جامع السعادات - ج3

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
404 /
3

الجزء الثالث‏

تتمة الباب الثالث‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

بقية المقام الرابع‏

و منها (1) :

الغرور

معنى الغرور-ذمه-طوائف المغرورين: المغرورون من الكفار و العصاة و الفساق من المؤمنين-المغترون من أهل العلم و فرقهم-المغترون من الوعاظ كثيرون-المغرورون من أهل العبادة فرق كثيرة-المغترون من المتصوفة أكثر-المغترون من الأغنياء أكثر من سائر الطوائف-ضد الغرور الفطانة و العلم و الزهد.

و هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، و يميل إليه الطبع عن شبهة و خدعة من الشيطان. فمن اعتقد انه على خير اما في العاجل او في الآجل عن شبهة فاسدة، فهو مغرور. و لما كان أكثر الناس ظانين بانفسهم خيرا، و معتقدين بصحة ما هم عليه من الاعمال و الافعال و خيريته، مع انهم مخطئون فيه، فهم مغرورون. مثلا من يأخذ المال الحرام و ينفقها في مصارف

____________

(1) أى من الرذائل المتعلقة باثنتين من القوى الثلاث او بجميعها، و هي القوة العاقلة و الغضبية و الشهوية. و هذه الرذيلة هي الرذيلة «الواحدة و العشرون» منها.

4

الخير، كبناء المساجد و المدارس و القناطر و الرباطات و غيرها، يظن ان هذا خير له و سعادة، مع انه محض الغرور، حيث خدعه الشيطان و أراه ما هو شر له خيرا، و كذا الواعظ الذي غرضه الجاه و القبول من موعظته، يظن انه في طاعة اللّه، مع انه في المعصية بغرور الشيطان و خدعته.

ثم لا ريب في ان سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، و يميل الطبع اليه عن شبهة و مخيلة، مركب من امرين: (أحدهما) اعتقاد النفس بأن هذا خير له مع كونه خلاف الواقع، (و ثانيهما) حبها و طلبها باطنا لمقتضيات الشهوة او الغضب. فان الواعظ إذا قصد بوعظه طلب الجاه و المنزلة معتقدا انه يجلب به الثواب، تكون له رغبة إلى الجاه و اعتقاد بكونه خيرا له، اذ الغني إذا أمسك ماله و لم ينفقه في مصارفه اللازمة، و واظب على العبادة معتقدا ان مواظبته على العبادة تكفي لنجاته و ان كان بخيلا، يكون له حب للمال و اعتقاد بأنه على الخير. ثم الاعتقاد المذكور راجع إلى نوع معين من الجهل المركب، و هو الجهل الذي يكون المجهول المعتقد فيه شيئا يوافق الهوى، فيكون من رذائل القوة العاقلة، و الحب و الطلب للجاه و المال من رذائل قوتي الغضب و الشهوة. فالغرور يكون من رذائل القوى الثلاث، او من رذائل العاقلة مع أحداهما.

فصل (ذم الغرور)

الغرور و الغفلة منبع كل هلكة وام كل شقاوة، و لذا ورد فيه الذم الشديد في الآيات و الاخبار، قال اللّه-سبحانه-:

فَلاََ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ‏

5

اَلْغَرُورُ (1) . و قال عز و جل‏ وَ لََكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ اِرْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمََانِيُّ حَتََّى جََاءَ أَمْرُ اَللََّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ (2) .

و قال رسول اللّه (ص) : «حبذا نوم الاكياس و فطرهم، كيف يغبنون سهر الحمقى و اجتهادهم، و المثقال ذرة من صاحب تقوى و يقين أفضل من مل‏ء الأرض من المغترين» . و قال الصادق (ع) : «المغرور في الدنيا مسكين، و في الآخرة مغبون، لانه باع الأفضل بالادنى، و لا تعجب من نفسك، فربما اغتررت بمالك و صحة جسدك ان لعلك تبقى. و ربما اغتررت بطول عمرك و أولادك و اصحابك لعلك تنجو بهم. و ربما اغتررت بجمالك و منيتك و اصابتك مامولك و هواك، فظننت انك صادق و مصيب.

و ربما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة، و لعل اللّه يعلم من قلبك بخلاف ذلك. و ربما اقمت نفسك على العبادة متكلفا و اللّه يريد الإخلاص. و ربما افتخرت بعلمك و نسبك، و أنت غافل عن مضمرات ما في غيب اللّه تعالى. و ربما توهمت انك تدعو اللّه و أنت تدعو سواه. و ربما حسبت انك ناصح للخلق و أنت تريدهم لنفسك ان يميلوا إليك. و ربما ذممت نفسك و أنت تمدحها على الحقيقة» (3) .

فصل (طوائف المغرورين)

اعلم ان فرق المغترين كثيرة، و جهات غرورهم و درجاته مختلفة، و ما

____________

(1) لقمان، الآية: 33. فاطر، الآية: 5.

(2) الحديد، الآية: 14.

(3) صححناه على مصباح الشريعة: الباب 36.

6

من طائفة في العالم مشتركين في وصف مجتمعين على امر، الا و يوجد فيهم فرق من المغترين. الا ان بعض الطوائف كلهم مغترون، كالكفار و العصاة و الفساق، و بعضهم يوجد فيهم المغرور و غير المغرور، و ان كان معظم كل طائفة أرباب الغرور. و نحن نشير إلى مجاري الغرور، و إلى غرور كل طائفة ليتمكن طالب السعادة من الاحتراز عنه، اذ من عرف مداخل الآفات و الفساد و مجاريهما يمكنه ان يأخذ منها حذره، و يبني على الجزم و البصيرة امره. فنقول:

الطائفة الأولى (الكفار)

و هم مغرورون بأسرهم، و هم ما بين من غرته الحياة الدنيا، و بين من غره الشيطان باللّه. و اما الذين غرتهم الحياة الدنيا، فباعث غرورهم قياسان نظمهما الشيطان في قلوبهم: (اولهما) ان الدنيا نقد و الآخرة نسيئة، و النقد خير من النسيئة. (و ثانيهما) ان لذات الدنيا يقينية و لذات الآخرة مشكوكة فيها، و اليقيني خير من المشكوك، فلا يترك به. و هذه اقيسة فاسدة تشبه قياس ابليس، حيث قال:

أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (1)

و علاج هذا الغرور-بعد تحصيل اليقين بوجود الواجب تعالى و بحقيقة النبي (ص) ، و هو في غاية السهولة لوضوح الطرق و الادلة-اما ان يتبع مقتضى ايمانه و يصدق اللّه تعالى في قوله:

____________

(1) الأعراف، الآية: 11، ص، الآية: 76.

7

مََا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ (1) . و في قوله تعالى: وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ (2) . و قوله: وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ (3) . و قوله: وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ مَتََاعُ اَلْغُرُورِ (4) . و قوله تعالى: فَلاََ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا وَ لاََ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللََّهِ اَلْغَرُورُ (5) .

و اما ان يعرف بالبرهان فساد القياسين، حتى يزول عن نفسه ما تأديا اليه من الغرور. و طريق معرفة الفساد في (القياس الأول) : ان يتأمل في ان كون الدنيا نقدا و الآخرة نسيئة صحيح، الا ان كون كل نقد خيرا من النسيئة غير صحيح، بل هو محل التلبيس، اذ المسلّم خيرية النقد على النسيئة ان كان مثلها في المقدار و المنفعة و المقصود و البقاء، و اما ان كان أقل منها في ذلك و ادون، فالنسيئة خير، الا ترى ان هذا المغرور إذا حذره الطبيب من لذائذ الأطعمة يتركها في الحال خوفا من الم المرض في الاستقبال و يبذل درهما في الحال ليأخذ درهمين نسيئة، و يتعب في الاسفار و يركب البحار في الحال لأجل الراحة و الربح نسيئة. و قس عليه جميع اعمال الناس و صنائعهم في الدنيا: من الزراعة و التجارة و المعاملات، فانهم يبذلون فيها المال نقدا ليصلوا إلى أكثر منه نسيئة، فان كان عشرة في ثاني الحال خيرا

____________

(1) النحل، الآية: 96.

(2) الأعلى، الآية: 17.

(3) القصص الآية: 60. الشورى، الآية: 36.

(4) آل عمران، الآية: 185. الحديد، الآية: 20.

(5) لقمان، الآية: 33. فاطر، الآية: 5.

8

من واحد في الحال، فأنسب لذة الدنيا من حيث الشدة و المدة و العدة إلى لذة الآخرة من هذه الحيثيات، فان من عرف حقيقة الدنيا و الآخرة، يعلم انه ليس للدنيا قدر محسوس بالنسبة إلى الآخرة، على ان لذة الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات، و لذات الآخرة صافية غير ممتزجة بشي‏ء من المكدرات.

و اما طريق معرفة فساد (القياس الثاني) بأصليه: هو ان يعرف ان كون لذات الآخرة مشكوكا فيها خطأ، و ان كل يقيني خير من المشكوك غلط:

(اما الأول) فلأنّ الآخرة يقينية قطعية عند أهل البصيرة. و ليقينهم مدركان:

-أحدهما-ما يدركه عموم الخلق، و هو اتفاق عظماء الناس من الأنبياء و الأولياء و الحكماء و العلماء، فان ذلك يورث اليقين و الطمأنينة بعد التأمل، كما ان المريض الذي لا يعرف دواء علته إذا اتفق جميع أرباب الصناعة على ان دواءه كذا، فانه تطمئن نفسه إلى تصديقهم و لا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين، بل يثق بقولهم و يعمل به، و ان كذبهم صبي او معتوه او سوادي. و لا ريب في ان المنكرين للآخرة المغترين بالحياة الدنيا من الكفار و البطالين بالنظر إلى المخبرين عن أحوال الآخرة و المشاهدين لها من الأنبياء و الأولياء ادون حالا و أقل رتبة من صبي او معتوه او سوادي بالنظر إلى اطباء بلد او مملكة.

-و ثانيهما-ما لا يدركه الا الأنبياء و الأولياء، و هو الوحي و الإلهام، فالوحي للأنبياء و الإلهام و الكشف للاولياء فانه قد كشفت لهم حقائق الأشياء كما هي عليها، و شاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصر الظاهر، فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع و تقليد، و لا تظنن ان معرفة النبي (ص) لأمر الآخرة و لأمور الدين مجرد تقليد

9

لجبرئيل بالسماع منه، كما ان معرفتك لها تقليد للنبي، هيهات!فان الأنبياء يشاهدون حقائق الملك و الملكوت، و ينظرون إليها بعين البصيرة و اليقين، و ان اكد ذلك بالقاء الملك و السماع منه.

و اما المغرورون باللّه، و هم الذين يقدرون في أنفسهم و يقولون بألسنتهم، ان كان للّه معاد فنحن فيه اوفر حظا و أسعد حالا من غيرنا، كما أخبر اللّه -سبحانه-عن قول الرجلين المتحاورين، اذ قال:

وَ مََا أَظُنُّ اَلسََّاعَةَ قََائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ََ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهََا مُنْقَلَباً (1) .

و باعث ذلك: ما القى الشيطان في روعهم من نظرهم مرة إلى نعم اللّه عليهم في الدنيا فيقيسون عليها نعمة الآخرة، و ينظرون إلى تأخير اللّه العذاب عنهم فيقيسون عليه عذاب الآخرة، كما قال اللّه-تعالى-:

وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لاََ يُعَذِّبُنَا اَللََّهُ بِمََا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهََا فَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ (2) .

و مرة ينظرون إلى المؤمنين و هم فقراء محتاجون، فيقولون: لو احبهم اللّه لاحسن إليهم في الدنيا و لو لم يحبنا لما أحسن إلينا فيها، فلما لم يحسن اليهم في الدنيا و أحسن إلينا فيها فيكون محبا لنا و لا يكون محبا لهم، فيكون الامر في الآخرة كذلك، كما قال الشاعر:

كما أحسن اللّه فيما مضى # كذلك يحسن فيما بقي‏

و لا ريب في أن كل ذلك خيالات فاسدة و قياسات باطلة، فان من ظن ان النعم الدنيوية دليل الحب و الإكرام فقد اغتر باللّه، إذ ظن انه كريم

____________

(1) الكهف، الآية: 37.

(2) المجادلة، الآية: 8.

10

عند اللّه، بدليل لا يدل على الكرامة بل يدل عند أولى البصائر على الهوان و الخذلان، لان نعيم الدنيا و لذاتها مهلكات و مبعدات من اللّه، و ان اللّه يحمى احباءه الدنيا كما يحمي الوالد الشفيق ولده المريض لذائذ الأطعمة.

