذهاب بعض أولادي الذي تقر به عيني في ظلمات الأحزان و الهموم و يسكن اللّه قلبي عند اضطرابه من هجوم الأشجان و الغموم ثم وقوعنا في الداهية العظمى و الفتنة الكبرى: أعني موت السلطان و وقوع الاضطراب و الوحشة بين أهل إيران. فأحمد اللّه على السراء و الضراء و الشدة و الرخاء و العافية و البلاء، و نسأله أن يكون ذلك آخر الرزايا و المصائب و خاتمة البلايا و النوائب، و أن يصلح جميع أمور المسلمين بمحمد و آله سادات الخلق أجمعين. 2

33

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

مقدمة المؤلف‏

الحمد للّه الذي خلق الإنسان، و جعله أفضل أنواع الأكوان، و صيره نسخة لما أوجده من عوالم الإمكان، أظهر فيه عجائب قدرته القاهرة، و أبرز فيه غرائب عظمته الباهرة، ربط به الناسوت باللاهوت، و أودع فيه حقائق الملك و الملكوت، خمّر طينته من الظلمات و النور، و ركب فيه دواعي الخير و الشرور، عجنه من المواد المتخالفة، و جمع فيه القوى و الأوصاف المتناقضة، ثم ندبه إلى تهذيبها بالتقويم و التعديل، و حثه على تحسينها بعد ما سهل له السبيل، و الصلاة على نبينا الذي أوتي جوامع الحكم، و بعث لتتميم محاسن الأخلاق و الشيم، و على آله مصابيح الظلم، و مفاتيح أبواب السعادة و الكرم صلى اللّه عليه و عليهم و سلم.

أما بعد فيقول طالب السعادة الحقيقية (مهدي بن أبي ذر النراقي) بصّره اللّه بعيوب نفسه، و جعل يومه خيرا من أمسه: إنه لا ريب في أن الغاية من وضع النواميس و الأديان، و بعثة المصطفين من عظماء الإنسان، هو سوق الناس من مراتع البهائم و الشياطين، و إيصالهم إلى روضات العليين،

34

و ردعهم عن مشاركة أسراء ذل الناسوت، و مصاحبة قرناء جب الطاغوت إلى مجاورة سكان صقع الملكوت، و مرافقة قطان قدس الجبروت، و لا يتيسر ذلك إلا بالتخلي عن ذمائم الأخلاق و رذائلها، و التحلي بشرائف الصفات و فضائلها، فيجب على كل عاقل أن يأخذ أهبته، و يبذل همته في تطهير قلبه عن أوساخ الطبيعة و أرجاسها، و تغسيل نفسه عن أقذار الجسمية و أنجاسها قبل أن يتيه في بيداء الشقاق، و يهوي في مهاوي الضلالة و الهلاكة، و يصرف جده و يجتهد جهده في استخلاص نفسه عن لصوص القوى الأمارة ما دام الاختيار بيده، إذ لا تنفعه الندامة و الحسرة في غده.

ثم لا ريب في أن التزكية موقوفة على معرفة مهلكات الصفات و منجياتها، و العلم بأسبابها و معالجاتها، و هذا هو الحكمة الحقة التي مدح اللّه أهلها، و لم يرخص لأحد جهلها، و هي الموجبة للحياة الحقيقة، و السعادة السرمدية، و التارك لها على شفا جرف الهلكات، و ربما أحرقته نيران الشهوات.

و قد كان السلف من الحكماء يبالغون في نشرها و تدوينها. و جمعها و تبيينها، على ما أدت إليه قوة أنظارهم، و أدركوه بقرائحهم و أفكارهم.

و لما جاءت الشريعة النبوية «على صادعها ألف صلاة و تحية» حثت على تحسين الأخلاق و تهذيبها، و بينت دقائقها و تفصيلها بحيث اضمحل في جنبها ما قرره أساطين الحكمة و العرفان، و غيرهم من أهل الملل و الأديان، إلا أنه لما كان ما ورد منها منتشرا في موارد مختلفة، و متفرقا في مواضع متعددة، تعسّر أن يحيط به الجل فلا بد من ضبطه في موضع واحد ليسهل تناوله للكل، فجمعت في هذا الكتاب خلاصة ما ورد من الشريعة الحقة مع زبدة ما أورده أهل العرفان و الحكمة على نهج تقرّ به أعين الطالبين، و تسر به أفئدة الراغبين.