و مثل معاملة اللّه-سبحانه-مع المؤمن الخالص و الكافر و الفاسق، حيث يزوي الدنيا عن الأول و يصب نعمها و لذاتها على الثاني، مثل من كان له عبدان صغيران يحب أحدهما و يبغض الآخر، فيمنع الأول من اللعب و يلزمه المكتب و يحبسه فيه، ليعلمه الادب و يمنعه من لذائذ الأطعمة و الفواكه التي تضره و يسقيه الادوية البشعة التي تنفعه، و يهمل الثاني ليعيش كيف يريد و يلعب و يأكل كل ما يشتهي، فلو ظن هذا العبد المهمل انه محبوب كريم عند سيده لتمكنه من شهواته و لذاته، و ان الآخر مبغوض عنده لمنعه عن مشتهياته، كان مغرورا احمق، و قد كان الخائفون من ذوي البصائر إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا و قالوا: ذنب عجلت عقوبته، و إذا أقبل عليهم الفقر قالوا: مرحبا بشعار الصالحين!و اما المغرورون فعلى خلاف ذلك، لظنهم ان إقبال الدنيا عليهم كرامة من اللّه و ان ادبارها عنهم هو ان لهم، كما أخبر اللّه-تعالى-عنه بقوله:

فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، `وَ أَمََّا إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهََانَنِ (1)

و علاج هذا الغرور: أن يعرف أن إقبال الدنيا دليل الهوان و الخذلان دون الكرامة و الإحسان، و التجرد منها سبب الكرامة و القرب إلى اللّه-سبحانه- و الطريق إلى هذه المعرفة: اما ملاحظة أحوال الأنبياء و الأولياء و غيرهما من طوائف العرفاء و فرق الاتقياء، او التدبر في الآيات و الاخبار. قال اللّه-سبحانه-

____________

(1) الفجر، الآية: 15-16.

11

أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمََا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مََالٍ وَ بَنِينَ، `نُسََارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْرََاتِ بَلْ لاََ يَشْعُرُونَ (1) . و قال-سبحانه-:

سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ (2) و قال-تعالى-:

فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتََّى إِذََا فَرِحُوا بِمََا أُوتُوا أَخَذْنََاهُمْ بَغْتَةً فَإِذََا هُمْ مُبْلِسُونَ (3) . و قال تعالى: إِنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدََادُوا إِثْماً (4) .

الى غير ذلك من الآيات و الاخبار.

و منشأ هذا الغرور: الجهل باللّه و بصفاته، فان من عرفه لا يأمن مكره و لا يغتر به بأمثال هذه الخيالات الفاسدة، و ينظر إلى قارون و فرعون و غيرهما من الملوك و الجبابرة، كيف أحسن اللّه إليهم ابتداء ثم دمرهم تدميرا، و قد حذر اللّه عباده عن مكره و استدراجه فقال:

فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ (5) . و قال:

وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ (6) .

الطائفة الثانية (العصاة و الفساق من المؤمنين)

و سبب غرورهم و غفلتهم اما بعض بواعث غرور الكافرين-كما

____________

(1) المؤمنون، الآية: 56-57.

(2) الأعراف، الآية: 181.

(3) الانعام، الآية: 44.

(4) آل عمران، الآية: 178.

(5) الأعراف، الآية: 99.

(6) آل عمران، الآية: 54.

12

تقدم-أو ظنهم ان اللّه-تعالى-كريم و رحمته واسعة و نعمته شاملة، و اين معاصى العباد في جنب بحار رحمته، و يقولون: انا موحدون و مؤمنون، فكيف يعذبنا مع التوحيد و الايمان، و يقررون ظنهم بما ورد في فضيلة الرجاء-كما تقدم-. و ربما اغتر بعضهم بصلاح آبائهم و علو رتبتهم، كاغترار بعض العلويين بنسبهم مع مخالفتهم سيرة آبائهم الطاهرين في الخوف و الورع. و علاج هذا الغرور. أن يعرف الفرق بين الرجاء الممدوح و التمني المذموم، و يعلم أن غروره ليس رجاء ممدوحا، بل هو تمن مذموم، كما قال رسول اللّه (ص) : «الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و الاحمق من اتبع نفسه هواها و تمنى على اللّه» . فان الرجاء لا ينفك عن العمل، اذ من رجا شيئا طلبه و من خاف شيئا هرب منه، و كما ان الذي يرجو في الدنيا ولدا و هو لم ينكح، أو نكح و لم يجامع، او جامع و لم ينزل، فهو مغرور احمق، كذلك من رجا رحمة اللّه و هو لم يؤمن، او آمن و لم يترك المعاصي، او تركها و لم يعمل صالحا، فهو مغرور جاهل، كيف و قد قال اللّه-سبحانه-:

إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا وَ جََاهَدُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أُولََئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللََّهِ (1) .

يعني ان الرجاء يليق بهم دون غيرهم، و ذلك لأن ثواب الآخرة أجر و جزاء على الاعمال، كما قال-تعالى-:

جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (2) . و قال: وَ إِنَّمََا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ (3) . و قال: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ

____________

(1) البقرة، الآية: 218.

(2) السجدة، الآية: 17. الاحقاف، الآية: 14. الواقعة، الآية: 24.

(3) آل عمران، الآية: 185.

13

إِلاََّ مََا سَعى‏ََ `وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ََ (1) . و قال: كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (2) .

أ فترى أن من استؤجر على إصلاح أوان و شرط له أجرة عليها، و كان الشارط كريما يفى بوعده و شرطه، بل كان بحيث يزيد على ما وعده و شرطه، فجاء الاجير و كسر الاواني و افسدها جميعا، ثم جلس ينتظر الاجر زعما منه أن المستأجر كريم، أ فيراه العقلاء في انتظاره راجيا أو مغرورا متمنيا؟ و بالجملة: سبب هذا الغرور الجهل بين الرجاء و العزة، فليعالجه بما ذكر هنا و فيما سبق.

ثم إن المغرور بعلو رتبه آبائه، ظانا ان اللّه تعالى يحب آباءه، و من أحب إنسانا أحب أولاده، أشد حمقا من المغرور باللّه، لأن اللّه-سبحانه- يحب المطيع و يبغض العاصي من غير ملاحظة لآبائهما، فكما أنه لا يبغض الاب المطيع ببغضه للولد العاصي فكذلك لا يحب الولد العاصي بحبه للأب المطيع، و ليس يمكن أن يسري من الاب إلى الابن شي‏ء من الحب و البغض و المعصية و التقوى، اذ لا تزر وازرة وزر أخرى، فمن زعم انه ينجو بتقوى أبيه كان كمن زعم انه يشبع بأكل أبيه، او يصير عالما بتعلم أبيه، او يصل الى الكعبة بمشي أبيه، فهيهات هيهات!ان التقوى فرض عين على كل أحد، فلا يجزي والد عن ولده شيئا، و عند الجزاء يفر المرء من أخيه، و أمه و أبيه، و صاحبته و بنيه، و لا ينفع أحد أحدا الا على سبيل الشفاعة، بعد تحقق شرائطها.

ثم العصاة المغرورون، اما ليست لهم طاعات، فتمنيهم المغفرة غاية

____________

(1) النجم، الآية: 39-40.

(2) المدثر الآية: 38.

14

الجهل-كما مر-، او لهم طاعات و لكن معاصيهم أكثر، و هم عالمون بأكثرية المعاصي، و مع ذلك يتوقعون المغفرة و ترجح حسناتهم على سيئاتهم و هو أيضا غاية الجهل، إذ مثله مثل من وضع عشرة دراهم في كفة ميزان و في الكفة الأخرى ألفا او ألفين، و توقع أن تميل الكفة الثقيلة بالخفيفة، و من الذين معاصيهم أكثر من يظن ان طاعاته أكثر من معاصيه، لأنه لا يحاسب نفسه و لا يتفقد معاصيه، و إذا عمل طاعة حفظها و أعتدّ بها، كالذي يحج طول عمره حجه و يبني مسجدا، ثم لا يكون شي‏ء من عباداته على النحو المطلوب، و لا يجتنب من أخذ أموال المسلمين، فينسى ذلك كله و يكون حجه و ما بناه من المسجد في ذكره، و يقول: كيف يعذبني اللّه و قد حججت و بنيت مسجدا؟و كالذي يسبح اللّه كل يوم مائة مرة ثم يغتاب المسلمين و يمزق اعراضهم و يتكلم بما لا يرضاه اللّه طول نهاره من غير حصر و عدد، و يكون نظره إلى عدد سبحته مع غفلته عن هذيانه طول نهاره الذي لو كتبه لكان مثل تسبيحه مائة مرة، و قد كتبه الكرام الكاتبون، فهو يتأمل دائما في فضيلة التسبيحات، و لا يلتفت إلى ما ورد في عقوبة الكذابين و المغتابين و النمامين و الفحاشين، و لو كان كتبة أعماله يطلبون منه اجرة الزايد من هذيانه على تسبيحاته، لكان عند ذلك يسعى في كف لسانه عن آفاته و موازتها بتسبيحاته، حتى لا يكون لها زيادة عليها ليؤخذ منه اجرة نسخ الزائد. فيا عجبا لمن يحاسب نفسه و يحتاط خوفا ان يفوته مقدار قيراط و لا يحتاط خوفا من فوت العليين و مجاورة رب العالمين‏

15
الطائفة الثالثة أهل العلم‏

و المغترون منهم فرق:

(فمنهم) من اقتصر من العلم على علم الكلام و المجادلة و معرفة آداب المناظرة، ليتفاخر في اندية الرجال و يتفوق على الاقران و الأمثال، من غير ان يكون له في العقائد قدم راسخ او مذهب واحد، بل يختار تارة ذاك و تارة هذا، و تكون عقيدته كخيط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرة هكذا و مرة هكذا، و مع ذلك يظن بغروره أنه اعرف الناس و اعلمهم باللّه و بصفاته.

و (منهم) من أقتصر من العلم على علم النحو و اللغة، او الشعر او المنطق، و اغتر به و افنى عمره فيها، و زعم ان علم الشريعة و الحكمة موقوف عليها، و لم يعلم أن ما ليس مطلوبا لذاته و يكون وسيلة إلى ما هو مقصود لذاته يجب ان يقتصر عليه بقدر الضرورة، و التعمق فيه إلى درجات لا تتناهى فضول مستغنى عنها، و موجب للحرمان عما هو مقصود لذاته.

و (منهم) من اقتصر على فن المعاملات من الفقه، المتضمن لكيفية الحكم و القضاء بين الناس، و اشتغل باجراء الاحكام، و أعرض عن علم العقائد و الأخلاق، بل عن فمن العبادات من الفقه، و أهمل تفقد قلبه ليتخلى عن رذائل الأخلاق و يتحلى بفضائل الملكات و تفقد جوارحه و حفظها عن المعاصي و الزامها الطاعات.

و (منهم) من حصل فن العبادات أيضا، بل احكم العلوم الشرعية بأسرها و تعمق فيها و اشتغل، و لكن ترك العلم الإلهي و علم الأخلاق و لم يحفظ الباطن و الظاهر عن المعاصي و لم يعمرها بالطاعات.

16

و (منهم) من أحكم جميع العلوم من العقلية و الشرعية و تعمق فيها و اشتغل بها إلا أنه أهمل العمل رأسا، أو واظب على الطاعات الظاهرة:

و أهمل صفات القلب، و ربما تفقد صفات القلب و أخلاق النفس أيضا و جاهد نفسه في التبرّى عنها، و قلع من قلبه منابتها الجلية القوية، و لكن بقيت في زوايا قلبه خفايا من مكائد الشيطان و خبايا و تلبيات النفس ما دق و غمض مدركه فلا يتفطن بها.

و جميع هؤلاء غافلون مغرورون، اذا كان اعتقادهم انهم على خير و سعادة، و إن كان بينهم تفاوت من حيث الضعف و الشدة، إذ سعادة النفس و خلاصها عن العذاب لا تحصل إلا بمعرفة اللّه-تعالى-و معرفة صفاته و افعاله و أحوال النشأة الآخرة، و العلم برذائل الأخلاق و شرائفها، ثم تهذيب الباطن بفضائل الأخلاق و عمارة الظاهر بصوالح الطاعات و الاعمال، فكل من يعلم بعض العلوم و ترك ما هو المهم من العلم-أعنى معرفة سلوك الطريق و قطع عقبات النفس التي هي الصفات المذمومة المانعة عن الوصول إلى اللّه-و ظن انه على خير كان مغرورا، و إذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا على اللّه، فمن ترك العلم المهم و اشتغل بغيره، فهو كمن له مرض خاص مهلك فاحتاج إلى تعلم الدواء و استعماله، فاشتغل بتعلم مرض آخر يضاد مرضه في المعالجة، كما ان من احكم العلوم بأسرها و ترك العمل، مثل المريض الذي تعلم دواء مرضه و كتبه، و هو يقرأه و يعلمه المرضى و لا يستعمله قط لنفسه، فانه لا ريب في ان مجرد تعلم الدواء لا يشفيه، بل لو كتبت منه الف نسخة و علمه الف مريض حتى شفى جميعهم و كرره كل ليلة الف مرة لم ينفعه ذلك من مرضه شيئا، حتى يشترى هذا الدواء و يشربه كما تعلم في وقته، و مع شربه و استعاله يكون على خطر من شفائه، فكيف إذا لم يشربه أصلا،

17

فلو ظن أن مجرد تعلم الدواء يكفيه و يشفيه فهو مغرور، فكذلك من احكم علم الطاعات و لم يعملها، و احكم علم المعاصي و لم يجتنبها، و احكم علم الأخلاق و لم يزك نفسه عن رذائلها و لم يتصف بفضائلها، فهو في غاية الغرور.

إذ قال اللّه تعالى:

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا (1)

و لم يقل: قد أفلح من علم طريق تزكيتها.

ثم من هذه الطائفة فرقة متصفة برذائل الأخلاق و الغرور، أدى بهم الى حيث ظنوا أنهم منفكون عنها، و أنهم ارفع عند اللّه من أن يبتليهم بها، و إنما يبتلى بها العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم. ثم إذا ظهرت عليه مخايل الكبر و الرئاسة و طلب العلو و الشرف قال: ما هذا تكبرا، و طنما هو طلب اعزاز الدين، و إظهار شرف العلم، و ارغام انف المخالفين. و مهما ظهرت منه آثار الحسد، و أطلق لسانه بالغيبة في أقرانه و من رد عليه شيئا من كلامه، لم يظن بنفسه أن ذلك حسد، بل يقول: إن هذا غضب للحق ورد على المبطل في عداوته و ظلمه، مع أنه لو طعن في غيره من أهل العلم، ورد عليه قوله، و منع من منصبه، لم يكن غضبه مثل غضبه الآن، بل ربما يفرح به، و لو كان غضبه للحق لا للحد على اقرانه و خبث باطنه، لاستوى غضبه في الحالين.

و إذا خطر له خاطر الرياء قال: غرضي من إظهار العلم و العمل اقتداء الخلق بي، ليهتدوا إلى دين اللّه و يتخلصوا من عقاب اللّه. و لا يتأمل المغرور انه ليس يفرح باقتداء الناس بغيره كما يفرح باقتدائهم به، و لو كان غرضه صلاح الخلق لفرح بصلاحهم على يد من كان، و ربما يتذكر هذا و مع ذلك لا يخليه الشيطان، بل يقول: إنما ذلك لأنهم إذا اهتدوا بي كان الأجر و الثواب لي،

____________

(1) الشمس، الآية: 9.

18

ففرحي إنما هو بثواب اللّه لا بقبول الخلق، هذا ما يظن بنفسه، و اللّه مطلع على سريرته، إذ ربما كان باطنه في الخباثة بحيث لو علم قطعا بأن ثوابه في الخمول و إخفاء العلم و العمل أكثر من ثوابه في الإظهار، لاحتمال مع ذلك في إظهار رئاسة، من تدريس أو وعظ أو امامة أو غير ذلك. و إذا كان بحيث يدخل على السلاطين و الأمراء الظلمة و يثني عليهم و يتواضع لهم، و خطر له أن مدحهم و التواضع لهم حرام، قال له الشيطان: ان ذلك عند الطمع في مالهم، و غرضك من الدخول عليهم دفع الضرر عن المسلمين دون الطمع، و اللّه يعلم من باطنه أنه لو ظهر لبعض اقرانه قبول عند ذلك السلطان، و كان بحيث يقبل شفاعته في كل أحد، و هو لا يزال يستشفع و يدفع الضرر عن المسلمين، يثقل ذلك عليه، بحيث لو قدر أن يقبح حاله عند السلطان لفعل.

و ربما انتهى الغرور في بعضهم إلى أن يأخذ من أموالهم المحرمة، و إذا خطر له أنها حرام، قال له الشيطان: هذا مال مجهول المالك يجب أن يتصدق به إمام المسلمين، و أنت إمامهم و عالمهم، و بك قوام دين اللّه، فيحل لك أن تأخذ منها قدر حاجتك و تصرف الباقي على مصالح المسلمين، فيغتر بهذا التلبيس و لا يزال يأخذها من غير أن يبذل شيئا منها في مصرف غيره. و ربما انتهى الغرور في بعضهم إلى حيث إنه إذا حضرت مائدتهم و أكل طعامهم و قيل له:

ان هذا لا يليق بمثلك، قال: الأكل جائز بل واجب، اذ هذا مال لا يعلم مالكه، فيجب التصدق به على الفقراء، و يجب على مثلي بقدر القوة و الاستطاعة أن يجتهد في استخلاصه من يد الظالم و ايصاله إلى أهله-أعني الفقراء-و اكلى منها نوع قدرة على استخلاصه، فآكل منه و أتصدق بقيمته على الفقراء، و اللّه يعلم من باطنه أنه لا يتصدق بقيمته و لا يعتقد بحقيقة ما يقوله، و انما هو تلبيس ألقاه الشيطان في روعه، لئلا يضعف اعتقاد العامة في‏

19

حقه، و ربما كان بحيث لا يبالي من أخذ مالهم و أكل طعامهم خفية، و لو علم انه يطلع عليه واحد من صويلح العامة المعتقدين به، امتنع منه غاية الامتناع. و ربما كان بعضهم في الباطن مائلا إلى الدخول على السلاطين و الأمراء و تاركا له في الظاهر، و كان الباعث في ذلك طلب المنزلة في قلوب العامة. و مع ذلك يظن أن الاجتناب عنهم عين ورعه و تقواه. و ربما كان بعضهم إمام قوم يظن أنه على خير و باعث لترويج الدين و اعلاء الكلمة و مقيم بشعار الإسلام، و مع ذلك لو أم غيره ممن هو أعلم و اورع منه في مسجده، أو يتخلف بعض من يقتدى به عن الاقتداء به، قامت عليه القيامة، و ربما لم يكن باعثه على الحركة إلى المسجد للامامة مجرد التقرب و الامتثال لأمر اللّه، بل كان الباعث محض حب الجاه و الرياسة و اعتقاد العامة، أو مركبا منه و من نية الثواب و ربما اتخذ بعضهم الإمامة شغلا و وسيلة لأمر المعاش، و مع ذلك يظن انه مشتغل بامر الخير، و الظاهر في أمثال زماننا ندور الامام الذي كان قصده من الإمامة مجرد التقرب إلى اللّه. من دون وجود شي‏ء من حب طلب المنزلة في القلوب، أو تحصيل المال، أو دفع بعض الشرور عن نفسه في زوايا قلبه، و لو وجد مثله فهو القدوة الذي يجب ان تشد الرحال من المواضع البعيدة اليه ليقتدى به، و مثله كلما وجد في نفسه قصد التقرب و الثواب في الذهاب إلى المسجد للامامة ذهب، و لو لم يجد ذلك من نفسه تخلف، و صلى منفردا، و هو الذي يستوي عنده اقتداء الناس به و عدمه، و يستوي عنده كثرة المقتدين و قلتهم، بل يكون حاله عند صلاته و هو إمام لجم غفير كحاله عند صلاته منفردا، من دون أن يجد في نفسه تفاوتا في الحالين.

و بالجملة: اصناف غرور أهل العلم- (لا) سيما في هذه الاعصار-كثيرة، و المتأمل يعلم أن الغرور أو التلبيس أو غيرهما من ذمائم الأفعال انتهى في‏

20

بعضهم إلى أن وجودهم مضر بالإسلام و المسلمين و موتهم انفع للايمان و المؤمنين، لأنهم دجالو الدين و قواموا مذهب الشياطين، و مثلهم كما قال ابن مريم-عليه السّلام-: «العالم السوء كصخرة وقعت في فم الوادي، فلا هي تشرب الماء و لا هي تترك الماء يتخلص إلى الزرع» .

الطائفة الرابعة (الوعاظ)

و المغترون منهم كثيرون:

(فمنهم) من يتكلم في وعظه في أخلاق النفس و صفات القلب، من الخوف، و الرجاء، و التوكل، و الرضا، و الصبر، و الشكر، و نظائرها، و يظن انه إذا تكلم بهذه الصفات و دعا الخلق إليها صار موصوفا بها، و هو منفك عنها في الواقع، إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين، و يزعم ان غرضه إصلاح الخلق دون أمر آخر، و مع ذلك لو أقبل الخلق على أحد من اقرانه و صلحوا على يديه، و كان أقوى منه في الإرشاد و الإصلاح، لمات غما و حسدا، و لو اثنى أحد المترددين عليه على بعض اقرانه، لصار ابغض خلق اللّه إليه.

و (منهم) من اشتغل بالشطح و الطامات، و تلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع و العقل، و ربما كلف نفسه بالفصاحة و البلاغة، و تصنع التشبيهات و المقدمات، و شغف بطيارات النكت و تسجيع الألفاظ و تلفيقها، طلبا للاعوان و الأنصار، و شوقا إلى تكثر البكاء و الرقة و التواجد و الرغبات في مجلسه، و التذاذا بتحريك الرءوس على كلامه و البكاء عليه، و فرحا بكثرة الأصحاب و المستفيدين و المعتقدين به، و سرورا بالتخصيص بهذه الخاصة

21

من بين سائر الاقران، و ربما لم يبال بالكذب في نقل الأخبار و الآثار، ظنا منه أنه أوقع في النفوس و أشد تأثيرا في رقة العوام و تواجدهم.

و لا ريب في أنّ هؤلاء شر الناس، بل شياطين الانس، ضلوا و اضلوا عن سواء السبيل، إذ الأولون إن لم يصلحوا أنفسهم، فقد أصلحوا غيرهم و صححوا كلامهم و وعظهم، و أما هؤلاء فانهم يصدون عن سبيل اللّه، و يجرون الخلق إلى الغرور باللّه، لان سعيهم في ذكر ما يسر به العامة، ليصلوا به منهم الى اغراضهم الفاسدة، فلا يزالون يذكرون ما يقوي الرجاء، و يزيدهم جرأة على المعاصي و رغبة في الدنيا، (لا) سيما إذا كان هذا الواعظ أيضا ممن يرغب إلى الدنيا، و يسر بوصول المال إليه، و يتزين بالثياب الفاخرة و المراكب الفارهة، و غيرهما من زينة الدنيا. فمثله ممن يضل و يكون افساده أكثر من اصلاحه، و مع ذلك يظن انه مروج الشرع و الدين و مرشد الضالين، فهو أشد المغرورين و الغافلين.

و (منهم) من هذب اخلاقه، و راقب قلبه، و صفاه عن جميع الكدورات، و صغرت الدنيا في عينه، و انقطع طمعه عن الخلق فلم يلتفت اليهم، و دعته الرحمة و الشفقة على عباد اللّه إلى نصحهم و استخلاصهم عن أمراض المعاصي بالوعظ، فلما استقل به وجد الشيطان مجال الفتنة فدعاه إلى الرئاسة دعاء خفيا-أخفى من دبيب النملة-لا يشعر به، و لم يزل ذلك في قلبه يربو و ينمو حتى دعاه إلى التصنع و التزين للخلق، بتحسين الألفاظ و النغمات و الحركات و التصنع في الزي و الهيئة و الشمائل، و أقبل الناس إليه يعظمونه و يوقرونه توقيرا يزيد على توقير الملوك، اذ رأوه شافيا لامراضهم بمحض الرحمة و الشفقة من غير طمع، فآثروه بأبدانهم و أموالهم، و صاروا له كالخدم و العبيد، فعند ذلك انتشر طبعه و ارتاحت نفسه، و ذاق لذة يا لها من لذة،

22

و أصاب من الدنيا شهوة يستحقر معها كل شهوة، فوقع في أعظم لذات الدنيا بعد قطعه بأنه تارك للدنيا، فقد غره الشيطان على ما لا يشعر به. و علامة ثوران حب الرئاسة في باطنه: أنه لو ظهر من اقرانه من مالت القلوب إلى قبوله، و زاد أثر كلامه في القبول على كلامه، شق ذلك عليه، إذ لو لا أن النفس قد استبشرت و استلذت بالرئاسة لكان يغتنم ذلك.