35

و نذكر أولا بعض المقدمات النافعة في المطلوب ثم نشير إلى أقسام الأخلاق، و مبادئها من القوى و نضبطها بأجناسها و أنواعها و نتائجها و ثمراتها ثم إلى المعالجة الكلية لذمائم الأخلاق و الجزئية لكل خلق مذموم، مما له اسم مشهور، و ما ينشأ عنه من الأفعال المذمومة، و في تلوه نذكر ضده المحمود، و ما يدل على فضله عقلا و نقلا، لأن العلم بفضيلة كل خلق و المداومة على آثاره أقوى علاج لإزالة ضده، و لا نتابع القوم من تقديم الرذائل بأسرها على الفضائل، بل نذكر أولا ما يتعلق بالقوة العقلية من الفضائل و الرذائل على النحو المذكور، ثم ما يتعلق بالغضبية، ثم ما يتعلق بالشهوية، ثم ما يتعلق باثنتين منها أو ثلاث، لأن ذلك أدخل في ضبط الأخلاق، و معرفة أضدادها، و العلم بمبادئها و أجناسها، و هو من أهم الأمور لطالبي هذا الفن.

و ما تعرضت لتدبير المنزل و سياسة المدن، لأن غرضنا في هذا الكتاب إنما هو مجرّد إصلاح النفس و تهذيب الأخلاق، و سميته «بجامع السعادات» و رتبته على ثلاثة أبواب.

36

الباب الأول في المقدمات‏

انقسام حقيقة الإنسان و حالاته بالاعتبار-تجرد النفس و بقاؤها- التذاذ النفس و تألمها-فضائل الأخلاق و رذائلها-الأخلاق الذميمة تحجب عن المعارف-حصول الملكات بتضاعف الأعمال-العمل نفس الجزاء- القول يتجسد الأعمال و الملكات-المضادة بين الدنيا و الآخرة-للجبلة و المزاج دخل في جودة الملكات و رداءتها-حقيقة الخلق و ماهية الملائكة- الأقوال في تبدل الأخلاق و الملكات-شرف علم الأخلاق-تعريف النفس و أساميها باختلاف الاعتبارات-في الإشارة إلى اعتبار مدافعة القوى الأربع-انقهار النفس بتسخير القوة العالية-اختلاف الصفات يوجب اختلاف النفوس-ائتلاف حقيقة الإنسان من الجهات المتقابلة- حقيقة الخير و السعادة-و الجمع بين الأقوال المختلفة فيها-شرائط حصول السعادة-غاية ما يمكن الوصول إليه من السعادة-تقسيم اللذات و الآلام- اللذة في الحقيقة هي العقلية دون الحسية-إيقاظ فيه موعظة و نصيحة- التنبيه على أن الفائت لا يتدارك.

37

فصل (انقسام حقيقة الإنسان و حالاته بالاعتبار)

اعلم أن الإنسان منقسم إلى سر و علن، و روح و بدن و لكل منهما منافيات و ملائمات، و آلام و لذات، و مهلكات و منجبات.

و منافيات البدن و آلامه هي الأمراض الجسمانيه. و ملائماته هي الصحة و اللذات الجسمانية. و المتكفل لبيان تفاصيل هذه الأمراض و معالجاتها هو علم الطب. و منافيات الروح و آلامه هي رذائل الأخلاق التي تهلكه و تشقيه، و صحته رجوعه إلى فضائلها التي تسعده و تنجيه و توصله إلى مجاورة أهل اللّه و مقربيه. و المتكفل لبيان هذه الرذائل و معالجاتها هو (علم الأخلاق) .

ثم إن البدن مادي فإن، و الروح مجرد باق، فإن اتصف بشرائف الصفات كان في البهجة و السعادة أبدا، و إن اتصف برذائلها كان في العذاب و الشقاوة مخلدا، و لا بد لنا من الإشارة إلى تجرده و بقائه بعد خراب البدن ترغيبا للطالبين على السعي في تزكيته و حفظه عن الشقاوة الأبدية.

فصل (في تجرد النفس و بقائها)

لا ريب في تجرد النفس و بقائها بعد مفارقتها عن البدن. أما الأول (و المراد به عدم كونها جسما و جسمانية) فيدل عليه وجوه:

(منها) أن كل جسم لا يقبل صورا و أشكالا كثيرة لزوال كل صورة أو شكل فيه بطريان مثله، و النفس تقبل الصور المتعددة المختلفة من المحسوسات و المعقولات من دون أن تزول الأولى بورود الأخرى، بل كلما قبلت صورة

38

ازدادت قوتها على قبول الأخرى، و لذلك تزيد القوة على إدراك الأشياء بالرياضيات الفكرية و كثرة النظر، فثبت عدم كونها جسما.