و على هذا فينبغي ألا يشتغل أحد بالنصح و الوعظ إلا إذا وجد من نفسه أنه ليس له قصد سوى هدايتهم إلى اللّه-تعالى-، و كان يسره غاية السرور ظهور من يعينه على إرشادهم أو اهتدائهم من عند أنفسهم، و انقطع طمعه بالكلية عن ثنائهم و أموالهم، و استوى عنده حمدهم و ذمهم، و لم يبال بذمهم إذا كان الله يمدحه، و لم يفرح بمدحهم إذا لم يقترن به مدح اللّه، و نظر إليهم كما ينظر إلى من هو أعلم منه و أورع، حيث لا ينكر عليه و يراه خيرا من نفسه، لدلالة الظاهر على ذلك و جهله بالخاتمة، و إلى البهائم من حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم، فانه لا يبالي كيف يراه البهائم، فلا يتزين لها، إذ راعى الماشية إنما غرضه رعايتها و دفع الذئب عنها، دون نظر الماشية إليه بعين المدح و الثناء.

ثم لو ترقى الواعظ، و علم بهذه المكيدة من الشيطان، و اشتغل بنفسه و ترك النصح، أو نصح مع رعاية شرط الصدق و الإخلاص، لخيف عليه الاعجاب بنفسه في فراره عن الغرور، فيكون اعجابه بنفسه في الفرار عن الغرور غاية الغرور، و هو المهلك الأعظم من كل ذنب، و لذلك قال الشيطان:

«يا ابن آدم!اذا ظننت أنك بعملك تخلص منى فبجهلك قد وقعت في حبائلي» . ثم لو دفع عن نفسه العجب، و علم أن ذلك من اللّه-تعالى-لا منه، و أن مثله لا يقوى على دفع الشيطان عنه إلا بتوفيق اللّه، و انه ضعيف عاجز

23

لا يقدر على شي‏ء أصلا، فضلا عن دفع الشيطان، لخيف عليه الغرور بفضل اللّه و الثقة بكرمه و الأمن من مكره، حتى يظن أنه يبقى على هذه الوتيرة في المستقبل. و لا ريب أن الآمن من مكر اللّه خاسر مغرور، فسبيل النجاة بعد تهذيب النفس و خلوص القصد و الانقطاع عن الدنيا و لذاتها، ان يرى ذلك كله من فضل اللّه، و كان خائفا على نفسه من سلب حاله في كل لحظة، و غير آمن من مكر اللّه، و غير غافل عن خطر الخاتمة. و هذا خطر لا محيص عنه و خوف لا نجاة منه، إلا بمجاوزة الصراط و الدخول في الجنة، و لذلك لما ظهر الشيطان لبعض الأولياء في وقت النزع-و كان قد بقى له نفس-قال:

(أفلت مني يا فلان!؟) ، فقال: (لا!بعد) .

وصل (أهل العبادة و العمل)

و المغرورون منهم فرق كثيرة:

(فمنهم) من غلبت عليه الوسوسة في إزالة النجاسة و في الوضوء، فيبالغ فيه و لا يرتضى الماء المحكوم بالطهارة في فتوى الشرع، و يقدر الاحتمالات البعيدة الموجبة للنجاسة، و إذا آل الأمر إلى الأكل و أخذ المال قدر الاحتمالات الموجبة للحل، بل ربما أكل الحرام المحض و قدر له محملا بعيدا لحله، و لو انقلب هذا الاحتمال من الماء إلى الطعام لكان أشبه بسيرة أكابر الأولياء. ثم من هؤلاء من يخرج إلى الإسراف في صبه الماء و ربما بالغ عند الوضوء في التخليل و ضرب إحدى يديه على وجهه أو يده الأخرى، و لا يدري هذا المغرور أن هذا العمل ان كان مع اليقين بحصول ما يلزم شرعا فهو تضييع للعمر الذي هو أعز الأشياء فيما له مندوحة عنه، و ان كان بدونه بل يحتاط في التخليل ليحصل الجزم بوصول الماء إلى البشرة، فما باله يتيقن

24

بوصول الماء إلى البشرة في الغسل بدون هذه المبالغة و الاحتياط مع أن حصول القطع بايصال الماء إلى البشرة في الغسل ألزم و أوجب. ثم ربما لم يكن له مبالغة و احتياط في الصلاة و سائر العبادات، و انحصر احتياطه و مبالغته بالوضوء، زاعما أن هذا يكفي لنجاته، فهو مغرور في غاية الغرور.

و (منهم) من اغتر بالصلاة فغلبت عليه الوسوسة في نيتها، فلا يدعه الشيطان حتى يعقد نية صحيحة، بل يشوش عليه حتى تفوته الجماعة أو فضيلة الوقت، و قد يوسوس في التكبير حتى يغير صيغتها لشدة الاحتياط فيه، يفعل ذلك في أول صلاته ثم يغفل في جميع صلاته، و لا يحضر قلبه، و يغتر بذلك، و يظن أنه إذا أتعب نفسه في تصحيح النية فهو على خير. و ربما غلبت على بعضهم الوسوسة في دقائق القراءة، و اخرج حروف الفاتحة و سائر الاذكار عن مخارجها، فلا يزال يحتاط في التشديدات و تصحيح المخارج و التمييز بين مخارج الحروف المتقاربة، من غير اهتمام فيما عدا ذلك، من حضور القلب و التفكير في معاني الاذكار، ظنا منه أنه إذا صحت القراءة فالصلاة مقهولة، و هذا اقبح أنواع الغرور.

و (منهم) من اغتر بالصوم، و ربما صام الأيام الشريفة، بل صام الدهر، و لم يحفظ لسانه عن الغيبة، و لا بطنه عن الحرام عند الإفطار، ثم يظن بنفسه الخير، و ذلك في غاية الغرور.

و (منهم) من اغتر بالحج، فيخرج إلى الحج من غير خروج عن المظالم و قضاء الديون و طلب الزاد الحلال، و يضيع في الطريق الصلاة، و يعجز عن طهارة الثوب و البدن، ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق و ذمائم الصفات، و مع ذلك يظن انه على خير، فهو في غاية الغرور.

و (منهم) من اغتر بقراءة القرآن، فيهذ هذا، و ربما يختم في اليوم‏

25

و الليلة مرة، فيجري به لسانه، و قلبه مردد في أودية الأماني، و ربما أسرع في القراءة غاية السرعة، و يظن ان سرعة اللسان من الكمالات، و يتفاخر على الأمثال و الأقران.

و (منهم) من اغتر ببعض النوافل، كصلاة الليل، أو مجرد غسل الجمعة، أو أمثال ذلك، من غير اعتداد بالفرائض، زاعما أن المواظبة على مجرد هذه النافلة ينجيه في الآخرة، فهو أيضا من المغرورين.

و (منهم) من تزهد و قنع بالدون من المطعم و الملبس و المسكن، ظانا أنه أدرك رتبة الزهاد، و مع ذلك راغب في الرئاسة باشتهاره بالزهد، فهو ترك أهون المهلكين باعظمها، إذ حب الجاه أشد فسادا من حب المال، و لو ترك الجاه و أخذ المال لكان أقرب إلى السلامة، فهو مغرور، إذ ظن أنه من الزهاد، و لم يعرف أن منتهى لذات الدنيا الرئاسة، و هو يحبها، فكيف يكون زاهدا؟

الطائفة السادسة (المتصوفة)

و المغترون فيهم أكثر من ان يحصى:

(فمنهم) أرباب البوقات، و هم القلندرية الذين لا يعرفون معنى التصوف و لا شيئا من مراسيم الدين، و صرفوا اوقاتهم في التكدى و السؤال من الناس، و يظنون أنهم تاركون للدنيا مقبلون على الآخرة، مع انهم لو ظفروا بشي‏ء من أمور الدنيا لأخذوه بجميع جوارحهم، فهؤلاء ارذل الناس بوجوه كثيرة لا تخفى.

و (منهم) من اغتر بالزي، و المنطق، و لبس الصوف، و اطراق الرأس و ادخاله في الجيب، و خفض الصوت، و تنفس الصعداء، و تحريك البدن‏

26

في الطول و العرض، و السقوط إلى الأرض، (لا) سيما إذا سمعوا كلاما في الوحدة و العشق، مع عدم اطلاعهم على حقيقة شي‏ء منهما. و ربما تجاوز بعضهم من ذلك إلى الرقص و التصفيق، و إبداء الشهيق و النهيق، و اختراع الاذكار، و التغني بالاشعار... و غير ذلك من الحركات القبيحة و الهيئات الشنيعة، و يظن أن العبد بهذه الحركات و الأفعال يصل إلى الدرجات العالية، و لم يعلم المغرور أنها تقرب العبد إلى سخط اللّه و عذابه.

و (منهم) من وقع في الاباحة، و طوى بساط الشرع و الاحكام، و ترك الفصل بين الحلال و الحرام، يتكالب على الحرام و الشبهات، و لا يحترز عن أموال الظلمة و السلاطين، و ربما قال: المال مال اللّه و الخلق عيال اللّه، فهم فيه سواء. و ربما قال: ان اللّه مستغن عن عملي، فأي حاجة إلى أن أتعب نفسي فيه؟و ربما قال: لا وزن لأعمال الجوارح، و إنما النظر إلى القلوب، و قلوبنا و الهة إلى حب اللّه و اصلة إلى معرفة اللّه. و ربما خاضوا في الشهوات الدنيوية، و قالوا: إنها لا تصدنا عن طريق اللّه، لقوة نفوسنا و قوة اقدامنا فيها، و إنما يحتاج العوام إلى تهذيب النفس بالأعمال البدنية، و نحن مستغنون عنه. فهؤلاء يرفعون درجتهم عن درجة الأنبياء-عليهم السلام-إذ كانوا يصرحون بأن ارتكاب الأمور المباحة فضلا عن الخطايا و المعاصي يصدهم عن طريق اللّه، حتى يبكون سنين متوالية على ترك الراجح و فعل المرجوح، فهم أشد الناس غرورا، و أعظم الخلق حماقة و جهلا.

و (منهم) من يدعي غاية المعرفة و اليقين، و الوصول إلى درجات المقربين، و مشاهدة المعبود، و مجاورة المقام المحمود، و الملازمة في عين الشهود، و تلقف من الطامات كلمات يرددها، و يظن أنه يتكلم عن الوحي و يخبر عن السماء. و ينظر إلى العباد و الفقهاء و المحدثين و سائر أصناف العلماء

27

بعين الحقارة و الازدراء، يقول في العباد: إنهم أجراء مبعوثون، و في العلماء:

أنهم بالحديث عن اللّه لمحجوبون، و يدعي لنفسه من الكرامات ما لا يدعيه نبي و لا ولي، و يدعي كونه و أصلا إلى الحق فارغا عن أعباء التكليف، لا علما أحكم و لا عملا هذب، لم يعرف من المعارف إلا أسماء يتفوه بها عند الأغنياء للوصول إلى بعض حطامهم الخبيثة، فهو عند اللّه من الفجار المنافقين، و عند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين، مع ظنه أنه من المقربين، فهو أشد الغافلين المغرورين.

و (منهم) ملامية يرتكبون قبائح الاعمال و شنائع الافعال الموجبة للبعد عن طريق المروة، ظنا منهم أن هذا موجب لكسر النفس و إزالة ذمائم الأخلاق، و لم يعلموا ان هذه الافعال من الذمائم، و قد نهى صاحب الشرع عنه.

و (منهم) من اشتغل بالرياضة و المجاهدة، و قطع بعض المنازل، و وصل إلى بعض المقامات على قدر سعيه و مجاهدته، إلا أنه لم يتم سلوكه و انقطع عن سائر المقامات، اما لاعتراض مفسد في اثناء السلوك، أو لوقوعه في الاثناء ظنا منه انه وصل إلى اللّه و لم يصل بعد، فان للّه سبعين حجابا من نور، و لا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق الا و يظن انه قد وصل، و إليه الإشارة في حكاية الخليل، حيث رأى أولا كوكبا، فقال:

«هذا ربي» ، ثم انتقل إلى القمر، ثم عنه إلى الشمس، فانه ليس المراد بالكوكب و القمر و الشمس هذه الاجسام المضيئة، فان شأن مثل الخليل أعظم من أن يظن كونها آلهة، بل هذا ينافي شأنه و رتبته، فالمراد بها الأنوار التي هي من حجب اللّه، و يراها السالك في الطريق، و لا يتصور الوصول إلى اللّه الا بالوصول إلى هذه الحجب، و هي حجب من النور بعضها أعظم من‏

28

بعض، فاستعير لفظ الكواكب لصغره لاقل مراتبها، و القمر لاوسطها، و الشمس لاعظم مراتبها، و الخليل (ع) لم يزل عند سيره في الملكوت يصل الى نور بعد نور، و يتخيل إليه في أول ما يلقاه أنه قد وصل، ثم انكشف له أن وراءه امر، فيترقى إليه حتى وصل إلى الحجاب الاقرب، فقال: هذا أكبر، فلما ظهر أنه مع عظمته غير خال عن الهوى في حضيض النقص و الانحطاط عن ذروة الكمال، قال:

لاََ أُحِبُّ اَلْآفِلِينَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ... (1) .

فسالك هذا الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب، و ربما يغتر بالحجاب الأول، و أول الحجاب بين اللّه و بين العبد هو قلبه، فانه -أيضا-أمر رباني و نور من أنوار اللّه، تتجلى فيه حقيقة الحق كله، حتى يتسع لجملة العالم و يحيط به و تنجلى فيه صورة الكل، و عند ذلك يشرق نوره اشراقا عظيما، اذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه، و هو في أول الامر كان محجوبا، فإذا تجلى نوره و انكشف فيه جماله بعد اشراق نور اللّه تعالى ربما التفت صاحب القلب إلى القلب، فيرى من جماله الفائق ما يدهشه، فربما يسبق لسانه في هذه الدهشة، فيقول: انا الحق!فان لم يتضح له ما وراء ذلك، اغتر به، و وقف عليه و هلك، و كان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الآلهية، و لم يصل بعد إلى القمر، فضلا عن الشمس، فهو مغرور. و هذا محل الالتباس، اذ المتجلى يلتبس بالمتجلى فيه، كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة فيظن أنه لون المرآة، و كما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج فيظن أنه لون الزجاج، كما قيل:

رق الزجاج و رقت الخمر # فتشابها و تشاكل الامر

____________

(1) الانعام، الآية: 76 و 79.

29

فكأنما خمر و لا قدح # و كأنما قدح و لا خمر

و بهذه العين نظر النصارى إلى المسيح، فرأوا اشراق نور اللّه قد تلألأ فيه، فغلطوا فيه، كمن يرى كوكبا في مرآة أو في ماء، فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء، فيمد اليد إليه، فهو مغرور. و أنواع الغرور في طريق السلوك إلى اللّه كثيرة لا تخفى على أرباب البصيرة.

ثم أكثر المتلبسين بلباس العارفين-مع كذبهم فيما يدعونه، و نقصانهم في طريق السلوك، و جهلهم بحقيقة الأمر، و عدم قطعهم جل المقامات- يتشبهون بالصادقين من العرفاء في زيهم و هيئتهم و آدابهم و مراسمهم و الفاظهم، ظانين أنهم بهذا التشبه يصلون إلى مراتبهم، فهيهات هيهات!إن الوصول الى درجة كل أحد إنما تحصل بالاتصاف بأوصافه الباطنة و التخلق باخلاقه النفسية، دون التشبه به في حالاته الظاهرة، و قد شبههم بعض الأكابر بامرأة عجوز سمعت أن الشجعان من المقاتلين تثبت أسماؤهم في الديوان و يقطع لكل واحد منهم قطر من أقطار المملكة، فتاقت نفسها إلى أن تكون مثلهم، فلبست درعا، و وضعت على رأسها مغفرا، و تعلمت من رجز الأبطال أبياتا، و تعلمت كيفية جولانهم في الميدان، و تلقفت جميع شمائلهم في الزي و المنطق و الحركات و السكنات، و توجهت إلى المعسكر ليثبت اسمها في ديوان الشجعان، فلما وصلت إليه، أنفذت إلى ديوان العرض، و أمرت بأن تجرد عن المغفر و الدرع، و ينظر إلى حقيقتها، و تمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان ليعرف قدر شجاعتها، فلما جردت فإذا هي عجوز ذات منة ضعيفة لا تقدر على شي‏ء، فقيل لها: أ جئت للاستهزاء بالملك و أهل حضرته؟خذوها و القوها قدام الفيل، فداسها و نحتها. فهكذا يكون حال المدعين للتصوف و العرفان في القيامة، اذا كشف عنهم الغطاء و عرضوا إلى القاضي الحق الذي لا ينظر الى الزي و اللباس بل إلى سر القلب و صفاته.

30
الطائفة السابعة (الأغنياء و أرباب الأموال)

و المغترون فيهم أكثر من سائر الطوائف:

(فمنهم) من يحرص على بناء المساجد و المدارس و الرباطات و القناطر و سائر ما يظهر للناس بالأموال المحرمة، و ربما غصب أرض المساجد و المدارس، و ربما صير لها موقوفات أخذها من غير حلها، و لا باعث له على ذلك سوى الرياء و الشهوة، و لذا يسعى في كتابة اسمه على احجارها ليتخلد ذكره و يبقى بعد الموت أثره، و يظن المسكين أنه قد استحق المغفرة بذلك، و أنه مخلص فيه، و لم يدر أنه تعرض لسخط اللّه في كسب هذه الأموال و في انفاقها، و كان الواجب عليه الامتناع عن أخذها من أهله، و إذا عصى اللّه و أخذها، كان الواجب عليه التوبة و ردها إلى أهلها، فان لم يبق من أخذها منه و لا ورثته، كان الواجب ان يتصدق بها على المساكين، مع انه ربما كان في بلده أو في جواره مسكين يكون في غاية الفقر و المسكنة و لا يعطيه درهما.

و (منهم) من ينفق الأموال في الصدقات، الا أنه يطلب الفقراء الذين عادتهم الشكر و الافشاء للمعروف، و يكره التصدق في السر، بل يطلب المحافل الجامعة و يتصدق فيها، و ربما يكره التصدق على فقراء بلده و يرغب ان يعطى أهل البلاد الآخر مع أكثرية استحقاق فقراء بلده، طلبا لاشتهاره بالبذل و العطاء في البلاد الخارجة البعيدة، و ربما يصرف كثيرا منه الى رجل معروف في البلاد و ان لم يكن مستحقا، ليشتهر ذلك في البلاد، و لا يعطى قليلا منه إلى فقير له غاية الاستحقاق إذا كان خامل الذكر، يفعل هذا و يظن أنه يجلب بذلك الأجر و الثواب، و لم يدر المغرور أن هذا القصد

31

احبط عمله و اضاع ثوابه.

و (منهم) من يجمع مالا من غير حله، و لا يبالي باخذ المال من أي طريق كان، ثم يمسكه غاية الإمساك، إلا انه لا يبالي بصرف بعضه في طريق الحج، إما لنفسه فقط، أو لأولاده و ازواجه أيضا، اما للاشتهار، او لما وصل إليه: ان تارك الحج يبتلى بالفقر.

و (منهم) من غلب عليه البخل، فلا تسمح نفسه بانفاق شي‏ء من ماله فيشتغل بالعبادة البدنية من الصوم و الصلاة، ظنا منه ان ذلك يكفي لنجاته، و لم يدر ان البخل صفة مهلكة لا بد من ازالتها، و علاجه!بذل المال دون العبادات البدنية. و مثله مثل من دخلت في ثوبه حية، و قد أشرف على الهلاك، و هو مشغول بطبخ السكنجبين ليسكن الصفراء، و غافل بأن الحية تقتله الآن، و من قتلته الحية فأي حاجة له إلى السكجبين؟

وصل (ضد الغرور الفطانة و العلم و الزهد)

قد عرفت ان الغرور مركب من الجهل و حب مقتضيات الشهوة و الغضب، فضده الفطانة و العلم و الزهد، فمن كان فطنا كيسا عارفا بربه و نفسه و بالاخرة و الدنيا، و عالما بكيفية سلوك الطريق إلى اللّه و بما يقربه إليه و بما يبعده عنه، و عالما بآفات الطريق و عقباته و غوائله، لاجتنب عن الغرور و لم يغره الشيطان في شي‏ء من الأمور، إذ من عرف نفسه بالذل و العبودية و بكونه غريبا في هذا العالم اجنبيا من هذه الشهوات البهيمية، عرف كون هذه الشهوات مضرة له و ان الموافق له طبعا هو معرفة اللّه و النظر إلى وجهه فلا يسكن نفسه إلى شهوات الدنيا، و من عرف ربه و عرف الدنيا و الآخرة و لذاتهما و عدم النسبة بينهما ثار في قلبه حب اللّه و الرغبة إلى دار الآخرة

32

و الانزجار عن الدنيا و لذاتها، و إذا غلبت هذه الارادة على قلبه صحت نيته فى الأمور كلها، فان أكل-مثلا-او اشتغل بقضاء الحاجة كان قصده منه الاستعانة على سلوك طريق الآخرة، و اندفع عنه كل غرور منشأه تجاذب الأغراض و النزوع إلى الدنيا و إلى الجاه و المال، و ما دامت الدنيا أحب اليه من الآخرة و هوى نفسه أحب إليه من رضاء اللّه، لم يمكنه الخلاص من الغرور. فالاصل في علاج الغرور: ان يفرغ القلب من حب الدنيا، و يغلب عليه حب اللّه، حتى تتقوى به الارادة و تصح به النية و يندفع عنه الغرور. قال الصادق (ع) : «و اعلم انك لن تخرج من ظلمات الغرور و التمني الا بصدق الإنابة إلى اللّه، و الاخبات له، و معرفة عيوب أحوالك من حيث لا يوافق العقل و العلم، و لا يحتمله الدين و الشريعة و سنن القدوة و أئمة الهدى، و ان كنت راضيا بما أنت فيه فما أحد اشقى بعملك منك و اضيع عمرا، فاورثت حسرة يوم القيامة» (1) .

و منها:

طول الأمل‏

معنى طول الأمل و مرجعه-علاجه-ضده قصر الأمل-اختلاف الناس في طول الأمل-ذكر الموت مقصر للامل-التعجب ممن ينسى الموت- الموت أعظم الدواهي-مراتب الناس في ذكر الموت.

و هو أن يقدر و يعتقد بقاءه إلى مدة متمادية، مع رغبته في جميع توابع البقاء: من المال و الأهل و الدار و غير ذلك، و هو من رذائل قوتي العاقلة و الشهوة، إذ الاعتقاد المذكور راجع إلى الجهل المتعلق بالعاقلة، و حبه

____________

(1) صححناه على مصباح الشريعة-الباب 36.

33

لجميع توابع البقاء و ميله إليه من شعب حب الدنيا. و جهله راجع إلى تعويله!إما على شبابه، فيستبعد قرب الموت مع الشباب، و لا يتفكر المسكين في ان مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشر عشير أهل البلد، و انما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، و إلى أن يموت شيخ يموت الف صبي و شاب، أو على صحته و قوته، و يستبعد مجي‏ء الموت فجأة، و لا يتأمل في أن ذلك غير بعيد، و لو سلم بعده فالمرض فجأة غير بعيد، إذ كل مرض انما يقع فجأة، و إذا مرض لم يكن الموت بعيدا. و لو تفكر هذا الغافل، و علم أن الموت ليس له وقت مخصوص، من شباب و شيب و كهولة، و من شتاء و خريف و صيف و ربيع، و ليل و نهار، و حضر و سفر، لكان دائما مستشعرا غير غافل عنه، و عظم اشتغاله بالاستعداد له، لكن الجهل بهذه الأمور و حب الدنيا بعثاه على الغفلة و طول الأمل، فهو ابدا يظن أن الموت بين يديه، و لا يقدر نزوله و وقوعه فيه. و يشيع الجنائز و لا يقدر ان تشيع جنازته، لأن هذا قد تكرر عليه، و الفه بتكرر مشاهدة موت غيره. و أما موت نفسه، فلم يألفه و لا يتصور ان يألفه، لأنه لم يقع، و إذا وقع لا يقع دفعة أخرى بعده، فهو الأول و هو الآخر! و اما حبه لتوابع البقاء!من المال و الدار و المراكب و الضياع و العقار، فراجع إلى الانس بها و الالتذاذ بها في مدة مديدة، فيثقل على قلبه مفارقتها، فيمنع قلبه عن التفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، اذ كل من كره شيئا يدفعه عن نفسه. و الإنسان لما كان مشغوفا بالاماني الباطلة، و بالدنيا و شهواتها و لذاتها و علائقها، فتتمنى نفسه أبدا ما يوافق مراده، و مراده البقاء في الدنيا، فلا يزال يتوهمه و يقرره في نفسه، و يقدر توابع البقاء من أسباب الدنيا، فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه، فيلهو عن ذكر الموت و لا يقدر قربه، فان خطر له في بعض الاحيان امر الموت و الحاجة

34

إلى الاستعداد له، سوّف و وعد نفسه إلى ان يكبر فيتوب. و إذا كبر اخر التوبة إلى ان يصير شيخا، و إذا صار شيخا يؤخرها إلى أن يفرغ من عمارة هذه الضيعة او يرجع من سفر كذا او يفرغ من تدبير هذا الولد و جهازه و تدبير مسكن له، و لا يزال يسوف و يؤخر إلى ان يخطفه الموت في وقت لا يحتسبه، فتعظم عند ذلك بليته و تطول حسرته، و قد ورد ان أكثر أهل النار صياحهم من سوف، يقولون و احزناه من سوف!و المسوف المسكين لا يدري ان الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا، و انما يزداد بطول المدة قوة و رسوخا، إذ الخائض في الدنيا لا يتصور له الفراغ منها قط، اذ ما قضى من أخذ منها لبانته، و انما فرغ منها من اطرحها.