و (منها) أن حصول الأبعاد الثلاثة للجسم لا يتصور إلا بأن يصير طويلا عريضا عميقا و حصول الألوان و الطعوم و الروائح له لا يتصور إلا بأن يصير ذا لون و طعم و رائحة و هي تحصل للنفس و قوتها الوهمية بالإدراك من غير أن تصير كذلك، و أيضا حصول بعضها للجسم يمنع من حصول مقابله له، و لا يمنع ذلك في النفس بل تقبلها كلها في آن واحد على السواء.

و (منها) أن النفس تلتذ بما لا يلائم الجسم من الأمور الإلهية و المعارف الحقيقية، و لا تميل إلى اللذات الجسمية و الخيالية و الوهمية، بل تحن أبدا إلى الابتهاجات العقلبة الصرفة التي ليس في الجسم و قواه فيها نصيب، و هذا أوضح دليل على أنها غيرهما، إذ لا ريب في أن ما يحصل لبعض النفوس الصافية عن شواتب الطبيعة من البهجة و السرور بإدراك العلوم الحقة الكلية و الذوات المجردة النورية القدسية، و بالمناجاة و العبادة و المواظبة على الأذكار في الخلوات مع صفاء النيات لا مدخلية للجسم فيها و قواه الخيالية و الوهمية و غيرهما، إذ النفس قد تغفل في تلك الحالة عنها بالكلية، و ربما استغرقت بحيث لا تشعر بالبدن و لا تدري أن لها بدنا فكأنها منخلعة عنه، فهذا يدل على أنها من عالم آخر غير عالم الجسم و قواه، إذ التذاذهما منحصر بالملائمات الجزئية التي تدركها الحواس الظاهرة و الباطنة.

و (منها) أن النفس تدرك الصور الكلية المجردة فتكون محلا لها، و لا ريب في أن المادي لا يكون محلا للمجرد إذ كل مادي ذو وضع قابل للإنقسام، و كون المحل ذا وضع قابل للإنقسام يستلزم أن يكون حاله أيضا كذلك كما ثبت في محله، و المجرد لا يمكن أن يكون كذلك و إلا خرج عن حقيقته، فالنفس لا تكون مادية و إذا لم تكن مادية كانت مجردة لعدم الواسطة.

39

و (منها) أن القوى الجسمية الباطنية لا تكتسب العلوم إلا من طريق الحواس الظاهرة إذ ما لم يدرك الشي‏ء بها لم تتمكن الحواس الباطنة أن تدركه و هذا وجداني و ضروري. و النفس قد تدرك ما لا طريق لشي‏ء من الحواس إلى إدراكه كالأمور المجردة و المعاني البسيطة الكلية، و أسباب الاتفاقات و الاختلافات التي بين المحسوسات، و الضرورة العقلية قاضية بأنه لا مدخلية لشي‏ء من الحواس في إدراك شي‏ء من ذلك.

و أيضا نحكم بأنه لا واسطة بين النقيضين، و هذا الحكم غير مأخوذ من مبادئ حسية إذ لو كان مأخوذا منها لم يكن قياسا أوليا، فمثله مأخوذ من المبادئ الشريفة العالية التي تبني عليها القياسات الصحيحة.

و أيضا هي حاكمة على الحس في صدقه و كذبه و قد تخّطئه في أفعاله و تردّ عليه أحكامه كتخطئته للبصر فيما يراه أصغر مما هو عليه في الواقع أو بالعكس، و فيما يراه مستديرا و هو مربع، أو مكسورا و هو صحيح، أو معوجا و هو مستقيم، أو منكوسا و هو منتصب، أو مختلفا في وضعه الواقعي، و في رؤيته للأشياء المتحركة على الاستدارة كالحلقة و الطوق، و كتخطئته للسمع فيما يدركه في المواضع الصقيلة المستديرة عند الصدى، و للذوق في ادراكه الحلو مرا و مثله، كذا الحال في الشم و اللمس، و لا ريب في أن تخطئة النفس الحواس في هذه الإدراكات و حكمها بما هو المطابق للواقع إنما يكون مسبوقا بالعلم الذي لا يكون مأخوذا من الحس، لأن الحاكم على الشي‏ء أعلى رتبة منه فلا يكون علمه الذي هو مناط الحكم مأخوذا عنه.

و مما يؤكد ذلك أنها عالمة بذاتها و بكونها مدركة لمعقولاتها. و معلوم أن هذا العلم مأخوذ من جوهرها دون مبادئ أخر.

و (منها) أنا نشاهد أن البدن و قواه يضعفان في أفعالهما و آثارهما، و النفس تقوى في إدراكاتها و صفاتها، كما في سن الكهولة، أو يكونان‏

40

قويين في الأفعال مع كونها ضعيفة فيها كما في سن الشباب، فلو كانت جسما أو جسمانيا لكانت تابعة لهما في الضعف و القوة.