فصل (علاج طول الأمل)

لما عرفت ان طول الأمل منشأه الجهل و حب الدنيا، فينبغي أن يدفع الجهل بالفكر الصافي من شوائب العمى، و بسماع الوعظ من النفوس الطاهرة، فان من تفكر يعلم ان الموت أقرب إليه من كل شي‏ء، و انه لا بد ان تحمل جنازته و يدفن في قبره، و لعل اللبن الذي يغطى به لحده قد ضرب و فرغ منه، و لعل اكفانه قد خرجت من عند القصار و هو لا يدري به. و اما حب الدنيا فينبغي ان يدفع من القلب بالتأمل في حقارة الدنيا و نفاسة الآخرة، و ما ورد في الأخبار من الذم و العقاب في حب الدنيا و الرغبة إليها، و من المدح و الثواب على تركها و الزهد عنها، و قد تقدم ما يكفي لهذا البيان.

و ينبغي-أيضا-ان يتذكر ما ورد في مدح ضد طول الأمل-اعني قصر الأمل كما يأتي-و ما ورد في ذم طول الأمل، كقوله-صلّى اللّه عليه و آله-:

«ان أشد ما أخاف عليكم خصلتان!اتباع الهوى، و طول الأمل. فأما اتباع‏

35

الهوى فانه يصد عن الحق، و اما طول الأمل فانه الحب للدنيا-ثم قال-:

ان اللّه يعطي الدنيا من يحب و يبغض و إذا أحب عبدا أعطاه الايمان، الا ان للدين أبناء و الدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين و لا تكونوا من أبناء الدنيا. الا ان الدنيا قد ارتحلت مولية، الا ان الآخرة قد أنت مقبلة، الا و انكم في يوم عمل ليس فيه حساب، الا و انكم يوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل» (1) . و قوله-صلّى اللّه عليه و آله-: «نجا أول هذه الأمة باليقين و الزهد، و يهلك آخر هذه الأمة بالبخل و الأمل» . و قول أمير المؤمنين-عليه السلام-: «ما أطال عبد الأمل الا أساء الأمل

وصل (قصر الأمل)

ضد طول الأمل قصره، و هو من شعار المؤمنين و دثار الموقنين، و لذا ورد في الأمر به و النهي عن ضده ما ورد، قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-: «إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، و إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، و خذ من دنياك لآخرتك، و من حياتك لموتك، و من صحتك لسقمك، فانك لا تدري ما سمك غدا» . و قال-صلّى اللّه عليه و آله- بعد ما سمع أن أسامة اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر: «ان أسامة لطويل الأمل. و الذي نفسي بيده!ما طرفت عيناي الا ظننت أن شفري لا يلتقيان

____________

(1) صححنا الحديث على احياء العلوم: 4-384، و هو يرويه عن علي (ع) عن النبي (ص) ، و لكن في كنز العمال: 2-169، يرويه: انه من كلام علي (ع) نفسه، مع اختلاف يسير عن عبارة الاحياء، و عبارة الكنز أبلغ و أرصن، و فيه كلمة (الآخرة) بدل (الدين) ، و نفس الكلام مع اختلاف يسير أيضا (و هو أبلغ و أعلى من العبارتين) ، مروي في نهج البلاغة: رقم 41 من باب الخطب، فراجع.

36

حق يقبض اللّه روحي، و لا رفعت طرفي فظنت أنى واضعه حتى اقبض، و لا لقمت لقمة إلا ظننت اني لا اسيغها حتى اغص بها من الموت» ، ثم قال:

«يا بني آدم!إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، و الذي نفسي بيده! أن ما توعدون لآت و ما أنتم بمعجزين» . و روى: «انه-صلّى اللّه عليه و آله- قد اطلع ذات عشية إلى الناس، فقال: ايها الناس!اما تستحيون من اللّه تعالى؟قالوا: و ما ذاك يا رسول اللّه!قال: تجمعون ما لا تأكلون، و تأملون ما لا تدركون، و تبنون ما لا تسكنون» . «و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: أ كلكم يحب أن يدخل الجنة؟قالوا: نعم يا رسول اللّه!قال:

قصروا من الأمل، و اجعلوا آجالكم بين أبصاركم، و استحيوا من اللّه حق الحياء» . و كان-صلّى اللّه عليه و آله-يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة، و أعوذ بك من حياة تمنع خير الممات، و أعوذ بك من امل يمنع خير العمل» و كان-صلّى اللّه عليه و آله-يتيمم مع القدرة على الماء قبل مضي ساعة، و يقول لعلي لا أبلغه. و قال عيسى-عليه السّلام-:

«لا تهتموا برزق غد، فان لم يكن غدا من آجالكم فتأتي ارزاقكم مع آجالكم، و ان لم يكن غدا من آجالكم فلا تهتموا لأرزاق غيركم» .

فصل (اختلاف الناس في طول الأمل)

الناس في طول الأمل و قصره مختلفون: (فمنهم) من يأمل البقاء و يشتهيه أبدا، كما قال اللّه-سبحانه-:

يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ (1)

____________

(1) البقرة، الآية: 96.

37

و هو الذي انغمر في الدنيا و خاض في لذاتها، و ليس له من الآخرة نصيب. (و منهم) من يأمل البقاء إلى اقصى مدة العمر الذي يتصور لأهل عصره، و هو الذي يحب الدنيا حبا شديدا، و يشتغل بجمع ما يمكنه في هذه المدة، و ربما يجتهد بجمع الازيد منه. (و منهم) من يأمل أقل من ذلك إلى ان ينتهي إلى من لا يأمل أزيد من سنة، فلا يشتغل بتدبير ما وراءها، و لا يقدر لنفسه وجوده في عام قابل، فان بلغه حمد اللّه على ذلك، و مثله يستعد في الصيف للشتاء و في الشتاء للصيف، و إذا جمع ما يكفيه السنة اشتغل بالعبادة. (و منهم) من يأمل أقل من السنة إلى ان ينتهي إلى من لا يأمل أزيد من يوم و ليلة، فلا يستعد الا لنهاره دون غده. (و منهم) من يكون الموت نصب عينيه، كأنه واقع به و هو ينتظره، و مثله يصلى دائما صلاة المودعين. و روى: «أن النبي-صلّى اللّه عليه و آله-سأل بعض الصحابة عن حقيقة ايمانه، قال: ما خطوت خطوة الا ظننت اني لا اتبعها أخرى» .

و كان بعضهم إذا يصلى يلتفت يمينا و شمالا، و لما قيل له: ما هذا الالتفات؟ قال: «انتظر ملك الموت من اني جهة يأتيني» .

ثم أكثر الخلق- (لا) سيما في أمثال زماننا-قد غلبهم طول الأمل، بحيث لا يأمل أقل من اقصى مدة السن، و قلّ فيهم من قصر امله، و العجب انه كلما يزداد السن يزداد طول الأمل، و في عصرنا أكثر المشايخ و المعمرين حرصهم و طول املهم أكثر من الشبان، و من هنا قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-: «يشيب ابن آدم و تشب فيه خصلتان: الحرص، و طول الأمل» .

و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «حب الشيخ شاب في طلب الدنيا، و ان التقت ترقوتاه من الكبر، إلا الذين اتقوا، و قليل ما هم» .

ثم يعرف طول الأمل و قصره بالأعمال: فمن اعتنى بجمع أسباب‏

38

لا يحتاج إليها في سنة فهو طويل الأمل، و كذلك من انتشرت أموره، بأن يكون له مع الناس معاملات و محاسبات إلى مدة معينة، كالسنة و أزيد منها، و كان عليه ديون من الناس كذلك، و مع ذلك لم يكن مضطربا و لا خائفا فهو طويل الأمل. فعلامة قصر الأمل: أن يجمع امره بحيث لا يكون عليه من الناس شي‏ء، و لا يسعى لطلب قوت الزائد على أربعين يوما، و يصرف اوقاته في الطاعة و العبادة، و يرى نفسه كمسافر يجتهد في تحصيل الزاد.

فصل (ذكر الموت مقصر للامل)

ذكر الموت يقصر الأمل و يدفع طوله، و يوجب التجافي عن دار الغرور و الاستعداد لدار الخلود، و لذا ورد في فضيلته و الترغيب فيه اخبار كثيرة، قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-: «أكثروا ذكر هادم اللذات» ، قيل: و ما هو يا رسول اللّه؟!قال: «الموت، فما ذكره عبد على الحقيقة في منعة الا ضاقت عليه الدنيا، و لا في شدة الا اتسعت عليه» . و قال -صلّى اللّه عليه و آله-: «تحفة المؤمن الموت» . و قال-صلّى اللّه عليه و آله-:

«الموت كفارة لكل مسلم» . و قيل له-صلّى اللّه عليه و آله-أهل يحشر مع الشهداء أحد؟قال: «نعم!من يذكر الموت في اليوم و الليلة عشرين مرة» . و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «أكثروا من ذكر الموت، فانه يمحص الذنوب، و يزهد في الدنيا» . و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «كفى بالموت واعظا» . و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «الموت الموت، الا و لا بد من الموت، جاء الموت بما فيه، جاء بالروح و الراحة و الكرة المباركة إلى جنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم و فيها رغبتهم» . و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «اذا استحقت ولاية اللّه و السعادة، جاء الأجل بين العينين و ذهب‏

39

الأمل وراء الظهر، و إذا استحقت ولاية الشيطان و الشقاوة، جاء الأمل بين العينين و ذهب الأجل وراء الظهر» . و ذكر عنده-صلّى اللّه عليه و آله-رجل، فاحسنوا الثناء عليه، فقال-صلّى اللّه عليه و آله-: «كيف ذكر صاحبكم للموت؟» قالوا: ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت، قال: «فان صاحبكم ليس هنا لك» . و سئل:

أي المؤمنين أكيس و أكرم؟فقال: «أكثرهم ذكرا للموت، و أشدهم استعدادا له، أولئك هم الاكياس، ذهبوا بشرف الدنيا و كرامة الآخرة» . و قال الباقر-عليه السلام-: «أكثروا ذكر الموت، فانه لم يكثر ذكره انسان الازهد في الدنيا» . و قال الصادق-عليه السّلام-: «اذا أنت حملت جنازة فكن كأنك أنت المحمول و كأنك سألت ربك الرجوع إلى الدنيا ففعل، فانظر ما ذا تستأنف» . ثم قال-عليه السلام-: «عجبا لقوم حبس أولهم عن آخرهم، ثم نودي فيهم بالرحيل و هم يلعبون» . و قال-عليه السلام-لأبي بصير-بعد ما شكى إليه الوسواس-: «اذكر يا ابا محمد تقطع أوصالك في قبرك، و رجوع احبائك عنك إذا دفنوك في حفرتك، و خروج بنات الماء من منخريك، و أكل الدود لحمك، فان ذلك يسلي عليك ما أنت فيه» ، قال ابو بصير: فو اللّه!ما ذكرته إلا سلى عنى ما أنا فيه من هم الدنيا. و قال -عليه السّلام-: «من كان كفنه معه في بيته لم يكتب من الغافلين، و كان ماجورا كلما نظر إليه» (1) . و قال-عليه السّلام-: «ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، و يقلع منابت الغفلة، و يقوى القلب بمواعد اللّه، و يرق الطبع، و يكسر اعلام الهوى، و يطفى نار الحرص، و يحقر الدنيا، و هو معنى ما قال النبي-صلّى اللّه عليه و آله-: (فكر ساعة خير من عبادة سنة) .

____________

(1) صححنا أكثر الأحاديث على الوسائل-ج 1: الباب 23 من ابواب الاستحضار في كتاب الطهارة-، و على احياء العلوم: 4-283.