(فإن قلت) الإدراك و سائر الصفات الكمالية للنفس يضعف أو يختل بضعف البدن أو اختلاله كما نشاهد في المشايخ و المرضى و تجردها ينافي ذلك.

(قلنا) الضعف أو الاختلال إنما يحدث في الإدراك و الأفعال المتعلقة بالقوي الجسمية، و أما ما يحصل للنفس بجوهرها أو بواسطة القوى الجسمية بعد صيرورته ملكة لها فلا يحصل فيه اختلال و ضعف، بل يصير ظهوره أشد و تأثيره أقوى.

و أما الثاني أعني بقائها بعد المفارقة عن البدن فالدليل عليه بعد ثبوت تجردها أن المجرد لا يتطرق إليه الفساد لأنه حقيقة و الحقيقة لا تبيد كما صرح به المعلم الأول و غيره، و وجهه ظاهر.

فصل (في بيان تلذذ النفس و تألمها)

إذا عرفت تجرد النفس و بقاءها أبدا، فاعلم أنها ملتذة متنعمة دائما أو معذبة متألمة كذلك. و التذاذها يتوقف على كمالها الذي يخصها، و لما كانت لها قوتان: النظرية و العملية، فكمال القوة النظرية الإحاطة بحقائق الموجودات بمراتبها و الاطلاع على الجزئيات غير المتناهية بإدراك كلياتها. و الترقي منه إلى معرفة المطلوب الحقيقي و غاية الكل حتى يصل إلى مقام التوحيد و يتخلص عن وساوس الشيطان و يطمئن قلبه بنور العرفان. و هذا الكمال هو الحكمة النظرية.

و كمال القوة العملية التخلي عن الصفات الردية و التحلي بالأخلاق المرضية ثم الترقي منه إلى تطهير السر و تخليته عما سوى الله سبحانه. و هذا هو الحكمة

41

العملية التي يشتمل هذا الكتاب على بيانها.

و كمال القوة النظرية بمنزلة الصورة و كمال القوة العملية بمنزلة المادة، فلا يتم أحدهما بدون الآخر، و من حصل له الكمالان صار بانفراده عالما صغيرا مشابها للعالم الكبير، و هو الإنسان التام الكامل الذي تلألأ قلبه بأنوار الشهود و به تتم دائرة الوجود.

فصل (في فضائل الأخلاق و رذائلها)

فضائل الأخلاق من المنجيات الموصلة إلى السعادة الأبدية، و رذائلها من المهلكات الموجبة للشقاوة السرمدية، فالتخلي عن الثمانية و التحلي بالأولى من أهم الواجبات. و الوصول إلى الحياة الحقيقية بدونهما من المحالات، فيجب على كل عاقل أن يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق التي هي الأوساط (1)

المثبتة من صاحب الشريعة و الاجتناب عن رذائلها التي هي الأطراف، و لو قصّر أدركته الهلاكة الأبدية، إذ كما أن الجنين لو خرج عن طاعة ملك الأرحام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى الدنيا سويا سميعا بصيرا ناطقا كذلك من خرج عن طاعة نبي الأحكام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى عالم الآخرة كذلك.

وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ

____________

(1) إشارة إلى أن الفضيلة وسط بين رذيلتين و قد دعى الشارع إلى تحصيل الوسط بقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «خير الأمور أواسطها» . و سيأتي شرح المعنى من الوسط و الطرفين.

42

وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (1) .

ثم ما لم تحصل التخلية لم تحصل التحلية و لم تستعد النفس للفيوضات القدسية، كما أن المرآة ما لم تذهب الكدورات عنها لم تستعد لارتسام الصور فيها، و البدن ما لم تزل عنه العلة لم تتصور له إفاضة الصحة، و الثوب ما لم ينقّ عن الأوساخ لم يقبل لونا من الألوان، فالمواظبة على الطاعات الظاهرة لا تنفع ما لم تتطهر النفس من الصفات المذمومة كالكبر و الحسد و الرياء، و طلب الرياسة و العلى و إرادة السوء للأقران و الشركاء، و طلب الشهرة في البلاد و في العباد، و أي فائدة في تزيين الظواهر مع إهمال البواطن، و مثل من يواظب على الطاعات الظاهرة و يترك تفقد قلبه كبئر الحش‏ (2) ظاهرها جص و باطنها نتن، و كقبور الموتى ظاهرها مزينة و باطنها جيفة، أو كبيت مظلم وضع السراج على ظاهره فاستنار ظاهره و باطنه مظلم، أو كرجل زرع زرعا فنبت و نبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه عن أصله فأخذ يجز رأسه و يقطعه فلا يزال يقوى أصله و ينبت، فإن الأخلاق المذمومة في القلب هي مغارس المعاصي فمن لم يطهر قلبه منها لم تتم له الطاعات الظاهرة، أو كمريض به جرب و قد أمر بالطلاء ليزيل ما على ظهره و يشرب الدواء ليقلع مادته من باطنه فقنع بالطلاء و ترك الدواء متناولا ما يزيد في المادة فلا يزال يطلي الظاهر و الجرب

____________

(1) الإسراء الآية 72.

(2) الحش بالفتح أو الضم ثم التشديد و الفتح أكثر من الضم: المخرج و موضع الحاجة و أصله من الحش بمعنى البستان، لأنهم كانوا يتغوطون في البساتين، فلما اتخذوا الكنيف اطلقوا عليها الاسم مجازا، فالمراد هنا من بئر الحش خزانة الكنيف.

43

يتفجر من المادة التي في الباطن.

ثم إذا تخلت عن مساوئ الأخلاق و تحلت بمعاليها على الترتيب العلمي استعدت لقبول الفيض من رب الأرباب، و لم يبق لشدة القرب بينهما حجاب، فترتسم فيها صور الموجودات على ما هي عليها، على سبيل الكلية أي بحدودها و لوازمها الذاتية لامتناع إحاطتها بالجزئيات من حيث الجزئية، لعدم تناهيها، و إن علمت في ضمن الكليات لعدم خروجها عنها، و حينئذ يصير (1) موجودا تاما أبدي الوجود سرمدي البقاء، فائزا بالرتبة العليا، و السعادة القصوى، قابلا للخلافة الإلهية و الرئاسة المعنوية، فيصل إلى اللذات الحقيقية، و الابتهاجات العقلية التي ما رأتها عيون الأعيان، و لم تتصورها عوالي الأذهان.

فصل (الأخلاق الذميمة تحجب عن المعارف)

الأخلاق المذمومة هي الحجب المانعة عن المعارف الإلهية، و النفحات القدسية إذ هي بمنزلة الغطاء للنفوس فما لم يرتفع عنها لم تتضخ لها جلية الحال اتضاحا، كيف و القلوب كالأواني فإذا كانت مملوءة بالماء لا يدخلها الهواء فالقلوب المشغولة بغير اللّه لا تدخلها معرفة اللّه و حبه و أنسه، و إلى ذلك

أشار النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم بقوله: «لو لا أن الشياطين يحرمون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات و الأرض»

فبقدر ما تتطهر القلوب هن هذه الخبائث تتحاذى شطر الحق الأول‏ (2) و تلألأ فيها حقائقه

____________

(1) تذكير الضمير باعتبار إرادة الإنسان لأنه صاحب النفس بل هو هي.

(2) المراد من الحق الأول هو اللّه تبارك و تعالى فكما ان الحق صفة له كذلك الأول فهو صفة بعد صفة.

44

كما أشار إليه صلى اللّه عليه و آله: «ان لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها»

فإن التعرض لها إنما هو بتطهير القلوب عن الكدورات الحاصلة عن الأخلاق الردية (1) فكل إقبال على طاعة و إعراض عن سيئة يوجب جلاء و نورا للقلب يستعد به لإفاضة علم يقيني، و لذا قال سبحانه:

وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا (2) .

و قال النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم»

فالقلب إذا صفى عن الكدورات الطبيعية بالكلية يظهر له من المزايا الإلهية و الإفاضات الرحمانية ما لا يمكن لأعاظم العلماء

كما قال سيد الرسل: «إن لي مع اللّه حالات لا يحتملها ملك مقرب و لا نبي مرسل» .

و كل سالك إلى اللّه إنما يعرف من الألطاف الإلهية و النفحات الغيبية ما ظهر له على قدر استعداده، و أما ما فوقه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدّق به إيمانا بالغيب كما انا نؤمن بالنبوة و خواصها و نصدّق بوجودهما و لا نعرف حقيقتهما كما لا يعرف الجنين حال الطفل و الطفل حال المميز و المميز من العوام حال العلماء و العلماء حال الأنبياء و الأولياء.

فالرحمة الإلهية بحكم العناية الأزلية مبذولة على الكل غير مضنون بها على أحد، لكن حصولها موقوف على تصقيل مرآة القلب و تصفيتها عن الخبائث الطبيعية، و مع تراكم صدأها الحاصل منها لا يمكن أن يتجلى فيها شي‏ء من الحقائق، فلا تحجب الأنوار العلمية و الأسرار الربوبية عن قلب من القلوب لبخل من جهة المنعم تعالى شأنه عن ذلك، بل الاحتجاب

____________

(1) المراد من النفحات هي الإفاضات المعنوية لا النسمات كما وردت بالمعنى الثاني في بعض الأخبار.