40

و ذلك عند ما يحل أطناب خيام الدنيا و يشدها في الآخرة، و لا ينكر نزول الرحمة عند ذكر الموت بهذه الصفة، و من لا يعتبر بالموت، و قلة حيلته، و كثرة عجزه، و طول مقامه في القبر، و تحيره في القيامة، فلا خير فيه. و قال النبي-صلّى اللّه عليه و آله-: (أكثروا ذكر هادم اللذات... ) ، ثم ذكر تمام الحديث كما مر... ثم قال-عليه السّلام-: و الموت أول منزل من منازل الآخرة و آخر منزل من منازل الدنيا، فطوبى لمن أكرم عند النزول بأولها، و طوبى لمن حسن مشايعته في آخرها، و الموت أقرب الأشياء من بني آدم، و هو بعده أبعد، فما أجرأ الإنسان على نفسه، و ما اضعفه من خلق، و في الموت نجاة المخلصين و هلاك المجرمين، و لذلك اشتاق من اشتاق إلى الموت و كره من كره، قال النبي-صلّى اللّه عليه و آله-: (من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه، و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه) » (1) .

فصل (العجب ممن ينسى الموت)

عجبا لقوم نسوا الموت و غفلوا عنه، و هو اظهر اليقينيات و القطعيات في العالم، و أسرع الأشياء إلى بني آدم، قال اللّه-سبحانه و تعالى-:

أَيْنَمََا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (2) و قال-سبحانه-: كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ إِنَّمََا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنََّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فََازَ وَ مَا اَلْحَيََاةُ

____________

(1) صححنا الحديث على مصباح الشريعة: الباب 84.

(2) النساء، الآية: 77.

41

اَلدُّنْيََا إِلاََّ مَتََاعُ اَلْغُرُورِ (1) .

و قال الصادق-عليه السّلام-: «ما خلق اللّه يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت» . و قال أمير المؤمنين-عليه السّلام-: «ما انزل الموت حق منزلته من عد غدا من اجله» . و قال-عليه السّلام-: «لو رأى العبد أجله و سرعته إليه، لأبغض العمل من الدنيا» . و قال الصادق (ع) :

«ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلا و ملك الموت يتصفحه كل يوم خمس مرات» . و قد تقدمت اخبار اخر في هذا المعنى.

فصل (الموت أعظم الدواهي)

اعلم أن الموت داهية من الدواهي العظمى، و من كل داهية أشد و ادهى، و هو من الأخطار العظيمة، و الأهوال الجسيمة، فمن علم أن الموت مصرعه و التراب مضجعه، و القبر مقره و بطن الأرض مستقره، و الدود أنيسه و العقارب و الحيات جليسه، فجدير أن تطول حسرته و تدوم عبرته، و تنحصر فيه فكرته و تعظم بليته، و تشتد لأجله رزيته، و يرى نفسه في أصحاب القبور و يعدها من الأموات، إذ كل ما هو آت قريب، و البعيد ما ليس بآت، و حقيق ألا يكون ذكره و فكره و غمه و همه و قوله و فعله و سعيه وجده إلا فيه و له، قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-: «لو أن البهائم يعلمون ما تعلمون ما اكلتم منها سمينا» . أو قال-صلّى اللّه عليه و آله-لقوم يتحدثون و يضحكون:

«اذكروا الموت، أما و الذي نفسي بيده!لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا» . و مر-صلّى اللّه عليه و آله-بمجلس قد استعلاه الضحك،

____________

(1) آل عمران، الآية: 185.

42

فقال: «شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات» . قالوا: و ما مكدر اللذات؟ قال: «الموت» .

ثم غفلة الناس عن الموت لقلة فكرهم فيه و ذكرهم له، و من يذكره ليس يذكره بقلب فارغ، بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا و علائقها، فلا ينفع ذكره في قلبه، فالطريق فيه: أن يفرغ القلب عن كل شي‏ء إلا عن ذكر الموت الذي بين يديه، كالذي يريد ان يسافر إلى بلد بعيد ما بينهما مفازة مخطرة، أو بحر عظيم لا بد أن يركبه، فانه لا يتفكر إلا فيه، و من تفكر في الموت بهذا الطريق و تكرر منه ذلك، لأثر ذكره في قلبه، و عند ذلك يقل فرحه و سروره بالدنيا، و تنزجر نفسه عنها، و ينكسر قلبه، و يستعد لأجله. و أوقع طريق فيه: أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله، و نقلوا من انس العشرة إلى وحشة الوحدة. و من ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، و من ملاعبة الجواري و الغلمان إلى مصاحبة الهوام و الديدان، و يتذكر مصرعهم تحت التراب، و يتذكر صورهم في مناصبهم و أحوالهم، ثم يتفكر كيف محى التراب الآن حسن صورتهم، و كيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم، و كيف أرملوا نساءهم و أيتموا أولادهم و ضيعوا أموالهم و خلت منهم مساكنهم و مجالسهم و انقطعت آثارهم و اوحشت ديارهم، فمهما تذكر رجلا رجلا، و فصل في قلبه حاله و كيفية حياته، و توهم صورته، و تذكر نشاطه و أمله في العيش و البقاء، و نسيانه للموت، و انخداعه بمؤثثات الأسباب، و ركونه إلى القوة و الشباب، و ميله إلى الضحك و اللهو، و غفلته عما بين يديه من الموت الذريع و الهلاك السريع، و انه كيف كان يتردد و الآن قد تهدمت رجلاه و مفاصله، و كيف كان ينطق و قد أكل الدود لسانه، و كيف كان يضحك و قد أكل التراب أسنانه، و كيف دبر لنفسه الأمور و جمع من حطام الدنيا مالا يتفق احتياجه إليه على مر الاعوام و الشهور و كر الازمنة و الدهور. ثم يتأمل‏

43

أنه مثلهم، و غفلته كغفلتهم، و سيصير حاله في القبر كحالهم، فملازمة هذه الأفكار و أمثالها، مع دخول المقابر و تشييع الجنائز و مشاهدة المرضى، تجدد ذكر الموت في قلبه، حتى يغلب عليه بحيث يصير الموت نصب عينيه، و عند ذلك ربما يستعد له و يتجافى عن دار الغرور، و اما الذكر بظاهر القلب و عذبة اللسان فقليل الجدوى في التنبيه و الايقاظ. و مهما طاب قلبه بشي‏ء من أسباب الدنيا، فينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته. كما نقل: أن بعض الأكابر نظر إلى داره فاعجبه حسنها، فبكى و قال: و اللّه لو لا الموت لكنت بها مسرورا.

فصل (مراتب الناس في ذكر الموت)

الناس بين منهمك في الدنيا خائض في لذاتها و شهواتها، و بين تائب مبتدئ، و عارف منتهى.

(فالأول) : لا يذكر الموت، و إن ذكره فيذكره ليذمه لصده عما يحبه من الدنيا، و هو الذي يفر منه، و قال اللّه-تعالى-فيه:

قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاََقِيكُمْ... الآية (1)

و هذا يزيده ذكر الموت بعدا من اللّه، الا إذا استفاد منه التجافي عن الدنيا، و يتنغص عليه نعيمه، و يتكدر صفو لذته، و حينئذ ينفعه، لأن كل ما يكدر على الإنسان اللذات فهو من أسباب نجاته.

(و الثاني) : يكثر ذكر الموت لينبعث من قلبه الخوف و الخشية، فيفي

____________

(1) الجمعة، الآية: 8.

44

بتمام التوبة، و ربما يكرهه خيفة من أن يختطفه قبل الاستعداد و تهيئة الزاد و تمام التوبة، و هو معذور في كراهة الموت، و لا يدخل تحت قوله-صلّى اللّه عليه و آله-: «من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه» ، لان هذا ليس يكره الموت و لقاء اللّه، و إنما يخاف فوت لقاء اللّه لقصوره و تقصيره، و هو الذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يعد كارها للقائه. و علامة هذا: أن يكون دائم الاستعداد للموت لا شغل له سواه، و إن لم يكن مستعدا له عاملا بما ينفعه في الآخرة التحقيق بالاول.

(و اما الثالث) : فانه يذكر الموت دائما، لانه موعد للقاء حبيبه، و المحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب، و هذا في غالب الامر يستبطئ مجي‏ء الموت و يحب مجيئه، ليتخلص من دار العاصين و ينتقل إلى جوار رب العالمين، كما روي: «أن حذيفة لما حضرته الوفاة قال: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من رده، اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى، و السقم أحب إلي من الصحة، و الموت أحب الي من الحياة، فهل على الموت حتى ألقاك» .

و أعلى رتبة منه: من يفوض امره إلى اللّه، و لا يختار لنفسه شيئا: من الموت أو الحياة، و الفقر و الغنى، و المرض و الصحة، بل يكون أحب الأشياء إليه احبها إلى مولاه، و هذا قد انتهى بفرط الحب و الولاء إلى درجة التسليم و الرضا، و هو الغاية و الانتهاء.

تتميم (المبادرة إلى الحسنات)

من علامات قصر الأمل و ذكر الموت: المبادرة إلى الحسنات و اشتياق الخيرات، و لذا ورد فيه الترغيب و الحذر عن آفة التأخير، قال رسول اللّه

45

-صلّى اللّه عليه و آله-: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، و صحتك قبل سقمك، و غناك قبل فقرك، و فراغك قبل شغلك، و حياتك قبل موتك» و قال-صلّى اللّه عليه و آله-: «من خاف أدلج و من أدلج بلغ المنزل.

ألا إن سلعة اللّه غالية، ألا إن سلعة اللّه الجنة» (1) . و كان-صلّى اللّه عليه و آله-اذا احس من أصحابه غفلة و غرة، نادى فيهم بصوت عال: «أتتكم المنية، إما بشقاوة أو بسعادة» ، و روى: أنه ما من صباح و لا ماء إلا و مناد ينادي: أيها الناس!الرحيل الرحيل!و قال بعض الأكابر: التؤدة فى كل شي‏ء خير، إلا في أعمال الآخرة.

و منها:

العصيان‏

و لا ريب في كونه من رذائل قوتي الغضب و الشهوة معا، لأن بعض انواعه من رذائل أحداهما من جانب الإفراط أو التفريط، أو من باب رداءتها، و بعض آخر من انواعه من رذائل الأخرى. و ضده (التقوى و الورع) ، و بالمعنى الأعم: اعني الاجتناب عن مطلق المعصية خوفا من سخط اللّه، و قد تقدم ما ورد في فضيلتهما، فتذكر.

و منها:

الوقاحة

و هو عدم مبالاة النفس، و عدم انفعالها من ارتكاب المحرمات الشرعية و العقلية أو العرفية، و كونه من رداءة قوتي الغضب و الشهوة ظاهر.

____________

(1) صححنا الحديث على احياء العلوم: 4-390. و في نسخ الكتاب (أولج و من اولج) .

46

و ضدها (الحياء) ، و هو انحصار النفس و انفعالها من ارتكاب المحرمات الشرعية و العقلية و العادية حذرا من الذم و اللوم، و هو أعم من التقوى، إذ التقوى اجتناب المعاصي الشرعية، و الحياء يعم ذلك و اجتناب ما يقبحه العقل و العرف أيضا، فهو من شرائف الصفات النفسية، و لذا ورد في فضله ما ورد، قال الصادق-عليه السّلام-: «الحياء من الايمان، و الايمان في الجنة» . و قال-عليه السّلام-: «الحياء و العفاف و العي-أعني عيّ اللسان لا عي القلب-من الايمان» . و قال-عليه السّلام-: «الحياء و الايمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه» . و قال-عليه السّلام-:

«لا ايمان لمن لا حياء له» . ثم حقيقة الحياء-كما عرفت-هو الانفعال عن ارتكاب ما يذم شرعا أو عقلا أو عرفا، فالانفعال عن غير ذلك حمق، فان الانفعال عن تحقيق احكام الدين أو الخمود عما ينبغي شرعا و عقلا لا يعد حياء بل حمقا. و لذا قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-: «الحياء حياء ان:

حياء عقل و حياء حمق، فحياء العقل هو العلم و حياء الحمق هو الجهل» (1) .

و منها:

الإصرار على المعصية

رجوع رذيلة الإصرار إلى أي القوى و ذمها-ضد الإصرار التوبة و تعريفها-هل يشترط في التوبة القدرة على الذنب السابق؟-وجوب التوبة-تحقيق في وجوبها-عموم وجوبها-لا بد من العمل بعدها-فضيلتها- قبولها-طريقة التوبة من المعاصي-تكفير الصغائر و معنى الكبائر-الصغائر قد تكون كبائر-شروط كمال التوبة-هل يصح التبعيض فيها؟-أقسام

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على أصول الكافي (باب الحياء) .