(2) العنكبوت الآية: 69.

45

إنما هو من جهة القلب لكدورته و خبثه و اشتغاله بما يضاد ذلك.

ثم ما يظهر للقلب من العلوم لطهارته و صفاء جوهره هو العلم الحقيقي النوراني الذي لا يقبل الشك و له غاية الظهور و الانجلاء لاستفادته من الأنوار الإلهية و الإلهامات الحقة الربانية، و هو المراد

بقوله عليه السلام: «إنما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء

«و إليه أشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «ان من أحب عباد اللّه إليه عبدا أعانه اللّه على نفسه فاستشعر الحزن و تجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه» (الى أن قال) :

«قد خلع سرابيل الشهوات، و تخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى و مشاركة أهل الهوى، و صار من مفاتيح أبواب الهدى و مغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه و سلك سبيله و عرف مناره، و قطع غماره‏ (1) ، و استمسك من العرى بأوثقها و من الحبال بأمتنها فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس»

و في كلام آخر له عليه السلام «قد أحيى قلبه و أمات نفسه حتى دقّ جليله‏ (2) و لطف غليظه، و برق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق و سلك به السبيل، و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الإقامة، و ثبتت رجلاه لطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة بما استعمل قلبه و أرضى ربه» .

و قال عليه السلام في وصف الراسخين من العلماء: «هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة و باشروا روح اليقين و استلانوا ما استوعره المترفون و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون و صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى» .

____________

(1) غمرة الشي‏ء شدته و مزدحمه جمعه غمرات و غمار و غمر و منه غمرات الموت أي مكارهه و شدائده.

(2) الجليل: الكبير في الحجم.

46

و بالجملة ما لم يحصل للقلب التزكية لم يحصل له هذا القسم من المعرفة إذ العلم الحقيقي عبادة القلب و قربة السر، و كما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الظاهر إلا بعد تطهيره من النجاسة الظاهرة فكذلك لا تصح عبادة الباطن إلا بعد تطهيره من النجاسة الباطنية التي هي رذائل الأخلاق و خبائث الصفات، كيف و فيضان أنوار العلوم على القلوب إنما هو بواسطة الملائكة

و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب»

فإذا كان بيت القلب مشحونا بالصفات الخبيثة التي هي كلاب نابحة لم تدخل فيه الملائكة القادسة و الحكم بثبوت النجاسة الظاهرة للمشرك، مع كونه مغسول الثوب نظيف البدن، إنما هو لسراية نجاسة الباطنية

فقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «بني الدين على النظافة»

يتناول زوال النجاستين،

و ما ورد من «أن الطهور نصف الإيمان»

المراد به طهارة الباطن عن خبائث الأخلاق، و كان النصف الآخر تحليته بشرائف الصفات و عمارته بوظائف الطاعات.

و بما ذكر ظهر أن العلم الذي يحصل من طريق المجادلات الكلامية و الاستدلالات الفكرية، من دون تصقيل لجوهر النفس، لا يخلو عن الكدرة و الظلمة، و لا يستحق اسم اليقين الحقيقي الذي يحصل للنفوس الصافية فما يظنه كثير من أهل التعلق بقاذورات الدنيا انهم على حقيقية اليقين في معرفة اللّه سبحانه خلاف الواقع، لأن اليقين الحقيقي يلزمه «روح» (1) و نور و بهجة و سرور، و عدم الالتفات إلى ما سوى اللّه، و الاستغراق في أبحر عظمة اللّه، و ليس شي‏ء من ذلك حاصلا لهم، فما ظنوه يقينا إما تصديق مشوب بالشبهة، أو اعتقاد جازم لم تحصل له نورانية و جلاء و ظهور

____________

(1) هذه الكلمة غير موجودة في نسختنا الخطية لكنها موجودة في نسخة خطية أخرى.

47

و ضياء، لكدرة قلوبهم الحاصلة من خبائث الصفات.

و السر في ذلك أن منشأ العلم و مناطه هو التجرد كما بين في مقامه، فكلما تزداد النفس تجردا تزداد إيمانا و يقينا، و لا ريب في أنه ما لم ترتفع عنها أستار السيئات و حجب الخطيئات لم يحصل لها التجرد الذي هو مناط حقيقة اليقين فلا بد من المجاهدة العظيمة في التزكية و التحلية حتى تنفتح أبواب الهداية و تتضح سبل المعرفة كما قال سبحانه:

وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا (1) .

فصل (أن العمل نفس الجزاء)

كل نفس في بدء الخلقه خالية عن الملكات بأسرها، و إنما تتحقق كل ملكة بتكرر الأفاعيل و الآثار الخاصة به‏ (2) بيان ذلك أن كل قول أو فعل ما دام وجوده في الأكوان الحسية لا حظ له من الثبات لأن الدنيا دار التجدد و الزوال، و لكنه يحصل منه أثر في النفس فإذا تكرر استحكم الأثر فصار ملكة راسخة، مثاله الحرارة التي تحدث في الفحم فانها ضعيفة أولا و إذا اشتدت تجمرت ثم استضاءت، ثم صارت صورة نارية محرقة لما قارنها مضيئة لما قابلها، و كذلك الأحوال النفسانية إذا تضاعفت قوتها صارت ملكات راسخة و صورا باطنة تكون مبادئ للآثار المختصة بها،

____________

(1) العنكبوت الآية؟69.

(2) هكذا وجدت في النسخة المطبوعة و نسختنا الخطية و الأصح «بها» و إن كانت الكلمة غير موجودة في نسخة خطية أخرى.

48

فالنفوس الإنسانية في أوائل الفطرة كصحائف خالية من النقوش و الصور تقبل كل خلق بسهولة، و إذا استحكمت فيها الأخلاق تعسر قبولها لأضدادها، و لذلك سهل تعليم الأطفال و تأديبهم و تنقيش نفسهم بكل صورة و صفة و يتعسر أو يتعذر تعليم الرجال البالغين و ردهم عن الصفات الحاصلة لهم لاستحكامها و رسوخها.

ثم لا خلاف في أن هذه الملكات و أفعالها اللازمة لها إن كانت فاضلة كانت موجبة للالتذاذ و البهجة و مرافقة الملائكة و الأخيار، و إن كانت ردية كانت مقتضية للألم و العذاب و مصاحبة الشياطين و الأشرار، و إنما الخلاف في كيفية إيجابها للثواب أو العذاب، فمن قال إن الجزاء مغاير للعمل قال إن كل ملكة و فعل يصير منشأ لترتب ثواب أو عقاب مغاير له بفعل اللّه سبحانه على التفصيل الوارد في الشريعة.

و من قال إن العمل نفس الجزاء قال: إن الهيئات النفسانية اشتدت و صارت ملكة تصير متمثلة و متصورة في عالم البياض و الملكوت بصورة يناسبها، إذ كل شي‏ء يظهر في كل عالم بصورة خاصة، فان العلم في عالم اليقظة أمر عرضي يدرك بالعقل أو الوهم و في عالم النوم يظهر بصورة اللبن فالظاهر في العالمين شي‏ء واحد و هو العلم لكنه تجلى في كل عالم بصورة، و السرور يظهر في عالم النوم بصورة البكاء، و منه يظهر أنه قد يسرك في عالم ما يسوءك في عالم آخر، فاللذات الجسمانية التي تسرك في هذا العالم تظهر في دار الجزاء بصورة تسوؤك و تؤذيك، و تركها و تحمل مشاق العبادات و الطاعات و الصبر على المصائب و البليات يسرك في عالم الآخرة مع كونها مؤذية في هذا العالم.

ثم القائل بهذا المذهب قد يطلق على هذه الصورة اسم الملك إن كانت من فضائل الأخلاق أو فواضل الأعمال. و اسم الشيطان إن كانت من أضدادها

49

و قد يطلق على الأولى اسم الغلمان و الحور و أمثالهما، و على الثانية اسم الحيّات و العقارب و أشباههما، و لا فرق بين الإطلاقين في المعنى، و إنما الاختلاف في الاسم.

و هذا المذهب يرجع إلى القول بتجسد الأعمال بصورة مأنوسة مفرّحة أو صورة موحشة معذبة، و قد ورد بذلك أخبار كثيرة: منها:

ما روى أصحابنا عن قيس بن عاصم عن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: يا قيس «إن مع العز ذلا، و مع الحياة موتا، و مع الدنيا آخرة، و إن لكل شي‏ء رقيبا و على كل شي‏ء حسيبا، و إن لكل أجل كتابا، و انه لا بد لك من قرين يدفن معك و هو حي و تدفن معه و أنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، و إن كان لئيما ألأمك، ثم لا يحشر إلا معك و لا تحشر إلا معه و لا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحا، فإنه إن صلح أنست به و إن فسد لا تستوحش إلا منه و هو فعلك» .

و منها: ما استفاض من

قولهم عليهم السلام: «إن من فعل كذا خلق اللّه تعالى ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة» .

و منها:

ما ورد «ان الجنة قيعان و غراسها سبحان اللّه» .

و منها:

ما روي «ان الكافر خلق من ذنب المؤمن»

. و منها

قولهم «المرء مرهون بعمله» .