47

التائبين-مراتب التوبة-عدم الثقة بالاستقامة لا يمنع من التوبة-علاج الإصرار على الذنوب-الإنابة-المحاسبة و المراقبة-المعنى الظاهر لهما- حاسبوا أنفسكم قبل ان تحاسبوا-مقامات مرابطة الفعل للنفس.

و هو إما ناشئ من رداءة إحدى القوتين و خروجها عن إطاعة العاقلة، أو عن رداءتهما معا، فيكون من رذائل القوتين، و كل ما يدل على ذم مطلق المعصية أو على ذم خصوص افرادها المعينة يدل على ذم الإصرار على المعصية بطريق أولى و أوكد. و الاخبار الواردة في ذم خصوص افراد المعاصي ربما يظفر بجملة منها في هذا الكتاب عند ذكر كل معصية، و أما الاخبار الواردة في ذم مطلق الذنب و المعصية فكثيرة جدا، كقول النبي-صلّى اللّه عليه و آله-: «ما من يوم طلع فجره و لا ليلة غاب شفقها إلا و ملكان يناديان باربعة اصوات، يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا، و يقول الآخر:

يا ليتهم إذ خلقوا علموا لما ذا خلقوا، فيقول الآخر: فيا ليتهم إذ لم يعلموا لما ذا خلقوا عملوا بما علموا، فيقول الآخر: و يا ليتهم إذ لم يعملوا بما علموا تابوا مما عملوا. و اعلموا أن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، و أنه لينظر إلى ازواجه في الجنة يتنعمن» . و قال أمير المؤمنين-عليه السّلام-:

«لا تبدين عن واضحة و قد عمتك الاعمال الفاضحة، و لا تأمن البيات و قد عملت السيئات» أو قال الباقر-عليه السّلام-: «إن اللّه قضى قضاء حتما ألا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة» .

و قال-عليه السّلام-: «ما من شي‏ء أفسد للقلب من خطيئته، إن القلب ليواقع الخطيئة، فما يزال به حتى يغلب عليه، فيصير أعلاه أسفله» . و قال -عليه السّلام-: «إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق» . و قال‏

48

الصادق-عليه السّلام-: «يقول اللّه-تعالى-: إن أدنى ما اصنع بالعبد اذا آثر شهوته على طاعتي أن احرمه لذيذ مناجاتي» . و قال-عليه السّلام-:

«من همّ بسيئة فلا يعملها، فانه ربما عمل العبد السيئة فيراه الرب-تعالى- فيقول: و عزتي و جلالي!لا أغفر لك بعد ذلك ابدا» . و قال (ع) : «أما إنه ليس من عرق يضرب، و لا نكبة و لا صداع و لا مرض، إلا بذنب، و ذلك قول اللّه-عز و جل-في كتابه:

وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (1) .

قال-عليه السّلام-: و ما يعفو اللّه أكثر مما يؤاخذ به» . و قال (ع) :

«إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، و ان العمل السي‏ء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم» . و قال الكاظم-عليه السّلام-: «حق على اللّه ألا يعصى في دار إلا اضحاها للشمس حتى يطهرها» (2) .

و الأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، و لا يتوهم أحد أنه يمكن ألا يصل إليه أثر الذنب و وباله، فان هذا محال. فانه لم يتجاوز عن الأنبياء في تركهم الأولى، فكيف يتجاوز عن غيرهم في كبائر المعاصي. نعم، كانت سعادتهم في أن عوجلوا بالعقوبة و لم يؤخروا إلى الآخرة، و الأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما، و يعذبوا في الآخرة عذابا أكبر و أشد، أما سمعت أن أباك آدم قد اخرج من الجنة بتركه الأولى؟حتى روى: «أنه لما أكل الشجرة تطايرت الحلل عن جسده و بدت عورته، و جاء جبرئيل-عليه السّلام-و أخذ التاج من رأسه و خلى الاكليل عن جنبيه، و نودي من فوق العرش: اهبطا من

____________

(1) الشورى، الآية: 30.

(2) صححنا الأحاديث هنا على أصول الكافي (باب الذنوب) .

49

جوارى، فانه لا يجاورني من عصاني، فالتفت ادم إلى حواء باكيا، و قال:

هذا أول شؤم المعصية، أخرجنا من جوار الحبيب» . و روى: «انه-تعالى- قال: يا آدم!اي جار كنت لك؟قال: نعم الجار يا رب!قال: يا آدم!اخرج من جوارى وضع عن رأسك تاج كرامتي، فانه لا يجاورني من عصاني» . و قد روى: «ان آدم بكى على ذنبه مائتي سنة، حتى قبل اللّه توبته و تجاوز عما ارتكبه من ترك الأولى» . فان كانت مؤاخذته في نهى تنزيه مع حبيبه و صفيه هكذا، فكيف معاملته مع الغير في ذنوب لا تحصى.

وصل (التوبة و تعريفها)

ضد الإصرار (التوبة) ، و هي الرجوع من الذنب القولي و الفعلي و الفكري، و بعبارة أخرى: هي تنزيه القلب عن الذنب و الرجوع من البعد الى القرب، و بعبارة أخرى: ترك المعاصي في الحال و العزم على تركها في الاستقبال و تدارك ما سبق من التقصير. و كما ان الإصرار على العصيان من رذائل قوتي الغضب و الشهوة، فالرجوع عنه و تركه من فضائلهما، بمعنى أن العزم على ترك كل معصية يكون من عمل كليهما او أحداهما، و من فعل النفس باعانتهما و انقيادهما للعاقلة، و ان كان الباعث على الرجوع و تهيج النفس و القوتين على مباشرة الرجوع و الترك هو معرفة عظم ضرر الذنوب، و كونها حجابا بين العبد و بين المحبوب، و يمكن ان يقال: إن التوبة هو الرجوع عن الذنب، و هو من ثمرات الخوف و الحب. فان مقتضى الحب أن يمتثل مراد المحبوب و لا يعصى في شي‏ء مما يريده و يطلب من المحب، فتكون من فضائل القوتين أيضا. و يمكن أن يقال: إن التوبة عبارة عن مجموع العلم بضرر الذنوب، و كونها حجابا بينه و بين اللّه، و الندم الحاصل منه، و القصد المتعلق‏

50

بالترك حالا و استقبالا، و التلافي للماضي و الندم، و القصد بالترك و التلافي من فعل القوتين أو فعل النفس بوساطة القوتين و انقيادهما للعاقلة، و العلم المذكور من العاقلة، فتكون التوبة من فضائل القوى الثلاث.

و توضيح حقيقة التوبة: أنه إذا علم العبد علما يقينيا أن ما صدر عنه من الذنوب حائلة بينه و بين محابه. ثار من هذا العلم تألم القلب بسبب فوات المحبوب، و صار متأسفا على ما صدر عنه من الذنوب، سواء كانت افعالا أو تروكا للطاعات، و يسمى تألمه-بسبب فعله أو تركه المفوت لمحبوبه-ندما.

و إذا غلب هذا الندم على القلب، انبعثت منه حالة أخرى تسمى إرادة و قصدا إلى فعل له تعلق بالحال بترك الذنب الذي كان ملابسا له، و بالاستقبال بعزمه على ترك الذنب المفوّت لمحبوبه إلى آخر عمره، و بالماضي بتلافيه ما فات بالجبر و القضاء. فالعلم-أعني اليقين بكون الذنوب سموما مهلكة-هو الأول، و هو مطلع البواقي، إذ مهما اشرق نور هذا اليقين على القلب أثمر نار الندم على الذنب، فيتألم به القلب، حيث ينظر باشراق نور الايمان و اليقين أنه صار محجوبا عن محبوبه، كمن يشرق عليه نور الشمس و قد كان في ظلمة، فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب، فيرى محبوبه قد أشرف على الهلاك، فتشتعل نيران الحب في قلبه، و تنبعث بتلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك. فالعلم، و الندم، و القصد المتعلق بالترك في الحال و الاستقبال و التلافي للماضي: ثلاثة معان مترتبة في الحصول، يطلق اسم (التوبة) على مجموعها. و ربما أطلقت التوبة على مجرد الندم، و جعل العلم كالسابق و المقدمة، و الترك كالثمرة و التابع للمتأخر، و إلى هذا الاعتبار يشير قوله-صلّى اللّه عليه و آله-: «الندم توبة» . إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه و اثمره، أو عن عزم يتبعه و يتلوه، فيكون الندم محفوفا بطرفيه، اعني ثمرته و مثمره. و بهذا الاعتبار

51

قيل في حدها: إنها ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ، أو نار في القلب تلتهب و صدع في الكبد لا ينشعب، و ربما أطلقت على مجرد ترك الذنوب حالا و العزم على تركها استقبالا، و بهذا الاعتبار قيل في حدها: إنها خلع لباس الجفاء و نشر بساط الوفاء، و إنها تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة، أو إنها ترك اختيار الذنب حالا و توطين القلب و تجريد العزم على عدم العود استقبالا. و على هذا لا يكون الندم داخلا في حقيقة التوبة، و قد صرح بعض الاعاظم بخروجه عنها، محنجا بأن الندم-و هو تألم القلب و حزنه على الذنب-غير مقدور، و لذا ترى تقع الندامة على أمور في قلبه و هو يريد ألا يكون ذلك فلا يكون الندم مقدورا، و انما المقدور تحصيل أسبابه، أعني الايمان و العلم بفوات المحبوب و تحقيقهما في قلبه. و على هذا فلا يكون الندم من التوبة، إذ التوبة مقدورة للعبد و مأمور بها، فاللازم فيها التندم دون الندم. و غير خفي بأن الندم كغيره من صفات النفس، فان أمكن إزالة الصفات النفسية و كسبها فالندم كذلك، و الا لزم بطلان علم الأخلاق بالكلية، و أيضا إذا امكن تحصيل سبب الندامة-اعني العلم بفوات المحبوب-لزم ترتب المسبب-أعني الندامة عليه-فما معنى عدم كونه مقدورا، فالندامة في الإزالة و التحصيل لا يكون اصعب من كثير من الأخلاق النفسية. و بعضهم يعدّ ما عدا التندم من شرائط التوبة، قال: «و أما الندم-أعني تألم القلب على الذنب الذي هو روح التوبة-فغير مقدور، و هو التوبة حقيقة، و انما المقدور تحصيل أسبابه من العلم و الايمان و تحقيقهما في قلبه» انتهى. و فيه مالا يخفى بعلاوة ما سبق، قال الصادق-عليه السّلام-: «التوبة حبل اللّه و مدد عنايته، و لا بد للعبد من مداومة التوبة على كل حال، و كل فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السر و توبة الأولياء من تلوين الخطرات،

52

و توبة الاصفياء من التنفيس، و توبة الخاص من الاشتغال بغير اللّه، و توبة العالم من الذنوب، و لكل واحد منهم معرفة و علم في أصول توبته و منتهى أمره، و ذلك يطول شرحه هنا.

و أما توبة العام، فان يغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة، و الاعتراف بجنايته دائما، و اعتقاد الندم على ما مضى، و الخوف على ما بقى من عمره، و لا يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل، و يديم البكاء و الاسف على ما فاته من طاعة اللّه، و يحبس نفسه عن الشهوات، و يستغيث إلى اللّه-تعالى- ليحفظه على وفاء توبته و يعصمه عن العود إلى ما سلف، و يروض نفسه في ميدان الجهاد و العبادة، و يقضي عن الفوائت من الفرائض، و يرد المظالم، و يعتزل قرناء السوء، و يسهر ليله و يظمأ نهاره، و يتفكر دائما في عاقبته، و يستعين باللّه سائلا منه الاستقامة في سرائه و ضرائه، و يثبت عند المحن و البلاء كيلا يسقط عن درجة التوابين، فان في ذلك طهارة من ذنوبه، و زيادة في عمله، و رفعة في درجاته. قال اللّه-عز و جل-:

فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ (1) » (2) .

تتمة (هل يشترط في التوبة القدرة على الذنب السابق؟)

التوبة انما تكون عن ذنب سبق مثله، (أما) (3) ترك ذنب لم يسبق مثله حالا و العزم على تركه استقبالا لا يسمى توبة، بل يسمى تقوى، و يسمى

____________

(1) العنكبوت، الآية: 3.

(2) صححنا هذه الرواية على (مصباح الشريعة: الباب 80) .

(3) و في النسخ (او) بدل (أما) ، و الصحيح ما اثبتناه.