و منها

قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «الذي يشرب في آنية الذهب و الفضة إنما يجري في بطنه نار جهنم» .

و يدل عليه قوله سبحانه.

وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكََافِرِينَ (1) .

و ربما كان في قوله تعالى:

____________

(1) التوبة الآية: 49.

50

وَ لاََ تُجْزَوْنَ إِلاََّ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (1) و قوله تعالى:

إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (2) .

إشارة إليه حيث قال عز و جل: «مََا كُنْتُمْ» و لم يقل بما كنتم.

و قال فيثاغورس الحكيم: «ستعارض لك في أفعالك و أقوالك و أفكارك‏ (3) و سيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صورة روحانية، فان كانت الحركة غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك و يحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، و إن كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك و تهتدى به في أخراك إلى جواز اللّه و كرامته» انتهى.

و هذه الكلمات صريحة في أن مواد الأشخاص الأخروية هي التصورات الباطنية و النيّات القلبية و الملكات النفسية المتصورة بصورة روحانية وجودها وجود إدراكي، و الإنسان إذا انقطع تعلقه عن هذه الدار و حان وقت مسافرته إلى دار القرار و خلص عن شواغل الدنيا الدنية و كشف عن بصره غشاوة الطبيعة. فوقع بصره على وجه ذاته و التفت إلى صفحة باطنه و صحيفة نفسه و لوح قلبه و هو المراد بقوله سبحانه:

وَ إِذَا اَلصُّحُفُ نُشِرَتْ (4) . و قوله تعالى: فَكَشَفْنََا

____________

(1) يس الآية: 54.

(2) الطور الآية: 16.

(3) هكذا وجدنا العبارة في النسخة الخطية و المطبوعة و لا يخفى ما فيها من الإجمال.

(4) التكوير الآية: 10.

51

عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ (1) . صار إدراكه فعلا و علمه عينا و سره عيانا، فيشاهد ثمرات أفكاره و أعماله، و يرى نتائج انظاره و أفعاله و يطلع على جزاء حسناته و سيئاته، و يحضر عنده جميع حركاته و سكناته، و يدرك حقيقة قوله سبحانه:

وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً. `اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (2) .

فمن كان في غفلة عن أحوال نفسه و مضيعا لساعات يومه و أمسه يقول:

مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا وَ وَجَدُوا مََا عَمِلُوا حََاضِراً وَ لاََ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (3) .

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهََا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (4) .

____________

(1) ق الآية: 22.

(2) الإسراء الآية 13-14.

(3) الكهف الآية 49.

(4) آل عمران الآية: 30.

52

و قد أيد هذا المذهب أعني صيرورة الملكات صورا روحانية باقية أبد الدهر موجبة للبهجة و الالتذاذ و التوحش و التألم، بأنه لو لم تكن تلك الملكات و النيات باقية أبدا لم يكن للخلود في الجنة أو النار وجه صحيح، إذ لو كان المقتضى للثواب أو للعذاب نفس العمل و القول، و هما زائلان لزم بقاء المسبب مع زوال السبب و هو باطل، و كيف يجوز للحكيم أن يعذب عباده أبد الدهر لأجل المعصية في زمان قصير، فإذا منشأ الخلود هو الثبات في النيات و الرسوخ في الملكات. و مع ذلك فمن يعمل مثقال ذرة من الخير أو الشر يرى أثره في صحيفة نفسه أو في صحيفة أعلى و أرفع من ذاته أبدا كما قال سبحانه:

فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ `مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ `بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (1) .

و السر فيه أن الأمر الذي يبقى مع النفس إلى حين مفارقتها من الدنيا و لم يرتفع عنها في دار التكليف يبقى معها أبدا و لا يرتفع عنها أصلا لعدم تجدد ما يوجب إزالته بعد مفارقته عن عالم التكليف.

ثم الظاهر أن هذا المذهب-عند من قال به من أهل الشرائع- بيان لكيفية الثواب و العقاب الروحانيين مع إذعانه بالجنة و النار الجسمانيين» إذ لو كان مراده قصر اللذة و الثواب و الألم و العقاب و الجنات و القصور و الغلمان و الحور و النار و الحجيم و الزقوم و الضريع و ساير ما ورد في الشريعة القادسة من أمور القيامة على ما ذكر فهو مخالف لضرورة الدين، (تنبيه) الدنيا و الآخرة متضادتان، و كل ما يقرب العبد إلى أحداهما يبعد عن الأخرى و بالعكس، كما دلت عليه البراهين الحكمية و الشواهد الذوقية و الأدلة السمعية، فكل ملكة أو حركة أو قول أو فعل يقرب العبد

____________

(1) عبس الآية: 13-15.